Verse. 2485 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

مَا يَاْتِيْہِمْ مِّنْ ذِكْرٍ مِّنْ رَّبِّہِمْ مُّحْدَثٍ اِلَّا اسْتَـمَعُوْہُ وَہُمْ يَلْعَبُوْنَ۝۲ۙ
Ma yateehim min thikrin min rabbihim muhdathin illa istamaAAoohu wahum yalAAaboona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث» شيئاً فشيئاً أي لفظ قرآن «إلا استمعوه وهم يلعبون» يستهزئون.

2

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ} ينبههم من سنة الغفلة والجهالة. {مِّن رَّبِّهِم} صفة لـ {ذِكْرٍ} أو صلة لـ {يَأْتِيهِم}. {مُّحْدَثٍ} تنزيله ليكرر على أسماعهم التنبيه كي يتعظوا، وقرىء بالرفع حملاً على المحل. {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} يستهزئون به ويستسخرون منه لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور والتفكر في العواقب {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} حال من الواو وكذلك:

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ } شيئاً فشيئاً أي لفظ قرآن {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } يستهزؤون.

ابن عبد السلام

تفسير : {مُّحْدَثٍ} تنزله سورة بعد سورة وآية بعد آية.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ} وما بعده مختصٌ بالكُفَّارِ، والذكر: القرآن، ومعناه محدث نزوله، لا هو في نفسه. وقوله: {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} جملة في موضع الحال، أيْ: ٱستماعهم في حال لَعِبٍ؛ فهو غير نافع، ولا وَاصِلٍ إلى النفس. وقوله {لاَهِيَةً} حال بعد حال، واختلف النحاةُ في إعراب قوله: {وَأسَرُّوا ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} فمذهبُ سيبويه (رحمه الله تعالى): أن الضمير في {أَسَرُّوا}: فاعل، وأن {ٱلَّذِينَ} بدل مِنْه، وقال: ليس في القرآن لغةُ مَنْ قال: أكلوُنِي البَرَاغِيثُ، ومعنى: {أسَرُّوا ٱلنَّجْوَى} تكلَّمُوا بينهم في السرِّ، ومُنَاجَاتِ بعضهم لبعض. وقال أبو عبيدة: أسَرُّوا: أظْهرُوا، وهو مِنَ الأضدَادِ، ثم بيَّن تعالى الأمر الذي تَنَاجوا به، وهو قولُ بعضهم لبعض على جهة التَّوبِيخ بزعمهم: {أفَتَّأْتُونَ ٱلسِّحْرَ}؛ المعنى: أفَتَتَّبِعُون السحر وأنتم تبصرون، ثم أمر اللَّه تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يقول لهم وللناس جميعاً: قُلْ {رَبيِّ يَعْلَمُ ٱلْقََوْلَ فِي ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ} أيْ: يعلم أقوالكم هذه، وهو بالمرصاد في المَجَازاةِ عليها، ثُمَّ عَدَّد سبحانه جَمِيعَ ما قَالتْهُ طوائِفُهم ووقع الاضرابُ بكُلِّ مقالة عن المتقدمة لها؛ ليبيّن اضطرابَ أمرهم فقال تعالى: {بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلَـٰمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} والأَضْغَاثُ: الأَخْلاطُ، ثم حكى سبحانه اقتراحهم، آيةً تضطرهم؛ كناقة صالح وغيرها، وقولهم: {كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ} دَالٌّ على معرفتهم بإتيان الرُّسُلِ الأَمَمَ المتقدمةَ.

