٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
131
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله عليه السلام على ما يقولون، وأمره بأن يعدل إلى التسبيح أتبع ذلك بنهيه عن مد عينيه إلى ما متع به القوم فقال تعالى: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } وجهان: أحدهما: المراد منه نظر العين وهؤلاء قالوا: مد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده استحساناً للمنظور إليه إعجاباً به كما فعل نظارة قارون حيث قالوا: { أية : يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَـٰرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ } تفسير : [القصص: 79] حتى واجههم أولوا العلم والإيمان بقولهم: { أية : وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً } تفسير : [القصص: 80] وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه وذلك كما إذا نظر الإنسان إلى شيء مرة ثم غض، ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع قيل: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } أي لا تفعل ما أنت معتاد له. ولقد شدد المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمركوب وغير ذلك لأنهم اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها محصل لغرضهم وكالمقوى لهم على اتخاذها. القول الثاني: قال أبو مسلم الذي نهى عنه بقوله: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } ليس هو النظر، بل هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا. المسألة الثانية: قال أبو رافع: «نزل ضيف بالنبي صلى الله عليه وسلم فبعثني إلى يهودي لبيع أو سلف، فقال: والله لا أفعل ذلك إلا برهن فأخبرته بقوله فأمرني أن أذهب بدرعه إليه فنزل قوله تعالى: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ }» وقال عليه السلام: « حديث : إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم » تفسير : وقال أبو الدرداء: الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له. وعن الحسن: لولا حمق الناس لخربت الدنيا. وعن عيسى ابن مريم عليه السلام قال: لا تتخذوا الدنيا رباً فتتخذكم لها عبيداً، وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رآى ما عند السلاطين يتلو هذه الآية، وقال الصلاة يرحمكم الله، أما قوله عز وجل: {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ } [أي] ألذذنا به، والإمتاع الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة ويسمع من الأصوات المطربة ويشم من الروائح الطيبة وغير ذلك من الملابس والمناكح، يقال أمتعه إمتاعاً ومتعه تمتيعاً والتفعيل يقتضي التكثير، أما قوله: {أَزْوٰجاً مّنْهُمْ } أي أشكالاً وأشباهاً من الكفار وهي من المزاوجة بين الأشياء وهي المشاكلة، وذلك لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أصنافاً منهم، وقال الكلبي والزجاج: رجالاً منهم، أما قوله: {زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } ففي انتصابه أربعة أوجه. أحدها: على الذم وهو النصب على الاختصاص أو على تضمين متعنا معنى أعطينا وكونه مفعولاً ثانياً له أو على إبداله من محل الجار والمجرور أو على إبداله من أزواجاً على تقدير ذوي، فإن قيل: ما معنى الزهرة فيمن حرك قلنا معنى الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة كما جاء في الجهرة. قرىء: أرنا الله جهرة، وأن يكون جمع زاهر وصفاً لهم بأنهم زهرة هذه الدنيا لصفاء ألوانهم وتهلل وجوههم بخلاف ما عليه الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب، أما قوله: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } فذكروا فيه وجوهاً. أحدها: لنعذبهم به كقوله: { أية : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [التوبة: 55]. وثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إضلالاً مني لهم. وثالثها: قال الكلبي ومقاتل تشديداً في التكليف عليهم لأن الإعراض عن الدنيا عند حضورها والإقبال إلى الله أشد من ذلك عند عدم حضورها ولذلك كان رجوع الفقراء إلى خدمة الله تعالى والتضرع إليه أكثر من تضرع الأغنياء، ولأن على من أوتي الدنيا ضروباً من التكليف لولاها لما لزمتهم تلك التكاليف ولأن القادر على المعاصي يكون الاجتناب عن المعاصي أشق عليه من العاجز الفقير، فمن هذه الجهات تكون الزيادة في الدنيا تشديداً في التكليف ثم قال لرسوله: {وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } والأظهر أن المراد أن مطلوبك الذي تجده من الثواب خير من مطلوبهم وأبقى، لأنه يدوم ولا ينقطع وليس كذلك حال ما أوتوه من مَن الدنيا، ويحتمل أن يكون المراد ما أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة خير لك من حيث العاقبة وأبقى، فذكر الرزق في الدنيا ووصفه بحسن عاقبته إذا رضي به وصبر عليه، ويحتمل أن يكون المراد ما أعطى من النبوة والدرجات الرفيعة، وأما قوله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ } فمنهم من حمله على أقاربه ومنهم من حمله على كل أهل دينه، وهذا أقرب وهو كقوله: { أية : وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلَوٰةِ وَٱلزَّكَـوٰةِ } تفسير : [مريم: 55] وإن احتمل أن يكون المراد من يضمه المسكن إذ التنبيه على الصلاة والأمر بها في أوقاتها ممكن فيهم دون سائر الأمة يعنى كما أمرناك بالصلاة فامر أنت قومك بها، أما قوله: {وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا } فالمراد كما تأمرهم فحافظ عليها فعلاً، فإن الوعظ بلسان الفعل أتم منه بلسان القول، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعلي عليهما السلام كل صباح ويقول: «حديث : الصلاة» تفسير : وكان يفعل ذلك أشهراً، ثم بين تعالى أنه إنما يأمرهم بذلك لمنافعهم وأنه متعال عن المنافع بقوله: {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ } وفيه وجوه. أحدها: قال أبو مسلم: المعنى أنه تعالى إنما يريد منه ومنهم العبادة ولا يريد منه أن يرزقه كما تريد السادة من العبيد الخراج، وهو كقوله تعالى: { أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } تفسير : [الذاريات: 56، 57]. وثانيها: {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً } لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك ونرزق أهلك، ففرغ بالك لأمر الآخرة، وفي معناه قول الناس: من كان في عمل الله كان الله في عمله. وثالثها: المعنى أنا لما أمرناك بالصلاة فليس ذلك لأنا ننتفع بصلاتك. فعبر عن هذا المعنى بقوله: {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً } بل نحن نرزقك في الدنيا بوجوه النعم وفي الآخرة بالثواب، قال عبد الله بن سلام: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية» واعلم أنه ليس في الآية رخصة في ترك التكسب لأنه تعالى قال في وصف المتقين: { أية : رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [النور: 37]، أما قوله: والعاقبة للتقوى فالمراد والعاقبة الجميلة لأهل التقوى يعني تقوى الله تعالى، ثم إنه سبحانه بعد هذه الوصية حكى عنهم شبهتهم، فكأنه من تمام قوله: { أية : فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } تفسير : [طه: 130] وهي قولهم: {لَوْلاَ يَأْتِينَا بِـئَايَةٍ مّن رَّبّهِ } أوهموا بهذا الكلام أنه يكلفهم الإيمان من غير آية، وقالوا في موضع آخر: { أية : فليأتنا بآية كما أرسل الأولونِ } تفسير : [الأنبياء: 5] وأجاب الله تعالى عنه بقوله: {أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } وفيه وجوه: أحدها: أن ما في القرآن إذ وافق ما في كتبهم مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشتغل بالدراسة والتعلم وما رأى أستاذاً ألبتة كان ذلك إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً. وثانيها: أن بينة ما في الصحف الأولى ما فيها من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنبوته وبعثته. وثالثها: ذكر ابن جرير والقفال [أن] المعنى: {أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات وكفروا بها كيف عاجلناهم بالعقوبة فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن، فلهذا وصف القرآن بكونه: {بَيّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } واعلم أنه إنما ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل، ثم بين أنه تعالى أزاح لهم كل عذر وعلة في التكليف، فقال: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـٰهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً } والمراد كان لهم أن يقولوا ذلك فيكون عذراً لهم، فأما الآن وقد أرسلناك وبينا على لسانك لهم ما عليهم وما لهم فلا حجة لهم ألبتة بل الحجة عليهم. ومعنى: {مِن قَبْلِهِ } يحتمل من قبل إرساله ويحتمل من قبل ما أظهره من البينات فإن قيل فما معنى قوله: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـٰهُمْ... لَقَالُواْ} [طه: 134] والهالك لا يصح أن يقول قلنا المعنى لكان لهم أن يقولوا ذلك يوم القيامة ولذلك قال: {مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ } وذلك لا يليق إلا بعذاب الآخرة، روي أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال عليه السلام: "حديث : يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك لك. وتلا قوله: {لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً } والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لي عقلاً أنتفع به، ويقول الصبي: كنت صغيراً لا أعقل فترفع لهم نار، ويقال لهم: ادخلوها فيدخلها من كان في علم الله تعالى أنه شقي ويبقى من في علمه أنه سعيد، فيقول الله تعالى لهم: «عصيتم اليوم فكيف برسلي لو أتوكم» " تفسير : والقاضي طعن في الخبر وقال: لا يحسن العقاب على من لا يعقل، واعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الجبائي: هذه الآية تدل على وجوب فعل اللطف إذ المراد أنه يجب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده ولو لم يفعل لكان لهم أن يقولوا هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن؟ وهلا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك؟ وإن كان المعلوم أنهم لا يؤمنون ولو بعث إليهم الرسول لم يكن في ذلك حجة، فصح أنه إنما يكون حجة لهم إذا كان في المعلوم أنهم يؤمنون عنده إذا أطاعوه. المسألة الثانية: قال الكعبي قوله: {لَولآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً } أوضح دليل على أنه تعالى يقبل الاحتجاج من عباده، وأنه ليس قوله: { أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } تفسير : [الأنبياء: 23] كما ظنه أهل الجبر من أن ما هو جور منا يكون عدلاً منه بل تأويله: أنه لا يقع منه إلا العدل فإذا ثبت أنه تعالى يقبل الحجة فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة. المسألة الثالثة: قال أصحابنا: الآية تدل على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع إذ لو تحقق العقاب قبل مجيء الشرع لكان العقاب حاصلاً قبل مجيء الشرع. ثم إنه سبحانه ختم السورة بضرب من الوعيد فقال: {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبّصٌ } أي كل منا ومنكم منتظر عاقبة أمره وهذا الانتظار يحتمل أن يكون قبل الموت، إما بسبب الأمر بالجهاد أو بسبب ظهور الدولة والقوة، ويحتمل أن يكون بالموت فإن كل واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه، ويحتمل أن يكون بعد الموت وهو ظهور أمر الثواب والعقاب، فإنه يتميز في الآخرة المحق من المبطل بما يظهر على المحق من أنواع كرامة الله تعالى، وعلى المبطل من أنواع إهانته {فَسَتَعْلَمُونَ } عند ذلك {مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصّرَاطِ ٱلسَّوِيّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ } إليه وليس هو بمعنى الشك والترديد، بل هو على سبيل التهديد والزجر للكفار، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ} وقد تقدّم معناه في «الحجر». {أزْوَاجاً} مفعول بـ«ـمتعنا». و{زَهْرَةَ} نصب على الحال. وقال الزجاج: «زهرة» منصوبة بمعنى «متعنا» لأن معناه جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة؛ أو بفعل مضمر وهو «جعلنا» أي جعلنا لهم زهرة الحياة الدنيا؛ عن الزجاج أيضا. وقيل: