Verse. 2484 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُہُمْ وَہُمْ فِيْ غَفْلَۃٍ مُّعْرِضُوْنَ۝۱ۚ
Iqtaraba lilnnasi hisabuhum wahum fee ghaflatin muAAridoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«اقترب» قرب «للناس» أهل مكة منكري البعث «حسابهم» يوم القيامة «وهم في غفلة» عنه «معرضون» عن التأهب له بالإيمان.

1

جزء

١٧

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله تعالى: {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ } فيه مسائل: المسألة الأولى: القرب لا يعقل إلا في المكان والزمان، والقرب المكاني ههنا ممتنع فتعين القرب الزماني، والمعنى اقترب للناس وقت حسابهم. المسألة الثانية: لقائل أن يقول كيف وصف بالاقتراب، وقد عبر بعد هذا القول قريب من ستمائة عام والجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مقترب عند الله تعالى والدليل عليه قوله تعالى: { أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } تفسير : [الحج: 47]. وثانيها: أن كل آت قريب وإن طالت أوقات ترقبه، وإنما البعيد هو الذي انقرض قال الشاعر: شعر : فلا زال ما تهواه أقرب من غد ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس تفسير : وثالثها: أن المعاملة إذا كانت مؤجلة إلى سنة ثم انقضى منها شهر، فإنه لا يقال اقترب الأجل أما إذا كان الماضي أكثر من الباقي فإنه يقال: اقترب الأجل، فعلى هذا الوجه قال العلماء: إن فيه دلالة على قرب القيامة، ولهذا الوجه قال عليه السلام: « حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين » تفسير : وهذا الوجه قيل إنه عليه السلام ختم به النبوة، كل ذلك لأجل أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي. المسألة الثالثة: إنما ذكر تعالى هذا الاقتراب لما فيه من المصلحة للمكلفين فيكون أقرب إلى تلافي الذنوب والتحرر عنها خوفاً من ذلك، والله أعلم. المسألة الرابعة: إنما لم يعين الوقت لأجل أن كتمانه أصلح، كما أن كتمان وقت الموت أصلح. المسألة الخامسة: الفائدة في تسمية يوم القيامة بيوم الحساب أن الحساب هو الكاشف عن حال المرء فالخوف من ذكره أعظم. المسألة السادسة: يجب أن يكون المراد بالناس من له مدخل في الحساب وهم المكلفون دون من لا مدخل له، ثم قال ابن عباس: المراد بالناس المشركون. وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين أما قوله تعالى: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } فاعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين الغفلة والإعراض. أما الغفلة فالمعنى أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء المحسن والمسىء ثم إذا انتبهوا من سنة الغفلة ورقدة الجهالة مما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا وسدوا أسماعهم. أما قوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن أبي عبلة محدث بالرفع صفة للمحل. المسألة الثانية: إنما ذكر الله تعالى ذلك بياناً لكونهم معرضين، وذلك لأن الله تعالى يجدد لهم الذكر وقتاً فوقتاً ويظهر لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون، فما يزيدهم ذلك إلا لعباً واستسخاراً. المسألة الثالثة: المعتزلة احتجوا على حدوث القرآن بهذه الآية فقالوا: القرآن ذكر والذكر محدث فالقرآن محدث، بيان أن القرآن ذكر قوله تعالى في صفة القرآن: { أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [ص: 87] وقوله: { أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44] وقوله: { أية : ص وَٱلْقُرْءانِ ذِي ٱلذّكْرِ } تفسير : [ص: 1] وقوله: { أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } تفسير : [الحجر: 9] وقوله: { أية : إن هو إلا ذكر وقرآن مبين } تفسير : [يس: 69] وقوله: { أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَـٰهُ } تفسير : [الأنبياء: 5] وبيان أن الذكر محدث قوله في هذا الموضع: {مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ } وقوله في سورة الشعراء: { أية : مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ } تفسير : [الشعراء: 5] ثم قالوا: فصار مجموع هاتين المقدمتين المنصوصتين كالنص في أن القرآن محدث والجواب من وجهين: الأول: أن قوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ } وقوله: {وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ } إشارة إلى المركب من الحروف والأصوات فإذا ضممنا إليه قوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ } لزم حدوث المركب من الحروف والأصوات وذلك مما لا نزاع فيه بل حدوثه معلوم بالضرورة، وإنما النزاع في قدم كلام الله تعالى بمعنى آخر. الثاني: أن قوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ } لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً بل على ذكر ما محدث كما أن قول القائل لا يدخل هذه البلدة رجل فاضل إلا يبغضونه، فإنه لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً بل على أن في الرجال من هو فاضل وإذا كان كذلك فالآية لا تدل إلا على أن بعض الذكر محدث فيصير نظم الكلام هكذا القرآن ذكر وبعض الذكر محدث وهذا لا ينتج شيئاً كما أن قول القائل: الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس لا ينتج شيئاً فظهر أن الذي ظنوه قاطعاً لا يفيد ظناً ضعيفاً فضلاً عن القطع. أما قوله: {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن ذلك ذم للكفار وزجر لغيرهم عن مثله لأن الإنتفاع بما يسمع لا يكون إلا بما يرجع إلى القلب من تدبر وتفكر، وإذا كانوا عند استماعه لاعبين حصلوا على مجرد الاستماع الذي قد تشارك البهيمة فيه الإنسان ثم أكد تعالى ذمهم بقوله: {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ } واللاهية من لهى عنه إذا ذهل وغفل، وإنما ذكر اللعب مقدماً على اللهو كما في قوله تعالى: { أية : إِنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } تفسير : [محمد: 36] تنبيهاً على أن اشتغالهم باللعب الذي معناه السخرية والإستهزاء معلل باللهو الذي معناه الذهول والغفلة، فإنهم أقدموا على اللعب للهوهم وذهولهم عن الحق، والله أعلم بالصواب. المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: {وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ } حالان مترادفان أو متداخلان ومن قرأ لاهية بالرفع فالحال واحدة لأن لاهية قلوبهم خبر بعد خبر لقوله: {وَهُمْ }. أما قوله: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } ففيه سؤالان: السؤال الأول: النجوى وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية فما معنى قوله: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ }. الجواب: معناه بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم. السؤال الثاني: لم قال: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ }. الجواب: أبدل الذين ظلموا من أسروا إشعاراً بأنهم هم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به أو جاء على لغة من قال: أكلوني البراغيث أو هو منصوب المحل على الذم أو هو مبتدأ خبره: {أَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ } قدم عليه والمعنى وهؤلاء أسروا النجوى فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم. أما قوله: {هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب "الكشاف" هذا الكلام كله في محل النصب بدلاً من النجوى أي وأسروا هذا الحديث ويحتمل أن يكون التقدير وأسروا النجوى وقالوا هذا الكلام. المسألة الثانية: إنما أسروا هذا الحديث لوجهين: أحدهما: أنه كان ذلك شبهة التشاور فيما بينهم والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره، وعادة المتشاورين أن يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم. الثاني: يجوز أن يسروا نجواهم بذلك ثم يقولوا لرسول الله والمؤمنين إن كان ما تدعونه حقاً فأخبرونا بما أسررناه. المسألة الثالثة: أنهم طعنوا في نبوته بأمرين: أحدهما: أنه بشر مثلهم. والثاني: أن الذي أتى به سحر، وكلا الطعنين فاسد. أما الأول: فلأن النبوة تقف صحتها على المعجزات والدلائل لا على الصور إذ لو بعث الملك إليهم لما علم كونه نبياً لصورته، وإنما كان يعلم بالعلم فإذا ظهر ذلك على من هو بشر فيجب أن يكون نبياً، بل الأولى أن يكون المبعوث إلى البشر بشراً لأن المرء إلى القبول من أشكاله أقرب وهو به آنس. وأما الثاني: وهو أن ما أتى به الرسول عليه السلام سحر وأنهم يرون كونه سحراً فجهل أيضاً، لأن كل ما أتى به الرسول من القرآن وغيره ظاهر الحال لا تمويه فيه ولا تلبيس فيه. فقد كان عليه السلام يتحداهم بالقرآن حالاً بعد حال مدة من الزمان وهم أرباب الفصاحة والبلاغة، وكانوا في نهاية الحرص على إبطال أمره وأقوى الأمور في إبطال أمره معارضة القرآن فلو قدروا على المعارضة لامتنع أن لا يأتوا بها لأن الفعل عند توافر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع، فلما لم يأتوا بها دلنا ذلك على أنه في نفسه معجزة وأنهم عرفوا حاله. فكيف يجوز أن يقال: إنه سحر والحال على ما ذكرناه، وكل ذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بصدقه، إلا أنهم كانوا يموهون على ضعفائهم بمثل هذا القول وإن كانوا فيه مكابرين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} قال عبد الله بن مسعود: الكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول، وهنّ من تلادي؛ يريد من قديم ما كسب وحفظ من القرآن كالمال التّلاد. وروي أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبني جداراً، فمرّ به آخر في يوم نزول هذه السورة، فقال الذي كان يبني الجدار: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخر: نزل {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } فنفض يده من البنيان، وقال: والله لا بنيت أبداً وقد اقترب الحساب. «اقترب» أي قرب الوقت الذي يحاسبون فيه على أعمالهم. «للناس» قال ابن عباس: المراد بالناس هاهنا المشركون بدليل قوله تعالى: {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} إلى قوله: {أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ}. وقيل: الناس عموم وإن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش؛ يدل على ذلك ما بعد من الآيات؛ ومن عَلِم اقتراب الساعة قصر أمله، وطابت نفسه بالتوبة، ولم يركن إلى الدنيا، فكأنّ ما كان لم يكن إذا ذهب، وكل آتٍ قريب، والموت لا محالة آتٍ؛ وموت كل إنسان قيام ساعته؛ والقيامة أيضاً قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى. وقال الضحاك: معنى {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} أي عذابهم يعني أهل مكة؛ لأنهم استبطأوا ما وُعِدوا به من العذاب تكذيباً، وكان قتلهم يوم بَدْر. النحاس: ولا يجوز في الكلام اقترب حسابهم للناس؛ لئلا يتقدّم مضمر على مظهر لا يجوز أن ينوي به التأخير. {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} ابتداء خبر. ويجوز النصب في غير القرآن على الحال. وفيه وجهان: أحدهما: «وهم فِي غفلةٍ معرِضون» يعني بالدنيا عن الآخرة. الثاني: عن التأهب للحساب وعما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وهذه الواو عند سيبويه بمعنى «إذ» وهي التي يسميها النحويون واو الحال؛ كما قال الله تبارك وتعالى: {أية : يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} تفسير : [آل عمران: 154]. قوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ} «مُحْدَثٍ» نعت لـ«ـذكر». وأجاز الكسائي والفراء «مُحْدَثاً» بمعنى ما يأتيهم محدثاً؛ نصب على الحال. وأجاز الفراء أيضاً رفع «مُحْدَث» على النعت للذِّكر؛ لأنك لو حذفت «مِن» رفعت ذكراً؛ أي ما يأتيهم ذكر من ربهم مُحدَث؛ يريد في النزول وتلاوة جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان ينزل سورة بعد سورة، وآية بعد آية، كما كان ينزله الله تعالى عليه في وقت بعد وقت؛ لا أن القرآن مخلوق. وقيل: الذكر ما يذكرهم به النبي صلى الله عليه وسلم ويعظهم به. وقال: {مِّن رَّبِّهِمْ} لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق إلا بالوحي، فوعظ النبي صلى الله عليه وسلم وتحذيره ذكر، وهو محدث؛ قال الله تعالى: {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ} تفسير : [الغاشية: 21]. ويقال: فلان في مجلس الذكر. وقيل: الذكر الرسول نفسه؛ قاله الحسين بن الفضل بدليل ما في سياق الآية {أية : هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} تفسير : [الأنبياء: 3] ولو أراد بالذكر القرآن لقال: هل هذا إلا أساطير الأوّلين؛ ودليل هذا التأويل قوله تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [القلم: 51 ـ 52] يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. وقال: {أية : قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَّسُولاً} تفسير : [الطلاق: 10 ـ 11]. {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، أو القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم أو من أمته. {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} الواو واو الحال يدل عليه {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} ومعنى «يَلْعَبُونَ» أي يلهون. وقيل: يشتغلون؛ فإن حُمِل تأويله على اللهو احتمل ما يلهون به وجهين: أحدهما: بلذاتهم. الثاني: بسماع ما يتلى عليهم. وإن حمل تأويله على الشغل احتمل ما يتشاغلون به وجهين: أحدهما: بالدنيا لأنها لعب؛ كما قال الله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} تفسير : [محمد: 36]. الثاني: يتشاغلون بالقَدْح فيه، والاعتراض عليه. قال الحسن: كلما جدّد لهم الذكر استمروا على الجهل. وقيل: يستمعون القرآن مستهزئين. قوله تعالى: {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} أي ساهيةً قلوبهم، معرضةً عن ذكر الله، متشاغلةً عن التأمل والتفهم؛ من قول العرب: لَهَيْتُ عن ذكر الشيء إذا تركتَه وسلوتَ عنه أَلْهَى لهِيًّا ولِهْيَاناً. و«لاهيةً» نعت تقدّم الاسم، ومن حق النعت أن يتبع المنعوت في جميع الإعراب، فإذا تقدّم النعت الاسم انتصب كقوله: {أية : خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} تفسير : [القلم: 43] و{أية : وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا} تفسير : [الإنسان: 14] و{لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} قال الشاعر:شعر : لِعَزَّةَ مُوحِشاً طَلَلُ يَلُوحُ كَأنَّه خَلَلُ تفسير : أراد: طلل موحش. وأجاز الكسائي والفراء «لاَهِيَةٌ قُلُوبُهُمْ» بالرفع بمعنى قلوبهم لاهية. وأجاز غيرهما الرفع على أن يكون خبراً بعد خبر وعلى إضمار مبتدأ. وقال الكسائي: ويجوز أن يكون المعنى؛ إلا استمعوه لاهية قلوبهم. {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي تناجوا فيما بينهم بالتكذيب، ثم بين من هم فقال: {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي الذين أشركوا؛ فـ«ـالذين ظلموا» بدل من الواو في «أسروا» وهو عائد على الناس المتقدّم ذكرهم؛ ولا يوقف على هذا القول على «النجوى». قال المبرّد وهو كقولك: إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله فبنو بدل من الواو في انطلقوا. وقيل: هو رفع على الذم، أي هم الذين ظلموا. وقيل: على حذف القول؛ التقدير: يقول الذين ظلموا وحذف القول؛ مثل {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم} تفسير : [الرعد: 23 ـ 24]. واختار هذ القول النحاس؛ قال: والدليل على صحة هذا الجواب أن بعده {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}. وقول رابع: يكون منصوباً بمعنى أعني الذين ظلموا. وأجاز الفراء أن يكون خفضاً بمعنى اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم؛ ولا يوقف على هذا الوجه على «النجوى» ويوقف على الوجوه الثلاثة المتقدّمة قبله؛ فهذه خمسة أقوال. وأجاز الأخفش الرفع على لغة من قال: أكلوني البراغيث؛ وهو حسن؛ قال الله تعالى: {أية : ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [المائدة: 71]. وقال الشاعر:شعر : بك نال النِّضالُ دون المساعي فاهتديْنَ النِّبالُ للأغراض تفسير : وقال آخر:شعر : ولكِنْ دِيافِيٌّ أبوه وأمُّهُ بِحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقَارِبُهْ تفسير : وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير؛ مجازه: والذين ظلموا أسروا النجوى. أبو عبيدة: «أسروا» هنا من الأضداد؛ فيحتمل أن يكونوا أخفوا كلامهم، ويحتمل أن يكونوا أظهروه وأعلنوه. قوله تعالى: {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} أي تناجوا بينهم وقالوا: هل هذا الذكر الذي هو الرسول، أو هل هذا الذي يدعوكم إلا بشر مثلكم، لا يتميز عنكم بشيء، يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق كما تفعلون. وما علموا أن الله عز وجل بيّن أنه لا يجوز أن يرسل إليهم إلا بشراً ليتفهموا ويعلمهم. {أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ} أي إن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم سحر، فكيف تجيئون إليه وتتبعونه؟ فأطلع الله نبيه عليه السلام على ما تناجوا به. و«السحر» في اللغة كل مموّه لا حقيقة له ولا صحة. {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} قيل معناه «وأنتم تبصرون» أنه إنسان مثلكم مثل: «وأنتم تعقلون» لأن العقل البصر بالأشياء. وقيل: المعنى؛ أفتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر. وقيل: المعنى؛ أفتعدلون إلى الباطل وأنتم تعرفون الحق؛ ومعنى الكلام التوبيخ.

البيضاوي

تفسير : {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ } بالإِضافة إلى ما مضى أو ما عند الله لقوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً } تفسير : [المعارج: 6-7] وقوله {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ }تفسير : [الحج: 47] أو لأن كل ما هو آت قريب وإنما البعيد ما انقرض ومضى، واللام صلة لـ {ٱقْتَرَبَ } أو تأكيد للإِضافة وأصله اقترب حساب الناس ثم اقترب للناس الحساب ثم اقترب للناس حسابهم، وخص الناس بالكفار لتقييدهم بقوله: {وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ } أي في غفلة عن الحساب. {مُّعْرِضُونَ } عن التفكر فيه وهما خبران للضمير، ويجوز أن يكون الظرف حالاً من المستكن في {مُّعْرِضُونَ }.

ابن كثير

تفسير : هذا تنبيه من الله عز وجل على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس في غفلة عنها، أي: لا يعملون لها، ولا يستعدون من أجلها. وقال النسائي: حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم {فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} قال: «حديث : في الدنيا»تفسير : . وقال تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} تفسير : [النحل: 1] وقال: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ}تفسير : [القمر: 1 - 2] الآية، وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن هانىء أبي نواس الشاعر أنه قال: أشعر الناس الشيخ الطاهر أبو العتاهية حيث يقول:شعر : النَّاسُ في غَفَلاتِهِمْ وَرَحَى المَنِيَّةِ تَطْحَنُ تفسير : فقيل له: من أين أخذ هذا؟ قال: من قول الله تعالى: {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} وروى في ترجمة عامر بن ربيعة من طريق موسى بن عبيد الآمدي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عامر بن ربيعة: أنه نزل به رجل من العرب، فأكرم عامر مثواه، وكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه الرجل فقال: إني استقطعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وادياً في العرب، وقد أردت أن اقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا: {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ}. ثم أخبر تعالى أنهم لا يصغون إلى الوحي الذي أنزل الله على رسوله، والخطاب مع قريش ومن شابههم من الكفار، فقال: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ} أي: جديد إنزاله، {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} كما قال ابن عباس: ما لكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم، وقد حرفوه وبدلوه، وزادوا فيه ونقصوا منه، وكتابكم أحدث الكتب بالله، تقرؤونه محضاً لم يشب؟ رواه البخاري بنحوه. وقوله: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي: قائلين فيما بينهم خفية: {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم يستبعدون كونه نبياً؛ لأنه بشر مثلهم، فكيف اختص بالوحي دونهم، ولهذا قال: {أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} أي: أفتتبعونه فتكونون كمن يأتي السحر، وهو يعلم أنه سحر، فقال تعالى مجيباً لهم عما افتروه واختلقوه من الكذب: {قَالَ رَبِّى يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي الذي يعلم ذلك لا يخفى عليه خافية، وهو الذي أنزل هذا القرآن المشتمل على خبر الأولين والآخرين، الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، إلا الذي يعلم السر في السموات والأرض. وقوله: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي: السميع لأقوالكم، والعليم بأحوالكم، وفي هذا تهديد لهم ووعيد. وقوله: {بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَـٰثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ} هذا إخبار عن تعنت الكفار وإلحادهم واختلافهم فيما يصفون به القرآن، وحيرتهم فيه، وضلالهم عنه، فتارة يجعلونه سحراً، وتارة يجعلونه شعراً، وتارة يجعلونه أضغاث أحلام، وتارة يجعلونه مفترى، كما قال: {أية : ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 48] وقوله: {فَلْيَأْتِنَا بِـآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلاَْوَّلُونَ} يعنون: كناقة صالح، وآيات موسى وعيسى، وقد قال الله: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الإسراء: 59] الآية، ولهذا قال تعالى: {مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} أي: ما آتينا قرية، من القرى التي بعث فيهم الرسل، آية على يدي نبيها، فآمنوا بها، بل كذبوا، فأهلكناهم بذلك، أفهؤلاء يؤمنون بالآيات لو رأوها دون أولئك؟ كلا، بل {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } تفسير : [يونس: 96 ــــ 97] هذا كله وقد شاهدوا من الآيات الباهرات والحجج القاطعات والدلائل البينات على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو أظهر وأجلى، وأبهر وأقطع وأقهر مما شوهد مع غيره من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. قال ابن أبي حاتم رحمه الله: ذكر عن زيد بن الحباب: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي، حدثني من شهد عبادة بن الصامت يقول: كنا في المسجد، ومعنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يقرىء بعضُنا بعضاً القرآن، فجاء عبد الله بن أبي ابن سلول، ومعه نمرقة وزربية، فوضع واتكأ، وكان صبيحاً فصيحاً جدلاً، فقال: يا أبا بكر قل لمحمد يأتينا بآية كما جاء الأولون، جاء موسى بالألواح، وجاء داود بالزبور، وجاء صالح بالناقة، وجاء عيسى بالإنجيل وبالمائدة، فبكى أبو بكر رضي الله عنه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: قوموا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نستغيث به من هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إنه لا يقام لي، إنما يقام لله عز وجل» تفسير : فقلنا: يا رسول الله إنا لقينا من هذا المنافق، فقال: «حديث : إن جبريل قال لي: اخرج، فأخبر بنعم الله التي أنعم بها عليك، وفضيلته التي فضلت بها، فبشرني أني بعثت إلى الأحمر والأسود، وأمرني أن أنذر الجن، وآتاني كتابه وأنا أمي، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر، وذكر اسمي في الأذان، وأمدني بالملائكة، وآتاني النصر، وجعل الرعب أمامي، وآتاني الكوثر، وجعل حوضي من أكثر الحياض يوم القيامة وروداً، ووعدني المقام المحمود والناس مهطعون مقنعون رؤوسهم، وجعلني في أول زمرة تخرج من الناس، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفاً من أمتي الجنة بغير حساب، وآتاني السلطان والملك، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة في جنات النعيم، فليس فوقي أحد إلا الملائكة الذين يحملون العرش، وأحل لي ولأمتي الغنائم، ولم تحل لأحد كان قبلنا» تفسير : وهذا الحديث غريب جداً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱقْتَرَبَ } قَرُب {لِلنَّاسِ } أهل مكة منكري البعث {حِسَابُهُمْ } يوم القيامة {وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ } عنه {مُّعْرِضُونَ } عن التأهب له بالإِيمان.

الشوكاني

تفسير : يقال: قرب الشيء واقترب وقد اقترب الحساب، أي قرب الوقت الذي يحاسبون فيه. قال الزجاج: المعنى: {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ } وقت {حِسَابَهُمْ } أي القيامة كما في قوله: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ } تفسير : [القمر: 1]. واللام في {للناس} متعلقة بالفعل، وتقديمها هي ومجرورها على الفاعل لإدخال الروعة، ومعنى اقتراب وقت الحساب: دنّوه منهم، لأنه في كل ساعة أقرب إليهم من الساعة التي قبلها. وقيل: لأن كل ما هو آتٍ قريب، وموت كل إنسان قيام ساعته. والقيامة أيضاً قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى، والمراد بالناس: العموم. وقيل: المشركون مطلقاً. وقيل: كفار مكة، وعلى هذا الوجه قيل: المراد بالحساب: عذابهم يوم بدر، وجملة: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } في محل نصب على الحال، أي هم في غفلة بالدنيا معرضون عن الآخرة، غير متأهبين بما يجب عليهم من الإيمان بالله. والقيام بفرائضه، والانزجار عن مناهيه. {مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ }: "من" لابتداء الغاية. وقد استدلّ بوصف الذكر لكونه محدثاً على أن القرآن محدث، لأن الذكر هنا هو: القرآن. وأجيب بأنه: لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف، لأنه متجدد في النزول. فالمعنى محدث تنزيله، وإنما النزاع في الكلام النفسي. وهذه المسألة أعني قدم القرآن وحدوثه، قد ابتلي بها كثير من أهل العلم والفضل في الدولة المأمونية والمعتصمية والواثقية، وجرى للإمام أحمد بن حنبل ما جرى من الضرب الشديد والحبس الطويل وضرب بسببها عنق محمد بن نصر الخزاعي، وصارت فتنة عظيمة في ذلك الوقت وما بعده. والقصة أشهر من أن تذكر، ومن أحبّ الوقوف على حقيقتها طالع ترجمة الإمام أحمد بن حنبل في كتاب النبلاء لمؤرخ الإسلام الذهبي. ولقد أصاب أئمة السنّة بامتناعهم من الإجابة إلى القول بخلق القرآن وحدوثه وحفظ الله بهم أمة نبيه عن الابتداع، ولكنهم رحمهم الله جاوزوا ذلك إلى الجزم بقدمه ولم يقتصروا على ذلك حتى كفروا من قال بالحدوث، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من وقف، وليتهم لم يجاوزوا حد الوقف وإرجاع العلم إلى علام الغيوب، فإنه لم يسمع من السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وقت قيام المحنة وظهور القول في هذه المسألة شيء من الكلام، ولا نقل عنهم كلمة في ذلك، فكان الامتناع من الإجابة إلى ما دعوا إليه، والتمسك بأذيال الوقف، وإرجاع علم ذلك إلى عالمه هو الطريقة المثلى، وفيه السلامة والخلوص من تكفير طوائف من عباد الله، والأمر لله سبحانه. وقوله: {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ } استثناء مفرغ في محل نصب على الحال. وجملة: {وَهُمْ يَلْعَبُونَ } في محل نصب على الحال أيضاً، من فاعل استمعوه، و {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ } حال أيضاً والمعنى: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث في حال من الأحوال إلا في الاستماع مع اللعب والاستهزاء ولهوة القلوب، وقرىء: "لاهية" بالرفع كما قرىء: "محدث" بالرفع {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } النجوى: اسم من التناجي، والتناجي لا يكون إلا سرّاً، فمعنى إسرار النجوى: المبالغة في الإخفاء. وقد اختلف في محل الموصول على أقوال، فقيل: إنه في محل رفع بدل من الواو في {أسرّوا}، قاله المبرد وغيره. وقيل: هو في محل رفع على الذمّ. وقيل: هو فاعل لفعل محذوف، والتقدير: يقول الذين ظلموا، واختار هذا النحاس، وقيل: في محل نصب بتقدير أعني. وقيل: في محل خفض على أنه بدل من الناس ذكر ذلك المبرد. وقيل: هو في محل رفع على أنه فاعل {أسرّوا} على لغة من يجوّز الجمع بين فاعلين، كقولهم: أكلوني البراغيث، ذكر ذلك الأخفش، ومثله {أية : ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مّنْهُمْ } تفسير : [المائدة: 71] ومنه قول الشاعر:شعر : فاهتدين البغال للأغراض تفسير : وقول الآخر:شعر : ولكن دنا بي أبوه وأمه بحوران يعصرن السليط أقاربه تفسير : وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، أي والذين ظلموا أسرّوا النجوى. قال أبو عبيدة: أسرّوا هنا من الأضداد، يحتمل أن يكون بمعنى: أخفوا كلامهم، ويحتمل أن يكون بمعنى: أظهروه وأعلنوه {هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } هذه الجملة بتقدير القول قبلها، أي قالوا: هل هذا الرسول إلا بشر مثلكم لا يتميز عنكم بشيء؟ ويجوز أن تكون هذه الجملة بدلاً من النجوى، وهل بمعنى النفي أي: وأسرّوا هذا الحديث، والهمزة في {أَفَتَأْتُونَ ٱلسّحْرَ } للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر كنظائره، وجملة: {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } في محل نصب على الحال، والمعنى: إذا كان بشراً مثلكم، وكان الذي جاء به سحراً، فكيف تجيبونه إليه وتتبعونه. فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما تناجوا به، وأمره الله سبحانه أن يجيب عليهم فقال: {قُل رَّبّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِى ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ } أي لا يخفى عليه شيء مما يقال فيهما، وفي مصاحف أهل الكوفة: {قال ربي} أي قال محمد: ربي يعلم القول، فهو عالم بما تناجيتم به. قيل: القراءة الأولى أولى، لأنهم أسرّوا هذا القول، فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك وأمره أن يقول لهم هذا. قال النحاس: والقراءتان صحيحتان، وهما بمنزلة آيتين {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لكل ما يسمع {ٱلْعَلِيمُ } بكل معلوم، فيدخل في ذلك ما أسرّوا دخولاً أولياً. {بَلْ قَالُواْ أَضْغَـٰثُ أَحْلاَمٍ } قال الزجاج: أي قالوا: الذي تأتي به أضغاث أحلام. قال القتيبي: أضغاث الأحلام الرؤيا الكاذبة. وقال اليزيدي: الأضغاث ما لم يكن له تأويل، وهذا إضراب من جهة الله سبحانه حكاية لما وقع منهم، وانتقال من حكاية قولهم السابق إلى حكاية هذا القول. ثم حكى سبحانه إضرابهم عن قولهم: أضغاث أحلام، قال: {بَلِ ٱفْتَرَاهُ } أي بل قالوا: افتراه من تلقاء نفسه من غير أن يكون له أصل. ثم حكى سبحانه عنهم أنهم أضربوا عن هذا وقالوا: {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ } وما أتى به من جنس الشعر، وفي هذا الاضطراب منهم، والتلوّن والتردّد أعظم دليل على أنهم جاهلون بحقيقة ما جاء به، لا يدرون ما هو ولا يعرفون كنهه؟ أو كانوا قد علموا أنه حق، وأنه من عند الله، ولكن أرادوا أن يدفعوه بالصدر ويرموه بكل حجر ومدر، وهذا شأن من غلبته الحجة وقهره البرهان. ثم بعد هذا كله، قالوا: {فليأتنا بآية} وهذا جواب شرط محذوف أي: إن لم يكن كما قلنا: فليأتنا بآية {كَمَا أُرْسِلَ ٱلأوَّلُونَ } أي كما أرسل موسى بالعصا وغيرها، وصالح بالناقة، ومحل الكاف الجرّ صفة لآية، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف، وكان سؤالهم هذا سؤال تعنت، لأن الله سبحانه قد أعطاهم من الآيات ما يكفي، ولو علم الله سبحانه أنهم يؤمنون إذا أعطاهم ما يقترحوه لأعطاهم ذلك، كما قال: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } تفسير : [الأنفال: 23] قال الزجاج: اقترحوا الآيات التي لا يقع معها إمهال، فقال الله مجيباً لهم: {مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُمْ مِن قَرْيَةٍ } أي قبل مشركي مكة، ومعنى {من قرية}: من أهل قرية، ووصف القرية بقوله: {أَهْلَكْنَـٰهَا } أي أهلكنا أهلها، أو أهلكناها بإهلاك أهلها. وفيه بيان أن سنّة الله في الأمم السالفة أن المقترحين إذا أعطوا ما اقترحوه ثم لم يؤمنوا نزل بهم عذاب الاستئصال لا محالة، و"من" في {من قرية} مزيدة للتأكيد، والمعنى: ما آمنت قرية من القرى التي أهلكناها بسبب اقتراحهم قبل هؤلاء، فكيف نعطيهم ما يقترحون، وهم أسوة من قبلهم، والهمزة في {أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } للتقريع والتوبيخ، والمعنى: إن لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوا، فكيف يؤمن هؤلاء لو أعطوا ما اقترحوا. ثم أجاب سبحانه عن قولهم: هل هذا إلا بشر مثلكم بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمُ} أي لم نرسل قبلك إلى الأمم السابقة إلا رجالاً من البشر، ولم نرسل إليهم ملائكة كما قال سبحانه: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِى ٱلأَرْضِ مَلَـٰئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ ٱلسَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً } تفسير : [الإسراء: 95]. وجملة {نوحي إليهم} مستأنفة لبيان كيفية الإرسال، ويجوز أن تكون صفة لـ {رجالاً} أي متصفين بصفة الإيحاء إليهم. قرأ حفص وحمزة والكسائي: {نوحي} بالنون، وقرأ الباقون بالياء: "يوحي". ثم أمرهم الله بأن يسألوا أهل الذكر إن كانوا يجهلون هذا فقال: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } وأهل الذكر: هم أهل الكتابين: اليهود والنصارى، ومعنى {إن كنتم لا تعلمون}: إن كنتم لا تعلمون أن رسل الله من البشر، كذا قال أكثر المفسرين. وقد كان اليهود والنصارى لا يجهلون ذلك ولا ينكرونه، وتقدير الكلام: إن كنتم لا تعلمون ما ذكر فاسألوا أهل الذكر. وقد استدل بالآية على أن التقليد جائز وهو خطأ، ولو سلم لكان المعنى سؤالهم عن النصوص من الكتاب والسنّة، لا عن الرأي البحت، وليس التقليد إلا قبول قول الغير دون حجته. وقد أوضحنا هذا في رسالة بسيطة: سميناها «القول المفيد في حكم التقليد». ثم لما فرغ سبحانه من الجواب عن شبهتهم أكد كون الرسل من جنس البشر فقال: {وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ } أي أن الرسل أسوة لسائر أفراد بني آدم في حكم الطبيعة يأكلون كما يأكلون ويشربون كما يشربون، والجسد جسم الإنسان. قال الزجاج: هو واحد، يعني الجسد ينبىء عن جماعة، أي وما جعلناهم ذوي أجساد لا يأكلون الطعام فجملة: {لا يأكلون الطعام} صفة لـ {جسداً} أي وما جعلناهم جسداً مستغنياً عن الأكل، بل هو محتاج إلى ذلك {وَمَا كَانُواْ خَـٰلِدِينَ } بل يموتون كما يموت غيرهم من البشر، وقد كانوا يعتقدون أن الرسل لا يموتون، فأجاب الله عليهم بهذا. وجملة: {ثُمَّ صَدَقْنَـٰهُمُ ٱلْوَعْدَ } معطوفة على جملة يدلّ عليها السياق، والتقدير: أوحينا إليهم ما أوحينا. {ثم صدقناهم الوعد} أي أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم بإنجائهم وإهلاك من كذبهم، ولهذا قال سبحانه: {فَأَنجَيْنَـٰهُمْ وَمَن نَّشَاء } من عبادنا المؤمنين، والمراد: إنجاؤهم من العذاب وإهلاك من كفر بالعذاب الدنيوي، والمراد بـ {ٱلْمُسْرِفِينَ }: المجاوزون للحدّ في الكفر والمعاصي، وهم المشركون. وقد أخرج النسائي عن أبي سعيد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } قال: "حديث : في الدنيا"تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال: "حديث : من أمر الدنيا"تفسير : . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {بَلْ قَالُواْ أَضْغَـٰثُ أَحْلاَمٍ } أي فعل الأحلام إنما هي رؤيا رآها {بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ } كل هذا قد كان منه {فليأتنا بآية كما أرسل الأولون} كما جاء عيسى وموسى بالبينات والرسل {مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُمْ مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا } أي أن الرسل كانوا إذا جاؤوا قومهم بالبينات فلم يؤمنوا لم ينظروا. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: قال أهل مكة للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إذا كان ما تقوله حقاً ويسرّك أن نؤمن فحوّل لنا الصفا ذهبا، فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان، ثم لم يؤمنوا لم يُنْظروا، وإن شئت استأنيت بقومك، قال: "حديث : بل أستأني بقومي"تفسير : ، فأنزل الله: {مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُمْ } الآية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ } يقول: لم نجعلهم جسداً ليس يأكلون الطعام، إنما جعلناهم جسداً يأكلون الطعام.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} أي اقترب منهم، وفيه قولان: أحدهما: قرب وقت عذابهم، يعني أهل مكة، لأنهم استبطؤواْ ما وُعِدواْ به من العذاب تكذيباً، فكان قتلهم يوم بدر، قاله الضحاك. الثاني: قرب وقت حسابهم وهو قيام الساعة. وفي قربه وجهان: أحدهما: لا بُد آت، وكل آت قريب. الثاني: لأن الزمان لكثرة ما مضى وقلة ما بقي قريب. {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: في غفلة بالدنيا معرضون عن الآخرة. الثاني: في غفلة بالضلال، معرضون عن الهدى. قوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ} التنزيل مبتدأ التلاوة لنزوله سورة بعد سورة. وآية بعد آية، كما كان ينزله الله عليه في وقت بعد وقت. {إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ} أي استمعوا تنزيله فتركوا قبوله. {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} فيه وجهان: أحدهما: أي يلهون. الثاني: يشتغلون. فإن حمل تأويله على اللهو احتمل ما يلهون به وجهين: أحدهما: بلذاتهم. الثاني: بسماع ما يتلى عليهم. وإن حمل تأويله على الشغل احتمل ما يشتغلون به وجهين: أحدهما: بالدنيا،لأنها لعب كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} تفسير : [الحديد: 20]. الثاني: يتشاغلون بالقَدْحِ فيه والاعتراض عليه. قال الحسن: كلما جدد لهم الذكر استمروا على الجهل. قوله عز وجل: {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: يعني غافله باللهو عن الذكر، قاله قتادة. الثاني: مشغلة بالباطل عن الحق، قاله ابن شجرة، ومنه قول امرىء القيس: شعر : فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألهيتها عن ذي تمائم محوِلِ تفسير : أي شغلتها عن ولدها. ولبعض أصحاب الخواطر وجه ثالث: أنها غافلة عما يراد بها ومنها. {وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ} فيه وجهان: أحدهما: ذكره ابن كامل أنهم أخفوا كلامهم الذي يتناجون به، قاله الكلبي. الثاني: يعني أنهم أظهروه وأعلنوه، وأسروا من الأضداد المستعملة وإن كان الأظهر في حقيقتها أن تستعمل في الإِخفاء دون الإِظهار إلا بدليل. {هَلْ هَذَآ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} إنكاراً منهم لتميزه عنهم بالنبوة. {أَفَتأتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} ويحتمل وجهين: أحدهما: أفتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر. الثاني: أفتعدلون إلى الباطل وأنتم تعرفون الحق. قوله تعالى: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أهاويل أحلام رآها في المنام، قاله مجاهد. الثاني: تخاليط أحلام رآها في المنام، قاله قتادة، ومنه قول الشاعر: شعر : كضعث حلمٍ غُرَّ منه حالمه. تفسير : الثالث: أنه ما لم يكن له تأويل، قاله اليزيدي. وفي الأحلام تأويلان: أحدهما: ما لم يكن له تأويل ولا تفسير، قاله الأخفش. الثاني: إنها الرؤيا الكاذبة، قاله ابن قتيبة، ومنه قول الشاعر: شعر : أحاديث طسم أو سراب بفدفَدٍ ترقوق للساري وأضغاث حالم

ابن عطية

تفسير : روي أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يبني جداراً فمر به آخر في يوم نزول هذه السورة فقال الذي كان يبني الجدار ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخر نزل اليوم {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} فنفض يده من البنيان وقال والله لا بنيت أبداً وقد اقترب الحساب، وقوله تعالى: {اقترب للناس حسابهم} عام في جميع الناس، المعنى وإن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش ويدل على ذلك ما بعد من الآيات، وقوله {وهم في غفلة معرضون} يريد الكفار. قال القاضي أبو محمد: ويتجه من هذه الألفاظ على العصاة من المؤمنين قسطهم، وقوله {ما يأتيهم} وما بعده مختص بالكفار، وقوله {من ذكر من ربهم محدث} قالت فرقة المراد منا ينزل من القرآن ومعناه {محدث} نزوله وإتيانه إياهم لا هو في نفسه، وقالت فرقة المراد بـ"الذكر" أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الشريعة ووعظه وتذكيره فهو محدث على الحقيقة وجعله من ربه من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ولا يقول إلا ما هو من عند الله، وقالت فرقة "الذكر" الرسول نفسه واحتجت بقوله تعالى {أية : قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً يتلو عليكم آيات الله مبينات} تفسير : [الطلاق: 11] فهومحدث على الحقيقة ويكون، قوله {استمعوه} بمعنى استمعوا إليه، وقوله تعالى: {وهم يلعبون} جملة في موضع الحال أي أسماعهم في حال لعب غير نافع ولا واصل النفس.

