Verse. 2483 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوْا۝۰ۚ فَسَتَعْلَمُوْنَ مَنْ اَصْحٰبُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اہْتَدٰى۝۱۳۵ۧ
Qul kullun mutarabbisun fatarabbasoo fasataAAlamoona man ashabu alssirati alssawiyyi wamani ihtada

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم «كل» منا ومنكم «متربص» منتظر ما يؤول إليه الأمر «فتربصوا فستعلمون» في القيامة «مَن أصحاب الصراط» الطريق «السويّ» المستقيم «ومن اهتدى» من الضلالة أنحن أم أنتم.

135

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم {كُلٌّ } منا ومنكم {مُّتَرَبِّصٌ } منتظر ما يؤول إليه الأمر {فَتَرَبَّصُواْ فَسَتَعْلَمُونَ } في القيامة {مَنْ أَصْحَٰبُ ٱلْصِّرٰطِ } الطريق {ٱلسَّوِىِّ } المستقيم {وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ } من الضلالة أنحن أم أنتم؟.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ} لأولئك الكفرة المتمردين {كُلٌّ} أي كلُّ واحدٍ منا ومنكم {مُّتَرَبّصٌ} منتظِرٌ لما يؤول إليه أمرُنا وأمرُكم {فَتَرَبَّصُواْ} وقرىء فتمتعوا {فَسَتَعْلَمُونَ} عن قريب {مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصّرَاطِ ٱلسَّوِيّ} أي المستقيمِ، وقرىء السواءِ أي الوسطِ الجيد، وقرىء السوءِ والسُّوآي والسُّوَي تصغيرُ السوء {وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} من الضلالة ومَنْ في الموضعين استفهاميةٌ محلُّها الرفعُ بالابتداء خبرُها ما بعدها، والجملةُ سادةٌ مسدَّ مفعولي العلم أو مفعولِه، ويجوز كونُ الثانية موصولةً بخلاف الأولى لعدم العائد فتكون معطوفةً على محل الجملةِ الاستفهامية المعلَّقِ عنها الفعلُ على أن العلم بمعنى المعرفة أو على أصحاب أو على الصراط، وقيل: العائدُ في الأولى محذوفٌ والتقديرُ من هم أصحابُ الصراط. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من قرأ سورةَ طٰه أُعطِيَ يوم القيامة ثوابَ المهاجرين والأنصار » تفسير : وقال: " حديث : لا يقرأ أهلُ الجنة من القرآن إلا سورةَ طٰه ويس ".

القشيري

تفسير : الكل واقفوان على التجويز غير حاصلين بوثيقة، ينتظرون ما سيبدو في المستأنف، إلاَّ أَنَّ أربابَ التفرقة ينتظرون ما سيبدو مِمَّا يقتضيه حُكْمُ الأفلاك، وما الذي توجبه الطبائعُ والنجومُ. والمسلمون ينتظرون ما يبدو من المقادير فهم في رَوْحِ التوحيد، والباقون في ظُلُمَاتِ الشَّرْكِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} لاولئك الكفرة المتمردين {كل} اى كل واحد منا ومنكم {متربص} انتظار الامر او زواله منتظرا لما يؤول اليه امرنا وامركم. قال الكاشفى [يعنى شما نكبت ماراجشم ميداريد وما عقوبت شمارا]. قال فى الكبير كل منا ومنكم منتظر عاقبة امره اما قبل الموت بسبب الجهاد وظهور الدولة والقوة او بعد الموت بالثواب والعقاب وبما يظهر على المحق من انواع كرامة الله وعلى المبطل من انواع اهانته - روى - ان المشركين قالوا نتربص بمحمد حوادث الدهر فاذا مات تخلصنا فقال تعالى {فتربصوا} انتم {فستعلمون} عن قريب اذا جاء امر الله {من اصحاب الصراط السوى} المستقيم. والاصحاب جمع صاحب بمعنى الملازم. والصراط من السبيل ما لا التواء فيه اى لا اعوجاج بل يكون على سبيل القصد {ومن اهتدى} من الضلال اى أنحن ام انتم كما قال بعضهم شعر : سوف ترى اذا انجلى الغبار أفرس تحتك ام حمار تفسير : وفيه تهديد شديد لهم. قال الكاشفى [مراد حضرت بيغمبرست كه هم راه يافته وهم راه نماينده است] شعر : راه دان وراه بين وراه بر در حقيقت نيست جزخير البشر تفسير : وفى