٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
130
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } منسوخ بآية القتال [5:9] {وَسَبِّحْ } صَلِّ {بِحَمْدِ رَبِّكَ } حال: أي متلبساً به {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ } صلاة الصبح {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } صلاة العصر {وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ } ساعاته {فَسَبِّحْ } صلّ المغرب والعشاء {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ } عطف على محل «آناء» المنصوب أي صلّ الظهر لأن وقتها يدخل بزوال الشمس، فهو طرف النصف الأول وطرف النصف الثاني {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ } بما تعطى من الثواب.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَا يَقُولُونَ} من الأذى والافتراء {قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ} صلاة الفجر {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} صلاة العصر {ءَانَآىءِ الَّيْلِ} ساعاته واحدها إني صلاة الليل كله، أو المغرب والعشاء {وَأَطْرَافَ النَّهَارِ} صلاة الظهر لأنها آخر النصف الأول وأول النصف الثاني، أو صلاة التطوع {تَرْضَى} تُعطى و "تُرضى" بالكرامة، أو الشفاعة.
الخازن
تفسير : {فاصبر على ما يقولون} نسختها آية السيف {وسبح بحمد ربك} أي صل بأمر ربك {قبل طلوع الشمس} يعني صلاة الفجر {وقبل غروبها} أي صلاة العصر {ومن آناء الليل} أي ومن ساعاته {فسبح} يعني فصل المغرب والعشاء قال ابن عباس يريد أول الليل {وأطراف النار} يعني صلاة الظهر سمي وقت الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال وهو طرف النصف الأول انتهاء وطرف النصف الآخر ابتداء {لعلك ترضى} أي ترضى ثوابه في المعادن وقيل معناه لعلك ترضى بالشفاعة، وقرىء ترضى بضم التاء أي تعطى ثوابه، وقيل يرضاك ربك (ق) عن جرير بن عبد الله قال: "حديث : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"تفسير : قوله لا تضامون بتخفيف الميم من الضيم، وهو الظلم والمعنى أنكم ترونه جميعاً لا يظلم بعضكم بعضاً في رؤيته وروي بتشديد الميم من الانضمام والازدحام، أي لا يزدحم ولا ينضم بعضكم إلى بعض في رؤيته والكاف في قوله كما ترون هذا القمر كاف التشبيه للرؤية لا للمرئي وهي فعل الرائي، ومعناه ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك كرؤيتكم هذا القمر ليلة البدر ولا ترتابون فيه ولا تشكون قوله عز وجل: {ولا تمدن عينيك} "حديث : قال أبو رافع نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي فقال قل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بعني كذا وكذا من الدقيق أو سلفني إلى هلال رجب فأتيته فقلت له ذلك فقال والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال والله لئن باعني أو أسلفني لقضيته إني لأمين في السماء وأمين في الأرض أذهب بدرعي الحديد إليه""تفسير : فنزلت هذه الآية: {ولا تمدن عينيك} أي لا تنظر نظراً تكاد تردده استحساناً للمنظور إليه وإعجاباً به وتمنياً له {إلى ما متعنا به} أي أعطينا {أزواجاً} أي أصنافاً {منهم زهرة الحياة الدنيا} أي زينتها وبهجتها {لنفتنهم فيه} أي لنجعل ذلك فتنة بأن تزيد النعمة فيزيدوا كفراً وطغياناً {ورزق ربك} أي في المعاد في الجنة {خير وأبقى} أي أدوم وقال أبي بن كعب من لم يعتز بالله تقطعت نفسه حسرات، ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس يطل حزنه ومن ظن أن نعمة الله عليه في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه. ف قوله تعالى: {وأمر أهلك} أي قومك وقيل من كان على دينك {بالصلاة} يعني بالمحافظة عليها {واصطبر عليها} يعني اصبر على الصلاة فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وقيل اصبر عليها فإن الوعظ بلسان الفعل أبلغ منه بلسان القول {لا نسألك رزقاً} أي لا نكلفك أن ترزق أحداً من خلقنا ولا أن ترزق نفسك بل نكلفك عملاً {نحن نرزقك} أي بل نحن نرزقك ونرزق أهلك {والعاقبة للتقوى} أي الخصلة المحمودة لأهل التقوى قال ابن عباس الذين صدقوك واتبعوك وآمنوا بك وفي بعض المسانيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية قوله تعالى؛ {وقالوا} يعني المشركين {لولا يأتينا بآية من ربه} أي الآية المقترحة فإنه كان قد أتاهم بآيات كثيرة {أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} أي بيان ما فيها وهو القرآن لأنه أقوى دلالة وأوضح آية وقيل معنى ما في الصحف ما في التوراة والإنجيل وغيرهما من أخبار الأمم أنهم اقترحوا الآيات فلما أتتهم لم يؤمنوا فعجلنا لهم العذاب والهلاك فما يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم كحال أولئك وقيل بينة ما في الصحف الأولى هي البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وبعثته {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله} أي من قبل إرسال الرسل وإنزال القرآن {لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسلاً} أي لقالوا يوم القيامة أولاً أرسلت إلينا رسولاً يدعونا {فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} بالعذاب والهوان والافتضاح {قل كل متربص} أي منتظر دوائر الزمان وذلك أن المشركين قالوا نتربص بمحمد ريب المنون وحوادث الدهر فإذا مات تخصلنا قال الله تعالى: {فتربصوا} أي فانتظروا {فستعلمون} أي إذا جاء أمر الله وقامت القيامة {ومن أصحاب الصراط السوي} يعني المستقيم {ومن اهتدى} يعني من الضلالة نحن أم أنتم والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
ابو السعود