ابن عبد السلام

تفسير : {حِسَابُهُمْ} عذاب بدر، أو حساب القيامة لأن كل آتٍ قريب، أو لقلة ما بقي من الزمان وكثرة ما مضى.

النسفي

تفسير : {ٱقْتَرَبَ } دنا {لِلنَّاسِ } اللام صلة لاقتراب. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالناس المشركون لأن ما يتلوه من صفات المشركين {حِسَابَهُمْ } وقت محاسبة الله إياهم ومجازاته على أعمالهم يعني يوم القيامة، وإنما وصفه بالاقتراب لقلة ما بقي بالإضافة إلى ما مضى ولأن كل آتٍ قريب {وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ } عن حسابهم وعما يفعل بهم ثم {مُّعْرِضُونَ } عن التأهب لذلك اليوم فالاقتراب عام والغفلة والإعراض يتفاوتان بتفاوت المكلفين، فرب غافل عن حسابه لاستغراقه في دنياه وإعراضه عن مولاه، ورب غافل عن حسابه لاستهلاكه في مولاه وإعراضه عن دنياه فهو لا يفيق إلا برؤية المولى، والأول إنما يفيق في عسكر الموتى فالواجب عليك أن تحاسب نفسك قبل أن تحاسب وتتنبه للعرض قبل أن تنبه، وتعرض عن الغافلين وتشتغل بذكر خالق الخلق أجمعين لتفوز بلقاء رب العالمين {مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ } شيء من القرآن {مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ } في التنزيل إتيانه، مبتدأة تلاوته، قريب عهده باستماعهم، والمراد به الحروف المنظومة. ولا خلاف في حدوثها {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ } من النبي عليه السلام أو غيره ممن يتلوه {وَهُمْ يَلْعَبُونَ } يستهزئون به.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {اقترب للناس حسابهم} أي وقت محاسبة الله إياهم على أعمالهم يوم القيامة. نزل في منكري البعث وإنما ذكر الله هذا الاقتراب لما فيه من المصلحة للمكلفين، فيكونون أقرب إلى التأهب له، والمراد بالناس المحاسبون وهم المكلفون دون غيرهم، وقيل هم المشركون وهذا من باب إطلاق اسم الجنس على بعضه {وهم في غفلة معرضون} أي عن التأهب له وقيل معناه أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء ثم إذا نبهوا من سنة الغفلة بما يتلى من الآيات والنذر أعرضوا عنه {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} يعني ما يحدث الله من تنزيل شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم به وقيل معناه إن الله يحدث الأمر بعد الأمر فينزل الآية بعد الآية والسورة بعد السورة في وقت الحاجة لبيان الأحكام وغيرها من الأمور والوقائع وقيل الذكر المحدث ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وبينه من السنن والمواعظ سوى ما في القرآن وأضافه إليه لأن الله تعالى قال وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى {إلا استمعوه وهم يلعبون} أي لاعبين لا يعتبرون ولا يتعظون {لاهية قلوبهم} أي ساهية معرضة غافلة عن ذكر الله {وأسروا النجوى الذين ظلموا} أي بالغوا في إخفاء التناجى وهم الذين أشركوا ثم بين سرهم الذي تناجوا به، فقال تعالى مخبراً عنهم {هل هذا إلا بشر مثلكم} يعني أنهم أنكروا إرسال البشر وطلبوا إرسال الملائكة والأولى إرسال البشر إلى البشر لأن الإنسان إلى القبول من أشكاله أقرب {أفتأتون السحر} يعني أتحضرون السحر وتقبلونه {وأنتم تبصرون} يعني تعلمون أنه سحر {قال} لهم محمد {ربي يعلم القول في السماء والأرض} يعني لا يخفى عليه شيء {وهو السميع} لأقوالهم {العليم} بأفعالهم. قوله عز وجل: {بل قالوا أضغاث أحلام} يعني أباطيل وأهاويل رآها في النوم {بل افتراه} يعني اختلقه {بل هو شاعر} وذلك أن المشركين اقتسموا القول في النبي صلى الله عليه وسلم وفيما يقوله، فقال بعضهم أضغاث أحلام وقال بعضهم بل هو فرية وقال بعضهم هو شاعر وما جاءكم به شعر {فليأتنا} يعني النبي صلى الله عليه وسلم {بآية} يعني بحجة إن كان صادقاً {كما أرسل الأولون} أي من الرسل بالآيات قال الله تعالى مجيباً لهم {ما آمنت قبلهم} أي قبل مشركي مكة {من قرية} أي من أهل قرية أتتهم الآيات {أهلكناها} يعني بالتكذيب {أفهم يؤمنون} يعني إن جاءتهم آية والمعنى أن أولئك لم يؤمنوا بالآيات لما جاءتهم أفيؤمن هؤلاء. قوله تعالى: {وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم} هذا جواب لقولهم هل هذا إلا بشر مثلكم، والمعنى إنا لم نرسل الملائكة إلى الأولين إنما أرسلنا رجالاً يوحى إليهم مثلك {فأسألوا أهل الذكر} يعني أهل التوراة والإنجيل يريد علماء أهل الكتاب، فإنهم لا ينكرون أن الرسل كانوا بشراً وإن أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أمر الله المشركين بسؤال أهل الكتاب لأن المشركين أقرب إلى تصديقهم من تصديق من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وقيل أراد بالذكر القرآن يعني فاسئلوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن {إن كنتم لا تعلمون} قوله عز وجل: {وما جعلناهم} أي الرسل {جسداً لا يأكلون الطعام} هذا رد لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام، والمعنى لم نجعلهم ملائكة بل جعلناهم بشراً يأكلون الطعام {وما كانوا خالدين} يعني في الدنيا بل يموتون كغيرهم {ثم صدقناهم الوعد} يعني الذي وعدناهم بإهلاك أعدائهم {فأنجيناهم ومن نشاء} يعني من المؤمنين الذين صدقوهم {وأهلكنا المسرفين} يعني المشركين لأن المشرك مسرف على نفسه. قوله عز وجل: {لقد أنزلنا إليكم} يعني يا معشر قريش {كتاباً فيه ذكركم} يعني شرفكم وفخركم وهو شرف لمن آمن به، وقيل معناه فيه حديثكم، وقيل فيه ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم وقيل فيه تذكرة لكم لتحذروا فيكون الذكر بمعنى الوعد والوعيد {أفلا تعقلون} فيه بعث على التدبر لأن الخوف من لوازم العقل.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات {قال ربي} بالألف: حمزة وعلي وحفص. الباقون {قل} على الأمر {نوحي} بالنون مبنياً للفاعل: حفص غير الخراز. الباقون: بالياء مجهولاً. الوقوف: {معرضون} ج للآية مع احتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً. {يلعبون} لا لأن {لاهية} حال أخرى مترادفة أو متداخلة من ضمير {يلعبون} وهي لقلوبهم في المعنى. {قلوبهم} ط {مثلكم} ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول {تبصرون} ه {والأرض} ز لاتفاق الجملتين مع استغناء الثانية عن الأولى {العليم} ه {شاعر} ج لاختلاف النظم مع اتحاد المقول {الأولون} ه {أهلكناها} ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول {يؤمنون} ه {لا تعلمون} ه {خالدين} ه {المسرفين} ه {ذكركم} ه {تعقلون} ه {آخرين} ه {يركضون} ه ط لتقدير القول {تسألون} ه {ظالمين} ه {خامدين} ه {لاعبين} ه {من لدنا} ه على جعل "إن" نافية والأصح أنها للشرط {فاعلين} ه {زاهق} لا {تصفون} ه {والأرض} ط لأن ما بعده مبتدأ {يستحسرون} ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً، {لا يفترون} ه. التفسير: قال جار الله: اللام في قوله {للناس} إما صلة لاقترب أو تأكيد لإضافة الحساب إليهم كقولك في أزف رحيل الحي أزف للحي الرحيل، فيه تأكيد إن من جهة تقديم الحي ومن جهة إظهار اللام، ثم تزيد تأكيداً آخر من جهة وضع ضمير الحي مضافاً إليه الرحيل، موضع لام التعريف فيه فتقول: أزف للحي رحيلهم. والمراد اقترب للناس وقت حسابهم وهو القيامة كقوله {أية : اقتربت الساعة}تفسير : [القمر: 1] فإذا اقتربت الساعة فقد إقترب ما يكون فيها من الحساب وغيره، كأنه لما هدد في خاتمة السورة المتقدمة بقوله {فستعلمون} بين في أول هذه السورة أن وقت ذلك العلم قريب. فإن قيل: كيف وصف بالاقتراب وقد مضى دون هذا القول أكثر من سبعمائة عام فالجواب أن كل ما هو آتٍ قريب، وإنما البعيد الذي دخل في خبر كان قال القائل: شعر شعر : فلا زال ما تهواه أقرب من غد ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس تفسير : على أنه لم يمض بعد يوم من ايام الله {أية : وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون}تفسير : [الحج: 47] ومما يدل على أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين" تفسير : وقد وعد بعث خاتم النبيين في آخر الزمان، وفي ذكر هذا الاقتراب تنبيه للغافلين وزجر للمذنبين. فالمراد بالناس كل من له مدخل في الحساب وهم جميع المكلفين. وما روي عن ابن عباس أن المراد بالناس المشركون فمن باب إطلاق اسم الجنس على بعضه بالدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين من الغفلة والإعراض وغيرهما. والذكر الطائفة النازلة من القرآن، وقرئ {محدث} بالرفع صفة على المحل، واحتجت المعتزلة بالآية على أن القرآن محدث، وأجاب الأشاعرة بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول، وإنما النزاع في الكلام النفسي الذي لا يصح عليه الإتيان والنزول. وزعم الإمام فخر الدين الرازي رضي الله عنه أن حاصل قول المعتزلة في هذا المقام يؤل إلى قولنا القرآن ذكر، وبعض الذكر محدث لأن قوله {من ذكر من ربهم محدث} لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً بل على أن ذكراً ما محدث، كما أن قول القائل: لا يدخل هذا البلد رجل فاضل إلا يبغضونه، لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً، وإذا كان كذلك فيصير صورة القياس كقولنا "الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس" وإنه لا ينتج شيئاً لأن كلية الكبرى شرط في إنتاج الشكل الأول كما عرف في علم الميزان. قلت: إن المعتزلة لا يحتاجون في إثبات دعواهم إلى تركيب مثل هذا القياس لأن مدعاهم يثبت بتسنيم إحدى مقدمتي القياس الذي ركبه وهي قوله "بعض الذكر محدث" لأنه نقيض ما يدعيه الأشاعرة وهو لا شيء من القرآن بمحدث. وإذا صدق أحد النقيضين كذب بالضرورة، فظهر أن الإمام غلطهم في هذا القياس الذي ركبه، ثم لقائل أن يقول تتميماً لقول المعتزلة: إذا ثبت أن بعض القرآن محدث لزم أن يكون كله محدثا لأن القائل قائلان: أحدهما ذهب إلى قدم كله، والثاني إلى حدوث كله، ولم يذهب أحد إلى قدم بعضه وحدوث بعضه. قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة {من ربهم محدث} لموافقة قوله بعد هذا {قل ربي يعلم} وقال في الشعراء {أية : من ذكر من الرحمن محدث}تفسير : [الآية: 5] لكثرة الرحيم فيها. فكان "الرحمن بالرحيم" أنسب. قوله تعالى {يلعبون} اللعب الاشتغال بما لا يعني قوله {لاهية} هي من لهى عنه بالكسر إذا ذهل وغفل. وفيه إن هم كالأنعام بل هم لا يحصلون من الاستماع والتذكير إلا على مثل ما تحصل هي عليه آذانهم تسمع وقلوبهم لا تعي ولا تفقه. ومعنى {وأسروا النجوى} بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لها ولا يعلم أنهم متناجون وفي "واو" اسروا وجهان: أحدهما أن على لغة من يجوز إلحاق علامة التثنية والجمع بالفعل إذا كان مقدماً على فاعله، وثانيهما وهو الأقوى أن الواو ضمير راجع إلى الناس المقدم ذكرهم و {الذين ظلموا} بدل منهم. أو هو منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره {أسروا النجوى} مقدماً عليه. وعلى التقادير أراد وأسروا النجوى هؤلاء فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم ثم أبدل من النجوى قوله {هل هذا إلاّ بشر} إلى قوله {وأنتم تبصرون} أي أتقبلون سحره وتحضرون هناك وأنتم ترون أنه رجل مثلكم، أو تعلمون أنه سحر وأنتم من أهل البصر والعقل؟ وجوز بعضهم أن يكون قوله {هل هذا} إلى آخره مفعولاً لقالوا مضمراً، وإنما أسروا نجوى هذا الحديث لأنهم أرادوا شبه التشاور فيما بينهم تحرياً لهدم أمر النبي كما جاء في كلام الحكماء. ويرفع أيضاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : استعينوا على حوائجكم بالكتمان" تفسير : ويجوز أن يسروا بذلك ثم يقولوا للرسول والمؤمنين: إن كان ما تدعون حقاً فأخبرونا بما اسررنا. من قرأ {قال ربي} فعلى حكاية الرسول صلى الله عليه وسلم كأنه قال: إنكم وإن أخفيتم قولكم وطعنكم فإن ربي عالم بذلك، وإنه من وراء عقابه يصف نفسه في بعض المواضع بأنه يعلم السر وذلك حين يريد تخصيصه بعلم الغيب، ووصف نفسه ههنا بأنه يعلم القول. قال جار الله: هذا آكد لأنه عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، وأقول هذا إذا كان اللام في القول للاستغراق، أما إذا كان للجنس فلا يلزم زيادة العلم إذ لا دلالة للعام على الخاص. بل نقول: العلم بالسر يستلزم العلم بالجهر بالطريق الأولى فلا مزية لإحدى العبارتين على الأخرى {وهو السميع العليم} خصص علمه بالمسموعات أولاً ثم عمم وقال الإمام قدم "السميع" على "العليم" لأنه لا بد من استماع الكلام أولاً ثم من حصول العلم بمعناه. قلت: هذا قياس للغائب على الحاضر قوله {بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر} معنى هذه الإضطرابات مع ملاحظة ما قبلها أنهم أنكروا أولاً كون الرسول من جنس البشر، ثم كأنهم قالوا: سلمنا ذلك ولكن الذي ادعيت أنه معجز ليس بمعجز غايته أنه خارق للعادة، وليس كل ما هو خارق للعادة معجزاً فقد يكون سحراً هذا إذا ساعدنا على أن فصاحة القرآن خارجة عن العادة، لكنا عن تسليم هذه المقدمة بمراحل فإنا ندعي أنه في غاية الركاكة وسوء النظم كأضغاث أحلام وهي الأحلام المختلطة التي لا أصل لها وقد مر في سورة يوسف. سلمنا ولكنه من جنس كلام الأوساط افتراه من عنده؟ سلمنا أنه كلام فصيح ولكنه لا يتجاوز فصاحة الشعراء، وإذا كان حال هذا المعجز هكذا. {فليأتنا بآية} لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات {كما أرسل الأولون} اي كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل متضمن لإتيانهم بالآيات. ومن تأمل في هذه الأقوال المحكية عن أولئك الكفرة علم أنها كلام مبطل متحير هائم في أودية الضلال وألا يكفي في إعجاز القرآن أنهم عدلوا حين تحدوا به عن المعارضة بالحروف إلى المقارعة بالسيوف. ثم بين أن الآيات التي يقترحونها لا فائدة لهم فيها لأنهم أعتى من الأمم السالفة وأنهم ما آمنوا عند مجيء الايات المقترحة فأهلكوا لأجل ذلك {افهم يؤمنون} مع شدة شكيمتهم فيه معنى الإنكار أي لا يؤمنون ألبتة وحينئذ يجب إهلاكهم، ولكن قد سبق القول من الله أن هذه الأمة أمنوا من عذاب الاستئصال. ثم أجاب عن شبهتهم الأولى وهي قولهم {هل هذا إلاّ بشر مثلكم} بقوله {وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً} وقد مر مثله في آخر سورة يوسف وفي النحل. وإنما جاز الأمر بالرجوع إلى أهل الكتاب وإن كانوا من الكفرة، لأن هذا الخبر قد تواتر عندهم وبلغ حد الضرورة على أن أهل الكتاب كانوا يتابعون المشركين في معادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان قولهم عندهم حجة. وقيل: أهل الذكر أهل القرآن. وضعف بأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يؤمرون بالرجوع إلى قولهم؟ واستدل كثير من الفقهاء بالآية في أن للعاميّ أن يرجع إلى فتيا العلماء، وللمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر وأجيب بأنها خطاب مشافهة وارد في الواقعة المخصوصة، وفي السؤال عن أهل الكتاب فلا يتعدى عن مورد النص وقد مر في آخر سورة يوسف الفرق بين قوله {وما ارسلنا من قبلك} وقوله {وما أرسلنا قبلك} بغير "من" وليس إلا ههنا وفي أوائل الفرقان {أية : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم} تفسير : [الآية: 20] ثم أكد كون الرسل من جنس البشر بقوله {وما جعلناهم جسداً} الآية كأنهم قالوا: إنه بشر يأكل كما نأكل ويموت كما نموت، فلعلهم اعتقدوا خلود الملائكة لا أقل من العمر الطويل، ولا بد من تقدير مضاف محذوف اي وما جعلنا الأنبياء قبلك ذوي جسد غير طاعمين وإلا قيل: وما جعلنا لهم جسداً. ووحد الجسد لإرادة الجنس اي ذوي ضرب من الأجساد وأراد كل واحد منهم قوله: {صدقناهم الوعد} أصله في الوعد فنصب بنزع الخافض، ثم فسر الوعد بقوله {فأنجيناهم ومن نشاء} وهم المؤمنون، ثم نبههم على عظيم نعمه عليهم بقوله، {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم} أي شرفكم وصيتكم، أو فيه بيان مكارم الآخلاق التي بها يبقى الذكر الجميل مع الثواب الجزيل، ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى على الأمم المكذبة فقال {وكم قصمنا} والقصم القطع الكبير وهو الذي يبين تلاؤم الأجزاء، وإذا لم يبين فهو الفصم بالفاء، وذلك أن القاف حرف شديد والفاء رخو لوحظ جانب المعنى في اللفظ ومعنى {من قرية} من أهل قرية لقوله {وأنشأنا بعدها قوماً آخرين} وللضمائر في قوله {فلما أحسوا} إلى آخر القصة. والمراد بالإحساس الإدراك بحاسة اللمس أو علم لا شك فيه كالمحسوس المشاهد. والركض ضرب الدابة بالرجل كأنهم ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم حين أدركتهم مقدمة العذاب، قال الجوهري: الركض تحريك الرجل على الدابة استحثاثاً لها ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا، فعلى هذا يجوز أن القوم كانوا يعدون على أرجهلم فقيل لهم لا تركضوا. والقائل إما من الملائكة أو من المؤمنين أو يجعلون أحقاء بأن يقال لهم ذلك، أو أسمع رب العزة ملائكته هذا القول لينفعهم في دينهم، أو ألهم الله الكفار ذلك فحدثوا به أنفسهم: {وارجعوا إلى ما أترفتم فيه} من العيش الهنيء والإتراف إبطار النعمة {لعلكم تسألون} غداً عما جرى عليكم وعلى أموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو أجلسوا في مجالسكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم بما تأمرون وماذا ترسمون فينفذ فيهم أمركم ونهيكم، أو يسألكم الناس مستعينين بتدابيركم بآرائكم، أو يسألكم الوافدون وأرباب الطمع مستمطرين سحاب أكفكم إما لأنهم كانوا أسخياء ولكن سمعة ورياء، إما لأنهم بخلاء وفي كل هذه الوجوه تهكم بهم وتوبيخ لهم {فما زالت تلك} الدعوى وهي قولهم {يا ويلنا} لأن المولول كأنه يدعو الويل {دعواهم} الأول اسم "ما زال" والثاني خبره أو بالعكس. والدعوى بمعنى الدعوة وقد مر في قوله {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}تفسير : [يونس: 10] والحصيد المحصود كقوله {منها قائم وحصيد} شبهوا بالزرع المستأصل والنار التي تخمد فتصير رماداً أي جعلناهم مشبهين بالمحصود والخامد، ووحد {حصيداً} لأن المراد زرعاً حصيداً، ولأن "فعيلاً" قد يستوي فيه الواحد والجمع، عن ابن عباس أن الآية نزلت في حضور وسحول قريتين باليمن تنسب إليهما الثياب. وفي الحديث كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين. وروى حضوريين بعث الله إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم فكأن القوم حصدوا بالسيف وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء بالثارات الأنبياء. قال أهل النظم: لما بين إهلاك كثير من القرى لأجل ظلمهم وتكذيبهم منها اللتان رواهما ابن عباس، أتبعه ما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً ومجازاة لا عبثاً ولا مجازفة فقال: {وما خلقنا السماء والأرض} الاية أي وما سوينا هذا السقف المرفوع والمهاد الموضوع {وما بينهما} من الأركان والمواليد كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم للهو أو اللعب، وإنما سويناهما لغايات صحيحة ومنافع للخلق دينية ودنيوية كما مر طرف منها في أول "البقرة" ويمكن أن يقال: المقصود من سياق الآية تقرير نبوة محمد والرد على منكريه لأنه ظهر المعجز عليه، فإن كان صادقاً فهو المطلوب، وإن كان كاذباً كان إظهار المعجز عليه من باب اللعب وهو منفي عنه سبحانه. قال القاضي عبد الجبار: فيه دليل على أنه لا يخلق اللعب وكل قبيح وإلا كان لاعباً وعورض بمسألتي العلم والداعي. ثم بين أن السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب ليس هو العجز والضعف ولكن لأن الحكمة تنافيه، معنى {من لدنا} من جهة قدرتنا وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن أو المرأة، وقيل: من لدنا اي من الملائكة لا من الإنس رداً على من قال: عزير ابن الله والمسيح ابن الله. ويحتمل أن يقال من لدنا أي من عندنا على سبيل الخفية فلا تعرفونه ولا تسمعون اسمه فيكون الرد شاملاً لكل من ادعى الله ولداً ولو من الملائكة. ثم اضرب عن اتخاذ اللهو واللعب فوصف نفسه بما يضاد فعل العبث قائلاً {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو} يعني الباطل {زاهق} اي ففاجأ الدمغ زهوق الباطل، قال علماء المعاني: هذا من باب استعارة المحسوس للمعقول بجامع عقلي: فأصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام لأن القذف الرمي بنحو الحجارة، والدمغ من دمغه إذا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ، ثم استعير القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهاب الباطل بجامع الزهوق، ثم وبخهم ونعى عليهم بما وصفوه بالولد وغير ذلك مما لا يجوز عليه وينافي وجوب الوجود بما وصفوا رسوله به من السحر والشعر وغير ذلك من الأوصاف المضادة للرسالة فقال {ولكم الويل مما تصفون} اي تصفونه به. ثم بين كمال قدرته ونهاية حلمه وحكمته فقال {وله من في السموات والأرض} والمراد بمن عنده الملائكة المقربون والمقصود عندية الشرف والرتبة. فأما عندية المكان ففيها بحث طويل. قال الزجاج: {لا يستحسرون} أي لا يتعبون ولا يمسهم الإعياء. قال جار الله: كان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور ولكنه ذكر بلفظ المبالغة وهو "استفعل" لبيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور، وأنهم أحقاء بتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا ومع ذلك لا يعدُّونها تعباً عليهم. ثم أكد ذلك بقوله {يسبحون الليل والنهار} منصوبان على الظرفية {لا يفترون} لا يلحقهم الفتور والكلال. وحاصل الآية أؤن الملائكة مع غاية شرفهم ونهاية قربهم لا يستنكفون عن طاعة الله، فكيف يليق بالبشر مع ضعفهم ونقصهم أن يتمردوا عن طاعته؟ وقد مر في أول سورة البقرة استدلال مفضلي الملائكة على الأنبياء بهذه الآية وبغيرها فلا حاجة إلى إعادته عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب الأحبار: أرأيت قول الله عز وجل {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} ثم قال: {أية : جاعل الملائكة رسلاً}تفسير : [فاطر: 1] {أية : أولئك عليهم لعنة الله والملائكة}تفسير : [البقرة: 161] أليس الرسالة واللعن ما نعين لهم عن التسبيح؟ أجاب كعب بأن التسبيح لهم كالنفس لنا لا يمنعهم عن الاشتغال بشيء آخر. واعترض بأن آلة التنفس فينا مغايرة للسان فلهذا صح اجتماع التنفس والتكلم. وأجيب بأنه لا استبعاد في أن يكون لهم ألسن كثيرة، أو يكون المراد بعدم الفتور أنهم لا يتركون التسبيح في أوقاته اللائقة به. التأويل: اقترب لأهل النسيان أن يحاسبوا أنفسهم كقوله {أية : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله}تفسير : [الحديد: 16] {وما يأتيهم من ذكر} وعظ وتذكير من عالم رباني {محدث} إلهامه إلا أنكروه عليه ونسبوه إلى التخليط ونحوه {وما جعلناهم جسداً} فيه أن الله قادر على أن لا يجعل النبي الولي ذا جسد ولكن اقتضت حكمته كونهم ذوي أجساد آكلين للطعام فإن الطعام للروح الحيواني الذي هو مركب الروح الإنساني كالدهن للسراج، وبالقوى الحيوانية تتم الكمالات النفسانية وتدرك المحسوسات وتستفاد العلوم المستندة إلى الإحساس والتجربة وتفصيله أكثر من أن يحصى. قال بعض المشايخ، لولا الهوى ما سلك أحد طريقاً إلى الله {وما كانوا خالدين} والسر فيه أن يعلموا من الموت حقيقة اسم المميت كما علموا من الحياة حقيقة اسم المحيي. {ثم صدقناهم الوعد} الذي وعدناهم حين أهبطوا إلى الأرض {فأنجيناهم ومن نشاء} من متابعيهم من هاوية الهوان وعالم الطبيعة {وأهلكناهم المسرفين} الذين اسرفوا على أنفسهم بالكون إلى أسفل سافلين الطبائع. {وكم قصمنا من} أهل {قرية} قالت {فلما أحسوا بأسنا} وهي شدة قطع التعلق عن الكونين فإن الفطام عن المألوف شديد {لا تركضوا} منا بل ففروا إلينا {وارجعوا} إلى التنعمات الروحاينة {ومساكنكم} الصلية {لعلكم تسألون} عزة وكرامة {وما خلقنا} سموات الأرواح وأرض الأجساد، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار من غير غاية، وإنما خلقناها لتكون لطفنا وقهرنا {بل نقذف بالحق على الباطل} للحق ثلاث مراتب: مرتبة أفعال الحق ومرتبة صفات الحق ومرتبة ذات الحق، ففي كل مرتبة يتجلى الحق فيها للعبد، ارهق باطل تلك المرتبة عن العبد حتى إذا تجلى له بأفعاله ذهب عنه باطل الأفعال، وإذا تجلى له بصفاته ذهب باطل صفاته، وإذا تجلى له بذاته في ذاته فيقول: أنا الحق وسبحاني والويل لمن لم يذهب باطله بإحدى هذه المراتب فيبقى متصفاً بالوجود المجازي.

الثعالبي

تفسير : قوله عز وجل: {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ...} الآية: رُوي أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كان يبني جِدَاراً، فمر به آخرُ يومَ نزول هذه السورة، فقال الذي كان يبني الجدارَ: ماذا نزل اليوَم من القرآن؟ فقال الآخر: نزل اليومَ {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاس حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} فنفض يديه من البُنْيان، وقال: واللَّهِ لا بَنَيْتُ، قال أبو بكر بنُ العربي: قال لي شَيُخِي: في العبادة لا يذهب لك الزمان؛ في مُصَاولةِ الأقران؛ ومُوَاصلة الإِخَوان، ولم أرَ للخلاص شيئاً أقرب من طريقين. إمَّا أن يغلق الإنسان على نفسه بابه، وإما أن يخرج إلى مَوْضِعٍ لا يُعرفُ فيه، فإن ٱضْطرّ إلىٰ مخالطة الناس، فَلْيَكُنّ معهم ببدنه، ويفارقهم بقلبه ولسانه، فإنْ لم يستطِعْ، فبقلبه، ولا يفارق السكوتَ. قال القُرْطُبِيَّ: ولأَبي سليمان الخَطَابِيّ في هذا المعنى: [الوافر] شعر : أَنِسْتُ بِوَحْدَتِي وَلَزِمْتُ بَيْتِي فَدَامَ الأُنْسُ لِي وَنَمَا السُّرُورُ وأَدَّبَنَي الزَّمَانُ فَلاَ أُبَالِي بِـــأَنِّــــي لا أُزَارُ وَلاَ أَزَوُرُ وَلَسْتُ بِسَائِلٍ مَا دُمْتُ حَــيًّــا أَسَارَ الْجَيْشُ أَمْ رَكِبَ الأَمِيرُ تفسير : انتهى من «التذكرة». وقوله: {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ} عامٌ في جميع الناس، وإن كان المشارُ إليه في ذلك الوقت كفار قريش؛ ويدل على ذلك ما يأتي بعدُ من الآيات. قال * ص *: اقترب: بمعني الفعل المجرّد وهو قَرُبَ، وقيل: اقترب أبلغ: للزيادة {وهُمْ فِي غَفْلَةٍ} الواو للحال، انتهى. وقوله: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} يريدُ: الكفار، ويأخَذ عصاة المؤمنينَ من هذه الألفاظ قِسْطَهم. * ت *: أَيُّها الأَخُ أَشْعرِ قلبك مَهَابَةَ رَبِّك، فإليه مآلك؛ وتأهب للقدوم عليه؛ فقد، أنَ ٱرتحالك؛ أنت في سكرة لذاتِك؛ وغشية شهواتكِ؛ وإغماء غفلاتِك؛ ومِقْراضُ الفناء يعمل في ثوب حياتك؛ ويفصل أجزاء عمرك جُزْءاً جزءاً في سائر ساعاتك؛ كل نفس من أنفاسك جزءٌ منفصل من جملة ذاتك وبذهاب الأجزاء تذهبُ الجمل، أنت جملة تؤخذ، آحادها وأبعاضها، إلى أن تستوفي سائرها عساكر الأقضية، والأقدار مُحْدقة بأسوار الأَعمار؛ تهدمُها بمعاول الليل والنهار؛ فلو أضاء لنا مِصْباحُ الاعتبار؛ لم يبقَ لنا في جَمِيع أوقاتنا سكونٌ ولاَ قَرار. انتهى من «الكلم الفارقية والحكم الحقيقة».

