٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
128
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أن من أعرض عن ذكره كيف يحشر يوم القيامة أتبعه بما يعتبر [به] المكلف من الأحوال الواقعة في الدنيا بمن كذب الرسل فقال: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ } والقراءة العامة أفلم يهد بالياء المعجمة من تحت وفاعله هو قوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا } قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيناً لهم، كما جعل مثل ذلك واعظاً لهم وزاجراً، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي أفلم نهد لهم بالنون، قال الزجاج: يعني أفلم نبين لهم بياناً يهتدون به لو تدبروا وتفكروا، وأما قوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا } فالمراد به المبالغة في كثرة من أهلكه الله تعالى من القرون الماضية وأراد بقوله: {يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ } أن قريشاً يشاهدون تلك الآيات العظيمة الدالة على ما كانوا عليه من النعم، وما حل بهم من ضروب الهلاك، وللمشاهدة في ذلك من الاعتبار ما ليس لغيره، وبين أن في تلك الآيات آيات لأولى النهى، أي لأهل العقول والأقرب أن للنهية مزية على العقل، والنهي لا يقال إلا فيمن له عقل ينتهي به عن القبائح، كما أن لقولنا: أولو العزم مزية على أولو الحزم، فلذلك قال بعضهم: أهل الورع وأهل التقوى، ثم بين تعالى الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلاً على من كذب وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً، ولا شبهة في أن الكلمة هي إخبار الله تعالى ملائكته وكتبه في اللوح المحفوظ، أن أمته عليه السلام وإن كذبوا فسيؤخرون ولا يفعل بهم ما يفعل بغيرهم من الاستئصال، واختلفوا فيما لأجله لم يفعل ذلك بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم: لأنه علم أن فيهم من يؤمن، وقال آخرون: علم أن في نسلهم من يؤمن ولو أنزل بهم العذاب لعمهم الهلاك، وقال آخرون: المصلحة فيه خفية لا يعلمها إلا هو، وقال أهل السنة: له بحكم المالكية أن يخص من شاء بفضله ومن شاء بعذابه من غير علة، إذ لو كان فعله لعلة لكانت تلك العلة إن كانت قديمة لزم قدم الفعل، وإن كانت حادثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل، فلهذا قال أهل التحقيق: كل شيء صنيعه لا لعلة، وأما الأجل المسمى ففيه قولان: أحدهما: ولولا أجل مسمى في الدنيا لذلك العذاب وهو يوم بدر. والثاني: ولولا أجل مسمى في الآخرة لذلك العذب وهو أقرب، ويكون المراد ولولا كلمة سبقت تتضمن تأخير العذاب إلى الآخرة كقوله: { أية : بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ } تفسير : [القمر: 46] لكان العقاب لازماً لهم فيما يقدمون عليه من تكذيب الرسول وأذيتهم له، ثم إنه تعالى لما أخبر نبيه بأنه لا يهلك أحداً قبل استيفاء أجله أمره بالصبر على ما يقولون ولا شبهة في أن المراد أن يصبر على ما يكرهه من أقوالهم، فيحتمل أن يكون ذلك قول بعضهم: إنه ساحر أو مجنون أو شاعر إلى غير ذلك، ويحتمل أن يكون المراد تكذيبهم له فيما يدعيه من النبوة، ويحتمل أيضاً تركهم القبول منه لأن كل ذلك مما يغمه ويؤذيه فرغبه تعالى في الصبر وبعثه على الإدامة على الدعاء إلى الله تعالى وإبلاغ ما حمل من الرسالة وأن لا يكون ما يقدمون عليه صارفاً له عن ذلك، ثم قال الكلبي ومقاتل: هذه الآية منسوخة بآية القتال، ثم قال: {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } وهو نظير قوله: { أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ } تفسير : [البقرة: 45] وفيه مسائل: المسألة الأولى: {بِحَمْدِ رَبّكَ } في موضع الحال وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه. المسألة الثانية: إنما أمر عقيب الصبر بالتسبيح لأن ذكر الله تعالى يفيد السلوة والراحة إذ لا راحة للمؤمنين دون لقاء الله تعالى. المسألة الثالثة: اختلفوا في التسبيح على وجهين، فالأكثرون على أن المراد منه الصلاة وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أوجه. أحدها: أن الآية تدل على أن الصلوات الخمس لا أزيد ولا أنقص، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: دخلت الصلوات الخمس فيه، فقبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر، وقبل غروبها هو الظهر والعصر لأنهما جميعاً قبل الغروب، ومن آناء الليل فسبح المغرب والعشاء الأخيرة ويكون قوله: {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ } كالتوكيد للصلاتين الواقعتين في طرفي النهار وهما صلاة الفجر وصلاة المغرب كما اختصت في قوله: { أية : والصلاة الوسطى } تفسير : [البقرة: 238] بالتوكيد. القول الثاني: أن الآية تدل على الصلوات الخمس وزيادة، أما دلالتها على الصلوات الخمس فلأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخلان في هاتين العبارتين، فأوقات الصلوات الواجبة دخلت فيهما، بقي قوله: {وَمِنْ ءَانَآىءِ ٱلَّيْلِ فَسَبّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ } وأطراف النهار للنوافل. القول الثالث: أنها تدل على أقل من الخمس، فقوله: قبل طلوع الشمس للفجر، وقبل غروبها للعصر، ومن آناء الليل للمغرب والعتمة، فيبقى الظهر خارجاً. والقول الأول أقوى وبالاعتبار أولى. هذا كله إذا حملنا التسبيح على الصلاة، قال أبو مسلم: لا يبعد حمله على التنزيه والإجلال، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات، وهذا القول أقرب إلى الظاهر وإلى ما تقدم ذكره، وذلك لأنه تعالى صبره أولاً على ما يقولون من تكذيبه ومن إظهار الشرك والكفر، والذي يليق بذلك أن يأمر بتنزيهه تعالى عن قولهم حتى يكون دائماً مظهراً لذلك وداعياً إليه فلذلك قال ما يجمع كل الأوقات. المسألة الرابعة: أفضل الذكر ما كان بالليل لأن الجمعية فيه أكثر. وذلك لسكون الناس وهدء حركاتهم وتعطيل الحواس عن الحركات وعن الأعمال، ولذلك قال سبحانه وتعالى: { أية : إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً } تفسير : [المزمل: 6] وقال: { أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ } تفسير : [الزمر: 9] ولأن الليل وقت السكون والراحة. فإذا صرف إلى العبادة كانت على الأنفس أشق وللبدن أتعب فكانت أدخل في استحقاق الأجر والفضل. المسألة الخامسة: لقائل أن يقول: النهار له طرفان فكيف قال: {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ } بل الأولى أن يقول كما قال: { أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ } تفسير : [هود: 114]، وجوابه من الناس من قال أقل الجمع اثنان فسقط السؤال، ومنهم من قال: إنما جمع لأنه يتكرر في كل نهار ويعود، أما قوله تعالى: {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ } ففيه وجوه. أحدها: أن هذا كما يقول الملك الكبير: يا فلان اشتغل بالخدمة فلعلك تنتفع به ويكون المراد إني أوصلك إلى درجة عالية في النعمة، وهو إشارة إلى قوله: { أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } تفسير : [الضحى: 5] وقوله: { أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } تفسير : [الإسراء:79]، وثانيها: لعلك ترضى ما تنال من الثواب. وثالثها: لعلك ترضى ما تنال من الشفاعة. وقرأ الكسائي وعاصم: {لعلك ترضى} بضم التاء والمعنى لا يختلف لأن الله تعالى إذا أرضاه فقد رضيه وإذا رضيه فقد أرضاه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} يريد أهل مكة؛ أي أفلم يتبين لهم خبر من أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إذا سافروا وخرجوا في التجارة طلب المعيشة، فيرون بلاد الأمم الماضية، والقرون الخالية خاوية؛ أي أفلا يخافون أن يحلّ بهم مثل ما حلّ بالكفار قبلهم. وقرأ ابن عباس والسُّلَمي وغيرهما «نَهْدِ لَهُمْ» بالنون وهي أبين. و«يهد» بالياء مشكل لأجل الفاعل؛ فقال الكوفيون: «كَمْ» الفاعل؛ النحاس: وهذا خطأ؛ لأن «كم» استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها. وقال الزجاج: المعنى أولم يهد لهم الأمر بإهلاكنا من أهلكنا. وحقيقة «يهد» يدل على الهدى؛ فالفاعل هو الهدى تقديره: أفلم يهد الهدي لهم. قال الزجاج: «كم» في موضع نصب بـ {أَهْلَكْنَا}. قوله تعالى: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً} فيه تقديم وتأخير؛ أي ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً؛ قاله قتادة. واللزام الملازمة؛ أي لكان العذاب لازماً لهم. وأضمر اسم كان. قال الزجاج: {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} عطف على «كلمة». قتادة: والمراد القيامة؛ وقاله القتبي. وقيل: تأخيرهم إلى يوم بدر. قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أمره تعالى بالصبر على أقوالهم: إنه ساحر؛ إنه كاهن؛ إنه كذاب؛ إلى غير ذلك. والمعنى: لا تحفل بهم؛ فإن لعذابهم وقتاً مضروباً لا يتقدّم ولا يتأخر. ثم قيل: هذا منسوخ بآية القتال. وقيل: ليس منسوخاً؛ إذ لم يستأصل الكفار بعد آية القتال بل بقي المعظم منهم. قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} قال أكثر المتأولين: هذه إشارة إلى الصلوات الخمس {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} صلاة الصبح {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} صلاة العصر {وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ} العتمة {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ} المغرب والظهر؛ لأن الظهر في آخر طرف النهار الأوّل، وأوّل طرف النهار الآخر؛ فهي في طرفين منه؛ والطرف الثالث غروب الشمس وهو وقت المغرب. وقيل: النهار ينقسم قسمين فصلهما الزوال، ولكل قسم طرفان، فعند الزوال طرفان؛ الآخر من القسم الأوّل والأوّل من القسم الآخر؛ فقال عن الطرفين أطرافاً على نحو {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم: 4] وأشار إلى هذا النظر ابن فورك في المشكل. وقيل: النهار للجنس فلكل يوم طرف، وهو إلى جمع لأنه يعود في كل نهار. «وآناء الليل» ساعاته وواحد الآناء إِنْيٌ وإِنًى وأَنًى. وقالت فرقة: المراد بالآية صلاة التطوّع؛ قاله الحسن. قوله تعالى: {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} بفتح التاء؛ أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به. وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم «تُرْضَى» بضم التاء؛ أي لعلك تُعطَى ما يرضيك.
البيضاوي
تفسير : {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} مسند إلى الله تعالى أو الرسول أو ما دل عليه. {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} أي إهلاكنا إياهم أو الجملة بمضمونها، والفعل على الأولين معلق يجري مجرى أعلم ويدل عليه القراءة بالنون. {يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ} ويشاهدون آثار هلاكهم. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لأيَـٰتٍ لأُوْلِى ٱلنُّهَىٰ} لذوي العقول الناهية عن التغافل والتعامي.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {أَفَلَمْ يَهْدِ} لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به يا محمد كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا، فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية التي خلفوهم فيها يمشون فيها؟ {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لأَيَـٰتٍ لأُِوْلِى ٱلنُّهَىٰ} أي: العقول الصحيحة والألباب المستقيمة، كما قال تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46] وقال في سورة "الم السجدة": {أية : أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمْ} تفسير : [السجدة: 26] الآية، ثم قال تعالى: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} أي: لولا الكلمة السابقة من الله، وهو أنه لايعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل المسمى الذي ضربه الله تعالى لهؤلاء المكذبين إلى مدة معينة، لجاءهم العذاب بغتة، ولهذا قال لنبيه مسلياً له: {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أي: من تكذيبهم لك {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} يعني صلاة الفجر {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} يعني: صلاة العصر؛ كما جاء في "الصحيحين" عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: «حديث : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، فافعلوا» تفسير : ثم قرأ هذه الآية. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن عمارة بن رؤيبة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» تفسير : رواه مسلم من حديث عبدالملك بن عمير به، وفي المسند والسنن عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر الى أقصاه كما ينظر الى أدناه، وإن أعلاهم منزلة لمن ينظر إلى الله تعالى في اليوم مرتين».تفسير : وقوله: {وَمِنْ ءَانَآءِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ} أي: من ساعاته، فتهجد به، وحمله بعضهم على المغرب والعشاء، {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ} في مقابلة آناء الليل {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} كما قال تعالى: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } تفسير : [الضحى: 5] وفي "الصحيح": «حديث : يقول الله تعالى: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: إني أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: وأي شىء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً» تفسير : وفي الحديث الآخر: «حديث : يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فو الله ما أعطاهم خيراً من النظر إليه، وهي الزيادة»
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَلَمْ يَهْدِ } يتبيّن {لَهُمْ } لكفار مكة {كَمْ } خبرية مفعول {أَهْلَكْنَا } أي كثيراً إهلاكنا {قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ } أي الأمم الماضية بتكذيب الرسل {يَمْشُونَ } حال من ضمير لهم {فِى مَسَٰكِنِهِمْ } في سفرهم إلى الشام وغيرها فيعتبروا؟ وما ذكر من أخذ «إهلاك» من فعله الخالي عن حرف مصدري لرعاية المعنى لا مانع منه {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَٰتٍ } لَعِبَراً {لأُوْلِى ٱلنُّهَىٰ } لذوي العقول.
