٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
133
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ} يريد كفار مكة؛ أي لولا يأتينا محمد بآية توجب العلم الضروري. أو بآية ظاهرة كالناقة والعصا. أو هلا يأتينا بالآيات التي نقترحها نحن كما أتى الأنبياء من قبله. قال الله تعالى: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } يريد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة، وذلك أعظم آية إذ أخبر بما فيها. وقرىء «الصحف» بالتخفيف. وقيل: أولم تأتهم الآية الدالة على نبوته بما وجدوه في الكتب المتقدمة من البشارة. وقيل: أولم يأتهم إهلاكنا الأمم الذين كفروا واقترحوا الآيات؛ فما يؤمِّنهم إن أتتهم الآيات أن يكون حالهم حال أولئك. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو ويعقوب وابن أبي إسحاق وحفص «أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ» بالتاء لتأنيث البينة. الباقون بالياء لتقدم الفعل؛ ولأن البينة هي البيان والبرهان فردّوه إلى المعنى؛ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وحكى الكسائي «أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةٌ مَا فِي الصُّحُفِ الاُولى» قال: ويجوز على هذا «بَيِّنَةً مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى». قال النحاس: إذا نونت «بينة» ورفعت جعلت «ما» بدلاً منها، وإذا نصبتها فعلى الحال؛ والمعنى: أولم يأتهم ما في الصحف الأولى مبيَّناً. قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ} أي من قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن {لَقَالُواْ} أي يوم القيامة {رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} أي هلاّ أرسلت إلينا رسولاً. {فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ} وقرىء «نُذَلَّ وَنُخْزَى» على ما لم يسمّ فاعله. وروى أبو سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود قال: «حديث : يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول ـ ثم تلا ـ {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} ـ الآية ـ ويقول المعتوه ربِّ لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شراً ويقول المولود ربِّ لم أدرك العمل فتُرفَع لهم نار فيقول لهم رِدُوها وادخلوها ـ قال ـ فيَرِدُها أو يدخلها من كان في علم الله سعيداً لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقياً لو أدرك العمل قال فيقول الله تبارك وتعالى إياي عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم»تفسير : ويروى موقوفاً عن أبي سعيد قوله؛ وفيه نظر؛ وقد بيناه في كتاب «التذكرة» وبه احتج من قال: إن الأطفال وغيرهم يمتحنون في الآخرة.{فَنَتَّبِعَ} نصب بجواب التخصيص. {آيَاتِكَ} يريد ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. {مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ} أي في العذاب {وَنَخْزَىٰ } في جهنم؛ قاله ابن عباس. وقيل: {مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ} في الدنيا بالعذاب {وَنَخْزَىٰ } في الآخرة بعذابها. {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ} أي قل لهم يا محمد كل متربص، أي كل المؤمنين والكافرين منتظر دوائر الزمان ولمن يكون النصر. {فَتَرَبَّصُواْ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} يريد الدين المستقيم والهدى؛ والمعنى: فستعلمون بالنصر من اهتدى إلى دين الحق. وقيل: فستعلمون يوم القيامة من اهتدى إلى طريق الجنة. وفي هذا ضرب من الوعيد والتخويف والتهديد ختم به السورة. وقرىء «فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ». قال أبو رافع: حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذكره الزمخشري. و«من» في موضع رفع عند الزجاج. وقال الفراء: يجوز أن يكون في موضع نصب مثل {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} تفسير : [البقرة: 220]. قال أبو إسحاق: هذا خطأ؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، و«مَن» هاهنا استفهام في موضع رفع بالابتداء؛ والمعنى: فستعلمون أصحاب الصراط السويّ نحن أم أنتم؟. قال النحاس: والفراء يذهب إلى أن معنى {مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ} من لم يضلّ، وإلى أن معنى {وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} من ضلّ ثم اهتدى. وقرأ يحيـى بن يعمر وعاصم الجحدري «فسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السُوَّا» بتشديد الواو بعدها ألف التأنيث على فُعْلَى بغير همزة؛ وتأنيث الصراط شاذ قليل، قال الله تعالى: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة: 6] فجاء مذكراً في هذا وفي غيره، وقد ردّ هذا أبو حاتم قال: إن كان من السّوء وجب أن يقال السُّوءَى وإن كان من السَّواء وجب أن يقال: السِّيَّا بكسر السين والأصل السِّوْيَا. قال الزمخشري: وقرىء «السَّواءِ» بمعنى الوسط والعدل؛ أو المستوِي. النحاس: وجواز قراءة يحيـى بن يعمر والجحدري أن يكون الأصل «السُّوءَى» والساكن ليس بحاجز حصين، فكأنه قلب الهمزة ضمة فأبدل منها واواً كما يبدل منها ألف إذا انفتح ما قبلها. تمت والحمد لله وحده.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الكفار في قولهم: {لَوْلاَ} أي: هلا يأتينا محمد بآية من ربه، أي: بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله؟ قال الله تعالى: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} يعني: القرآن الذي أنزله عليه الله، وهو أمي لا يحسن الكتابة، ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم في سالف الدهور بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها، فإن القرآن مهيمن عليها، يصدق الصحيح، ويبين خطأ المكذوب فيها وعليها، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة العنكبوت: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلأَيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [العنكبوت: 50 - 51] وفي "الصحيحين" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة» تفسير : وإنما ذكر ههنا أعظم الآيات التي أعطيها عليه السلام، وهو القرآن، وإلا فله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر، كما هو مودع في كتبه، ومقرر في مواضعه. ثم قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} أي: لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم، لكانوا قالوا: {رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} قبل أن تهلكنا، حتى نؤمن به، ونتبعه؛ كما قال: {فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ} يبين تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون لا يؤمنون {أية : وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} تفسير : [يونس: 97] كما قال تعالى: {أية : وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} تفسير : - إلى قوله - {أية : بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ}تفسير : [الأنعام: 155 - 157] وقال: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ} تفسير : [فاطر: 42] الآية، وقال: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا} تفسير : [الأنعام: 109] الآيتين، ثم قال تعالى: {قُلْ} أي: يا محمد لمن كذبك وخالفك واستمر على كفره وعناده {كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ} أي: منا ومنكم {فَتَرَبَّصُواْ} أي: فانتظروا {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ} أي: الطريق المستقيم {وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} إلى الحق وسبيل الرشاد، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} تفسير : [الفرقان: 42] وقال: {أية : سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ } تفسير : [القمر: 26]. آخر تفسير سورة طه، ولله الحمد والمنة، ويتلوه إن شاء الله تفسير سورة الأنبياء، ولله الحمد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالُواْ } أي المشركون {لَوْلاَ } هلا {يَأْتِينَا } محمد {بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّهِ} مما يقترحونه؟ {أَوَ لَمْ تَأْتِهِم } بالتاء والياء {بَيِّنَةُ } بيان {مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } المشتمل عليه القرآن من أنباء الأمم الماضية وإهلاكهم بتكذيب الرسل.