تفسير : {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أي إذا كان الأمرُ على ما ذكر من أن تأخيرَ عذابِهم ليس بإهمال بل إمهالٍ وأنه لازمٌ لهم البتةَ، فاصبِرْ على ما يقولون من كلمات الكفرِ فإن علمه عليه السلام بأنهم معذبون لا محالة مما يسلّيه ويحمِلُه على الصبر {وَسَبّحْ} ملتبساً {بِحَمْدِ رَبّكَ} أي صلِّ وأنت حامدٌ لربك الذي يبلّغك إلى كمالك على هدايته وتوفيقِه، أو نزِّهه تعالى عما ينسُبونه إليه مما لا يليق بشأنه الرفيعِ حامداً له على ما ميّزك بالهدى معترفاً بأنه مولى النّعم كلِّها، والأولُ هو الأظهرُ المناسبُ لقوله تعالى: {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} الخ، فإن توقيت التنزيه غيرُ معهودٍ فالمرادُ صلاة الفجر {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} يعني صلاتي الظهرِ والعصر لأنهما قبل غروبِها بعد زوالها، وجمعُهما لمناسبة قوله تعالى: {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ صَـلَوٰةِ العَصْرِ} {وَمِنْ ءانَاء ٱلَّيْلِ} أي من ساعاته جمع إِنى بالكسر والقصر، وآناء بالفتح والمد {فَسَبّحْ} أي فصلِّ والمرادُ به المغربُ والعشاءُ إيذاناً باختصاصهما بمزيد الفضلِ فإن القلبَ فيهما أجمعُ والنفسَ إلى الاستراحة أميلُ فتكون العبادةُ فيهما أشقَّ، ولذلك قال تعالى: { أية : إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً} تفسير : [المزمل: 6] {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ} تكريرٌ لصلاة الفجر والمغرِب إيذاناً باختصاصهما بمزيد مزيةٍ، ومجيئُه بلفظ الجمعِ لأمن الإلباس كقول من قال: ظَهراهما مثلُ ظهورِ التُّرسين، أو أمرٌ بصلاة الظهر فإنه نهايةُ النصفِ الأول من النهار وبدايةُ النصف الأخيرِ، وجمعُه باعتبار النصفين أو لأن النهارَ جنسٌ أو أمرٌ بالتطوع في أجزاء النهار {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} متعلقٌ بسبح أي في هذه الأوقات رجاءَ أن تنال عنده تعالى ما ترضَى به نفسُك، وقرىء تُرضَى على صيغة البناء للمفعول من أرضىٰ أي يُرضيك ربك. {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} أي لا تُطِلْ نظرَهما بطريق الرغبة والميل {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ} من زخارف الدنيا، وقوله تعالى: {أَزْوٰجاً مّنْهُمْ} أي أصنافاً من الكَفَرة مفعول متّعنا قُدّم عليه الجارُّ والمجرور للاعتناء به، أو هو حالٌ من الضمير والمفعولُ منهم أي إلى الذي متعنا به وهو أصنافُ وأنواعُ بعضِهم على أنه معنى مِنْ التبعيضية، أو بعضاً منهم على حذف الموصوفِ كما مر مراراً {زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} منصوبٌ بمحذوف يدل عليه متعنا أي أعطينا أو به على تضمين معناه، أو بالبدلية من محل به أو من أزواجاً بتقدير مضافٍ أو بدونه، أو بالذم وهي الزينةُ والبهجةُ، وقرىء زهَرةَ بفتح الهاء وهي لغة كالجهَرة في الجهْرة أو جمعُ زاهر، وصفٌ لهم بأنهم زاهِرو الدنيا لتنعُّمهم وبهاءِ زِيِّهم بخلاف ما عليه المؤمنون الزهّاد {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} متعلقٌ بمتعنا جيء به للتنفير عنه ببـيان سوءِ عاقبتِه مآلاً إثرَ إظهارِ بهجتِه حالاً، أي لنعاملهم معاملةَ من يبتليهم ويختبرُهم فيه أو لنعذّبهم في الآخرة بسببه {وَرِزْقُ رَبّكَ} أي ما ادخّر لك في الآخرة أو ما رزقك في الدنيا من النبوة والهدى {خَيْرٌ} مما منحهم في الدنيا لأنه مع كونه في نفسه أجلَّ ما يتنافس فيه المتنافسون مأمونُ الغائلةِ بخلاف ما منحوه {وَأَبْقَىٰ} فإنه لا يكاد ينقطع نفْسُه أو أثرُه أبداً كما عليه زهرة الدنيا.
القشيري
تفسير : سماعُ الأذى يوجِب المشقة، فأزال عنه ما كان لَحِقَه من المشقة عند سماع ما كانوا يقولون، وأَمَرَهُ: إنْ كان سماعُ ما يقولون يُوحشُكَ فتسبيحُنا - الذي تُثْنِي به علينا - يُرَوِّحُك. {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ}: أي في صدر النهار؛ ليُبَارِكَ لكَ في نهارِك، ويَنْعَمَ صباحُك. {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} أي عند نقصان النهار؛ ليطيبَ لَيْلُكَ، وينعم رَواحُك. {وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ} أي في ساعات الليل؛ فإن كمال الصفوة في ذكر الله في حال الخلوة. {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ} أي اسْتَدِمْ ذِكْرَِ اللَّهِ في جميع أحوالك.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} اى اذا كنت متعرضا لمشاهدة جلالنا فاذكر ألاءنا ونعماءنا عليك مما عرفك خزائن جود الالوهية وعلوم الربوبية ونزه بذكرك صفاتنا حتى تكون مقدسا بذكرنا عن رؤية غيرنا فاذا تقدست بنا عن اوصافه تطلع عليك شمس حمالنا وينكشف لك انوار وصالنا فاذا حان ان تغيب عنك حالك قفر بنعت القدس والطهارة عن لذة حالك الينا حتى تبقى عليك أثار انوار شمس عزتنا واذا كنت غائبا بشرايعتنا فى أناء الليل الامتحان قف على باب ربوبيتنا بنعت التنزيه والتفريق اذكر شمائل منتنا عليك تزيد عليك كشف الصمدانية وببروز انوار الوحدانية لعلك تصل الى مقام المحمود من حيث دنو الدنو الذى لا يبقى بينى وبينك بين ولا يكون ولا غيره فى حجاب ترضى برويتى عن رؤية كل خلق ثم حذره عن النظر الى زينة الكون بنظر الاستحسان لئلا يشتغل بشيء دونه الحظ بقوله {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} ان الله سبحانه البس الكون انوار بهائه فصرف نظر نبيه عن ذلك حتى ينظر اليه صرفا بلا واسطة الاثر الى قوله الم تزال ربك ولا روحه كان عاشقا بالله مستأنسا بكل شئ مليح وبان نظره اعظم من ان ينظر به الى شئ دون الله قال الواسطى هذه تسلية للفقراء تسلية للفقراء وتعزيه لهم حيث منع خير الخلق عن النظر الى الدنيا على وجه الاستحسان ثم بين ان ماله من المكاشفة والمشاهدة والقربة والرسالة بلا وسطة خير مما كان له فى رؤية الكون بقوله {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} رزقه وصاله وكشف جماله ثم امره بالنبوة وملازمة الطاعة بقوله {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا} الاصطبار مقام المجاهدة والصبر مقام المشاهدة قال ابن عطا اشد انواع الصبر الاصطياد وهو السكون تحت موارد البلاء بالسر والقلب والنفس والصبر بالنفس لا غير وقال الجنيد وامر اهلك بالاتصال بنا والاصطبار على تلك المواصلة معناه ومن يطيق ذلك الا المؤيّدون من جمعتنا بانواع التأئيد قال يحيى بن معاذ للعابدين اردية يكسونها من عند الله سداها الصلاة ولحمتها الصوم ثم بين ان عواقب السعادة مقرونه بالتقوى بقوله {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} التقوى الخروج مما دون الله واحياء فى جلال الله قال ابو عثمان هو ذم النفس والجوارح عن جميع ما يقى العلم.