الشوكاني
تفسير : قوله: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ } الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدّر، كما مرّ غير مرّة، والجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها وفاعل يهد هو الجملة المذكورة بعدها، والمفعول محذوف، وأنكر البصريون مثل هذا لأن الجمل لا تقع فاعلاً، وجوّزه غيرهم. قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيناً لهم. قال النحاس: وهذا خطأ؛ لأن "كم" استفهام، فلا يعمل فيها ما قبلها. وقال الزجاج: المعنى: أو لم يهد لهم الأمر بإهلاكنا من أهلكناه، وحقيقته تدل على الهدى، فالفاعل هو الهدى، وقال: "كَمْ" في موضع نصب بـ {أهلكنا}. وقيل: إن فاعل {يهد} ضمير للّه أو للرسول، والجملة بعده تفسره، ومعنى الآية على ما هو الظاهر: أفلم يتبين لأهل مكة خبر من {أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ ٱلْقُرُونِ } حال كون القرون {يَمْشُونَ فِي مَسَـٰكِنِهِمْ } ويتقلبون في ديارهم، أو حال كون هؤلاء يمشون من مساكن القرون الذين أهلكناهم عند خروجهم للتجارة وطلب المعيشة، فيرون بلاد الأمم الماضية، والقرون الخالية خاوية خاربة من أصحاب الحجر وثمود وقرى قوم لوط، فإن ذلك مما يوجب اعتبارهم، لئلا يحل بهم مثل ما حل بأولئك، وقرأ ابن عباس والسلمي: "نهد" بالنون، والمعنى على هذه القراءة واضح، وجملة: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأوْلِي ٱلنُّهَىٰ } تعليل للإنكار وتقرير للهداية، والإشارة بقوله: {ذلك} إلى مضمون {كم أهلكنا} إلى آخره. والنهى: جمع نهية، وهي العقل، أي لذوي العقول التي تنهى أربابها عن القبيح. {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } أي ولولا الكلمة السابقة، وهي وعد الله سبحانه بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الدار الآخرة {لَكَانَ } عقاب ذنوبهم {إلزاماً} أي لازماً لهم، لا ينفك عنهم بحال ولا يتأخر. وقوله: {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } معطوف على {كلمة} قاله الزجاج وغيره؛ والأجل المسمى هو: يوم القيامة، أو يوم بدر، واللزام مصدر لازم. قيل: ويجوز عطف {وأجل مسمى} على الضمير المستتر في كان العائد إلى الأخذ العاجل المفهوم من السياق؛ تنزيلاً للفصل بالخبر منزلة التأكيد، أي لكان الأخذ العاجل {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود، وفيه تعسف ظاهر. ثم لما بين الله سبحانه أنه لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أمره بالصبر، فقال: {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } من أنك ساحر كذاب، ونحو ذلك أن مطاعنهم الباطلة، والمعنى: لا تحتفل بهم، فإن لعذابهم وقتاً مضروباً لا يتقدّم ولا يتأخر. وقيل: هذا منسوخ بآية القتال {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } أي متلبساً بحمده. قال أكثر المفسرين: والمراد: الصلوات الخمس كما يفيد قوله: {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ } فإنه إشارة إلى صلاة الفجر {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } فإنه إشارة إلى صلاة العصر {وَمِنْ ءَانَاء ٱلَّيْلِ } العتمة، والمراد بالآناء: الساعات، وهي جمع إني بالكسر والقصر، وهو الساعة، ومعنى {فَسَبّحْ } أي فصلّ {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ } أي المغرب والظهر لأن الظهر في آخر طرف النهار الأول، وأوّل طرف النهار الآخر. وقيل: إن الإشارة إلى صلاة الظهر هي بقوله: {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } لأنها هي وصلاة العصر قبل غروب الشمس. وقيل: المراد بالآية صلاة التطوّع. ولو قيل ليس في الآية إشارة إلى الصلاة بل المراد التسبيح في هذه الأوقات أي: قول القائل سبحان الله، لم يكن ذلك بعيداً من الصواب. والتسبيح وإن كان يطلق على الصلاة ولكنه مجاز، والحقيقة أولى إلا لقرينة تصرف ذلك إلى المعنى المجازي، وجملة: {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ } متعلقة بقوله: {فسبح} أي سبح في هذه الأوقات رجاء أن تنال عند الله سبحانه ما ترضى به نفسك، هذا على قراءة الجمهور. وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم: "ترضى" بضم التاء مبنياً للمفعول، أي يرتضيك ربك. {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوٰجاً مّنْهُمْ } قد تقدّم تفسير هذه الآية في الحجر. والمعنى: لا تطل نظر عينيك، و{أزواجاً} مفعول {متعنا}. و{زهرة} منصوبة على الحال، أو بفعل محذوف، أي جعلنا أو أعطينا، ذكر معنى هذا الزجاج. وقيل: هي بدل من الهاء في: {به} باعتبار محله، وهو النصب لا باعتبار لفظه، فإنه مجرور كما تقول: مررت به أخاك. ورجح الفراء النصب على الحال، يجوز أن تكون بدلاً، ويجوز أن تكون منتصبة على المصدر مثل صبغة الله ووعد الله و{زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا }: زينتها وبهجتها بالنبات وغيره. وقرأ عيسى بن عمر: "زهرة" بفتح الهاء، وهي نور النبات، واللام في: {لِنَفْتِنَهُمْ فيه} متعلق بـ {متعنا} أي لنجعل ذلك فتنة لهم وضلالة، ابتلاءً منا لهم، كقوله: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلاْرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ}تفسير : [الكهف: 7] وقيل: لنعذبنهم. وقيل: لنشدد عليهم في التكليف {وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } أي ثواب الله، وما ادّخر لصالح عباده في الآخرة خير مما رزقهم في الدنيا على كل حال، وأيضاً فإن ذلك لا ينقطع، وهذا ينقطع، وهو معنى {وأبقى}. وقيل: المراد بهذا الرزق: ما يفتح الله على المؤمنين من الغنائم ونحوها، والأوّل أولى؛ لأن الخيرية المحققة والدوام الذي لا ينقطع إنما يتحققان في الرزق الأخروي لا الدنيوي، وإن كان حلالاً طيباً: {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ }تفسير : [النحل: 96]. {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ } أمره الله سبحانه بأن يأمر أهله بالصلاة. والمراد بهم: أهل بيته. وقيل: جميع أمته، ولم يذكر ها هنا الأمر من الله له بالصلاة، بل قصر الأمر على أهله، إما لكون إقامته لها أمراً معلوماً، أو لكون أمره بها قد تقدّم في قوله: {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } إلى آخر الآية، أو لكون أمره بالأمر لأهله أمراً له، ولهذا قال: {وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا } أي اصبر على الصلاة، ولا تشتغل عنها بشيء من أمور الدنيا {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً } أي لا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك، وتشتغل بذلك عن الصلاة {نَّحْنُ نَرْزُقُكَ } ونرزقهم ولا نكلفك ذلك {وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ } أي العاقبة المحمودة، وهي الجنة لأهل التقوى على حذف المضاف كما قال الأخفش. وفيه دليل على أن التقوى هي ملاك الأمر وعليها تدور دوائر الخير. {وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِـئَايَةٍ مّن رَّبّهِ } أي قال كفار مكة: هلا يأتينا محمد بآية من آيات ربه كما كان يأتي بها من قبله من الأنبياء؟ وذلك كالناقة والعصا، أو هلا يأتينا بآية من الآيات التي قد اقترحناها عليه؟ فأجاب الله سبحانه وتعالى عليهم بقوله: {أَوَ لَمْ يَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلاْولَىٰ } يريد بالصحف الأولى: التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المنزلة، وفيها التصريح بنبوّته والتبشير به، وذلك يكفي، فإن هذه الكتب المنزلة هم معترفون بصدقها وصحتها، وفيها ما يدفع إنكارهم لنبوّته، ويبطل تعنتاتهم وتعسفاتهم. وقيل: المعنى: أو لم يأتهم إهلاكنا للأمم الذين كفروا واقترحوا الآيات، فما يؤمنهم إن أتتهم الآيات التي اقترحوها أن يكون حالهم كحالهم. وقيل: المراد: أو لم تأتهم آية هي أمّ الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعني القرآن، فإنه برهان: لما في سائر الكتب المنزلة. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو ويعقوب وابن أبي إسحاق وحفص: {أو لم تأتهم} بالتاء الفوقية، وقرأ الباقون بالتحتية؛ لأن معنى البينة: البيان والبرهان، فذكروا الفعل اعتباراً بمعنى البينة، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم. قال الكسائي: ويجوز: "بينة" بالتنوين. قال النحاس: إذا نوّنت بينة ورفعت جعلت "ما" بدلاً منها، وإذا نصبت فعلى الحال. والمعنى: أو لم يأتهم ما في الصحف الأولى مبيناً، وهذا على ما يقتضيه الجواز النحوي وإن لم تقع القراءة به. {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـٰهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ } أي من قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم أو من قبل إتيان البينة لنزول القرآن {لَقَالُواْ } يوم القيامة {رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً } أي هلا أرسلت إلينا رسولاً في الدنيا {فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ } التي يأتي بها الرسول {مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ } بالعذاب في الدنيا {وَنَخْزَىٰ } بدخول النار، وقرىء: "نذلّ ونخزى" على البناء للمفعول. وقد قطع الله معذرة هؤلاء الكفرة بإرسال الرسول إليهم قبل إهلاكهم؛ ولهذا حكى الله عنهم أنهم: {أية : قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَىْء } تفسير : [الملك: 9]. {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبّصٌ فَتَرَبَّصُواْ } أي قل لهم يا محمد كل واحد منا ومنكم متربص، أي منتظر لما يؤول إليه الأمر فتربصوا أنتم {فَسَتَعْلَمُونَ } عن قريب {مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصّرَاطِ ٱلسَّوِيّ } أي فستعلمون بالنصر والعاقبة من هو من أصحاب الصراط المستقيم {وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ } من الضلالة ونزع عن الغواية، و"من" في الموضعين في محل رفع بالابتداء. قال النحاس: والفراء يذهب إلى أن معنى {مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصّرَاطِ ٱلسَّوِيّ }: من لم يضلّ، وإلى أن معنى {مَّنِ ٱهْتَدَىٰ }: من ضلّ ثم اهتدى وقيل: "من" في الموضعين في محل نصب، وكذا قال الفراء. وحكي عن الزجاج أنه قال: هذا خطأ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقرأ أبو رافع: "فسوف تعلمون" وقرأ يحيـى بن يعمر وعاصم الجحدري: "السوى" على فعلى، وردت هذه القراءة بأن تأنيث الصراط شاذ وقيل: هي بمعنى الوسط والعدل. وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ }: ألم نبين لهم. {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَـٰكِنِهِمْ } نحو عاد وثمود ومن أهلك من الأمم. وفي قوله: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } يقول: هذا من مقاديم الكلام، يقول: لولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ نحوه. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: الأجل المسمى: الكلمة التي سبقت من ربك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {لَكَانَ لِزَاماً } قال: موتاً. وأخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } الآية قال: هي الصلاة المكتوبة. وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن جرير عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ } قال: "حديث : قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، {وقبل غروبها} صلاة العصر"تفسير : . وفي الصحيحين وغيرهما من حديث جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا"تفسير : ، وقرأ {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ * قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا }. وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي عن عمارة بن رؤبة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة وابن راهويه والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والخرائطي وأبو نعيم عن أبي رافع قال: «أضاف النبيّ صلى الله عليه وسلم ضيفاً. ولم يكن عند النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يصلحه، فأرسلني إلى رجل من اليهود: أن بعنا أو أسلفنا دقيقاً إلى هلال رجب، فقال: لا إلا برهن، فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: "حديث : أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض، ولئن أسلفني أو باعني لأدّيت إليه، اذهب بدرعي الحديد"تفسير : ، فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ}. كأنه يعزيه عن الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا"تفسير : ، قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال: "حديث : بركات الأرض"تفسير : . وأخرج ابن مردويه وابن عساكر وابن النجار عن أبي سعيد الخدريّ قال: لما نزلت: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ } كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يجيء إلى باب عليّ صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول: "حديث : الصلاة رحمكم الله {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً}"تفسير : [الأحزاب: 33]. وأخرج ابن مردويه عن أبي الحمراء نحوه. وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ثابت، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله: "حديث : يا أهلاه صلوا صلوا"تفسير : ، قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب بإسناد. قال السيوطي: صحيح، عن عبد الله بن سلام قال: حديث : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا نزلت بأهله شدّة أو ضيق أمرهم بالصلاة، وقرأ {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ } الآية.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ القُرُونِ} المعنى: أفلم يبين لهم. وقرأت فرقةٌ: «نَهْدِ» بالنون، والمراد بالقرونِ المهلَكِين: عَادٌ، وثَمُودٌ، والطَّوائِفُ التي كانت قريشٌ تجوزُ على بلادهم في المرور إلى الشام وغيره، ثم أعلم سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن العذابَ كان يصير لهم لِزَاماً لولا كلمة «سبقَتْ من اللّه تعالى في تَأْخيره عنهم إلى أجلٍ مُسَمًّى عنده، فتقدير الكلام. ولولاَ كلمةٌ سبقت في التَّأْخِير، وأجلٍ مسمى، لكَانَ العذابُ لِزَاماً؛ كما تقولُ لَكَانَ حَتْماً، أو واقعاً، لكنّه قدم وأَخّر؛ لتشابه رُؤُوس الآي. واختُلِف في الأجل المسمى: هل هو يوم القيامة، أو موت كل واحد منهم، أو يوم بدْرٍ؟ وفي «صحيح البخاري»: أن يوم بَدْرٍ هو: اللزام، وهو: البَطْشَةُ الكُبْرىٰ، يعني: وقع في البخاري من تفسير ٱبْنِ مَسْعُودٍ، وليس هو من تفسير النبي صلى الله عليه وسلم. قال * ص *: و {لِزَاماً}: إمَّا مصدرٌ، وإمَّا بمعنى ملزم، وأجاز أبو البقاء: أنْ يكون جمع لاَزِم، كَقَائِمٍ وقيام. انتهى. ثم أمر اللّه سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصّبْر على أقوالهم: إنه ساحرٌ، إنه كاهن، إنه كاذب إلَى غير ذلك. وقوله سبحانه: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ...} الآية، قال أكثرُ المفسرين: هذه إشارةٌ إلى الصلوات الخمس؛ فقبل طلوع الشمس صلاةُ الصبح، وقبل غُرُوْبَها صَلاةُ العَصْر، ومن آناءِ الليل العِشَاءُ، وأطرافُ النهار المغرِبُ والظهر. قال ٱبنُ العربي: والصحيحُ أنَّ المغربَ من طَرَفِ الليل، لاَ مِنْ طرف النَّهَارِ. انتهى من «الأحكام». وقالت فرقةٌ: آناء الليل: المغرب والعشاء، وأطراف النهار: الظهر وحدها، ويحتمل اللفظ أن يراد به قول: سبحان اللّه وبحمده. وقالت فرقةٌ: في الآية: إشارةٌ إلى نوافل، فمنها آناء الليل، ومنها قبل طلوع الشمس ركعتا الفجر. * ت *: ويتعذر على هذا التأويل قولُه: {وقَبْلَ غُرُوبِهَا}؛ إذْ لَيْس ذلك الوقْتُ وقْتَ نفل، على ما علم إلاَّ أنَّ يتأول ما قبل الغروب بما قبل صلاة العصر وفيه بعد. قال * ص *: {بِحَمْدِ رَبِّكَ} في موضع الحال، أي: وأنت حامدٌ. انتهى. وقرأ الجمهور: {لَعْلَّكَ تَرْضَىٰ} بِفَتْح التاء، أي: لعلك تُثَابُ على هذه الأعمال بما ترضى به. قال ابنُ العربي في «أحكامه»: وهذه الآية تُماثِلُ قولَهُ تعالى: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى:5]. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ؛ فإنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَلاَّ تُغْلَبُوا عَلَىٰ صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَعْنِي: الصُّبْحَ، وقَبْلَ غُرُوبَهِا؛ فَٱفْعَلُوا».تفسير : وفي الحديث الصحيح أيضاً: «حديث : منْ صَلَّى البَرْدَيْنِ، دَخَلَ الجَنَّةَ»تفسير : . انتهى. وقرأَ الكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «تُرْضَىٰ» أي: لعلك تُعْطى ما يرضيك، ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم: بالاحتقار لشأن الكفرة، والإعراض عن أموالهم، وما في أيْديهم من الدنيا؛ إذ ذلك مُنْحَسِرٌ عنهم صائر إلى خِزْي، والأزواج: الأنواع، فكأنه قال: إلَى ما متعنا به أقواماً منهم، وأَصنافاً. وقوله: {زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} شبَّه سبحانه نِعَم هؤلاء الكفار بالزهر، وهو ما ٱصْفَرَّ من النّوْر، وقيل: الزهر: النورُ جملةً؛ لأن الزهر له منظر، ثم يضمحل عن قرب، فكذلك مآلُ هؤلاء، ثم أخبر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم: أن ذلك إنما هو ليختبرهم به، ويجعله فِتْنةً لهم وأمراً يجازون عليه أسوأ الجزَاءِ؛ لفساد تقلبهم فيه. * ص *: و {زَهْرَةً}: منصوبٌ على الذمِّ، أو مفعولٌ ثانٍ لـ: {مَتَّعْنَا} مضمن معنى أعطينا. اهـــ. ورزق اللّه تعالى الذي أحله للمتقين من عباده، خير وأبقى، أيْ: رزق الدنيا خيرٌ ورزق الآخرة أبقى، وبين أنه خير من رزق الدنيا، ثم أمره سبحانه وتعالى بأن يأمر أهله بالصلاة، ويمتثلها معهم ويَصْطَبِر عليها ويلازمها، وتكفَّل هو تعالى برزْقِهِ لا إلٰهَ إلاَّ هو، وأخبره أن العَاقِبَةَ للمتقِينَ بنصره في الدنيا، ورحمته في الآخرة، وهذا الخطابُ للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل في عُمُوْمِهِ: جميعُ أمته. ورُوِيَ: أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ رضي اللّه عنه كان إذا رأى شيئاً من أخبار السلاطين وأحوالهم، بادر إلَى منزله، فدخله وهو يقول: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...} الآية إلى قوله {وأَبْقَىٰ} ثم يُنَادِي: الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ رَحِمَكُمُ اللّهُ، ويصلي. وكان عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ رضي اللّه عنه يوقِظُ أَهْلَ دَارِهِ لِصَلاَةِ اللَّيْلِ ويصلِّي هو ويتمثَّلُ بالآية. قال الداوودي: وعن عَبْدِ اللّهُ بْنِ سَلاَمٍ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله ضِيقٌ أوْ شِدَّةٌ أمرهم بالصَّلاَةِ، ثم قرأَ: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ} إلى قوله {لِلتَّقْوَىٰ}. انتهى. قال ٱبن عطاء اللَّه في «التنوير» وٱعلم. أنَّ هذه الآية علمت أهل الفَهْم عن اللَّه تعالى كَيْفَ يطلبون رزقَهُم، فإذَا توقفت عليهم أسباب المعيشة، أكثروا من الخِدْمة والموافقة، وقَرَعُوا بابَ الرِّزْقِ بمعاملة الرزَّاق - جل وعلا - ثم قال: وسمعتُ شَيْخَنَا أَبَا العَبَّاس المُرْسِي رضي اللَّه عنه يقول: واللَّه مَا رَأَيْتَ العزَّ إلاَّ في رفع الهِمّة عن الخلق، وٱذْكُرْ رحمك اللَّه هنا: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [المنافقون:8]. ففي العز الذي أَعزّ اللَّه به المؤمن رفْعُ همته إلى مولاه، وثقتُه به دُونَ مَنْ سِوَاهُ، واستحي من اللَّه بعد أن كساك حُلّة الإيمان، وزينك بزينة العِرْفان؛ أن تستولي عليك الغفلة والنسيان؛ حتى تميل إلى الأكوان، أو تطلب من غيره تعالى وجود إحسان، ثم قال: ورفع الهِمَّة عن الخلْقِ: هو ميزانُ ذوي الكمال ومِسْبار الرجال، كما توزن الذَّواتُ كذلك توزن الأحوالُ والصِّفَاتُ. انتهى. ومن كتاب «صفوة التصوف» لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي الحافظ حَدِيثٌ بسنده عن ٱبنِ عُمَرَ قال: أتَىَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رَجَلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدَّثْنِي حَدِيثاً، وٱجْعَلْهُ مُوجَزاً، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : صَلَّ صَلاَةَ مُوَدِّع، كَأَنَكَ تَرَاهُ، فَإنْ كُنْتَ لاَ تَرَاهُ، فَإنَّهُ يُرَاكَ، وَايَأَس مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، تَعْشِ غَنِيّاً، وإِيَّاكَ وَمَا يُعَتَذَّرُ مِنْهُ» تفسير : ورواه أبو أيوب الأنصاري بمثله عن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. {وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا} محمدٌ {بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أي: بعلامة مما ٱقترحناها عليه، ثم وبخهم سبحانه بقوله: {أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} أَيْ: ما في التوراة، وغيرها، ففيها أعظم شاهد، وأكبر، آية له سبحانه.
ابن عادل
تفسير : قوله: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} في فاعل (يَهْدِ) أوجه: أحدها: أنه ضمير الباري تعالى، ومعنى (يَهْدِي) يُبَيِّن، ومفعول (يَهْدِي) محذوف تقدره: أفلم يُبَيِّن اللهُ لهم العبرَ وفعله بالأمم المكذبة. قال أبو البقاء: وفي فاعله وجهان: أحدهما: ضمير اسم الله تعالى وعلَّق (بَيَّن) هنا، إذا كانت بمعنى أعلم كما علقه في قوله تعالى {أية : وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} تفسير : [إبراهيم: 45]. قال أبو حيَّان: و "كَمْ" هنا خبرية، والخبرية لا تعلِّق العامل (عنها). وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون فيه ضمير الله، أو الرسول، ويدل عليه القراءة بالنون. الوجهُ الثاني: أنَّ الفاعل مضمر يفسره ما دلَّ عليه من الكلام بعده، قال الحوفي: "كَمْ أَهْلَكْنَا" قد دَلَّ على هلاك القرون التقدير: أَفَلَمْ نُبَيِّن لَهُمْ هَلاَكَ من أهلكنا من القرون ومَحْونا آثارَهم فيتعِظُوا بذَلِك. وقال أبو البقاء: الفاعل ما دَلَّ عليه "أهْلَكْنا" أي إهْلاَكنا والجملة مفسرة له. الوجه الثالث: أنَّ الفاعل نفس الجملة بعده. قال الزمخشري: فاعل "لَمْ يَهْدِ" الجملة بعد يريد: أَلَمْ يَهْدِ لَهُم هذا بمعناه ومضمونه، ونظيره قوله: {أية : وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الصافات: 78، 79] أي: تركنا عليه هذا الكلام. قال أبو حيَّان: وكونُ الجملة فاعل "يَهْدِ" هو مذهب كوفيّ، وأما تشبيهه وتنظيره بقوله: {أية : وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الصافات: 78، 79] فإن "تَرَكْنَا" معناه هذا القول فحكيتْ به الجملة، فكأنه قيل: وقُلْنَا عليه، وأطلقنا عليه هذا اللفظ، (والجملة تُحكَى بمعنى القول كما تُحْكَى بالقول). الوجه الرابع: أنه ضمير الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المبيِّن لهم بما يوحى إليه من أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية، وهذا الوجه تقدم نقلُه عن الزمخشري. الوجه الخامس: أنَّ الفاعلَ محذوف، نقل ابن عطية عن بعضهم: أنَّ الفاعل مقدر تقديره: الهُدَى أو الأمرُ أو النَّظَرُ والاعتبارُ. قال ابن عطيَّة: وهذا عندي أحسن التقادير. قال أبو حيان: وهو قول المبرِّد، وليس بجيد إذ فيه حذف