الماوردي
تفسير : {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ} أي منتظر، ويحتمل وجهين: أحدهما: منتظر النصر على صاحبه. الثاني: ظهور الحق في عمله. {فَتَرَبَّصُواْ} وهذا تهديد. {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى} يحتمل وجهين: أحدهما: فستعلمون بالنصر من أهدى إلى دين الحق. الثاني: فستعلمون يوم القيامة من أهدى إلى طريق الجنة، والله أعلم..
النسفي
تفسير : {وَقَالُواْ } أي الكافرون {لَوْلاَ يَأْتِينَا بِـئَايَةٍ مّن رَّبّهِ } هلا يأتينا محمد بآية من ربه تدل على صحة نبوته {أَوَ لَمْ تَأْتِهِم} {أو لم تأتهم} مدني وحفص وبصري {بَيّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } أي الكتب المتقدمة يعني أنهم اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوة فقيل لهم: أو لم تأتكم آية هي أم الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعني القرآن من قبل أن القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة ودليل صحته لأنه معجزة وتلك ليست بمعجزات فهي مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـٰهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ } من قبل الرسول أو القرآن {لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا} هلا {أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ } بالنصب على جواب الاستفهام بالفاء {بآيٰتك مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ} بنزول العذاب {وَنَخْزَىٰ } في العقبى {قُلْ كُلٌّ } أي كل واحد منا ومنكم {مُّتَرَبّصٌ } منتظر للعاقبة وبما يؤول إليه أمرنا وأمركم {فَتَرَبَّصُواْ } إذا جاءت القيامة { مِنْ أَصْحَـٰبِ } مبتدأ وخبر ومحلهما نصب {ٱلصّرَاطِ ٱلسَّوِيّ } المستقيم {وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ } إلى النعيم المقيم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يقرأ أهل الجنة إلا سورة طه ويس»تفسير : والله أعلم بالصواب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} قال: التوراة والإنجيل. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية قال: الهالك في الفترة والمعتوه والمولود يقول: رب لم يأتني كتاب ولا رسول. وقرأ هذه الآية {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً...} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {أصحاب الصراط السوي} قال: العدل.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ}. عَمِيَتْ بصائرهم وادَّعوا أنه لا برهانَ معه، ولم يكن القصورُ في الأدلة بل كان الخَلَلُ في بصائرهم، ولو جمع اللَّهُ لهم كلَّ آيةٍ اقْتُرِحَتْ على رسولٍ ثم لم يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يؤمِنوا لَمَا ازدادوا إلا طغياناً وكفراً وخسراناً... وتلك سُنَّةُ أسلافهم في تكذيب أنبيائهم، ولذا قال: قوله جلّ ذكره: {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ}. إنْ أرسلنا إليهم الرسلَ قابلوهم بفنونٍ من الجحد، ووجوهٍ من العلل؛ مرةً يقولون فما بالُ هذا الرسول بَشَر؟ هلاَّ أرسله مَلَكاً؟ ولو أرسلنا مَلَكاً لقالوا هلاَّ أرسل إلينا مثلنا بَشَراً؟ ولو أظهر عليهم آيةً لقالوا: هذا سِحْرٌ مُفْتَرَى! ولو أخليناهم من رسولٍ وعاملناهم بما استوجبوه من نكير لقالوا: هلاَّ بَعَثَ إلينا رسولاً حتى كنا نُؤْمِن؟ فليست تنقطع أعلالُهم، ولا تنفك - عما لا يُرْضَى - أحوالُهم. وكذلك سبيلُ مَنْ لا يجنح إلى الوصال ولا يرغَب في الوداد، وفي معناه أنشدوا: شعر : وكذا الملولُ إذا أراد قطيعةً مَلَّ الوِصال وقال كان وكانا