ابو السعود

تفسير : {مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ} من طائفة نازلةٍ من القرآن تذكّرهم ذلك أكملَ تذكيرٍ وتنبّههم عن الغفلة أتمَّ تنبـيهٍ، كأنها نفسُ الذكر، ومن في قوله تعالى: {مّن رَّبّهِمُ} لابتداء الغايةِ مجازاً متعلقةٌ بـيأتيهم أو بمحذوف هو صفةٌ لذكر، وأياً ما كان ففيه دِلالةٌ على فضله وشرفِه وكمالِ شناعةِ ما فعلوا به، والتعرضُ لعنوان الربوبـية لتشديد التشنيع {مُّحْدَثٍ} بالجر صفةٌ لذكر، وقرىء بالرفع حملاً على محلّه أي محدَثٌ تنزيلُه بحسب اقتضاءِ الحكمةِ وقوله تعالى: {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ} استثناءٌ مفرَّغٌ محلُّه النصبُ على أنه حالٌ من مفعول يأتيهم بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور، وقوله تعالى: {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} حالٌ من فاعل استمعوه، وقوله تعالى: {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} إما حالٌ أخرى منه أو من واو يلعبون والمعنى ما يأتيهم ذكرٌ من ربهم محدَثٌ في حال من الأحوال إلا حالَ استماعِهم إياه لاعبـين مستهزئين به لاهين عنه، أو لاعبـين به حالَ كون قلوبِهم لاهيةً عنه لتناهي غفلتِهم وفرْطِ إعراضِهم عن النظر في الأمور والتفكرِ في العواقب، وقرىء لاهيةٌ بالرفع على أنه خبرٌ بعد خبر {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ} كلامٌ مستأنفٌ مَسوق لبـيان جنايةٍ خاصة إثرَ حكايةِ جناياتهم المعتادة، والنجوى اسمٌ من التناجي ومعنى إسرارِها ـ مع أنها لا تكون إلا سرًّا ـ أنهم بالغوا في إخفائها أو أسروا نفسَ التناجي بحيث لم يشعُر أحدٌ بأنهم متناجون، وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بدلٌ من واو أسروا منبىء عن كونهم موصوفين بالظلم الفاحش فيما أسروا به، أو هو مبتدأٌ خبرُه أسروا النجوى قُدّم عليه اهتماماً به، والمعنى هم أسرّوا النجوى فوُضِع الموصولُ موضعَ الضمير تسجيلاً على فعلهم بكونه ظلماً أو منصوبٌ على الذم، وقوله: {هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ} الخ، في حيّز النصبِ على أنه مفعولٌ لقول مضمرٍ هو جوابٌ عن سؤال نشأ عما قبله، كأنه قيل: ماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل: قالوا هل هذا الخ، أو بدلٌ من أسرّوا أو معطوفٌ عليه أو على أنه بدلٌ من النجوى، أي أسروا هذا الحديثَ وهل بمعنى النفي والهمزة في قوله تعالى: {أَفَتَأْتُونَ ٱلسّحْرَ} للإنكار والفاء للعطف على مقدّر يقتضيه المقام، وقوله تعالى: {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} حال من فاعل تأتون مقرِّرة للإنكار ومؤكدةٌ للاستبعاد، والمعنى ما هذا إلا بشرٌ مثلُكم أي من جنسكم وما أتى به سحرٌ، أتعلمون ذلك فتأتونه وتحضُرونه على وجه الإذعان والقَبول وأنتم تعاينون أنه سحر قالوه بناءً على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغِ أن الرسولَ لا يكون إلا ملَكاً وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق من قبـيل السحر، وزل عنهم أن إرسالَ البشر إلى عامة البشر هو الذي تقتضيه الحكمةُ التشريعية قاتلهم الله أنى يؤفكون، وإنما أسروا ذلك لأنه كان على طريق توثيقِ العهدِ وترتيب مبادي الشرِّ والفساد وتمهيدِ مقدمات المكرِ والكيد في هدم أمرِ النبوة وإطفاءِ نورِ الدين والله متمٌّ نورَه ولو كره الكافرون.