الفاعل، وهو لا يجوز عند البصريين، وتحسينه أن يقال: الفاعل مضمرٌ تقديره: يَهْدِ هُوَ أي: الهُدَى قال شهاب الدين: ليسَ في هذا القول أن الفاعل محذوف بل فيه أنه مقدر، ولفظ مقدَّر كثيراً ما يستعمل في المضمر. وأما مفعول "يَهْدِ" ففيه وجهان: أحدهما: أنه محذوف. والثاني: أن يكون الجملة من "كَمْ" وما في خبرها، لأنها معلقة له، فهي سادة مسدّ مفعوله. الوجه السادس: أن الفاعل "كَمْ" - قاله الحوفي، وأنكره على قائله لأن "كَمْ" استفهام لا يعمل فيها ما قبلها. قال أبو حيَّان: وليست "كَمْ" هنا استفهامية بل هي خبرية. واختار أن يكونَ الفاعل ضمير الله تعالى، فقال: وأحسَنُ التخاريج أن يكون الفاعلُ ضميراً عائداً على الله تعالى، كأنَّه قال أَفَلَمْ يبيِّن الله، ومفعول يبين محذوف، أي العبرَ بإهلاك القرون السابقة، ثم قال: "كَمْ أَهْلَكْنَا" أي: كثيراً أهلكنَا، فـ "كَمْ" مفعولة بـ "أَهْلَكْنَا" والجملة كأنها مفسرة للمفعول المحذوف لـ "يَهْدِ". قال القفَّال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيِّناً لهم كما جعل مثل ذلك واعظاً لهم وزاجراً. وقرأ ابنُ عباس وأبو عبد الرحمن السلمي "أَفَلَمْ نَهْدِ" بالنون المؤذنة بالتعظيم. قال الزجاج: يعني أَفَلَمْ نبيَِّن لهم بياناً يهتدون به لو تدبروا وتفكروا. وقوله: "كَمْ أَهْلَكْنَا" فالمراد به المبالغة في كثرة مَنْ أهلكه الله تعالى من القرون الماضية. قوله: "مِنَ القُرونِ" في محل نصب (نعت لـ "كَمْ") لأنَّها نكرة ويضعف جعلُه حالاً من النكرة، ولا يجوز أن يكون تمييزاً على قواعد البصريين و "مِن" داخلة عليه على حد دخولها على غيره من التمييزات لتعريفه. قوله: "يَمشُونَ" حال من "القُرونِ"، أو من مفعول "أَهْلَكْنَا" والضمير على هذين عائد على القرون المهلكة، ومعناه: إنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ وَهُمْ في حال أمنٍ وَمَشْيٍ وتقلُّب في حاجاتهم كقوله: {أية : أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} تفسير : [الأنعام: 44] ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في "لَهُمْ"، والضمير في "يَمْشُونَ" على هذا عائد على مَنْ عادَ عليه الضمير في "لَهُمْ" وهم المشركون المعاصرون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعامل فيها "يَهْدِ". والمعنى: إنَّكم تَمْشُون في مساكن الأمم السالفة وتتصرفون في بلادهم فينبغي أن تعتبروا لئلا يحلّ بكُم ما حلَّ بهم. وقرأ ابن السميفع "يُمَشَّوْنَ" مبنيًّا للمفعول مضعفاً، لأنه لما تعدَّى بالتضعيف جاز بناؤه للمفعول. فصل المعنى: أَو لَمْ نبيِّن القرآن أو مَا تقدم من المقادير لكفَّار مكة {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ القُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِم} ديارهم إذا سافَرُوا. والخطاب لقريش كانوا يسافرون إلى الشام، فيروْنَ ديار المهلكين من أصحاب الحِجْر، وثَمُود، وقرى لوط {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} لذوي العقول. ثم بيَّن تعالى الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلاً على من كفر بمحمد - عليه السلام - فقال: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} (وفيه تقديم وتأخير)، والتقدير: ولولا كلمةٌ سبقت من ربك وأجل مسمى لكانَ لزاماً. والكلمة في الحكم بتأخير العذاب عنهم أي: وَلَوْلاَ حكمٌ سبقت بتأخير العذاب عنهم "وَأَجَلٌ مُسَمًّى" هو القيامة، (وقيل: يَوْمَ بَدْر). قوله: "وَأَجَلٌ مُسَمًّى" في رفعه وجهان: أظهرهما: عطفه على"كَلِمَةٌ"، أي: ولوْلاَ أجلٌ مُسَمًّى لكان العذاب لزاماً لهم. والثاني: جوَّزه الزمخشري، وهو أن يكون مرفوعاً عطفاً على الضمير المستتر، والضمير عائد على الأخذ العاجل المدلول عليه بالسياق، وقام الفصل بالخبر مقام التأكيد، والتقدير: ولوْلاَ كلمة سبقت من ربك لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعادٍ وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل، فقد جعل اسم "كَانَ" عائداً على ما دلَّ عليه السياق، إلا أنَّه قد يشكل عليه مسألة وهي أنه قد جوَّز في (لزاماً) وجهين: أحدهما: أن يكونَ مصدرَ (لازم) كالخصام، ولا إشكال على هذا. والثاني: أن يكون وصفاً على (فِعَال) بمعنى مُفْعِل أي: ملزم، كأنه آلة اللزوم، لفرط لزومه، كما قالوا: لِزَازٌ خَصِمٌ، وعلى هذا فيقال: كان ينبغي أن يطابق في التثنية، فيقال: لزامين بخلاف كونه مصدراً فإنه يفرد على كل حال. وجوَّز أبو البقاء أن يكون "لِزَاماً" جمع "لاَزِم" كقيام جمع قائِم. فصل والمراد أنَّ أمة محمد - عليه السلام - وإن كذَّبُوا فسيؤخرون ولا يفعل بهم ما فعل بغيرهم من الاستئصال، وذلك لأنَّه عَلِم أن فيهم من يؤمن. وقيل: علم أنَّ في نسلِهِم من يؤمن، ولو نزل بهم العذاب لعمهم الهلاك. وقيل: المصلحة فيه خفية لا يعلمها إلا الله تعالى. وقال أهل السنة: له بحكم المالكية أن يخص مَنْ يشاء بفضله ومَن شاء بعذابه من غير علة، إذ لو كان فعله لعلة لكانت تلك العلة إن كانت قديمة لزم قدوم الفعل، وإن كانت حادثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل. ثم إنَّه تعالى لما أخبر نبيَّه بأنه لا يُهْلِكُ أحداً قبل استيفاء أجله أمره بالصبر فقال: {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أي من تكذيبهم النبوة، وقيل: تركهم القبول. قال الكلبي ومقاتل: هذه الآية منسوخة بآية القتال. ثم قال: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} أي: صَلِّ بأمر ربك. وقيل: صَلِّ لله بالحمْدِ له، والثناء عليه، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ} تفسير : [البقرة: 45]. قوله: "بِحَمْدِ رَبِّك" حال أي: وأنتَ حامدٌ لربِّك على أنه وفقك للتسبيح وأعانك عليه. واختلفوا في التسبيح على قوليْن، فالأكثرون على أن المراد منه الصلاة وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أوجه: الأول: أنَّ المراد الصلوات الخمس، قال ابن عباس: دخلت الصلوات الخمس فيه، فـ {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} هو الفجر، وقيل؛ "غروبها" الظهر والعصر، لأنهما جميعاً قبل الغروب {وَمِنْ ءَانَاءِ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْ} يعني المغرب والعتمة، ويكون قوله: "وَأَطْرَافَ النَّهَار" كالتوكيد للصَّلاة بين الوقتين في طرفي النهار، وهما صلاة الفجر وصلاة المغرب، كما اختصت الوسطى بالتوكيد. الثاني: أنَّ المرادَ الصلوات الخمس والنوافل، لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخليْن في هاتيْن العبادتين وأوقات الصلاة الواجبة دخلت فيها، ففي قوله: {وَمِنْ ءَانَاءِ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ} للنوافل. الثالث: أن المراد أربع صلوات، فقوله: {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} للفجر "وَقَبْلَ غُرُوبِهَا" للعصر، {وَمِنْ ءَانَاءِ ٱللَّيْلِ} المغرب والعتمة، بقي الظهر خارجاً. وعلى هذا التأويل يمكن أن يستدل بهذه الآية على أن المراد بالصَّلاة الوُسْطى صلاة الظهر، لأن قوله: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ} تفسير : [البقرة: 238] المراد به هذه الأربع، ثم أفرد الوسطى بالذكر، والتأسيس أوْلَى من التأكيد، والأول أولى. هذا إذا حَمَلْنَا التسبيح على الصلاة. وقال أبو مسلم: لا يبعد حمله على التنزيه والإجلال، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات. فإن قيل: النهار له طرفان، فكيف قال: "وَأَطْرَافَ النَّهَار"؟ بل الأولى أن يقول كما قال: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ} تفسير : [هود: 114]. فالجواب: من الناس من قال أقل الجمع اثنان فسقط السؤال ومنهم من قال: إنما جمع لأنه يكرر في كل نهار ويعود. وقوله: {مِنْ ءَانَاءِ ٱللَّيْلِ} متعلق بـ "سَبِّحْ" الثانية. قوله: "وَأَطْرَافَ" العامة على نصبه، وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على محل {وَمِنْ آنَاءِ ٱللَّيْلِ}. والثاني: أنه عطف على "قَبْل". وقرأ الحسن وعيسى بن عمر "وأطرافِ" بالجر عطفاً على "آناء اللَّيل" وقوله هنا "أَطْرَافَ" وفي هود "طَرَفَيْ النَّهَارِ"، فقيل: هو من وضع الجمع موضع التثنية كقوله: شعر : 3701- ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْن تفسير : وقيل: هو على حقيقته، والمراد بالأطراف الساعات. قوله: "تَرْضَى" قرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم "تُرْضَى" مبنيًّا للمفعول. والباقون مبنيًّا للفاعل، وعليه {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 5] والمعنى: ترضى ما تنال من الشفاعة، أو ترضى بما تنال من الثواب على ضم التاء كقوله: {أية : وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} تفسير : [مريم: 55].
البقاعي
تفسير : ولما كان ما مضى من هذه السورة وما قبلها من ذكر مصارع الأقدمين، وأحاديث المكذبين، بسبب العصيان على الرسل، سبباً عظيماً للاستبصار والبيان، كانوا أهلاً لأن ينكر عليهم لزومهم لعماهم فقال تعالى: {أفلم يهد} أي يبين {لهم كم أهلكنا قبلهم} اي كثرة إهلاكنا لمن تقدمهم {من القرون} بتكذيبهم لرسلنا، حال كونهم {يمشون في مساكنهم} ويعرفون خبرهم بالتوارث خلفاً عن سلف أنا ننصر أولياءنا ونهلك أعدائنا ونفعل ما شئنا! والأحسن أن لا يقدر مفعول، ويكون المعنى: أو لم يقع لهم البيان الهادي، ويكون ما بعده استئنافاً عيناً كما وقع البيان بقوله استئنافاً: {إن في ذلك} أي الإهلاك العظيم الشأن المتوالي في كل أمة {لآيات} عظيمات البيان {لأولي النهى*} أي العقول التي من شأنها النهي عما لا ينفع فضلاً عما يضر، فإنها تدل بتواليها على قدرة الفاعل، وبتخصيص الكافر بالهلاك والمؤمن بالنجاة على تمام العلم مع عموم القدرة، وعلى أنه تعالى لا يقر على الفساد وإن أمهل - إلى غير ذلك ممن له وازع من عقله. ولما هددهم بإهلاك الماضين، ذكر سبب التأخير عنهم، عاطفاً على ما أرشد إلى تقديره السياق، وهو مثل أن يقال: فلو أراد سبحانه لعجل عذابهم: {ولولا كلمة} أي عظيمة ماضية نافذة {سبقت} أي في الأزل {من ربك} الذي عودك بالإحسان بأنه يعامل بالحلم والأناة، وأنه لا يستأصل مكذبيك، بل يمد لهم، ليرد من شاء منهم ويخرج من أصلاب بعضهم من يعبده، وإنما ذلك إكراماً لك رحمة لأمتك لأنا كما قلنا أول السورة {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} بإهلاكهم وإن كانوا قوماً لداً، ولا بغير ذلك، وما أنزلناه إلا لتكثر أتباعك، فيعملوا الخيرات، فيكون ذلك زيادة في شرفك، وإلى ذلك الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم " حديث : وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً " تفسير : {لكان} أي العذاب {لزاماً} أي لازماً أعظم لزوم لكل من أذنب عند أول ذنب يقع منه لشرفك عنده وقربك لديه {و} لولا {أجل مسمى*} ضربه لكل شيء لكان الأمر كذلك أيضاً، لكنه سبقت رحمته غضبه فهو لا يعجل، وضرب الأجل فهو لا يأخذ قبله، وكل من سبق الكلمة وتسمية الأجل مستقل بالإمهال فكيف إذا اجتمعا، فتسبب عن العلم بأنه لا بد من استيفاء الأجل وإن زاد العاصي في العصيان تسليم الأمور إلى الله وعدم القلق في انتظار الفرج فقال: {فاصبر على ما يقولون} لك من الاستهزاء وغيره. ولما كان الصبر شديداً على النفس منافراً للطبع، لأن النفس مجبولة على النقائص، مشحونة بالوسواس، أمر منه لأجل من يحتاج إلى الكمال بما ينهض بها من حضيض الجسم إلى أوج الروح بمقامي التحلي بالكمالات والتخلي عن الرعونات، وبدأ بالأول لأنه العون على الثاني، وذكر أشرف الحلي فقال: {وسبح بحمد ربك} أي اشتغل بما ينجيك من عذابه، ويقربك من جنابه، بأن تنزه من أحسن إليك عن كل نفص، حال كونك حامداً له بإثبات كل كمال، وذلك بأن تصلي له خاصة وتذكره