الآية اشارة الى المهتدين بالوصول اليه بقطع المنازل والانفصال عما سواه والمنقطعين عنه باتصال غيره كما قال الخجندى شعر : وصل ميسر نشود جز بقطع قطع نخست ازهمه ببريدنست تفسير : واعلم ان الله تعالى قطع المعذرة بالامهال والارشاد فلله الحجة البالغة. وعن ابى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال قال عليه السلام "حديث : يحتج على الله ثلاثة الهالك فى الفترة يقول لم يأتنى رسول وتلا لولا ارسلت الينا رسولا والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لى عقلا انتفع به ويقول الصغير كنت صغيرا لا اعقل فترفع لهم نار ويقال ادخولها فيدخلها من كان فى علم الله انه سعيد وينكل عنها من كان فى علمه انه شقى فيقول الله اياى عصيتم فكيف برسلى لو أتوكم"تفسير : كما فى التفسير الكبير وفى الحديث "حديث : لا يقرأ اهل الجنة من القرآن الا سورة طه ويس"تفسير : كما فى الكشاف. تمت سورة طه في العشرين من شهر ربيع الأول من سنة ست مائة والف من هجرة من له العز والشرف.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ كُلٌّ} منّا ومنكم {مُّتَرَبِّصٌ} لما نؤل اليه ولما يظهر من العاقبة {فَتَرَبَّصُواْ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ} منّا ومنكم اى سيظهر عليكم من كان من اصحاب الصّراط وكائناً فى الصّراط اعنى المتحّقق بالولاية وصاحب القلب {وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} الى الصّراط وصار مقامه مقام القاء السّمع واكتفى بمفهوم المخالفة عن التّصريح بمخالفه يعنى من لم يكن كذلك.

اطفيش

تفسير : {قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ} كل منا ومنكم متربص، فأَنتم تتربصون موتى ونزول الحوادث، وإنّا متربصون بكم الخزى والهوان. {فَتَرَبَّصُوا} قيل: منسوخ بآية السيف والحق خلافه. {فَسَتَعْلَمُونَ} يوم القيامة. {مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِىِّ} المعتدل الموصل إلى الجنة {وَمَنِ اهْتَدَى} والضلالة نحن أم أنتم. وقرئ السواء بمعنى الوسط والجيّد. وقرئ السوء أى القبيح وهم أصحابه. وقرئ السُّوَىّ بضم السين وفتح الواو وتشديد الياء تصغير السوء أبدلت همزته ياء وأدغمت فيها ياء التصغير. وقرئ فتمتعوا فسوف تعلمون، لا فتمتعوا فستعلمون، كما هو المتبادر من بعضهم، ومن مبتدأ استفهامية وأصحاب خبره وبالعكس، والجملة فى محل نصب قامت مقام مفعولى تعلم. وإن جعل بمعنى المعرفة فمقام مفعول وذلك تعليق بالاستفهام ومن مبتدأ استفهامية وجملة اهتدى خبر والمجموع معطوف على مَن أصحاب فيجوز كون الثانية موصولة وجملة اهتدى صلة ومَن معطوفة على أصحاب أو على الصراط، على أن المراد به النبى صلى الله عليه وسلم ويجوز عطفها على محل الجملة كقوله: شعر : وما كنت أدرى قبل عَزَّةَ ما البُكا ولا مُوجعاتِ القلب حتى تولتِ تفسير : ولا يشترط لهذا كون العلم بمعنى المعرفة كما قال بعضهم. وقد بسطت المسأَلة فى النحو. اللهم ببركة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وببركة السورة أخزالنصارى وأهِنهم واكسر شوكتهم، وغلِّب المسلمين والموحدين عليهم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الالوسي