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالوا} يعنى كفار قريش {لولا} هلا {يأتينا}[جرا نمى آرد محمد براى ما] {بآية} مما اقترحنا نحن ومن نعتد به {من ربه} كموسى وعيسى ليكون علامة لنبوته بلغوا من العناد الى حيث لم يعدوا ما شاهدوا من المعجزات من قبيل الآيات حتى اجترأوا على التفوه بهذه الكلمة العظيمة {أو لم تأتهم بينة ما فى الصحف الاولى} الهمزة لانكار الوقوع والواو للعطف على مقدر والبينة الدلالة الواضحة عقلية كانت او حسية والمراد هنا القرآن الذى فيه بيان للناس وما عبارة عن العقائد الحقية واصول الاحكام التى اجتمعت عليها كافة الرسل. والصحف جمع صحيفة وهى التى يكتب فيها وحروف التهجى صحيفة على حدة مما انزل على آدم والمراد بها التوراة والانجيل والزبور وسائر الكتب السماوية. والمعنى ألم يأتهم سائر الآيات ولم تأتهم خاصة بينة ما فى الصحف الاولى اى قد اتاهم آية هى ام الآيات واعظمها فى باب الاعجاز وهو القرآن الذى فيه بيان ما فى الكتب الالهية وهو شاهد بحقية ما فيها وبصحة ما ينطق به من انباء الامم من حيث انه غنى باعجازه عما يشهد بحقيته حقيق باثبات حقية غيره فاشتماله على زبدة ما فيها مع ان الآتى به امى لم يرها ولم يتعلم ممن علمها اعجاز بين. ثم بين انه لا عذر لهم فى ترك الشرائع وسلوك طريق الضلالة بوجه ما فقال {ولو انا اهلكناهم} فى الدنيا {بعذاب} مستأصل {من قبله} متعلق باهلكنا اى من قبل اتيان البينة واصله لو اهلكناهم اهلكناهم لان لو انما تدخل على الفعل فحذف الفعل الاول احترازا عن العبث لوجود المفسر ثم ابدل من الضمير المتصل وهو الفاعل ضمير منفصل وهو انا لتعذر الاتصال لسقوط ما يتصل به فانا فاعل الفعل المحذوف لا مبتدأ ولا تأكيد اذ لم يعهد حذف المؤكد والعامل مع بقاء التأكيد {لقالوا} يوم القيامة احتجاجا {ربنا لولا ارسلت} [جرا ففر ستادى] {الينا} فى الدنيا {رسولا} مع كتاب {فنتبع آياتك} التى انزلت معه {من قبل ان نذل} بذل الضلالة وعذاب القتل والسبى فى الدنيا كما وقع يوم بدر والذل الهوان وضد الصعوبة. وقال الراغب الذل ما كان من قهر والذل ما كان بعد تصعب وشماس من غير قهر وقوله تعالى {أية : واخفض لهما جناح الذل من الرحمة}تفسير : اى كن كالمقهور لهما {ونخزى} بعذاب الآخرة ودخول النار اليوم: وبالفارسية [ورسوا كنيم درقيامت بدخول درآتش]. قال الراغب خزى الرجل لحقه انكسارا ما من نفسه واما من غيره فالذى يلحقه من نفسه هو الحياء المفرط ومصدره الخزاية والذى يلحقه من غيره يقال هو ضرب من الاستخفاف ومصدره الخزى. والمعنى ولكنا لم نهلكهم قبل اتيانها فانقطعت معذرتهم فعند ذلك اعترفوا وقالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ. قال فى الاسئلة المقحمة هذا يدل على انه يجب على الله ان يفعل ما هو الاصلح لعباده المكلفين اذ لو لم يفعل لقامت لهم عليه الحجة بان قالوا هلا فعلت بنا ذلك حتى نؤمن والجواب لو كان يجب عليه ما هو الاصلح لهم لما خلقهم فليس فى خلقه اياهم وارسال الرسل اليهم رعاية الاصلح لهم مع علمه بانهم لا يؤمنون به ولكنه ارسل الرسل واكد الحجة وسلب التوفيق ولله تعالى ما يشاء بحق المالكية.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقالوا} أي: كفار مكة: {لولا}: هلاّ {يأتينا بآية من ربه} تدل على صدقه، أو بآية مما اقترحوها؛ من تفجير الأرض وتسيير الجبال، ولم يعدوا ما شهدوا من المعجزات التي تخر لها الجبال من قبيل الآيات؛ مكابرة وعنادًا. قال تعالى: {أوَلَمْ تَأْتِهِم بينةُ ما في الصُّحف الأولى} أي: أوَ لَمْ يأتهم القرآن الذي فيه بيان ما في الصحف الأولى؛ التوراة والإنجيل والزبور، وسائر الكتب السماوية لاشتماله على ما فيها، وزيادة علوم وأسرار. وهذا رد من جهته تعالى لمقالتهم، وتكذيب لهم فيما دسوا تحتها، من إنكار إتيان الآية، بإتيان القرآن الكريم، الذي هو أبهر الآيات، وأسنى المعجزات، وأعظمها، وأبقاها؛ لأن حقيقة المعجزة: اختصاص مدّعي النبوة بنوع من الأمور الخارقة للعادة، أيّ أمر كان، ولا ريب في أن العلم أجلُّ الأمور وأعلاها؛ إذ هو أصل الأعمال، ولقد ظهر، مع حيازته لعلوم الأولين والآخرين، على يد أمي، لم يمارس شيئًا من العلوم، ولم يدارس أحدًا من أهلها أصلاً، فأيّ معجزة تراد بعد وروده؟ وأيّ آية ترام مع وجوده؟! وفي إيراده بعنوان كونه بينة لما في الصحف الأولى، أي: شاهدًا بحقية ما فيها من العقائد والأحكام، التي أجمعت عليها كافة الرسل، ما لا يخفى من تنويه شأنه وإنارة برهانه، ومزيد تقرير وتحقيق لإتيانه. وقال بعض أهل المعاني: أو لم يأتهم بيان ما في الكتب الأولى، من أنباء الأمم الذين أهلكناهم، لما سألوا الآيات، فأتتهم، فكفروا بها، كيف عجلنا لهم الهلاك؟ فما يُؤمن هؤلاء، إن أتتهم البينة، أن يكون حالهم كأولئك. {ولو أنَّا أهلكناهم} في الدنيا {بعذابٍ} مستأصل، {من قَبْلِه} أي: من قبل إتيان البينة، وهو نزول القرآن ومجيء محمد صلى الله عليه وسلم، {لقالوا ربنا لولا أرسلتَ إِلينا رسولاً} يدعونا مع كتاب يهدينا، {فنتّبعَ آياتك} التي جاءنا بها، {من قبل أن نَّذِلَّ} بالعذاب في الدنيا، {ونخْزَى} بدخول النار يوم القيامة، ولكنا لم نهلكهم قبل إتيانها، فانقطعت حجتهم، فإذا كان يوم القيامة {أية : قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} تفسير : [المُلك: 9]. {قُلْ} لأولئك الكفرة المتمردين: {كُلٌّ} أي: كل واحد منكم ومنا، {متربصٌ}: منتظر ما يؤول إليه أمرنا وأمركم، {فتربصوا} فانتظروا. أو كُلٌّ منتظر دوائر الزمان، ولمن يكون النصر، {فتربصوا فستعلمون} عن قريب {من أصحابُ الصراطِ السَّوِيِّ} أي: المستقيم، أو السواء، أي: الوسط الجيد، {ومن اهتدى} من الضلالة، هل نحن أو أنتم. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يُشترط في الولي العارف بالله، الداعي إلى الله، إظهار الآيات، ويكفي، برهانًا عليهم، كونهم على بينة من ربهم، وهداية الخلق على أيديهم، وما أظهروه من علم أسرار التوحيد، ومن فنون علم الطريق، مع كون بعضهم أميين، لم يتقدم له مدارسة علم قط، كما شهدناهم، بعثهم الله في كل عصر، يُعرفون بالله، ويدلون على أسرار ذاته وأنوار صفاته، على سبيل العيان، لتقوم الحجة على العباد، فإذا بُعثوا يوم القيامة جاهلين بالله محجوبين عن شهود ذاته، متخلفين عن مقام المقربين، يقولون: لولا أرسلت إلينا رسولاً يُعرفنا بك، فنتبع آياتك حتى نصل إليك، من قبل أن نذل بالانحطاط عن درجة المقربين، أو نخزى بإسدال الحجاب. يقول الحق تعالى: قد بعثتهم، فأنكرتموهم، فإذا اغتروا اليوم، واحتجوا بقول من قال: انقطعت التربية، فقل: كلٌّ متربص فتربصوا، فستعلمون من أصحاب الصراط السَّوي ومن اهتدى. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلَّى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلَّمَ تسليمًا.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالُواْ} عطف على نفتنهم والتّفاوت بالمضىّ والمضارعة للاشارة الى انّ هذا القول وقع منهم، او عطف باعتبار المعنى كأنّه قال تعالى فتنّاهم به وقالوا {لَوْلاَ يَأْتِينَا} محمّد (ص) فى ادّعاء نبوّته {بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ} دالّة على صدقه فى نبوّته كأنّهم لم يعتدّوا بما رأوا منه او حملوه على السّحر {أَ} تركهم بلا بيّنة {وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} يعنى انّه اتى بالقرآن الّذى هو مبيّن جميع ما فى الصّحف الاولى من العقائد والاخلاق والعبادات والسّياسات والحال انّ محمّداً (ص) امّىّ لا يعرف كتاباً وما اختلف الى عالم يعلّمه الكتب الماضية يعنى لا يريدون بقولهم هذا الدّلالة على صدقه وقبول نبوّته بل يريدون الزامه امراً يعجز عن الاتيان به او الاستهزاء به.
اطفيش
تفسير : {وَقَالُوا} أي المشركون: {لَوْلاَ} أى هَلاّ {يَأْتِينَا} محمد. {بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ} تدل على صدقه فى ادعاء النبوة، أو بآية غير ما جاء به. لم يعتدُّوا بما جاء به تعنتا وعنادا. وأجابهم بقوله: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِى الصُّحُفِ الأُولَى} التوراة والإنجيل وغيرها؟ بلى. جاءهم القرآن مشتملا على زبدة ما فى الكتب، من العقائد، والأحكام الكلية معجزا لكم على يد أمىّ لم ير الكتب ولم يتعلمها. فالقرآن آية بينة معجزة برهان على نبوته وعلى صحة ما فى الكتب فهو دليل لها وهى محتاجة إليه. وقرأ غير نافع وحفص وأبى عمرو يأتهم بالتحتية؛ لأن الفاعل وهو بينة مؤنث مجازاً ظاهر ولأن البينة. برهان. وقرئ بإسكان الحاء والقرآن أم المعجزات لأنه علم للنبى صلى الله عليه وسلم والمعجزة اختصاص مدعى النبوة بنوع علم أو عمل على وجه خارق للعادة. والعلم أصل للعمل وأبقى منه أثرا. وقيل: المراد بالبينة البِشارة فى الكتب بنبوته صلى الله عليه وسلم.