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} الآية. اللام متعلّقة بـ "اقْتَرَبَ"، قال الزمخشري: هذه اللام لا تخلو إمَّا أن تكن صلة لـ "اقْتَرَبَ"، أو تأكيداً لإضافة الحساب إليهم كقولك: أَزِفَ للحيّ رَحِيلُهُمْ، الأصل: أَزِف رحيلُ الحيّ، ثم أزف للحيّ الرحيلُ، ثم أزف للحي رَحيلُهُمْ، ونحوه ما أورده سيبويه في باب ما يثنى فيه المستقر توكيداً، نحو عَلَيْكَ زَيْدٌ حَرِيصٌ عَلَيكَ، وفِيكَ زيدٌ رَاغِبٌ فِيكَ، ومنه قولهم: لاَ أَبَا لكَ، لأنّ اللام مؤكدة لمعنى الإضافة، وهذا الوجه أغرب من الأول. قال أبو حيَّان: يعني بقوله: صلة لـ "اقْتَرَبَ" أي: متعلقة به، وأما جعله اللام توكيداً لإضافة الحساب إليهم مع تقدم اللام ودخولها على الاسم الظاهر فلا نعلم أحداً يقول ذلك، وأيضاً فيحتاج إلى ما يتعلق به، ولا يمكن تعلقها بـ "حِسَابُهُمْ" لأنَّه مصدر موصول، ولأنه قدم معموله عليه، وأيضاً فإنّ التوكيد يكون متأخراً عن المؤكد، وأيضاً فلو أخر في هذا التركيب لم يصح. وأما تشبيهه بما أورده سيبويه فالفرق واضح، فإن (عَلَيْكَ) معمول لـ (حريص) و (عَلَيْك) المتأخرة تأكيد وكذلك (فِيكَ زَيْدٌ رَاغِبٌٌ فِيكَ) يتعلق (فِيكَ) بـ (رَاغِب) و (فِيكَ) الثانية توكيد، وإنَّمَا غره في ذلك صحة تركيب اقترب حساب الناس، وكذلك أَزِفَ رحيلُ الحيّ، فاعتقد إذا تقدم الظاهر مجروراً باللام وأضيف المصدر لضميره أنه من باب: فِيكَ زَيْدٌ رَاغِبٌ فِيكَ، فليس مثله. وأما (لاَ أَبَا لَكَ)، فهي مسألة مشكلة، وفيها خلاف، ويكن أن يقال فيها ذلك، لأنَّ اللام فيها جاورت الإضافة، ولا يقاس عليها لشذوذها وخروجها عن الأقيسة. قال شهاب الدين: مسألة الزمخشري أشبه شيء بمسألة (لاَ أَبَا لَكَ)، والمعنى الذي أورده صحيح، وأما كونها مشكلة فهو إنما بناها على قول الجمهور، والمشكل مقدر في بابه، فلا يضرنا القياس عليه لتقريره في مكانه. قوله: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} يجوز أنْ يكونَ الجار متعلقاً بمحذوف على أنه حال من الضمير في "مُعْرِضُونَ" وأن يكون خبراً من الضمير، ومعرضون خبر ثان وقول أبي البقاء في هذا الجار: إنه خبر ثان. يعني في العدد وإلا فهو أول في الحقيقة. وقد يقال: لمّا كان في تأويل المفرد جعل المفرد الصريح مقدماً في الرتبة، فهو ثان بهذا الاختيار. وهذه الجملة في محل نصب على الحال من "للنَّاسِ". فصل نزلت في منكري البعث، والقرب لا يعقل إلا في المكان والزمان، والقرب المكاني هما ممتنع فتعين القرب الزماني. فإن قيل: كيف وصف بالاقتراب وقد عبر هذا القول أكثر من ستمائة عام؟ والجواب من وجوه: الأول: أنه مقترب عند الله، لقوله تعالى: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تفسير : [الحج: 47]. الثاني: أنَّ كُلَّ آتٍ قريبٌ وإن طالت أوقات ترقبه، وإنما البعيد هو الذي انقرض قال الشاعر: شعر : 3703- فَمَا زَالَ مَا تَهْوَاهُ أَقْرَبَ مِنْ غَدٍ وَلاَ زَالَ ما تَخْشَاهُ أبعدَ مِنْ أَمسِ تفسير : الثالث: أنَّ المقابلة إذا كانت مؤجلة إلى سنة ثم انقضى منها شهر، فإنه لا يقال: اقترب الأجل، أمَّا إذا كان الماضي أكثر من الباقي فإنه يقال: اقترب الأجل. فعلى هذا الوجه قال العلماء: إن فيه دلالة على قرب القيامة، ولهذا قال عليه السلام: "حديث : بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ" تفسير : وقال عليه السلام: "حديث : ختمت النبوة" تفسير : كل ذلك لأجل أنَّ الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي واعلم أنه إنما ذكر تعالى هذا الاقتراب لما فيه من مصلحة المكلفين ليكثر تحرزهم خوفاً منها. ولم يعين الوقت، لأنَّ كتمان وقت الموت أصلح لهم والمراد بالناس من له مدخل في الحساب وهم المكلفون دون من لا مدخل فيه. قال ابن عبس: المراد بالناس المشركون. وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم، وهو ما يتلوه من صفات المشركين. وقوله: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} وصفهم بالغفلة والإعراض، أما الغفلة فالمعنى: أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بُدَّ من جزاء المحسن والمسيء، ثم إذا انتبهوا من سِنَة الغفلة، ورقدة الجهالة مما يتلى عليهم من الآيات أعرضوا وسدوا أسماعهم. قوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَبِّهمْ مُحْدَثٍ} ذكر الله - تعالى - ذلك بياناً لكونهم معرضين، وذلك لأنَّ الله - يجدد لهم الذكر كل وقت، ويظهر لهم الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم الموعظة لعلهم يتعظون، فما يزيدهم ذلك إلا استسخاراً. قوله: "مُحْدَثٍ" العامة على جر "مُحْدِثٍ" نعتاً لـ "ذِكْرٍ" على اللفظ. وقوله: "مِنْ رَبِّهِمْ" فيه أوجه: أجودها: أنْ يتعلق بـ "يَأْتِيهِمْ"، وتكون "مِنْ" لابتداء الغاية مجازاً. والثاني: أنْ يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستتر في "مُحْدثٍ". الثالث: أنْ يكونَ حالاً من نفس "ذِكْرٍ"، وإنْ كان نكرة، لأنه قد تخصّص بالوصف بـ "مُحْدَثٍ"، وهو نظير: ما جاءني رجلٌ قائماً منطلقٌ، ففصل بالحال بين الصفة والموصوف. وأيضاً فإنّ الكلام نفي وهو مسوغ لمجيء الحال من النكرة. الرابع: أن يكون نعتاً لـ "ذِكْرٍ" فيجوز في محله وجهان: الجر باعتبار اللفظ والرفع باعتبار المحل، لأنه مرفوع المحل إذ "مَن" مزيده فيه، وسيأتي. وفي جعله نعتاً لـ "ذِكْرٍ" إشكال من حيث إنه قد تقدم غير الصريح على الصريح، وتقدم تحريره في المائدة. الخامس: أن يتعلق بمحذوف على سبيل البيان. وقرأ ابن عبلة "محدثٌ" رفعاً نعتاً لـ "ذِكرٍ" على المحل، لأن "مِنْ" مزيدة فيه لاستكمال الشرطين. وقال أبو البقاء: ولو رفع على موضع "من ذكر" جاز. كأنه لم يطلع عليه قراءةً وزيد بن عليّ "مُحْدَثاً" نصباً على الحال من "ذِكْرٍ"، وسوغ ذلك وصفه بـ "مِنْ رَبِّهِمْ" إن جعلناه صفة أو واعتماده على النفي. ويجوز أن يكون من الضمير المستتر في "مِن ربهِمْ" إن جعلناه صفة. قوله: "إلاَّ اسْتَمَعُوهُ" هذه الجملة حال من مفعول "يأتيهم" وهو استثناء مفرغ، و "قد" معه مضمرة عند قوم. "وهم يلعبون" حال من فاعل "اسْتَمَعُوهُ" أي استمعوه لاعبين. فصل قال مقاتل: معنى "مُحْدَثٍ" يحدث الله الأمر بعد الأمر. وقيل: الذكر المحدث ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - وبينه من السنن والمواعظ سوى ما في القرآن، وأضافه إلى الرب، لأنه أمره بقوله إِلاَّ "اسْتَمَعُوهُ" لاعبين لا يعتبرون ولا يتعظون. فصل استدلت المعتزلة بهذه الآية على حدوث القرآن، فقالوا: القرآن ذكر، والذكر محدث، فالقرآن محدث، وبيان أن القرآن ذكر قوله تعالى في صفة القرآن: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [يوسف: 104]، [ص: 87]، [التكوير: 27] {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف: 44] {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ} تفسير : [الحجر: 9] {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ} تفسير : [يس: 69] و {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} تفسير : [الأنبياء: 50]. وبيان أن الذكر محدث قوله: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ} وقوله: {أية : مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ} تفسير : [الشعراء: 5] فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله تعالى: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [يوسف:104] [ص:87] [التكوير:27] وقوله {أية : وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} تفسير : [الأنبياء:50] إشارة إلى المركب من الحروف والأصوات، وذلك مما لا نزاع فيه بل حدوثه معلوم بالضرورة، وإنما النزاع في قدر كلام الله تعالى بمعنى آخر. الثاني: أن قوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً، كما أن قول القائل: لاَ يَدْخل هذه البلدة رجلٌ فاضلٌ إِلا يبغضونه فإنه لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً بل على أن من الرجال من هو فاضل، وإذا كان كذلك فالآية لا تدل إلا على أن بعض الذكر محدث، فيصير نظم الكلام: القرآن ذكر، وبعض الذكر محدث، وهذا لا ينتج شيئاً، فظهر أن الذي ظنوه قاطعاً لا يفيد ظناً ضعيفاً فضلاً عن القطع. قوله: "لاهيةً" يجوز أن تكون حالاً من فاعل "اسْتَمَعُوهُ" عند من يجيز تعدد الحال، فيكون الحالان مترادفين. وأن يكون حالاً من فاعل "يلعبون" فيكون الحالان متداخلين وعبر الزمخشري عن ذلك فقال: {وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} حالان مترادفتان أو متداخلتان وإذا جعلناهما حالين مترادفتين ففيه تقديم الحال غير الصريحة وفيه من البحث ما في باب النعت. (و "قُلوبهم" مرفوع بـ "لاَهِيَةً"). وقال البغوي: "لاَهِيَة" نعت تقدم الاسم، ومن حق النعت أن يتبع الاسم في الإعراب، فإذا تقدم النعت الاسم فله حالتان فصل ووصل، فحالته في الفصل النصب كقوله تعالى {أية : خُشَّعاً أَبْصَٰرُهُمْ}تفسير : [القمر:7] و{أية : وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا}تفسير : [الإنسان: 14] و {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ}، وفي الوصل حالة ما قبله من الإعراب كقوله: {أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا} [النساء: 75] والعامة على "لاَهِيَةً"، وابن أبي عبلة على الرفع على أنها خبر ثان لقوله "وهُمْ" عند من يُجوِّز ذلك، أو خبر مبتدأ محذوف عند من لا يجوّزه. قوله: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} يجوز في محل "الذين" ثلاثة أوجه: الرفع، والنصب، والجر. فالرفع من ستة أوجه: أحدها: أنه بدل من (واو) "أسَرُّوا" تنبيهاً على اتصافهم بالظلم الفاحش وعزاه ابن عطية لسيبويه، وغيره للمبرد. الثاني: أنه فاعل، والواو علامة جمع دلت على جمع الفاعل كما تدل التاء على تأنيثه، وكذلك يفعلون في التثنية فيقولون: قاما أخواك وأنشدوا: شعر : 3704- يَلُومُونَنِي فِي اشْتِرَاءِ النَّخيـ ـخِيلِ أَهْلِي وَكُلُّهُمُ أَلْوَمُ تفسير : وإليه ذهب الأخفش وأبو عبيدة، وضعف بعضهم هذه اللغة وبعضهم حسنها فنسبها لأَزْدِ شَنُوءَة. وتقدمت هذه المسألة في المائدة عند قوله تعالى: {أية : ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [المائدة:71]. الثالث: أن يكون "الذين" مبتدأ "وأسَرُّوا" جملة خبرية قدمت على المبتدأ ويعزى للكسائي. الرابع: أن يكون "الذين" مرفوعاً بفعل مقدر فقيل تقديره: يقول الذين، واختاره النحاس، قال: والقول كثيراً ما يضمر، ويدل عليه قوله بعد ذلك: {هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}. وقيل: تقديره: أسرها الذين ظلموا. الخامس: أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره: هم الذين ظلموا. السادس: أنه مبتدأ وخبره الجملة من قوله: {هَلْ هَٰـذَا إِلاَّ بَشَرٌ} (ولا بد من إضمار القول على هذا القول تقديره: الذين ظلموا يقولون هل هذا إلا بشر) والقول يضمر كثيراً. والنصب من وجهين: أحدهما: الذم. والثاني: إضمار "أعني". والجرّ من وجهين أيضاً: أحدهما: النعت. والثاني: البدل من "للناس"، ويعزى هذا للفراء، وفيه بعد. قوله: "هَلْ هذَا" إلى قوله: "تُبْصِرونَ" يجوز في هاتين الجملتين الاستفهاميتين أن تكونا في محل نصب بدلاً من "النَّجْوَى" وأن تكونا في محل نصب بإضمار القول. قالهما الزمخشري. وأن تكونا في محل نصب على أنهما محكيتان بـ "النَّجْوَى"، لأَنها في معنى القول "وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ" جملة حالية من فاعل "تَأْتُونَ". فصل اعلم أن الله - تعالى - ذم الكفار بهذا الكلام، وزجر غيرهم عن مثله، لأنهم إذا استمعوا وهم يلعبون لم يحصلوا إلاعلى مجرد الاستماع الذي قد تشارك فيه البهيمة الإنسان، ثم أكد ذمهم بقوله: "لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ" واللاهية من لهي عنه إذا ذهل وغفل. وقدم ذكر اللعب على اللهو كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} تفسير : [محمد: 36] تنبيهاً على أن اشتغالهم باللعب الذي معناه الذهول والغفلة والسخرية والاستهزاء مُعَلَّل باللهو الذي معناه الذهول، فإنهم إنما أقدموا على اللعب لذهولهم عن الحق. وقوله: "وَأَسَرُّوا النَّجْوَى" فيه سؤال، وهو أن النجوى اسم من التناجي، وهو لا يكون إلا خفية، فما معنى قوله: "وَأَسَرُّوا"؟ فالجواب: أنهم بالغوا في إخفائها، وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم. فإن قيل: لِمَ قال: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}؟ فالجواب: أن إبدال "الَّذِينَ ظَلَمُوا" من "أَسَرُّوا" إشعار بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به. أو جاء على لغة من قال: أكلوني البراغيث وقوله: {هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} قال الزمخشري: هذا الكلام كله في محل النصب بدلاً من "النَّجْوَى" أي: وَأسروا هذا الحديث، وهو قولهم: {هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}. ويحتمل أن يكون التقدير: وَأَسروا النجوى وقالوا هذا الكلام وإِنما أسروا هذا الحديث لوجهين: أحدهما: إنما كان ذلك شبه التشاور فيما بينهم، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره، وعادة المتشاورين أن يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم. الثاني: يجوز أن يسروا نجواهم بذاك، ثم يقولوا لرسول الله والمؤمنين: إن كان ما تدعونه حقاً (فَأخْبِرُونا بما أسررناه). واعلم أنهم طعنوا في نبوته - عليه السلام - بأمرين: أحدهما: أنه بشر مثلهم. والثاني: أن الذي أتى به سحر. وكلا الطعنين فاسد، أما الأول، فلأن النبوة تقف صحتها على المعجزات والدلائل لا على الصور، إذ لو أرسل الملك إليهم لما علم كونه نبياً بصورته، وإنما كان يعلم بالعلم، فإذا أظهر ذلك على من هو بشر فيجب أن يكون نبياً، بل الأولى أن يكون المبعوث إلى البشر بشراً، لأن المرء إلى القبول من أشكاله أقرب، وهو به أقيس. وأما الثاني وهو أن ما أتى به الرسول من القرآن ظاهره الوعيد لا مرية فيه، ولا لبس، وقد كان عليه السلام يتحداهم بالقرآن مدة من الزمان حالاً بعد حال، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة، وكانوا في نهاية الحرص على إبطال أمره، وأقوى الأمور في إبطال أمره معارضة القرآن، فلو قدروا على المعارضة لامتنع أن لا يأتوا بها، لأن الفعل عند توفر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع، فلما لم يأتوا بها دلَّنا ذلك على أنه في نفسه معجز، وأنهم عرفوا حاله فكيف يجوز أن يقال: إنه سحر والحال ما ذكرناه وكل ذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بصدقه إلا أنهم كانوا يموهون على ضعفائهم بمثل هذا القول، وإن كانوا فيه مكابرين. والمعنى: "أفَتَأْتُونَ" تحضرون "السِّحْرَ وَأَنْتُم" تعلمون أنه سحر.

البقاعي

تفسير : {بسم} الحكيم العدل الذي تمت قدرته وعم أمره {الله} الملك الذي لا كفوء له {الرحمن} الذي ساوى بين خلقه في رحمة إيجاده {الرحيم*} الذي ينجي من شاء من عباده في معاده. لما ختمت طه بإنذارهم بأنهم سيعلمون الشقي والسعيد، وكان هذا العلم تارة يكون في الدنيا بكشف الحجاب بالإيمان، وتارة بمعانية ظهور الدينن وتارة بإحلال العذاب بإزهاق الروح بقتل أو غيره، وتارة ببعثها يوم الدين، افتتحت هذه بأجلى ذلك وهو اليوم الذي يتم فيه كشف الغطاء فينتقل فيه الخبر من علم اليقين إلى عين اليقين وحق اليقين وهو يوم الحساب، فقال تعالى: {اقترب للناس} أي عامة أنتم وغيركم {حسابهم} أي في يوم القيامة؛ وأشار بصيغة الافتعال إلى مزيد القرب لأنه لا أمة بعد هذه ينتظر أمرها، وأخر الفاعل تهويلاً لتذهب النفس في تعيينه كل مذهب، ويصح أن يراد بالحساب الجزاء، فيكون ذلك تهديداً بيوم بدر والفتح ونحوهما، ويكون المراد بالناس حينئذ قريشاً أو جميع العرب، والحساب: إحصاء الشيء والمجازاة عليه بخير أو شر {وهم} أي الحال أنهم من أجل ما في جبلاتهم من النوس، وهو الاضطراب الموجب لعدم الثبات على حالة الأمن، أنقذه الله منهم من هذا النقص وهم قليل جداً {في غفلة} فهي تعليل لآخر تلك على ما تراه، لأنهم إذا نشروا علموا، وإذا أبادتهم الوقائع علموا هم بالموت، ومن بقي منهم بالذل المزيل لشماخة الكبر، أهل الحق من أهل الباطل، وقوله: {معرضون*} كالتعليل للغفلة، أي أحاطت بهم الغفلة بسبب إعراضهم عما يأتيهم منا، وسيأتي ما يؤيد هذا في قوله آخرها {بل كنا ظالمين} وإلا فالعقول قاضية بأنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما تقدم قوله سبحانه أية : لا تمدن عينيك}تفسير : [طه: 131] - إلى قوله - {أية : فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى تفسير : [طه: 131] قال تعالى {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} أي لا تمدن عينيك إلى ذلك فإني جعلته فتنة لمن ناله بغير حق، ونسأل عن قليل ذلك وكثيره أية : ولتسألن يومئذ عن النعيم تفسير : [التكاثر: 8] والأمر قريب {اقترب للناس حسابهم} وأيضاً فإنه تعالى لما قال أية : وتنذر به قوماً لداً تفسير : [مريم: 97] وهم الشديدو الخصومة في الباطل، ثم قال أية : وكم أهلكنا قبلهم من قرنتفسير : [مريم: 74] إلى آخرها، استدعت هذه الجملة بسط حال، فابتدئت بتأنيسه عليه الصلاة السلام وتسليتة، حتى لا يشق عليه لددهم، فتضمنت سورة طه من هذا الغرض بشارته بقوله أية : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقىتفسير : [طه: 2] وتأنيسه بقصة موسى عليه السلام وما كان من حال بني إسرائيل وانتهاء أمر فرعون ومكابدة موسى عليه السلام لرد فرعون ومرتكبه إلى أن وقصه الله، وأهلكه، وأورث عباده أرضهم وديارهم، ثم اتبعت بقصة آدم عليه السلام ليرى نبيه صلى الله عليه وسلم سنته في عباده حتى أن آدم عليه السلام وإن لم يكن امتحانه بذريته ولا مكابدته من أبناء جنسه - فقد كابد من إبليس ما قصه الله في كتابه، وكل هذا تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه إذا تقرر لديه أنه سنة الله تعالى في عبادة هان عليه لدد قريش ومكابدتهم، ثم ابتدئت سورة الأنبياء ببقية هذا التأنيس، فبين اقتراب الحساب ووقوع يوم الفصل المحمود فيه ثمرة ما كوبد في ذات الله والمتمنى فيه أن لو كان ذلك أكثر والمشقة أصعب لجليل الثمرة وجميل الجزاء، ثم اتبع ذلك سبحانه بعظات، ودلائل وبسط آيات، وأعلم أنه سبحانه قد سبقت سنته بإهلاك من لم يكن منه الإيمان من متقدمي القرون وسالفي الأمم أية : ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناهاتفسير : [الأنبياء: 6] وفي قوله أية : أفهم يؤمنون تفسير : [الأنبياء: 6] تعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر قريش ومن قبل ما الكلام بسبيله، وقد تضمنت هذه السورة إلى ابتداء قصة إبراهيم عليه السلام من المواعظ والتنبيه على الدلالات وتحريك العباد إلى الاعتبار بها ما يعقب لمن اعتبر به التسليم والتفويض لله سبحانه والصبر علىالابتلاء وهو من مقصود السورة، وفي قوله أية : ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين تفسير : [الأنبياء: 9] إجمال لما فسره النصف الأخير من هذه السورة من تخليص الرسل عليهم السلام من قومهم وإهلاك من أسرف وأفك ولم يؤمن، وفي ذكر تخليص الرسل وتأييدهم الذي تضمنه النصف الأخير من لدن قوله أية : ولقد ءاتينا إبراهيم رشده تفسير : [الأنبياء: 51] إلى آخر السورة كمال الغرض المتقدم من التأنيس وملاءمة ما تضمنته سورة طه وتفسير لمجمل أية : وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً تفسير : [مريم: 98] انتهى. ولما أخبر سبحانه عن غفلتهم وإعراضهم، علل ذلك بقوله: {ما يأتيهم} وأعرق في النفي بقوله: من {ذكر} أي وحي يذكر بما جعل في العقول من الدلائل عليه سبحانه ويوجب الشرف لمن أتبعه {من ربهم} المحسن إليهم بخلقهم وتذكيرهم، قديم لكونه صفة له {محدث} إنزاله {إلا استمعوه} أي قصدوا سماعه وهو أجد الجد وأحق الحق {وهم} أي والحال أنهم {يلعبون*} أي يفعلون فعل اللاعبين بالاستهزاء به ووضعه في غير مواضعه وجعلهم استماعهم له لإرادة الطعن فيه، فهو قريب من قوله أية : لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه تفسير : [فصلت: 26] {لاهية قلوبهم} أي غارقة قلوبهم في اللهو، مشغولة به عما حداها إليه القرآن، ونبهها عليه الفرقان، وحذرها منه البيان، قال الرازي في اللوامع: لاهية: مشتغلة من لهيت ألهى: أو طالبة للهو، من لهوت ألهو - انتهى. ويمكن أن يراد بالناس مع هذا كله العموم ويكون من باب قوله تعالى أية : وما قدروا الله حق قدره تفسير : [الأنعام: 91] وقوله صلى الله عليه وسلم حديث : لا أحصي ثناء عليك" تفسير : وأن يخص بالكفار. ولما ذكر ما يظهرونه في حال الاستماع من اللهو واللعب، ذكر ما يخفونه من التشارو في الصد عنه وإعمال الحيلة في التنفير منه والتوثق من بعضهم لبعض في الثبات على المجانبة له فقال عاطفاً على {استمعوه}: {وأسروا} أي الناس المحدث عنهم {النجوى} أي بالغوا في إسرار كلامهم بسبب الذكر، لأن المناجاة في اللغة السر - كذا في القاموس، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: والنجوى: الكلام بين اثنين كالسر والتشاور. ولما أخبر بسوء ضمائرهم، أبدل من ضميرهم ما دل على العلة الحاملة لهم على ذلك فقال: {الذين ظلموا} ثم بين ما تناجوا به فقال: {هل} أي فقالوا في تناجيهم هذا، معجبين من ادعائه النبوة مع مماثلته لهم في البشرية: هل {هذا} الذي أتاكم بهذا الذكر {إلا بشر مثلكم} أي خلقه وأخلاقه من الأكل والشرب والحياة والموت، فكيف يختص عنكم بالرسالة؟ ما هذا الذي جاءكم به مما لا تقدرون على مثله إلا سحر لا حقيقة له، فحينئذ تسبب عن هذا الإنكار في قولهم: {أفتأتون السحر وأنتم} أي والحال أنكم {تبصرون*} بأعينكم أنه بشر مثلكم، وببصائركم أن هذه الخوارق التي يأتي بها يمكن أن تكون سحراً، فيا لله العجب من قوم رأوا ما أعجزهم فلم يجوزوا أن يكون عن الرحمن الداعي إلى الفوز بالجنان وجزموا بأنه من الشيطان الداعي إلى الهوان، باصطلاء النيران، والعجب أيضاً أنهم أنكروا الاختصاص بالرسالة مع مشاهدتهم لما يخص الله به بعض الناس عن بعض الذكاء والفطنة، وحسن الخلائق والأخلاق، والقوة والصحة، وطول العمر وسعة الرزق - ونحو ذلك من القيافة والعيافة والرجز والكهانة، ويأتون أصحابها لسؤالهم عما عندهم من ذلك من العلم. ولما كان الله تعالى لا يقر من كذب عليه، فضلاً عن أن يصدقه ويؤيده، ولا يخفى عليه كيد حتى يلزم منه نقص ما أراده، قال دالاً لهم على صدقه منبهاً على موضع الجحة في أمره - على قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، وجواباً لمن كأنه قال: فماذا يقال لهؤلاء؟ - على قراءة الباقين: {قال ربي} المحسن إليّ بتأييدي بكل ما يبين صدقي ويحمل على أتباعي {يعلم القول} سواء كان سراً أو جهراً. ولما كان من يسمع من هاتين المسافتين يسمع من أيّ مسافة فرضت غيرهما قطعاً، لم يحتج إلى جمع على أنه يصح إرادة الجنس فقال: {في السماء والأرض} على حد سواء، لأنه لا مسافة بينه وبين شيء من ذلك {وهو} أي وحده {السميع العليم*} يسمع كل ما يمكن سمعه، ويعلم كل ما يمكن علمه من القول وغيره، فهو يسمع سركم، ويبطل مكركم، ويسمع ما أنسبه إليه من هذا الذكر، فلو لم يكن عنه لزلزل بي، وقد جرت سنته القديمة في الأولين، بإهلاك المكذبين، وتأييد الصادقين، وإنجائهم من زمن نوح عليه السلام إلى هذا الزمان، ولعلمه بحال الفريقين. وستعلمون لمن تكون له العاقبة، وقد أشار إلى هذا في هؤلاء الأنبياء عليهم السلام الذين دل بقصصهم في هذه السورة على ما تقدمها من الأحكام والقضايا أية : وكنا به عالمين تفسير : [الأنبياء: 51] {إذ قال لأبيه وقومه وكنا لحكمهم شاهدين} و أية : كنا بكل شيء عالمين تفسير : [الأنبياء: 88] أية : وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون تفسير : [الأنبياء: 109] أية : إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون تفسير : [الأنبياء: 110] أية : إن الأرض يرثها عبادي الصالحونتفسير : [الأنبياء: 105] أية : ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} تفسير : [النور: 55].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏ {‏اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون‏} ‏ قال‏:‏ ‏"‏من أمر الدنيا‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏{‏اقترب للناس حسابهم‏}‏ قال‏:‏ ما يوعدون‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏ما يأتيهم من ذكر من ربهم‏} ‏ يقول‏:‏ ما ينزل عليهم شيء من القرآن‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏لاهية قلوبهم‏} ‏ قال‏:‏ غافلة‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وأسروا النجوى الذين ظلموا‏} ‏ يقول‏:‏ أسروا الذين ظلموا النجوى‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏{‏وأسروا النجوى‏} ‏ قال‏:‏ أسروا نجواهم بينهم ‏ {‏هل هذا إلا بشر مثلكم‏} ‏ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم ‏{‏أفتأتون السحر‏} ‏ يقولون‏:‏ إن متابعة محمد صلى الله عليه وسلم متابعة السحر‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏قال ربي يعلم القول‏} ‏ قال‏:‏ الغيب وفي قوله‏:‏ ‏ {‏بل قالوا أضغاث أحلام‏} ‏ قال‏:‏ أباطيل أحلام‏. وأخرج ابن منده وأبو نعيم في المعرفة والبيهقي في سننه وابن عدي، عن جندب البجلي أنه قتل ساحراً كان عند الوليد بن عقبة ثم قال‏:‏ ‏ {‏أفتأتون السحر وأنتم تبصرون‏}. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏بل قالوا أضغاث أحلام‏}‏ أي فعل الأحلام إنما هي رؤيا رآها ‏{‏بل افتراه بل هو شاعر‏}‏ كل هذا قد كان منه ‏ {‏فليأتنا بآية كما أرسل الأوّلون‏} ‏ كما جاء موسى وعيسى بالبينات والرسل ‏ {‏ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها‏} ‏ أي أن الرسل كانوا إذا جاؤوا قومهم بالآيات فلم يؤمنوا لم ينظروا‏. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال‏:‏ ‏"‏حديث : قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن كان ما تقول حقاً ويسرك أن نؤمن، فحوّل لنا الصفا ذهباً‏.‏ فأتاه جبريل فقال‏:‏ إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم ينظروا؛ وإن شئت استأنيت بقومك‏.‏ قال‏:‏ بل أستأني بقومي‏"‏‏تفسير : .‏ فأنزل الله ‏ {‏ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون‏}‏‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏أفهم يؤمنون‏}‏ قال‏:‏ يصدقون بذلك‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام‏} ‏ يقول‏:‏ لم نجعلهم جسداً ليس يأكلون الطعام، إنما جعلناهم جسداً يأكلون الطعام‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وما كانوا خالدين‏} ‏ قال‏:‏ لا بد لهم من الموت أن يموتوا‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏ثم صدقناهم الوعد‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏وأهلكنا المسرفين‏} ‏ قال‏:‏ هم المشركون‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم‏}‏ قال‏:‏ فيه شرفكم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏كتاباً فيه ذكركم‏} ‏ قال‏:‏ فيه حديثكم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏كتاباً فيه ذكركم‏}‏ قال‏:‏ فيه دينكم، أمسك عليكم دينكم بكتابكم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏كتاباً فيه ذكركم‏} ‏ يقول‏:‏ فيه ذكر ما تعنون به وأمر آخرتكم ودنياكم‏. وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي، عن ابن عباس قال‏:‏ بعث الله نبياً من حمير يقال له شعيب، فوثب إليه عبد فضربه بعصا فسار إليهم بختنصر فقاتلهم فقتلهم حتى لم يبق منهم شيء، وفيهم أنزل الله ‏ {‏وكم أهلكنا من قرية كانت ظالمة‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏خامدين‏}‏‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن الكلبي ‏ {‏وكم قصمنا من قرية‏} ‏ قال‏:‏ هي حصون بني أزد‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وكم قصمنا من قرية‏} ‏ قال‏:‏ أهلكناها‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏لا تركضوا‏} ‏ قال‏:‏ لا تفروا‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏لعلكم تسألون‏} ‏ قال‏:‏ تتفهمون‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال‏:‏ كانوا إذا أحسوا بالعذاب وذهبت عنهم الرسل من بعد ما أنذروهم فكذبوهم، فلما فقدوا الرسل وأحسوا بالعذاب أرادوا الرجعة إلى الإيمان وركضوا هاربين من العذاب، فقيل لهم‏؛‏ لا تركضوا‏.‏ فعرفوا أنه لا محيص لهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏إذا هم منها يركضون‏} ‏ قال‏:‏ يفرون‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وارجعوا إلى ما أترفتم فيه‏}‏ يقول‏:‏ ارجعوا إلى دنياكم التي أترفتم فيها ‏ {‏لعلكم تسألون‏}‏ من دنياكم شيئاً استهزاء بهم‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏فما زالت تلك دعواهم‏} ‏ قال‏:‏ لما رأوا العذاب وعاينوه، لم يكن لهم هجيري إلا قولهم‏:‏ ‏ {‏إنا كنا ظالمين‏}‏ حتى دمر الله عليهم وأهلكهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏وارجعوا إلى ما أترفتم فيه‏}‏ قال‏:‏ ارجعوا إلى دوركم وأموالكم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏فما زالت تلك دعواهم‏}‏ قال‏:‏ هم أهل حصون، كانوا قتلوا نبيهم فأرسل الله عليهم بختنصر فقتلهم‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏حتى جعلناهم حصيداً خامدين‏}‏ قال‏:‏ بالسيف ضربت الملائكة وجوههم حتى رجعوا إلى مساكنهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب قال‏:‏ حدثني رجل من المحررين قال‏:‏ كان باليمن قريتان، يقال لإحداهما حضور، والأخرى فلانة، فبطروا وأترفوا حتى كانوا يغلقون أبوابهم، فلما أترفوا بعث الله إليهم نبياً فدعاهم فقتلوه، فألقى الله في قلب بختنصر أن يغزوهم فجهز إليهم جيشاً فقاتلوهم فهزموا جيشه، ثم رجعوا منهزمين إليه فجهز إليهم جيشاً آخر أكثف من الأول فهزموهم أيضاً، فلما رأى بختنصر ذلك غزاهم هو بنفسه فقاتلوه فهزمهم حتى خرجوا منها يركضون، فسمعوا منادياً يقول‏:‏ {‏لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم‏} فرجعوا فسمعوا منادياً يقول‏:‏ يا لثارات النبي، فقتلوا بالسيف فهي التي قال الله‏:‏ ‏ {‏وكم قصمنا من قرية‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏خامدين‏}‏‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏حتى جعلناهم حصيداً‏}‏ قال‏:‏ الحصاد ‏ {‏خامدين‏}‏ قال‏:‏ كخمود النار إذا طفئت‏. وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله‏:‏ ‏ {‏خامدين‏}‏ قال‏:‏ ميتين‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول‏: شعر : خلوا ثيابهم على عوراتهم فهم بأفنية البيوت خمود

ابو السعود

تفسير : سورة الأنبياء مكية وهي مائة واثنتا عشرة آية {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ} مناسبةُ هذه الفاتحةِ الكريمة لما قبلها من الخاتمة الشريفة غنيةٌ عن البـيان. قال ابن عباس رضي الله عنهما: المرادُ بالناس المشركون وهو الذي يُفصح عنه ما بعده، والمرادُ باقتراب حسابِهم اقترابُه في ضمن اقترابِ الساعةِ، وإسنادُ الاقترابِ إليه لا إلى الساعة مع استتباعها له ولسائر ما فيها من الأحوال والأهوالِ الفظيعة لانسياق الكلامِ إلى بـيان غفلتِهم عنه وإعراضِهم عما يذكّرهم ذلك، واللامُ متعلقةٌ بالفعل، وتقديمُها على الفاعل للمسارعة إلى إدخال الروعةِ فإن نسبةَ الاقتراب إليهم من أول الأمر مما يسوؤهم ويُورثهم رَهبةً وانزعاجاً من المقترِب، كما أن تقديمَ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريحِ في قوله تعالى: { أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة: 29] لتعجيل المسرّة لما أن بـيان كونِ الخلق لأجل المخاطَبـين مما يسرّهم ويزيدهم رغبةً فيما خُلق لهم وشوقاً إليه، وجعلها تأكيداً للإضافة ـ على أن الأصلَ المتعارفَ فيما بـين الأوساط اقترب حسابُ الناس ثم اقترب للناس الحسابُ ثم اقترب للناس حسابُهم ـ مع أنه تعسفٌ تامٌّ ـ بمعزل عما يقتضيه المقامُ وإنما الذي يستدعيه حسنُ النظام ما قدمناه والمعنى دنا منهم حسابُ أعمالِهم السيئةِ الموجبة للعقاب، وفي إسناد الاقترابِ المنبىءِ عن التوجه نحوَهم إلى الحساب مع إمكان العكس بأن يُعتبرَ التوجّهُ والإقبالُ من جهتهم نحوه من تفخيم شأنِه وتهويلِ أمره ما لا يخفى لما فيه من تصويره بصورة شيءٍ مقبلٍ عليهم لا يزال يطلُبهم ويصيبهم لا محالة، ومعنى اقترابِه لهم تقارُبُه ودُنوُّه منهم بعدَ بُعدِه عنهم فإنه في كل ساعة من ساعات الزمان أقربُ إليهم منه في الساعة السابقة. هذا وأما الاعتذارُ بأن قربَه بالإضافة إلى ما مضى من الزمان أو بالنسبة إلى الله عز وجل أو باعتبار أن كلَّ آتٍ قريبٌ فلا تعلُّقَ له بما نحن فيه من الاقتراب المستفادِ من صيغة الماضي ولا حاجة إليه في تحقيق أصلِ معناه، نعم قد يفهم منه عُرفاً كونُه قريباً في نفسه أيضاً فيصار حينئذ إلى التوجيه بالوجه الأولِ دون الأخيرين، أما الثاني فلا سبـيلَ إلى اعتباره هٰهنا لأن قربَه بالنسبة إليه تعالى مما لا يُتصوّر فيه التجددُ والتفاوتُ حتماً، وإنما اعتبارُه في قوله تعالى: { أية : لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} تفسير : [الشورى: 17] ونظائرِه مما لا دَلالةَ فيه على الحدوث، وأما الثالثُ فلا دِلالةَ فيه على القرب حقيقةً ولو بالنسبة إلى شيء آخر. {وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ} أي في غفلة تامةٍ منه ساهون عنه بالمرة لا أنهم غيرُ مبالين به مع اعترافهم بإتيانه، بل منكرون له كافرون به مع اقتضاء عقولِهم أن الأعمالَ لا بد لها من الجزاء {مُّعْرِضُونَ} أي عن الآيات والنذرُ المنبّهة لهم عن سِنَة الغفلة، وهما خبران للضمير وحيث كانت الغفلةُ أمراً جِبِلّياً لهم جُعل الخبرُ الأول ظرفاً منبئاً عن الاستقرار بخلاف الإعراض، والجملةُ حالٌ من الناس، وقد جُوّز كونُ الظرف حالاً من المستكن في معرضون.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: دنا أوان الانتباه، وهم فى غفلة معرضون عن طريق التوبة والتيقظ والانتباه. قال عبد العزيز المكى: الاقتراب يدل على مُضِيِّ الأكثر، ومَضَى الأقل عن قريب كما مضى الأكثر، ومضى الأكثر فى ساعة على غفلة من الناس، ومضى الأقل فى طرفة عين على غفلة منهم، وتبقى الحسرة والندامة على ما مضى فى الغفلة، وليس تنبيه القلوب لما بقى، لأن القلوب عميت لارتكاب الذنوب واقترافها والمداومة عليها، وقلة المبالاة بما وعد عليها. وقال يحيى بن معاذ: جاز لك أن تحاسب نفسك وقد مضى أكثر عمرك، وتنـزجر عن الغفلة وقد نوديت ودُعيت إلى الأنبياء نداءً لم يبق لأحد معه عذر وهو قوله {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} فرحم الله عبدًا حاسب نفسه قبل أن تحاسب، ووزن نفسه قبل أن توزن، وانتبه عن غفلته قبل أن ينبه أولئك هم الأبرار.