هي بدل من الهاء في «به» على الموضع، كما تقول: مررت به أخاك. وأشار الفراء إلى نصبه على الحال؛ والعامل فيه «مَتَّعْنَا» قال: كما تقول مررت به المسكين؛ وقدره: متعناهم به زهرةَ في الحياة الدنيا وزينة فيها. ويجوز أن ينتصب على المصدر مثل {أية : صُنْعَ ٱللَّهِ} تفسير : [النمل: 88] و{أية : وَعْدَ ٱللَّهِ} تفسير : [الروم: 6] وفيه نظر. والأحسن أن ينتصب على الحال ويحذف التنوين لسكونه وسكون اللام من الحياة؛ كما قرىء «وَلاَ اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارَ» بنصب النهار بسابق على تقدير حذف التنوين لسكونه وسكون اللام، وتكون «الحياة» مخفوضة على البدل من «ما» في قوله: {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ} فيكون التقدير: ولا تمدنّ عينيك إلى الحياة الدنيا زهرةً أي في حال زهرتها. ولا يحسن أن يكون «زهرة» بدلاً من «ما» على الموضع في قوله: «إلى ما متعنا» لأن {لِنَفْتِنَهُمْ} متعلق بـ«ـمتعنا» و{زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعني زينتها بالنبات. والزَّهَرة، بالفتح في الزاي والهاء نَوْر النبات. والزُّهَرة بضم الزاي وفتح الهاء النجم. وبنو زُهْرة بسكون الهاء؛ قاله ابن عزيز. وقرأ عيسى بن عمر «زَهَرَةَ» بفتح الهاء مثل نَهْر ونَهَر. ويقال: سراج زاهر أي له بريق. وزهر الأشجار ما يروق من ألوانها. وفي الحديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم أزهر اللون؛ أي نير اللون؛ يقال لكل شيء مستنير: زاهر، وهو أحسن الألوان. {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي لنبتليهم. وقيل: لنجعل ذلك فتنة لهم وضلالاً. ومعنى الآية: لا تجعل يا محمد لزهرة الدنيا وزناً، فإنه لا بقاء لها. «وَلاَ تَمُدَّنَّ» أبلغ من لا تنظرنّ، لأن الذي يمدّ بصره، إنما يحمله على ذلك حرص مقترن، والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه. مسألة: قال بعض الناس: سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: نزل ضيف برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلني عليه السلام إلى رجل من اليهود، وقال: قل له يقول لك محمد: «حديث : نزل بنا ضيف ولم يُلْفَ عندنا بعضُ الذي يصلحه؛ فبعني كذا وكذا من الدقيق، أو أسلفني إلى هلال رجب فقال: لا، إلا برهن. قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: «والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض ولو أسلفني أو باعني لأدّيت إليه اذهب بدِرْعي إليه»» تفسير : ونزلت الآية تعزية له عن الدنيا. قال ابن عطية: وهذا معترض أن يكون سبباً؛ لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مات ودِرعه مرهونة عند يهودي بهذه القصة التي ذكرت؛ وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها، وذلك أن الله تعالى وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم بالعذاب المؤجل، ثم أمر نبيه بالاحتقار لشأنهم، والصبر على أقوالهم، والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا؛ إذ ذلك منصرم عنهم صائر إلى خِزي. قلت: وكذلك ما روي عنه عليه السلام أنه مرّ بإبل بني المصطلق وقد عَبِست في أبوالها (وأبعارها) من السِّمن فتقنّع بثوبه ثم مضى؛ لقوله عز وجل: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} الآية. ثم سَلاَّه فقال: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} أي ثواب الله على الصبر وقلة المبالاة بالدنيا أولى؛ لأنه يبقى والدنيا تفنى. وقيل: يعني بهذا الرزق ما يفتح الله على المؤمنين من البلاد والغنائم. قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ} أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصلاة ويمتثلها معهم، ويصطبر عليها ويلازمها. وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل في عمومه جميع أمته، وأهل بيته على التخصيص. وكان عليه السلام بعد نزول هذه الآية يذهب كل صباح إلى بيت فاطمة وعليّ رضوان الله عليهما فيقول: «الصلاة». ويروى أن عُرْوة بن الزبير رضي الله عنه كان إذا رأى شيئاً من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله، وهو يقرأ {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} ـ الآية ـ إلى قوله: {وَأَبْقَىٰ } ثم ينادي بالصلاة: الصلاة يرحمكم الله؛ ويصلّي. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي وهو يتمثل بالآية. قوله تعالى: {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً} أي لا نسألك أن ترزق نفسك وإياهم، وتشتغل عن الصلاة بسبب الرزق، بل نحن نتكفل برزقك وإياهم؛ فكان عليه السلام إذا نزل بأهله ضيق أمرهم بالصلاة. وقد قال الله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ} تفسير : [الذاريات: 56 ـ 58]. قوله تعالى: {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} أي الجنة لأهل التقوى؛ يعني العاقبة المحمودة. وقد تكون لغير التقوى عاقبة ولكنها مذمومة فهي كالمعدومة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تنظر إلى ما هؤلاء المترفون وأشباههم ونظراؤهم فيه من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة؛ لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور. وقال مجاهد: {أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ}، يعني: الأغنياء، فقد آتاك خيراً مما آتاهم، كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} تفسير : [الحجر: 87 - 88] الآية، وكذلك ما ادخره الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في الآخرة أمر عظيم، لا يحد ولا يوصف، كما قال تعالى: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } تفسير : [الضحى: 5] ولهذا قال: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} وفي الصحيح: أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المشربة، التي كان قد اعتزل فيها نساءه، حين آلى منهن، فرآه متوسداً مضطجعاً على رمال حصير، وليس في البيت إلا صبرة من قرظ وأهب معلقة، فابتدرت عينا عمر بالبكاء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما يبكيك يا عمر؟» تفسير : فقال: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه؟ فقال: «حديث : أو في شك أنت يابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» تفسير : فكان صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا، مع القدرة عليها، إذا حصلت له، ينفقها هكذا وهكذا في عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئاً لغد. قال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا» تفسير : قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال: «حديث : بركات الأرض»تفسير : . وقال قتادة والسدي: زهرة الحياة الدنيا، يعني: زينة الحياة الدنيا. وقال قتادة: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}: لنبتليهم. وقوله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا} أي: استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، واصبر أنت على فعلها؛ كما قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} تفسير : [التحريم: 6]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر بن الخطاب كان يبيت عنده أنا ويرفأ، وكان له ساعة من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم، فنقول: لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا استيقظ، أقام، يعني: أهله، وقال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا}. وقوله: {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ} يعني: إذا أقمت الصلاة، أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} تفسير : [الطلاق: 2-3] وقال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : - إلى قوله - {أية : إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ} تفسير : [الذاريات: 56 - 58] ولهذا قال: {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ}. وقال الثوري: {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً}، أي: لا نكلفك الطلب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث عن هشام عن أبيه: أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا، فرأى من دنياهم طرفاً، فإذا رجع إلى أهله، فدخل الدار، قرأ: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} - إلى قوله - {نَّحْنُ نَرْزُقُكَ} ثم يقول: الصلاة. الصلاة رحمكم الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا سيار، حدثنا جعفر عن ثابت قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابه خصاصة، نادى أهله: «حديث : يا أهلاه صلوا، صلوا» تفسير : قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر، فزعوا إلى الصلاة، وقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث عمران بن زائدة عن أبيه عن أبي خالد الوالبي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يقول الله تعالى: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي، أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لم تفعل، ملأت صدرك شغلاً، ولم أسد فقرك» تفسير : وروى ابن ماجه من حديث الضحاك عن الأسود عن ابن مسعود: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من جعل الهموم هماً واحداً؛ هم المعاد، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديته هلك»تفسير : ، وروي أيضاً من حديث شعبة عن عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» تفسير : وقوله: {وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} أي: وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وهي الجنة، لمن اتقى الله. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع، وأنا أتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت ذلك أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة، وأن ديننا قد طاب».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوٰجاً } أصنافاً {مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } زينتها وبهجتها {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } بأن يطغوا {وَرِزْقُ رَبِّكَ } في الجنة {خَيْرٌ } مما أُوتوه في الدنيا {وَأَبْقَىٰ } أدوم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...} فيه وجهان: أحدهما: أنه أراد بمد العين النظر. الثاني: أراد به الأسف. {أَزْوَاجاً} أي أشكالاً، مأخوذ من المزاوجة. {زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال قتادة: زينة الحياة الدنيا. {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} يعني فيما متعاناهم به من هذه الزهرة، وفيه وجهان: أحدهما: لنفتنهم أي لنعذبهم به، قاله ابن بحر. الثاني: لنميلهم عن مصالحهم وهو محتمل. {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} فيه وجهان: أحدهما: أنه القناعة بما يملكه والزهد فيما لا يملكه. الثاني: وثواب ربك في الآخرة خير وأبقى مما متعنا به هؤلاء في الدنيا. ويحتمل ثالثاً: أن يكون الحلال المُبْقِي خيراً من الكثير المُطْغِي. وسبب نزولها ما رواه أبو رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم استلف من يهودي طعاماً فأبى أن يسلفه إلا برهن، فحزن وقال: "حديث : إني لأمين في السماء وأمين في الأرض، أحمل درعي إليه" تفسير : فنزلت هذه الآية. وروى أنه لما نزلت هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديه فنادى: من لم يتأدب بأدب الله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. قوله عز وجل: {وَأْمُرْ أَهْلََكَ بِالصَّلاَةِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه أراد أهله المناسبين له. والثاني: أنه أراد جميع من اتبعه وآمن به، لأنهم يحلون بالطاعة له محل أهله. {وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا} أي اصبر على فعلها وعلى أمرهم بها. {وَلاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ} هذا وإن كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم فالمراد به جميع الخلق أنه تعالى يرزقهم ولا يسترزقهم، وينفعهم ولا ينتفع بهم، فكان ذلك أبلغ في الامتنان عليهم. {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} أي وحسن العاقبة لأهل التقوى.