تفسير : {قُلْ } لأولئك الكفرة المتمردين {كُلٌّ } أي كل واحد منا ومنكم {مُّتَرَبّصٌ } أي منتظر لما يؤل إليه أمرنا وأمركم وهو خبر {كُلٌّ } وإفراده حملاً له على لفظه {فَتَرَبَّصُواْ } وقرىء {فَتَمَتَّعُواْ } {فَسَتَعْلَمُونَ } عن قريب {مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصّرَاطِ ٱلسَّوِيّ } أي المستقيم. وقرأ أبو مجلز وعمران بن حدير {السواء} أي الوسط، والمراد به الجيد. وقرأ الجحدري وابن يعمر {السوأى} بالضم والقصر على وزن فعلى وهو تأنيث الأسوأ وأنث لتأنيث الصراط وهو مما يذكر ويؤنث. وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {ٱلسوء} بفتح وسكون وهمزة آخره بمعنى الشر. وقرىء {ٱلسوي } بضم السين وفتح الواو وتشديد الياء وهو تصغير سوء بالفتح، وقيل: تصغير سوء بالضم، وقال أبو حيان: الأجود أن يكون تصغير سواء كما قالوا في عطا عطى لأنه لو كان تصغير ذلك لثبتت همزته، وقيل: سوئى. وتعقب بأن إبدال مثل هذه الهمزة ياء جائز، وعن الجحدري وابن يعمر أنهما قرآ {ٱلسوي } بالضم والقصر وتشديد الواو، واختير في تخريجه أن يكون أصله السوآى كما في الرواية الأولى فخففت الهمزة بإبدالها واواً وأدغمت الواو في الواو، وقد روعيت المقابلة على أكثر هذه القراءات بين ما تقدم وقوله تعالى: {وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ } أي من الضلالة ولم تراع على قراءة الجمهور والأولى من الشواذ. ومن في الموضعين استفهامية في محل رفع على الابتداء والخبر ما بعد والعطف من عطف الجمل ومجموع الجملتين المتعاطفتين ساد مسد مفعولي العلم أو مفعوله إن كان بمعنى المعرفة، وجوز كون من الثانية موصولة فتكون معطوفة على محل الجملة الأولى الاستفهامية المعلق عنها الفعل على أن العلم بمعنى المعرفة المتعدية لواحد إذ لولاه لكان الموصول بواسطة العطف أحد المفعولين وكان المفعول الآخر محذوفاً اقتصاراً وهو غير جائز. وجوز أن تكون معطوفة على {أَصْحَـٰبُ } فتكون في حيز من الاستفهامية أي ومن الذي اهتدى أو على {ٱلصّرٰطِ } فتكون في حيز أصحاب الذي اهتدى يعني النبـي صلى الله عليه وسلم، وإذا عنى بالصراط السوي النبـي عليه الصلاة والسلام أيضاً كان العطف من باب عطف الصفات على الصفات مع اتحاد الذات. وأجاز الفراء أن تكون من الأولى موصولة أيضاً بمعنى الذين وهي في محل النصب على أنها مفعول للعلم بمعنى المعرفة و {أَصْحَـٰبُ } خبر مبتدأ محذوف وهو العائد أي الذين هم أصحاب الصراط وهذا جائز على مذهب الكوفيين فإنهم يجوزون حذف مثل هذا العائد سواء كان في الصلة طول أو لم يكن وسواء كان الموصول أياً أو غيره بخلاف البصريين، وما أشد مناسبة هذه الخاتمة للفاتحة، وقد ذكر الطيبـي أنها خاتمة شريفة ناظرة إلى الفاتحة وأنه إذا لاح أن القرآن أنزل لتحمل تعب الإبلاغ ولا تنهك نفسك فحيث بلغت وبلغت جهدك فلا عليك وعليك بالإقبال على طاعتك قدر طاقتك وأمر أهلك وهم أمتك المتبعون بذلك ودع الذين لا ينجع فيهم الإنذار فإنه تذكرة لمن يخشى وسيندم المخالف حين لا ينفعه الندم انتهى. ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ } تفسير : [طه: 67] قيل: إنه عليه السلام رأى أن الله تعالى ألبس سحر السحرة لباس القهر فخاف من القهر لأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. / وسئل ابن عطاء عن ذلك فقال: ما خاف عليه السلام على نفسه وإنما خاف على قومه أن يفوتهم حظهم من الله تعالى: {أية : قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [طه: 68] أي إنك المحفوظ بعيون الرعاية وحرس اللطف أو أنت الرفيع القدر الغالب عليه غلبة تامة بحيث يكونون بسببها من أتباعك فلا يفوتهم حظهم من الله تعالى {أية : فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً } تفسير : [طه: 70] إلى آخر ما كان منهم فيه إشارة إلى أن الله تعالى يمن على من يشاء بالتوفيق والوصول إليه سبحانه في أقصر وقت فلا يستبعد حصول الكمال لمن تاب وسلك على يد كامل مكمل في مدة يسيرة. وكثير من الجهلة ينكرون على السالكين التائبين إذا كانوا قريبـي العهد بمقارفة الذنوب ومفارقة