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاصبر على ما يقولون} اى اذا كان الامر على ما ذكر من ان تأخير عذابهم ليس باهمال بل امهال وانه لازم لهم البتة فاصبر على ما يقولون فيك من كلمات الكفر والنسبة الى السحر والجنون الى ان يحكم فيهم فان علمه عليه السلام بانهم معذبون لا محالة مما يسليه ويحمله على الصبر. وفى التأويلات النجمية على ما يقول اهل الاعتراض والانكار لانك محتاج فى التربية الى ذلك لتبلغ الى مقام الصبر انتهى. قال بعضهم هذا منسوخ بآية السيف. وفى الكبير هذا غير لازم لجواز ان يقاتل ويصبر على ما يسمع منهم من الاذى. قال الراغب الصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع او عما يقتضيان حبسها عنه فالصبر لفظ عام وربما خولف بين اسمائه بحسب اختلاف مواقعه فان كان حبس النفس لمصيبة يسمى صبرا لا غير ويضاده الجزع وان كان فى محاربة سمى شجاعة ويضاده الجبن وان كان فى نائبة سمى رحب الصدر ويضاده الضجر وان كان فى امساك الكلام سمى كتمانا ويضاده البذل وقد سمى الله تعالى كل ذلك صبرا ونبه عليه بقوله {أية : والصابرين فى البأساء والضراء}تفسير : وقال تعالى {أية : والصابرين على ما اصابهم والمقيمين الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}تفسير : ويسمى الصوم صبرا لكونه كالنوع له {وسبح} ملتبسا {بحمد ربك} اى صل حامدا لربك على هدايته وتوفيقه بطريق اطلاق اسم الجزء على الكل لان التسبيح وذكر الله تعالى يفيد السلوة والراحة وينسى جميع ما اصاب من الغموم والاحزان {أية : ألا بذكر الله تطمئن القلوب}تفسير : {قبل طلوع الشمس} المراد صلاة الفجر وفى الخبر "حديث : ان الذكر والتسبيح الى طلوع الشمس افضل من اعتاق ثمانين رقبة من ولد اسماعيل" تفسير : خص اسماعيل بالذكر لشرفه وكونه ابا العرب {وقبل غروبها} يعنى صلاتى الظهر والعصر لانهما قبل غروبها بعد زوالها {ومن آناء الليل} اى بعض ساعاته جمع انى بالكسر والقصر كمعى وامعاء واناء بالفتح والمد {فسبح} فصل والمراد المغرب والعشاء وتقديم الوقت فيهما لاختصاصهما بمزيد الفضل فان القلب فيهما اجمع والنفس الى الاستراحة اميل فتكون العبادة فيها اشق {واطراف النهار} امر بالتطوع اجزاء النهار. وفى العيون هو بالنصب عطف على ما قبله من الظروف اى سبح فيها وهى صلاة المغرب وصلاة الفجر على التكرار لارادة الاختصاص كما فى قوله تعالى {أية : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}تفسير : صلاة العصر عند بعض المفسرين. وفى الجلالين قبل غروبها صلاة العصر واطراف النهار صلاة الظهر فى طرف النصف الثانى ويسمى الواحد باسم الجمع. وقال الطبرى قبل غروبها وهى العصر ومن آناء الليل هى العشاء الآخرة واطراف النهار الظهر والمغرب لان الظهر فى آخر الطرف الاول من النهار وفى اول الطرف الثانى فكأنها بين طرفين والمغرب فى آخر الطرف الثانى فكانت اطرافا انتهى. وبهذا احتج الشيخ ابو القاسم الفزارى فى الاسئلة المقحمة وقد مضى ما يناسب هذه الآية فى اواخر سورة هود وسيأتى فى سوررة ق ايضا {لعلك ترضى} متعلق بسبح اى سبح فى هذه الاوقات رجاء ان تنال عنده تعالى ما ترضى به نفسك ويسر به قلبك. وقال الكاشفى [خوشنودى در اصح اقوال بكرامتئ ما شدكه خداى تعالى اورا عطا دهد وآن شفاعت امتست ونكته {أية : ولسوف يعطيك ربك فترضى}تفسير : تقويت اين قول ميكند] شعر : امت همه جسمند وتويى جان همه ايشان همه آن تو وتوآن همه خوشنودئ توجست خدادرمحشر خوشنود نه مكر بغفران همه تفسير : واعلم ان الاشتغال بالتسبيح استنصار من المسبح للنصر على المكذبين وان الصلاة اعظم ترياق لازالة الالم ولذا كان النبى عليه السلام اذا حزبه امر فزع الى الصلاة وكان آخر ما اوصى به الصلاة وما ملكت ايمانكم والآية جامعة لذكر الصلوات الخمس. عن جرير بن عبد الله كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى القمر ليلة البدر فقال "حديث : انكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامّون فى رؤيته فان استطعتم ان لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ وسبح بحمد ربك"تفسير : الآية قوله لا تضامون بتشديد الميم من الضم اى لا يضم بعضكم بعضا ولا يقول ارنيه بل كل ينفرد برؤيته فالتاء مفتوحة والاصل تتضامون حذفت منه احدى التاءين وروى بتخفيف الميم من الضيم وهو الظلم فالتاء مضمومة يعنى لا ينالكم ضيم بان يرى بعضكم دون بعض بل تستوون كلكم فى رؤيته تعالى وفى الحديث "حديث : ان اثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر ولو يعلمون ما فيهما لاتوهما ولو حبوا"تفسير : يقال من دوام على الصلوات الخمس فى الجماعة يرفع الله عنه ضيق العيش وعذاب القبر ويعطى كتابه بيمينه ويمر على الصراط كالبرق ويدخل الجنة بغير حساب ومن تهون فى الصلاة فى الجماعة يرفع الله البركة من رزقه وكسبه وينزع سيما الصالحين من وجهه ولا يقبل منه سائر عمله ويكون بغيضا فى قلوب الناس ويقبض روحه عطشان جائعا يشق نزعه ويبتلى فى القبر بشدة مسألة منكر ونكير وظلمة القبر وضيقه وبشدة الحساب وغضب الرب وعقوبة الله فى النار وفى الحديث "حديث : امتى امة مرحومة وانما يدفع الله عنهم البلايا باخلاصهم وصلواتهم ودعائهم وضعفائهم"تفسير : وعن قتادة ان دانيال النبى عليه السلام نعت امة محمد فقال يصلون صلاة لو صلاها قوم نوح ما اغرقوا ولو صلاها قوم عاد ما ارسلت عليه الريح ولو صلاها ثمود ما اخذتهم الصيحة فعلى المؤمن ان لا ينفك عن الصلاة والدعاء والالتجاء الى الله تعالى.