بالذاكرين، غير ملتفت إلى شيء سواه {قبل طلوع الشمس} صلاة الصبح {وقبل غروبها} صلاة العصر والظهر؛ وغير السياق في قوله: {ومن آناء الّيل} أي ساعاته، جمع إنو - بكسر ثم سكون، أي ساعة، لأن العبادة حينئذ أفضل لاجتماع القلب وهدوء الرجل والخلو بالرب، لأن العبادة إذ ذاك أشق وأدخل في التكليف فكانت أفضل عند الله {فسبح} أي بصلاة المغرب والعشاء، إيذاناً بعظمة صلاة الليل، وكرر الأمر بصلاتي الصبح والعصر إعلاماً بمزيد فضلهما، لأن ساعتيهما أثناء الطي والبعث فقال: {وأطراف النهار} ويؤيد ما فهمته من أن ذلك تكرير لهما ما في الصحيحين حديث : عن جرير ابن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا تفسير : ، ثم قرأ هذه الاية. وإلا لم يكن في الآية مزيد حث عليهما خاصة، على أن لفظ "آناء وأطراف" صالح لصلاة التطوع من الرواتب وغيرها ليلاً ونهاراً، وأفاد بذكر الجارّ في الآناء التبعيض، لأن الليل محل الراحة، ونزعه من الأطراف لتيسر استغراقها بالذكر، لأن النهار موضع النشاط واليقظة، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون المراد بما قبل الطلوع الصبح، وما قبل الغروب العصر فقط، وببعض الآناء المغرب والعشاء، وأدخل الجار لكونهما وقتين، وبجميع الأطراف الصبح والظهر والعصر، لأن النهار له أربعة أطراف: أوله، وآخره وآخر نصفه الأول، وأول نصفه الثاني، والكل مستغرق بالتسبيح، ولذلك نزع الجار، أما الأول والآخر فبالصبح والعصر، وأما الآخران فبالتهيؤ للصلاة ثم الصلاة نفسها، وحينئذ تكون الدلالة على فضيلة الصبح والعصر من وجهين: التقديم والتكرير، وإلى ذلك الإشارة بالحديث، وإذا أريد إدخال النوافل حملت الأطراف على الساعات - والله الهادي. ولما كان الغالب على الإنسان النسيان فكان الرجاء عنده أغلب، ذكر الجزاء بكلمة الإطماع لئلا يأمن فقال: {لعلك ترضى *} أي افعل هذا لتكون على رجاء من أن يرضاك ربك فيرضيك في الدنيا والآخرة، بإظهار دينك وأعلاء أمرك، ولا يجعلك في عيش ضنك في الدنيا ولا في الآخرة - هذا على قراءة الكسائي وأبي بكر عن عاصم بالبناء للمفعول، والمعنى على قراءة الجماعة بالبناء للفاعل: لتكون على رجاء من أن تكون راضياً دائماً في الدنيا والآخرة، ولا تكون كذلك إلا وقد أعطاك ربك جميع ما تؤمل. ولما كانت النفس ميالة إلى الدنايا، مرهونة بالحاضر من فاني العطايا، وكان تخيلها عن ذلك هؤ الموصل إلى حريتها المؤذن بعلو همتها، قال مؤكداً إيذاناً بصعوبة ذلك: {ولا تمدن} مؤكداً له بالنون الثقيلة {عينيك} أي لا تطوّل نظرهما بعد النظرة الأولى المعفو عنها قاصداً للاستحسان {إلى ما متعنا به} بما لنا من العظمة التي لا ينقصها تعظم أعدائنا به في هذه الحياة الفانية {أزواجاً} أي أصنافاً متشاكلين {منهم} أي من الكفرة {زهرة} أي تمتيع {الحياة الدنيا} لا ينتفعون به في الآخرة لعدم صرفهم له في أوامر الله، فهو مصدر من المعنى مثل جلست قعوداً، ثم علل تمتيعهم بقوله تعالى: {لنفتنهم فيه} أي لنفعل بهم فعل المختبر، فيكون سبب عذابهم في الدنيا بالعيش الضنك لما مضى، وفي الآخرة بالعذاب الأليم، فصورته تغر من لم يتأمل معناها حق التأمل، فما أنت فيه خير مما هم فيه {ورزق ربك} الذي عود به أولياءه - وهو في دار السفر- الكفاف الطيب المقرون بالتوفيق {خير} من زهرتهم، لأنه يكفي ولا يطغي وزادك ما يدني إلى جنابه فيعلي {وأبقى*} فإنه وفقك لصرفه في الطاعة فكتب لك من أجره ما توفاه يوم الحاجة على وجه لا يمكن أحداً من الخلق حصره، وتكون الدنيا كلها فضلاً عما في أيديهم أقل من قطرة بالنسبة إلى بحره، وإضافة رزقه دون رزقهم إليه سبحانه - وإن كان الكل منه - للتشريف، وفي التعبير بالرب إيذان بالحل، وفيه إشارة إلى ظهوره عليهم وحياته بعدهم كما هو الشأن في الصالحين والطالحين. ولما أمر بتزكية النفس أتبعه الإعلام بأن منها تزكية الغير، لأن ذلك أدل على الإخلاص، وأجدر بالخلاص، كما دل عليه مثل السفينة الذي ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يأمر بالمعروف ومن يتركه فقال {وأمر أهلك بالصلاة} كما كان أبوك إسماعيل عليه السلام، ليقودهم إلى كل خير أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر تفسير : [العنكبوت: 45] ولم يذكر الزكاة لدخولها في التزهيد بالآية التي قبلها. ولما كانت شديدة على النفس عظيمة النفع، قال {واصطبر} بصيغة الافتعال {عليها} أي على فعلها، مفرغاً نفسك لها وإن شغلتك عن بعض أمر المعاش، لأنا {لا نسألك رزقاً} أي نكلفك طلبه لنفسك ولا لغيرك، فإن ما لنا من العظمة يأبى أن نكلفك أمراً، ولا نكفيك ما يشغلك عنه. ولما كانت النفس بكليتها مصروفة إلى أمر المعاش، كانت كأنها تقول: فمن أين يحصل الرزق؟ فقال: {نحن} بنون العظمة {نرزقك} لك ولهم ما قدرناه لكم من أيّ جهة شئنا من ملكنا الواسع وإن كان يظن أنها بعيدة، ولا ينفع في الرزق حول محتال، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا تدأبوا في تحصيله والسعي فيه، فإن كلاًّ من الجاد فيه والمتهاون به لا يناله أكثر مما قسمناه له في الأزل ولا أقل، فالمتقي لله المقبل على ذكره واثق بوعده قانع راض فهو في أوسع سعة، والمعرض متوكل على سعيه فهو في كد وشقاء وجهد وعناء أبداً {والعاقبة} أي الكاملة، وهي التي لا عاقبة في الحقيقة غيرها، وهي الحالة الجميلة المحمودة التي تعقب الأمور، أي تكون بعدها {للتقوى*} أي لأهلها، ولا معولة على الرزق وغيره توازي الصلاة، فقد حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة تفسير : - أخرجه أحمد عن حذيفة وعلقه البغوي في آخر سورة الحجر، وقال الطبراني في معجمه الأوسط: ثنا أحمد - هو ابن يحيى الحلواني - ثنا سعيد - هو ابن سليمان - عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن محمد بن حمزة عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله الضيق أمرهم بالصلاة، ثم قرأ {وأمر أهلك بالصلاة} الآيةتفسير : . لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن سلام إلا بهذا الإسناد، تفرد به معمر، وقال الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير في تفسيره: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي عبد الله بن أبي زياد القطران ناسيارنا جعفر عن ثابت قال: حديث : كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أصابته خصاصة نادى أهله: ياأهلاه! صلوا صلوا تفسير : ، قال ثابت: وكان الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة، وقد روى الترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد - وقال الترمذي: حسن غريب - من حديث عمران بن زائدة عن أبيه عن أبي خالد الوالبي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يقول الله تعالى: تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقركتفسير : . وروى ابن ماجه من حديث الضحاك عن الأسود عن ابن مسعود رضي الله عنه: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم أحوال الدنيا لم يبال الله في أيّ أوديتها هلك تفسير : . وروى أيضاً من حديث عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمر، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة . تفسير : ولما قدم في هذه السورة ما ذكر من قصص الأولين وأخبار الماضين، مبكتاً بذلك من أمر قريش بالتعنت من اليهود، فلم يقدروا على إنكار شيء منه ولا توجيه طعن إليه، وخلله ببدائع الحكم، وغرائب المواعظ في أرشق الكلم، وختم ذلك بأعظم داع إلى التقوى، عجب منهم في كونهم لا يذعنون للحق أنفة من المجاهرة بالباطل، أو خوفاً من سوء العواقب، فقال: {وقالوا} ولعله عطف على ما يقدر في حيز قوله {أفلم يهد لهم} إلى قوله: {إن في ذلك لآيات} من أن يقال: وقد أبوا ذلك ولم يعدوا شيئاً منه آية: {لولا} أي هلا ولم لا {يأتينا} أي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم {بآية} أي مثل آيات الأولين {من ربه} المحسن إليه، دالة على صدقه. ولما تضمن هذا أنهم لم يعدوا شيئاً من هذه البينات - التي أدلى بها على من تقدمه - آية مكابرة، استحقوا الإنكار، فقال: {أولم} أي ألم يأتهم من الآيات في هذا القرآن مما خصصتك به من الأحكام والحكم في أبلغ المعاني بأرشق النظوم ما أعجز بلغاءهم، وأبكم فصحاءهم، فدل قطعاً على أنه كلامي، أو لم {تأتهم بينة ما} أي الأخبار التي {في الصحف الأولى*} من صحف إبراهيم وموسى وعيسى وداود عليهم السلام في التوارة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب الإلهية كقصتي آدم وموسى المذكورتين في هذه السورة وغيرهما مما تقدم قصة لها كما هي عند أهلها على وجوه لا يعلمها إلا قليل من حذاقهم من غير أن يخالط عالماً منهم أو من غيرهم، ومن غير أن يقدر أحد منهم على معارضة ما أتى به في قصتها من النظم المنتج قطعاً أنه لا معلم له إلا الله المرسل له، وأن أتى به منها شاهد لما في الصحف الأولى من ذلك بالصدق، لأنه كلام الله، فهو بينة على غيره لإعجازه، فجميع الكتب الإلهية مفتقرة إلى شهادته افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة، ولا افتقار له بعد العجز عنه إلى شيء أصلاً، فهو أعظم من آيات جميع الأنبياء اللاتي يطلبون مثلها بما لا يقايس. ولما تبين بذلك أنهم يطعنون بما لا شبهة لهم فيه أصلاً، أتبعه ما كان لهم فيه نوع شبهة لو وقع، فقال عاطفاً على {ولولا كلمة}: {ولو أنا أهلكناهم} معاملة لهم في عصيانهم بما يقتضيه مقام العظمة {بعذاب من قبله} أي من قبل هذا القرآن المذكور في الآية الماضية وما قاربها، وفي قوله {ولا تعجل بالقرآن} صريحاً، وكذا في مبنى السورة {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} {لقالوا} يوم القيامة: {ربنا} يا من هو متصف بالإحسان إلينا {لولا} أي هلا ولم لا {أرسلت} ودلوا على عظمته وعلو رتبته بحرف الغاية فقالوا: {إلينا رسولاً} أي يأمرنا بطاعتك {فنتبع} أي فيتسبب عنه أن نتبع {آياتك} التي يجيئنا بها. ولما كان اتباعهم لا يستغرق زمان القبل قالوا: {من قبل أن نذل} بالعذاب هذا الذل {ونخزى*} بالمعاصي التي عملناها على جهل هذا الخري فلأجل ذلك أرسلناك إليهم وأقمنا بك حجة عليهم، ونحن نترفق بهم، ونكشف عن قلوب من شئنا منهم ما عليها من الرين بما ننزل من الذكر ونجدد من الآيات حتى نصدق أمرك ونعلي شأنك ونكثر أتباعك وننصر أشياعك. ولما علم بهذا أن إيمانهم كالمتنع، وجدالهم لا ينقطع، بل إن جاءهم الهدى طعنوا فيه، وإن عذبوا قبله تظلموا، كان كأنه قيل: فما الذي أفعل معهم؟ فقال: {قل كل} أي مني ومنكم {متربص} أي منتظر حسن عاقبة أمره ودوائر الزمان على عدوه {فتربصوا} فإنكم كالبهائم ليس لكم تأمل، ولا تجوزون الجائز إلا عند وقوعه {فستعلمون} أي عما قريب بوعد لا خلف فيه عند كشف الغطاء {من أصحاب الصراط} أي الطريق الواضح الواسع {السويّ} أي الذي لا عوج فيه ولا نتوّ، فهو من شأنه أن يوصل إلى المقاصد. ولما كان صاحب الشيء قد لا يكون عالماً بالشيء ولا عاملاً بما يعلم منه، قال {ومن اهتدى*} أي من الضلالة فحصل على جميع ما ينفعه واجتنب جميع ما يضره، نحن أم أنتم؟ ولقد علموا يقيناً ذلك يوم فتح مكة المشرفة، واشتد اغتباطهم بالإسلام، ودخلوا رغبة في الحلم والكرم، ورهبة من السيف والنقم، وكتنوا بعد ذلك يعجبون من توقفهم عنه ونفرتهم منه، وهذا معناه أنه صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه هم السعداء الأغنياء الراضون في الدنيا والآخرة، وهو عين قوله تعالى: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} فقد انطبق الآخر على الأول، ودل على أن العظيم يعامل بالحلم فلا يعجل - والله أعلم.
القشيري
تفسير : أي أفلا ينظرون فيتفكرون؟ ثم إذا استبصروا أفلا يعتبرون؟ وإذا اعتبروا أفلا يزدجرون؟ أم على وجوههم - في ميادين غَفَلاتِهِم يركضون، وعن سوءِ معاملاتهم لا يرجعون؟ أَلا ساء ما يعملون!