القشيري

تفسير : لم يجدد إليهم رسولاً إذا ازدادوا نفوراً، ولم يُنزِّلْ عليهم خِطاباًَ إلا ردُّوه جحداً وتكذيباً، وما زدناهم فصلاً إلا عدُّوه هَزْلاً، وما جددنا لهم نعمةً إلا فعلوا ما استوجبوا نقمة، فكان الذي أكرمناهم به محنةً بها بلوناهم... وهذه صفة مَنْ أساء مع الله خُلُقَه، وخَسِرَ عند الله حقَّه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ما يأتيهم من ذكر} من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم الحساب اكمل تذكير وتنبههم عن الغفلة اتم تنبيه كأنها نفس الذكر {من ربهم} من لابتداء الغاية مجازا متعلقة بيأتيهم وفيه دلالة على فضله وشرفه وكمال شناعة ما فعلوا به {محدث} بالجر صفة لذكر اى محدث تنزيله بحسب اقتضاءه الحكمة لتكرره على اسماعهم للتنبيه كى يتعظون فالمحدث تنزيله فى كل وقت على حسب المصالح وقدر الحاجة لا الكلام الذى هو صفة قديمة ازلية وايضا الموصوف بالاتيان وبانه ذكر هو المركب من الحروف والاصوات وحدوثه مما لا نزاع فيه قالوا القرآن اسم مشترك يطلق على الكلام الازلى الذى هو صفة الله وهو الكلام النفسى القديم من قال بحدوثه كفر ويطلق ايضا على ما يدل عليه وهو النظم المتلو الحادث من قال بقدمه سجل على كمال جهله {الا استمعوه} استثناء مفرغ محله النصب على انه حال من مفعول يأتيهم باضمار قد {وهم يلعبون} حال من فاعل استمعوه يقال لعب اذا كان فعل غير قاصد به مقصدا صحيحا.

الجنابذي

تفسير : {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ} للحساب {مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ} فى باطنهم بزجر الملك الزّاجر ونهى العقل النّاهى والواردات النّفسانيّة من الهموم والغموم والمنامات المنذرة والمبشّرة، وفى الخارج بالواردات الخارجة من الابتلاءات والامتحانات والدّوائر الدّائرة الّتى قلّما يخلوا الانسان منها، وبتذكيرات الانبياء والاولياء (ع) والعلماء رضى الله عنهم من الانذارات والتّبشيرات {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ} بآذانهم الباطنة او الظّاهرة {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} به بان يجعلوه كالاسمار الّتى لا حقيقة لها او بغيره لعدم الاعتداد به.