القشيري

تفسير : فالمطيعون منهم عَظُمَ لدينا ثوابُهم، والعاصون منهم حَقَّ مِنَّا عقابُهم. {فِي غَفْلَةٍ} [الأنبياء: 1] يقال الغفلة على قسمين: غافلٍ عن حسابه باستغراقه في دنياه وهواه، وغافلٍ عن حسابه لاستهلاكه في مولاه؛ فالغفلة الأولى سِمَةُ الهجر والغفلة الثانية صِفَةُ الوَصْل؛ فالأَولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا من سكرة الموت، وهؤلاء لا يرجعون عن غيبتهم أبد الأبدِ لفنائهم في وجود الحق تعالى.

البقلي

تفسير : {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ (*)>ان الله سبحانه حذر الجمهور من مناقشته فى الحساب وزجرهم حتى ينتبهوا عن رقاد الغفلات وقرب الحساب اقرب من كل شئ منهم لو يعلمون فانه تعالى يحاسب العباد فى كل لمحة ونفس وحسابه ادق من الشعر واخفى من دبيب النمل على الصفا ولا يعرف ذلك الا المراقبون الذين يحاسبون انفسهم فى كل نفس وخطرة وهم فى غفلة فى حجاب عن مشاهدة الله معرضون عن طاعته اذ لاحظ لهم فى الطاعات ولا شرب لهم فى المشاهدات ويا غافل ----- حلاوة حساب الله ودقائق تعريفه مكان السهو والغلط تتحاسب نفسك فى كل نفس ما احلى خطابه الواعد فى تعيير العارفين وما اطيب مسامرته مع الصديقين فى مواخذته دقائق الخطرات كان بطون علم المجهول ----- الى ان هذا حركة جرسات الوصلة ولمعات زاد القربة كما قيل ويبقى الود ما بقى العتاب وقال بعضهم دنا او ان الانتباه وهم فى غفلتهم معرضون عن طريق التوبة والتغطية والانتباه قال بعضهم قرب ان اللقاء وهم فى غفلة عن استصلاح انفسهم لتلك الحضرة ثم وصف سبحانه القلوب الغافلة بقوله {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} ساهية عن الذكر وحقايقه ولذته شاغلة بحظوظ نفسها محجوبة عن لقاء خالقها قال ابن عطا رضى عن طريق رشدهم وقال بعضهم غافلة عن مسالك اليقين وطريق المتقين قال الواسطى لاهية عن ---- والموارد والمبدأ والمنهى.

اسماعيل حقي

تفسير : {اقترب للناس حسابهم} يقال قرب الشئ واقترب اذا دنا وقربت منه ولذا قال فى العيون اللام بمعنى من وهى متعلقة بالفعل وتقديمها على الفاعل للمسارعة الى ادخال الروعة فان نسبة الاقتراب اليهم من اول الامر مما يسوؤهم ويورثهم رهبة وانزعاجا من المقترب والمراد بالناس المشركون المنكرون للبعث من اهل مكة كما يفصح عنه ما بعده من الغفلة والاعراض ونحوهما. والحساب بمعنى المحاسبة وهو اظهار ما للبعد وما عليه ليجازى على ذلك والمراد باقتراب حسابهم اقترابه فى ضمن اقتراب الساعة وسمى يوم القيامة بيوم الحساب تسمية للزمان باعظم ما وقع فيه واشده وقعا فى القلوب فان الحساب وهو الكاشف عن حال المرء ومعنى اقترابه لهم تقاربه ودنوه منهم بعد بعده عنهم فانه فى كل ساعة من ساعات الزمان اقرب اليهم من الساعة السابقة مع ان ما مضى اكثر مما بقى وفى الحديث "حديث : اما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الامم كما بين صلاة العصر الى غروب الشمس"تفسير : وانما لم يعين الوقت لان كتمانه اصلح كوقت الموت. والمعنى دنا من مشركى قريش وقت محاسبة الله اياهم على اعمالهم السيئة الموجبة للعقاب يعنى القيامة. وقال الكاشفى نقلا عن بعض [نزديك شد وقت مؤاخذت وياد داشت ايشان كه قتل وكرفتارئ روز بدرست]. يقول الفقير هذا هو الاظهر عندى لان زمان الموت متصل بزمان القيامة فاقتراب وقت مؤاخذتهم بالقتل ونحوه فى حكم اقتراب وقت محاسبتهم بالقيامة ومثله من مات فقد قامت قيامته {وهم فى غفلة} الغفلة سهو يعترى من قلة التحفظ والتيفظ اى والحال انهم فى غفلة تامة من الحساب على النقير والقطمير والتأهب له ساهون عنه بالكلية لا انهم غير مبالين مع اعترافهم باتيانه بل منكرون له كافرون به مع اقتضاء عقولهم لان الاعمال لا بدلها من الجزاء والالزم التسوية بين المطيع والعاصى وهى بعيدة عن مقتضى الحكمة والعدالة {معرضون} عن الايمان والآيات والنذر المنبهة لهم من سنة الغفلة يقال اعرض اى ولى مبديا عرضه اى ناحيته وهما خبران للضمير وحيث كانت الفغلة امرا جبليا لهم جعل الخبر الاول ظرفا مبنيا عن الاستقرار بخلاف الاعراض والجملة حال من الناس. وفى التأويلات النجيمة واذا نصحهم ناصح واقف على احوالهم فهم معرضون عن استماع قوله ونصيحته كما قال {أية : ولكن لا تحبون الناصحين}تفسير : : قال الشيخ سعدى شعر : كسى راكه بندار در سر بود بمندار هركز كه حق بشنود زعلمش ملال آيداز وعظ ننك شقائق بباران زويد زسنك تفسير : وفى العرائس للبقلى ان الله تعالى حذر الجمهور من مناقشته فى الحساب وزجرهم حتى ينتهوا عن رقاد الغفلات وقرب الحساب اقرب من كل شئ منهم لو يعلمون فانه تعالى يحاسب العباد فى كل لمحة ونفس وحسابه ادق من الشعر واخفى من دبيب النمل على الصفا ولا يعرف ذلك الا المراقبون الذين يحاسبون فى كل نفس وخطوة وهم فى غفلة وفى حجاب عن مشاهدة الله معرضون عن طاعته اذ لا حظ لهم فى الطاعات ولا شرب لهم فى المشاهدات.

ابن عجيبة

تفسير : {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ...} قلت: {وهم}: مبتدأ، و {في غفلة}: خبر، و {معرضون}: خبر بعد خبر، والجملة: حال من الناس. و {من ذِكْر}: فاعل بيأتي. و {مِن}: صلة، و {من ربهم}: صفة لذكر، أي: حاصل من ربهم، أو متعلق بيأتيهم، أو صفة لذكر، وجملة {استمعوه}: حال من مفعول "يأتيهم"، بإضمار {قد} أو بدونه، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال. و {هم يلعبون}: حال أيضًا من فاعل "استمعوه"، و {لاهية}: حال من واو "يلعبون"، و {قلوبهم}: فاعل بلاهية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {اقتربَ للناس حسابُهُم} أي: قَرُبَ قيام الساعة التي هي محل حسابهم. قال ابن عباس: "المراد بالناس: المشركون" وهو الذي يُفصح عنه ما بعده, ولم يقل تعالى: "اقترب حساب الناس"، بل قدّم لام الجر على الفاعل؛ للمسارعة إلى إدخال الروعة، فإن نسبة الاقتراب إليهم من أول الأمر مما يسوؤهم ويورثهم رهبة وانزعاجًا، كما أن تقديم اللام في قوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [البَقَرَة: 29]؛ لتعجيل المسرة؛ لأن كون الخلق لأجل المخاطبين مما يسرهم ويزيدهم رغبة وشوقًا إليه تعالى. وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب المنبئ عن التوجه نحوهم، مع صحة إسناد الاقتراب إليهم بأن يتوجهوا نحوه، من تفخيم شأنه، وتهويل أمره، ما لا يخفى، لِمَا فيه من تصويره بشيء مقبل عليهم، لا يزال يطلبهم حتى يصيبهم لا محالة. ومعنى اقترابه: دنوه منهم شيئًا فشيئًا حتى يلحقهم؛ لأن كل آت قريب، أي: دنا حساب أعمالهم السيئة الموجبة للعقاب. {وهم في غفلةٍ} تامة منه، ساهون بالمرة عنه، غير ذاكرين له، لا أنهم غير مبالين به، مع اعترافهم بإتيانه، بل هم منكرون له، كافرون به، {معرضون} عن الآيات والنُذر المنبهة لهم عن سِنة الغفلة. {ما يأتيهم من ذكر} أي: من طائفة نازلة من القرآن، تذكر ذلك الحساب، وتنبههم عن الغفلة عنه، كائن أو نازل {من ربهم}، أو ذاكر ومذكر من ناحية ربهم. وفي إضافته إليه سبحانه دلالة على شرفه، وكمال شناعة ما فعلوه من الإعراض عنه، وفي التعبير بعنوان الربوبية تشنيع لكمال عتوهم، ومِنْ صفة ذلك الذكر {مُّحْدَث} تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة، بمعنى أنه نزل شيئًا فشيئًا، أو قريب عهد بالنزول، فمعاني القرآن قديمة، وإظهاره بهذه الحروف والأصوات حادث. وقال ابن راهويه: قديم من رب العزة، محدث إلى أهل الأرض. فما ينزل عليهم شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم {إِلا استمعوه وهم يلعبون}؛ لا يتعظون به، ولا يتدبرون في معانيه، {لاهيةً قلوبُهم}؛ ساهية، معرضة عن التفكر والتدبر في معانيه. وتقدير الآية: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث، في حال من الأحوال، إلا حال استماعهم إياه كانوا لاعبين مستهزئين به، لاهين عنه، حال كون قلوبهم لاهيةً عنه؛ لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر والتفكر في عواقب الأمور. والله تعالى أعلم. الإشارة: حمل الآية على العموم هو الظاهر عند الصوفية. وقد ورد عن رجل من الصحابة أنه كان يبني، فلقي بعض الصحابة فقال: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال له: {اقترب للناس حسابهم}، فنفض التراب، وقال: والله لا بنيتُ. هـ. أي: اقترب للناس حسابهم على النقير والقطمير، وهم في غفلة عن التأهب والاستعداد، معرضون عن اتخاذ الزاد، ما يأتيهم من ذكر من ربهم، يعظهم ويُوقظهم، إلا استمعوه بآذانهم، وهم يلعبون ساهون عنه بقلوبهم؛ لحشوها بالوساوس الشيطانية والعلائق النفسانية. لاهية قلوبهم عن التفكر والاعتبار والتدبر والاستبصار. قال القشيري: ويقال: الغفلة على قسمين؛ غافلٍ عن حسابه؛ لاستغراقه في دنياه، وغافلٍ عن حسابه؛ لاستهلاكه في مولاه، فالغفلة الأولى سِمَةُ الهجر، والثانية صِفَةُ الوصل، فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا في عسكر الموتى، وهؤلاء لا يرجون عن غيبتهم أبَدَ الأبد؛ لفنائهم في وجود الحق. هـ. قلت: القسمة ثلاثية: قوم غفلوا عن حسابهم؛ لاشتغالهم بحظوظهم وهواهم، وهم: الغافلون الجاهلون، وقوم ذكروا حسابهم، وجعلوه نصب أعينهم، وتأهبوا له، وهم: الصالحون والعباد والزهاد، وقوم غفلوا عنه، وغابوا عنه؛ لاستغراقهم في شهود مولاهم، وهم: العارفون المقربون. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. ثم ذكر المنهمكين في الغفلة، فقال: {... وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} قلت: {الذين ظلموا}: بدل من الواو، مُنبئ عن كونهم موصوفين بالظلم فيما أسروا به. وقال الكلبي: فيه تقديم وتأخير، أراد الذين ظلموا أسروا النجوى. فيكون {الذين}: مبتدأ و {أسروا}: خبر مقدم. وقال قطرب: على لغة بعض العرب، يقولون: أكلوني البراغيث، وهي بلغة بلحارث وغيرهم. وقال الفراء: بدل من الناس، أي: اقترب للناس وهم الذين ظلموا. و {هل هذا...} الخ: بدل من النجوى، أو مفعول بقول مضمر، كأنه قيل: ماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل: قالوا: هل هذا... الخ و {أنتم تبصرون}: حال من واو "تأتون"؛ مقررة للإنكار، مؤكدة للاستبعاد. و {من قرية}: فاعل آمنت، و "من": صلة للعموم. و {أهلكناها}: صفة لقرية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وأسَرُّوا النجوى}: أخفوا تناجيهم بحيث لم يشعر أحد بما قالوا، وهم {الذين ظلموا} بالكفر والطغيان، قائلين في تلك النجوى الشنيعة: {هل هذا} أي: ما هذا الرجل الذي يزعم أنه رسول {إلا بشرٌ مثلكم} أي: من جنسكم، وما أتى به سحر، {أفتأتون السحر وأنتم تُبصرون} أي: تعلمون ذلك فتأتونه، وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول، وأنتم تعاينون أنه سحر؟ قالوا ذلك، بناء على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ، أن الرسول لا يكون إلا مَلَكًا، وأنَّ كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق هو من قبيل السحر، وغاب عنهم أن إرسال البشر إلى البشر هو الذي تقتضيه الحكمة التشريعية. قاتلهم الله أنى يؤفكون. وإذا أسروا ذلك ولم يعلنوه؛ لأنه كان على طريق توثيق العهد؛ خفية، وتمهيدًا لمقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة، وإطفاء نور الدين. {أية : وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [الصف: 8]. ثم فضح الله سرهم ونجواهم بقوله: {قل ربي يعلم القولَ في السماء والأرض} أي: قل يا محمد: ربي يعلم القول، سرًا كان أو جهرًا، سواء كان في السماء أو الأرض، فلا يخفى عليه ما تناجيتم به، فيفضحكم به ويجازيكم عليه. وقرأ أكثر أهل الكوفة: (قال)؛ على الخبر، وهو حكاية من جهته تعالى لِمَا قاله - صلى الله عليه وسلم - بعد ما أوحى إليه أحوالهم وأقوالهم؛ بيانًا لظهور أمرهم وانكشاف سرهم، وإيثار القول المشتمل على السر والجهر؛ للإيذان بأن علمه تعالى بالسر والجهر على وتيرة واحدة، لا تفاوت بينهما بالجلاء والخفاء، كما في علوم الخلق. {وهو السميعُ العليم} أي: المبالغ في العلم بالمسموعات والمعلومات، التي من جملة ما أسروه من النجوى، فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم. {بل قالوا أضغاثُ أحلام}، هو إضراب من جهته تعالى، وانتقال من حكاية قولهم السابق إلى حكاية قول آخر مضطرب في مضارب البطلان، أي: لم يقتصروا على أن يقولوا في حقه - عليه الصلاة والسلام -: هل هذا إلا بشر، وفي حق ما ظهر على يديه من القرآن الكريم: إنه السحر، بل قالوا: هو تخاليط أحلام وأباطيلها، فهو أشبه شيء بالهذيان، ثم أضربوا عنه، وقالوا: {بل افتراه} من تلقاء نفسه، من غير أن يكون له أصل أو شبهة أصل. ثم قالوا: {بل هو شاعر}، وما أتى به شعر يُخيل إلى السامع، لا حقيقة لها. وهكذا شأن المبطل المحجوج، متحير، لا يزال يتردد بين باطل وأبطل، ويتذبذب بين فاسد وأفسد. فالإضراب الأول، كما ترى، من جهته تعالى، والثاني والثالث من قِبلهم. وقد قيل: الكل من قِبلهم، حيث أضربوا عن قولهم: هو سحر، إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى، ثم إلى أنه قول شاعر، وهو بعيد؛ لأنه لو كان كذلك لقال: قالوا: بل أضغاث أحلام... الخ. ثم قالوا: {فلْيأتِنا بآيةٍ}؛ وهو جواب عن شرط محذوف، يُفصح عنه السياق، كأنه قيل: وإن لم يكن كما قلنا، بل كان رسولاً من الله تعالى، فليأتنا بمعجزة ظاهرة {كما أُرسل الأولون} أي: مثل الآية التي أُرسل بها الأولون؛ كاليد، والعصا، و الناقة وشبه ذلك. فالكاف: صفة لمصدر محذوف، أي: إتيانًا مثل إتيان الأولين. قال تعالى: {ما آمنت قبلَهم من قرية أهلكناها} أي: أهلكنا أهلها، {أَفَهُمْ} أي: هؤلاء المقترحون عليك الآيات، {يُؤمنون} أي: قد اقترحت الأمم السالفة الآيات على رُسلها، فأعطوا ما اقترحوا، فلم يؤمنوا، فأهلكناهم، فكيف يؤمن هؤلاء، وهم أعتى منهم؟ فالهمزة: لإنكار الوقوع، والفاء: للعطف على مقدر، فأفادت إنكار وقوع إيمانهم. والمعنى: لم تُؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يُؤمنون، لو أُجيبوا إلى ما سألوا وأُعطوا ما اقترحوه من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يُؤمنون، لو أُجيبوا إلى ما سألوا وأُعطوا ما اقترحوه، مع كونهم أعتى منهم وأطغى؟ فهم في اقتراح الآيات كالباحث على حتفه فطلبه، وفي ترك إجابتهم إبقاء عليهم، كيف لا، ولو أعطوا ما اقترحوا، مع عدم إيمانهم قطعًا، لوجب استئصالهم، بجريان سُنَّةِ الله تعالى من الأمم السالفة أن المقترحين، إذا أُعطوا ما اقترحوا، فلم يؤمنوا، نزل بهم عذاب الاستئصال لا محالة، وقد سبقت كلمة الحق منه تعالى أن هؤلاء لا يُعذبون بعذاب الاستئصال، فلذلك لم يُظهر لهم ما اقترحوا من الآيات. والله تعالى أعلم. الإشارة: العلماء بالله، الداعون إلى الله، هم ورثة الأنبياء والرسل، فما قيل في الأصل قد قيل في الفرع، فكل عصر يُوجد من يُنكر على خواص ذلك العصر، ويرميهم بالسحر والجنون. والافتراء على الله سُنة ماضية. غير أن أولياء هذه الأمة على قدم نبيهم، رحمة للعالمين، فمن آذاهم لا يُعاجَل بالعقوبة في الغالب، وقد تكون باطنية، كقسوة القلوب، والخذلان، والشكوك، والأوهام. وهذا الوصف في العارفين الكملة، وأما الزهاد والعباد والصالحون: فمن آذاهم عُوجل بالعقوبة في الغالب؛ لنقص كمالهم، وعدم اتساع دائرة معرفتهم. وبالله التوفيق. ثمَّ ردَّ على من أنكر رسالة البشر.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر وخلفاً {قال ربي} على وجه الخبر.. الباقون {قل ربي} على وجه الامر. هذا اخبار من الله تعالى بأنه {اقترب للناس} يعني دنا وقت {حسابهم} ومعناه دنا وقت اظهار ما للعبد وما عليه ليجازى به وعليه. والحساب اخراج مقدار العدد بعقد يحصل. ويقال: هو إخراج الكمية من مبلغ العدة. وقيل انه دنا لأنه بالاضافة الى ما مضى يسير. وقيل: نزلت الآية فى أهل مكة استبطؤا عذاب الله تكذيباً بالوعيد، فقتلوا يوم بدر، والاقتراب قصر مدة الشيء بالاضافة الى ما مضى من زمانه. وحقيقة القرب قلة ما بين الشيئين، يقال: قرب ما بينهما تقريباً إذا قلل ما بينهما من مدة او مساقة او اي فاصلة، والقرب قد يكون فى الزمان، وفى المكان، وفي الحال. وقد قيل: كل آت قريب، فلذلك وصف الله تعالى القيامة بالاقتراب، لأنها جائية بلا خلاف. وقوله {وهم في غفلة معرضون} فالغفلة السهو، وهو ذهاب المعنى عن النفس ونقيضها اليقظة، ونقيض السهو الذكر، وهو حضور المعنى للنفس، والنسيان، هو عزوب المعنى عن النفس بعد حضوره. وقوله {معرضون} يعني عن الفكر في ذلك، والعمل بموجبه. وقيل: هم في غفلة بالاشتغال بالدنيا، معرضون عن الآخرة. وقيل: هم في غفلة بالضلال، معرضون عن الهدى. وهو مثل ما قلناه. وقوله {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} معناه اي شيء من القرآن محدث بتنزيله سورة بعد سورة وآية بعد آية {إلا استمعوه وهم يلعبون} اي كل ما جدد لهم الذكر استمروا على الجهل - في قول الحسن وقتادة - وفي هذه الآية دلالة على ان القرآن محدث، لأنه تعالى اخبر انه ليس يأتيهم ذكر محدث من ربهم إلا استمعوه وهم لاعبون. والذكر: هو القرآن قال الله تعالى {أية : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} تفسير : وقال {أية : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} تفسير : يعني القرآن، ويقويه في هذه الآية قوله {إلا استمعوه} والاستماع لا يكون إلا في الكلام، وقد وصفه بأنه محدث، فيجب القول بحدوثه. ويجوز في {محدث} الجر على انه صفة. ويجوز الرفع والنصب. فالنصب على الحال والرفع على تقدير هو محدث. ولم يقرأ بهما، وقوله {لاهية قلوبهم} نصب {لاهية} على الحال. وقال قتادة: معناه غافلة. وقال غيره: معناه طالبة للهو، هازلة. واللهو الهزل الممتع. وقوله {وأسروا النجوى الذين ظلموا} فموضع {الذين ظلموا} من الاعراب يحتمل أن يكون رفعاً على البدل من الضمير في قوله {وأسروا} كما قال تعالى {أية : ثم عموا وصموا كثير منهم} تفسير : ويجوز ان يكون رفعاً على الاستئناف، وتقديره وهم الذين ظلموا. ويحتمل وجهاً ثالثاً - أن يكون خفضاً بدلا من الناس. والمعنى ان الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله وجحدهم أنبيائه، وأخفوا القول فيما بنيهم. وقالوا {هل هذا} يعنون رسول الله {إلا بشر مثلكم}. وقال قوم: معناه انهم أظهروا هذا القول لأن لفظة {أسروا} مشتركة بين الاخفاء والاظهار، والأول أصح. وقوله {أفتأتون السحر} معناه أفتقبلون السحر {وأنتم تبصرون} أي وانتم تعلمون انه سحر. وقيل: معناه أفتعدلون الى الباطل وأنتم تعلمون الحق وتنكرون ثبوته. ثم أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) فقال { قل} يا محمد {ربي} الذي خلقني واصطفاني {يعلم القول في السماء والأرض} لا يخفى عليه شيء من ذلك بل يعلمه جمعيه {وهو السميع العليم} أي هو من يجب أن يسمع المسموعات إذا وجدت عالم بجميع المعلومات وقوله {بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه} فالمعني في {بل} الاضراب بها عما حكى انهم قالوه أولا، والاخبار عما قالوه ثانياً، لانهم اولا قالوا: هذا الذي اتانا به من القرآن {أضغاث أحلام} اي تخاليط رؤيا، رآها فى المنام - في قول قتادة - قال الشاعر: شعر : كضغث حلم عزمته حالمة تفسير : ثم قالوا: لا {بل افتراه} اي تخرصه وافتعله. ثم قالوا: {بل هو شاعر} وانما قالوا: هو شاعر، قول متحير، قد بهره ما سمع، فمرة يقول ساحر، ومرة يقول شاعر. ولا يجزم على أمر واحد. قال المبرد: في {أسروا} اضمار هؤلاء اللاهية قلوبهم، والذين ظلموا بدلا منه. وقال قوم: قدم علامة الجمع، لان الواو علامة الجمع، وليست بضمير، كقولهم: انطلقوا أخوتك، وانطلقا صاحباك، تشبيها بعلامة التأنيث، نحو: ذهبت جاريتك، وهذا يجوز، لكن لا يختار فى القرآن مثله.

الجنابذي

تفسير : {ٱقْتَرَبَ} قرب منه ككرم وقربه كسمع واقترب بمعنىً لكن فى اقترب معنى المبالغة {لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} نسبة القرب والبعد الى الافعال ليست الاّ باعتبار اوقاتها، ووقت الحساب هو وقت القيامة، ولمّا كانت القيامة واقعة فى طول الزّمان لا فى عرضه وكانت مقوّمةً له لا من ابعاضه لم يكن قربها وبعدها بحسب الزّمان بل كانت قريبة من الزّمان وان كانت الزّمانيّات متفاوتة النّسبة اليها بانّ بعضها يكون قريباً منها وبعضها بعيداً ولهذا التّفاوت قال (ص): حديث : بعثت انا والسّاعة كهاتينتفسير : ؛ بخلاف سائر الأنبياء {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} عن الحساب وعن التّهيّؤ له.

الأعقم

تفسير : نزلت الآيات في منكر البعث {اقترب للناس حسابهم} والمراد اقتربت الساعة، وإذا اقتربت الساعة فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب والثواب والعقاب إذا كان من أشراطها أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {وهم في غفلة} أي من دنوها وكونها {معرضون} يعني عن... فيها والتأهب لها، قال جار الله: فإن قلتَ: كيف وصفت بالاقتراب؟ قلتُ: هو مقترب عند الله والدليل عليه قوله عز وجل: {ويستعجلونك بالعذاب} {وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون} وإن كل آتٍ قريب وإن طالت أوقات استقباله قربت {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث}، قيل: أي شيء من القرآن محدث ينزله سورة سورة وآية وآية ينبئهم على ذكر القيامة والوعد والوعيد {إلاَّ استمعوه وهم يلعبون}، قيل: كلما جدّد لهم الذكر استمروا على الجهل لا يتّعظون ولا يعتبرون {لاهية قلوبهم}، قيل: غافلة عن أمر دينهم معرضون عن ذكر الله {وأسرُّوا النجوى} أي أخفوا مناجاتهم، قال جار الله: فإن قلتَ: النجوى هو اسم من التناجي لا يكون إلاَّ خفية فما معنى قوله: وأسرّوا؟ قلت: معناه بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يعلم أحد من هم مناجون {الذين ظلموا} الموسومون بالظالم الفاحش فيما أسروا {هل هذا} يعني محمد {إلاَّ بشر مثلكم} نفروا الناس عنه بشيئين أحدهما أنه بشر والثاني أن ما أتى به سحر وذلك جهل منهم لأن القرآن معجزة إذ لو كان سحر لقدر عليه غيره من البشر {أفتأتون السحر وأنتم تبصرون} يعني تقبلون وأنتم تعلمون أنه سحر.

الهواري

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} أي: إن ذلك قريب. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إنما مثلي ومثل الساعة كهاتين وجمع بين أصبعيه الوسطى والتي يقول لها الناس السبابة . تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : حين بعث إليّ بعث إلى صاحب الصور فأهوى به إلى فيه، وقدم رجلاً وأخر أخرى، ينظر متى يؤمر فينفخ، ألا فاتقوا النفخة الأولى . تفسير : قوله عزّ وجلّ: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} يعني المشركين في غفلة عن الآخرة، معرضون عن القرآن. {مَا يَأتِيهِم مِّنْ ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ} أي: كلما نزل من القرآن شيء أعرضوا عنه. قال عز وجل: {إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} أي: يسمعونه بآذانهم ولا تقبله عقولهم. قال بعضهم: لما نزلت هذه الآية قال أناس من أهل الضلالة: زعم صاحبكم أن الساعة قد اقتربت؛ فتناهوا قليلاً؛ قال: ليس يعني عن شركهم، ثم قال أناس من أهل الضلالة: يزعم هذا الرجل أنه قد أتى أمر الله؛ فتناهوا قليلاً ثم عادوا، فأنزل الله في سورة هود: {أية : وَلئِن أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} تفسير : [هود: 8] قال الله عز وجل: {أية : أَلاَ يَوْمَ يَأتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} تفسير : [هود: 8] يعني العذاب.

اطفيش

تفسير : {اقْتَرَبَ} بمعنى قرب فهو موافق للمجرد والزيادة للتأكيد {للنَّاسِ حِسَابُهُمْ}. وإن قلت: كيف وصف بالاقتراب وهذه ألف ومائتان واثنان وسبعون عاما منذ نزلت الآية أو أكثر من ذلك؟ قلت: وصف به لأنه عند الله قريب ولو بعُد عند غيره. واليومُ عند الله ألف سنة من سنوات الدنيا؛ ولأن كل آتٍ قريب، وإن طال أجله وإنما البعيد هو ما مضى، أو لأن الاقتراب نسى؛ فإن ما بقى من الدنيا ولو طال قصير بالنسبة إلى ما مضى؛ بدليل بعث النبى صلى الله عليه وسلم الذى هو خاتم النبيين وعلامة للساعة. وعنه صلى الله عليه وسلم: بُعثت فى قَسَم الساعة. وخطب بعض المتقدمين: ولّت الدنيا حداء، ولم تبق إلا صُبابة كصُبابة الإناء. و اللام متعلق باقترب وهى أصل. وإن اعتبرنا أن الأصل اقترب حساب الناس ثم اقترب حسابُ للناس بعدم تنوين حساب للإضافة وبزيادة اللام فى المضاف إليه كقوله: يا لؤسّ للحرب ثم تركت الإضافة الجار والمجرور، فتعلق باقترب. وكان الجار غير زائد، ثم عوض عن التعريف بالإضافة التعريفُ بأَل فقيل: اقترب للناس الحساب ثم اقترب للناس حسابهم. فهى بحسب الأصل زائدة فهى للتأكيد ولو بعد ذلك. فإنه إذا كان يكفى أن يقال: اقترب حساب الناس فزيد فيه اللام وضمير الناس بأن قيل: اقترب للناس حسابهم فلا يخفى ما فيه من التقوية ولو لم يُقل بزيادتها فى الأصل لذكر الناس مرتين إظهاراً وفى ذلك نوع إبهام وتبيين. والناس: المشركون؛ بدليل وصفهم بما يأتى فهو من إطلاق اسم الجنس على بعضه. وذلك قول ابن عباس قيل: مراده مشركو مكة المنكرو البعث. ويحتمل أن يراد كل المكلفين والحكم عليهم بالوصف الآتى حكم على المجموع وفيه زجر للجميع كما تقول للطلبة: مالكم تنامون، وتغلظ عليهم، مع أن النائم بعضهم، زجراً للبعض، وتحذيراً لغير النائم أن ينام. وفى ذكر مجئ الحساب أيضاً دعاء للتأَهب. وذكرتَ معنى الحساب والبحث فى حساب المشركين فى غير هذه السورة. وكان رجل من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم يبنى جداراً فمرَّ به آخَرُ يومَ نزول هذه الآية فقال الذى يبنى: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ قال: نزل {اقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون} فنفض يديه وقال: والله لا بنيت. قال أبو بكر بن العربى: قال لى شيخى: ارغب فى العبادات لا تذهب بك أمر، فى مطاولة الأقران ومواصلة الإخوان. ولم أر للخلاص أقرب من طريقين: إما أن يغلق الإنسان بابه على نفسه، وإما أن يخرج إلى موضع لا يعرف فيه. فإن اضطر إلى مخالطة الناس، فليكن معهم ببدنه، ويفارقهم بلسانه وقلبه. وإن لم يستطع فبقلبه. والواو للحال، وفى غفلة تتعلق بمحذوف خبر، ومعرضون خبر ثان، أى هم ثابتون فى غفلة من الحساب، معرضون عن التفكر فيه، أو متعلق بمحذوف حال من المستتر فى معرضون، ومعرضون خبر، وصاحب الحال الذى هو جملة حساب. ويأخذ عصاة الموحدين من تلك الأوصاف حظهم إلا الحكم بأن القرآن سحر، ونحو هذا، لكن المشرك ينكر والعاصى يقر، ويعمل كالمنكر. يا أخى أَشعِرْ قلبَك مهابة، فإلى الله مآلك، وتأَهَّب للقدوم، فقد آن ارتحالك. أنت فى سكرة لذاتك، وغَشْيو شهواتك، وإغماء غفلاتك، مقراض الفناء يعمل فى ثوب حياتك، ويَفْصِل أجزاء عمرك جزءاً جزءاً فى سائر ساعاتك؛ كُلُّ نَفَسٍ مِن أنفاسك جزء منفصل من جملة ذاتك، وبذهاب الأجزاء تذهب الجُمل. أنت جملة تؤخذ آحادها وأبعاضها إلى أن يستوفى سائرها عساكر الأقضية، والأقدار محدقة بأَطوار الأعمار، تهدمها بمعاول الليل والنهار، فلق أضاء مصباح الاعتبار. لم يبق لنا فى جميع أوقاتنا سكون ولا قرار.