اطفيش
تفسير : {وقالوا} أى مشركو قريش {لَوْلا} هلا، وهو تحضيض اعتباراً لما فى قلوبهم أنهم على الحق، وأنه على الباطل حتى بالغوا بألسنتهم فى الحث على الإتيان إيقاناً أنه لا يأتى، أو عرض وعلى كل جعلوا ما شاهدوا من الآيات غير معجزة، فطلبوا معجزة وقالوا: {يأتينا بآية من ربِّه} فإنهم رأوا ما يأتى به سحر منه، يحتج به فطلبوا أن يأتى بشىء من ربه حجة له، ورد الله عز وجل عليهم بقوله: أو لَمْ تأتِهم فى القرآن {بيِّنة} دلائل وأفرد لأن المقصد واحد {ما فى الصُّحف الأولى} الكتب الأولى التوارة والإنجيل والزبور وغير ذلك، ولا تفسر البينة بقراءتنا هذا إذ لا وجه لقولك قرآن ما فى الصحف الأولى، والمراد قرآننا هذا، بخلاف قولك أتاهم فى القرآن ما فى تلك الكتب، ولا يصح ما قيل: إن المراد تهديدهم بالخويف، بأن يصيبهم ما أصاب من قبلهم، الهمزة للإنكار داخلة على محذوف، أى أو لم يأتيهم سائر الآيات، ولم يأتهم خاصة ما فيى الصحف الأولى لو أنصفوا لكفاهم أنه لا يعرف الكتابة، ولا يجالس أهل الكتاب، وأهل الأخبار، ومع ذلك أخيرهم بأخبار الأمم والغيوب، وجاءهم بكتاب عجز عنه بلغاؤهم.
الالوسي
تفسير : {وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِـئَايَةٍ مّن رَّبّهِ } حكاية لبعض أقاويلهم الباطلة التي أمر النبـي صلى الله عليه وسلم بالصبر عليها أي هلا يأتينا بآية تدل على صدقه في دعوى النبوة أو بآية من الآيات التي اقترحوها لا على التعيين بلغوا من المكابرة والعناد إلى حيث لم يعدوا ما شاهدوا من المعجزات التي تخر لها صم الجبال من قبيل الآيات حتى اجترؤا على التفوه بهذه العظيمة الشنعاء. وقوله تعالى: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } رد من جهته تعالى لمقالتهم القبيحة وتكذيب لهم فما دسوا تحتها من إنكار إتيان الآية بإتيان القرآن الكريم الذي هو أم الآيات وأس المعجزات وأرفعها وأنفعها لأن حقيقة المعجزة الأمر الخارق للعادة يظهر على يد مدعي النبوة عند التحدي أي أمر كان ولا ريب / في أن العلم أجل الأمور وأعلاها إذ هو أصل الأعمال ومبدأ الأفعال وبه تنال المراتب العلية والسعادة الأبدية، ولقد ظهر مع حيازته لجميع علوم الأولين والآخرين على يد من لم يمارس شيئاً من العلوم ولم يدارس أحداً من أهلها أصلاً فأي معجزة تراد بعد وروده، وأية آية تطلب بعد وفوده، فالمراد بالبينة القرآن الكريم، والمراد بالصحف الأولى التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية وبما فيها العقائد الحقة وأصول الأحكام التي اجتمعت عليها كافة الرسل عليهم السلام، ومعنى كونه بينة لذلك كونه شاهداً بحقيته، وفي إيراده بهذا العنوان ما لا يخفى من التنويه بشأنه والإنارة لبرهانه حيث أشار إلى امتيازه وغناه عما يشهد بحقية ما فيه بإعجازه. وإسناد الإتيان إليه مع جعلهم إياه مأتياً به للتنبيه على أصالته فيه مع ما فيه من المناسبة للبينة، والهمزة لإنكار الوقوع والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل: ألم يأتهم سائر الآيات ولم يأتهم خاصة بينة ما في الصحف الأولى تقريراً لإتيانه وإيذاناً بأنه من الوضوح بحيث لا يتأتى منهم إنكار أصلاً، وإن اجترؤا على إنكار سائر الآيات مكابرة وعناداً، وتفسير الآية بما ذكر هو الذي تقتضيه جزالة التنزيل. وزعم الإمام والطبرسي أن المعنى أو لم يأتهم في القرآن بيان ما في الكتب الأولى من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما اقترحوا الآيات ثم كفروا بها فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآية بقولهم {لَوْلاَ يَأْتِينَا بِـئَايَةٍ } كحال أولئك الهالكين اهـ. وهو بمعزل عن القبول كما لا يخفى على ذوى العقول. وقرأ أكثر السبعة وأبو بحرية وابن محيصن وطلحة وابن أبـي ليلى وابن مناذر وخلف وأبو عبيد وابن سعدان وابن عيسى وابن جبير الأنطاكي {يأتهم} بالياء التحتانية لمجاز تأنيث الآية والفصل. وقرأت فرقة منهم أبو زيد عن أبـي عمرو {بينة} بالتنوين على أن {مَا } بدل، وقال صاحب «اللوامح»: يجوز أن تكون ما على هذه القراءة نافية على أن يراد بالآتي ما في القرآن من الناسخ والفصل مما لم يكن في غيره من الكتب وهو كما ترى. وقرأت فرقة بنصب {بينة} والتنوين على أنه حال، و {مَا } فاعل. وقرأت فرقة منهم ابن عباس «الصحف» بإسكان الحاء للتخفيف.