اطفيش

تفسير : {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} أى ما يأْتيهم من ربهم ما ينبههم من نوم الغفلة والجهل، مما أحدث نزوله شيئاً فشيئاً آية بعد أخرى وسورة بعد أخرى إلا استمعوه بمجرَى الآذان مستهزئين به لتوغلهم فى الغفلة والإعراض عن النظر والتفكر فى العواقب. وفائدة إحداث الذكر شيئاً فشيئاً أن يتكرر التنبيه فيتعظوا، وما زادهم ذلك إلا لعبًا ولهواً وغفلة مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء المحسن والمسئ. والذكر: القرآن. وقيل: ما قاله النبى صلى الله عليه وسلم من السنن والمواعظ غير ما فى القرآن. وإنما قال: {مِن ربهم} لأنه صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقا موافقا للقرآن، فكأنه من الله بل قال الله تعالى: {أية : وما ينطق عن الهوَى إن هو إلا وحى يوحَى}. تفسير : قيل: لما نزلت: {أية : اقترب للناس} تفسير : الخ قال بعضهم: زعم صاحبكم أن الساعة قربت فانتهوا قليلا عمَّا يتم، ثم عادوا. ولما نزل: {أية : أتى أمر الله} تفسير : الخ. قالوا كذلك، أو قال غيرَ ذلك البعض، ثم رجعوا ونزل: {أية : ولئن أخّرنا عنهم العذاب} تفسير : الخ. ومِن ربهم متعلق بيأتى، أو بمحذوف صفة لذكر، أو حال منه، لتقدم النفى ولو صفة لمحدث، أو متعلق بمحدث، أو بمحذوف حال من ضميره. وذكر فاعل مجرور بمن الزائدة للتأكيد، مقدر الرفع كما يدل له قراءة ابن أبى عبلة فهو للتقدير. وجملة وهم يلعبون حال من الواو، وكذا قوله: {لاَهِيَةً} فهما حالان مترادفان، أى جامِعين بين اللعب واللهو، أو لاهية حال من ضمير لمفعول، فهما حالان متداخلان. وإذ قلنا: إن اللعب واللهو بمعنى واحد فالحال الثانية مؤكدة للأولى وقد وقت بينهما فى غير هذا الموضع. {قُلُوبُهُمْ} فاعل لاهية، وقرئ برفع لاهية، فالظاهر أنه خبر، وقلوب مبتدأ، والجملة حال كذلك. ويجوز كونه خبراً لمحذوف، أى هم لاهية. والجملة حال. وقلوب فاعل ويجوز كونه خبراً آخر لقوله: هم، والأول يلعبون، وقلوب فاعل فسماعهم من حيث قرنه باللعب واللهو كلا استماع. {وأَسَرُّوا النَّجْوَى} أرادوا الكلام الخفى إخفاء، فانظر ما مر فى طه وعن أبى عبيدة: أسروا: أجهروا. {الَّذِينَ ظَلَمُوا} بدل من واو أسروا المحذوف نطقا للساكن. وفائدته التشنيع عليهم باسم الظلم فى إسرارهم ما أسروا به النجوى، أو فاعل، والواو حرف علامة للجماعة وهى لغة أكلونى البراغيث. روى أن سيبويه قال بالأول، وأنه قال: ليس فى القرآن لغة مَن قال: أكلونى البراغيث، أو مبتدأ والجملة قبله خبره، وإنما قدم الخبر الفعلى هنا لعدم الالتباس، بخلافه فى نحو زيد قام. والأصل: وهم أسروا النجوى. وهؤلاء أسروا النجوى: وعبر بالوصول تشنيعا بصلته، أو مقبول لأَذُمُّ محذوف وجوبا، أو خبر لمحذوف، أى هم الذين، أو مبتدأ خبره قول مقدر ناصب للجملة بعده، أو فاعل لقول محذوف ناصب لها، أو بدل من واو استمعوه، أو مفعول لأعنى، أو بدل من هاء يأتيهم، أو هاء حسابهم، أو هاء قلوبهم، أو من الناس قاله ابن هشام. {هَلْ هَذَا} ما هذا. {إلاّ بَشَرٌ مِِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ} توبيخ {وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} المجموع بدل من النجوى، أو مفعول لقول كما مر. والإشارة إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. اعتقدوا أن الرسول لا يكون إلا مَلَكا فكذبوا سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم، لأنه بشر، فنسبوا ما جاء به من الخوارق كالقرآن إلى السحر. فقال بعض لبعض: كيف نحصره ونحن نعلم ونعاين أنه سحر. وإنما أسروا الشورى تعاونا على استنباطها. ومنه قول الناس: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان. وقد روى ذلك عنه صلى الله عليه وسلم مرفوعا. أو اعتقدوا أن الرسول ولو كان بشرا لا يكون مماثلا للبشر، بل يخالفهم بشئ خارق مثل غِلَظٍ وطُولٍ مفرطين، ومثل أن يكون لا يأكل.

اطفيش

تفسير : {ما يأتيهم من ذِكْر} اسم مصدر، أى تذكير ببعض القرآن أو طائفة منه، يكمل بها التذكر، حتى إنها نفس التذكر، ومن صلة فى الفاعل والتى فى قوله: {من ربهم} للابتداء المجازى، لتنزه الله عن الجهات والحلول، متعلقة بيأتى أو بمحذوف حال من ذكر أو بقوله: {مُحْدثٍ} فقدم للحصر، وفى ذلك دلالة على كمال شرف القرآن، وقبح منكره إذ كان ممن هو رب لهم، أو الذكر المحدث السنة، أو كل ذلك {إلاَّ اسْتمعُوه} حال من الهاء مقدرة، أو من ذكر، ويبعد أنه نعت لمحذوف مبدل أى الا ذكر استمعوه {وهُمْ يلعَبُونَ} حال من واو استمعوه.