الجنابذي
تفسير : {فَٱصْبِرْ} اى اذا كان عذابهم بسبب وعد الامهال وانقضاء الاجل مؤخّراً فاصبر {عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} فى دينك او فى الخداع بك او فى وصيّك وغصب حقّه ومنعه منه {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} قد مضى انّ المراد بالتّسبيح سواء عُلّق على الله او الرّبّ او اسم الرّبّ، وسواء عدّى بالّلام او بنفسه او اطلق، وسواء كان الّلام بعده للتّعليل او للتّقوية كان المراد تنزيه اللّطيفة الانسانيّة عن تشبّث التّعيّنات والتّعلّق بالكثرات وتلك اللّطيفة هى الرّبّ فى العالم الصّغير وهى اسم الرّبّ وبتنزيهها ينزّه الله عمّا لا ينبغى ان يعتقد فى حقّه، ولمّا كان تنزيه الله تعالى راجعاً الى سلب النّقائص الّتى هى حدود الوجود وهى راجعة الى سلب السّلوب كان تنزيهه عبارة عن سلب السّلوب، ليس الاّ سعة الوجود، وسعة الوجود راجعة الى سعة صفاته تعالى بحيث لا يشذّ وجود ولا صفة وجود من وجوده وصفاته وكان تسبيحه عين تحميده ولذلك قلّما يذكر تسبيح الاّ ومعه الحمد بلفظه او بمعناه وامره (ص) بالتّسبيح بسبب الحمد او بالاشتغال بحمده او متلبّساً بحمده لذلك يعنى نزّهه (ع) عن حدود الكثرات فى عين ملاحظة كمالات الكثرات له تعالى والاّ لم يكن تسبيحك تسبيحاً له بل كان تنقيصاً له {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} ان كان المراد بهذا التّسبيح التّسبيح الّذى كان فى ضمن الصّلوات كان المراد بالتّسبيح قبل طلوع الشّمس صلٰوة الفجر {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} يعنى صلٰوة العصر {وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ} الآناء جمع الانى بكسر الهمزة وفتحها وجمع الانو بكسر الهمزة وسكون النّون فى الجميع بمعنى السّاعات يعنى صلٰوة المغرب والعشاء ونوافل اللّيل {فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ} صلٰوة الظّهر ونوافلها، وتسمية وقتها بالاطراف لكونه طرفى نصف النّهار، او المراد مطلق صلٰوة التّطوّع فى النّهار، وان كان المراد مطلق التّسبيح كان المراد استغراق الاوقات وذكر قبل طلوع الشّمس وقبل غروبها للاهتمام بهذين الوقتين {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} قرئ مبنيّاً للفاعل ومبنيّاً للمفعول.
اطفيش
تفسير : {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} من أنك كاذب، أو كاهن، أو ساحر، أو شاعر، أو مجنون، أو يعلِّمه بَشر. زعموا أنها منسوخة بآية السيف، ولعله الصبر المأمور به فى كل بلية فلا نسخ. {وَسَبِّحْ} نَزِّه ربك عن النقائص، أو صَلِّ الخمس. {بِحَمْدِ} متعلق بمحذوف حال، والباء للمصاحبة؛ أى ثابتا مع الحمد له على هدايته، ومعترفا بأنه المولى المنعم. {رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ} قبل يعنى صلاة الفجر. {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا يعنى الظهر والعصر لأنهما فى النصف الأخير، أو العصر وحده، وأما الظهر فمن آية أخرى، مثل: {أية : أقم الصلٰوة لدلوك الشمس}. تفسير : {ومِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ} من ساعاته جمع إنّى كرِضًى، أو أناء كسماء، أو أَنى كفتى، أو إنى بكسر فإسكان، أو إنْو كذلك، متعلق بقوله: فسبِّح. ومِن بمعنى فى، أى فى بعض ساعاته. وأراد: المغرب والعشاء، أو من للتبعيض، متعلقة بمحذوف نعت لمجرور محذوف، متعلق بسبح، أى فى زمان ثابت من آناء الليل، والفاء زائدة. {وَأَطْرَافَ النَّهَارِ} معطوف على مجموع الجار والمجرور، وهو ظرف، أو معطوف على محل آناء، وهو النصب. وإنما عطف على المحل لجواز ظهوره فى الفصيح، إذ لو أسقطت {مِن} لانتصب أطراف. قيل: المراد الصبح والمغرب، كرر للاختصاص. والجمع يعنى التثنية ولا لبس، أو باعتبار أن النهار للجنس. وبدل الأول: {أية : وأقم الصلٰوة طرفى النهار} تفسير : أو المراد صلاة الظهر؛ فإنها بعد الطرف الأول من النهار وبدايةِ الطرف الأخير، ظرفان، عبَّر عنهما بالجمع لما مر قبل، أو المراد التطوع فى أجزاء النهار. والأطراف: الأجزاء. قاله الحسن، أو أطراف النهار: ما بعد طلوع الشمس، وما قبل أن نصلى العصر. وقيل: أطراف النهار: الظهر والمغرب. قال ابن العربى: الصحيح أن المغرب من طرف الليل. وقيل: المراد بالآية النفل والسنة ويرد عليه {قبل غروبها} فإنه لا نفل ولا سنة قبله، إلا إنى أريد قبله. وقيل: العصر وهو بعيد. ويحتمل أن المراد بها: قل سبحان الله وبحمده. وقدم الليل لسبقه خلفا، ولأن العبادة فيه أفضل لصعوبتها، ولجمع القلب. {لَعَلّكَ تَرْضَى} ترجية عائدة لسبح، أى سبح فى تلك الأوقات، طمعا أن تنال عند الله ما ترضى به، عبر بالمسبب وهو الرضى عن السبب وهو النَّيل. وقيل: لعلك ترضى بما تُعطَى من الثواب على عملك. وقرأ الكسائى عن عاصم، وأبو بكر بالبناء للمفعول، أى يرضيك ربك بما تحب، كالشفاعة، من الإرضاء. وقيل: يرضاك ربك، أى يقبلك من الرضى.
الالوسي
تفسير : {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن / تأخير عذابهم ليس بإهمال بل إمهال وأنه لازم لهم البتة فاصبر على ما يقولون من كلمات الكفر فإن علمه صلى الله عليه وسلم بأنهم معذبون لا محالة مما يسليه ويحمله على الصبر، والمراد به عدم الاضطراب لا ترك القتال حتى تكون الآية منسوخة {وَسَبّحْ } ملتبساً {بِحَمْدِ رَبّكَ } أي صل وأنت حامد لربك عز وجل الذي يبلغك إلى كمالك على هدايته وتوفيقه سبحانه {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ } أي صلاة الفجر {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } أي صلاة المغرب، والظاهر أن الظرف متعلق بسبح. وقد أخرج تفسير التسبيح في هذين الوقتين بما ذكر الطبراني وابن عساكر وابن مردويه عن جرير مرفوعاً إلى النبـي صلى الله عليه وسلم. وأخرج الحاكم عن فضالة بن وهب الليثي أن النبـي عليه الصلاة والسلام قال له: «حديث : حافظ على العصرين قلت: وما العصران؟ قال: صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها»تفسير : ، وقيل: المراد بالتسبيح قبل غروبها صلاتا الظهر والعصر لأن وقت كل منهما قبل غروبها وبعد زوالها وجمعهما لمناسبة قوله تعالى: {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ }، وأنت تعلم أن قبل الغروب وإن كان باعتبار معناه اللغوي صادقاً على وقت الظهر ووقت العصر إلا أن الاستعمال الشائع فيه وقت العصر. وقوله تعالى: {وَمِنْ ءانَاء ٱلَّيْلَ } أي من ساعاته جمع إني وإنو بالياء والواو وكسر الهمزة وإنا بالكسر والقصر و أناء بالفتح والمد ولم يشتهر اشتهار الثلاثة الأول، وذكره من يوثق به من المفسرين، وقال الراغب في «مفرداته»: قال الله تعالى: {أية : غَيْرَ نَـٰظِرِينَ إِنَـٰهُ } تفسير : [الأحزاب: 53] أي وقته، والإناه إذا كسر أوله قصر وإذا فتح مد نحو قول الحطيئة:شعر : وآنيت العشاء إلى سهيل أو الشعرى فطال بـي الأناء تفسير : ثم قال: ويقال ءانيت الشيء إيناء أي أخرته عن أوانه وتأنيت تأخرت اهـ، وفي «المصباح» آنيته بالفتح والمد أخرته، والاسم إناء بوزن سلام قيل منصوب على الظرفية بمضمر، وقوله سبحانه {فَسَبّحْ } عطف عليه أي قم بعض آناء الليل فسبح وهو كما ترى، وقيل: منصوب بسبح على نسق {أية : وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ } تفسير : [البقرة: 40]، والفاء على الأول عاطفة وعلى الثاني مفسرة، وقيل: إنه معمول {فَسَبّحْ }، والفاء زائدة فائدتها الدلالة على لزوم ما بعدها لما قبلها. وذكر الخفاجي أنه معمول لما ذكر من غير حاجة لدعوى زيادة الفاء لأنها لا تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها كما صرح به النحاة، والمراد من التسبيح في بعض آناء الليل صلاة المغرب وصلاة العشاء وللاعتناء بشأنهما لم يكتف في الأمر بفعلهما بالفعل السابق بأن يعطف {مِنْ ءانَاء ٱلَّيْلِ} على أحد الظرفين السابقين من غير ذكر فسبح وللاهتمام بشأن ءاناء الليل وامتيازها على سائر الأوقات بأمور خاصية وعامية قدم ذكرها على الأمر ولم يسلك بها مسلك ما تقدم. وقوله تعالى: {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ } عطف على محل قوله سبحانه: {مِنْ ءانَاء ٱلَّيْلِ} وقيل: على قوله عز وجل {قَبْلَ طُلُوعِ } والمراد من التسبيح أطراف النهار على ما أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن قتادة صلاة الظهر واختاره الجبائي، ووجه إطلاق الطرف على وقتها بأنه نهاية النصف الأول من النهار وبداية النصف الأخير منه، وجمعه باعتبار النصفين أو لأن تعريف النهار للجنس الشامل لكل نهار فيكون الجمع باعتبار تعدد النهار وأن لكل طرفاً كذا قيل. وأورد على ذلك أن البداية والنهاية فيه ليست على وتيرة واحدة / لأن كون ذلك نهاية باعتبار أن النصف الأول انتهى عنده وهو خارج عنه وبداية باعتبار أن النصف الثاني ابتدأ منه وهو داخل فيه، ولا شك في بعض كون الجمع بمثل هذا الاعتبار على أنه لا بد مع ذلك من القول بأن أقل الجمع اثنان، وأيضاً أن إطلاق الطرف على طرف أحد نصفيه تكلف فإنه ليس طرفاً له بل لنصفه. وقيل: هذا تكرير لصلاتي الصبح والمغرب إيذاناً باختصاصهما بمزيد مزية، والمراد بالنهار ما بين طلوع الشمس وغروبها وبالطرف ما يلاصق أول الشيء وآخره، والإتيان بلفظ الجمع مع أن المراد اثنان لأمن اللبس إذ النهار ليس له إلا طرفان، ونظيره قول العجاج:شعر : ومهمهين فدفدين مرتين ظهراهما مثل ظهور الترسين تفسير : والمرجح المشاكلة لآناء الليل، واختار هذا من أدخل الظهر فيما قبل الغروب، وفيه أن الطرف حقيقة فيما ينتهي به الشيء وهو منه ويطلق على أوله وآخره وإطلاقه على الملاصق المذكور ليس بحقيقة، وأجيب بأنه سائغ شائع وإن لم يكن حقيقة؛ وجوز أن يكون تكريراً لصلاتي الصبح والعصر ويراد بالنهار ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس وبالطرف الأول، والآخر بحسب العرف وإذا أريد بالنهار ما بين طلوع الشمس وغروبها يبعد هذا التجويز إذ لا يكون الطرفان حينئذ على وتيرة واحدة، وقيل: هو أمر بالتطوع في الساعات الأخيرة للنهار وفيه صرف الأمر عن ظاهره مع أن في كون الساعات الأخيرة للنهار زمن تطوع بالصلاة كلاماً لا يخفى على الفقيه. وقال أبو حيان: ((الظاهر أن قوله تعالى: {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } أمر بالتسبيح مقروناً بالحمد وحينئذ إما أن يراد اللفظ أي قل ـ سبحان الله والحمد لله ـ أو يراد المعنى أي نزهه سبحانه عن السوء وأثن عليه بالجميل. وفي خبر ذكره ابن عطية «حديث : من سبح عند غروب الشمس سبعين تسبيحة غربت بذنوبه» تفسير : وقال أبو مسلم: لا يبعد حمل ذلك على التنزيه والإجلال، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات)) وعلى ذلك حمله أيضاً العز بن عبد السلام وجعل الباء في قوله سبحانه: {بِحَمْدِ رَبّكَ } للآلة، وقال: إن ذلك لتعيين سلب صفات النقص لأن من سلب شيئاً فقد أثبت ضده وأضداد صفات النقص صفات الكمال فمن نزهه سبحانه فقد أثبت صفات الكمال، وجوز في إضافة الحمد إلى الرب أن تكون من إضافة المصدر إلى الفاعل أو من إضافة المصدر إلى المفعول أو من إضافة الاختصاص بأن يكون الحمد بمعنى المحامد؛ ثم استحسن الأول لأن الحمد الحق الكامل حمد الله تعالى نفسه، والمتبادر جعل الباء للملابسة والإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول. واختار الإمام حمل التسبيح على التنزيه من الشرك، وقال: ((إنه أقرب إلى الظاهر وإلى ما تقدم ذكره لأنه سبحانه صبره أولاً على ما يقولون من التكذيب وإظهار الكفر والشرك والذي يليق بذلك أن يؤمر بتنزيهه تعالى عن قولهم: حتى يكون مظهراً لذلك وداعياً إليه)). واعترض بأنه لا وجه حينئذ لتخصيص هذه الأوقات بالذكر، وأجيب بأن المراد بذكرها الدلالة على الدوام كما في قوله تعالى: {أية : بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ} تفسير : [الأنعام: 52] مع أن لبعض الأوقات مزية لأمر لا يعلمه إلا الله تعالى. ورد بأنه يأباه من التبعيضية في قوله سبحانه {مِنْ ءانَاء ٱلَّيْلِ} على أن هذه الدلالة يكفيها أن يقال: قبل طلوع الشمس وبعده لتناوله الليل والنهار فالزيادة تدل على أن المراد خصوصية الوقت، ولا يخفى أن قوله سبحانه: {مِنْ ءانَاء ٱلَّيْلِ} متعلق بسبح الثاني فليكن الأول للتعميم، والثاني لتخصيص البعض اعتناء به، نعم يرد أن التنزيه عن الشرك لا معنى لتخصيصه إلا إذا أريد به قول: سبحان الله مراداً / به التنزيه عن الشرك، وقيل: يجوز أن يكون المراد بالتسبيح ما هو الظاهر منه ويكون المراد من الحمد الصلاة والظرف متعلق به فتكون حكمة التخصيص ظاهرة كذا في «الحواشي الشهابية». وقد عورض ما قاله الإمام بأن الأنسب بالأمر بالصبر الأمر بالصلاة ليكون ذلك إرشاداً لما تضمنه قوله تعالى: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ } تفسير : [البقرة: 45] وأيضاً الأمر الآتي أوفق بحمل الأمر بالتسبيح على الأمر بالصلاة وقد علمت أن الآثار تقتضي ذلك ثم إنه يجوز أن يراد بالطرف طائفة من الشيء فإنه أحد معانيه كما في «الصحاح» و «القاموس» وإذا كان تعريف النهار للجنس على هذا لم يبق الكلام فيما روي عن قتادة كما كان فتدبر. {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ } قيل: هو متعلق بسبح أي سبح في هذه الأوقات رجاء أن تنال عنده تعالى ما ترضى به نفسك من الثواب. واستدل به على عدم الوجوب على الله تعالى، وجوز أن يكون متعلقاً بالأمر بالصبر والأمر بالصلاة، والمراد لعلك ترضى في الدنيا بحصول الظفر وانتشار أمر الدعوة ونحو ذلك، وقرأ أبو حيوة وطلحة والكسائي وأبو بكر وأبان وعصمة وأبو عمارة عن حفص وأبو زيد عن المفضل وأبو عبيد ومحمد بن عيسى الأصفهاني {تَرْضَىٰ } على صيغة البناء للمفعول من أرضى أي يرضيك ربك.