ابن عطية
تفسير : قال بعض الناس سبب هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل به ضيف فلم يكن عنده شيء فبعث إلى يهودي ليسلفه شعيراً فأبى اليهودي إلا برهن فبلغ الرسول بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال "حديث : والله إني لأمين في السماء وأمين في الأرض" تفسير : فرهنه درعه فنزلت الآية في ذلك. قال القاضي أبو محمد: وهذا معترض أن يكون سبباً لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم، لأنَّه مات ودرعه مرهونة بهذه القصة التي ذكرت، وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها وذلك أن الله تعالى وبخهم على ترك الأعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم بالعذاب المؤجل ثم أمر نبيه بالاحتقار لشأنهم والصبر على أقوالهم والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا إذ ذاك منحصر عندهم صائر بهم إلى خزي، وقوله {ولا تمدن عينيك} أبلغ من ولا تنظر، لأن الذي يمد بصره إنما يحمله على ذلك حرص مقترن، والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه. و"الأزواج" الأنواع فكأنه قال {إلى ما متعنا به} أقواماً منهم وأصنافاً. وقوله تعالى: {زهرة الحياة الدنيا} شبه نعم هؤلاء الكفار بالزهر وهو ما اصفر من النور، وقيل "الزهر" النور جملة لأن الزهر له منظر ثم يضمحل فكذلك حال هؤلاء، ونصب {زهرة} يجوز أن ينصب على الحال وذلك أن تعرفها ليس بمحض، وقرأت فرقة "زهْرة" بسكون الهاء، وفرقة "زهَرة" بفتح الهاء ثم أخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أن ذلك إنما هو ليختبرهم به ويجعله فتنة لهم وأمراً يجازون عليه بالسوء لفساد تقلبهم فيه، {ورزق} الله تعالى الذي أحله للمتقين من عباده {خير وأبقى} أي رزق الدنيا ورزق الآخرة أبقى وبين أنه خير من رزق الدينا، ثم أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصلاة وتمثيلها معهم ويصطبر عليها ويلازمها ويتكفل هو برزقه لا إله إلاَّ هو، وأخبره أن العاقبة الأولى التقوى وفي حيزها فثم نصر الله في الدنيا ورحمته في الآخرة، وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ويدخل في عمومه جمع أُمته. وروي أن عروة بن الزبير رضي الله عنه كان إذا رأى شيئاً من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله وهو يقرأ {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا} الآية إلى قوله {وأبقى}، ثم ينادي بالصلاة الصلاة يرحكم الله، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي هو ويتمثل بهذه الآية، وقرأ الجمهور "نحن نرزقُك" بضم القاف، وقرأت فرقة "نرزقْك" بسكونها، ثم أخبر تعالى عن طوائف من الكفار قالوا عن محمد صلى الله عليه وسلم، {لولا يأتينا بآية من ربه} أي بعلامة مما اقترحناها عليه وبما يبهر ويضطر. قال القاضي أبو محمد: ورسل الله إنما اقترنت معهم آيات معرضة للنظر محفوفة بالبراهين العقلية ليضل من سبق في علم الله تعالى ضلاله ويهتدي من في علم الله تعالى هداه، فيوبخهم الله تعالى بقوله {أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} يعني التوراة أعظم شاهد وأكبر آية له. وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم "تأتهم" على لفظة {بينة} وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم "يأتهم" بالياء على المعنى، وقرأت فرقة "بينةُ ما" بالإضافة إلى {ما} وقرأت فرقة "بينةٌ" بالتنوين، و {ما} على هذه القراءة فاعلة بـ"تأتي"، وقرأ الجمهور "في الصحُف" بضم الحاء، وقرأت فرقة "في الصحْف" بسكونها.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَمُدَّنَّ} لا تأسفن، أو لا تنظرن. {أَزْوَاجاً} أشكالاً من المزاوجة {زَهْرَةَ الْحَيَاةِ} زينتها {لِنَفْتِنَهُمْ} لنعذبهم {وَرِزْقُ رَبِّكَ} القناعة بما تملكه والزهد فيما لا تملكه، أو ثواب الآخرة {خَيْرٌ وَأَبْقَى} مما مُتِّعوا به، نزلت لما أبى اليهودي أن يُسلف الرسول صلى الله عليه وسلم الطعام إلا برهن فشق ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم.
النسفي
تفسير : {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } أي نظر عينيك ومد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده استحساناً للمنظور إليه وإعجاباً به، وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه وذلك أن يباده الشيء بالنظر ثم يغض الطرف. ولقد شدد المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في ملابسهم ومراكبهم حتى قال الحسن: لا تنظروا إلى دقدقة هماليج الفسقة، ولكن انظروا كيف يلوح ذل المعصية من تلك الرقاب. وهذا لأنهم إنما اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة فالناظر إليها محصل لغرضهم ومغر لهم على اتخاذها {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مّنْهُمْ } أصنافاً من الكفرة ويجوز أن ينتصب حالاً من هاء الضمير والفعل واقع على {منهم} كأنه قال إلى الذي متعنا به وهو أصناف بعضهم وناساً منهم {زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } زينتها وبهجتها وانتصب على الذم أو على إبداله من محل به أو على إبداله من أزواجا على تقدير ذوي زهرة {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } لنبلوهم حتى يستوجبوا العذاب لوجود الكفران منهم أو لنعذبهم في الآخرة بسببه {وَرِزْقُ رَبّكَ } ثوابه وهو الجنة أو الحلال الكافي {خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } مما رزقوا {وَأْمُرْ أَهْلَكَ } أمتك أو أهل بيتك {بالصلاة واصطبر} أنت دوام {عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً } أي لا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك {نَّحْنُ نَرْزُقُكَ } وإياهم فلا تهتم لأمر الرزق وفرغ بالك لأمر الآخرة لأن من كان في عمل الله كان الله في عمله. وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ: {ولا تمدن عينيك}. الآية ثم ينادي الصلاة، الصلاة رحمكم الله. وكان بكر بن عبد الله المزني إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمر الله ورسوله. وعن مالك بن دينار مثله. وفي بعض المسانيد أنه عليه السلام كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية {وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ } أي وحسن العاقبة لأهل التقوى بحذف المضافين.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} قيل: المراد منه نظر العين، وهؤلاء قالوا: مَدُّ النظر تطويله، وأن لا يكاد يرده استحساناً للمنظور وإعجاباً به، كما فعل نظارة قارون حيث قالوا: {أية : يَٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} تفسير : [القصص: 79] حتى واجههم أولو العِلْم والإيمان فقالوا: {أية : وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} تفسير : [القصص: 80] وفيه أن النظر غير الممدود يعفى عنه كنظر الإنسان إلى الشيء مرةً ثم يغض. ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطبائع قيل: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} أي: لا تفعل ما أنت معتاد له. ولقد شدد المتقون في وجوب غضِّ البصر عن أبنية الظلمة، ولباس الفسقة، ومراكبهم وغير ذلك، لأنهم اتَّخذُوا هذه الأشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها محصل لغرضهم، وكالمغرى لهم على اتخاذها. قال أبو مسلم: ليس المنهي عنه هنا هو النظر بل هو الأسف، أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا. "حديث : قال أبو رافع: نزل ضيفٌ بالرسول - عليه السلام - فبعثني إلى يهوديٍّ، فقال قل له: إن رسول الله يقول: بعني كذا وكذا من الدقيق، وأسلفني إلى هلال رجب، فأتيته، فقلت له ذلك، فقال: والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتُه بقوله فقال: والله لَئِنْ باعَنِي و أسلَفَنِي لقضيتُهُ، وَإنِّي لأَمِينٌ فِي السَّمَاءِ وَءَامِينٌ فِي الأَرْضِ اذْهَبْ بِدِرْعِي الحديد إليه فنزلت هذه الآية" تفسير : . وقال عليه السلام: "حديث : إنَّ الله لاَ يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَلاَ إلَى أَمْوَالِكُمْ ولكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وَأعْمَالِكُمْ ". تفسير : وقال أبو الدرداء: الدنيا دارُ مَنْ لا دارَ له، ومالُ مَنْ لا مالَ له، ولها يجمع من لا عقلَ له. وعن الحسن: لَوْلاَ حمقُ الناس لخربت الدُّنيا. وعن عيسى ابن مريم - عليه السلام - لا تَتَّخِذُوا الدنيا داراً فتتخذكم لها عبيداً. وعن عروة بن الزبير كان إذَا رَأى ما عِنْدَ السلطان يتلو هذه الآية، وقال: الصلاة يرحمكم الله قوله: "أزواجاً" في نصبه وجهان: أحدهما: أنَّه منصوبٌ على المفعول به. والثاني: أنَّه منصوب على الحال من الهاء في "بِهِ". راعى لفظ "مَا" مرة فأفرد، ومعناها أخرى فلذلك جمع. قال الزمخشري: ويكون الفعل واقعاً على "مِنْهُم" كأنه قال: إلى الذين متَّعْنا به وهو أصناف منهم. قال ابن عباس: أناساً منهم. قال الكلبي والزجاج: رجالاً منهم. قوله: "زَهْرَة" في نصبه تسعة أوجه: أحدها: أنَّه مفعول ثانٍ، لأنه ضَمَّن "مَتَّعْنَا" معنى أعطينا، فـ "أزْوَاجاً" مفعول أول، و "زَهْرَةَ" هو الثاني. الثاني: أن يكون بدلاً من "أزواجاً"، وذلك إما على حذف مضاف أي ذوي زهرة، وإمَّا على المبالغة جعلوا نفس الزهرة. الثالث: أن يكون منصوباً بفعل مضمرٍ دلَّ عليه "مَتَّعْنَا" تقديره: جَعَلنَا لهم زهرة الرابع: نصبه على الذم، قال الزمخشري: وهو النصب على الاختصاص. الخامس: أن يكون بدلاً من موضع الموصول، قال أبو البقاء: واختاره بعضهم، وقال آخرون: لا يجوز، لأن قوله "لِنَفْتِنَهُمْ" من صلة "مَتَّعْنَا" فيلزم الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي. وهو اعتراض حسن. السادس: أن ينتصب على البدل من محل "بِهِ". السابع: أن ينتصب على الحال من "مَا" الموصولة. الثامن: أنه حالٌ من الهاء في "بِهِ"، وهو ضمير الموصول، فهو كالذي قبله في المعنى. فإن قيل: كيف يقع الحال معرفة؟ فالجواب: أن تجعل "زَهْرَة" منونة نكرة، وإنما حذف التنوين لالتقاء الساكنين نحو: شعر : 3702- وَلاَ ذَاكِرَ اللهَ إلاَّ قَلِيلا تفسير : وعلى هذا: فبم (جُرَّت "الحَيَاةِ"؟ فقيل: على البدل من "مَا" الموصولة). التاسع: أنه تمييز لـ "مَا" أو الهاء في "بِهِ" وقد ردوه عليه بأنه معرفة والمميز لا يكون معرفة، وهذا غير لازم، لأنه يجوز تعريف التمييز على أصول الكوفيين. والعاشر: أنه صفة لـ "أزْوَاجاً" بالتأويلين المذكورين في نصبه حالاً وقد منعه أبو البقاء بكون الموصوف نكرة والوصف معرفة، وهذا يجاب عنه بما أجيب في تسويغ نصبه حالاً أعني حذف التنوين لالتقاء الساكنين. والعامة على تسكين الهاء، وقرأ الحسن وأبو البرهسم وأبو حَيْوة بفتحها، فقيل: بمعنى كَجَهْرَة وجَهَرَة. وأجاز الزمخشري أن يكونَ جمع زاهر كفَاجِر وفَجَرة وبَارّ وبَرَرَة وروى الأصمعي عن نافع "لِنُفْتِنهُمْ" بضم النون من أفتنه إذا أوقعه في الفتنة والزَّهْرة بفتح الهاء وسكونها كنَهَر ونهْر ما يروق من النور وسراج زاهر لبريقه ورجل أزهر وامرأة زهراء من ذلك والأنجم الزهرُ هي المضيئة. فصل معنى "مَتَّعْنَا" ألذَذَْنَا به، والإمتاع: الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة ويسمع من الأصوات المطربة، ويشم من الروائح الطيبة، وغير ذلك من الملابس والمناكح، يقال: أَمْتَعَه ومتَّعهُ تمتيعاً، والتفعيل يقتضي التكثير. ومعنى الزهرة فيمن حرَّك الزينة والبهجة، كما جاء في الجهرة قرىء {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء:153]. وقيل: جمع زاهر وصفاً لهم بأنهم زَهْرَة هذه الحياة الدنيا لصفاء ألوانهم وتهلُّلِ وجوههم بخلاف ما عليه الصُّلحاء من شُحُوب الألوان والتقشف في الثياب. ومعنى "نَفْتِنَهُمْ" نُعَذبَهُم كقوله: {أية : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [التوبة: 55]. وقال ابن عباس: لنجعل ذلك فتنةً لهم بأن أزيد لهم في النعمة فيزيدوا كفراً وطغياناً. ثم قال: "وَرِزْقُ رَبِّك" في المعاد يعني في الجنة "خَيْرٌ وَأَبْقَى" أي: خير من مطلوبهم وأبقى، لأنه يدوم ولا ينقطع، وليس كذلك حال ما أوتوه في الدنيا. ويحتمل أن ما أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة، ورضيت به، وصبرت عليه كانت عاقبته خيراً لك. ويحتمل أنْ يكون المراد ما أعطي من النبوة والدرجات الرفيعة. قوله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَٰوةِ} أي: قَوْمك. وقيل: مَنْ كان على دينك كقوله تعالى: {أية : وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلَٰوةِ} تفسير : [مريم: 55] وحمله بعضهم على أقاربه. "واصْطَبِرْ عَلَيْهَا" أي: اصبِرْ على الصلاة وحافظ عليها فإنها تَنْهى عن الفحشاء والمنكر. وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بعدَ نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعليّ - عليهما السلام - في كلِّ صباحٍ ويقول: "الصَّلاة". ثم بيَّن تعالى أنَّما أمرهم بذلك لنفعهم وأنه متعال عن المنافع، فقال: {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً} أي: لا نكلفك أن ترزق أحداً من خلقنا، ولا أن ترزق نفسَك، وإنما نكلفُكَ عَمَلاً فَفَرِّغْ بالَك لأمر الآخرة، كما قال بعضهم: مَنْ كان في عمل الله كان الله في عمله. وقال أبو مسلم: معناه إنما يُريدُ منه ومنهم العبادة، ولا يريدُ منه أن يرزقه كما يريد السادة من العبيد الخراج، ونظيره {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} تفسير : [الذاريات: 56، 57]. وقيل: المعنى إنما أمرناك بالصَّلاة لا لأنا ننتفع بصلاتك. "نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ" في الدنيا بوجود النعم، وفي الآخرة بالثواب قال عبد الله بن سلام: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل بأهلِهِ ضِيقٌ أو شِدَّةٌ أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية. "وَالعَاقِبَةُ" الجميلة المحمودة "لِلتَّقْوَى" أي: لأهل التقوى. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: (الذين صدَّقوك واتَّبعوك واتقون)، ويؤيده قوله في موضع آخر، {أية : وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الأعراف: 128]. [القصص: 83]. وقرأ ابنُ وثاب: "نَرْزُقكَ" بإدغام القاف في الكاف، والمشهور عنه أنه لا يدغم إلا إذا كانت الكاف متصلة بميم جمع نحو: خَلَقَكُمْ، كما تقدم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}[131] قال: أي لا تنظر إلى ما يورثك وسوسة الشيطان، ومخالفة الرحمن، وأماني النفس، والسكون إلى مألوفات الطبع، فإن كل واحد منها مما يقطع عن ذكر الله عزَّ وجلَّ. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [الآية: 131]. قال الواسطى رحمة الله عليه فى هذه الآية: تسلية للفقراء وتعزية لهم حيث منع الخلق عن النظر إلى الدنيا على وجه الاستحسان فقال: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...} الآية. ثم أمرهم بعد هذا بالعبودية وملازمة الطاعة فقال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [الآية: 132]. لذلك روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال حين قرأ هذه الآية قال: "حديث : من لم يتعزَّى بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ". تفسير : وقال سهل: لا تنظر إلى ما يورثك وسوسة الشيطان، ومخالفة الرحمن، وأمانى النفس، والسكون إلى مألوفات الطبع فإنها تفتن، فكل واحد منها مما يقطع عن الله. قوله تعالى: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} [الآية: 131]. قال أبو بكر بن طاهر فى هذه الآية: هو القناعة بما يملكه، والزهد فيما لا يملكه. وقال بعضهم: من رزق الثقة بالله، والرضاء عن الله فقد أعطى أفضل الأرزاق. وقال أبو عثمان فى قوله {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} قال: هو توكل لأنه أبقى للمرء من الطلب، وخيرٌ له من السعى والتعب.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}. فضل الرؤية فيما لا يُحْتَاجُ إليه معلولٌ كفَضْلِ الكلامِ، والذي له عند الله مَنْزِلٌ وقَدْرٌ فَلِلْحَقِّ على جميع أحواله غَيْرَةٌ، إذ لا يَرْضَى منه أَنْ يبذل شيئاً من حركاته وسكناته وجميع حالاته فيما ليس الله - سبحانه - فيه رِضاءٌ، وفي معناه أنشدوا: شعر : فعيني إذا اسْتَحْسَنتْ غَيرَكم أَمَرْتُ الدموعَ بتأديبها تفسير : ويقال لمّا أَدَّبَه في ألا ينظرَ إلى زينة الدنيا بكمال نظره وَقَفَ على وجه الأرض بِفَرْدِ قَدَمٍ تصاوناً عنها حتى قيل له "طه" أي طَأْ الأرضَ بِقَدَمِك.. ولِمَ كلُّ هذه المجاهدة وكل هذا التباعد حتى تقف بفَرْدٍ قَدَمٍ؟ طَأْ الأرض بقدميك. {زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا...} الفتنة ما يُشْغَل به عن الحقِّ، ويستولي حُبُّه على القلب، ويُجَسِّر وجودُه على العصيان، ويحمل الاستمتاع به على البَطَر والأشَر. قوله جلّ ذكره: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}. القليلُ من الحلال - وفيه رضاءُ الرحمن - خيرٌ من الكثير من الحرام والحطام.. ومعه سُخْطُه. ويقال قليلٌ يُشْهِدُكَ ربَّكَ خيرٌ مِنْ كثير يُنْسِيكَ ربَّك.