اطفيش

تفسير : {اقْتَرب للنَّاس حِسابُهُم} قرب قرباً شديداً لزيادة الهمزة والتاء، أو مرادف للمجرد كرقب وارتقب، ولا يقال ما القرب، ومن حين نزلوها الى الآن أكثر من ألف عام، وثلاثمائة، وأحد وعشرين، لأنه تعالى عظيم الشأن فالقرب عنده بعيد عندنا جداً، فالألف من السنين عنده يوم فقد مضى يوم واحد وزيادة، وقد قال الله عز وجل: "أية : إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً"تفسير : [المعارج: 6 - 7] أو المراد بالاقتراب تحقيق الوقوع، وإذا جاز التعبير بالمضى عن الآتى، فكيف لا يعبر عنه بالقرب وكل آت قريب، والبعد ما وقع ومضى كما قيل: شعر : فلا زال ما تهواه أقرب من غد ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس تفسير : أو القرب باعتبار ما مضى من الدنيا، ولا حاجة الى تقدير مضاف، هكذا اقترب للناس زمان حسابهم، فإن ما قرب زمان وقوعه قد قرب، وما قرب وقوعه قرب زمانه، وهنا ذكر ما يقع، وفى اقتربت الساعة ذكر الزمان، وذكر اقتراب الحساب ولم يذكر العذاب، لأن الحساب يوجبه، وهو لدلالته على المناقشة دال على العذاب الشديد، ولذلك مما لا يخلو قلوبهم عن الاضطراب به، ولو بالغوا فى العناد. كما روى أنها لما نزلت "أية : اقتربت الساعة" تفسير : [القمر: 1] قالوا: أمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما يكون، فمضت مدة فقالوا ما رأينا ما تعدنا فنزل: "اقترب للناس حسابهم" فأشفقوا، ومضت مدة، وقالوا: ما نرى شيئاً، وللام بمعنى أل أو للاستحقاق أولى من كونها بمعنى من، وقدم للناس وأخر حسابهم على طريق الاهتمام بالمقدم والتهويل به. والتشويق إلى ذكر المؤخر، ولم يقل اقترب الناس للحساب، لأن الأصل وهو الجارى فى القرآن أن يسند الاقتراب الى الآية، لا الى الموجود والناس المكلفون عموماً، أو المشركون، أو مشركو مكة، ليذكرهم بأوصاف الشرك بعد، أو للعموم اعتباراً بالأكثر حكم الكل عرفاً وشرعاً، وذلك كل لا كلية، أو المشركون والعصاة، فيصرف الى كل فريق، وما يليق به، وهو خلاف الظاهر. ويروى أن خاتم النبى صلى الله عليه وسلم ثلاثة أسطر: محمد سطر أول، ورسول سطر فوقه، والله سطر ثالث أعلى، وخاتم الصديق: نعم القادر الله، وخاتم الفاروق كفى بالموت واعظاً يا عمر، وخاتم عثمان: لتصبرن أو لتندمن، وخاتم على: الملك لله، وخاتم عمر بن عبد العزيز: اغز غزوة تجادل عنك يوم القيامة. {وهُم فى غَفْلة} عظيمة بشدة بعدها عن التنبه، أو بعمومها فى أمور الدين من التوحيد والرسالة والحساب والثواب والعقاب، ونحو ذلك من الأصول والفروع والجملة حال من الناس، ولا شعور للغافل عن المفعول عنه، بخلاف الإعراض، ولذا ذكره بقوله {مُعْرضون} خبر ثان، أعرضواعن التفكر فى عاقبة حالهم، ومآل أمرهم، وذلك تابع لغفلتهم أو أعرضوا عن الآيات والتذكر بعد النزول أو أعرضوا أتوا بأمر عريض، أى واسع فى غفلتهم، وأفرطوا فيه كقوله: شعر : عطاء فتى تمكن فى المعالى وأعرض فى المعالى واستطالا تفسير : أى تمكن فى عرض المعالى وطولها، ولا يقال: أعرضوا من تحسين الحق وتقبيح الباطل، لأن التحسين والتقبيح العقليين لا يثبتان ولو قالت بهما المعتزلة، إلا أن يقال المعنى أعرضوا عن أن يقلدوا حسن ما حسنه الله، وقبح ما قبحه قال حذيفة بن أسد: اطلع النبى صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر الساعة فقال:"حديث : لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات قبلها: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وخروج عيسى، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس الى المحشر تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا: تفسير : وعن عموا: إذا ذكر الدجال عند النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله لا يخفى عليكم إن الله ليس بأعور وأن المسيخ الدجال أعور العين اليمنى هى طافية كالعنبة" تفسير : وعن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما بعث الله من نبى إلا أنذر قومه بالأعور الكذاب إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر ". تفسير : وعن حذيفة عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن مع الدجال ماء وناراً ماءه نار وناره ماء" تفسير : وعن فاطمة بنت قيس ان النبى صلى الله عليه أخر صلاة العشاء، ثم خرج فقال: "إنما حبسنى حديث كان يحدثنى به تميم الدارى أن ابن عم له ركب البحر فوقع فى جزيرة من جزائر البحر فإذا هو بقصر عال فيه رجل يجر شعره مسلسل بالأغلال فقال: من أنت؟ فقال: أنا الدجال، أما خرج الرسول الأمى بعد؟ قال: بلى، قال: هل أطاعوه؟ قال: نعم: قال: ذلك شر لى خير لهم" فقيل: إن الدجال محبوس، ويخرج آخر الزمان، وقيل: سيولد آخر الزمان، ويخرج ويدعو الناس إلى عبادة نفسه، فيتبعه من اليهود ما لا يحصى، ويطوف بالبلدان، ويفتن كثيراً من الناس، ثم ينزل عيسى بن مريم عليه السلام، فيقتله فى باب لد من بيت المقدس، ويظهر الإسلام فى جميع الأرض.