اسماعيل حقي
تفسير : {أفلم يهد لهم كم اهلكنا قبلهم من القرون} الهمزة للانكار التوبيخى والفاء للعطف على مقدر والهداية بمعنى التبيين والمفعول محذوف والفاعل هو الجملة بمضمونها ومعناها وضمير لهم للمشركين المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والقرون جمع قرن وهو القوم المقترنون فى زمن واحد. والمعنى اغفلوا فلم يبين لهم مآل امرهم كثرة اهلاكنا للقرون الاولى او الفاعل الضمير العائد الى الله. والمعنى أفلم يفعل الله لهم الهداية فقوله اهلكنا بيان لتلك الهداية بطريق الالتفات. ومن القرون فى محل النصب على انه وصف لمميزكم اى كم قرنا كائنا من القرون {يمشون فى مساكنهم} حال من القرون اى وهم فى امن وتقلب فى ديارهم او من الضمير فى لهم مؤكدا للانكار اى أفلم يهد اهلاكنا للقرون السالفة من اصحاب الحجر وثمود وقريات قوم لوط حال كونهم ماشين فى مساكنهم مارين بها اذا سافروا الى الشام مشاهدين لآثار هلاكهم مع ان ذلك مما يوجب ان يهتدوا الى الحق فيعتبروا لئلا يحل بهم مثل ما حل باولئك. قال الراغب المشى الانتقال من مكان الى مكان بارادة والسكون ثبوت الشئ بعد تحرك ويستعمل فى الاستيطان نحو سكن فلان مكان كذا اى استوطنه واسم المكان مسكن والجمع مساكن {ان فى ذلك} اى فى الاهلاك بالعذاب {لآيات} كثيرة واضحة الهداية ظاهرة الدلالة على الحق فاذن هو هاد وأى هاد {لاولى النهى} جمع نهية بمعنى العقل اى لذوى العقول الناهية عن القبائح وفيه دلالة على ان مضمون الجملة هو الفاعل لا المفعول: وفى المثنوى شعر : بس سباس اوراكه مارا درجهان كرد بيدا از بس بيشينيان تاشنيديم آن سياستهاى حق برقرون ماضيه اندر سبق استخوان وبشم آن كركان عيان بنكريد وبند كيريد اى مهان عاقل ازسر بنهد اين هستى وباد جون شنيد آنجام فرعونان وعاد ورنه بنهد ديكران ازحال او عبرتى كيرند از اضلال او
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أفلم} الهمزة للإنكار التوبيخي، والفاء للعطف على محذوف، أي: أغْفَلوا فلم يهد لهم. وعدى الهداية باللام لتضمنها معنى التبيين، والفاعل مضمونُ {كم أهلكنا}، أي: أفلم يُبين لهم مآل أمرهم كثرة إهلاكنا للقرون الأولى؟ وقيل: الفاعل ضمير عائد إلى الله. و {كم…} الخ: مُعلق للفعل سد مسد مفعوله. أي: أفلم يُبين الله لهم كثرة إهلاك القرون من قبلهم؟ والأوجه: أنْ لا يُلاحظ له مفعول، كأنه قيل: أفلم يفعل الله لهم الهداية، ثم قيل بطريق الالتفات: كم أهلكنا… الخ؛ بيانًا لتلك الهداية. و {مِنَ القُرون}: في محل نصب، نعت لمفعول محذوف، أي: قرنًا كائنًا من القرون. وجملة {يمشون}: حال من القرون، أي: أهلكناهم وهم في حال أمن وتقلب في ديارهم، أو من الضمير في "لهم"، مؤكد للإنكار، والعامل: "يهد"، والمعنى: أفلم يهد لهم إهلاكنا للقرون السالفة، كقوم نوح ولوط وأصحاب الأيكة، حال كونهم، أي: قريش - ماشين في مساكنهم إذا سافروا إلى الشام -، و {أجل مسمى}: عطف على {كلمة}، أو استئناف، أي: وأجل مسمى حاصل لهم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أفَلَمْ يَهْدِ لهم} أي: أو لم يُبين لهم عاقبة أمرهم {كم أهلكنا قبلَهم من القرون} أي: كثرة إهلاكنا للقرون السالفة قبلهم، وهم {يمشون في مساكنهم} إذا سافروا إلى الشام، كأصحاب الحجر، وثمود، وفرعون، وقوم لوط، مشاهدين لآثار ديارهم خاربة، مع علمهم بما جرى عليهم، بسبب تكذيبهم، فإنَّ ذلك مما يُوجب أن يهتدوا إلى الحق، فيعتبروا، لئلا يحل بهم مثل ما حلّ بأولئك، أو: {أفلم يهد لهم} كثرة إهلاكنا للقرون السالفة قبلهم، حال كونهم آمنين، {يمشون} في ديارهم ويتقلبون في رباعهم {أية : فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 78]. {إِنّ في ذلك} الإهلاك الفظيع {لآياتٍ} كثيرة عظيمة واضحة الهداية، دالة على الحق {لأُولي النُّهى}؛ لذوي العقول الناهية عن القبائح، التي من أقبحها ما يتعاطاه كفار مكة من الكفر بآيات الله، والتعامي عنها، وغير ذلك من فنون المعاصي. {ولولا كلمةٌ سبقتْ من ربك}، وهو تأخير العذاب عن هذه الأمة إلى الآخرة؛ لحكمة، لعجلنا لهم الهلاك كما عجلنا لتلك القرون المهلكة، التي يمرون عليها ولا يعتبرون، فأصروا على الكفر والعصيان، فلولا تلك العِدّة بتأخير العذاب {لكان لزامًا} أي: لكان عقاب جناياتهم لازمًا لهؤلاء الكفرة، بحيث لا يتأخرون عن جناياتهم ساعة، لزوم ما أنزل بأولئك الغابرين، وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - تلويح بأن ذلك التأخير تشريف له صلى الله عليه وسلم، كما ينبئ عنه قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} تفسير : [الأنفال: 33]. واللزام: مصدر لازم، وصف به؛ للمبالغة، {وأجَلٌ مسمىً} أي: لولا كلمة سبقت بتأخيرهم، وأجل مسمى لأعمارهم أو عذابهم، وهو يوم القيامة، أو يوم بَدْرٍ، لَمَا تأخر عذابهم أصلاً. وإنما فصله عما عطف عليه، للمسارعة إلى بيان جواب "لولا"، وللإشعار باستقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب المعجل، ومراعاة فواصل الآية الكريمة. {فاصبر على ما يقولون} أي: إذا كان الأمر على ما ذكرنا؛ من أن تأخير عذابهم ليس بإهمال، بل إمهال، وأنه لازم لهم ألبتة. فاصبر على ما يقولون من كلمات الكفر؛ فإن علمه صلى الله عليه وسلم بأنهم هالكون لا محالة مما يسليه ويحمله على الصبر، أو اصبر على ما يقولون، واشتغل بالله عنهم، ولا تلتفت إلى هلاكهم ولا بقائهم، فالله أدرى بهم. {وسَبِّحْ بحمدِ ربك} أي: نزّهه عما ينسبون إليه، ما لا يليق بشأنه الرفيع، حامدًا له على ما خصك به من الهدى، معترفًا بأنه مولى النعم كلها. قال الورتجبي: سماع الأذى يُوجب المشقة، فأزال عنه ما كان قد لحقه من سماع ما يقولونه بقوله: {وسبح بحمد ربك} أي: إن كان سماع ما يقولون يُوحشك، فتسبيحنا يُروحك. هـ. أو: صَلِّ وأنت حامد لربك، الذي يبلغك إلى كمال هدايتك، ويرجح هذا قوله: {قبل طُلوع الشمس وقبل غُروبها}، فإن توقيت التنزيه غير معهود، فإنَّ المراد بقبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل غروبها: صلاة الظهر والعصر، وقيل: العصر فقط. {ومن أناء الليل} أي: ساعاته {فسبِّح} أي: صَلِّ، والمراد به المغرب والعشاء، وآناء: جمع "إنَى"، بالكسر والقصر، أو "أناء" بالفتح والمد. وتقديم المجرور في قوله تعالى: {ومن آناء الليل فسبح}؛ لاختصاصها بمزيد الفضل، فإن القلب فيها أجمع، والنفس إلى الاستراحة أميل، فتكون العبادة فيها أشق، ولذلك قال تعالى: {أية : إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً} تفسير : [المُزمّل: 6]. {و} سبح أيضًا، {أطراف النهار} وهو تكرير لصلاتي الفجر والمغرب؛ إيذانًا باختصاصهما بمزيد مزية. وجمع (أطراف) بحسب اللفظ مع أمن اللبس، أو يراد بأطراف النهار: الفجر والمغرب والظهر؛ لأنها نهاية النصف الأول من النهار وبداية النصف الثاني، أو يريد التطوع في أجزاء النهار. قلت: وإذا حملناه على التنزيه - وهو أن يقول: سبحان الله، أو: لا إله إلاّ الله، أو كل ما يدل على تنزيه الحق - يكون تخصيص هذه الأوقات بالذكر؛ لشرفها. فقد وردت أحاديث في الترغيب في ذكر الله أول النهار وآخره، وآناء الليل حين ينتبه من نومه، بحيث يكون كلما تيقظ من نومه سبَّح الله وهلّله وكبّره، قبل أن يعود إلى نومه. وهكذا كان أهل اليقظة من السلف الصالح. وقوله تعالى: {لعلك ترضى} أي: بما يعطيك من الثواب الجزيل، بالتسبيح في هذه الأوقات. أو ترضى بالشفاعة في جميع الخلائق، فتقر عينك حينئذ. وفي صحيح البخاري: "إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشمس ليس دونها سحاب، فَإِنِ استَطَعْتُم أَلا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غروبِها فافْعَلُوا"، ثُم تَلا هذه الآية: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها}، ففيه ترجيح من فسرها بالصلاة، وفيه إشارة إلى أن الصلاة ذكر وإقبال على الله وانقطاع إليه، وذلك مزرعة المشاهدة والرؤية في الآخرة. وقد جاء في أهل الجنة: "أنهم يرون ربهم بكرة وعشيًا"، هذا في حق العموم، وأما خصوص الخصوص، ففي كل ساعة ولحظة. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفَلَم يَهد لأهل الإيمان والاعتبار، وأهل الشهود والاستبصار، كم أهلكنا قبلهم من القرون الخالية، والأمم الماضية، فهم يمشون في مساكنهم الدارسة، ويُشاهدون آثارهم الدائرة، كيف رحلوا عنها وتركوها، واستبدلوا ما كانوا فيه من سعة القصور بضيق القبور، وما كانوا عليه من الفُرش الممهدة بافتراش التراب وتغطية اللحود الممددة، فيعتبروا ويتأهبوا للحوق بهم، فقد كانوا مثلهم أو أشد منهم، قد نما ذكرهم، وعلا قدرهم، وخسف بعد الكمال بدرهم. فكأنهم ما كانوا، وعن قريب مضوا وبانوا، وأفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا؛ قهرًا، إلى القضاء وسلموا، ففي ذلك عِبَر وآيات لأولي النُهى. لكن القلوب القاسية لا ينفع فيها وعظ ولا تذكير، فلولا كلمة الرحمة والحلم بتأخير العذاب، وأجل مسمى لأعمارهم، لعجل لهم العقاب. فاصبر، أيها المتوجه إلى الله، المنفرد بطاعة مولاه، على ما يقولون، مما يُكدر القلوب، واشتغل بذكر ربك وتنزيهه، مع الطلوع والغروب وآناء الليل والنهار، حتى تغيب في حضرة علام الغيوب، لعلك ترضى بمشاهدة المحبوب. وبالله التوفيق. ولما كان محصل الاعتبار هو صرف الهمة عن هذه الدار...
الجنابذي
تفسير : {أَ} لم ينههم {فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} والتّقدير الم ينبّههم فا لم يهد لهم على الخلاف فى الهمزة والعاطف انّها بتقدير المعطوف عليه قبل الهمزة والهمزة على تقدير التّأخير من العاطف او بتقدير المعطوف عليه بعد الهمزة والهمزة فى محلّه وفاعل لم يهد ضمير الله او الرّسول (ص) وحينئذٍ يكون جملة {كَمْ أَهْلَكْنَا} فى محلّ المفعول معلّقاً عنها الفعل على جواز التّعليق فى غير الفعل القلبىّ او على جعل لم يهد بمعنى لم يعلم، او فاعل لم يهد ضمير مجمل يفسّره مضمون جملة كم اهلكنا، او الفاعل نفس الجملة بمضمونها، وقرئ نهد بالنّون اى افلم نهد نحن كم اهلكنا {قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} يعنى اهلاك الامم الماضية ينبغى ان يكون عبرةً لهم وهادياً لهم الى اليقين باهلاك انفسهم والتّزوّد لما بعد هلاكهم {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} حال او مستأنف جواب للسّؤال عن حالهم او عن علّة الهداية {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الاهلاك بانواع الاهلاك {لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} لذوى العقول النّاهية او المنتهى اليها لكلّ موجودٍ فى العالم الصّغير او فى العالم الكبير وقد فسّر اولوا النّهى بالائمّة (ع) اينما وقع.