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تمدن عينيك} اصل المد الجر ومنه المدة للوقت الممتد واكثر ما جاء الامداد فى المحبوب والمد فى المكروه نحو امددناهم بفاكهة ونمد له من العذاب مدا والعين الجارحة بخلاف البصر ولذا قال تعالى فى الحديث القدسى "حديث : كنت له سمعا وبصرا"تفسير : دون اذنا وعينا والمعنى لا تطل نظرهما بطريق الرغبة والميل. وقال بعضهم مد النظر تطويله وان لا يكاد يرده استحسانا للمنظور اليه واعجابا به وتمنيا ان له مثله. وفيه دليل على ان النظر الغير الممدود معفو عنه لانه لا يمكن الاحتراز منه وذلك ان يباده الشئ بالنظر ثم يغض الطرف ولما كان النظر الى الزخارف كالمركوز فى الطباع وان من ابصر منها شيئا احب ان يمد اليه نظره ويملأ عينيه قيل له عليه السلام {لا تمدن عينيك} اى لا تفعل ما عليه جبلة البشر. قال الكاشفى ابو رافع رضى الله عنه نقل ميكندكه مهمانى نزد بيغمبر آمد ودرخانه جيزى نبودكه بدان اصلاح شان مهمان توانستى نمود مرا بنزديك يكى ازيهود فرستاد وكفت اورا بكوكه محمد رسول الله ميكويدكه مهمانى بمنزل ما نزول نموده ونمى يابيم نزديك خود جيزى كه بدان اصلاح شان مهمان توانستى نمود ونمى يابيم نزديك خود جيزى كه بدان شرائط ضيافت بتقديم رسد اين مقدار آرد بما بفروش ومعامله كن تاهلال رجب جون وقت برسدبها بفرستم من بيغام به يهودى رسانيدم واوكفت نمى فروشم ومعامله نميكنم مكر آنكه جيزى دركرو من نهيد من باحضرت مراجعت نمودم وصورت حال بازكفتم حضرت فرمود والله انى لامين فى السماء وامين فى الارض اكر بامن معامله كردى البتة حق اورا ادا كردمى بس زره خود بمن داد تانزديك او كرو كردم اين آيت جهت تسليت دل مبارك وى نازل شد {ولا تمدن عينيك} وباز مكش نظر جشمهاى خودرا يعنى منكر]{الى ما متعنا به} نفعنا به من زخارف الدنيا ومنه متاع البيت لما ينتفع به واصل المتوع الامتداد والارتفاع يقال منع النهار ومتع النبات ارتفع والمتاع انتفاع ممتد الوقت: والمعنى بالفارسية [بسوى آن جيزى كه برخوردار كردانيديم بدان جيزى]. وفى الكبير الذ ذنابه والامتاع الالذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة ويسمع من الاصوات المطربة ويشم من الريح الطيبةوغير ذلك من الملابس والمناكح {ازواجا منهم} اى اصنافا من الكفرة كالوثنى والكتابى من اليهود والنصارى وهو مفعول متعنا {زهرة الحياة الدنيا} منصوب بفعل يدل عليه متعنا اى اعطنا زينة الدنيا وبهجتها ونضارتها وحسنها. قال الواسطى هذه تسلية للفقراء وتعزية لهم حيث منع خير الخلق عن النظر الى الدنيا على وجه الاستحسان {لنفتنهم فيه} اى لنعاملهم فيما اعطينا معاملة من نبتليهم حتى يستوجبوا العذاب بان نزيد لهم النعمة فيزيدوا كفرا وطغيانا فمن هذه عاقبته فلا بد من التنفر عنه فانه عند الامتحان يكرم الرجل او يهان. وقد شدد العلماء من اهل التقوى فى وجوب غض البصر عن الظلمة وعدد الفسقة فى ملابسهم ومراكبهم حتى قال الحسن لا تنظروا الى دقدقة هيماليج الفسقة ولكن انظروا كيف يلوح ذل المعصية من تلك الرفات وهذا لانهم اتخذوا هذه الاشياء لعيون النظارة فالناظر اليها محصل لغرضهم ومغر لهم على اتخاذها وفى الحديث "حديث : ان الدنيا"تفسير : اى صورتها ومتاعها "حديث : حلوة"تفسير : شيرين "حديث : خضرة حسنة فى المنظر تعجب الناظر"تفسير : وانما وصفها بالخضرة لان العرب تسمى الشئ الناعم خضرا ولتشبيهها بالخضروات فى سرعة زوالها وفيه بيان كونها غرارة تفتن الناس بحسنها وطعمها: قال الخجندى شعر : جهان وجمله لذاتش بزنبور عسل ماند كه شيرينيش بسيارست وزان افزون شر وشورش تفسير : وفى المثنوى شعر : هركه از ديدار بر خوردار شد اين جهان درجشم او مردار شد تفسير : وقال الحافظ شعر : ازره مرو بعشوه دنيى كه اين عجوز مكاره مى نشيند ومحتاله مى رود تفسير : وقال شعر : خوش عروسيست جهان ازره صورت ليكن هركه بيوست بدو عمر خودش كابين داد {أية : ويستخلفكم فى الارض}تفسير : اى جاعلكم خلفاء فى الدنيا يعنى ان اموالكم ليست هى فى الحقيقة لكم وانما هى لله تعالى جعلكم فى التصرف فيها بمنزلة الوكلاء {أية : فينظر كيف تعملون}تفسير : اى يتصرفون. وعن عيسى بن مريم عليه السلام لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم لها عبيدا. وفى التأويلات النجمية يشير بقوله {ولا تمدن عينيك} الى عينى البصر والبصيرة وهما عين الرأس وعين القلب واختص النبى عليه السلام بهذا الخطاب واعتز بهذا العتاب لمعنيين احدهما لانه مخصوص من جميع الانبياء بالرؤية ورؤية الحق لا تقبل الشرك كما ان اللسان بالتوحيد لا يقبل الشرك والقلب بالذكر لا يقبل الشرك او قال اذكر ربك اذا نسيت اى بعد نسيان ما سواه فكذلك الرؤية لا تقبل الشرك وهو مد العينين {الى ما متعنا به ازواجا منهم زهرة الحياة الدنيا} وهو الدنيا والآخرة لكن اكتفى بذكر الواحد عن الثانى والازواج اهل الدنيا والآخرة اى اغسل عينى ظاهرك وباطنك بماء العزة عن وصمة رؤية الدنيا والآخرة لاستحقاق اكتحالهما بنور جلالنا لرؤية جمالنا وانما متعنا اهل الدارين بهما عزة لحضرة جلالنا {لنفتنهم فيه} باشتغالهم بتمتعات الدارين عن الوصول الى كمال رؤية جمالنا. قيل قرئ عند الشبلى قدس سره {أية : اصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون}تفسير : فشهق شهقة وقال مساكين لا يدرون عمن شغلوا حين شغلوا {ورزق ربك} اى ما ادخر لك فى الآخرة من الثواب او ما اوتيته من يسير الكفاية مع الطاعة والرزق يقال للعطاء دنيويا كان او اخرويا وللنصيب تارة ولما يوصل الى الجوف ويتغذى به تارة {خير} لك مما منحهم فى الدنيا لانه مع كونه فى نفسه اجل ما يتنافس فيه المتنافسون مأمون الغائلة بخلاف ما منحوه {وابقى} فانه لا يكاد ينقطع ابدا. قال الكاشفى [در كشف الاسرار آورده كه زهر درلغت شكوفه است حق سبحانه وتعالى دنيارا شكوفه خواند زبراكه تروتا زكئ اودوسه روزه بيش نباشد در اندك فرصتى بزمرده كردد ونيست شود] شعر : مال جهان بباغ تنعم شكوفه ايست كاول بجلوه دل بربايد زاهل حال يكهفته نكذردكه فرو ريزد ازدرخت برخاك ره شود جوخس وخاك بايمال اهل كمال در دل خود جا جرا دهند آنراكه دمبدم زبى است آفت زوال تفسير : فعلى العاقل ان يختار الرزق الذى هو الباقى ولا يلتفت الى النعيم الذى هو الفانى ويقنع بما فى يده من القوت الى ان يموت: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : كر آزاده برزمين خسب وبس مكن بهر فانى زمين بوس كس نيرزد عسل جان من زخم نيش قناعت نكوتر بدوشاب خويش خداوند زان بنده خرسند نيست كه راضى بقسم خداوندنيست مبندار جون سركه خود خورم كه جور خداوند حلوا برم قناعت كن اى نفس براندكى كه سلطان ودرويش بينى يكى كند مردرا نفس امارة خوار اكر هو شمندى عزيزش مدار تفسير : ثم ان الرزق المعتبر غاية الاعتبار ما صار غذاء للروح القدسى من العلم والحكمة والفيض الازلى والتجلى: وفى المثنوى شعر : فهم نان كردى نه حكمت اى رهى زانكه حقت كفت كلوا من رزقه رزق حق حكمت به بود درمرتبت كان كلو كيرت نباشت عاقبت اين دهان بستى دهانى بازشد كه خورنده لقمهاى رازشد كر زشير ديوتن را وابرى در فطام او بسى نعمت خورى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {زهرة}: مفعول بمحذوف، يدل عليه {مَتَّعْنَا} أي: أعطينا، أو على الذم، وفيه لغتان: سكون الهاء وفتحها. يقول الحقّ جلّ جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولا تمدنَّ عينيك} أي لا تطل نظرهما، بطريق الرغبة والميل {إلى ما متّعنا به} من زخارف الدنيا {أزواجًا منهم} أي: أصنافًا من الكفرة، والمعنى: لا تنظر إلى ما أعطيناه أصناف الكفرة من زخارف الدنيا الغرارة، ولا تستحسن ذلك، فإنه فانٍ، وهو من {زهرة الحياة الدنيا} أي بهجتها، ثم يفنى ويبيد، كشأن الزهر، فإنه فائق المنظر، سريع الذبول والذهاب. متعناهم بذلك، وأعطيناهم الأموال والعز في الدنيا؛ {لنفتنهم فيه} أي: لنعاملهم معاملة من يبتليهم ويختبرهم، هل يقومون بشكره فيؤمنوا بك، ويصرفوه في الجهاد معك، وينفقوه على من آمن معك… أم لا؟ أو لنعذبهم في الآخرة بسببه، فلا تهتم بذلك. {ورزقُ ربك} أي: ما ادخر لك في الآخرة {خيرٌ}، أو: ورزقك في الدنيا من الكفاف مع الهُدى، خير مما منحهم في الدنيا، لأنه مأمون الغائلة؛ بخلاف ما منحوه، فعاقبته الحساب والعقاب. {وأبقى}؛ فإنه لا ينقطع نفْسُه أو أثره، بخلاف زهرة الدنيا، فإنها فانية منقطعة. فالواجب: الاشتغال بما يدوم ثوابه، ولذلك قال له صلى الله عليه وسلم: {وَأْمُرْ أهْلَكَ بالصلاةِ}، أمره بأن يأمر أهل بيته، أو التابعين له من أمته، بالصلاة، بعد ما أمر هو بقوله: {وسبح بحمد ربك} على ما مر؛ ليتعاونوا على الاستعانة على الخصاصة، ولا يهتموا بأمر المعيشة، ولا يلتفتوا لغنى أرباب الثروة. {واصْطَبر عليها}؛ وتكلف الصبر على مداومتها، غير ملتفت لأمر المعاش، {لا نسألك رزقًا} أي: لا نُكلفك أن ترزق نفسك ولا أهلك، {نحن نرزقك} وإياهم، ففرغ قلبك لمشاهدة أسرارنا، {والعاقبةُ} المحمودة {للتقوى} أي: لأهل التقوى. رُوي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أَهْلَه ضُر أو خصاصة أَمَرهُمْ بِالصّلاة، وتلا هذه الآية. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما خوطب به نبينا صلى الله عليه وسلم خوطب به خاصة أمته، فلا تمدن عينيك، أيها الفقير، إلى ما متع به أهل الدنيا، من زهرتها وبهجتها، بل ارفع همتك عن النظر إليها، واستنكف عن استحسان ما شيدوا وزخرفوا، فإن ذلك حمق وغرور. كان عروة بن الزبير رضي الله عنه إذا رأى أبناء السلاطين وشاراتهم دخل داره وتلا: {ولا تمدن عينيك…} الآية. وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول لعلماء زمانه: يا علماء السوء؛ دياركم هامانية، ومراكبكم قارونية، وملابسكم فرعونية، فأين السنة المحمدية؟ ولا تشتغل بطلب رزق فرزق ربك - وهو ما يبرز لك في وقتك من عين المنة، من غير سبب ولا خدمة - خير وأبقى -، أما كونه خيرًا؛ فلِمَا يصحبه من اليقين والفرح بالله وزيادة المعرفة، وأما كونه أبقى؛ لأن خزائنه لا تنفد، مع بقاء أثره في القلب من ازدياد اليقين، والتعلق برب العالمين. {وأْمر أهلك بالصلاة} واصطبر أنت عليها، فإن رزقنا يأتيك لا محالة، في الوقت الذي نريده، {لا نسألك رزقًا} لك ولا لأهلك، {نحن نرزقك}، لكن رزق المتقين، لا رزق المترفين، {والعاقبة للتقوى}. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر بعض أقاويل الكفرة التي أمر عليه الصلاة والسلام بالصبر عليها...