الالوسي

تفسير : {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـابُهُمْ} روي عن ابن عباس كما قال الإمام والقرطبـي والزمخشري أن المراد بالناس المشركون ويدل عليه ما ستسمعه بعد إن شاء الله تعالى من الآيات فإنها ظاهرة في وصف المشركين، وقال بعض الأجلة: إن ما فيها من قبيل نسبة ما للبعض إلى الكل فلا ينافي كون تعريفه للجنس، ووجه حسنه هٰهنا كون أولئك البعض هم الأكثرون وللأكثر حكم الكل شرعاً وعرفاً. ومن الناس من جوز إرادة الجنس والضمائر فيما بعد لمشركي أهل مكة وإن لم يتقدم ذكرهم في هذه السورة وليس بأبعد مما سبق، وقال بعضهم: إن دلالة ما ذكر على التخصيص ليست إلا على تقدير تفسير الأوصاف بما فسروها به، ويمكن أن يحمل كل منها على معنى يشترك فيه عصاة الموحدين ولا يخفى أن في ذلك ارتكاب خلاف الظاهر جداً، واللام صلة لاقترب كما هو الظاهر وهي بمعنى إلى أو بمعنى من فإن {ٱقْتَرَبَ} افتعل من القرب ضد البعد وهو يتعدى بإلى وبمن، واقتصر بعضهم على القول بأنها بمعنى إلى فقيل فيه تحكم لحديث تعدي القرب بهما، وأجيب بأنه يمكن أن يكون ذلك لأن كلاً من من وإلى اللتين هما صلتا القرب بمعنى انتهاء الغاية إلا أن إلى عريقة في هذا المعنى ومن عريقة في ابتداء الغاية فلذا أوثر التعبير عن كون اللام المذكورة بمعنى انتهاء الغاية كالتي في قوله تعالى: { أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } تفسير : [الزلزلة: 5] القول بأنها بمعنى إلى واقتصر عليه، وفي «الكشف» المعنى على تقدير كونه صلة لاقترب اقترب من الناس لأن معنى الاختصاص وابتداء الغاية كلاهما مستقيم يحصل به الغرض انتهى، وفيه بحث فإن المفهوم منه أن يكون كلمة من التي يتعدى بها فعل الاقتراب بمعنى ابتداء الغاية وليس كذلك لعدم ملاءمة ذلك المعنى مواقع استعمال تلك الكلمة فالحق أنها بمعنى انتهاء الغاية فإنهم ذكروا أن من يجىء لذلك، قال الشمني: وفي الجني الداني مثل ابن مالك لانتهاء الغاية بقولهم تقربت منه فإنه مساو لتقربت إليه، ومما يشهد لذلك أن فعل الاقتراب كما يستعمل بمن يستعمل بإلى، وقد ذكر في معاني من انتهاء الغاية كما سمعت ولم يذكر أحد في معاني إلى ابتداء الغاية والأصل أن تكون / الصلتان بمعنى فتحمل من على إلى في كون المراد بها الانتهاء، وغاية ما يقال في توجيه ذلك أن صاحب «الكشف» حملها على ابتداء الغاية لأنه أشهر معانيها حتى ذهب بعض النحاة إلى إرجاع سائرها إليه وجعل تعديته بها حملاً على ضده المتعدي بها وهو فعل البعد كما أن فعل البيع يعدى بمن حملاً له على فعل الشراء المتعدي بها على ما ذكره نجم الأئمة الرضي في بحث الحروف الجارة. والمشهور أن {ٱقْتَرَبَ} بمعنى قرب كارتقب بمعنى رقب، وحكى في «البحر» أنه أبلغ منه لزيادة مبناه والمراد من اقتراب الحساب اقتراب زمانه وهو الساعة، ووجه إيثار بيان اقترابه مع أن الكلام مع المشركين المنكرين لأصل بعث الأموات ونفس إحياء العظام الرفات فكان ظاهر ما يقتضيه المقام أي يؤتى بما يفيد أصل الوقوع بدل الاقتراب وأن يسند ذلك إلى نفس الساعة لا إلى الحساب للإشارة إلى أن وقوع القيام وحصول بعث الأجساد والأجسام أمر ظاهر بلا تمويه وشيء واضح لا ريب فيه وأنه وصل في الظهور والجلاء إلى حيث لا يكاد يخفى على العقلاء وأن الذي يرخي في بيانه أعنة المقال بعض ما يستتبعه من الأحوال والأهوال كالحساب الموجب للاضطراب بل نفس وقوع الحساب أيضاً غني عن البيان لا ينبغي أن ترتاب فيه العقول والأذهان وأن الذي قصد بيانه هٰهنا أنه دنا أوانه واقترب زمانه فيكون الكلام مفصحاً عن تحقق القيام الذي هو مقتضى المقام على وجه وجيه أكيد ونهج بديع سديد لا يخفى لطفه على من ألقى السمع وهو شهيد. وجوز أن يكون الكلام مع المشركين السائلين عن زمان الساعة المستعجلين لها استهزاء كما في قوله تعالى: { أية : فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا } تفسير : [الإسراء: 51] فحينئذٍ يكون الإخبار عن الاقتراب على مقتضى الظاهر، وإيثار بيان اقتراب الحساب على بيان اقتراب سائر وقوع مستتبعات البعث كفنون العذاب وشجون العقاب للإشعار بأن مجرد اقتراب الحساب الذي هو من مبادي العذاب ومقدماته كاف في التحذير عما هم عليه من الإنكار وواف بالردع عما هم عليه من العلو والاستكبار فكيف الحال في نفس العذاب والنكال. وذكر شيخ الإسلام مولانا أبو السعود عليه الرحمة أن إسناد ذلك إلى الحساب لا إلى الساعة لانسياق الكلام إلى بيان غفلتهم عنه وإعراضهم عما يذكرهم إياه وفيه ما فيه، ثم الوجه اللائح في النظر الجليل لإسناد الاقتراب إلى الحساب دون الناس مع جواز العكس هو أن الاقتراب إذا حصل بين شيئين يسند إلى ما هو مقبل على الآخر متحرك ومتوجه إلى جهته حقيقة أو حكماً حتى أنه لو كان كل منهما متوجهاً إلى الآخر يصح إلى كل منهما، وقد سمعت أن المراد من اقتراب الحساب اقتراب زمانه، وقد صرح به أجلة المفسرين، وأنت خبير بأن الشائع المستفيض اعتبار التوجه والإتيان من الزمان إلى ذي الزمان لا بالعكس فلذلك يوصف الزمان بالمضي والاستقبال فكان الجدير أن يسند الاقتراب إلى زمان الحساب ويجعل الناس مدنواً إليهم. وذكر شيخ الإسلام أن في هذا الإسناد من تفخيم شأن المسند إليه وتهويل أمره ما لا يخفى لما فيه من تصوير ذلك بصورة شيء مقبل عليهم لا يزال يطلبهم فيصيبهم لا محالة انتهى، وهو معنى زائد على ما ذكرنا لا يخفى لطفه على الناقد البصير واليلمعي الخبير، والمراد من اقتراب ذلك من الناس على ما اختاره الشيخ قدس سره دنوه منهم بعد بعده عنهم فإنه في كل ساعة يكون أقرب إليهم منه في الساعة السابقة، واعترض قول الزمخشري المراد من ذلك كون الباقي من مدة الدنيا أقل وأقصر مما مضى منها فإنه كصبابة الإناء ودردي الوعاء بأنه لا تعلق له بما نحن فيه من الاقتراب المستفاد من صيغة الماضي ولا حاجة إليه في تحقيق أصل معناه. نعم قد يفهم منه / عرفاً كونه قريباً في نفسه أيضاً فيصار حينئذٍ إلى هذا التوجيه. وتعقبه بعض الأفاضل بأن القول بعدم التعلق بالاقتراب المستفاد من صيغة الماضي خارج عن دائرة الإنصاف فإنه إن أراد أنه لا تعلق له بالحدوث المستفاد منها فلا وجه له أيضاً إذ الاقتراب بالمعنى المذكور أمر حدث بمضي الاكثر من مدة الدنيا وإن أراد أنه لا تعلق له لا تعلق بالمضي المستفاد منها فلا وجه له أيضاً إذ الدلائل دلت على حصول هذا الاقتراب حين مبعث النبـي صلى الله عليه وسلم الموعود في آخر الزمان المتقدم على نزول الآية. ثم قال: فليت شعري ما معنى عدم تعلقه بما نحن فيه بل ربما يمكن أن يدعي عدم المناسبة في المعنى الذي اختاره نفسه فإن الاقتراب بذلك المعنى مستمر من أول بدء الدنيا إلى يوم نزول الآية بل إلى ما بعد فالذي يناسبه هو الصيغة المنبئة عن الاستمرار والدوام، ثم لا يخفى على أصحاب الأفهام أن هذا المعنى الذي اعترضه أنسب بما هو مقتضى المقام من إخافة الكفرة اللئام المرتابين في أمر القيام لما فيه من بيان قربه الواقع في نفس الأمر اهـ فتدبر. وقيل المراد اقتراب ذلك عند الله تعالى، وتعقب بأنه لا عند لله عز وجل إذ لا نسبة للكائنات إليه عز وجل بالقرب والبعد. ورد بأنه غفلة أو تغافل عن المراد فإن المراد من عند الله في علمه الأزلي أو في حكمه وتقديره لا الدنو والاقتراب المعروف، وعلى هذا يكون المراد من القرب تحققه في علمه تعالى أو تقديره. وقال بعض الأفاضل: ليس المراد من كون القرب عند الله تعالى نسبته إليه سبحانه بأن يجعل هو عز وجل مدنواً منه ومقرباً إليه - تعالى عن ذلك علواً كبيراً - بل المراد قرب الحساب للناس عند الله تعالى، وحاصله أنه تعالى شأنه لبلوغ تأنيه إلى حد الكمال يستقصر المدد الطوال فيكون الحساب قريباً من الناس عند جنابه المتعال وإن كان بينه وبينهم أعوام وأحوال، وعلى هذا يحمل قوله تعالى: { أية : يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً } تفسير : [المعارج: 6 - 7] وهذا المعنى يفيد وراء إفادته تحقق الثبوت لا محالة أن المدة الباقية بينهم وبين الحساب شيء قليل في الحقيقة وما عليه الناس من استطالته واستكثاره فمن التسويلات الشيطانية وأن اللائق بأصحاب البصيرة أن يعدوا تلك المدة قصيرة فيشمروا الذيل ليوم يكشف فيه عن ساق ويكون إلى الله تعالى شأنه المساق، وقول شيخ الإسلام في الاعتراض على ما قيل أنه لا سبيل إلى اعتباره هٰهنا لأن قربه بالنسبة إليه تعالى مما لا يتصور فيه التجدد والتفاوت حتماً وإنما اعتباره في قوله تعالى: { أية : لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ } تفسير : [الشورى: 17] ونظائره مما لا دلالة فيه على الحدوث مبني على حمل القرب عنده تعالى على القرب إليه تعالى بمعنى حضور ذلك في علمه الأزلي فإنه الذي لا يجري فيه التفاوت حتماً وأما قرب الأشياء بعضها إلى بعض زماناً أو مكاناً فلا ريب أنه يتجدد تعلقات علمه سبحانه بذلك فيعلمه على ما هو عليه مع كون صفة العلم نفسها قديمة على ما تقرر في موضعه اهـ. واختار بعضهم أن المراد بالعندية ما سمعته أولاً وهو معنى شائع في الاستعمال وجعل التجدد باعتبار التعلق كما قيل بذلك في قوله تعالى: { أية : وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ لَنَعْلَمَ } تفسير : [الكهف: 12] الآية، وقيل المراد من اقترابه تحقق وقوعه لا محالة فإن كل آت قريب والبعيد ما وقع ومضى ولذا قيل: شعر : فلا زال ما تهواه أقرب من غد ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس تفسير : ولا بد أن يراد من تحقق وقوعه تحققه في نفسه لا تحققه في العلم الأزلي ليغاير القول السابق. وبعض الأفاضل قال: إنه على هذا الوجه عدم تعلقه بالاقتراب المستفاد من صيغة الماضي إلا أن يصار إلى القول بتجرد الصيغة عن الدلالة على الحدوث كما في قولهم: سبحان من تقدس عن الأنداد وتنزه عن الأضداد فتأمل ولا تغفل. وتقديم الجار والمجرور على الفاعل كما صرح به شيخ الإسلام للمسارعة إلى إدخال الروعة فإن نسبة الاقتراب / المشركين من أول الأمر يسوؤهم ويورثهم رهبة وانزعاجاً من المقترب، واعترض بأن هؤلاء المشركين لا يحصل لهم الترويع والانزعاج لما ستسمع من غفلتهم وإعراضهم وعدم اعتدادهم بالآيات النازلة عليهم فكيف يتأتى تعجيل المساءة. وأجيب بأن ذلك لا يقتضي أن لا يزعجهم الإنذار والتذكير ولا يروعهم التخويف والتحذير لجواز أن يختلج في ذهنهم احتمال الصدق ولو مرجوحاً فيحصل لهم الخوف والإشفاق. وأيد بما ذكره بعض المفسرين من أنه لما نزلت: { أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ } تفسير : [القمر: 1] قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزلت {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـابُهُمْ} فأشفقوا فانتظروا قربها فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به انتهى. وقال بعضهم في بيان ذلك: إن الاقتراب منبـىء عن التوجه والإقبال نحو شيء فإذا قيل اقترب أشعر أن هناك أمراً مقبلاً على شيء طالباً له من غير دلالة على خصوصية المقترب منه فإذا قيل بعد ذلك {لِلنَّاسِ} دل على أن ذلك الأمر طالب لهم مقبل عليهم وهم هاربون منه فأفاد أن المقترب مما يسوؤهم فيحصل لهم الخوف والاضطراب قبل ذكر الحساب بخلاف ما إذا قيل اقترب الحساب للناس فإن كون إقبال الحساب نحوهم لا يفهم على ذلك التقدير إلا بعد ذكر للناس فتحقق فائدة التعجيل في التقديم مما لا شبهة فيه بل فيه فائدة زائدة وهي ذهاب الوهم في تعيين ذلك الأمر الهائل إلى كل مذهب إلى أن يذكر الفاعل، ويمكن أيضاً أن يقال في وجه تعجيل التهويل: إن جريان عادته الكريمة صلى الله عليه وسلم على إنذار المشركين وتحذيرهم وبيان ما يزعجهم يدل على أن ما بين اقترابه منهم شيء سيء هائل فإذا قدم الجار يحصل التخويف حيث يعلم من أول الأمر أن الكلام في حق المشركين الجاري عادته الكريمة عليه الصلاة والسلام على تحذيرهم بخلاف ما إذا قدم الفاعل حيث لا يعلم المقترب منه إلى أن يذكر الجار والمجرور والقرينة المذكورة لا تدل على تعيين المقترب كما تدل على تعيين المقترب إذ من المعلوم من عادته الكريمة صلى الله عليه وسلم أنه إذا تكلم في شأنهم يتكلم غالباً بما يسوؤهم لا أنه عليه الصلاة والسلام يتكلم في غالب أحواله بما يسوؤهم وفرق بين العادتين، ولا يقدح في تمامية المرام توقف تحقق نكتة التقديم على ضم ضميمة العادة إذ يتم المراد بأن يكون للتقديم مدخل في حصول تلك النكتة بحيث لو فات التقديم لفاتت النكتة، وقد عرفت أن الأمر كذلك وليس في كلام الشيخ قدس سره ما يدل على أن المسارعة المذكورة حاصلة من التقديم وحده كذا قيل. ولك أن تقول: التقديم لتعجيل التخويف ولا ينافي ذلك عدم حصوله كما لا ينافي عدم حصول التخويف كون إنزال الآيات للتخويف فافهم. وجوز الزمخشري كون اللام تأكيداً لإضافة الحساب إليهم قال في «الشكف»: فالأصل اقترب حساب الناس لأن المقترب منه معلوم ثم اقترب للناس الحساب على أنه ظرف مستقر مقدم لا أنه يحتاج إلى مضاف مقدر حذف لأن المتأخر مفسر أي اقترب الحساب للناس الحساب كما زعم الطيبـي وفي التقديم والتصريح باللام وتعريف الحساب مبالغات ليست في الأصل ثم اقترب للناس حسابهم فصارت اللام مؤكدة لمعنى الاختصاص الإضافي لا لمجرد التأكيد كما في لا أبا له وما ثنى فيه الظرف من نحو فيك زيد راغب فيك انتهى. وادعى الزمخشري أن هذا الوجه أغرب بناءً على أن فيه مبالغات ونكتاً ليست في الوجه الأول وادعى شيخ الإسلام أنه مع كونه تعسفاً تاماً بمعزل عما يقتضيه المقام، وبحث فيه أيضاً أبو حيان وغيره ومن الناس من انتصر له وذب عنه، وبالجملة للعلماء في ذلك مناظرة عظمى ومعركة كبرى، والأولى بعد كل حساب جعل / اللام صلة الاقتراب. هذا واستدل بالآية على ثبوت الحساب، وذكر البيضاوي في تفسير قوله تعالى: { أية : إِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ } تفسير : [البقرة: 284] أن المعتزلة والخوارج ينكرونه ويعضده ما ذكره الإمام النسفي في بعض مؤلفاته حيث قال: قالت المعتزلة لا ميزان ولا حساب ولا صراط ولا حوض ولا شفاعة وكل موضع ذكر الله تعالى فيه الميزان أو الحساب أراد سبحانه به العدل انتهى. لكن المذكور في عامة المعتبرات الكلامية أن أكثرهم ينفي الصراط وجميعهم ينفي الميزان ولم يتعرض فيها لنفيهم الحساب، والحق أن الحساب بمعنى المجازاة مما لا ينكره إلا المشركون. {وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ} أي في غفلة عظيمة وجهالة فخيمة عنه، وقيل الأولى التعميم أي في غفلة تامة وجهالة عامة من توحيده تعالى والإيمان بكتبه ورسله عليهم السلام ووقوع الحساب ووجود الثواب والعقاب وسائر ما جاء به النبـي الكريم عليه الصلاة والتسليم، وذكر غفلتهم عن ذلك عقيب بيان اقتراب الحساب لا يقتضي قصر الغفلة عليه فإن وقوع تأسفهم وندامتهم وظهور أثر جهلهم وحماقتهم لما كان مما يقع في يوم الحساب كان سبباً للتعقيب المذكور انتهى. وقد يقال: إن ظاهر التعقيب يقتضي ذلك، ومن غفل عن مجازاة الله تعالى له المراد من الحساب صدر منه كل ضلالة وركب متن كل جهالة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً ـ لهم ـ. وقوله سبحانه: {مُّعْرِضُونَ} أي عن الآيات والنذر الناطقة بذلك الداعية إلى الإيمان به المنجي من المهالك خبر بعد خبر، واجتماع الغفلة والإعراض على ما أشرنا إليه مما لا عبار عليه، وللإشارة إلى تمكنهم في الغفلة التي هي منشأ الإعراض المستمر جيء بالكلام على ما معنى أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء للمحسن والمسىء ولذا إذا قرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا إلى آخر ما قال. وحاصله يتضمن دفع التنافي بين الغفلة التي هي عدم التنبه والإعراض الذي يكون من المتنبه بأن الغفلة عن الحساب في أول أمرهم والإعراض بعد قرع عصا الإنذار أو بأن الغفلة عن الحساب والإعراض عن التفكر في عاقبتهم وأمر خاتمتهم، وفي «الكشف» أراد أن حالهم المستمرة الغفلة عن مقتضى الأدلة العقلية ثم إذا عاضدتها الأدلة السمعية وأرشدوا لطريق النظر أعرضوا، وفيه بيان فائدة إيراد الأول جملة ظرفية لما في حرف الظرف من الدلالة على التمكن وإيراد الثاني وصفاً منتقلاً دالاً على نوع تجدد، ومنه يظهر ضعف الحمل على أن الظرفية حال من الضمير المستكن في {مُّعْرِضُونَ} قدمت عليه انتهى. ولا يخفى أن القول باقتضاء العقول أنه لا بد من الجزاء لا يتسنى إلا على القول بالحسن والقبح العقليين والأشاعرة ينكرون ذلك أشد الإنكار، وقال بعض الأفاضل: يمكن أن يحمل الإعراض على الاتساع كما في قوله: شعر : عطاء فتى تمكن في المعالي وأعرض في المعالي واستطالا تفسير : وذكره بعض المفسرين في قوله تعالى: { أية : فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرّ أَعْرَضْتُمْ } تفسير : [الإسراء: 67] فيكون المعنى وهم متسعون في الغفلة مفرطون فيها. ويمكن أيضاً أن يراد بالغفلة معنى الإهمال كما في قوله تعالى: { أية : وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ } تفسير : [المؤمنون: 17] فلا تنافي بين الوصفين.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة، مكية تعالج الموضوع الرئيسي الذي تعالجه السور المكية.. موضوع العقيدة.. تعالجه في ميادينه الكبيرة: ميادين التوحيد، والرسالة والبعث. وسياق السورة يعالج ذلك الموضوع بعرض النواميس الكونية الكبرى وربط العقيدة بها. فالعقيدة جزء من بناء هذا الكون، يسير على نواميسه الكبرى؛ وهي تقوم على الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض، وعلى الجد الذي تدبر به السماوات والأرض، وليست لعباً ولا باطلاً، كما أن هذا الكون لم يخلق لعباً، ولم يشب خلقه باطل: {وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما لاعبين}.. ومن ثم يجول بالناس.. بقلوبهم وأبصارهم وأفكارهم.. بين مجالي الكون الكبرى: السماء والأرض. الرواسي والفجاج. الليل والنهار. الشمس والقمر.. موجهاً أنظارهم إلى وحدة النواميس التي تحكمها وتصرفها، وإلى دلالة هذه الوحدة على وحدة الخالق المدبر، والمالك الذي لا شريك له في الملك، كما انه لا شريك له في الخلق.. {لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا}.. ثم يوجه مداركهم إلى وحدة النواميس التي تحكم الحياة في هذه الأرض، وإلى وحدة مصدر الحياة: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} وإلى وحدة النهاية التي ينتهي إليها الأحياء: {كل نفس ذائقة الموت}.. وإلى وحدة المصير الذي إليه ينتهون: {وإلينا ترجعون}.. والعقيدة وثيقة الارتباط بتلك النواميس الكونية الكبرى. فهي واحدة كذلك وإن تعدد الرسل على مدار الزمان: {ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إلـه إلا أنا فاعبدون}.. وقد اقتضت مشيئة الله أن يكون الرسل كلهم من البشر: {ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم}.. وكما أن العقيدة وثيقة الارتباط بنواميس الكون الكبرى، فكذلك ملابسات هذه العقيدة في الأرض. فالسنة التي لا تتخلف أن يغلب الحق في النهاية وأن يزهق الباطل، لأن الحق قاعدة كونية وغلبته سنة إلهية: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق}.. وأن يحل الهلاك بالظالمين المكذبين، وينجي الله الرسل والمؤمنين: {ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشآء وأهلكنا المسرفين}.. وأن يرث الأرض عباد الله الصالحون:{أية : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون }.. تفسير : ومن ثم يستعرض السياق أمة الرسل الواحدة في سلسلة طويلة استعراضاً سريعاً. يطول بعض الشيء عند عرض حلقة من قصة إبراهيم ـ عليه السلام ـ وعند الإشارة إلى داود وسليمان. ويقصر عند الإشارة إلى قصص نوح، وموسى، وهارون، ولوط، واسماعيل، وإدريس، وذي الكفل، وذي النون، وزكريا، ويحيى، وعيسى عليهم السلام. وفي هذا الاستعراض تتجلى المعاني التي سبقت في سياق السورة. تتجلى. في صورة وقائع في حياة الرسل والدعوات، بعدما تجلت في صورة قواعد عامة ونواميس. كذلك يتضمن سياق السورة بعض مشاهد القيامة؛ وتتمثل فيها تلك المعاني نفسها في صورة واقع يوم القيامة.. وهكذا تتجمع الإيقاعات المنوعة في السورة على هدف واحد، هو استجاشة القلب البشري لإدراك الحق الأصيل في العقيدة التي جاء بها خاتم الرسل ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلا يتلقاها الناس غافلين معرضين لاهين كما يصفهم في مطلع السورة: {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون. ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. لاهية قلوبهم...}. إن هذه الرسالة حق وجد. كما أن هذا الكون حق وجد. فلا مجال للهو في استقبال الرسالة؛ ولا مجال لطلب الآيات الخارقة؛ وآيات الله في الكون وسنن الكون كله. توحي بأنه الخالق القادر الواحد، والرسالة من لدن ذلك الخالق القادر الواحد. نظم هذه السورة من ناحية بنائه اللفظي وإيقاعه الموسيقي هو نظم التقرير، الذي يتناسق مع موضوعها، ومع جو السياق في عرض هذا الموضوع.. يبدو هذا واضحاً بموازنته بنظم سورتي مريم وطه مثلاً. فهناك الإيقاع الرخي الذي يناسب جوهما. وهنا الإيقاع المستقر الذي يناسب موضوع السورة وجوها.. ويزيد هذا وضوحاً بموازنة نظم قصة إبراهيم ـ عليه السلام ـ في مريم ونظمها هنا. وكذلك بالتأمل في الحلقة التي أخذت منها هنا الحلقة التي أخذت منها هناك. ففي سورة مريم أخذت حلقة الحوار الرخي بين إبراهيم وأبيه. أما هنا فجاءت حلقة تحطيم الأصنام، وإلقاء إبراهيم في النار. ليتم التناسق في الموضوع والجو والنظم والإيقاع. والسياق في هذه السورة يمضي في أشواط أربعة: الأول: ويبدأ بمطلع قوي الضربات، يهز القلوب هزاً، وهو يلفتها إلى الخطر القريب المحدق، وهي عنه غافلة لاهية: {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون... الخ}. ثم يهزها هزة أخرى بمشهد من مصارع الغابرين، الذين كانوا عن آيات ربهم غافلين، فعاشوا سادرين في الغي ظالمين: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين. فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون. لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون. قالوا: يويلنآ! إنا كنا ظالمين. فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين}.. ثم يربط بين الحق والجد في الدعوة، والحق والجد في نظام الكون. وبين عقيدة التوحيد ونواميس الوجود. وبين وحدة الخالق المدبر ووحدة الرسالة والعقيدة. ووحدة مصدر الحياة ونهايتها ومصيرها على النحو الذي أسلفناه. فأما الشوط الثاني فيرجع بالحديث إلى الكفار الذين يواجهون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالسخرية والاستهزاء، بينما الأمر جد وحق، وكل ما حولهم يوحي باليقطة والاهتمام. وهم يستعجلون العذاب والعذاب منهم قريب.. وهنا يعرض مشهداً من مشاهد القيامة. ويلفتهم إلى ما أصاب المستهزئين بالرسل قبلهم. ويقرر ان ليس لهم من الله من عاصم. ويوجه قلوبهم إلى تأمل يد القدرة وهي تنقص الأرض من أطرافها، وتزوي رقعتها وتطويها، فلعل هذا أن يوقظهم من غفلتهم التي جاءتهم من طول النعمة وامتداد الرخاء.. وينتهي هذا الشوط بتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى بيان وظيفته: {أية : قل: إنما أنذركم بالوحي} تفسير : وإلى الخطر الذي يتهددهم في غفلتهم: {أية : ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون} تفسير : حتى تنصب الموازين القسط وهم في غفلتهم سادرون. ويتضمن الشوط الثالث استعراض أمة النبيين، وفيها تتجلى وحدة الرسالة والعقيدة. كما تتجلى رحمة الله بعباده الصالحين وإيحاؤه لهم وأخذ المكذبين. أما الشوط الرابع والأخير فيعرض النهاية والمصير، في مشهد من مشاهد القيامة المثيرة: ويتضمن ختام السورة بمثل ما بدأت: إيقاعاً قوياً، وإنذاراً صريحاً، وتخليه بينهم وبين مصيرهم المحتوم.. والآن نأخذ في دراسة الشوط الأول بالتفصيل.. {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون. ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا. هل هـذآ إلا بشر مثلكم. أفتأتون السحر وأنتم تبصرون؟ قال: ربي يعلم القول في السمآء والأرض وهو السميع العليم. بل قالوا: أضغاث أحلام، بل افتراه، بل هو شاعر، فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون. مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ.. أفهم يؤمنون؟ ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام، وما كانوا خالدين. ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشآء وأهلكنا المسرفين}.. مطلع قوي يهز الغافلين هزاً. والحساب يقترب وهم في غفلة. والآيات تعرض وهم معرضون عن الهدى. والموقف جد وهم لا يشعرون بالموقف وخطورته. وكلما جاءهم من القرآن جديد قابلوه باللهو والاستهتار، واستمعوه وهم هازلون يلعبون.. {لاهية قلوبهم}.. والقلوب هي موضع التأمل والتدبر والتفكير. إنها صورة للنفوس الفارغة التي لا تعرف الجد، فتلهو في أخطر المواقف، وتهزل في مواطن الجد؛ وتستهتر في مواقف القداسة. فالذكر الذي يأتيهم يأتيهم {من ربهم} فيستقبلونه لاعبين، بلا وقار ولا تقديس. والنفس التي تفرغ من الجد والاحتفال والقداسة تنتهي إلى حالة من التفاهة والجدب والانحلال؛ فلا تصلح للنهوض بعبء، ولا الاضطلاع بواجب، ولا القيام بتكليف. وتغدو الحياة فيها عاطلة هينة رخيصة! إن روح الاستهتار التي تلهو بالمقدسات روح مريضة. والاستهتار غير الاحتمال. فالاحتمال قوة جادة شاعرة. والاستهتار فقدان للشعور واسترخاء. وهؤلاء الذين يصفهم القرآن الكريم كانوا يواجهون ما ينزل من القرآن ليكون دستوراً للحياة، ومنهاجاً للعمل، وقانوناً للتعامل.. باللعب. ويواجهون اقتراب الحساب بالغفلة. وأمثال هؤلاء موجودون في كل زمان. فحيثما خلت الروح من الجد والاحتفال والقداسة صارت إلى هذه الصورة المريضة الشائهة التي يرسمها القرآن. والتي تحيل الحياة كلها إلى هزل فارغ، لا هدف له ولا قوام! ذلك بينما كان المؤمنون يتلقون هذه السورة بالاهتمام الذي يذهل القلوب عن الدنيا وما فيها: جاء في ترجمة الآمدي لعامر بن ربيعة أنه كان قد نزل به رجل من العرب فأكرم مثواه.. ثم جاءه هذا الرجل وقد أصاب ارضاً فقال له: إني استقطعت من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وادياً في العرب. وقد اردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك. فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك. نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا: {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون}.. وهذا هو فرق ما بين القلوب الحية المتلقية المتأثرة، والقلوب الميتة المغلقة الخامدة. التي تكفن ميتتها باللهو؛ وتواري خمودها بالاستهتار؛ ولا تتأثر بالذكر لأنها خاوية من مقومات الحياة. {وأسروا النجوى الذين ظلموا}.. وقد كانوا يتناجون فيما بينهم ويتآمرون خفية، يقولون عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {هل هذا إلا بشر مثلكم؟ أفتأتون السحر وأنتم تبصرون؟}. فهم على موت قلوبهم وفراغها من الحياة لم يكونوا يملكون أنفسهم من ان تتزلزل بهذا القرآن؛ فكانوا يلجأون في مقاومة تأثيره الطاغي إلى التعلات، يقولون: إن محمداً بشر. فكيف تؤمنون لبشر مثلكم؟ وإن ما جاء به السحر. فيف تجيئون للسحر وتنقادون له وفيكم عيون وأنتم تبصرون؟! عند ذلك وكل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمرهم وأمره إلى ربه، وقد أخبره الله بنجواهم التي أداروها بينهم خفية؛ وأطلعه على كيدهم الذي يتقون به القرآن وأثره! {قال: ربي يعلم القول في السمآء والأرض، وهو السميع العليم}. فما من نجوى في مكان على الأرض إلا وهو مطلع عليها ـ وهو الذي يعلم القول في السماء والأرض.. وما من مؤامرة يحدثونها إلا وهو كاشفها ومطلع رسوله عليها ـ وهو السميع العليم. ولقد حاروا كيف يصفون هذا القرآن وكيف يتقونه. فقالوا: إنه سحر. وقالوا: إنه أحلام مختلطة يراها محمد ويرويها. وقالوا: إنه شعر. وقالوا: إنه افتراه وزعم انه وحي من عند الله: {بل قالوا: أضغاث أحلام، بل افتراه، بل هو شاعر}.. ولم يثبتوا على صفة له، ولا على رأي يرونه فيه، لأنهم إنما يتمحلون ويحاولون أن يعللوا أثره المزلزل في نفوسهم بشتى التعلات فلا يستطيعون؛ فينتقلون من ادعاء إلى ادعاء، ومن تعليل إلى تعليل، حائرين غير مستقرين.. ثم يخلصون من الحرج بأن يطلبوا بدل القرآن خارقة من الخوارق التي جاء بها الأولون: {فليأتنا بآية كما أرسل الأولون}.. ولقد جاءت الخوارق من قبل، فلم يؤمن بها من جاءتهم، فحل بهم الهلاك، وفقاً لسنة الله التي لا تتخلف في إهلاك من يكذبون بالخوارق: {ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها}.. ذلك أن من يبلغ به العناد ألا يؤمن بالخارقة المادية المحسوسة، لا يبقى له عذر، ولا يرجى له صلاح. فيحق عليه الهلاك. ولقد تكررت الآيات، وتكرر التكذيب بها، وتكرر كذلك إهلاك المكذبين.. فما بال هؤلاء سيؤمنون بالخارقة لو جاءتهم؛ وهم ليسوا سوى بشر كهؤلاء الهالكين! {أفهم يؤمنون}.. {ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام، وما كانوا خالدين}.. فقد اقتضت حكمة الله أن يكون الرسل من البشر، يتلقون الوحي فيدعون به الناس. وما كان الرسل من قبل إلا رجالاً ذوي أجساد. وما جعل الله لهم أجساداً ثم جعلهم لا يأكلون الطعام. فأكل الطعام من مقتضيات الجسدية، والجسدية من مقتضيات البشرية. وهم بحكم انهم بشر مخلوقون لم يكونوا خالدين.. هذه هي سنة الله المطردة فليسألوا أهل الكتاب الذين عرفوا الأنبياء من قبل. إن كانوا هم لا يعلمون. لقد كان الرسل من البشر ليعيشوا حياة البشر؛ فتكون حياتهم الواقعية مصداق شريعتهم. وسلوكهم العملي نموذجاً حياً لما يدعون إليه الناس. فالكلمة الحية هي التي تؤثر وتهدي، لأن الناس يرونها ممثلة في شخص مترجمة إلى حياة. ولو كان الرسل من غير البشر لا يأكلون الطعام، ولا يمشون في الأسواق، ولا يعاشرون النساء. ولا تعتلج في صدورهم عواطف البشر وانفعالاتهم لما كانت هناك وشيجة بينهم وبين الناس. فلا هم يحسون دوافع البشر التي تحركهم، ولا البشر يتأسون بهم ويقتدون. وأيما داعية لا يحس مشاعر الذين يدعوهم ولا يحسون مشاعره، فإنه يقف على هامش حياتهم، لا يتجاوب معهم ولا يتجاوبون معه. ومهما سمعوا من قوله فلن يحركهم للعمل بما يقول. لما بينه وبينهم من قطعية في الحس والشعور. وأيما داعية لا يصدق فعله قوله. فإن كلماته تقف على أبواب الآذان لا تتعداها إلى القلوب. مهما تكن كلماته بارعة وعباراته بليغة. فالكلمة البسيطة التي يصاحبها الانفعال، ويؤيدها العمل. هي الكلمة المثمرة التي تحرك الآخرين إلى العمل. والذين كانوا يقترحون أن يكون الرسول من الملائكة، كالذين يقترحون اليوم أن يكون الرسول منزهاً عن انفعالات البشر.. كلهم يتعنتون ويغفلون عن هذه الحقيقة. وهي أن الملائكة لا يحيون حياة البشر بحكم تكوينهم ولا يمكن أن يحيوها.. لا يمكن أن يحسوا بدوافع الجسد ومقتضياته، ولا بمشاعر هذا المخلوق الآدمي ذي التكوين الخاص. وأن الرسول يجب أن يحس بهذه الدوافع والمشاعر، وأن يزاولها في حياته الواقعية ليرسم بحياته دستور الحياة العملي لمتبعيه من الناس. وهنالك اعتبار آخر، وهو أن شعور الناس بأن الرسول ملك لا يثير في نفوسهم الرغبة في تقليده في جزئيات حياته؛ لأنه من جنس غير جنسهم، وطبيعة غير طبيعتهم، فلا مطمع لهم في تقليد منهجه في حياته اليومية. وحياة الرسل أسوة دافعة لغيرهم من الناس. وهذا وذلك فوق ما في ذلك الاقتراح من غفلة عن تكريم الله للجنس البشري كله، باختيار الرسل منه، ليتصلوا بالملأ الأعلى ويتلقوا عنه. لذلك كله اقتضت سنة الله الجارية اختيار الرسل من البشر؛ وأجرت عليهم كل ما يجري على البشر من ولادة وموت. ومن عواطف وانفعالات. ومن آلام وآمال. ومن أكل للطعام ومعاشرة للنساء.. وجعلت أكبر الرسل وأكملهم وخاتمهم وصاحب الرسالة الباقية فيهم.. أكمل نموذج لحياة الإنسان على الأرض، بكل ما فيها من دوافع وتجارب وعمل وحياة. تلك سنة الله في اختيار الرسل. ومثلها سنته في إنجائهم ومن معهم، وإهلاك المسرفين الظالمين المكذبين: {ثم صدقناهم الوعد، فأنجيناهم ومن نشاء، وأهلكنا المسرفين}.. فهي كذلك سنة جارية كسنة اختيارهم. وقد وعدهم الله النجاة هم والمؤمنون معهم إيماناً حقيقياً يصدقه العمل؛ فصدقهم وعده، وأهلك، الذين كانوا يسرفون عليهم، ويتجاوزون الحد معهم. هذه السنة يخوف الله بها المشركين الذين كانوا يواجهون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالإسراف عليه، وتكذيبه، وإيذائه والمؤمنين معه. وينبههم إلى أنه رحمة بهم لم يرسل إليهم بخارقة مادية، يتبعها هلاكهم، إذا هم كذبوا بها كما كذب من قبلهم. إنما أرسل إليهم بكتاب يشرفهم لأنه بلغتهم، ويقوم حياتهم، ويخلق منهم أمة ذات سيادة في الأرض وذكر في الناس. وهو مفتوح للعقول تتدبره، وترتفع به في سلم البشرية: {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم. أفلا تعقلون؟}.. إن معجزة القرآن معجزة مفتوحة للأجيال، وليست كالخوارق المادية التي تنقضي في جيل واحد، ولا يتأثر بها إلا الذين يرونها من ذلك الجيل. ولقد كان به ذكر العرب ومجدهم حين حملوا رسالته فشرقوا بها وغربوا. فلم يكن لهم قبله ذكر، ولم يكن معهم ما يعطونه للبشرية فتعرفه لهم وتذكرهم به. ولقد ظلت البشرية تذكرهم وترفعهم طالما استمسكوا بهذا الكتاب، وقادوا به البشرية قروناً طويلة، فسعدوا وسعدت بما معهم من ذلك الكتاب. حتى إذا تخلوا عنه تخلت عنهم البشرية، وانحط فيها ذكرهم، وصاروا ذيلاً للقافلة يتخطفهم الناس، وكانوا بكتابهم يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون! وما يملك العرب من زاد يقدمونه للبشرية سوى هذا الزاد. وما يملكون من فكرة يقدمونها للإنسانية سوى هذه الفكرة. فإن تقدموا للبشرية بكتابهم ذاك عرفتهم وذكرتهم ورفعتهم، لأنها تجد عندهم ما تنتفع به. فأما إذا تقدموا إليها عرباً فحسب بجنسية العرب. فما هم؟ وما ذاك؟ وما قيمة هذا النسب بغير هذا الكتاب؟ إن البشرية لم تعرفهم إلا بكتابهم وعقيدتهم وسلوكهم المستمد من ذلك الكتاب وهذه العقيدة.. لم تعرفهم لأنهم عرب فحسب. فذلك لا يساوي شيئاً في تاريخ البشرية، ولا مدلول له في معجم الحضارة! إنما عرفتهم لأنهم يحملون حضارة الإسلام ومثله وفكرته. وهذا أمر له مدلول له في تاريخ البشرية ومعجم الحضارة! ..ذلك ما كان يشير إليه القرآن الكريم، وهو يقول للمشركين، الذين كانوا يواجهون كل جديد يأتيهم منه باللهو والإعراض والغفلة والتكذيب: {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم. أفلا تعقلون؟}. ولقد كانت رحمة بهم أن ينزل الله لهم هذا القرآن. ولا يأتيهم بالخارقة التي يطلبونها. فلا يأخذهم وفق سنته بالقاصمة كالقرى التي كذبت فاستأصلت.. وهنا يعرض مشهداً حياً من القصم والاستئصال: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين. فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون. لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون.. قالوا: يويلنآ إنا كنا ظالمين. فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين}.. والقصم أشد حركات القطع. وجرسها اللفظي يصور معناها، ويلقي ظل الشدة والعنف والتحطيم والقضاء الحاسم على القرى التي كانت ظالمة. فإذا هي مدمرة محطمة.. {وأنشأنا بعدها قوماً آخرين}. وهو عند القصم يوقع الفعل على القرى ليشمل ما فيها ومن فيها. وعند الإنشاء يوقع الفعل على القوم الذين ينشأون ويعيدون إنشاء القرى.. وهذه حقيقة في ذاتها. فالدمار يحل بالديار والدّيار. والإنشاء يبدأ بالديارين فيعيدون إنشاء الدور.. ولكن عرض هذه الحقيقة في هذه الصورة يضخم عملية القصم والتدمير، وهذا هو الظل المراد إلقاؤه بالتعبير على طريقة التصوير! ثم ننظر فنشهد حركة القوم في تلك القرى وبأس الله يأخذهم، وهم كالفيران في المصيدة يضطربون من هنا إلى هناك قبيل الخمود: {فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون}.. يسارعون بالخروج من القرية ركضاً وعدوا، وقد تبين لهم أنهم مأخوذون ببأس الله. كأنما الركض ينجيهم من بأس الله. وكأنما هم أسرع عدواً فلا يلحق بهم حيث يركضون! ولكنها حركة الفأر في المصيدة بلا تفكير ولا شعور. عندئذ يتلقون التهكم المرير: {لا تركضوا، وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون}! لا تركضوا من قريتكم. وعودوا إلى متاعكم الهنيء وعيشكم الرغيد وسكنكم المريح.. عودوا لعلكم تسألون عن ذلك كله فيم انفقتموه؟! وما عاد هنالك مجال لسؤال ولا لجواب. إنما هو التهكم والاستهزاء! عند ذلك يفيقون فيشعرون بأن لا مفر ولا مهرب من بأس الله المحيط. وانه لا ينفعهم ركض، ولا ينقذهم فرار. فيحاولون الاعتراف والتوبة والاستغفار: {قالوا: يا ويلنا! إنا كنا ظالمين}.. ولكن لقد فات الأوان. فليقولوا ما يشاءون. فإنهم لمتركون يقولون حتى يقضى الأمر وتخمد الأنفاس: {فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين}.. ويا له من حصيد آدمي، لا حركة فيه ولا حياة؛ وكان منذ لحظة يموج بالحركة، وتضطرب فيه الحياة! هنا يربط السياق بين العقيدة التي سبق الحديث عنها، وسننها التي تجري عليها، والتي تأخذ المكذبين بها. يربط بينها وبين الحق الكبير والجد الأصيل، اللذين يقوم بهما الكون كله، ويتلبس بهما خلق السماوات والأرض في صميمه. فإذا كان المشركون يستقبلون القرآن كلما جاءهم منه جديد باللعب واللهو، غافلين عما في الأمر من حق وجد. وإذا كانوا يغفلون عن يوم الحساب القريب، وعما ينتظر المكذبين المستهزئين.. فإن سنة الله مطردة نافذة مرتبطة بالحق الكبير والجد الأصيل: {وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما لاعبين. لو أردنآ أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنآ. إن كنا فاعلين. بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون}.. لقد خلق الله سبحانه هذا الكون لحكمة، لا لعباً ولا لهواً. ودبره بحكمة، لا جزافاً ولا هوى، وبالجد الذي خلق به السماوات والأرض وما بينهما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وفرض الفرائض، وشرع التكاليف.. فالجد أصيل في طبيعة هذا الكون، أصيل في تدبيره، أصيل في العقيدة التي أرادها الله للناس، أصيل في الحساب الذي يأخذهم به بعد الممات. ولو أراد الله ـ سبحانه ـ أن يتخذ لهواً لاتخذه من لدنه. لهواً ذاتياً لا يتعلق بشيء من مخلوقاته الحادثة الفانية. وهو مجرد فرض جدلي: {لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا}.. ولو ـ كما يقول النحاة ـ حرف امتناع لامتناع. تفيد امتناع وقوع فعل الجواب لامتناع وقوع فعل الشرط. فالله سبحانه لم يرد أن يتخذ لهواً فلم يكن هناك لهو. لا من لدنه ولا من شيء خارج عنه. ولن يكون لأن الله ـ سبحانه ـ لم يرده ابتداء ولم يوجه إليه إرادته أصلاً: {إن كنا فاعلين}.. وإن حرف نفي بمعنى ما، والصيغة لنفي إرادة الفعل ابتداء. إنما هو فرض جدلي لتقرير حقيقة مجردة.. هي أن كل ما يتعلق بذات الله ـ سبحانه ـ قديم لا حادث، وباق غير فان. فلو أراد ـ سبحانه ـ أن يتخذ لهواً لما كان هذا اللهو حادثاً، ولا كان متعلقاً بحادث كالسماء والأرض وما بينهما فكلها حوادث.. إنما كان يكون ذاتياً من لدنه سبحانه. فيكون أزلياً باقياً، لأنه يتعلق بالذات الأزلية الباقية. إنما الناموس المقرر والسنة المطردة ألا يكون هناك لهو، إنما يكون هناك جد، ويكون هناك حق؛ فيغلب الحق الأصيل على الباطل العارض: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق}.. و {بل} للإضراب عن الحديث في موضوع اللهو؛ والعدول عنه إلى الحديث في الواقع المقرر الذي تجري به السنة ويقتضيه الناموس. وهو غلبة الحق وزهوق الباطل. والتعبير يرسم هذه السنة في صورة حسية حية متحركة. فكأنما الحق قذيفة في يد القدرة. تقذف به على الباطل، فيشق دماغه! فإذا هو زاهق هالك ذاهب.. هذه هي السنة المقررة، فالحق أصيل في طبيعة الكون، عميق في تكوين الوجود. والباطل منفي عن خلقه هذا الكون أصلاً، طارئ لا أصالة فيه، ولا سلطان له، يطارده الله، ويقذف عليه بالحق فيدمغه. ولا بقاء لشيء يطارده الله؛ ولا حياة لشيء تقذفه يد الله فتدمغه! ولقد يخيل للناس أحياناً ان واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العليم الخبير. وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشاً كأنه غالب، ويبدو فيها الحق منزوياً كأنه مغلوب. وإن هي إلا فترة من الزمان، يمد الله فيها ما يشاء، للفتنة والابتلاء. ثم تجري السنة الأزلية الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض؛ وقامت عليها العقائد والدعوات سواء بسواء. والمؤمنون بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده؛ وفي أصالة الحق في بناء الوجود ونظامه؛ وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه.. فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حيناً من الدهر عرفوا أنها الفتنة؛ وأدركوا أنه الابتلاء؛ وأحسوا أن ربهم يربيهم، لأن فيهم ضعفاً أو نقصاً؛ وهو يريد أن يعدهم لاستقبال الحق المنتصر، وأن يجعلهم ستار القدرة، فيدعهم يجتازون فترة البلاء يستكملون فيها النقص ويعالجون فيها الضعف.. وكلما سارعوا إلى العلاج قصر الله عليهم فترة الابتلاء، وحقق على أيديهم ما يشاء. أما العاقبة فهي مقررة: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} والله يفعل ما يريد. هكذا يقرر القرآن الكريم تلك الحقيقة للمشركين، الذين يتقولون على القرآن وعلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويصفونه بالسحر والشعر والافتراء. وهو الحق الغالب الذي يدمغ الباطل، فإذا هو زاهق.. ثم يعقب على ذلك التقرير بإنذارهم عاقبة ما يتقولون: {ولكم الويل مما تصفون }.. ثم يعرض لهم نموذجاً من نماذج الطاعة والعبادة في مقابل عصيانهم وإعراضهم. نموذجاً ممن هم أقرب منهم إلى الله. ومع هذا فهم دائبون على طاعته وعبادته، لا يفترون ولا يقصرون: {وله من في السماوات والأرض. ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون}.. ومن في السماوات والأرض لا يعلمهم إلا الله، ولا يحصيهم إلا الله. والعلم البشري لا يستيقن إلا من وجود البشر. والمؤمنون يستيقنون من وجود الملائكة والجن كذلك لذكرهما في القرآن. ولكننا لا نعرف عنهم إلا ما أخبرنا به خالقهم. وقد يكون هناك غيرهم من العقلاء في غير هذا الكوكب الأرضي، بطبائع وأشكال تناسب طبيعة تلك الكواكب. وعلم ذلك عند الله. فإذا نحن قرأنا: {وله من في السماوات والأرض} عرفنا منهم من نعرف، وتركنا علم من لا نعلم لخالق السماوات والأرض ومن فيهن. {ومن عنده} المفهوم القريب أنهم الملائكة. ولكننا لا نحدد ولا نقيد ما دام النص عاماً يشمل الملائكة وغيرهم. والمفهوم من التعبير أنهم هم الاقرب إلى الله. فكلمة {عند} بالقياس إلى الله لا تعني مكاناً، ولا تحدد وصفاً. {ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته} كما يستكبر هؤلاء المشركون {ولا يستحسرون} ـ أي يقصرون ـ في العبادة. فحياتهم كلها عبادة وتسبيح بالليل والنهار دون انقطاع ولا فتور.. والبشر يملكون أن تكون حياتهم كلها عبادة دون أن ينقطعوا للتسبيح والتعبد كالملائكة. فالإسلام يعد كل حركة وكل نفس عبادة إذا توجه بها صاحبها إلى الله. ولو كانت متاعاً ذاتياً بطيبات الحياة! وفي ظل التسبيح الذي لا يفتر ولا ينقطع لله الواحد، مالك السماوات والأرض ومن فيهن. يجيء الإنكار على المشركين واستنكار دعواهم في الآلهة. ويعرض السياق دليل الوحدانية من المشهود في نظام الكون وناموسه الواحد الدال على المدبر الواحد؛ ومن المنقول عن الكتب السابقة عند أهل الكتاب: {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون؟ لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا. فسبحان الله رب العرش عما يصفون. لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. أم اتخذوا من دونه آلهة؟ قل: هاتوا برهانكم. هـذا ذكر من معي وذكر من قبلي. بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون. ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إلـه إلا أنا فاعبدون}.. والسؤال عن اتخاذهم آلهة هو سؤال استنكار للواقع منهم. ووصف هؤلاء بأنهم ينشرون من الأرض أي يقيمون الأموات ويبعثونهم أحياء. فيه تهكم بتلك الآلهة التي اتخذوها. فمن أول صفات الإله الحق أن يُنشر الأموات من الأرض. فهل الآلهة التي اتخذوها تفعل هذا؟ إنها لا تفعل، ولا يدعون لها هم أنها تخلق حياة أو تعيد حياة. فهي إذن فاقدة للصفة الأولى من صفات الإله. ذلك منطق الواقع المشهود في الأرض. وهنالك الدليل الكوني المستمد من واقع الوجود: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}.. فالكون قائم على الناموس الواحد الذي يربط بين أجزائه جميعاً؛ وينسق بين أجزائه جميعاً؛ وبين حركات هذه الأجزاء وحركة المجموع المنظم.. هذا الناموس الواحد من صنع إرادة واحدة لإله واحد. فلو تعددت الذوات لتعددت الإرادات. ولتعددت النواميس تبعاً لها ـ فالإرادة مظهر الذات المريدة. والناموس مظهر الإرادة النافذة ـ ولانعدمت الوحدة التي تنسق الجهاز الكوني كله، وتوحد منهجه واتجاهه وسلوكه؛ ولوقع الاضطراب والفساد تبعاً لفقدان التناسق.. هذا التناسق الملحوظ الذي لا ينكره أشد الملحدين لأنه واقع محسوس. وإن الفطرة السليمة التي تتلقى إيقاع الناموس الواحد للوجود كله، لتشهد شهادة فطرية بوحدة هذا الناموس، ووحدة الإرادة التي أوجدته، ووحدة الخالق المدبر لهذا الكون المنظم المنسق، الذي لا فساد في تكوينه، ولا خلل في سيره: {فسبحان الله رب العرش عما يصفون}.. وهم يصفونه بأن له شركاء. تنزه الله المتعالي المسيطر: {رب العرش} والعرش رمز الملك والسيطرة والاستعلاء. تنزه عما يقولون والوجود كله بنظامه وسلامته من الخلل والفساد يكذبهم فيما يقولون. {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}.. ومتى كان المسيطر على الوجود كله يسأل؛ ومن ذا الذي يسأله؛ وهو القاهر فوق عباده، وإرادته طليقة لا يحدها قيد من إرادة أخرى، ولا حتى من الناموس الذي ترتضيه هي وتتخذه حاكماً لنظام الوجود؟ والسؤال والحساب إنما يكونان بناء على حدود ترسم ومقياس يوضع. والإرادة الطليقة هي التي تضع الحدود والمقاييس، ولا تتقيد بما تضع للكون من الحدود والمقاييس إلا كما تريد. والخلق مأخوذون بما تضع لهم من تلك الحدود فهم يسألون. وإن الخلق ليستبد بهم الغرور أحياناً فيسألون سؤال المنكر المتعجب: ولماذا صنع الله كذا. وما الحكمة في هذا الصنيع؟ وكأنما يريدون ليقولوا: إنهم لا يجدون الحكمة في ذلك الصنيع! وهم يتجاوزون في هذا حدود الأدب والواجب في حق المعبود، كما يتجاوزون حدود الإدراك الإنساني القاصر الذي لا يعرف العلل والأسباب والغايات وهو محصور في حيزه المحدود.. إن الذي يعلم كل شيء، ويدبر كل شيء، ويسيطر على كل شيء، هو الذي يقدر ويدبر ويحكم. {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}.. وإلى جانب الدليل الكوني المستمد من طبيعة الوجود وواقعه يسألهم عن الدليل النقلي الذي يستندون إليه في دعوى الشرك التي لا تعمتد على دليل: {أم اتخذوا من دونه آلهة؟ قل: هاتوا برهانكم. هـذا ذكر من معي وذكر من قبلي}. فهذا هو القرآن يشتمل على ذكر المعاصرين للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهناك ذكر من سبقه من الرسل. وليس فيما جاءوا به ذكر الشركاء. فكل الديانات قائمة على عقيدة التوحيد. فمن أين جاء المشركون بدعوى الشرك التي تنقضها طبيعة الكون، ولا يوجد من الكتب السابقة عليها دليل: {بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون}.. {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}.. فالتوحيد هو قاعدة العقيدة منذ أن يبعث الله الرسل للناس. لا تبديل فيها ولا تحويل. توحيد الإله وتوحيد المعبود. فلا انفصال بين الألوهية والربوبية؛ ولا مجال للشرك في الألوهية ولا في العبادة.. قاعدة ثابتة ثبوت النواميس الكونية، متصلة بهذه النواميس وهي واحدة منها. ثم يعرض السياق لدعوى المشركين من العرب أن لله ولداً. وهي إحدى مقولات الجاهلية السخيفة: {وقالوا: اتخذ الرحمـن ولداً. سبحانه! بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون. ومن يقل منهم: إني إلـه من دونه فذلك نجزيه جهنم. كذلك نجزي الظالمين}.. ودعوى البنوة لله ـ سبحانه ـ دعوى اتخذت لها عدة صور في الجاهليات المختلفة. فقد عرفت عند مشركي العرب في صورة بنوة الملائكة لله. وعند مشركي اليهود في صورة بنوة العزيز لله. وعند مشركي النصارى في صورة بنوة المسيح لله.. وكلها من انحرافات الجاهلية في شتى الصور والعصور. والمفهوم أن الذي يعنيه السياق هنا هو دعوى العرب في بنوة الملائكة. وهو يرد عليهم ببيان طبيعة الملائكة. فهم ليسوا بنات لله ـ كما يزعمون ـ {بل عباد مكرمون} عند الله. لا يقترحون عليه شيئاً تأدباً وطاعة وإجلالاً. إنما يعملون بأمره لا يناقشون. وعلم الله بهم محيط. ولا يتقدمون بالشفاعة إلا لمن ارتضاه الله ورضي أن يقبل الشفاعة فيه. وهم بطبيعتهم خائفون لله مشفقون من خشيته ـ على قربهم وطهارتهم وطاعتهم التي لا استثناء فيها ولا انحراف عنها. وهم لا يدعون الألوهية قطعاً. ولو ادعوها ـ جدلاً ـ لكان جزاؤهم جزاء من يدعي الألوهية كائناً من كان، وهو جهنم. فذلك جزاء الظالمين الذين يدعون هذه الدعوى الظالمة لكل حق، ولكل أحد، ولكل شيء في هذا الوجود. وكذلك تبدو دعوى المشركين في صورتها هذه واهية مستنكرة مستبعدة، لا يدعيها أحد. ولو ادعاها لذاق جزاءها الأليم! وكذلك يلمس الوجدان بمشهد الملائكة طائعين لله، مشفقين من خشيته. بينما المشركون يتطاولون ويدعون! وعند هذا الحد من عرض الأدلة الكونية الشاهدة بالوحدة؛ والأدلة النقلية النافية للتعدد؛ والأدلة الوجدانية التي تلمس القلوب.. يجول السياق بالقلب البشري في مجالي الكون الضخمة، ويد القدرة تدبره بحكمة، وهم معرضون عن آياتها المعروضة على الأنظار والقلوب: {أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما. وجعلنا من الماء كل شيء حي؛ أفلا يؤمنون؟ وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم، وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون؛ وجعلنا السمآء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون. وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر. كل في فلك يسبحون}.. إنها جولة في الكون المعروض للأنظار، والقلوب غافلة عن آياته الكبار، وفيها ما يحير اللب حين يتأمله بالبصيرة المفتوحة والقلب الواعي والحس اليقظ. وتقريره أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقتا، مسألة جديرة بالتأمل، كلما تقدمت النظريات الفلكية في محاولة تفسير الظواهر الكونية، فحامت حول هذه الحقيقة التي أوردها القرآن الكريم منذ أكثر من ثلاث مائة وألف عام. فالنظرية القائمة اليوم هي أن المجموعات النجمية ـ كالمجموعة الشمسية المؤلفة من الشمس وتوابعها ومنها الأرض والقمر.. كانت سديماً. ثم انفصلت وأخذت أشكالها الكروية وأن الأرض كانت قطعة من الشمس ثم انفصلت عنها وبردت.. ولكن هذه ليست سوى نظرية فلكية. تقوم اليوم وقد تنقض غداًَ، وتقوم نظرية أخرى تصلح لتفسير الظواهر الكونية بفرض آخر يتحول إلى نظرية.. ونحن ـ أصحاب هذه العقيدة - لا نحاول أن نحمل النص القرآني المستيقن على نظرية غير مستيقنة، تقبل اليوم وترفض غداً. لذلك لا نحاول في هذه الظلال أن نوفق بين النصوص القرآنية والنظريات التي تسمى علمية. وهي شيء آخر غير الحقائق العلمية الثابتة القابلة للتجربة كتمدد المعادن بالحرارة وتحول الماء بخاراً وتجمده بالبرودة.. إلى آخر هذا النوع من الحقائق العلمية. وهي شيء آخر غير النظريات العلمية ـ كما بينا من قبل في الظلال ـ. إن القرآن ليس كتاب نظريات علمية ولم يجيء ليكون علماً تجريبياً كذلك. إنما هو منهج للحياة كلها. منهج لتقويم العقل ليعمل وينطلق في حدوده. ولتقويم المجتمع ليسمح للعقل بالعمل والانطلاق. دون أن يدخل في جزئيات وتفصيليات علمية بحتة. فهذا متروك للعقل بعد تقويمه وإطلاق سراحه. وقد يشير القرآن أحياناً إلى حقائق كونية كهذه الحقيقة التي يقررها هنا: {أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما} ونحن نستيقن هذه الحقيقة لمجرد ورودها في القرآن. وإن كنا لا نعرف منه كيف كان فتق السماوات والأرض. أو فتق السماوات عن الأرض. ونتقبل النظريات الفلكية التي لا تخالف هذه الحقيقة المجملة التي قررها القرآن. ولكننا لا نجري بالنص القرآني وراء أية نظرية فلكية، ولا نطلب تصديقاً للقرآن في نظريات البشر. وهو حقيقة مستيقنة! وقصارى ما يقال: إن النظرية الفلكية القائمة اليوم لا تعارض المفهوم الإجمالي لهذا النص القرآني السابق عليها بأجيال! فأما شطر الآية الثاني: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} فيقرر كذلك حقيقة خطيرة. يعد العلماء كشفها وتقريرها أمراً عظيماً. ويمجدون "دارون" لاهتدائه إليها! وتقريره أن الماء هو مهد الحياة الأول. وهي حقيقة تثير الانتباه حقاً. وإن كان ورودها في القرآن الكريم لا يثير العجب في نفوسنا، ولا يزيدنا يقينا بصدق هذا القرآن. فنحن نستمد الاعتقاد بصدقه المطلق في كل ما يقرره من إيماننا بأنه من عند الله. لا من موافقة النظريات أو الكشوف العلمية له. وأقصى ما يقال هنا كذلك: إن نظرية النشوء والارتقاء لدارون وجماعته لا تعارض مفهوم النص القرآني في هذه النقطة بالذات. ومنذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً كان القرآن الكريم يوجه أنظار الكفار إلى عجائب صنع الله في الكون، ويستنكر ألا يؤمنوا بها وهم يرونها مبثوثة في الوجود: {أفلا يؤمنون؟} وكل ما حولهم في الكون يقود إلى الإيمان بالخالق المدبر الحكيم؟ ثم يمضي في عرض مشاهد الكون الهائلة: {وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم}.. فيقرر أن هذه الجبال الرواسي تحفظ توازن الأرض فلا تميد بهم ولا تضطرب. وحفظ التوازن يتحقق في صور شتى. فقد يكون توازناً بين الضغط الخارجي على الأرض والضغط الداخلي في جوفها، وهو يختلف من بقعة إلى بقعة: وقد يكون بروز الجبال في موضع معادلاً لانخفاض الأرض في موضع آخر.. وعلى أية حال فهذا النص يثبت أن للجبال علاقة بتوازن الأرض واستقرارها. فلنترك للبحوث العلمية كشف الطريقة التي يتم بها هذا التوازن فذلك مجالها الأصيل. ولنكتف من النص القرآني الصادق باللمسة الوجدانية والتأمل الموحي، وبتتبع يد القدرة المبدعة المدبرة لهذا الكون الكبير: {وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون}.. وذكر الفجاج في الجبال وهي الفجوات بين جواجزها العالية، وتتخذ سبلاً وطرقاً.. ذكر هذه الفجاج هنا مع الإشارة إلى الاهتداء يصور الحقيقة الواقعة أولاً، ثم يشير من طرف خفي إلى شأن آخر في عالم العقيدة. فلعلهم يهتدون إلى سبيل يقودهم إلى الإيمان، كما يهتدون في فجاج الجبال! {وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً}.. والسماء كل ما علا. ونحن نرى فوقنا ما يشبه السقف. والقرآن يقرر أن السماء سقف محفوظ. محفوظ من الخلل بالنظام الكوني الدقيق. ومحفوظ من الدنس باعتباره رمزاً للعلو الذي تتنزل منه آيات الله.. {وهم عن آياتها معرضون}.. {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون}. والليل والنهار ظاهرتان كونيتان. والشمس والقمر جرمان هائلان لهما علاقة بحياة الإنسان في الأرض. وبالحياة كلها.. والتأمل في توالي الليل والنهار، وفي حركة الشمس والقمر. بهذه الدقة التي لا تختل مرة؛ وبهذا الاطراد الذي لا يكف لحظة.. جدير بأن يهدي القلب إلى وحدة الناموس، ووحدة الإرادة، ووحدة الخالق المدبر القدير. وفي نهاية الشوط يربط السياق بين نواميس الكون في خلقه وتكوينه وتصريفه؛ ونواميس الحياة البشرية في طبيعتها ونهايتها ومصيرها: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد. أفإن مت فهم الخالدون؟ كل نفس ذآئقة الموت، ونبلوكم بالشر والخير فتنة، وإلينا ترجعون}.. وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد. فكل حادث فهو فان. وكل ما له بدء فله نهاية. وإذا كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يموت فهل هم يخلدون؟ وإذا كانوا لا يخلدون فما لهم لا يعملون عمل أهل الموتى؟ وما لهم لا يتبصرون ولا يتدبرون؟ {كل نفس ذائقة الموت}. هذا هو الناموس الذي يحكم الحياة. وهذه هي السنة التي ليست لها استثناء. فما أجدر الأحياء أن يحسبوا حساب هذا المذاق! إنه الموت نهاية كل حي، وعاقبة المطاف للرحلة القصيرة على الأرض. وإلى الله يرجع الجميع. فأما ما يصيب الإنسان في أثناء الرحلة من خير وشر فهو فتنة له وابتلاء: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}.. والابتلاء بالشر مفهوم أمره. ليتكشف مدى احتمال المبتلى، ومدى صبره على الضر، ومدى ثقته في ربه، ورجائه في رحمته.. فأما الابتلاء بالخير فهو في حاجة إلى بيان.. إن الابتلاء بالخير أشد وطأة، وإن خيل للناس أنه دون الابتلاء بالشر.. إن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشر ولكن القلة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير. كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف. ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة. ويكبحون جماح القوة الهائجة في كيانهم الجامحة في أوصالهم. كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل. ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الثراء والوجدان. وما يغريان به من متاع، وما يثيرانه من شهوات وأطماع! كثيرون يصبرون على التعذيب والإيذاء فلا يخيفهم، ويصبرون على التهديد والوعيد فلا يرهبهم. ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الإغراء بالرغائب والمناصب والمتاع والثراء! كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح؛ ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الدعة والمراح. ثم لا يصابون بالحرص الذي يذل اعناق الرجال. وبالاسترخاء الذي يقعد الهمم ويذلل الأرواح! إن الابتلاء بالشدة قد يثير الكبرياء، ويستحث المقاومة ويجند الأعصاب، فتكون القوى كلها معبأة لاستقبال الشدة والصمود لها. أما الرخاء فيرخي الأعصاب وينيمها ويفقدها القدرة على اليقظة والمقاومة! لذلك يجتاز الكثيرون مرحلة الشدة بنجاح، حتى إذا جاءهم الرخاء سقطوا في الابتلاء! وذلك شأن البشر.. إلا من عصم الله فكانوا ممن قال فيهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له"تفسير : .. وهم قليل! فاليقظة للنفس في الابتلاء بالخير أولى من اليقظة لها في الابتلاء بالشر. والصلة بالله في الحالين هي وحدها الضمان..