فرات الكوفي
تفسير : {إنّ في ذلك لآيات لأولي النهى 128=54}
اطفيش
تفسير : {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} أفلم يبيِّن الله لكفار مكة أو الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن أو الإهلاك المدلول عليه بقوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ} وكم للتكثير مفعول لأهلكنا، وقبلهم متعلق بأهلكنا، أى قبل وجودهم، ومن القرون متعلق به أيضا، ومن للابتداء. فافهم. ومَن أجاز نعت كم الخبرية أجاز كون {من القرون} نعتًا لِكَمْ. فمن للتبعيض. ويجوز أن تكون للبيان. وعليه فأل للعهد، والجملة مفعول لعهد معلقا بكَم الخبرية؛ فإنها من المعلَّقات. ومعنى التعليق تسويغ كون المفعول جملة وذلك أن يهدى بمعنى الإخبار والتبيُّن. والإخبار يجوز تعليقه. وأصل يهدى يرصِّل ويبلَّغ والتوصيل والتبليغ فى الكلام إخبار. ويجوز تفسيره بهذا الأصل. ويجوز كون الجملة فاعلا ليهد بمعنى يتبين، فهو لازم. والإسناد إنما هو لمضمون الجملة، وهو الإهلاك. وقيل: للجملة. ويدل على كون الفاعل غير الجملة قراءة بعضهم نهد بالنون. {يَمْشَونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ} إذا سافروا. وذلك أن قريشا يسافرون إلى الشام، ويمرون بمساكن عاد وثمود وقرى قوم لوط، ويشاهدون آثارهم، أهلكهم الله بسبب تكذيب الرسل.
اطفيش
تفسير : {أفلَم يَهْد لَهُم} أغفلوا فلم يهد لهم، وفاعل يهد ضمير الله كما يدل له قرءة نَهْد بالنون والهاء للمشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلمن والهمزة للانكار، والتوبيخ، وعدى يهد باللام لتضمن معنى التبين، والمفعول محذوف، أي أفلم يبين لهم العبر، أو نزل كاللازم، أى أفلم يحضر لهم الهداية، وقيل فاعل يهد ضميره صلى الله عليه وسلم، وقيل ضمير الإهلاك المدلول عليه بقوله عزَّ وجل: {كَمْ أهلكنا قَبْلهم مِن القرُون} أصحاب الحِجْر وثمود وقوم لوط، هذه الجملة بيان للهداية على طريق الإلتفات من الغيبة إلى التكلم، وللمفعول المحذوف، وهو العبر، وأجيز أن تكون مفعولا ليهد، أى أفلم يبين الله لهم مضمون هذا الكلام، وأن كون مفعولا ليهد معلقاً عنها بكم الخبرية، كما يعلق بالاستفهامية، لأن لكل الصدر، وكم مفعول به لأهلكنا، ومن القرون نعتها. {يمْشُون فى مَسَاكِنهِم} يمشى القرون فى مساكن أنفسهم، مطمئنين، الجملة حال من القرون أو تمشى كفار قريش المذكورون فى مساكن القرون المهلكين، والجملة حال من هاء لهم، فإنهم إذا سافروا الى الشام شاهدوا أرض الحِجْر وثمود وقوم لوط {إن فى ذلك لآيات لأولى النُّهَى} تقرير للهداية التى لم يهتدوا بها. وتعليل للإنكار والتوبيخ، أي لا ينبغى عدم اهتدائهم ولا يليق لأن فى ذلك الإهلاك. وإشارة البعد لعلو شأن هذا الإهلاك، وآيات دلالة كثيرة، أو آيات تولدت من ذلك الإهلاك، مع أنه آية واحدة، كقوله: رأيت من زيد أسداً، وبحراً وكقوله تعالى: "أية : لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة" تفسير : [الأحزاب: 21] إذا فسرنا أسوة حسنة بإنسان يقتدى به، والنهى جمع نهية، أى عقل لأن العقول ناهية عما يفعل هؤلاء المشركون على عهده صلى الله عليه وسلم من أنواع الكفر والمعاصى.
الالوسي
تفسير : {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ } كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله من قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ نَجْزِى } تفسير : [طه: 127] الآية والهمزة للإنكار التوبيخي والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام. واستعمال الهداية باللام إما لتنزيلها منزلة اللازم فلا حاجة إلى المفعول أو لأنها بمعنى التبيين والمفعول الثاني محذوف. وأياً ما كان فالفاعل ضميره تعالى وضمير {لهم } للمشركين المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى أغفلوا فلم يفعل الله تعالى لهم الهداية أو فلم يبين عز وجل لهم العبر. وقوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ ٱلْقُرُونِ } إما بيان بطريق الالتفات لتلك الهداية أو كالتفسير للمفعول المحذوف، وقيل: فاعل {يَهْدِ } ضميره صلى الله عليه وسلم، وقيل: ضمير الإهلاك المفهوم من قوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا } والجملة مفسره له، وقيل: الفاعل محذوف أي النظر والاعتبار ونسب ذلك إلى المبرد، وفيه حذف الفاعل وهو لا يجوز عند البصريين، وقال الزمخشري: الفاعل جملة {كَمْ أَهْلَكْنَا } الخ ووقوع الجلمة فاعلاً مذهب كوفي، والجمهور على خلافه لكن رجح ذلك هنا بأن التعليل فيما بعد يقتضيه. ورجح كون الفاعل ضميره تعالى شأنه بأنه قد قرأ فرقة منهم ابن عباس والسلمي {أفلم نهد} بالنون. واختار بعضهم عليه كون الفعل منزلاً منزلة اللازم وجملة {كَمْ أَهْلَكْنَا } بياناً لتلك الهداية، وبعض آخر كونه متعدياً والمفعول مضمون الجملة أي أفلم يبين الله تعالى لهم مضمون هذا الكلام، وقيل: الجملة سادة مسد المفعول والفعل معلق عنها، وتعقب بأن {كَمْ } هنا خبرية وهي لا تعلق عن العمل وإنما التي تعلق عنه كم الاستفهامية على ما نص عليه أبو حيان في «البحر» لكن أنت تعلم أنه إذا كان مدار التعليق الصدارة كما هو الظاهر فقد صرح ابن هشام بأن لكل من كم الاستفهامية وكم الخبرية ما ذكر ورد في «المغني» قول ابن عصفور: أن {كم} في الآية فاعل {يَهْدِ } بأن لها الصدر ثم قال: وقوله إن ذلك جاء على لغة رديئة حكاها الأخفش عن بعضهم أنه يقول ملكت كم عبيد فيخرجها عن الصدرية خطأ عظيم إذ خرج كلام الله تعالى شأنه على هذه اللغة انتهى. وهو ظاهر في أنه قائل بأن كم هنا خبرية ولها الصدر. نعم نقل الحوفي عن بعضهم أنه رد القائل بالفاعلية بأنها استفهامية لا يعمل ما قبلها فيها والظاهر خبريتها وهي مفعول مقدم لأهلكنا و {مّنَ ٱلْقُرُونِ } متعلق بمحذوف وقع صفة لمميزها أي كم قرن كائن من القرون. {يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ } حال / من {ٱلْقُرُونِ } أو من مفعول {أَهْلَكْنَا } أي أهلكناهم وهم في حال أمن وتقلب في ديارهم. واختار في «البحر» كونه حالاً من الضمير في {لَهُمْ } مؤكداً للإنكار والعامل في {يَهْدِ } أي أفلم يهد للمشركين حال كونهم ماشين في مساكن من أهلكنا من القرون السالفة من أصحاب الحجر وثمود وقوم لوط مشاهدين لآثار هلاكهم إذا سافروا إلى الشام وغيره، وتوهم بعضهم أن الجملة في موضع الصفة للقرون وليس كذلك، وقرأ ابن السميقع {يمشون} بالتشديد والبناء للمفعول أي يمكنون في المشي. {إِنَّ فِى ذَٰلِكَ } تعليل للإنكار وتقرير للهداية مع عدم اهتدائهم. و{ذَلِكَ } إشارة إلى مضمون قوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا } الخ، وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلته وعلو شأنه في بابه. {لأَيَاتٍ } كثيرة عظيمة ظاهرات الدلالة على الحق، وجوز أن تكون كلمة في تجريدية كما قيل في قوله عز وجل: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } تفسير : [الأحزاب: 21] {لأُوْلِى ٱلنُّهَىٰ } أي لذوي العقول الناهية عن القبائح التي من أقبحها ما يتعاطاه هؤلاء المنكر عليهم من الكفر بآيات الله تعالى والتعامي عنها وغير ذلك من فنون المعاصي.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على الوعيد المتقدم في قوله تعالى: {أية : وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه}تفسير : [طه: 127]. جعل الاستفهام الإنكاري التعجيبي مفرعاً على الإخبار بالجزاء بالمعيشة الضنك لمن أعرض عن توحيد الله لأنه سبب عليه لا محالة، تعجيباً من حال غفلة المخاطبين المشركين عما حلّ بالأمم المماثلة لهم في الإشراك والإعراض عن كتب الله وآيات الرسل. فضمائر جمع الغائبين عائدة إلى معروف من مقام التعريض بالتحذير والإنذار بقرينة قوله {يمشون في مساكنهم}، فإنه لا يصلح إلا أن يكون حالاً لقوم أحياء يومئذ. والهداية هنا مستعارة للإرشاد إلى الأمور العقلية بتنزيل العقلي منزلة الحسيّ، فيؤول معناها إلى معنى التبيين، ولذلك عُدي فعلها باللاّم، كما في قوله تعالى: {أية : أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها}تفسير : في سورة الأعراف (100). وجملة {كم أهلكنا قبلهم من القرون} معلّقة فعل {يهدِ} عن العمل في المفعول لوجود اسم الاستفهام بعدها، أي ألم يرشدهم إلى جواب {كم أهلكنا قبلهم} أي كثرة إهلاكنا القرون. وفاعل {يهد} ضمير دل عليه السياق وهو ضمير الجلالة، والمعنى: أفلم يهد الله لهم جواب {كم أهلكنا}. ويجوز أن يكون الفاعل مضمون جملة {كم أهلكنا}. والمعنى: أفلم يُبيّن لهم هذا السؤال، على أن مفعول {يهدِ} محذوف تنزيلاً للفعل منزلة اللازم، أي يحصل لهم التبيين. وجملة {يمشون في مساكنهم} حال من الضمير المجرور باللاّم، لأنّ عدم التبيين في تلك الحالة أشد غرابة وأحرى بالتعجيب. والمراد بالقرون: عاد وثمود. فقد كان العرب يمرون بمساكن عاد في رحلاتهم إلى اليمن ونجران وما جاورها، وبمساكن ثمود في رحلاتهم إلى الشام. وقد مرّ النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون بديار ثمود في مسيرهم إلى تبوك. وجملة {إن في ذلك لآيات لأولي النهى} في موضع التعليل للإنكار والتعجيب من حال غفلتهم عن هلاك تلك القرون. فحرف التأكيد للاهتمام بالخبر وللإيذان بالتعليل. والنُهى ــــ بضم النُون ــــ والقصر جمع نُهْيَة ــــ بضم النون وسكون الهاء ــــ: اسم العقل. وقد يستعمل النُهى مفرداً بمعنى العقل. وفي هذا تعريض بالذين لم يهتدوا بتلك الآيات بأنهم عديمو العقول، كقوله {أية : إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً} تفسير : [الفرقان: 44].
الشنقيطي
تفسير : وقوله {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} الآية. تقدم بعض الآيات الموضحة له في سورة "مريم" وسيأتي له بعد هذا إن شاء الله زيادة إيضاح.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 128- كيف يتعامون عن آيات الله، وقد تبين لهم إهلاكنا لكثير من الأمم السالفة بسبب كفرهم، ولم يتعظوا بهم مع أنهم يمشون فى ديارهم ومساكنهم، ويشهدون آثار ما حل بهم من العذاب؟! وإن فى تلك المشاهد لعظات لأصحاب العقول الراجحة. 129- ولولا حكم سبق من ربك بتأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى - هو القيامة - لكان العذاب لازماً لهم فى الدنيا كما لزم كفار القرون الماضية. 130- فاصبر - أيها الرسول - على ما يقولونه فى رسالتك من تكذيب واستهزاء، ونَزِّه ربك عما لا يليق به بالثناء عليه، وعبادته - وحده - دائماً، وخاصة قبل أن تشرق الشمس وقبل أن تغرب، ونزِّهه واعبده فى ساعات الليل، وفى أطراف النهار بالصلاة، حتى تدوم صلتك بالله، فلتطمئن إلى ما أنت عليه، وترضى بما قدر لك. 131- ولا تتعَدَّ بنظرك إلى ما متَّعنا به أصنافاً من الكافرين، لأن هذا المتاع زينة الحياة الدنيا وزخرفها، يمتحن الله به عباده فى الدنيا، ويدِّخر الله لك فى الآخرة ما هو خير وأبقى من هذا المتاع. 132- ووجِّه أهلك إلى أن يؤدُّوا الصلاة فى أوقاتها، فالصلاة أقوى ما يصلهم بالله، وداوم على إقامتها كاملة، لا نكلفك رزق نفسك فنحن متكفلون برزقك، وإن العاقبة الحميدة فى الدنيا والآخرة مكفولة لأهل الصلاح والتقوى. 133- وقال الكافرون فى عنادهم: لماذا لا يأتينا محمد بدليل من ربه يَلزمُنا الإيمان به؟! فكيف يجحدون القرآن - وقد جاءهم به مشتملا على ما فى الكتب السابقة من أنباء الأمم الماضية، وإهلاكهم بسبب تكذيب الرسل - وليس محمد بِدْعاً فى ذلك!