العيوب حصول الكمال لهم وفيضان الخير عليهم ويقولون كيف يحصل لهم ذلك وقد كانوا بالأمس كيت وكيت، وقولهم: {أية : لَن نُّؤْثِرَكَ } تفسير : [طه: 72] الخ كلام صادر من عظم الهمة الحاصل للنفس بقوة اليقين فإنه متى حصل ذلك للنفس لم تبال بالسعادة الدنيوية والشقاوة البدنية واللذات العاجلة الفانية والآلام الحسية في جنب السعادة الأخروية واللذة الباقية الروحانية {أية : وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى }تفسير : [طه: 77] الخ فيه إشارة إلى استحباب مفارقة الأغيار وترك صحبة الأشرار {أية : وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ } تفسير : [طه: 81] عد من الطغيان فيه استعماله مع الغفلة عن الله تعالى وعدم نية التقوي به على تقواه عز وجل {أية : وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 83] الإشارة فيه أنه ينبغي للرئيس رعاية الأصلح في حق المرؤوس وللشيخ عدم فعل ما يخشى منه سوء ظن المريد لا سيما إذا لم يكن له رسوخ أصلاً {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ}. قال ابن عطاء: إن الله تعالى قال لموسى عليه السلام بعد أن أخبره بذلك: أتدري من أين أتيت؟ قال: لا يا رب قال سبحانه: من قولك لهارون: {أية : ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} تفسير : [الأعراف: 142] وعدم تفويض الأمر إلي والاعتماد في الخلافة علي. وذكر بعضهم أن سر إخبار الله تعالى إياه بما ذكر مباسطته عليه السلام وشغله بصحبته عن صحبة الأضداد وهو كما ترى. {أية : وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ } تفسير : [طه: 85] صار سبب ضلالهم بما صنع قال بعض أهل التأويل: إنما ابتلاهم الله تعالى بما ابتلاهم ليتميز منهم المستعد القابل للكمال بالتجريد من القاصر الاستعداد المنغمس في المواد الذي لا يدرك إلا المحسوس ولا يتنبه للمجرد المعقول. ولهذا قالوا: {أية : مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } تفسير : [طه: 87] أي برأينا فإنهم عبيد بالطبع لا رأي لهم ولا ملكة وليسوا مختارين لا طريق لهم إلا التقليد والعمل لا التحقيق والعلم وإنما استعبدهم السامري بالطلسم المفرغ من الحلي لرسوخ محبة الذهب في نفوسهم لأنها سفلية منجذبة إلى الطبيعة الجسمانية وتزين الطبيعة الذهبية وتحلى تلك الصورة النوعية فيها للتناسب الطبيعي وكان ذلك من باب مزج القوى السماوية التي هي أثر النفس الحيوانية الكلية السماوية المشار إليها بحيزوم وفرس الحياة وهي مركب جبريل عليه السلام المشار به إلى العقل الفعال بالقوى الأرضية ولذلك قال: {أية : بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ } تفسير : [طه: 96] أي من العلم الطبيعي والرياضي اللذين يبتني عليهما علم الطلسمات والسيمياء {أية : قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَٰوةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ } تفسير : [طه: 97] قال ذلك عليه السلام غضباً على السامري وطرداً له وكل من غضب عليه الأنبياء وكذا الأولياء لكونهم مظاهر صفات الحق تعالى وقع في قهره عز وجل وشقي في الدنيا والآخرة وكانت صورة عذاب هذا الطريد في التحرز عن المماسة نتيجة بعده عن الحق في الدعوة إلى الباطل وأثر لعن موسى عليه السلام إياه عند إبطال كيده وإزالة مكره{أية : وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً } تفسير : [طه: 105] قال أهل الوحدة: أي يسألونك عن وجودات الأشياء فقل ينسفها ربـي برياح النفحات الإلٰهية الناشئة من معدن الأحدية {فَيَذَرُهَا} في القيامة الكبرى {أية : قاعاً صفصفاً} تفسير : [طه: 106] وجوداً أحدياً {أية : لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً } تفسير : [طه: 107] اثنينية ولا غيرية {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ } / الذي هو الحق سبحانه {لاَ عِوَجَ لَهُ} إذ هو تعالى آخذ بنواصيهم وهو على صراط مستقيم {وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ } إذ لا فعل لغيره عز وجل {أية : فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً } تفسير : [طه: 108] أمراً خفياً باعتبار الإضافة إلى المظاهر انتهى. ولكم لهم مثل هذه التأويلات والله تعالى العاصم {أية : يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً } تفسير : [طه: 109] قيل: هو من صحح فعله وعقده ولم ينسب لنفسه شيئاً ولا رأى لها عملاً {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } تفسير : [طه: 110] لكمال تقدسه وتنزهه وجلاله سبحانه عز وجل فهيهات أن تحلق بعوضة الفكر في جو سماء الجبروت. ومن أين لنحلة النفس الناطقة أن ترعى أزهار رياض بيداء اللاهوت، نعم يتفاوت الخلق في العلم بصفاته عز وجل على قدر تفاوت استعداداتهم وهو العلم المشار إليه بقوله تعالى: {أية : وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً } تفسير : [طه: 114] وقيل: هذا إشارة إلى العلم اللدني، والإشارة في قصة آدم عليه السلام إلى أنه ينبغي للإنسان مزيد التحفظ عن الوقوع في العصيان، ولله تعالى در من قال:شعر : يا ناظراً يرنو بعيني راقد ومشاهداً للأمر غير مشاهد منيت نفسك ضلة وأبحتها طرق الرجاء وهن غير قواصد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي درج الجنان بها وفوز العابد ونسيت أن الله أخرج آدماً منها إلى الدنيا بذنب واحد تفسير : وروى الضحاك عن ابن عباس قال: بينا آدم عليه السلام يبكي جاءه جبريل عليه السلام فبكى آدم وبكى جبريل لبكائه عليهما السلام وقال: يا آدم ما هذا البكاء؟ قال: يا جبريل وكيف لا أبكي وقد حولني ربـي من السماء إلى الأرض ومن دار النعمة إلى دار البؤس فانطلق جبريل عليه السلام بمقالة آدم فقال الله تعالى: يا جبريل انطلق إليه فقل له: يا آدم يقول لك ربك ألم أخلقك بيدي ألم أنفخ فيك من روحي ألم أسجد لك ملائكتي ألم أسكنك جنتي ألم آمرك فعصيتني فوعزتي وجلالي لو أن ملء الأرض رجالاً مثلك ثم عصوني لأنزلتهم منازل العاصين غير أنه يا آدم قد سبقت رحمتي غضبـي وقد سمعت تضرعك ورحمت بكاءك وأقلت عثرتك. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى } أي بالتوجه إلى العالم السفلي {أية : فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } تفسير : [طه: 124] لغلبة شحه وشدة بخله فإن المعرض عن جناب الحق سبحانه انجذبت نفسه إلى الزخارف الدنيوية والمقتنيات المادية لمناسبتها إياه واشتد حرصه وكلبه عليها وشغفه بها للجنسية والاشتراك في الظلمة والميل إلى الجهة السفلية فيشح بها عن نفسه وغيره وكلما استكثر منها ازداد حرصه عليها وشحه بها وتلك المعيشة الضنك. ولهذا قال بعضهم: لا يعرض أحد عن ذكر ربه سبحانه إلا أظلم عليه وقته وتشوش عليه رزقه بخلاف الذاكر المتوجه إليه تعالى فإنه ذو يقين منه عز وجل وتوكل عليه تعالى في سعة من عيشه ورغد ينفق ما يجد ويستغني بربه سبحانه عما يفقد {أية : وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [طه: 132] أي العاقبة التي تعتبر وتستأهل أن تسمى عاقبة لأهل التقوى المتخلين عن الرذائل النفسانية المتحلين بالفضائل الروحانية، نسأل الله تعالى أن يمن علينا بحسن العاقبة وصفاء العمر عن المشاغبة ونحمده سبحانه على آلائه ونصلي ونسلم على خير أنبيائه وعلى آله خير آل ما طلع نجم ولمع آل.