ابن عاشور

تفسير : افتتاح الكلام بهذه الجملة أسلوب بديع في الافتتاح لما فيه من غرابة الأسلوب وإدخال الروع على المنذَرين، فإن المراد بالناس مشركو مكة، والاقتراب مبالغة في القرب، فصيغة الافتعال الموضوعة للمطاوعة مستعملة في تحقق الفعل أي اشتد قرب وقوعه بهم. وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب استعارة تمثيلية شبه حال إظلال الحساب لهم بحالة شخص يسعى ليقرب من ديار ناس، ففيه تشبيه هيئة الحساب المعقولة بهيئة محسوسة، وهي هيئة المغير والمُعَجِّل في الإغارة على القوم فهو يلح في السير تكلفاً للقرب من ديارهم وهم غافلون عن تطلب الحساب إياهم كما يكون قوم غارّين معرضين عن اقتراب العدوّ منهم، فالكلام تمثيل. والمراد من الحساب إما يوم الحساب، ومعنى اقترابه أنه قريب عند الله لأنه محقق الوقوع، أو قريب بالنسبة إلى ما مضى من مدة بقاء الدنيا كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «حديث : بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين»، تفسير : أو اقترب الحساب كناية عن اقتراب موتهم لأنهم إذا ماتوا رأوْا جَزاء أعمالهم، وذلك من الحساب. وفي هذا تعريض بالتهديد بقرب هلاكهم وذلك بفنائهم يوم بدر. أو المراد بالحساب المؤاخذة بالذنب كما في قوله تعالى: {أية : إنْ حسابهم إلاّ على ربي} تفسير : [الشعراء: 113] وعليه فالاقتراب مستعمل في حقيقته أيضاً فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه. واللام في قوله {للناس}إن أبقيت على معناها الأصلي من الاختصاص فذكرها تأكيد لمعنى اللام المقدرة في الإضافة في قوله {حسابهم} لأن تقديره: حسابٌ لهم. والضمير عائد إلى {الناس} فصار قوله {للناس} مساوياً للضمير الذي أضيف إليه (حساب) فكأنه قيل: اقترب حساب للناس لهم فكانَ تأكيداً لفظياً، وكما تقول: أزف للحي رَحيلُهم، أصله أزف الرحيلُ للحيّ ثم صار أزف للحي رحيلُهم، ومنه قول العرب: لا أبَا لك، أصله لا أباكَ، فكانت لام (لك) مؤكدة لمعنى الإضافة لإمكان إغناء الإضافة عن ذكر اللام. قال الشاعر:شعر : أبالموت الذي لا بد أني مُلاقٍ لا أباكِ تخوّفيني تفسير : وأصل النظم: اقترب للناس الحساب. وإنما نظم التركيب على هذا النظم بأن قدم ما يدل على المضاف إليه وعُرِّف {الناس}تعريف الجنس ليحصل ضرب من الإبهام ثم يقع بعده التبيين، ولِما في تقديم الجار والمجرور من الاهتمام بأن الاقتراب للناس ليعلم السامع أن المراد تهديد المشركين لأنهم الذين يُكنَّى عنهم بالناس كثيراً في القرآن، وعند التقديم احتيج إلى تقدير مضاف فصار مثل: اقترب حساب للناس الحساب، وحذف المضاف لدلالة مفسره عليه. ولما كان الحساب حساب الناس المذكورين جيء بضمير الناس ليعود إلى لفظ الناس فيحصل تأكيد آخر وهذا نمط بديع من نسج الكلام، ويجوز أن تكون اللام بمعنى (من) أو بمعنى (إلى) متعلقة بــــ {اقترب} فيكون المجرور ظرفاً لغواً، وعن ابن مالك أنه مَثّل لانتهاء الغاية بقولهم: «تقربت منك». وجملة {وهم في غفلة معرضون} حال من {الناس،} أي اقترب منهم الحساب في حال غفلتهم وإعراضهم. والمراد بالناس المشركون لأنهم المقصود بهذا الكلام كما يدل عليه ما بعده. والغفلة: الذهول عن الشيء وعن طرق علمه، وقد تقدمت عند قوله تعالى: {أية : وإن كنا عن دراستهم لغافلين} تفسير : في سورة [الأنعام: 156]، وقوله تعالى: {أية : ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}تفسير : في [سورة الأعراف: 146]. والإعراض: صرف العقل عن الاشتغال بالشيء. وتقدم في قوله: {أية : فأعرض عنهم وعظهم} تفسير : في سورة [النساء: 63]، وقوله: {أية : فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} تفسير : في سورة [الأنعام: 68]. ودلت (في) على الظرفية المجازية التي هي شدة تمكن الوصف منهم، أي وهم غافلون أشد الغفلة حتى كأنهم منغمسون فيها أو مظروفون في محيطها، ذلك أن غفلتهم عن يوم الحساب متأصلة فيهم بسبب سابق كفرهم. والمعنى: أنهم غافلون عن الحساب وعن اقترابه. وإعراضهم هو إبايتهم التأمل في آيات القرآن التي تذكرهم بالبعث وتستدل لهم عليه، فمتعلق الإعراض غير متعلق الغفلة لأن المعرض عن الشيء لا يعد غافلاً عنه، أي أنهم لما جاءتهم دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الإيمان وإنذارهم بيوم القيامة استمروا على غفلتهم عن الحساب بسبب إعراضهم عن دلائل التذكير به. فكانت الغفلة عن الحساب منهم غير مقلوعة من نفوسهم بسبب تعطيلهم ما شأنه أن يقلع الغفلة عنهم بإعراضهم عن الدلائل المثبتة للبعث.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في أول سورة "النحل" فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

الواحدي

تفسير : {اقترب للناس} يعني: أهل مكَّة {حسابهم} وقت محاسبة الله إيَّاهم على أعمالهم. يعني: القيامة {وهم في غفلة} عن التَّأهُّب لذلك {معرضون} عن الإِيمان. {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} يعني: ما يحدث الله تعالى من تنزيل شيءٍ من القرآن يُذكِّرهم ويعظهم به {إلاَّ استمعوه وهم يلعبون} يستهزئون به. {لاهية} غافلةً {قلوبهم وأسروا النجوى} قالوا سرّاً فيما بينهم {الذين ظلموا} أشركوا، وهم أنَّهم قالوا: {هل هذا} يعنون محمَّداً {إلاَّ بشرٌ مثلكم} لحمٌ ودمٌ {أفتأتون السحر} يريدون: إنَّ القرآن سحرٌ {وأنتم تبصرون} أنَّه سحر، فلمَّا أطلع الله سبحانه نبيَّه صلى الله عليه وسلم على هذا السِّرِّ الذي قالوه، أخبر أنَّه يعلم القول في السَّماء والأرض.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- دنا للمشركين وقت حسابهم يوم القيامة، وهم غافلون عن هوله، معرضون عن الإيمان به. 2- ما يأتيهم قرآن من ربهم مُجدَّد نزوله، مذكر لهم بما ينفعهم، إلا استمعوه وهم مشغولون عنه بما لا نفع فيه، يلعبون كما يلعب الأطفال.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: اقترب للناس حسابهم: أي قرب زمن حسابهم وهو يوم القيامة. وهم في غفلة: أي عما هم صائرون إليه. معرضون: أي عن التأهب ليوم الحساب بصالح الأعمال بعد ترك الشرك والمعاصي. من ذكر من ربهم محدث: أي من قرآن نازل من ربهم محدث جديد النزول. وهم يلعبون: أي ساخرين مستهزئين. لاهية قلوبهم: مشغولة عنه بما لا يغني من الباطل والشر والفساد. وأسروا النجوى: أي أخفوا مناجاتهم بينهم. أضغاث أحلام: أي أخلاط رآها في المنام. بل افتراه: أي اختلقه وكذبه ولم يوح إليه. أفهم يؤمنون: أي لا يؤمنون فالاستفهام للنفي. معنى الآيات: يخبر تعالى فيقول وقوله الحق: {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} أي دنا وقرب وقت حسابهم على أعمالهم خيرها وشرها {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} عما ينتظرهم من حساب وجزاء {مُّعْرِضُونَ} عما يدعون إليه من التأهب ليوم الحساب بترك الشرك والمعاصي والتزود بالإِيمان وصالح الأعمال. وقوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ} أي ما ينزل الله من قرآن يعظهم به ويذكرهم بما فيه {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} أي استمعوه وهم هازئون ساخرون لاعبون غير متدبرين له ولا متفكرين فيه. وقوله تعالى: {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} أي مشغولة عنه منصرفة عما تحمل الآيات المحدثة النزول من هدى ونور، {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} وهم المشركون قالوا في تناجيهم بينهم: {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} أي ما محمد إلا إنسان مثلكم فكيف تؤمنون به وتتابعونه على ما جاء به، إنه ما هو إلا ساحر {أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} ما لكم أين ذهبت عقولكم؟ قال تعالى لرسوله: {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ....} لأقوال عباده {ٱلْعَلِيمُ} بأعمالهم فهو تعالى سميع لما تقولون من الكذب عليم بصدقي وحقيقة ما أدعوكم إليه. وقوله تعالى: {بَلْ قَالُوۤاْ} أي أولئك المتناجون الظالمون {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي قالوا في القرآن يأتيهم من ربهم محدث لهم؛ ليهتدوا به قالوا فيه أضغاث أي أخلاط رؤيا منامية وليس بكلام الله ووحيه، {بَلِ ٱفْتَرَاهُ} انتقلوا من قول إلى آخر لحيرتهم {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} أي صلى الله عليه وسلم وما يقوله ليس من جنس الشعر الذي ذكر أشياء لا واقع لها ولا حقيقة. وقوله تعالى عنه: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ} أي إن كان رسولاً كما يدعي وليس بشاعر ولا ساحر فليأتنا بآية أي معجزة كآية صالح أو موسى أو عيسى كما أرسل بها الأنبياء الأولون. قال تعالى: {مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ} أي أهل قرية {أَهْلَكْنَاهَآ} بالعذاب لما جاءتها الآية فكذبت أفهم يؤمنون أي لا يؤمنون إذ شأنهم شأن غيرهم، فلذا لا معنى لإِعطائهم الآية من أجل الإِيمان ونحن نعلم أنهم لا يؤمنون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- قرب الساعة. 2- بيان ما كان عليه المشركون من غفلة ولهو وإعراض، والناس اليوم أكثر منهم في ذلك. 3- بيان حيرة المشركين إزاء الوحي الإِلهي والنبي صلى الله عليه وسلم. 4- المعجزات لم تكن يوماً سبباً في هداية الناس بل كانت سبب إهلاكهم إذ هذا طبع الإِنسان إذا لم يرد الإِيمان والهداية فإنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية.

القطان

تفسير : اقترب للناس حسابهم: اقترب يوم القيامة. من ذِكر: من قرآن. مُحدَث: جديد: لاهية قلوبهم: غافلون عن ذكر الله. أسرّوا النجوى: أخفوا حديثهم بينهم. اضغاث أحلام: الأضغاث هي الأشياء المختلطة بعضها ببعض، ومعنى اضغاث أحلام: ما كان منها ملتبسا مضطربا يصعب تأويله. بل: كلمة تُذكر للانتقال من غرض لآخر دنا للناس وقت حسابهم بقرب مجيء يوم القيامة، وهم غافلون عن هول ذلك اليوم، ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم.. فإن يوم الحساب آتٍ لا محالة. ثم بين الله ما يدل على غفلتهم واعراضهم بقوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}. ما يُنزل الله من قرآن يجدّد لهم فيه الذكر، ويُحْدِث لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ليكرر على اسماعهم التنبيه والموعظةَ لعلّهم يتعظون، الا زادهم ذلك لعباً واستهزاء. ولقد بالغوا في اخفاء نجواهم وتآمرهم على الرسول الكريم، فهل محمدٌ إلا بشرٌ مثلكم! {أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ}. اتصدّقون محمداً وتذهبون الى مجلس السحر وأنتم تعلمون انه ساحر!؟. قال لهم الرسول وقد أطلعه الله على حديثهم الذي أسرّوه: إنكم وإن أخفيتم قولكم وطعنكم فيَّ فإن ربّي يَعلم كل ما يقال في السماء والأرض، لا يخفى عليه شيء. ثم بين اللهُ خوضهم في فنون الاضطراب وعدم اقتصارهم على ما تقدَّمَ من أن النبي ساحر بقوله تعالى: {بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ}. إنهم لم يثبُتوا على صفة له، ولا على رأي يرونه.... كيف يصِفون هذا القرآن، وكيف يتقونه. قالوا في أول الأمر إن محمداً بشَرٌ مثلكم، ثم قالوا إن ما جاء به سِحر، ثم قالوا إنه أحلامٌ مختلطةٌ يراها محمد ويرويها عليكم، ثم عادوا وقالوا إن هذا الذي يجيء به كذبٌ مفترى، بل هو شاعر، فإذا كان رسولاً حقيقياً فليأتِنا بمعجزة مادية تدل على صدقه، كما أُرسِل الانبياء الأولون مؤيدين بالمعجزات. إنهم حائرون لا يدرون بماذا يصفون هذا الرسول والقرآن، فينتقلون من ادّعاء الى ادّعاء، ومن تعليلٍ إلى تعليل، ولا يستقرون على رأي. {مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ}. إن القرى التي أهلكناها لم تؤمن مع أنّنا أرسلنا إليهم رسُلنا بالمعجزات المادية، فأهلكناهم، فهل يؤمن هؤلاء من قومك إذا جاءهم ما يطلبون!!. قال قتادة: قال أهل مكة للنبيّ صلى الله عليه وسلم اذا كان ما تقولُه حقاً ويسرّك ان نؤمن، فحوِّل لنا الصَّفا ذهبا. فأتاه جبريل فقال: ان شئتَ كانَ الذي سألك قومُك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا، لم يُنظَروا (يعني ان الله يهلكهم حالا) وان شئتَ استأنيتَ بقومك، قال: بل أستأني بقومي. فانزل الله: {مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ..} الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ إِلى اقْتِرَابِ وَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَدُنُوِّ مَوْعِدِهَا. ومَتَى قَامَتِ السَّاعةُ حَشَرَ اللهُ الخَلاَئِقَ إِليهِ لِيحَاسِبَهُم عَلَى مَا عَمِلُوهُ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا، ولِيَجْزِيَ كُلَّ وَاحِدٍ بِما عَمِلَ . وَلكنَّ النَاسَ غَافِلونَ عَنْ أمْرِ السَّاعَةِ وأَمْرِ الحِسَابِ، وإِذا نُبِّهُوا مِنْ غَفْلَتِهِمْ بِمَا يُتْلَى عَلَيْهِم مِن الآيَاتِ والنُُّّذُرِ أَعْرَضُوا وٱسْتَكْبَرُوا، ورَفَضُوا الاسْتِماعَ إِلى مَا يُقَالُ لَهُمْ. اقْتَرَبَ - قَرُبَ وَدَنا .