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أفلم يهد لهم: أي أفلم يُبيَّنْ لهم. من القرون: أي من أهل القرون. لآيات لأولي النهى: أي أصحاب العقول الراجحة إذ النهية العقل. ولولا كلمة سبقت: أي بتأخير العذاب عنهم. لكان لزاما: أي العذاب لازما لا يتأخر عنهم بحال. ما يقولون: من كلمات الكفر، ومن مطالبتهم بالآيات. ومن آناء الليل: أي ساعات الليل واحدها إنْيٌ أو إنْوٌ. لعلك ترضى: أي رجاء أن تثاب الثواب الحسن الذي ترضى به. إلى ما متعنا به أزواجاً منهم: أي رجالاً منهم من الكافرين. زهرة الحياة الدنيا: أي زينة الحياة الدنيا وقيل فيها زهرة لأنها سرعان ما تذبل وتذوى. لنفتنهم فيه: أي لنبتليهم في ذلك أيشكرون أم يكفرون. والعاقبة للتقوى: العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة لأهل التقوى. معنى الآيات: بعد ذكر قصة آدم عليه السلام وما تضمنته من هداية الآيات قال تعالى {أَفَلَمْ يَهْدِ} لأهل مكة المكذبين المشركين أي أَغَفَلوا فلم يهد لهم أي يتبين {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} أي إهلاكنا للعديد من أهل القرون الذين هم يمشون في مساكنهم ذاهبين جائين كثمود وأصحاب مدين والمؤتفكات أهلكناهم بكفرهم ومعاصيهم فيؤمنوا ويوحدوا ويطيعوا فينجوا ويسعدوا. وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ} المذكور من الإهلاك للقرون الأولى {لآيَاتٍ} أي دلائل واضحة على وجوب الإِيمان بالله ورسوله وطاعتهما، {لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} أي لأصحاب العقول أما الذين لا عقول لهم لأنهم عطلوها فلم يفكروا بها فلا يكون في ذلك آيات لهم. وقوله تعالى {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} بأن لا تموت نفس حتى تستوفي أجلها، وأجل مسمىً عند الله في كتاب المقادير لا يتبدل ولا يتغير لكان عذابهم لازماً لهم لما هم عليه من الكفر والشرك والعصيان. وعليه {فَٱصْبِرْ} يا رسولنا {عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} من أنك ساحر وشاعر وكاذب وكاهن من كلمات الكفر، واستعن على ذلك بالصلاة ذات الذكر والتسبيح {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} وهو صلاة الصبح {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} وهو صلاة العصر {وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ} أي ساعات الليل وهما صلاتا المغرب والعشاء، {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ} وهو صلاة الظهر لأنها تقع بين طرفي النهار أي نصفه الأول ونصفه الثاني وذلك عند زوال الشمس، لعلك بذلك ترضى بثواب الله تعالى لك. وقوله تعالى {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} أي لا تتطلع ناظراً {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} أشكالاً في عقائدهم وأخلاقهم وسلوكهم {زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي من زينة الحياة الدنيا {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي لنختبرهم في ذلك الذي متعناهم به من زينة الحياة الدنيا وقوله تعالى: {وَرِزْقُ رَبِّكَ} أي ما لك عند الله من أجر ومثوبة {خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} خيراً في نوعه وأبقى في مدته، واختيار الباقي على الفاني مطلب العقلاء. وقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا} أي من أزواجك وبناتك وأتباعك المؤمنين بالصلاة ففيها الملاذ وفيها الشفاء من آلام الحاجة والخصاصية واصطبر عليها واحمل نفسك على الصبر على إقامتها. وقوله {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً} أي لا نكلفك مالاً تَعْطِيناه ولكن تكلف صلاة فأدها على أكمل وجوهها. {نَّحْنُ نَرْزُقُكَ} أي رزقك علينا، {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} أي العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة لأهل التقوى من عبادنا وهم الذين يخشوننا فيؤدون ما أوجبنا عليهم ويجتنبون ما حرمنا عليهم رهبة منا ورغبة فينا. هؤلاء لهم أحسن العواقب ينتهون إليها نصر في الدنيا وسعادة في الآخرة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير مبدأ العاقل من اعتبر بغيره. 2- بيان فضيلة العقل وشرف صاحبه وانتفاعه به. 3- وجوب الصبر على دعوة الله والاستعانة على ذلك بالصلاة. 4- بيان أوقات الصلوات الخمس والحصول على رضى النفس بثوابها. 5- وجوب عدم تعلق النفس بما عند أهل الكفر من مال ومتاع لأنهم ممتحنون به. 6- وجوب الرضا بما قسم الله للعبد من رزق إنتظاراً لرزق الآخرة الخالد الباقي. 7- وجوب الأمر بالصلاة بين الأهل والأولاد والمسلمين والصبر على ذلك. 8- فضل التقوى وكرامة أصحابها وفوزهم بحسن العاقبة في الدنيا والآخرة. 9- إقام الصلاة بين أفراد الأسرة المسلمة ييسر الله تعالى به أسباب الرزق وتوسعته عليهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَسَاكِنِهِمْ} {لآيَاتٍ} (128) - مَا لِهَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ لاَ يَهْتَدُونَ، وَلاَ يَتَّعِظُونَ، مَعَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الأُمَمِ التِي كَذَّبَتِ الرُّسُلَ قَبْلَهُمْ، فَبَادُوا وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ، وَلاَ عَيْنٌ وَلاَ أَثَرٌ، كَمَا يُشَاهِدُونَ ذلِكَ مِنْ دِيَارِهِمُ الخَالِيَةِ، التِي خَلَفُوهُمْ فِيهَا، وَهُمُ الآنَ يَمْشُونَ فِيهَا أَفَلَمْ يُرْشِدْهُمْ (يَهْدِ لَهُمْ) مَا فَعَلْنَاهُ بِالأُمَمِ الخَالِيَةِ مِنَ الإِهْلاَكِ وَالإِبَادَةِ، وَيَحْمِلْهُمْ عَلَى الاعْتِبَارِ وَالاتِّعَاظِ؟ إِنَّ فِي ذلِكَ بَرَاهِينَ وَحُجَجاً وَدَلاَلاَتٍ لأَِصْحَابِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ المُدْرِكَةِ. أَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ - أَلَمْ يُرْشِدْهُمْ، وَيُوَضِّحُ لَهُمْ. كَمْ أَهْلَكْنَا - كَثِيراً مَا أَهْلَكْنَا مِنَ الأُمَمِ المَاضِيَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الهداية: الدلالة والبيان، وتهديه أي: تدلّه على طريق الخير. والاستفهام في {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ..} [طه: 128] والاستفهام يَرِد مرة لتعلم ما تجهل، أو يرد للتقرير بما فعلتَ. فالمراد: أفلم ينظروا إلى الأمم السابقة وما نزل بهم لما كَذَّبوا رسُل الله؟ كما قال في آية أخرى: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ}تفسير : [الصافات: 137]. وقال سبحانه: {أية : وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ * وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ}تفسير : [الفجر: 1-10]. أَلاَ تروْنَ كل هذه الآيات في المكذبين؟ ألاَ ترون أن الله ناصرُ رسُلَه؟ ولم يكُنْ سبحانه ليبعثهم، ثم يتخلى عنهم، ويُسلِمهم، كما قال سبحانه: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الصافات: 173] وقال: {أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ..}تفسير : [الحج: 40]. وبعد هذا كله يُعرِض المكذبون، وكأنهم لم يروا شيئاً من هذه الآيات. وساعة ترى (كَمْ) فاعلم أنها للشيء الكثير الذي يفوق الحصر، كما تقول لصاحبك: كم أعطيتُك، وكم ساعدتُك. أي: مرات كثيرة، فكأنك وكلته ليجيب هو بنفسه، ولا تستفهم منه إلا إذا كان الجواب في صالحك قطعاً. فمعنى {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ..} [طه: 128] يعني: يُبيّن لهم ويدلُّهم على القرى الكثيرة التي كذَّبت رسلها، وماذا حدث لها وحاق بها من العذاب، وكان عليهم أنْ يتنبهوا ويأخذوا منهم عِبرة ولا ينصرفوا عنها. وقوله تعالى: {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ..} [طه: 128] كقوله: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ}تفسير : [الصافات: 137] فليس تاريخاً يُحكَى إنما واقع ماثل تروْنَه بأعينكم، وتسيرون بين أطلاله {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} [طه: 128] أي: عجائب لمَنْ له عقل يفكر. وكلمة (النُّهَى) جمع نُهية، وهي العقل، وهذه الكلمة تحلُّ لنا إشكالات كثيرة في الكفر، فالبعض يظن أن الله تعالى خلق لنا العقل لنرتع به في مجالات الفكر كما نشاء، وننفلت من كل القيود. إنما العقل من العقال الذي يُعقَل به البعير حتى لا ينفلتَ منك، وكذلك عقلُك يعقِلك، ويُنظِّم حركتك حتى لا تسير في الكون على هَواك، عقلك لتعقل به الأمور فتقول: هذا صواب، وهذا خطأ. قبل أن تُقدِم عليه. فالسارق لو عقل ما يفعل ما أقدمَ على سرقة الناس، وما رأيك لو أبحنا للناس جميعاً أنْ يسرقوك، وأنت فرد، وهم جماعة؟ الحق ساعةَ يعقل بصرك أنْ يمتدَّ لما حرم عليك فلا تقُلْ: ضيق عليَّ، لأنه أمر الآخرين أنْ يغضُّوا أبصارهم عن محارمك، والغير أكثر منك، إذن: فأنت المستفيد. فإنْ أردتَ أن تُعربد في أعراض الناس، فأَبِح لهم أن يُعربِدوا في أعراضك. حديث : والنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه شاب يشكو عدم صبره على غريزة الجنس، يريد أن يبيح له الزنا والعياذ بالله، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يُلقِّنه درساً يصرفه عن هذه الجريمة، فماذا قال له؟ قال: "يا أخا العرب، أتحب هذا لأمك؟ أتحب هذا لأختك؟ أتحب هذا لزوجتك؟" والشاب يقول في كل مرة: لا يا رسول الله جُعِلْتُ فداك. ولك أنْ تتصوَّر ماذا ينتاب الواحد منّا إنْ سمع سيرة أمه وأخته وزوجته في هذا الموقف. ثم يقول صلى الله عليه وسلم للشاب بعد أن هزَّه هذه الهزة العنيفة: "كذلك الناس لا يحبون لذلك لأمهاتهم، ولا لزوجاتهم، ولا لأخواتهم، ولا لبناتهم. وهنا قال الشاب: "فو الله ما همَّتْ نفسي لشيء من هذا إلا وذكرتُ أمي وزوجتي وأختي وابنتي ". تفسير : إذن: فالعقل هو الميزان، وهو الذي يُجرِي المعادلة، ويُوازِن بين الأشياء، وكذلك إنْ جاء بمعنى النُّهى أو اللُّب فإنها تؤدي نفس المعنى: فالنُّهى من النهي عن الشيء، واللب أي: حقيقة الشيء وأصله، لا أنْ يكون سطحيّ التفكير يشرد منك هنا وهناك. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} معناه يُبيّنُ لَهم، ويُوضحُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: أفلم يهد هؤلاء المكذبين المعرضين، ويدلهم على سلوك طريق الرشاد، وتجنب طريق الغي والفساد، ما أحل الله بالمكذبين قبلهم، من القرون الخالية، والأمم المتتابعة، الذين يعرفون قصصهم، ويتناقلون أسمارهم، وينظرون بأعينهم، مساكنهم من بعدهم، كقوم هود وصالح ولوط وغيرهم، وأنهم لما كذبوا رسلنا، وأعرضوا عن كتبنا، أصبناهم بالعذاب الأليم؟ فما الذي يؤمن هؤلاء، أن يحل بهم، ما حل بأولئك؟ {أية : أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر * أم يقولون نحن جميع منتصر } تفسير : لا شيء من هذا كله فليس هؤلاء الكفار خيرا من أولئك حتى يدفع عنهم العذاب بخيرهم بل هم شر منهم لأنهم كفروا بأشرف الرسل وخير الكتب وليس لهم براءة مزبورة وعهد عند الله وليسوا كما يقولون أن جمعهم ينفعهم ويدفع عنهم بل هم أذل وأحقر من ذلك فإهلاك القرون الماضية بذنوبهم من أسباب الهداية لكونها من الآيات الدالة على صحة رسالة الرسل الذين جاءوهم وبطلان ما هم عليه ولكن ما كل أحد ينتفع بالآيات إنما ينتفع بها أولو النهى أي العقول السليمة والفطر المستقيمة والألباب التي تزجر أصحابها عما لا ينبغي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):