القطان
تفسير : آناء الليل: ساعاته. مفردها إنْيٌ، وإنو، بكسر الهمزة وسكون النون. وأنى بفتح الهمزة والنون مقصورةً مثل على. وإنَى بكسر الهمزة وفتح النون مثل إلى. لا تمدّن عينيك: لا تنظر الى ما عند هؤلاء. متعنا: اعطيناهم ما يتلذذون به. ازواجا: اشكالا واشباها. زهرة الحياة الدنيا: زينتها وبهجتها. لنفتنهم: لنختبرهم ونبتليهم. فاصبر أيها الرسول على ما يقولون من كفرٍ واستهزاء، واتّجه إلى ربك وسبِّح بحمده قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ونزهْه واعبدْه في ساعات الليل، وفي أطراف النهار. {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} فتطمئنَّ الى ما أنتَ عليه. ولما صبَّر رسوله الكريم على ما يقولون وأمَرَه بالعبادة والتسبيح، أتبع ذلك بنهْيهِ عن مدِّ عينيه إلى ما مُتِّعوا به من زينة الدنيا فقال: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ... }. ولا تتعدّ بنظرك الى ما متعنا به أصنافاً من الكافرين، لأن هذا المتاع زينةُ الحياة الدنيا وزخرفها، يمتحن الله به عباده في الدنيا. {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} يدّخره لك الله في الآخرة، وهو رزق نعمةٍ لا للفتنة، رزقٌ طيب باق، وهو خير من هذا المتاع الزائل. عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من كانت الدنيا همَّه، فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتِه من الدنيا الا ما كتبَ له " تفسير : وهذه التَّنبيهات ليست دعوةً للزهد في طيبات الحياة، ولكنها دعوة الى الاعتزاز بالقِيم الأصيلة الباقية، وبالصِلة بالله والرضى به. قراءات: قرأ ابو بكر والكسائي: "لعلك تُرضى" بضم التاء. والباقون: "لعلك ترضى" بفتح التاء. {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ}. دوامْ على الصلاة ووجِّهْ أهلك أن يؤدوها في اوقاتها، فان أول واجبات المسلم أن يحوِّل بيته الى بيتٍ مسلم. ونحن لا نكلّفك مالا، بل عملاً نؤتيك عليه أجراً عظيما. إننا نعطيك الرزق، والعاقبةُ الصالحة لأهل الخشية والتقوى، والانسان هو الرابح بالعبادة في دنياه وأخراه. قراءات: قرأ يعقوب: زَهَرة الحياة. بفتح الزاي والهاء وهي لغة. والباقون: زهرة، بسكون الهاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {آنَآءِ} {ٱلْلَّيْلِ} (130) - يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَه صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُ لَهُ: اصْبِرْ عَلَى تَكْذِيبِ هؤَلاءِ ِالمُكَذِّبِينَ، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بَعْدَ صَلاَةِ الفِجْرِ، وَبَعْدَ صَلاَةِ العَصْرِ (قَبْلَ غُرُوبِهَا)، وَفِي فَتَرَاتِ اللَّيْلِ، فَالتَّسْبِيحُ اتِّصَالٌ بِاللهِ تَعَالَى، وَالنَّفْسُ التِي تَتَّصِلُ بِاللهِ تَطْمَئِنُّ وَتَرْضَى. فَالرِّضَا ثَمَرَةُ التَّسْبِيحِ وَالعِبَادَةِ، وَهُوَ وَحْدَهُ جَزَاءٌ حَاضِرٌ يَنْبُعُ مِنْ دَاخِلِ النَّفْسِ. آنَاءَ اللَّيْلِ - سَاعَاتِ اللَّيْلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فما دام أن القوم يُكذِّبون رسول الله، وهم في مأمن من العذاب، فلا بُدَّ أن يتمادوا في تكذيبهم، ويستمروا في عنادهم لرسول الله؛ لذلك يتوجه الحق - سبحانه وتعالى - إلى الناحية الأخرى فيعطي رسوله صلى الله عليه وسلم المناعة اللازمة لمواجهة هذا الموقف {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ..} [طه: 130] لأن لك بكل صبر أجراً يتناسب مع ما تصبر عليه. والصبر قد يكون مَيْسوراً سهلاً في بعض المواقف، وقد يكون شديداً وصَعْباً ويحتاج إلى مجاهدة، فمرَّة يقول الحق لرسوله: اصبر. ومرة يقول: اصطبر. فما الأقوال التي يصبر عليها رسول الله؟ قولهم له: ساحر. وقولهم: شاعر وقولهم: مجنون وكاهن، كما قالوا عن القرآن: أضغاث أحلام. وقالوا: أساطير الأولين. فاصبر يا محمد على هذا كله؛ لأن كلَّ قولة من أقوالهم تحمل معها دليل كذبهم. فقولهم عن رسول الله: ساحر، فمَن الذي سَحَره رسول الله؟ سحر المؤمنين به، فلماذا - إذن - لم يسحرْكم أنتم أيضاً، وتنتهي المسألة. إذن: بقاؤكم على عناده والكفر به دليل براءته من هذه التهمة. وقولهم: شاعر، كيف وهم أمة صناعتها الكلام، وفنون القول شعره ونثره، فكيف يَخْفى عليهم أسلوب القرآن؟ والشعر عندهم كلام موزون ومُقفّى، فهل القرآن كذلك؟ ولو جاء هذا الاتهام من غيركم لكان مقبولاً، أما أنْ يأتيَ منكم أنتم يا مَنْ تجعلون للكلام أسواقاً ومعارض كمعارض الصناعات الآن، فهذا غير مقبول منكم. وسبق أنْ قلنا: إنك إذا قرأتَ مقالاً مثلاً، ومَرَّ بك بيت من الشعر تشعر به وتحسُّ أذنك أنك انتقلتَ من نثر إلى شعر، أو من شعر إلى نثر. فخُذْ مثلاً قول ابن زيدون: "هذا العَذْل محمود عواقبه، وهذه النَّبْوة غمرة ثم تنجلي، ولن يريبني من سيدي أنْ أبطأ سَيْبه، أو تأخر غير ضنين غناؤه، فأبطأ الدِّلاء فَيْضا أملؤها، وأثقل السحائب مشياً أحفلها. ومع اليوم غد، ولكل أجل كتاب، له العتب في احتباله، ولا عتبَ عليه في اغتفاله. شعر : فَإنْ يكُنِ الفعلُ الذي سَاءَ واحِداً فَأفْعالُه اللائي سَرَرْنَ أُلُوفُ" تفسير : على الفور تحس أذنك أنك انتقلتَ من نثر إلى شعر. فإذا ما قرأتَ في القرآن مثلاً قوله تعالى: {أية : وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ ..}تفسير : [يوسف: 30-32]. فهل أحسستَ بانتقال الأسلوب من نثر إلى شعر، أو من شعر إلى نثر؟ ومع ذلك لو وزنتَ {أية : فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ..}تفسير : [يوسف: 32] لوجدتَ لها وزناً شِعْرياً. وقوله تعالى: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [الحجر: 49]. لو أردتها بيتاً شعرياً تقول (نبىء عبادي أني * أنا الغفور الرحيم). ومع ذلك تقرأها في سياقها، فلا تشعر أنها شعر؛ لأن الأسلوب فريد من نوعه، وهذه من عظمة القرآن الكريم، كلام فَذٌّ لوحده غير كلام البشر. أما قولهم "مجنون" فالمجنون لا يدري ما يفعل، ولا يعقل تصرفاته ولا يسأل عنها، ولا نستطيع أنْ نتهمه بشيء فنقول عنه مثلاً؛ كذاب أو قبيح؛ لأن آلة الاختيار عنده مُعطّلة، وليس لديه انسجام في التصرفات، فيمكن أن يضحك في وجهك، ثم يضربك في نفس الوقت، يمكن أن يعطيك شيئاً ثم يتفل في وجهك. والمجنون ليس له خُلق، والحق سبحانه يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم: 1-4]. والخُلق هو المَلَكة المستقرة للخير، فكيف يكون محمد مجنوناً، وهو على خلق عظيم؟ ثم هل جرَّبْتُم عليه شيئاً مما يفعله المجانين. أما قولهم: إن رسول الله افترى هذا القرآن، كيف وأنتم لم تسمعوا منه قبل البعثة شِعْراً أو خطباً ولم يسبق أن قال شيئاً مثل هذا؟ كيف يفتري مثل هذا الأسلوب المعجز، وليس عنده صنعة الكلام؟ وإن كان محمد قد افترى القرآن فلماذا لا تفترون أنتم مثله وتعارضونه؟ {أية : قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ ..}تفسير : [يونس: 38]. وهكذا تقوم من نفس أقوالهم الأدلة على كذبهم وادعائهم على رسول الله. ثم يقول تعالى {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ..} [طه: 130]. والتسبيح هو التنزيه لله تعالى، وهو صفة لله قبل أنْ يخلق مَنْ يُسبِّحه ويُنزِّهه؛ لذلك يقول تعالى في استهلال سورة الإسراء: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ..}تفسير : [الإسراء: 1]؛ لأن العملية مخالفة لمنطق القوانين، فقال: نزّه فعل الله عن أفعالك. إذن: فسبحان معناها أن التنزيه ثابت لله، ولو لم يوجد المنزَّه، فلما خلق الله الكون سَبَّحتْ السماوات والأرض وما فيهن لله. فإذا كان التسبيح ثابتاً لله قبل أن يوجد المسبّح، ثم سبح لله أول خلقه، ولا يزالون يُسبِّحون، فأنت أيضاً سبِّح باسم ربك الأعلى. أي: نزّهه سبحانه ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً وأقوالاً عَمَّا تراه من المخلوقات. ومعنى {بِحَمْدِ رَبِّكَ ..} [طه: 130] لأن من لوازم الخلق أن يكون مختلفاً في الأهواء والأغراض والمصالح، يتشاكلون ويتحاربون على عَرَضٍ زائل، فمنهم الظالم والمظلوم، والقوي والضعيف. إذن: لا بُدَّ من وجود واحد لا توجد فيه صفة من هذه الصفات، ليضع القانون والقسطاس المستقيم الذي يُنظِّم حياة الخَلْق، فهذا التنزُّه عن مشابهة الأحداث كلها، وعن هذه النقائض نعمة يجب أن نشكر الله ونحمده على وجودها فيه، نحمده على أنه ليس كمثله شيء. فذلك يجعل الكون كله طائعاً، إنما لو مثله شيء فلربما تأبَّى على الطاعة في "كُنْ فيكون". والتسبيح والتنزيه يعني المقياس الذي يضبط العالم ليس كمقياس العالم، إنما أصلح وأقوى، وهذا في صالحك أنت، فساعةَ أن تُسبِّح الله اذكر أن التسبيح نعمة، فاحمد الله على أنه لا شيءَ مثلُه. سبِّح تسبيحاً مصحوباً بحمْدِ ربك؛ لأن تنزيهه إنما يعود بالخير على مَنْ خلق، وهذه نعمة تستحق أن تحمدَ الله عليها. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - ربّ الأسرة، هذا الرجل الكبير العاقل صاحب كلمة الحق والعدل بين أفرادها، وصاحب المهابة بينهم تراهم جميعاً يحمدون الله على وجوده بينهم؛ لأنه يحفظ توازن الأسرة، ويُنظِّم العلاقات بين أفرادها. ألم نَقُلْ في الأمثال (اللي ملوش كبير يشتري له كبير)؟ حتى وإن كان هذا الكبير متعالياً؛ لأن تعاليه لصالح أفراد أسرته، حيث سليزم كل واحد منهم حدوده. لذلك من أسماء الله تعالى: المتعال المتكبر، وهذه الصفة وإنْ كانت ممقوتة بين البشر لأنها بلا رصيد، فهي محبوبة لله تعالى؛ لأنها تجعل الجميع دونه سبحانه عبداً له، فتَكبُّره سبحانه وتعاليه بحقٍّ: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [يس: 82]. إذن: لا يحفظ التوازن في الكون إلا قوة مغايرة للخَلْق. وقوله: {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} [طه: 130]. أي: تسبيحاً دائماً مُتوالياً، كما أن نعم الله عليك متوالية لا تنتهي، فكلُّ حركة من حركاتك نعمة، النوم نعمة، والاستيقاظ نعمة، الأكل نعمة، والشرب نعمة، البصر والسمع، كل حركة من حركات الأحداث نعمة تستحق الحمد، وكل نعمة من هذه ينطوي تحتها نِعَم. خُذْ مثلاً حركة اليد التي تبطش بها، وتأمّل كم هي مرِنة مِطْواعة لك كما شئت دون تفكير منك، أصابعك تتجمع وتمسك الأشياء دون أن تشعر أنت بحركة العضلات وتوافقها، وربما لا يلتفت الإنسان إلى قدرة الله في حركة يده، إلا إذا أصابها شلل والعياذ بالله، ساعتها يعرف أنها عملية صعبة، ولا يقدر عليها إلا الخالق عز وجل. لذلك؛ فالحق - سبحانه وتعالى - يعطينا زمن التسبيح، فيعيشه في كل الوقت {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ ..} [طه: 130]. وآناء: جمع إنْى، وهو الجزء من الزمن، وهذا الجزء يترقَّى حسْب تنبهك لتسبيح التحميد، فمعنى التسبيح آناء الليل، يعني أجزاء الليل كله، فهل يعني هذا أن يظل الإنسانُ لا عملَ له إلا التسبيح؟ المناطقة يقولون عن الجزء من الوقت: مقول بالتشكيك، فيمكن أن تُجزّىء الليل إلى ساعات، فتُسبِّح كل ساعة، أو تترقّى فتسبح كل دقيقة، أو تترقّى فتُسبِّح كل ثانية، وهكذا حسْب مقامات المسبّح الحامد وأحواله. فهناك من عباد الله مَنْ لا يفتر عن تسبيحه لحظة واحدة، فتراه يُسبِّح الله في كل حركة من حركاته؛ لأنه يعلم أنه لا يؤديها بذاته بدليل أنها قد تُسْلَب منه في أي وقت. إذن: فأجزاء الوقت تختلف باختلاف المقامات والأحوال، أَلاَ تراهم في وحدة القياس يقيسون بالمتر، ثم بالسنتيمتر، ثم بالمللي متر، وفي قياس الوقت توصّل اليابانيون إلى أجهزة تُحدِّد جزءاً من سبعة آلاف جزء من الثانية. ثم يقول: {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ ..} [طه: 130] ليستوعب الزمن كله ليله ونهاره، والمقامات والأحوال كلها؛ لذلك يقول بعض العارفين في نصائحه التي تضمن سلامة حركة الحياة: (اجعل مراقبتك لمن لا تخلو عن نظره إليك) فهذا الذي يستحق المراقبة، وعلى المرء أنْ يتنبه لهذه المسألة، فلا تُكنْ مراقبته لمن يغفل عنه، أو ينصرف، أو ينام عنه. (واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك) فإذا شربتَ كوب ماءٍ فقُلْ: الحمد لله أن أرواك، فساعةَ تشعر بنشاطها في نفسك قل: الحمد لله. وساعةَ أنْ تُخرجها عرقاً أو بولاً قل: الحمد لله، وهكذا تكون موالاة حمد الله، والمداومة على شُكْره. (واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه) فطالما أنك لا تستغني عنه، فهو الأَوْلَى بطاعتك. (واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن مُلْكه وسلطانه) وإلاَّ فأين يمكنك أن تذهب؟ لكن، لماذا أطلق زمن التسبيح بالليل، فقال {آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ ..} [طه: 130] وحدده في النهار فقال {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ ..} [طه: 130]؟ قالوا: لأن النهار عادة يكون محلاً للعمل والسَّعْي، فربما شغلك التسبيح عن عملك، وربنا يأمرنا أن نضربَ في الأرض ونُسهِم في حركة الحياة، والعمل يُعين على التسبيح، ويُعين على الطاعة، ويُعينك أنْ تلبي نداء: الله أكبر. ألاَ تقرأ قول الله - عز وجل - في سورة الجمعة: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [الجمعة: 9-10]. ذلك لأن حركة الحياة هي التي تُعينك على أداء فَرْض ربك عليك، فأنت مثلاً تحتاج في الصلاة إلى سَتْر العورة، فانظر إلى هذا الثواب الذي تستر به عورتك: كم يَدٌ ساهمتْ فيه؟ وكم حركة من حركات الحياة تضافرتْ في إخراجه على هذه الصورة؟ أمّا في الليل فأنت مستريح، يمكنك التفرغ فيه لتسبيح الله في أيِّ وقت من أوقاته. ويلفتنا قوله تعالى: {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ ..} [طه: 130] فأيّ طلوع؟ وأيّ غروب؟ وأيُّ ليل؟ وأيّ نهار؟ أهي لمصر أم للجزائر أم للهند أم لليابان؟ إنها ظواهر متعددة وممتدة بامتداد الزمان والمكان لا تنتهي، فالشمس في كل أوقاتها طالعة غاربة، ففي هذا إشارة إلى أن ذِكْر الله وتسبيح الله دائمٌ لا ينقطع. ثم يذكر سبحانه الغاية من التسبيح، فيقول {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} [طه: 130] ونلحظ أن الحق سبحانه يحثُّ على العمل بالنفعية، فلم يقُل: لعلِّي أرضى، قال: لعلك أنت ترضى، فكأن المسألة عائدة عليك ولمصلحتك. والرضا: أنْ تصلَ فيما تحب إلى ما تؤمِّل، والإنسان لا يرضى إلا إذا بلغ ما يريد، وحقّق ما يرجو، كما تقول لصاحبك: أأنت سعيد الآن؟ يقول: يعني: يقصد أنه لم يصل بعد إلى حَدِّ الرضا، فإنْ تحقَّق له ما يريد يقول لك: سعيد والحمد لله. فإنْ أحسنتَ إليه إحساناً يفوق ما يتوقعه منك يأخذك بالأحضان ويقول: ربنا يُديم عمرك، جزاك الله خيراً. إذن: رضا الإنسان له مراحل؛ لذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي كما روى النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يتجلى على خَلْقه في الجنة: يا عبادي هل رضيتم؟ فيقولون: وكيف لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحداً من العالمين، قال: أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب، وهل يوجد أفضل من ذلك؟ قال: نعم، أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط بعده عليكم أبداً ". تفسير : وهكذا يكون الرضى في أعلى مستوياته. الغاية من التسبيح - إذن - الذي كلّفك ربك به أنْ ترضى أنت، وأن يعودَ عليك بالنفع، وإلا فالحق سبحانه مُسبَّح قبل أن يخلق، أنت مُسبّح قبل أن يخلق الكون كله، ولا يزيد تسبيحك في ملكه تعالى شيئاً. ويتم لك هذا الرضا حين تُرضِي الله فيرضيك. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ} معناه من سَاعاتِ الليلِ. واحدُها آنا
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 625 : 32 : 1 - سفين عن عاصم بن بهدلة عن أبي رزين عن بن عباس في قوله {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} قال، صلاة مكتوبة. [الآية 130]. >
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [130] 350 - أنا يعقوب بنُ إبراهيم، نا عبدُ اللهِ بنُ إدريس، قال: سمعتُ إسماعيل بن أبي خالدٍ يذكر عن قيس بن أبي حازمٍ، عن جرير بن عبد الله قال: حديث : كُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدرِ، فقال: "إِنكُم سترون ربكم كما ترون هذا، لا تُضارون في رُؤيتهِ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاةٍ قبل طلوعِ الشمس وقبل غُروبها [فافعلوا]" ثم قرأ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } .
همام الصنعاني
تفسير : 1847- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} [الآية: 130]، قال: هي صلاة الفجر. {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}: [الآية: 130] صلاة العصر، {وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ}: [الآية: 130]، صلاة المغرب والعشاء، {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ}: [الآية: 130]، صلاة الظهر. 1848- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عبَّاس، في قوله تعالى: {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}: [الآية: 130]، قال: الصلاة المكتوبة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):