الثعلبي

تفسير : {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ} قيل: اللام بمعنى من أي اقترب من الناس {حِسَابُهُمْ} محاسبة الله إيّاهم على أعمالهم {وَهُمْ} واو الحال {فِي غَفْلَةٍ} عنه {مُّعْرِضُونَ} عن التفكير فيه والتأهّب له، نزلت في منكري البعث. {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ} يعني ما يحدث الله تعالى من تنزيل شيء من القرآن يذكّرهم ويعظهم به {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} لا يعتبرون ولا يتّعظون. قال مقاتل: يحدث الله الأمر بعد الأمر، وقال الحسن بن الفضل: الذكر هاهنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلّ عليه قوله في سياق الآية {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} ولو أراد الذكر بالقرآن لقال: هل هذا إلاّ أساطير الأوّلين، ودليل هذا التأويل أيضاً قوله: {أية : وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [القلم: 51-52] يعني محمداً (عليه السلام) . {لاَهِيَةً} ساهية {قُلُوبُهُمْ} معرضة عن ذكر الله، من قول العرب: لهيت عن الشيء إذا تركته، ولاهية نعت تقدّم الاسم ومن حقّ النعت أن يتبع الاسم في جميع الاعراب، فإذا تقدّم النعت الاسم فله حالتان: فصل ووصل، فحاله في الفصل النصب كقوله سبحانه {أية : خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ} تفسير : [القمر: 7] {أية : وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا} تفسير : [الإنسان: 14] و{لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} . قال الشاعر: شعر : لعزّة موحشاً طلال يلوح كأنّه خلل تفسير : أراد: طلل موحش، وحاله في الوصل حال ما قبله من الإعراب كقوله تعالى {أية : رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا} تفسير : [النساء: 75] قال ذو الرمّة: شعر : قد أعسف النازح المجهول معسفة في ظلّ أخضر يدعو هامه البوم تفسير : أراد معسفه مجهول وإنّما نصب لانتصاب النازح. وقال النابغة: شعر : من وحش وجرة موشّي أكارعه طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد تفسير : أراد أنّ أكارعه مَوشيّة. {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} كان حقّه وأسرّ لأنه فعل تقدّم الاسم فاختلف النحاة في وجهه، فقال الفرّاء: الذين ظلموا في محلّ الخفض على أنّه تابع للناس في قوله {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ}. وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير أراد والذين ظلموا أسرّوا النجوى. وقال قطرب: وهذا سائغ في كلام العرب وحُكي عن بعضهم أنه قال: سمعت بعض العرب يقول: أكلوني البراغيث قال الله سبحانه {أية : ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [المائدة: 71] . وقال الشاعر: شعر : بك نال النصال دون المساعي فاهتدين النبال للأغراض تفسير : ويحتمل أن يكون محل الذين رفعاً على الابتداء، ويكون معناه وأسَروّا النّجوى، ثمّ قال هم الذين ظلموا. {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} أنّه سِحر {قَالَ رَبِّي} قرأ أكثر أهل الكوفة (قال) على الخبر عن محمد صلى الله عليه وسلم وقرأ الباقون «قل» على الأمر له {يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوالهم {ٱلْعَلِيمُ} بأفعالهم {بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي أباطليها وأهاويلها {بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} يعني أنّ المشركين اقتسموا القول فيه: فقال بعضهم: أضغاث أحلام، وقال بعضهم: بل افتراه، وقال بعضهم: بل محمد شاعر، وهذا الذي جاءكم به شعر، لأنَّ بل تأتي لتدارك شيء ونفي آخر. {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ} إن كان صادقاً {كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ} من الرسل بالآيات. قال الله سبحانه مجيباً لهم {مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ} أهل قرية أتتها الآيات فأهلكناهم {أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} إن جاءتهم آية... {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} وهذا جواب لقولهم {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} {فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ} أي التوراة والإنجيل يعني علماء أهل الكتاب {إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} وقال ابن زيد: أراد بالذكر القرآن يعني فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن، قال جابر الجعفي: لما نزلت هذه الآية قال عليّ: نحن أهل الذكر. {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ} يعني الرسل الأولين {جَسَداً} قال الفرّاء: لم يقل أجساداً لأنّه اسم الجنس {لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ} يقول: لم نجعلهم ملائكة، بل جعلناهم بشراً محتاجين إلى الطعام، وهذا جواب لقولهم {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ} تفسير : [الفرقان: 7] {وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ} في الدنيا {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ} الذي وعدناهم هلاك أعدائهم ومخالفيهم وإنجائهم ومتابعيهم {فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ} المشركين. {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} قال مجاهد: حديثكم، وقيل: شرفكم. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والاقتراب: إما أن يكون زمناً أو مكاناً، فإذا كانت المسألة في مسافات قلنا: اقترب للناس حسابهم يعني مكانه. وإذا كانت للزمن قلنا: اقترب زمنه. فالاقتراب: دُنُو الحدث من ظرفية زماناً أو مكاناً. والحق سبحانه حينما يُعبِّر بالماضي {ٱقْتَرَبَ ..} [الأنبياء: 1] يدل على أن ذلك أمر لازم وسيحدث ولا بُدَّ، والبشر حينما يتحدثون عن أمر مقبل يقولون: يقترب لا اقتربَ؛ لأن اقتربَ هكذا بالجزم والحكم بأنه حدثَ فعلاً لا يقولها إلا الله الذي يملك الأحداث ويقدر عليها، أما الإنسان فلا يملك الأحداث، ولا يستطيع الحكم على شيء لا يملكه بعد أن يتلفظ بهذا اللفظ. ومثال ذلك في قوله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..} تفسير : [النحل: 1] فلا يُقال لك: لا تستعجل شيئاً إلا إذا كان لم يحدث بَعْد: فكيف - إذن - جمع بين الماضي {أية : أَتَىٰ ..} تفسير : [النحل: 1] والمستقبل {أية : فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..} تفسير : [النحل: 1]؟ قالوا: أنت ممنوع أن تحكم بمُضيٍّ على أمر مستقبل؛ لأنك لا تملك نفسك، ولا تملك ظروف المستقبل، كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الكهف: 23-24]. لا بُدَّ أن تُردف هذا القول بالمشيئة؛ لأن قولك "سأفعل ذلك غداً" قضيةٌ لها عناصر: الفاعل أنت والمفعول به والزمن غداً، والسبب الذي يدعوك للفعل والقدرة التي تُعينك أن تفعل. وهذه كلها عناصر لا تملك أنت شيئاً منها، وربما جاء غَدٌ فتغيَّر عنصر من هذه العناصر، وحال بينك وبين ما تريد، فينبغي أن تُبرِّيء نفسك من احتمال الكذب فتقول: إن شاء الله وتردُّ الأمر إلى القادر عليه الذي يملك كل هذه العناصر، وكأن ربك يُعلِّمك ألا تكون كاذباًَ. لذلك نجد أن اللغة قد راعتْ قدرة المتكلم، ووضعتْ له الزمن المناسب، فإنْ علمتَ حدوث الفعل قُلْ بالماضي: حضر فلان، انتهت القضية، فإنْ علمتَ أنه توجه للحضور واستعدَّ له قُلْ: سيحضر فلان أي قريباً، أو سوف يحضر أي: بعد ذلك. هذا الذي يناسب قدرة البشر. أما الحق سبحانه فيملك زمام الأشياء وتوجيهها، وكلّ شيء مرهون بأمره التكويني، فإنْ قال للأمر المستقبل: أتى أو اقترب فصدِّق؛ لأنه لا شيء يُخرِج الأمر عن مراده تعالى، وهو وحده الذي يملك الانفعال لكلمة كُنْ، فإنْ قالها فَقد انتهتْ المسألة. لذلك يقول سبحانه: {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ..} [الأنبياء: 1] بصيغة الماضي ولم يقل: يقترب أو سيقترب؛ لأن المتكلم هو الله. وقد ورد الماضي (اقترب) أيضاً في قوله تعالى: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} تفسير : [القمر: 1]. وفي قوله تعالى {أية : وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب} تفسير : [العلق: 19] فاقترب غير قَرُب، قرُب: يعني دنا، أما اقترب أي: دنا جداً حتى صار قريباً منك. والحساب: كلمة تُطلَق إطلاقات عِدّة، فالحساب أنْ تحسب الشيء بالأعداد جمعاً، أو طرحاً، أو ضَرْباً، وتدير حصيلة لك أو عليك، فإنْ كانت لك فأنت دائن، وإنْ كانت عليك فأنت مدين. أو تربط المسبِّبات بأسبابها. وهناك أمور تأتي بغير حساب، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37] فهذه مسألة لا تستطيع ضبطها، والله لا يُسأل: أعطاني زيادة أم نقصاناً. أما الحساب في {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ..} [الأنبياء: 1] فيقتضي مُحَاسِباً هو الله عز وجل، ومُحاسَباً هم الناس، ومُحَاسَباً عليه وهي الأعمال والأحداث التي أحدثوها في دنياهم، وهذه قسمان: قسم قبل أنْ يُكلَّفوا، وقسم بعد أن كُلِّفوا. ما كان قبل التكليف وسِنِّ البلوغ لا يحاسبنا الله عليه، إنما تركنا نمرح ونرتع في نعمه سبحانه دون أن نسأل عن شيء، أما بعد البلوغ فقد كلَّفنا بأشياء تعود علينا بالخير، وألزمنا المنهج الذي يضمن سعادتنا "بافعل" و "لا تفعل" وهذا يقتضي أن نحاسب، فعلنا، أم لم نفعل. إذن: المسألة حساب، ليست جُزَافاً، جماعة في الجنة وجماعة في النار، وقوله سبحانه في الحديث القدسي: "هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي" بِناءً على علمه تعالى بما يُؤدُّونه وقت الحساب، ففي علم الله ما فعلوا وما تركوا. ولا تنْسَ أن المحاسب في هذا الموقف هو الله، فإنْ كان الحساب في الخير عاملك بالفضل والزيادة كما يشاء سبحانه؛ لذلك يضاعف الحسنات، وإنْ كان الحساب في الشر كان على قَدْره دون زيادة، كما قال تعالى: {أية : جَزَآءً وِفَاقاً} تفسير : [النبأ: 26]. وما دام المحاسب هو الله سبحانه وتعالى، وهو لا ينتفع بما يقضيه على الخَلْق، فمن رحمته بِنَا ونعمته علينا أنْ حذَّرنا من أسباب الهلاك، ولم يأخذنا على غَفْلة، ولم يفاجئنا بالحساب على غِرّة، إنما أبان لنا التكاليف، وأوضح الحلال والحرام، وأخبرنا بيوم الحساب لنستعدَّ له، فلا نسير في الحياة على هوانا. فقال سبحانه: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7-8]. فمن رحمته تعالى بعباده أنْ وعدهم هذا الوعد، وعرفهم هذا الميزان وهم في سَعَة الدنيا، وإمكان تدارك الأخطاء، واستئناف التوبة والعمل الصالح، من رحمته بنا أنْ يعِظَنا هذه الموعظة ويكررها على أسماعنا ليلَ نهارَ. إذن: ما أخذنا ربنا على غِرَّة، ولم تُفاجئْنا القيامة بأهوالها، فمن الآن اعلم {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ..} [الأنبياء: 1] وما دام الأمر كذلك فعلى الإنسان أن يُقَدِّر قَدْر الاقتراب، ومتى سينتقل إلى يوم الحساب، ولا تظن أن عُمرك هو عمر الدنيا منذ خلقها الله، إنما عمرك ودنياك على قَدْر مُكْثك فيها، وهو مُكْث مظنون غير مُتيقَّن، فمن الخَلْق من عمَّر دهراً، ومنهم مَنْ مات في بطن أمه. إذن: لا تُؤجِّل لأنك لا تدري، أيمهلك الأجل حتى تتوب؟ أم يُعاجلك فتُؤخذ بذنبك؟ والحق سبحانه يقول: {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ..} [الأنبياء: 1] مع أن الساعة ما زالت بعيدة، وبيننا وبين القيامة مَا لا يعلمه إلا الله. فكيف ذلك؟ قالوا: لأن الحساب إنما يكون على الأعمال، والأعمال لها وقت هو الدنيا، فَمنْ مات فقد انقطع عمله، واقترب وقت حسابه؛ لأن المدة التي يقضيها في القبر لا يشعر بها، فكأنها ساعة من نهار. فإنْ قُلْت: من الناس مَنْ يعيش مائة عام، ومائة وخمسين عاماً. نقول: هذا شيء ظنيّ لا نضمنه، والإنسان عُرضة للموت في أيِّ لحظة لسبب أو دون سبب. ونلحظ في قوله تعالى: {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ..} [الأنبياء: 1] فقال (للنَّاسِ) مع أن الحساب لهم وعليهم، فهل معنى (للناس) أي: لمصلحتهم؟ لا يبدو ذلك؛ لأنه قال بعدها: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} [الأنبياء: 1]. إذن: الحساب ليس في مصلحتهم إنما الحساب عليهم، إذن: كيف يكون ف مثل هذا السياق {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ..} [الأنبياء: 1] ما دام الأمر على الكفار؟ كان المفروض أن يقول: اقترب على الناس حسابهم. نقول: هذا إذا أخذتَ اللام للحساب، إنما اللام هنا للاقتراب، لا للحساب، أي: اقترب من الناس، إنما الحساب لهم أو عليهم، هذه مسألة أخرى. وقوله: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} [الأنبياء: 1] الغفلة معناها: زحزحة الشيء عن بالٍ الواجب أَلاَّ يزحزح عنه، فكان الواجب أنْ يتذكره ولا يغفل عنه، والغفلة غير النسيان؛ لأن الغفلة أن تهمل مسألة كان يجب ألاَّ تهمل، وألاَّ تغيب عن بالك، أما النسيان فخارج عن إرادتك. وغفلتهم هنا عن أصل وقمة الدين، وهو الإيمان بالألوهية، فإن آمنتَ بالألوهية فالغفلة عن الأحكام التي جاء بها الدين، وهذه هي المعاصي، والكلام هنا عن الكافرين بدليل قوله بعدها: {أية : مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ ..} تفسير : [الأنبياء: 2] والغفلة عن الربِّ الأعلى مثلها الغفلةَ عن حكم الرب الأعلى، وفَرْق بين غَفْلة وغَفْلة. وقد حدَّثَ النبي صلى الله عليه وسلم صحابته عن هذه الغفلة، كما روى سيدنا حذيفة بن اليمان قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر. حدثنا (أن الأمانة نزلت في جِذَرْ قلوب الرجال) والأمانة هي الإيمان الحق بالله، أي: حَلَّ الإيمان، واستقر في القلب، ونطقنا بالشهادة (ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السُّنة) ثم حدَّثنا عن رَفْع الأمانة فقال: (ينام الرجل النومة، فتُقبض الأمانة من قلبه) أي: يغفل الغفلة (فيظل أثرها مثل أثر الوكت) الوكت: مثل سيجارة مثلاً تقع على الجلد فلسعته، فيتغير لونه (ثم ينام النومة) أي: مرة أخرى (فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل) والمجل: جمرة النار (فنفط فتراه منتبراً عالياً، وليس به شيء) أي: انتفخ (فيصبح الناس) أي: بعد رفع الأمانة (يتبايعون فلا يكاد يوجد أحد منهم يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً) لندرة الأمانة بين الناس. ثم يقول الراوي: (وقد مر عليَّ زمان ما كنت أبالي أيكُم بايعت، فلئن كان مسلماً ليردنَّه عليَّ دينه) يعني: إنْ غشَّني في شيء أو حدث خطأ ما في البيع (ولئن كان يهودياً أو نصرانياً ليردنَّه عليَّ ساعيه) أي: الناس المكلفون بمراقبة الأسواق، وهم أهل الحِسْبة، فإنْ رأَوْا غِشّاً منعوه، وردوا إلى صاحب الحق حقه (وأما الآن فأنا لا أكاد أبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً) فإنْ كان هذا في أيامهم فما بال أيامنا؟ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "حديث : الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة" تفسير : أي: رَغْم كثرتها لا تجد فيها جملاً يحمل رَحْلك ويحملك. وفي رواية أخرى: "تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً عوداً" أي: كنسج الحصير، عُوداً بعد عود، حتى تتم الحصيرة، ثم يكون الرَّان على القلب. فغفْلة هؤلاء غَفْلة عن القمة، وعن الألوهية، لا عن التكاليف؛ لأنهم ليسوا مؤمنين بالمكلّف سبحانه. وقوله تعالى: {مُّعْرِضُونَ} [الأنبياء: 1] تدل على الافتعال أي: أنهم مفتعلون هذا الإعراض؟ ثم يقول الحق سبحانه: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ ...}.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {أَضْغَاثُ} أخلاط جمع ضغث وهي الأهاويل التي يراها الإِنسان في منامه {قَصَمْنَا} القصْم: كسر الشيء الصلب يقال: قصمتُ ظهره وانقصمت سنُّة إِذا انكسرت {يَرْكُضُونَ} الركضُ: العدو بشدَّة والركض ضرب الدابة بالرِّجل حثاً على العدو {خَامِدِينَ} خمدت النار طفئت والخمود الهمود ويراد به الموت تشبيهاً بخمود النار {فَيَدْمَغُهُ} دَمَغَه: أصاب دماغه نحو كَبَده ورَأسَه أصاب كبده ورأسه {يَسْتَحْسِرُونَ} يعيون مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالإِعياء والتعب. التفسِير: {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} أي قرب ودنا وقت حساب الناس على أعمالهم {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} أي وهم مستغرقون في الشهوات، غافلون عن ذلك اليوم الرهيب، لا يعملون للآخرة ولا يستعدون لها كقول القائل: الناس في غفلاتهم: ورحَى المنيَّة تطحن، وإِنما وصف الآخرة بالاقتراب لأن كل ما هو آتٍ قريب {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ} أي ما يأتيهم شيءٌ من الوحي والقرآن من عند الله متجدّد في النزول فيه عظةٌ لهم وتذكير {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} أي إِلاّ استمعوا القرآن مستهزئين قال الحسن: كلما جُدّد لهم الذكرُ استمروا على الجهل {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} أي ساهيةً قلوبهم عن كلام الله، غافلةً عن تدبر معناه {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي تناجى المشركون فيما بينهم سراً {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} أي قالوا فيما بينهم خفيةً هل محمد الذي يدّعى الرسالة إِلا شخص مثلكم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ {أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} أي أفتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر؟ قال الألوسي: أرادوا أن ما أتى به محمد عليه السلام من قبيل السحر، وذلك بناءً على ما ارتكز في اعتقادهم أن الرسول لا يكون إِلا ملكاً وأن كل ما جاء به من الخوارق من قبيل السحر وعنوا بالسحر القرآن {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي قال محمد صلى الله عليه وسلم إِنَّ ربي لا يخفى عليه شيء مما يقال في السماء والأرض {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي السميع بأقوالكم، العليم بأحوالكم، وفي هذا تهديدٌ لهم ووعيد {بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} هذا إِضرابٌ من جهته تعالى وانتقال إلى ما هو أشنع وأقبح حيث قالوا عن القرآن إِنه أخلاط منامات {بَلِ ٱفْتَرَاهُ} أي اختلقه محمد من تلقاء نفسه {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} أي بل محمد شاعر وما أتى به شعر يخيل للسامع أنه كلام رائع مجيد قال في التسهيل: حكى عنهم هذه الأقوال الكثيرة ليظهر اضطراب أمرهم وبطلان أقوالهم فهم متحيرون لا يستقرون على شيء {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ} أي فليأتنا محمدٌ بمعجزةٍ خارقة تدل على صدقه كما أُرسل موسى بالعصا وصالح بالناقة {مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} أي ما صدَّق قبل مشركي مكة أهل القرى الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات بل كذبوا فأهلكهم الله أفيصدّق هؤلاء بالآيات لو رأوها؟ كلا قال أبو حيان: وهذا استبعادٌ وإِنكار أي هؤلاء أعتى من الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات فلو أعطيناهم ما اقترحوا لكانوا أضلَّ من أولئك واستحقوا عذاب الاستئصال ولكنَّ الله تعالى حكم بإِبقائهم لعلمه أنه سيخرج منهم مؤمنون {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} أي وما أرسلنا قبلك يا محمد إِلا رسلاً من البشر لا ملائكة فكيف ينكر هؤلاء المشركون رسالتك ويقولون: ما هذا إِلا بشر مثلكم؟ {فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي فاسألوا يا أهل مكة العلماء بالتوراة والإِنجيل هل كان الرسل الذين جاءوهم بشراً أم ملائكة؟ إِن كنتم لا تعلمون ذلك {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ} أي ما جعلنا الأنبياء أجساداً لا يأكلون ولا يشربون كالملائكة بل هم كسائر البشر يأكلون ويشربون، وينامون ويموتون {وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ} أي ما كانوا مخلَّدين في الدنيا لا يموتون {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ} أي ثم صدقنا الأنبياء ما وعدناهم به من نصرهم وإِهلاك مكذبيهم وإِنجائهم مع أتباعهم المؤمنين {وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ} أي وأهلكنا المكذبين للرسل، المجاوزين الحدَّ في الكفر والضلال، وهذا تخويفٌ لأهل مكة {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} اللام للقسم أي والله لقد أنزلنا إِليكم يا معشر العرب كتاباً عظيماً مجيداً لا يماثله كتاب فيه شرفُكم وعزُّكم لأنه بلغتكم {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أفلا تعقلون هذه النعمة فتؤمنون بما جاءكم به محمد عليه السلام؟ {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} أي وكثيراً أهلكنا من أهل القرى الذين كفروا بآيات الله وكذبوا رسله {وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ} أي وخلقنا أمة أخرى بعدهم {فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ} أي فلما رأوا عذابنا بحاسة البصر وتيقنوا نزوله إذا هم يهربون فارين منهزمين قال أبو حيان: لما أدركتهم مقدمة العذاب ركبوا دوابّهم يركضونها هاربين منهزمين {لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} أي تقول لهم الملائكة استهزاءً: لا تركضوا هاربين من نزول العذاب وارجعوا إِلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور ولين العيش {وَمَسَاكِنِكُمْ} أي ارجعوا إِلى مساكنكم الطيبة {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} أي لعلكم تُسألون عما جرى عليكم، وهذا كله من باب الاستهزاء والتوبيخ {قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} أي قالوا يا هلاكنا ودمارنا إِنا كنا ظالمين بالإِشراك وتكذيب الرسل، اعترفوا وندموا حين لا ينفعهم الندم {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} أي فما زالت تلك الكلمات التي قالوها يكررونها ويردّدونها {حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ} أي حتى أهلكناهم بالعذاب وتركناهم مثل الحصيد موتى كالزرع المحصود بالمناجل {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} أي لم نخلق ذلك عبثاً وباطلاً وإِنما خلقناهما دلالةً على قدرتنا ووحدانيتنا ليعتبر الناس ويستدلوا بالخلق على وجود الخالق المدبّر الحكيم {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً} قال ابن عباس: هذا ردٌّ على من قال اتخذ الله ولداً والمعنى لو أردنا أن نتخذ ما يُتلهى به من زوجةٍ أو ولد {لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ} أي لاتخذناه من عندنا من الحور العين أو الملائكة {إِن كُنَّا فَاعِلِينَ} أي لو أردنا فعل ذلك لاتخذنا من لدنا ولكنه منافٍ للحكمة فلم نفعله {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} أي بل نرمي بالحق المبين على الباطل المتزعزع فيقمعه ويُبطله {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} أي هالك تالف {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} أي ولكم يا معشر الكفار العذاب والدمار من وصفكم الله تعالى بما لا يجوز من الزوجة والولد {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي وله جلَّ وعلا جميع المخلوقات ملكاً وخلقاً وتصرفاً فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبدٌ ومخلوق له؟ {وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} أي والملائكة الذين عبدتموهم من دون الله لا يتكبرون عن عبادة مولاهم ولا يَعْيَون ولا يملُّون {يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} أي هم في عبادة دائمة ينزّهون الله عما لا يليق به ويصلّون ويذكرون الله ليل نهارَ لا يضعفون ولا يسأمون {أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ} لما ذكر الدلائل على وحدانيته وأن من في السماوات والأرض ملكٌ له وأن الملائكة المقربين في طاعته وخدمته عاد إِلى ما كان عليه من توبيخ المشركين وذمهم وتسفيه أحلامهم، و {أَمِ} منقطعة بمعنى بل والهمزة فيها استفهام معناه التعجب والإِنكار والمعنى هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهةً من الأرض قادرين على إِحياء الموتى؟ كلا بل اتخذوا آلهة جماداً لا تتصف بالقدرة على شيء فهي ليست بآلهة على الحقيقة لأن من صفة الإِلَه القدرةُ على الإِحياء والإِماتة {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} هذا برهان على وحدانيته تعالى أي لو كان في الوجود آلهة غير الله لفسد نظام الكون كله لما يحدث بين الآلهة من الاختلاف والتنازع في الخلق والتدبير وقصد المغالبة، ألا ترى أنه لا يوجد ملِكان في مدينة واحدة، ولا رئيسان في دائرة واحدة؟ {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} أي تنزّه الله الواحد الأحد خالق العرش العظيم عما يصفه به أهل الجهل من الشريك والزوجة والولد {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} أي لا يسأل تعالى عمّا يفعل لأنه مالك كل شيء والمالك يفعل في ملكه ما يشاء، ولأنه حكيم فأفعاله كلُّها جارية على الحكمة، وهم يُسألون عن أعمالهم لأنهم عبيد {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً} كرَّر هذا الإِنكار استعظاماً للشرك ومبالغة في التوبيخ أي هل اتخذوا آلهة من دون الله تصلح للعبادة والتعظيم؟ {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} أي قل يا محمد لأولئك المشركين ائتوني بالحجة والبرهان على ما تقولون {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} أي هذا الكتاب الذي معي والكتب التي من قبلي كالتوراة والإِنجيل ليس فيها ما يقتضي الإِشراك بالله، ففي أي كتابٍ نزل هذا؟ في القرآن أم في الكتب المنزّلة على سائر الأنبياء؟! فما زعمتموه من وجود الآلهة لا تقوم عليه حجة لا من جهة العقل ولا النقل، بل كتب الله السابقة شاهدة بتنزيهه عن الشركاء والأنداد {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ} أي بل أكثر المشركين لا يعلمون التوحيد فهم معرضون عن النظر والتأمل في دلائل الإِيمان. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التنكير في غفلة للتعظيم والتفخيم {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ}. 2- صيغة المبالغة {ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}. 3- الإِضراب الترقي {بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} وهذا الاضطراب في وصف القرآن يدل على التردُّد والتحير في تزويرهم للحق الساطع المنير فقولهم الثاني أفسد من الأول، والثالث أفسد من الثاني. 4- الإِنكار التوبيخي {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}؟ 5- التشبيه البليغ {حَصِيداً خَامِدِينَ} أي جعلناهم كالزرع المحصود وكالنار الخامدة. 6- الاستعارة التمثيلية {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} شُبّه الحق بشيء صَلب والباطل بشيء رخو واستعير لفظ القذف والدمغ لغلبة الحق على الباطل بطريق التمثيل فكأنه رمي بجرم صلب على رأس دماغ الباطل فشقّه وفي هذا التعبير مبالغة بديعة في إِزهاق الباطل. 7- طباق السلب {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}. 8- التبكيت وإِلقام الحجر للخصم {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ هَـٰ}. فَائِدَة: سئل كعب عن الملائكة كيف يسبّحون الليل والنهار لا يفترون؟ أما يشغلهم شأن، أما تشغلهم حاجة؟ فقال للسائل: يا ابن أخي جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النَّفس، ألست تأكل وتشرب، وتقوم وتجلس، وتجيء وتذهب وأنت تتنفس؟ فكذلك جُعل لهم التسبيح.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} الآية هذه السورة مكية بلا خلاف ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر قل كل متربص فتربصوا قال مشركو قريش محمد يهددنا بالبعث والجزاء على الأعمال وليس بصحيح فأنزل الله اقترب للناس حسابهم واقترب افتعل بمعنى الفعل المجرد وهو قرب كما تقول كما تقول ارتقب ورقب والناس مشركو مكة وغيرهم ممن ينكر البعث * والحساب في اللغة الكمية من مبلغ العدد وقد يطلق على المحسوب وجعل ذلك اقتراباً لأن كل ما هو آت وإن طال وقت انتظاره قريب والواو في: {وَهُمْ} واو الحال وأخبر عنهم بخبرين ظاهرهما التنافي لأن الغفلة عن الشىء والإِعراض عنه متنافيان لكن يجمع بينهما باختلاف حالين أخبر عنهم أولاً بأنهم لا يتفكرون في عاقبة بل هم غافلون عما يؤول إليه أمرهم ثم أخبر عنهم ثانياً أنهم إذا نبهوا من سنة الغفلة وذكروا بما يؤول إليه أمر المحسن والمسيء أعرضوا عنه ولم يبالوا بذلك * والذكر هنا ما ينزل من القرآن شيئاً بعد شىء ومن زائدة وذكر فاعل ووصفه بالحدوث إذ كان القرآن لنزوله وقتاً بعد وقت. و{ٱسْتَمَعُوهُ} جملة حالية من الضمير المنصوب في يأتيهم تقديره إلا مستمعيه. {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} جملة حالية من ضمير استمعوه. و{لاَهِيَةً} حال من ضمير يلعبون أو من ضمير استمعوه فيكون حالاً بعد حال واللاهية من قول العرب لها عنه إذا ذهل وغفل يقال لها يلهى لهياً ولهياناً أي وان فطنوا فلا يجدي ذلك لاستيلاء الغفلة والذهول وعدم التبصر بقولهم. و{ٱلنَّجْوَى} من التناجي ولا يكون إلا خفية والواو في وأسروا فاعل ضمير يعود على ما قبله. و{ٱلَّذِينَ} بدل منه. {هَلْ هَـٰذَآ} قبله حال محذوفة تقديره قائلين هل هذا إلا بشر وهو استفهام معناه التعجب أي خص دونكم بالبنون مع مماثلته لكم في البشرية. {أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ} استفهام معناه التوبيخ والسحر عنوا به ما ظهر على يديه من المعجزات التي أعظمها القرآن وهاتان الجملتان الاستفهاميتان الظاهر أنهما متعلقان بقوله: وأسروا النجوى وأنهما محكيتان للنجوى لأنه بمعنى القول الخفي فهما في موضع نصب على المفعول بالنجوى. {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} جملة حالية وللزمخشري فيه تخبيط رددناه عليه في البحر. {قُلْ} أمر لنبيه صلى الله عليه وسلم والقول أعم من أن يكون سراً وجهراً ثم ثنى ذلك بقوله: وهو السميع لأقوالكم العليم بما انطوت عليه ضمائركم. {بَلْ قَالُوۤاْ} ذكر اضطرابهم في مقالاتهم فذكر أنهم أضربوا عن نسبة السحر إليه وقالوا: ما يأتي به إنما هو أضغاث أحلام وتقدّم تفسيرها في يوسف ثم أضربوا عن هذا فقالوا: بل افتراه أي اختلقه أي وليس من عند الله ثم أضربوا عن هذا فقالوا بل هو شاعر وهكذا المبطل لا يثبت على قول بل يبقى متحيراً وهذه الأقوال الظاهر أنها صدرت من قائلين متفقين انتقلوا من قول إلى قول أو مختلفين قال كل منهم مقالة والكاف في كما أرسل يجوز أن تكون في موضع النعت لآية وما أرسل في تقدير المصدر والمعنى بآية مثل آية إرسال الأولين وفي قولهم كما أرسل الأولون دلالة على معرفتهم إيتان الرسل. {مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ} المراد بهم قوم صالح وقوم فرعون وغيرهما ومعنى أهلكناها حكمنا بإِهلاكها بما اقترحوا من الآيات. {أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} استبعاد وإنكار أي هؤلاء أعتى من الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات وعهدوا أنهم يؤمنون عندها فلما جاءتهم نكثوا. {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} الآية تقدم الكلام على مثله في يوسف. {إِلاَّ رِجَالاً} أي بشراً ولم يكونوا ملاكئة كما اعتقدتم ثم أحالهم على أهل الذكر وهم اخبار أهل الكتابين وشهادتهم تقوم بها الحجة في إرسال الله البشر. {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً} أي ذوي جسد ولما ثبت أنهم كانوا أجساداً يأكلون الطعام بين أن مآلهم إلى الفناء والنفاد ونفى عنهم الخلود وهو البقاء السرمدي أي هؤلاء الرسل بشر أجساد يطعمون ويموتون كغيرهم من البشر والذي صاروا به رسلاً هو ظهور المعجزة على أيديهم وعصمتهم من الصفات القادحة في التبليغ وغيره. {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ} فكذلك يصدق نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما وعدهم به من النصر وظهور الكلمة وهذه عدة للمؤمنين ووعيد للكافرين وصدقناهم الوعد من باب اختار وهو ما يتعدى الفعل فيه إلى واحد وإلى الآخر بحرف الجر ويجوز حذف ذلك الحرف أي في الوعد. {وَمَن نَّشَآءُ} هم المؤمنون والمسرفون هم الكفار ولما توعدهم في هذه الآية أعقب ذلك بوعده بنعمته عليهم فقال: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} والكتاب هو القرآن وعن ابن عباس ذكر شرفكم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ} كم خبرية معناه كثيراً والقصم أفظع الكسر عبر به عن الإِهلاك الشديد وكم منصوبة بقصمنا. {مِن قَرْيَةٍ} هو على حذف مضاف أي من أهل قرية. {كَانَتْ} أي كان أهلها. {وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا} أي بعد إهلاك أهلها وعن ابن عباس أن القرية هي حضوراء قرية باليمن ومن حديثها أن الله بعث إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بخت نصر كما سلطه على أهل بيت المقدس بعث إليهم جيشاً فهزموه ثم بعث إليهم آخر فهزموه فخرج إليهم بنفسه فهزمهم في الثالثة فلما أخذ القتل فيهم ركضوا هاربين. {فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ} أي باشروه بالإِحساس والضمير في أحسوا عائد على أهل المحذوف من قوله: وكم قصمنا من قرية والضمير في منها عائد على القرية والظاهر أنهم لما أدركتهم مقدمة العذاب ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين وإذا الفجائية جواب قوله: فلما * وقوله: لا تركضوا، قال ابن عطية: يحتمل أن تكون من قول رجال بخت نصر فالمعنى على هذا أنهم فدعوهم واستهزؤوا بهم بأن قالوا للهاربين منهم لا تفروا وارجعوا إلى منازلكم لعلكم تسألون صلحاً أو جزية أو أمراً يتفق عليه فلما انصرفوا أمر بخت نصر أن ينادي فيهم بالثارات للنبي المقتول فقتلوا بالسيف عن آخرهم "انتهى" ويجوز أن يكون لا تركضوا من كلام بعضهم لبعض لما هزموا الجيش ثاني مرة. {وَمَسَاكِنِكُمْ} معطوف على ما الموصولة بأترفتم والإِتراف إبطار النعمة والتقدير وإلى مساكنكم وفي قوله: لعلكم تسألون، دليل على أن من كان قاراً في مسكنه مترفاً فيه جدير بأن يكون يسأل في المهمات ويعتمد عليه فيها ونداء الويل هو على سبيل المجاز كأنهم قالوا يا هلكتنا وتقدم تفسير الويل في البقرة والظلم هنا الإِشراك وتكذيب الرسل وإيقاع أنفسهم في الهلاك واسم زالت هو اسم الإِشارة وهو تلك وهو إشارة إلى الجملة المقولة ودعواهم الخبر ويجوز العكس قاله الزجاج وبعض أصحابنا إذا لم يكن مبين الاسم والخبر الأول جعل الاسم والثاني الخبر كما قالوا في ضرب موسى عيسى أي فما زالت تلك الدعوى دعواهم قال المفسرون: فما زالوا يكررون تلك الكلمة فلم تنفعهم كقوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا}تفسير : [غافر: 85] والدعوى مصدر دعا يقال دعا دعوى ودعوة لأن المذلول كأنه يدعو الويل وقوله: حصيداً أي بالعذاب تركوا كالحصيد خامدين أي موتى دون أرواح مشبهين بالنار إذا أطفئت ولما ذكر تعالى قصم تلك القرى الظالمة اتبع ذلك بما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً منه ومجازاة على ما فعلوا وأنه ما أنشأ هذا العالم العلوي المحتوي على عجائب صنعه وغرائب من فعله وهذا العالم السفلي وما أودع فيه من عجائب الحيوان والنبات والمعادن وما بينهما من الهواء والسحاب والرياح على سبيل اللعب بل لفوائد دينية تقضي بسعادة الأبد أو بشقاوته ودنياوية لا تعد ولا تحصى كقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً}تفسير : [ص: 27]. {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً} أصل اللهو ما تسرع إليه الشهوة ويدعو إليه الهوى وقال ابن عباس وغيره اللهو هنا الولد. {بَلْ نَقْذِفُ} أي ترمي بسرعة وهذا من مجاز التمثيل شبه الحق بالصخرة الصلبة والباطل بالرخو وأنه قذف الصخرة على الرخو. {فَيَدْمَغُهُ} أي يصيب دماغه وذلك مهلك في البشر وكذلك الحق يهلك الباطل. {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ} خطاب للكفار أي الخزي والهم. {مِمَّا تَصِفُونَ} أي تصفونه بما لا يليق به تعالى من اتخاذ الصاحبة والولد والظاهر أن قوله: وله من في السماوات والأرض استئناف اخبار بأن جميع العالم ملكه وعند هنا لا يراد بها ظرف المكان لأنه تعالى منزه عن المكان بل المعنى شرف المكانة وعلو المنزلة. {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} جملة حالية. {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} أي لا يكلون ولا يسامون وبينه ما بعده من قوله: {يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ * أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ} لما ذكر الدلائل على وحدانيته وأن من في السماوات والأرض ملك له وأن الملائكة المكرمين هم في خدمته عاد إلى ما كان عليه من توبيخ المشركين وذمهم وتسفيه أحلامهم وأم هنا منقطعة تتقدر ببل والهمزة وفيها إضراب وانتقال من خبر إلى خبر واستفهام معناه التعجب والإِنكار أي اتخذوا آلهة من الأرض يتصفون بالاحياء ويقدرون عليها وعلى الاماتة أي لم يتخذوا آلهة بهذا الوصف بل اتخذوا آلهة جماداً لا تتصف بالقدرة على شىء فهي غير آلهة لأن من صفة الإِله القدرة على الإِحياء والإِماتة. {هُمْ يُنشِرُونَ} صفة لقوله: آلهة بعد وصفه بالمجرور الذي هو من الأرض والضمير في فيهما عائد على السماء والأرض وهما كناية عن العالم والا صفة لآلهة أي آلهة غير الله وكون الا يوصف بها معهود في لسان العرب ومن ذلك ما أنشده سيبويه شعر : وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان تفسير : أي وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه وقال أبو العباس المبرد في إلا الله أن يكون بدلاً لأن ما بعد لو غير موجب في المعنى والبدل في غير الواجب أحسن من الوصف والذي يظهر أن معنى الآية وجود الفساد فيهما مرتباً على وجود الآلهة المغايرة لله وهذا الوجود لم يقع فلا يقع ما يترتب عليه وهو الفساد.

الجيلاني

تفسير : {ٱقْتَرَبَ} أي: دنا وقرب {لِلنَّاسِ} الناسين عهود ربهم التي عهدوا بها معه سبحانه وقت ظهور فطرتهم الأصلية من حَمْلِ أمانة المعارف، والحقائق وقبول أعباء الإيمان، والتوحيد، ومشاق الأعمال، والتكاليف المقربة لهم إليه {حِسَابُهُمْ} أي: قَرْبَ وقت حسابهم، وانتقاد أفعالهم وأعمالهم الصالحة المقبولة عند ربهم من الفاسدة المردودة دونه {وَهُمْ} مغمورون مستغرقون {فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} [الأنبياء: 1] عن ربهم، وعن حسابه أياهم، بل أكثرهم معرضون عنه بحيث لا يلتفتون نحوه أصلاً، بل ينكرون وجوده فكيف حسابه وعذابه؟. لذلك {مَا يَأْتِيهِمْ} وينزل عليهم {مِّن ذِكْرٍ} وعظةٍ تنبههم عن سِنَةِ الغفلة، وتوقظهم عن رقدة النسيان صادرُ {مِّن رَّبِّهِمْ} بوحيٍ {مُّحْدَثٍ} مجددٍ وحسب تجددات البواعث والدواعي الموجبة للإنزال على مقتضى الأزمان والأعصار {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ} أي: الذكر المحدَث {وَهُمْ} حينئذ من غاية عمههم وسكرتهم {يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2] به ويستهزئون مع من أنزل إليه. {لاَهِيَةً} معه ذاهلةً {قُلُوبُهُمْ} عن التأمل فيه، والتفكر في معناه والتدرب في رموزه وإشاراته {وَ} هم وإن أغفلوا نفوسهم وقلوبهم عنه لفط عتوِّهم واستكبارهم، لكن تفطنوا بحقيته من كمال إعجازه ومتانته، لكونهم من أرباب البلاغة والفصاحة والذكاء والفطانة، لكنهم {أَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى} أي: بالغوا في إخفاء ما يتناجوا به في نفوسهم من حقية القرآن وإعجازه؛ إذ هم {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أنفسهم بارتكاب الكفر، والمعاصي، وأنواع الضلال عناداً ومكابرة، وقصدوا أيضاً إضلال ضعفاء الأنام حيث قالوا لهم على سبيل الإنكار: {هَلْ هَـٰذَآ} أي: ما هذا الشخص الحقير الذي ادَّعى الرسالة والنبوة والوحي والإنزال من جانب السماء {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} وهو من بني نوعكم لا ميزة له عليكم، والرسول المرسل من جانب السماء لا يكون إلا ملكاً {أَ} تميلون نحوه وتزعمونه صادقاً بواسطة خوارق صدرت عنه على سبيل السحر والشعبذة مدعياً أنه معجز مع أنه ليس كذلك {فَتَأْتُونَ} وتحضرون {ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} [الأنبياء: 3] آلاته وأدواته وتعلمون عياناً أنه سحرُ مفترىً، هل تصدقونه أم لا؟ وهذا تسجيلُ وتنصيصُ منهم على كذب الرسول، وإغراءُ وتضليلُ على ضعفاء الأنام، وحثُ لهم على تكذيبه وإنكاره ما أتى به. {قَالَ} يا أكمل الرسل في جوانبهم، والرد عليهم: {رَبِّي} الذي ربَّاني بأنواع الكرامات والمعجزات {يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ} أي: جنس الأقوال والأفعال والأحوال الكائنة {فِي ٱلسَّمَآءِ} أي: عالم الأرواح {وَٱلأَرْضِ} أي: عالم الطبيعة والأشباح {وَ} كيف لا يعلم ويعزب عن علمه شيء؛ إذ {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} المقصور على السمع بحيث لا يسمع سواه {ٱلْعَلِيمُ} [الأنبياء: 4] المستقلُّ بالعلم لا عالم إلا هو. ثم أعرضوا وانصرفوا عن قولهم بسحرية القرآن؛ لاشتمال على البلاغة والمتانة وأنواع الخواص، والمزايا الممدوحة عندهم إلى ما هو الأدنى والأنزل منه، {بَلْ قَالُوۤاْ} ما هو إلا {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي: من تخليطات القوة المتخيلة وتمويهاتها التي رآها في المنام، ثم سطَّرها، وسَمَّاه كلاماً نازلاً من السماء موحى إليه من عند الله {بَلِ ٱفْتَرَاهُ} واختلقه واخترعه من تلقاء نفسه، ونَسَبه إلى الوحي ترويجاً له بلا رؤيته في المنام {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} فصيحُ تكلم بكلام كاذبٍ مُخيَّلٍ نظمه على وجهٍ يعدب الأسماع، وبالجملة ما هو نبيُ ولا كلامه الذي أتى به وحيُ نازلُ من الله كما ادعاه مثل كلام سائر الرسل، وإلا {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ} مقترحةٍ أو غيرها تُلجئنا إلى تصديقه والإيمان به {كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5] أي: مثلما أُرسل بها الأنبياء الماضون: كالعصا، واليد، البيضاء وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وغير ذلك من الآيات الواقعة من الرسل الما ضين. ثم لما تقاولوا بما تقاولوا، واهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً أن ينزل عليه مثلما أنزل على أولئك الرسل نزلت: {مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ} رسلنا الذين جاءوا بالآيات المقترحة {مِّن قَرْيَةٍ} أي: أهلها من القرى التي أرسلوا إليهم لذلك{أَهْلَكْنَاهَآ} واستأصلناها، ولو تأتي أنت أيضاً بمقترحاتهم، لما آمنوا لك مثلما لم يؤمنوا لهم {أَ} تزعم يا أكمل الرسل أنهم لو أتيت لهم ما اقترحوا {فَهُمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 6] بك، كلا وحاشا، إنهم من شدة شكيمتهم وغلظ حجابهم وقسوتهم لا يؤمنون بك أصلاً، وغاية الأمر أنه لو أتيت إياهم بمقترحهم لهم يقبلوا منك ألبتة، ولم يؤمنوا لك فاستحقوا الأهلاك والاستئصال حينئذٍ، وقد مضى أمرْنا ونفذ حكمُنا على ألاَّ نستأصل قومَك في النشأة الاولى، لذلك لم ننزل عليك ما اقترحوا منك.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} [الأنبياء: 1] إلى قوله: {إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] بقوله: {ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} [الأنبياء: 1] يشير إلى اقتراب الساعة التي فيها يحاسب الناس من أنفسهم في الدنيا قبل أن يحاسبوا في الآخرة {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} [الأنبياء: 1] من أحوال القيمة وأحوال أنفسهم أنهم يحاسبون بالنقير والقطمير، وإذا نصحهم ناصح واقف على الأحوال فهم {مُّعْرِضُونَ} [الأنبياء: 1] عن استماع قوله ونصحه كما قال تعالى: {أية : وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 79] وإن نزلت في منكري البعث من الكفار وهو حال أكثر مدَّعي الإسلام في زماننا هذا، فإنهم {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ} [الأنبياء: 2] أهل العزة بالله تعالى {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2] يستهزئون به وينكرون عليه. {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} [الأنبياء: 3] بمتابعة الهوى متعلقة بشهوات الدنيا ساهية عن ذكر الله غافلة عن طلبه {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى} [الأنبياء: 3] وتناجوا في السر {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} [الأنبياء: 3] أنفسهم بالإنكار على أهل الأسرار {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ} [الأنبياء: 3] تقبلون منه ما يأتيكم من الكلام المموه {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} [الأنبياء: 3] أنه مموه كالسحر {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} [الأنبياء: 4] يعني: كل أمرهم إلى الله، فإنه يعلم قول أهل السماء سماء القلوب، وقول أهل الأرض أرض النفوس {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} [الأنبياء: 4] لأقوال لأهل القلوب وصدقهم، وأقوال أهل النفوس وإنكارهم {ٱلْعَلِيمُ} [الأنبياء: 4] بما في ضمائرهم وبأفعالهم وبأوصاف سرائرهم. {قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} [الأنبياء: 5] يعني: كلام المحققين خيالات فاسدة يقول بعض المنكرين: {بَلِ ٱفْتَرَاهُ} [الأنبياء: 5] أي: اختلقه من نفسه، ويدعي أنه من مواهب الحق، وقال بعضهم: {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [الأنبياء: 5] أي: يقول ما يقول بحذاقة النفس وقوة الطبع والذكاء، ثم يقول بعضهم إلى بعض: {فَلْيَأْتِنَا} هذا المحقق {بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5] بكرامة ظاهرة كما أتى بها المشايخ المتقدمون. ثم قال الله تعالى: {مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ} [الأنبياء: 6] أي: من أهل قرية من المنكرين لمَّا رأوا كرامات أولياء الله {أَهْلَكْنَاهَآ} [الأنبياء: 6] فأهلكناهم بالخذلان والإبعاد {أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 6] يصدقون أرباب الحقائق أن يروا كرامة منهم طبعوا على الإنكار مثل المنكرين الهالكين. {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} [الأنبياء: 7] يشير إلى أنه تعالى يظهر في كل قرن رجالاً بالغين من متابعي الأنبياء، ويخصهم بوحي الإلهام كما أظهر في زمان عيسى عليه السلام الحواريين من متابعيه، وأوحى إليهم كما قال الله تعالى: {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} تفسير : [المائدة: 111] ثم قال للمنكرين: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ} تفسير : [النحل: 43] وهم الذين اهتزوا بذكر الله، ووضع عنهم الذكر أوزار البشرية وأثقال الإنسانية، وتنورت قلوبهم بأنوار الربانية، وتجوهرت أرواحهم بجوهر الذكر فصاروا المذكورين بذكر الله إياهم كما قال الله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة: 152] فهم يرون حقائق الأشياء بنور الله تعالى، فالأهل الذكر وأرباب الحقائق: فإنهم يعلمون أحوالهم {أية : إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43] ولا تفهمون رموزهم وإشاراتهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا تعجب من حالة الناس، وأنه لا ينجع فيهم تذكير، ولا يرعون إلى نذير، وأنهم قد قرب حسابهم، ومجازاتهم على أعمالهم الصالحة والطالحة، والحال أنهم في غفلة معرضون، أي: غفلة عما خلقوا له، وإعراض عما زجروا به. كأنهم للدنيا خلقوا، وللتمتع بها ولدوا، وأن الله تعالى لا يزال يجدد لهم التذكير والوعظ، ولا يزالون في غفلتهم وإعراضهم، ولهذا قال: { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ } يذكرهم ما ينفعهم ويحثهم عليه وما يضرهم، ويرهبهم منه { إِلا اسْتَمَعُوهُ } سماعا، تقوم عليهم به الحجة، { وَهُمْ يَلْعَبُونَ. لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ } أي: قلوبهم غافلة معرضة لاهية بمطالبها الدنيوية، وأبدانهم لاعبة، قد اشتغلوا بتناول الشهوات والعمل بالباطل، والأقوال الردية، مع أن الذي ينبغي لهم أن يكونوا بغير هذه الصفة، تقبل قلوبهم على أمر الله ونهيه، وتستمعه استماعا، تفقه المراد منه، وتسعى جوارحهم، في عبادة ربهم، التي خلقوا لأجلها، ويجعلون القيامة والحساب والجزاء منهم على بال، فبذلك يتم لهم أمرهم، وتستقيم أحوالهم، وتزكوا أعمالهم، وفي معنى قوله: { اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ } قولان: أحدهما أن هذه الأمة هي آخر الأمم، ورسولها آخر الرسل، وعلى أمته تقوم الساعة، فقد قرب الحساب منها بالنسبة لما قبلها من الأمم، لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين " تفسير : وقرن بين إصبعيه، السبابة والتي تليها. والقول الثاني: أن المراد بقرب الحساب الموت، وأن من مات، قامت قيامته، ودخل في دار الجزاء على الأعمال، وأن هذا تعجب من كل غافل معرض، لا يدري متى يفجأه الموت، صباحا أو مساء، فهذه حالة الناس كلهم، إلا من أدركته العناية الربانية، فاستعد للموت وما بعده. ثم ذكر ما يتناجى به الكافرون الظالمون على وجه العناد، ومقابلة الحق بالباطل، وأنهم تناجوا، وتواطأوا فيما بينهم، أن يقولوا في الرسول صلى الله عليه وسلم، إنه بشر مثلكم، فما الذي فضله عليكم، وخصه من بينكم، فلو ادعى أحد منكم مثل دعواه، لكان قوله من جنس قوله، ولكنه يريد أن يتفضل عليكم، ويرأس فيكم، فلا تطيعوه، ولا تصدقوه، وأنه ساحر، وما جاء به من القرآن سحر، فانفروا عنه، ونفروا الناس، وقولوا: { أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } هذا وهم يعلمون أنه رسول الله حقا بما شاهدوا من الآيات الباهرة ما لم يشاهد غيرهم، ولكن حملهم على ذلك الشقاء والظلم والعناد، والله تعالى قد أحاط علما بما تناجوا به، وسيجازيهم عليه، ولهذا قال: { قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ } أي: الخفي والجلي { فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ } أي: في جميع ما احتوت عليه أقطارهما { وَهُوَ السَّمِيعُ } لسائر الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات { الْعَلِيمُ } بما في الضمائر، وأكنته السرائر.

النسائي

تفسير : سورة الأنبياء عليهم السلام بسم الله الرحمن الرحيم 351 -/ أنا زيادُ بن أيوبَ، نا أبو مُعاوية، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم قولهُ: {فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} قال: في الدُّنيا . تفسير : 352 - أنا أحمدُ بن نصرٍ، أنا هشام بن عبد الملكِ أبو الوليد الطَّيالسيُّ، نا أبو معاوية، ما الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، حديث : عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} قال: "في الدُّنيا ".