الطوسي
تفسير : قرأ {زهرة} - بفتح الهاء - يعقوب. وقرأ الباقون بسكونها، وهما لغتان. وقرأ نافع وابو جعفر - من طريق إبن العلاف - وأهل البصرة وحفص {أولم تأتهم} بالتاء. الباقون بالياء. وقد مضى نظائره. نهى الله تعالى نبيه محمداً (صلى الله عليه وسلم) والمراد به جميع المكلفين عن ان يمدوا أعينهم، وينظروا إلى ما متع الله الكفار به، من نعيم الدنيا ولذاتها، والامتاع الالذاذ بما يدرك، وذلك بما يرى من المناظر الحسنة ويسمع من الاصوات المطربة، ويشم من الروائح الطيبة، يقال: أمتعه إمتاعاً، ومتعه تمتيعاً، إلا ان فى متعه تكثر الامتاع. وقوله {أزواجاً منهم} معناه أشكالا منهم، من المزاوجة بين الاشياء، وهي المشاكلة، وذلك أنهم اشكال في الذهاب عن الصواب. وقوله {زهرة الحياة الدنيا} فالزهرة الأنوار التي تروق عند الرؤية، ومن ذلك قيل للكوكب يزهر، لنوره الذي يظهر. والمعاني الحسنة زهرة النفوس. وقوله {لنفتنهم فيه} معناه لنعاملهم معاملة المختبر، بشدة التعبد فى العمل بالحق فى هذه الأمور التي خلقناها لهم. وقوله {ورزق ربك} يعني الذي وعدك به فى الآخرة من الثواب {خير وأبقى} مما متعنا به هؤلاء فى الدنيا. وقيل إن هذه الآية نزلت على سبب، وذلك أن النبي (صلى الله عليه وسلم) استسلف من يهودي طعاماً فأبى أن يسلفه إلا برهن، فحزن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأنزل الله هذه الآية تسلية له. وروى ذلك أبو رافع مولاه. وقيل {زهرة الحياة الدنيا} زينة الحياة الدنيا - فى قول قتادة -. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {وأمر} يامحمد {أهلك بالصلاة} وقيل: المراد به أهل بيتك، واهل دينك، فدخلوا كلهم في الجملة {واصطبر عليها} بالاستعانة بها على الصبر عن محارم الله. ثم قال له {لا نسألك رزقاً نحن نرزقك} الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد به جميع الخلق، فان الله تعالى يرزق خلقه، ولا يسترزقهم، فيكون أبلغ فى المنة {والعاقبة للتقوى} يعني العاقبة المحمودة لمن اتقى معاصي الله واجتنب محارمه. وفى الآية دلالة على وجوب اللطف، لما فى ذلك من الحجة، لمن في المعلوم انه يصلح به، ولو لم يكن فيه حجة لجرى مجرى أن تقول: لولا فعلت بنا ما لا يحتاج اليه فى الدين، ولا الدنيا، من جهة أنه لا حجة فيه، كما لا حجة فى هذا. وقوله {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله} اخبار منه تعالى أنه لو أهلكهم بعذاب أنزله عليهم جزاء على كفرهم {لقالوا} يوم القيامة {لولا أرسلت} اي هلا ارسلت {إلينا رسولاً} يدعونا الى الله ويأمرنا بتوحيده {فنتبع} ادلتك و {آياتك من قبل أن نذل ونخزى} اي قبل أن نهون، يقال: خزي يخزى اذا هان وافتضح. وقوله {وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه} حكاية عما قال الكفار للنبي (صلى الله عليه وسلم) هلا ياتينا بآية من ربه يريدون الآية التي يقترحونها، لأنه اتى بالآيات. ومن قرأ - بالتاء - وجه الخطاب اليه. ومن قرأ - بالياء - حكى بأنهم قالوا فيما بينهم هلا يأتينا بالمعجز. او دلالة تدل على صدق قوله، فقال الله لهم {أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} يعني ألسنا بينا ذلك فى الكتب التي انزلناها على موسى وعيسى، فلم لم يؤمنوا بها ولم يصدقوا بها؟ ومن قرأ - بالتاء - وجه الخطاب اليه، فقال الله تعالى لنبيه {قل} لهم يا محمد {كل متربص} اي كل واحد منا ومنكم متربص، فنحن نتربص بكم وعد الله لنا فيكم وانتم تتربصون بنا ان نموت، فتستريحوا {فستعلمون} اي سوف تعلمون فيما بعد {من أصحاب الصراط السوي} يعني الصراط المستقيم و (من) الذي {اهتدى} الى طريق الحق. و {من} يحتمل ان تكون نصباً إن كانت بمعنى الذي وان تكون رفعاً على طريقة الاستفهام.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ} من اصناف النّعم الصّوريّة ومستلذّات القوى الحيوانيّة وهو خطاب لمحمّدٍ (ص) على ايّاك اعنى واسمعى يا جارة، ويجوز ان يكون الخطاب عامّاً على بُعدٍ {أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} هو مفعول به لمتّعنا والمعنى لا تمدّن عينيك الى ما متّعنا اصنافاً من النّاس او هو حال من ما او من ضمير به والمعنى لا تمدّنّ عينيك الى ما متّعنا به حال كونه اصنافاً من النّعم والمستلذّات ومنهم حينئذٍ يكون مفعولاً به سواء جعلت من التّبعيضيّة اسماً او قائماً مقام الموصوف المحذوف لقوّة معنى البعض فيه {زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} منصوب على الذّمّ او بدل من محلّ ما متّعنا ووجه الاتيان به التّصريح بفناء ما متّعهم به وذمّه وذمّهم والاشعار بانّ المنهىّ النّظر الى ما يتمتّع به فى الدّنيا، وامّا نعيم العقبى او قرب المولى فينبغى ان يكون مطمح الانظار {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} لنعذّبهم او نختبرهم لانّ كثرة الاموال سبب لعذاب صاحبه لاهتمامه بجمعها وحفظها حتّى انّهم يحرّمون على انفسهم الحظوظ البدنيّة لاجل حفظها وجمعها واستنمائها ولخوف فنائها وسرقتها حتّى انّهم يحرمون طيب المنام لخوف زوالها ولانّ كثرة المال تورث كثرة الحقوق والتّعبّد بادائها فرضاً وندباً والتّقييد به ذمّ آخر وتسلية اخرى للمؤمنين {وَرِزْقُ رَبِّكَ} الّذى اعطاك او تترقّبه {خَيْرٌ} امّا مجرّد عن التّفضيل او المقصود تفضيل رزق الرّبّ على زعم من طمح نظره الى متاع الدّنيا وعدّه خيراً، او متاع الدّنيا خير بشرط ان يكون مع الايمان {وَأَبْقَىٰ} هذا ايضاً على زعمهم والاّ فلا بقاء لمتاع الدّنيا.
الهواري
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْواجاً مِّنْهُمْ} [أصنافاً منهم] يعني الأغنياء. {زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: زينة الحياة الدنيا. أمره الله أن يزهد في الدنيا {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي لنبتليهم فيه، لنختبرهم فيه. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : خصلتان من كانتا فيه كتبه الله صابراً وشاكراً، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً: من نظر إلى من فوقه في الدين ودونه في الدنيا فاقتدى بهما كتبه الله صابراً وشاكراً. ومن نظر إلى من فوقه في الدنيا ودونه في الدين فاقتدى بهما لم يكتبه الله صابراً ولا شاكراً . تفسير : ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : خير الرزق الكفاف، اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً . تفسير : قوله عز وجل: {وَرِزْقُ رَبِّكَ} أي: في الجنة {خَيْرٌ} من الدنيا {وَأَبْقَى} أي: لا نفاد له. قال بعضهم: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} مما متع به هؤلاء من زهرة الحياة الدنيا.
اطفيش
تفسير : {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} نظر عينيك {إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ} استحسانا له، وتمنيا أن يكون ذلك مثله، أو لا تنظرنّ إليه بالعمد مطلقا؛ لأن النظر إليه يورث الاعتباط به. ولذلك كره بعض العلماء النظر إلى الأملاك الحسنة؛ لئلا يشتغل بها القلب فيدعو إلى كسب مثلها. {أَزْوَاجًا} أصنافا من المشركين {مِنْهُمْ} أزواجا مفعول متعنا، ومنهم نعت أزواجا. ويجوز أن يكون أزواجا حالا من هاء به، فإنه متعهم بأصناف من الخيرات ومنهم مغن عن مفعول متعنا، أى متعنا بعضًا ثابتا منهم، أو متعنا بعضهم. {زَهْرَةَ الْحَيَٰوةِ الدُّنْيَا} مفعول لمحذوف دل عليه متعنا، أى أعطيناهم زهرة الحياة الدنيا، أو أعنى الزهرة، أو مفعول ثان لمتعنا، متضمنا معنى أعطينا، أو بدل من محل الجار والمجرور، أو بدل من أزواجا، على تقدير مضاف، أى ذوى زهرة، أو بدون تقديره مبالغة، جعلوا نفس الزهرة مبالغة، أو على أن أزواجا واقع على ما وقع به التمتيع، أو مفعول لأَذُمُّ محذوفا. مسألة - قال ابن هشام: {إنما تقضى هذه الحيٰوةَ الدنيا. ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرةَ الحيٰوة الدنيا} علامَ انتصب هذه الحياةَ، وزهرةَ الحياة؟ الجواب: أما هذه الحياة فهذه ظرف زمان على معنى فى، والحياة صفة، أو عطف بيان. وأما زهرة الحياة الدنيا فبدل من الهاء فى به، على الموضع، أو مفعول لمضمر دل عليه متعنا؛ لأنه بمنزلة جعلنا، فكأنه قيل: جعلنا لهم زهرة الحياة الدنيا، ولا يكون حالا لتعريفه. ومَن قال فى مررت به المسكين: إنه حال، جازت الحالية عنده هنا. وزعم بعضهم أن الزهرة هنا فى موضع المصدر، أى زينة الحياة الدنيا، فيكون من باب صنع الله. ولمكٍّى هنا قول غريب: زعم أنه أحسن من غيره، وهو أن يكون الأصل زهرة بالتنوين، ولكنه حذف لالتقاء الساكنين، وخفض الحياة على البدل من ما، أى ولا تمدنّ عينيك إلى الحياة الدنيا حول كونها زهرة. انتهى. ولا يكون بدلا من ما؛ لأن لنفتنهم متعلق بمتعنا، فهو داخل فى الصلة، ولا يبدل من الموصول قبل صلته. انتهى كلام ابن هشام فى المسائل السفرية. وقال فى المعنى: فى الأمور التى خرجوا فيها إلى الأمر البعيد الثانى عشر قول مكى وغيره فى قوله تعالى: {ولا تمدنّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيٰوة الدنيا} إن زهرة حال من الهاء، أو من ما، وإن التنوين حذف للساكنين مثل قوله: ولا ذاكراً لله إلا قليلا. وإن جر الحياة الدنيا على أنه بدل من ما، والصواب أن زهرة مفعول بتقدير جعلنا لهم، أو آتيناهم. ودليل ذلك ذكر التمتيع، أو بتقدير أَدُمُّ؛ لأن المقام يقتضيه أو بتقدير أعنى بيانا لما أو للضمير، أو بدل من أزواجا، إما بتقدير ذوى زهرة، أو أنهم جعلوا نفس الزهرة مجازاً للمبالغة. وقال الفراء: هو تمييز لما أو للهاء وهذا على مذهب الكوفيين فى تعريف التمييز. وقيل: بدل مما ورد بأن لنفتنهم من صلة ما، فيلزم الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبى، وبأَن الموصول لا يتّبع قبل كمال صلته، وبأَنه لا يقال: مررت بزيد أخاك على البدل، لأن العامل فى المبدل منه لا يتوجه إليه بنفسه. وقيل: من الهاء وفيه ما ذكر وزيادة الإبدال من العائد وبعضهم يمنعه بناء على أن المبدل منه فى نية الطرح، فيبقى الموصول بلا عائد فى التقدير. قال: ولو لزم إعطاء منوى الطرح حكم المطروح لزم إعطاء منوى التأخير حكم المؤخر فمنع ضربَ زيداً علامُه. ويرد ذلك: {وإذا ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ} والإجماع. انتهى. والزهرة: الزينة والبهجة. وقرأ يعقوب بفتح الهاء لغة كالجهرة. والجهرة بإِسكان الهاء وفتحها، أو جمع زاهر، ككامل وكملة، وصفٌ لهم بأَنهم زاهرو الدنيا؛ لتنعُّمهم، بخلاف ما عليه المؤمنون الزهَّاد، من شحوب الألوان والتقشف فى الثياب. قال جار الله: لما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز فى الطباع، وإن من أبصر منها شيئا أحب أن يمد إليه نظره، ويملأ منه عينيه قبل {ولا تمدنّ عينيك}. ولقد شدد العلماء من أهل التقوى فى وجوب غض البصر عن أنية الظلَمَة وعدد الفسقة فى اللباس والمراكب وغير ذلك؛ لأنهم إنما اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة. فالناظر إليه محصل لغرضهم وكالمُغرى لهم على اتخاذها اهـ. عن عبد الله بن بسيط عن أبى رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فبعثنى إلى يهودى فقال: قل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بع لى كذا وكذا من الدقيق، أو أسلفنى إلى رجب. فأتيته فقلت له. فقال: والله لا أبيع له، ولا أسلفه إلا برهن. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته. فقال: والله لئن باع لى، أو أسلفنى لقضيته وإنى لأمين فى السماء، وأمين فى الأرض. إِذهب إليه بدرعى وهو من حديد تفسير : فنزلت الآية. وقالوا: مَن كتبها إلى التقوى وسلَّفها عليه تزوج إن كان عازبا، وحفظ إن كان ينسى، وشُفى إن كان مريضا، واستغنى إن كان فقيرا. {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} لنبلوهم فيه بأن يطغوا، أو لنعذبهم فى الآخرة بسببه. {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ} فى الجنة مما متعناهم به فى الدنيا. {وَأَبْقَى} أشد بقاء؛ لأنه لا ينقطع. وعن أُبىّ بن كعب: من لم يتعزّ بعزاء الله تقطعت نفسه حسرات. ومن يُتْبِع بصره ما فى أيدى الناس طال حزنه، ومَن ظن أن نعمة الله فى مطعمه ومشربه وملبسه فقد قلّ عمله، وحضر عذابه. وعنه صلى الله عليه وسلم خصلتان من كلفنا فيه كتبه الله صابرا شاكرا، ومَن لم تكونا فيه لم يكتب صابرا ولا شاكرا: مَن نظر إلى مَن فوقَه فى الدين ومَن دونَه فى الدنيا، فاقتدى بهما كتبه الله صابرا شاكرا، ومَن نظر إلى مَن فوقه فى الدنيا، ومَن دونَه فى الدِّين، فاقتدى بهما لم يكتب صابرا ولا شاكرا. وعن الحسن عنه صلى الله عليه وسلم: خير الرزق الكفاف اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا. وقيل: رزق ربك خير من الدنيا وأبقى. وقيل: رزق ربك: المراد: ما رزقه لله من الهدى والنبوة.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } أي لا تطل نظرهما بطريق الرغبة والميل {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ } من زخارف الدنيا كالبنين والأموال والمنازل والملابس والمطاعم {أَزْوٰجاً مّنْهُمْ } أي أصنافاً من الكفرة وهو مفعول {مَتَّعْنَا} قدم عليه الجار والمجرور للاعتناء به و{من} بيانية، وجوز أن يكون حالاً من ضمير {به} و{من} تبعيضية مفعول {مَتَّعْنَا} أو متعلقة بمحذوف وقع صفة لمفعوله المحذوف أي لا تمدن عينيك إلى الذي متعنا به وهو أصناف وأنواع بعضهم أو بعضاً كائناً منهم. والمراد على ما قيل استمر على ترك ذلك، وقيل: الخطاب له عليه الصلاة والسلام والمراد أمته لأنه صلى الله عليه وسلم كان أبعد شيء عن إطالة النظر إلى زينة الدينا وزخارفها وأعلق بما عند الله عز وجل من كل أحد وهو عليه الصلاة والسلام القائل: «حديث : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما أريد به وجه الله تعالى» تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم شديد النهي عن الاغترار بالدنيا والنظر إلى زخرفها، والكلام على حذف مضاف أو فيه تجوز في النسبة، وفي العدول عن لا تنظر إلى ما متعنا به الخ إلى ما في النظم الكريم إشارة إلى أن النظر الغير الممدود معفو وكان المنهي عنه في الحقيقة هو الإعجاب بذلك والرغبة فيه والميل إليه لكن بعض المتقين بالغوا في غض البصر عن ذلك حتى أنهم لم ينظروا إلى أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمركوب وغيرهما وذلك لمغزى بعيد وهو أنهم اتخذوها لعيون النظارة والفخر بها فيكون النظر إليها محصلاً لغرضهم وكالمغرى لهم على اتخاذها. {زَهْرَةَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا } أي زينتها وبهجتها وهو منصوب بمحذوف يدل عليه {مَتَّعْنَا} أي جعلنا لهم زهرة أو بمتعنا على أنه مفعول ثان له لتضمينه معنى أعطينا أو على أنه بدل من محل {بِهِ} وضعفه ابن الحاجب في «أماليه» لأن إبدال منصوب من محل جار ومجرور ضعيف كمررت بزيد أخاك ولأن الإبدال من العائد مختلف فيه. ومثل ذلك ما قيل إنه بدل من ما الموصولة لما فيه من الفصل بالبدل بين الصلة ومعمولها أو على أنه بدل من ـ أزواجاً ـ بتقدير مضاف أي ذوي أو أهل زهرة، وقيل: بدون تقدير على كون ـ أزواجاً ـ حالاً بمعنى أصناف التمتعات أو على جعلهم نفس الزهرة مبالغة. وضعف هذا بأن مثله يجري في النعت لا في البدل لمشابهته لبدل الغلط حينئذ أو على / أنه تمييز لما أو لضمير «به»، وحكي عن الفراء أو صفة ـ أزواجاً ـ ورد ذلك لتعريف التمييز وتعريف وصف النكرة، وقيل: على أنه حال من ضمير {به} أو من {ما} وحذف التنوين لالتقاء الساكنين وجر الحياة على البدل من {ما} واختاره مكي ولا يخفى ما فيه، وقيل: نصب على الذم أي اذم زهرة الخ واعترض بأن المقام يأباه لأن المراد أن النفوس مجبولة على النظر إليها والرغبة فيها ولا يلائمه تحقيرها ورد بأن في إضافة الزهرة إلى الحياة الدنيا كل ذم وما ذكر من الرغبة من شهوة النفوس الغبية التي حرمت نور التوفيق. وقرأ الحسن وأبو حيوة وطلحة وحميد وسلام ويعقوب وسهل وعيسى والزهري ـ زهرة ـ بفتح الهاء وهي لغة كالجهرة في الجهرة، وفي «المحتسب» لابن جني مذهب أصحابنا في كل حرف حلق ساكن بعد فتحة أنه لا يحرك إلا على أنه لغة كنهر ونهر وشعر وشعر ومذهب الكوفيين أنه يطرد تحريك الثاني لكونه حرفاً حلقياً وإن لم يسمع ما لم يمنع منه مانع كما في لفظ ـ نحو ـ لأنه لو حرك قلب الواو ألفاً، وجوز الزمخشري كون زهرة بالتحريك جمع زاهر ككافر وكفرة وهو وصف لأزواجاً أي أزواجاً من الكفرة زاهرين بالحياة الدنيا لصفاء ألوانهم مما يلهون ويتنعمون وتهلل وجوههم وبهاء زيهم بخلاف ما عليه المؤمنون والصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب، وجوز على هذا كونه حالاً لأن إضافته لفظية. وأنت تعلم أن المتبادر من هذه الصفة قصد الثبوت لا الحدوث فلا تكون إضافتها لفظية على أن المعنى على تقدير الحالية ليس بذاك. {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } متعلق بمتعنا أي لنعاملهم معاملة من يبتليهم ويختبرهم فيه أو لنعذبهم في الآخرة بسببه وفيه تنفير عن ذلك ببيان سوء عاقبته مآلاً إثر بهجته حالاً، وقرأ الأصمعي عن عاصم (لنفتنهم) بضم النون من أفتنه إذا جعل الفتنة واقعة فيه على ما قال أبو حيان {وَرِزْقُ رَبّكَ } أي ما ادخر لك في الآخرة أو ما رزقك في الدنيا من النبوة والهدى، وادعى صاحب «الكشف» أنه أنسب بهذا المقام أو ما ادخر لك فيها من فتح البلاد والغنائم، وقيل: القناعة {خَيْرٌ } مما متع به هؤلاء لأنه مع كونه في نفسه من أجل ما يتنافس فيه المتنافسون مأمون الغائلة بخلاف ما متعوا به {وَأَبْقَىٰ } فإنه نفسه أو أثره لا يكاد ينقطع كالذي متعوا به.
ابن عاشور
تفسير : أُعقب أمره بالصبر على ما يقولونه بنهيه عن الإعجاب بما يَنْعَم به من تَنعّم من المشركين بأموال وبنين في حين كفرهم بالله بأن ذلك لحِكَم يعلمها الله تعالى، منها إقامة الحجّة عليهم، كما قال تعالى: {أية : أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون}تفسير : (المؤمنون: 55، 56). وذكر الأزواج هنا لدلالته على العَائلات والبيوت، أي إلى ما متعناهم وأزواجَهم به من المتع؛ فكلّ زوج ممتّع بمتعة في زوجه مما يحسن في نظر كل من محاسن قرينه وما يقارن ذلك من محاسن مشتركة بين الزوجين كالبنين والرياش والمنازل والخدم. ومدّ العينين: مستعمل في إطالة النظر للتعجيب لا للإعجاب، شبه ذلك بمد اليد لتناول شيء مشتهى. وقد تقدم نظيره في آخر سورة الحِجْر. والزَهرة ــــ بفتح الزاي وسكون الهاء ــــ: واحدة الزهْر، وهو نَوْر الشجر والنباتتِ. وتستعار للزينة المعجِبة المبهتة، لأن منظر الزّهرة يزين النبات ويُعجب الناظر، فزهرة الحياة: زينة الحياة، أي زينة أمور الحياة من اللّباس والأنعام والجنان والنساء والبنين، كقوله تعالى: {أية : فمتاع الحياة الدنيا وزينتها}تفسير : [القصص: 60]. وانتصب {زهرة الحياة الدنيا} على الحال من اسم الموصول في قوله {ما متعنا به أزواجاً منهم}. وقرأ الجمهور {زهْرة} بسكون الهاء. وقرأه يعقوب بفتح الهاء وهي لغة. {لنفتنهم} متعلق بــــ {متعنا}. و(في) للظرفية المجازية، أي ليحصل فتنتهم في خلاله، ففي كلّ صنف من ذلك المتاع فتنة مناسبة له. واللاّم للعلّة المجازية التي هي عاقبة الشيء، مثل قوله تعالى: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً}تفسير : [القصص: 68]. وإنما متّعهم الله بزهرة الدنيا لأسباب كثيرة متسلسلة عن نُظُم الاجتماع فكانت لهم فتنة في دينهم، فجُعل الحاصلُ بمنزلة الباعث. والفتنة: اضطراب النفس وتبلبل البال من خوف أو توقع أو التواء الأمور، وكانوا لا يخلُون من ذلك، فَلشركهم يقذف الله في قلوبهم الغم والتوقع، وفتنتُهم في الآخرة ظاهرة. فالظرفية هنا كالتي في قول سبَرة بن عَمرو الفَقْعسي:شعر : نُحابي بها أكفَاءَنا ونُهينها ونشرب في أثمانها ونقامر تفسير : وقوله تعالى: {أية : وارزقوهم فيها واكسوهم} تفسير : في سورة النساء (5). وجملة {ورزق ربك خير وأبقى} تذييل، لأن قوله {ولا تمدن عينيك} إلى آخره يفيد أن ما يبدو للناظر من حسن شارتهم مشوب ومبطّن بفتنة في النفس وشقاء في العيش وعقاب عليه في الآخرة، فذيل بأن الرزق الميسّر من الله للمؤمنين خير من ذلك وأبقى في الدنيا ومنفعته باقية في الآخرة لما يقارنه في الدنيا من الشكر. فإضافة {رزق ربك} إضافة تشريف، وإلا فإن الرزق كلّه من الله، ولكن رزق الكافرين لما خالطه وحف به حال أصحابه من غضب الله عليهم، ولما فيه من التبعة على أصحابه في الدنيا والآخرة لكفرانهم النعمة جعل كالمنكور انتسابه إلى الله، وجعل رزق الله هو السالم من ملابسة الكفران ومن تبعات ذلك. و {خير} تفضيل، والخيرية حقيقة اعتبارية تختلف باختلاف نواحيها. فمنها: خير لصاحبه في العاجل شرّ عليه في الآجل، ومنها خير مشوب بشرور وفتن، وخير صَاف من ذلك، ومنها ملائم ملاءَمَةً قوية، وخير ملائم ملاءمة ضعيفة، فالتفضيل باعتبار توفر السلامة من العواقب السيّئة والفتن كالمقرون بالقناعة، فتفضيل الخيرية جاء مجملاً يظهر بالتدبر. {وأبقى} تفضيل على ما مُتّع به الكافرون لأنّ في رزق الكافرين بقاءً، وهو أيضاً يظهر بقاؤه بالتدبّر فيما يحف به وعواقبه.