ابن عاشور

تفسير : جواب عن قولهم {أية : لولا يأتينا بآية من ربه}تفسير : [طه: 133] وما بينهما اعتراض. والمعنى: كل فريق متربص فأنتم تتربصون بالإيمان، أي تؤخرون الإيمان إلى أن تأتيكم آية من ربّي، ونحن نتربص أن يأتيكم عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، وتفرع عليه جملة {فتربصوا}. ومادة الفعل المأمور به مستعملة في الدوام بالقرينة، نحو {أية : يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله}تفسير : [النساء: 136]، أي فداوموا على تربصكم. وصيغة الأمر فيه مستعملة في الإنذار، ويسمى المتاركة، أي نترككم وتربصَكم لأنا مؤمنون بسوء مصيركم. وفي معناه قوله تعالى: {أية : فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون}تفسير : [السجدة: 30]. وفي ما يقرب من هذا جاء قوله {أية : قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون}تفسير : [التوبة: 52]. وتنوين (كلّ) تنوين عوض عن المضاف إليه المفهوم من المقام، كقول الفضل بن عبّاس اللّهَبي:شعر : كلّ له نِية في بُغض صاحبه بنعمة الله نقليكم وتقلونا تفسير : والتربص: الانتظار. تفعّل من الربْص، وهو انتظار حصول حدث من خير أو شرّ، وقد تقدّم في سورة براءة. وفرع على المتاركة إعلامهم بأنهم يعلمون في المستقبل مَن مِن الفريقين أصحاب الصراط المستقيم ومن هم المهتدون. وهذا تعريض بأن المؤمنين هم أصحاب الصراط المستقيم المهتدون، لأنّ مثل هذا الكلام لا يقوله في مقام المحاجّة والمتاركة إلا الموقن بأنه المحق. وفِعل (تعلمون) معلق عن العمل لوجود الاستفهام. والصراط: الطريق. وهو مستعار هنا للدّين والاعتقاد، كقوله {أية : اهدنا الصراط المستقيم}تفسير : [الفاتحة: 6]. والسوي: فعيل بمعنى مفعول، أي الصراط المسَوّى، وهو مشتق من التسوية. والمعنى: يحتمل أنهم يعلمون ذلك في الدنيا عند انتشار الإسلام وانتصار المسلمين، فيكون الذين يعلمون ذلك مَن يبقى من الكفار المخاطبين حين نزول الآية سواء ممن لم يسلموا مثل أبي جهل، وصناديد المشركين الذين شاهدوا نصر الدين يوم بَدر، أو من أسلموا مثل أبي سفيان، وخالد بن الوليد. ومن شاهدوا عزّة الإسلام. ويحتمل أنهم يعلمون ذلك في الآخرة عِلم اليقين. وقد جاءت خاتمة هذه السورة كأبلغ خواتم الكلام لإيذانها بانتهاء المحاجَة وانطواء بساط المقارعة. ومن محاسنها: أن فيها شبيه رد العجز على الصدر لأنّها تنظر إلى فاتحة السورة. وهي قوله {أية : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى}تفسير : [طه: 2]، لأن الخاتمة تدل على أنه قد بلّغ كل ما بعث به من الإرشاد والاستدلال، فإذا لم يهتدوا به فكفاه انثلاجَ صدره أنه أدى الرسالة والتذكرة فلم يكونوا من أهل الخشية فتركهم وضلالهم حتى يتبين لهم أنه الحق.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ}. أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن يقول للكفار الذين يقترحون عليه الآيات عناداً وتعنُّتاً: كل منا ومنكم متربِّص، أي منتظر ما يحل بالآخر من الدوائر كالموت والغلبة. وقد أوضح في غير هذا الموضع أن ما ينتظره النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمسلمون كله خير، بعكس ما ينتظره ويتربص الكفار. كقوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} تفسير : [التوبة: 52]، وقوله: {أية : وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} تفسير : [التوبة: 98] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والتربص: الانتظار. قوله تعالى: {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار سيعلمون في ثاني حال مَن أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى. أي وفق لطريق الصواب والديمومة على ذلك. وأمر نبيه أن يقول ذلك للكفار. والمعنى: سيتضِح لكم أنا مُهتدون، وأنا على صراط مستقيم، وأنكم على ضلال وباطل. وهذا يظهر لهم يوم القيامة إذا عاينوا الحقيقة، ويظهر لهم في الدنيا لِما يرونه من نصر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم. وهذا المعنى الذي ذكره هنا بينه في غير هذا الموضع. كقوله: {أية : وََسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} تفسير : [الفرقان: 42]، وقوله: {أية : سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ} تفسير : [القمر: 26]، وقوله: {أية : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين} تفسير : [ص: 88] إلى غير ذلك من الآيات والصراط في لغة العرب: الطريق الواضح. والسوي: المستقيم، وهو الذي لا اعوجاج فيه. ومنه قول جرير: شعر : أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم تفسير : و"مَن" في قوله {مَنْ أَصْحَابُ} قال بعض العلماء: هي موصولة مفعول به لـ "تعلمون". وقال بعضهم: هي استفهامية معلقة لفعل العلم، كما قدمنا إيضاحه في "مريم" والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَصْحَابُ} {ٱلصِّرَاطِ} (135) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمَنْ كَذَّبَكَ وَخَالَفَكَ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَعِنَادِهِ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا وَمِنْكُمْ مُنْتَظِرٌ مُتَرَبِّصٌ لِلْمَصِيرِ وَالعَاقِبَةِ، وَإِنَّ عَاقِبَةَ المُكَذِّبِينَ مَعْرُوفَةٌ، وَمَصِيرَهُمْ أَسْوَأُ مَصِيرٍ، وَإِنِ اعْتَقَدُوا هُمْ أَنَّ مَصِيرَهُمْ سَيَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ. وَفِي يَوْمِ الحِسَابِ يَعْلَمُ المُكَذِّبُونَ مَنْ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى طَرِيقِ الهُدَى المُوصِلِ إِلَى اللهِ، وَمَنْ هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوا إِلى الحَقِّ وَسُبُلِ الرَّشَادِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : التربُّص: التحفُّز لوقوع شيء بالغير، تقول: فلان يتربص بي يعني: يلاحظني ويتابعني، ينتظر مني هَفْوة أو خطأ، فقوله: {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ ..} [طه: 135] فكُلٌّ مِنَّا يتربص بالآخر، لأننا أعداء، كل منا ينتظر من الآخر هفوة ويترقب ماذا يحدث له. وقد أوضح سبحانه وتعالى توجيهات التربُّص منه ومنهم في آية أخرى: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ..}تفسير : [التوبة: 52]. ماذا تنتظرون إلا إحدى الحُسْنيين: إما أن نموت في قتالكم شهداء، أو ننتصر عليكم ونُذِلكم، فأيُّ تربُّص يحدث شرف لنا، إما النصر أو الشهادة، فكلاهما حُسنْى، ونحن نتربّص بكم أنْ يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، فكلاهما سوءة. وما دام الأمر كذلك فتربَّصُوا بنا كما تحبون، ونحن نتربص بكم كما نريد؛ لأن تربصنا بكم يفرحنا، وتربصكم بنا يُؤلمكم ويُحزِنكم. ومعنى {قُلْ ..} [طه: 135] هنا أن القول {كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ ..} [طه: 135] ليست من عند محمد، فليس في يده زمام الكون ولا يعلم الغيب، فهو قَوْل الله الذي قال له (قل) يا محمد {كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ ..} [طه: 135]. إذن: قيلتْ مِمَّن يملك أَزمّة الأمور وأعنّتها، ولا يخرج شيء عن مراده تعالى، وربما لو قُلْت لكم من عندي تقولون: كلام بشر لا يملك من الأمور شيئاً. إذن: خذوها لا بمقياس كلام البشر، إنما بمقياس مَنْ يملك زمام أقْضية البشر كلها. ثم يقول تعالى: {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} [طه: 135] متى سيحدث هذا؟ ساعةَ تقوم الساعة حيث الانصراف، إما إلى جنة، وإما إلى نار، ساعتها ستعلمون مَنْ أصحاب الصراط السوي: نحن أمْ أنتم؟ لكنه سيكون عِلْماً لا ينفع ولا يُجدي، فقد جاء بعد فوات الأوان، جاء وقت الحساب لا وقت العمل وتلافي الأخطاء. إنه عِلْم لا يترتب عليه عمل ينجيكم، فقد انتهى وقت العمل، وهكذا يكون عِلْماً يُزيد حسرتهم، ويُؤذيهم ولا ينفعهم. والصراط: الطريق المستقيم. والسَّويّ: المستقيم الذي لا عِوَجَ فيه ولا أَمْت. وقال بعدها {وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} [طه: 135] لأنه قد يوجد الصراط السويّ، ولا يوجد مَنْ يسلكه، فالمراد: الصراط السَّوي ومَن اهتدى إليه وسلَكه. وقد يظن ظانٌّ أن مسألة التربُّص هذه قد تطول، فيقطع الحق سبحانه هذا الظن بقوله في سورة الأنبياء الآتية بَعدْ: {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ..}تفسير : [الأنبياء: 1]. وهكذا تنسجم السُّورتان، ويتصل المعنى بين الآيات.