ابن عاشور
تفسير : رجوع إلى التنويه بشأن القرآن، وبأنه أعظم المعجزات. وهو الغرض الذي انتقل منه إلى أغراض مناسبة من قوله {أية : وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً}تفسير : [طه: 113]. والمناسبة في الانتقال هو ما تضمنه قوله {أية : فاصبر على ما يقولون}تفسير : [طه: 130] فجيء هنا بشِنَع من أقوالهم التي أمر الله رسوله بأن يصبر عليها في قوله {فاصبر على ما يقولون}. فمن أقوالهم التي يقصدون منها التعنت والمكابرة أن قالوا: لولا يأتينا بآية من عند ربّه فنؤمن برسالته، كما قال تعالى: {أية : فليأتنا بآية كما أرسل الأولون}تفسير : [الأنبياء: 5]. ولولا حرف تحضيض. وجملة {أو لَمْ تأْتِهِم بيِّنَةُ ما في الصُّحفِ الأُولى} في موضع الحال، والواو للحال، أي قالوا ذلك في حال أنّهم أتتهم بيّنة ما في الصحف الأولى. فالاستفهام إنكاري، أنكر به نفي إتيان آية لهم الذي اقتضاه تحضيضهم على الإتيان بآية. والبيّنة: الحجة. والصحف الأولى: كتب الأنبياء السابقين، كقوله تعالى: {أية : إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى}تفسير : [الأعلى: 18 ــــ 19]. والصحف: جمع صحيفة. وهي قطعة من ورَق أو كاغَدَ أو خرقة يكتب فيها. ولما كان الكتاب مجموع صحف أطلق الصحف على الكتب. ووجه اختيار الصحف هنا على الكُتب أن في كلّ صحيفة من الكتب علماً، وأن جميعه حَواه القرآن، فكان كلّ جزء من القرآن آية ودليلاً. وهذه البيّنة هي محمد - صلى الله عليه وسلم - وكتابُه القرآن، لأنّ الرسول موعود به في الكتب السالفة، ولأنّ في القرآن تصديقاً لما في تلك الكتب من أخبار الأنبياء ومن المواعظ وأصول التشريع. وقد جاء به رسول أميّ ليس من أهل الكتاب ولا نشأ في قوم أهل علم ومزاولة للتاريخ مع مجيئه بما هو أوضح من فلق الصبح من أخبارهم التي لم يستطع أهل الكتاب إنكارها، قال تعالى: {أية : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون}تفسير : [البقرة: 146]، وكانوا لا يحققون كثيراً منها بما طرأ عليهم من التفرق وتلاشي أصول كتبهم وإعادة كتابة كثير منها بالمعنى على حسب تأويلات سقيمة. وأما القرآن فما حواه من دلائل الصدق والرشاد، وما امتاز به عن سائر الكتب من البلاغة والفصاحة البالغتين حد الإعجاز، وهو ما قامت به الحجّة على العرب مباشرة وعلى غيرهم استدلالاً. وهذا مثل قوله تعالى: {أية : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البيّنة رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة}تفسير : [البينة: 1ــــ2]. وقرأ نافع، وحفص، وابن جماز عن أبي جعفر {تأتِهم} بتاء المضارع للمؤنث. وقرأه الباقون بتحتية المذكر لأنّ تأنيث {بيّنة} غير حقيقي، وأصل الإسناد التذكير لأنّ التذكير ليس علامة ولكنه الأصل في الكلام.
الشنقيطي
تفسير : أظهر الأقوال عندي في معنى هذه الآية الكريمة: أن الكفار اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوة كالعصا واليد من آيات موسى، وكناقة صالح، واقتراحهم لذلك بحرف التحضيض الدال على شدة الحضّ في طلب ذلك في قوله: {لَوْلاَ يَأْتِينَا} أي هلا يأتينا محمد بآية: كناقة صالح، وعصا موسى، أي نطلب ذلك منه بحضّ وحثّ. فأجابهم الله بقوله: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} وهي هذا القرآن العظيم، لأنه آية هي أعظم الآيات وأدلها على الإعجاز. وإنما عبر عن هذا القرآن العظيم بأنه بينة ما في الصحف الأولى. لأن القرآن برهان قاطع على صحة جميع الكتب المنزلة من الله تعالى، فهو بَيِّنة واضحة على صِدقها وصحتها: كما قال تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} تفسير : [المائدة: 48]، وقال تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} تفسير : [النمل: 76]، وقال تعالى: {أية : قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [آل عمران: 93] إلى غير ذلك من الآيات. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية على هذا التفسير الذي هو الأظهر ـ أوضحه جل وعلا في سورة "العنكبوت" في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [العنكبوت: 50-51]. فقوله في "العنكبوت": {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} هو معنى قوله في "طه": {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} [طه: 133] كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى. ويزيد ذلك إيضاحاً الحديث المتفق عليه: "حديث : ما من نبي مِنَ الأنبياء إلا أُوتي ما آمَنَ البشر على مِثْلِه، وإنما كان الذي أُوتيتُه وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابِعاً يومَ القيامةِ" تفسير : وفي الآية أقوال أخر غير ما ذكرنا.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لولا: أي هَلاَّ فهي أداة تحضيض وحث على وقوع ما يذكر بعدها. بآية من ربه: أي معجزة تدل على صدقه في نبوته ورسالته. بينة ما في الصحف الأولى: أي المشتمل عليها القرآن العظيم من أنباء الأمم الماضية وهلاكهم بتكذيبهم لرسلهم. من قبله: من قبل إرسالنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وإنزالنا كتابنا القرآن. من قبل أن نذل ونخزى: أي من قبل أن يصينبا الذل والخزي يوم القيامة في جهنم. متربص: أي منتظر ما يؤول إليه الأمر. فستعلمون: أي يوم القيامة. الصراط السوي: أي الدين الصحيح وهو الإِسلام. ومن اهتدى: أي ممن ضل نحن أم أنتم. معنى الآيات: ما زال السياق مع المشركين طلباً لهدايتهم فقال تعالى مخبراً عن أولئك المشركين الذين متع الله رجالاً منهم بزهرة الحياة الدنيا أنهم أصروا على الشرك والتكذيب {وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ} أي هلا يأتينا محمد بمعجزة كالتي أتى بها صالح وموسى وعيسى بن مريم تدل على صدقه في نبوته ورسالته إلينا. فقال تعالى راداً عليهم قولتهم الباطلة: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ}؟ أيطالبون بالآيات وقد جاءتهم بينة ما في الصحف الأولى بواسطة القرآن الكريم فعرفوا ما حل بالأمم التي طالبت بالآيات ولما جاءتهم الآيات كذبوا بها فأهلكهم الله بتكذيبهم فما يؤمن هؤلاء المشركين المطالبين بالآيات أنها لو جاءتهم ما آمنوا بها فأهلكوا كما أهلك المكذبين من قبلهم. وقوله تعالى في الآية الثانية [134] {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ} أي من قبل إرسالنا محمد وإنزالنا الكتاب عليه لقالوا للرب تعالى إذا وقفوا بين يديه: {رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} فيما تدعونا إليه من التوحيد والإِيمان والعمل الصالح وذلك من قبل أن نذل هذا الذل ونخزى هذا الخزي في نار جهنم. فإن كان هذا قولهم لا محالة فلم لا يؤمنون ويتبعون آيات الله فيعملون بما جاء فيها من الهدى قبل حلول العذاب بهم؟ وفي الآية الأخيرة قال تعالى لرسوله بعد هذا الإِرشاد الذي أرشدهم إليه {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ} أي كل منا متربص أي منتظر ما يؤول إليه الأمر {فَتَرَبَّصُواْ}. فستعلمون في نهاية الأمر وعندما توقفون في عرصات القيامة {مَنْ} هم {أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ} الذي لا اعوجاج فيه وهو الإِسلام الدين الحق، {وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} إلى سبيل النجاة والسعادة ممن ضل ذلك فخسر وهلك. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- المطالبة بالآيات سنة متبعة للأمم والشعوب عندما تعرض عن الحق وتتنكر للعقل وهدايته. 2- الذلة والخزي تصيب أهل النار يوم القيامة لما فرطوا فيه من الإِيمان والعمل الصالح. 3- في الآية إشادة إلى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "يحتج به على الله يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب على عقله، والصبي الصغير، فيقول المغلوب على عقله لم تجعل لي عقلاً انتفع به، ويقول الهالك في الفترة لم يأتني رسول ولا نبي ولو أتاني لك رسول أو نبي لكنت أطوع خلقك إليك، وقرأ صلى الله عليه وسلم {لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} ويقول الصبي الصغير كنت صغيراً لا أعقل. قال فترفع لهم نار ويقال لهم: رِدُوها قال فَيرِدُها من كان في علم الله أنه سعيد، ويتلكأ عنها من كان في علم الله أنه شقي فيقول إياي عصيتم فكيف برسلي لو أتتكم". رواه ابن جرير عند تفسير هذه الآية {رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً}.
القطان
تفسير : بآية: بمعجزة. البينة: البرهان. الصحف الأولى: التوراة والانجيل. نخزَى: نفتضح. متربص: منتظر. الصراط: الطريق. السوي: المستقيم. وقال المشركون المتعنتون في عنادهم: لماذا لا يأتينا محمدٌ بمعجزة تدلّ على صدقه في دعوى النبوة؟ ألم يأتِهم القرآنُ؟ وهو اكبر بينةٍ جاء مشتملاً على ما في الكتب السابقة من أنباء الأمم الماضية، وكفى بذلك آية. وقد تقدم مثل هذه الآية في سورة البقرة 118، وفي سورة يونس الآية 20. ولو أهلكنا هؤلاء المكذِّبين قبل ان ننزل عليهم القرآن على يد رسول كريم لقالوا: ربّنا، هلاّ ارسلتَ الينا رسولا قبل ان تهلكنا حتى نؤمن به ونتبعه، من قبل ان ينزل بنا العذابُ والخزي في الآخرة؟! ولكن الله بإرساله النبي الكريم قطع جميع حججهم وأعذارهم. {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ}. قل ايها الرسول لهؤلاء المعاندين: إننا جميعاً منتظِرون فتربَّصوا وارتقبوا، فستعلمون من هم أهلُ الطريق المستقيم، وأيّ الفريقين صاحب الدين الحق والمهتدي بهدى الله. وهكذا خُتمت سورة طه بأن يؤمر الرسول أن يترك هؤلاء المشركين فلا يشقى بهم، ولا يكرُبُه عدم إيمانهم. وقد بدأت السورة بنفي الشقاء عن النبيّ الكريم من تنزيل القرآن، وحددت وظيفةَ القرآن بأنه تذكرةٌ لمن يخشى. وجاء الختام متناسقاً مع المطلع كل التناسق، فهو التذكِرة الأخيرة لمن ينفعه التذكير، وسيندم المخالفُ حيث لا ينفع الندم.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَةٍ} (133) - وَقَالَ الكُفَّارُ فِي عِنَادِهِمْ: هَلاَّ يَأْتِينَا مَحُمَّدٌ بِمُعْجِزَةٍ، وَحُجَّةٍ، وَبُرْهَانٍ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ (بِآيَةٍ)، تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فِي أَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، كَمَا جَاءَ مُوسَى بِالعَصَا وَاليَدِ، وَعِيسَى بِإِحْيَاءِ المَوْتَى، وَصَالِحٌ بِالنَّاقَةِ.. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: لَقَدْ جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ بِالقُرْآنِ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَعْظَمُ الآيَاتِ، وَأَكْبَرُ المُعْجِزَاتِ فَالرَّسُولُ رَجُلٌ أُمِّيٌّ لاَ يَقْرَأُ وَلاَ يَكْتُبُ، وَالقُرْآنُ يَصِلُ حَاضِرَ الرِّسَالَةِ بِمَاضِيهَا، وَيُوَحِّدُ طَبِيعَةَ اتَِّجَاهِهَا، وَيُبَيِّنُ وَيُفَصِّلُ مَا أُجْمِلَ فِي الكُتُبِ السَّابِقَةِ (الصُّحُفِ الأُوْلَى). بَيِّنَةُ - القُرْآنُ المُعْجِزُ، أَوِ الآيَاتُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : مرت بنا (لولا) في قوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ ..}تفسير : [يونس: 19] وتعني: امتناع التعذيب لوجود الكلمة، أما (لولا) هنا فتعني: هلا، للحثِّ والطلب {لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ..} [طه: 133] كما في {أية : وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ..}تفسير : [الكهف: 39]. فكأن القرآن لا يعجبهم، مع أنهم أمةُ بلاغة وبيانٍ، وأمة فصاحة وكلام، والقرآن يخجلهم لفصاحته وبلاغته، فأيُّ آية تريدونها بعد هذا القرآن؟ {وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ..} [طه: 133] كدليل صِدْق على بلاغه عن الله كالمعجزات الحسّية التي حدثتْ لمن قبله من الرسل، كما قال تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 90-93]. إذن: فالآيات من الله لا دَخْلَ لي فيها ولا أختارها، وها هو القرآن بين أيديكم يخبركم بما كان في الأمم السابقة {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 43]. وقال تعالى {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ * بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا * وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ * إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ}تفسير : [الأعلى: 14-19]. وقال تعالى {أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ ..}تفسير : [النساء: 163]. لذلك يقول تعالى بعدها: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} [طه: 133]. فالقرآن جاء جامعاً ومُهيْمناً على الكتب السابقة، وفيه ذِكْر لكل ما حدث فيها من معجزات حسية، وهل شاهد هؤلاء معجزة عيسى عليه السلام في إبراء الأكمه والأبرص؟ هل شاهدوا عصا موسى أو ناقة صالح؟ لقد عرفوا هذه المعجزات عندما حكاها لهم القرآن، فصارت خبراً من الأخبار، وليست مَرْأىً، والمعجزة الحسِّية تقع مرة واحدة، مَنْ رآها آمن بها، ومَنْ لم يرهَا فهي بالنسبة له خبر، ولولا أن القرآن حكاها ما صدَّقها أحد منهم. لكن هؤلاء يريدون معجزة حِسِّية تصاحب رسالة محمد العامة للزمان وللمكان، ولو كانت معجزَة محمد حِسِّية لكانت لمَنْ شاهدها فقط، والحق سبحانه يريدها معجزة دائمة لامتداد الزمان والمكان، فَمنْ آمن بمحمد نقول له: هذه هي معجزته الدائمة الباقية إلى أنْ تقومَ الساعة. لذلك، كان القرآن معجزة لكل القرون، ولو أفنى القرآن معجزته مرة واحدة للمعاصرين له فحسب لاستقبلتْه القرون الآتية بلا إعجاز، لكن شاءتْ إرادة الله أن يكون إعجاز القرآن سراً مطموراً فيه، وكل قرن يكتشف من أسراره على قدر التفاتهم إليه وتأملهم فيه، وهكذا تظل الرسالة محروسة بالمعجزة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} [الآية: 133]، قال: يعني التوراة والإِنجيل. َ َ َ َ َ
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: قال المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم: هلا يأتينا بآية من ربه؟ يعنون آيات الاقتراح كقولهم: {أية : وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا }. تفسير : وهذا تعنت منهم وعناد وظلم فإنهم هم والرسول بشر عبيد لله فلا يليق منهم الاقتراح بحسب أهوائهم وإنما الذي ينزلها ويختار منها ما يختار بحسب حكمته هو الله. ولأن قولهم: {أية : لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ } تفسير : يقتضي أنه لم يأتهم بآية على صدقه ولا بينة على حقه وهذا كذب وافتراء فإنه أتى من المعجزات الباهرات والآيات القاهرات ما يحصل ببعضه المقصود ولهذا قال { أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ } إن كانوا صادقين في قولهم وأنهم يطلبون الحق بدليله { بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأولَى } أي هذا القرآن العظيم المصدق لما في الصحف الأولى من التوراة والإنجيل والكتب السابقة المطابق لها المخبر بما أخبرت به وتصديقه أيضا مذكور فيها ومبشر بالرسول بها وهذا كقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } تفسير : فالآيات تنفع المؤمنين ويزداد بها إيمانهم وإيقانهم وأما المعرضون عنها المعارضون لها فلا يؤمنون بها ولا ينتفعون بها {أية : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ }. تفسير : وإنما الفائدة في سوقها إليهم ومخاطبتهم بها، لتقوم عليهم حجة الله، ولئلا يقولوا حين ينزل بهم العذاب: { لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى } بالعقوبة، فها قد جاءكم رسولي ومعه آياتي وبراهيني، فإن كنتم كما تقولون، فصدقوه. قل يا محمد مخاطبا للمكذبين لك الذين يقولون تربصوا به ريب المنون { قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ } فتربصوا بي الموت، وأنا أتربص بكم العذاب {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ } تفسير : أي: الظفر أو الشهادة {أية : وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا } تفسير : { فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ } أي: المستقيم، { وَمَنِ اهْتَدَى } بسلوكه، أنا أم أنتم؟ فإن صاحبه هو الفائز الراشد، الناجي المفلح، ومن حاد عنه خاسر خائب معذب، وقد علم أن الرسول هو الذي بهذه الحالة، وأعداؤه بخلافه، والله أعلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):