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَزْوَاجاً} {ٱلْحَيَاةِ} (131) - وَلاَ تُطِلِ النَّظَرَ اسْتِحْسَاناً وَرَغْبَةً فِيمَا مُتِّعَ بِهِ هؤُلاَءِ المُتْرَفُونَ مِنَ النَّعِيمِ، فَإِنَّمَا هُوَ زَهْرَةٌ زَائِلَةٌ، وَنِعْمَةٌ حَائِلَةٌ، يَخْتَبِرُهُمُ اللهُ بِهَا، وَليَعْلَمَ هَلْ يُؤَدُّونَ شُكْرَهَا أَوْ لاَ، فَإِذَا لَمْ يُؤَدُّوا شُكْرَها كَانَتْ وَبَالاً عَلَيْهِمْ. وَقَدْ آتَاكَ اللهُ خَيْراً مِمّا آتَاهُمْ، فَرِضَاهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. أَزْوَاجاً مِنْهُمْ - أَصْنَافاً مِنَ الكُفَّارِ. زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيا - زِينَتَها وَبَهْجَتَها. لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ - لِنَجْعَلَهُ فِتْنَةً لَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن قال الحق سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ..}تفسير : [طه: 130] حذره أن ينظر إلى هؤلاء الجبابرة والمعاندين على أنهم في نعمة تمتد عينه إليها. ومعنى مَدِّ العين ألاَّ تقتصر على مجرد النظر على قَدَر طاقتها، إنما يُوجهها باستزادة ويوسعها لترى أكثر مما ينبغي، ومَدُّ العين يأتي دائماً بعد شغل النفس بالنعمة وتطلّعها إليها، فكأن الله يقول: لا تشغل نفسك بما هم فيه من نعيم؛ لأنه زهرة الدنيا التي سرعان ما تفنى. وقوله: {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ..} [طه: 131] الأزواج لا يُراد بها هنا الرجل والمرأة، إنما تعني الأصناف المقترنة، كما في قوله تعالى: {أية : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ..}تفسير : [فصلت: 25]. كل واحد له شيطان يلازمه لا يفارقه. هذه هي الزوجية المرادة، كذلك في قوله تعالى: {أية : قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ}تفسير : [الصافات: 51]. والزَّهْرة إشارة إلى سرعة النهاية والحياة القصيرة، وهي زَهْرة لحياة دنيا، وأيّ وصف لها أقل من كَوْنها دنيا؟ وهذا الذي أعطيناهم من متاع الدنيا الزائل فأخذوا يزهُون به، ما هو إلا فتنة واختبار {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ..} [طه: 131]. والاختبار يكون بالخير كما يكون بالشر، يقول تعالى: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ..}تفسير : [الأنبياء: 35]. ويقول تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ}تفسير : [الفجر: 15]. ويشكر أنه عرفها لله {أية : وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ}تفسير : [الفجر: 16]. وهنا يُصحِّح لهم الحق سبحانه هذه الفكرة، يقول: كلاكما كاذب في هذا القول، فلا النعمةَ دليلُ الإكرام، ولا سلبها دليلُ الإهانة: {أية : كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً}تفسير : [الفجر: 17ـ19]. فهَبْ أن الله أعطاك نعمة ولم تُؤَدِّ شكْرها وحقَّها، فأيُّ إكرام فيها؟ ثم يقول تعالى: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} [طه: 131] أي: لا تشغل بالك بما أعطاهم الله؛ لأنه سبحانه سيعطيك أعظم من هذا، ورِزْق ربك خير من هذا النعيم الزائل وأبْقى وأخلد؛ لأنه دائم لا ينقطع في دار البقاء التي لا تفوتها ولا تفوتك، أما هؤلاء فنعيمهم موقوت، إمّا أنْ يفوتهم بالفقر، أو يفوتوه هم بالموت. ثم يقول الحق سبحانه: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} معناهُ زينةُ الدّنيا وجمالُها. تفسير : وقوله تعالى: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} معناه لِنبلوَهُم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : بقوله تعالى: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} [طه: 131] يشير إلى: عيني البصر والبصيرة وهما عين الرائين وعين القلب، واختص النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب واعتز بهذا العتاب لمعنيين أحدهما؛ لأنه مخصوص من جميع الأنبياء بالرؤية، ورؤية الحق تعالى لا تقبل الشرك، كما أن اللسان بالتوحيد لا يقبل الشرك والقلب بالذكر لا يقبل الشرك وهو مد العين {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه: 131] وهو الدنيا والآخرة، ولكن اكتفى بذكر الواحد عن الثاني والأزواج أهل الدنيا والآخرة، والثاني: للغيرة، فإن غيرة الحبيب عظيمة والله أغير منها، ولهذا حرم {أية : ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} تفسير : [الأعراف: 33] أن اغسل عيني ظاهرك وباطنك بماء الغيرة عن صفة رؤية الدنيا والآخرة؛ لاستحقاق اكتحالهما بنور جلالته لرؤية جمالنا، وإنما متعنا أهل الدين بها عزة حضرة جلالنا؛ لنفتنهم فيه باشتغالي بتمتعات الدارين عن الوصول إلى كمال رؤية جمالنا، قيل: قرئ عند الشبلي: {أية : إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ} تفسير : [يس: 55-56] فشهق شهقة، وقال: يا مساكين لا يدرون عمَّا شغلوا حين شغلوا. {وَرِزْقُ رَبِّكَ} [طه: 131] أي: ما رزقك الله من رؤيته {خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} [طه: 131] مما متعناهم به من الدنيا والآخرة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أدبني ربي فأحسن تأديبي" تفسير : فلهذا التأديب حفظ الأدب {أية : إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النجم: 16-17] فأكرم بكرامة {أية : لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [النجم: 18] فنودي في سره أنك لمَّا غمضت عينيك عمَّا سوانا أسعدناك بسعادة {أية : مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} تفسير : [النجم: 11] وشرفناك بتشريف {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ} تفسير : [الفرقان: 45]. وبقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ} [طه: 132] يشير إلى: أهل الخاصة وهو: الجسد والنفس والقلب والسر والروح، فصلاة الجسد: الفرائض والنوافل، وصلاة النفس: خروجها عن حضيض البشرية إلى ذروة الروحانية، وخروجها عن أوصافها لدخول الجنة المشرفة بالإضافة إلى الحضرة بقوله تعالى: {أية : فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي * وَٱدْخُلِي جَنَّتِي} تفسير : [الفجر: 29-30] وصلاة القلب: دوام المراقبة ولزوم المحاضرة لقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} تفسير : [المعارج: 23]، وصلاة السر: عدم الالتفات إلى ما سوى الله تعالى مستغرقاً في بحر المشاهدة كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من يطع الرسول فقد أطاع الله" تفسير : لأنه الفاني عن نفسه الباقي بربه. قوله تعالى: {وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] أي: واصبر على استقامة هذه الأحوال كقوله تعالى: {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} تفسير : [هود: 112] ولا تهتم لرزقك ورزق غيرك. {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً} [طه: 132] لأحدهما عندك {نَّحْنُ نَرْزُقُكَ} [طه: 132] مما عندنا ونغنيك عمَّت عندك كما قال الله تعالى: {أية : وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} تفسير : [الضحى: 8] من هنا كان يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" تفسير : {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} [طه: 132] أي: لمن اتقى بالله عمَّا سواه. {وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} [طه: 133] أي: وقد أتاهم بآية من ربه وهو القرآن الذي فيه بيان ما في الكتب المنزلة، وقد آمن به ورأى إعجازه من كان ذا بصيرة، واستدل بما أنزل في الكتب من محمد صلى الله عليه وسلم وقصته، فإنه أعظم الآيات أوضح الدلالات، ولكنهم صم بكم عن رؤية الآيات، فإنها لم تر بالأبصار وإنما ترى بالبصائر كقوله تعالى: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46] ثم قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ} [طه: 134] أي: قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم {لَقَالُواْ} [طه: 134] يوم القيامة احتجاجاً {رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} [طه: 134] أي: التي أنزلت معه {مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ} [طه: 134] بذل الضلالة في الدنيا {وَنَخْزَىٰ} [طه: 134] بعذاب الآخرة. {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ} [طه: 135] من أهل السعادة والشقاوة؛ لاستعمالهم فيما خلقوا له {فَتَرَبَّصُواْ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ} [طه: 135] وهو صراط الله تعالى للذاهبين إليه {وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} [طه: 135] بالوصول إليه، ومن انقطع عنه باتصال غيره كما قال بعضهم: سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لا تمد عينيك معجبا، ولا تكرر النظر مستحسنا إلى أحوال الدنيا والممتعين بها، من المآكل والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة، والبيوت المزخرفة، والنساء المجملة، فإن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا، تبتهج بها نفوس المغترين، وتأخذ إعجابا بأبصار المعرضين، ويتمتع بها - بقطع النظر عن الآخرة - القوم الظالمون، ثم تذهب سريعا، وتمضي جميعا، وتقتل محبيها وعشاقها، فيندمون حيث لا تنفع الندامة، ويعلمون ما هم عليه إذا قدموا في القيامة، وإنما جعلها الله فتنة واختبارا، ليعلم من يقف عندها ويغتر بها، ومن هو أحسن عملا كما قال تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا }. تفسير : { وَرِزْقُ رَبِّكَ } العاجل من العلم والإيمان وحقائق الأعمال الصالحة والآجل من النعيم المقيم والعيش السليم في جوار الرب الرحيم { خير } مما متعنا به أزواجا في ذاته وصفاته { وَأَبْقَى } لكونه لا ينقطع أكلها دائم وظلها كما قال تعالى {أية : بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى }. تفسير : وفي هذه الآية إشارة إلى أن العبد إذا رأى من نفسه طموحا إلى زينة الدنيا وإقبالا عليها أن يذكرها ما أمامها من رزق ربه وأن يوازن بين هذا وهذا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):