الالوسي

تفسير : {مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ} من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم أكمل تذكير وتبين لهم الأمر أتم تبيين كأنها نفس الذكر، و {مِنْ} سيف خطيب وما بعدها مرفوع المحل على الفاعلية، والقول بأنها تبعيضية بعيد، و {مِنْ} في قوله تعالى: {مّن رَّبّهِمُ} لابتداء الغاية مجازاً متعلقة بيأتيهم أو بمحذوف هو صفة لذكر، وأياً ما كان ففيه دلالة على فضله وشرفه وكمال شناعة ما فعلوا به، والتعرض لعنوان الربوبية لتشديد التشنيع {مُّحْدَثٍ} بالجر صفة لذكر. وقرأ ابن أبـي عبلة بالرفع على أنه صفة له أيضاً على المحل، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بالنصب على أنه حال منه بناءً على وصفه بقوله تعالى: {مّن رَّبّهِمُ}. وقوله سبحانه: {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ} استثناءً مفرغ محله النصب على أنه حال من مفعول {يَأْتِيهِمُ} بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور على ما قيل، وقال نجم الأئمة الرضي: إذا كان الماضي بعد إلا فاكتفاؤه بالضمير من دون الواو وقد أكثر نحو ما لقيته إلا أكرمني لأن دخول إلا في الأغلب على الأسماء فهو بتأويل إلا مكرماً فصار كالمضارع المثبت. وجوز أن يكون حالاً من المفعول لأنه حامل لضميره أيضاً والمعنى لا يأباه وهو خلاف الظاهر، وأبعد من ذلك ما قيل إنه يحتمل أن يكون صفة لذكر، وكلمة {إِلا} وإن كانت مانعة عند الجمهور إذ التفريغ في الصفات غير جائز عندهم إلا أنه يجوز أن يقدر ذكر آخر بعد إلا فتجعل هذه الجملة صفة له ويكون ذلك بمنزلة وصف المذكور أي ما يأتيهم من ذكر إلا ذكر استمعوه، وقوله تعالى: {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} حال من فاعل {ٱسْتَمَعُوهُ}.

ابن عاشور

تفسير : {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ}. جملة مبينة لجملة {أية : وهم في غفلة معرضون} تفسير : [الأنبياء: 1] لبيان تمكن الغفلة منهم وإعراضهم، بأنهم إذا سمعوا في القرآن تذكيراً لهم بالنظر والاستدلال اشتغلوا عنه باللعب واللهو فلم يفقهوا معانيه وكان حظهم منه سماع ألفاظه كقوله تعالى: {أية : ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون} تفسير : في سورة [البقرة: 171]. والذكر: القرآن أطلق عليه اسم الذكر الذي هو مصدر لإفادة قوة وصفه بالتذكير. والمحدَث: الجديد. أي الجديد نزوله متكرراً، وهو كناية عن عدم انتفاعهم بالذكر كلما جاءهم بحيث لا يزالون بحاجة إلى إعادة التذكير وإحداثه مع قطع معذرتهم لأنه لو كانوا سمعوا ذكراً واحداً فلم يعبأوا به لانتحلوا لأنفسهم عذراً كانوا ساعتئذ في غفلة، فلما تكرر حدثان إتيانه تبين لكل منصف أنهم معرضون عنه صداً. ونظير هذا قوله تعالى: {أية : وما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث إلا كانوا عنه معرضين} تفسير : في سورة [الشعراء: 5]، وليس المراد بمحدث ما قابل القديم في اصطلاح علم الكلام لعدم مناسبته لسياق النظم. ومسألة صفة كلام الله تعالى تقدم الخوض فيها عند قوله تعالى: {أية : وكلم الله موسى تكليماً} تفسير : في سورة [النساء: 164]. وجملة {استمعوه} حال من ضمير النصب في {يأتيهم} وهذا الحال مستثنى من عموم أحوال أي ما يأتيهم ذكر في حال إلا في حال استماعهم. وجملة {وهم يلعبون} حال لازمة من ضمير الرفع في {استمعوه} مقيّدة لجملة {استمعوه} لأن جملة {استمعوه} حال باعتبار أنها مقيّدة بحال أخرى هي المقصودة من التقييد وإلاّ لصار الكلام ثناء عليهم. وفائدة هذا الترتيب بين الجملتين الحاليتين الزيادةُ لِقطع معذرتهم المستفاد من قوله {مُحْدَث} كما علمت. و {لاهية قلوبهم} حال من المبتدأ في جملة {وهم يلعبون} وهي احتراس لجملة {استمعوه} أي استماعاً لا وعي معه. {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} جملة مستأنفة يجوز أن تكون عطفاً على جملة {أية : اقترب للناس حسابهم} تفسير : [الأنبياء: 1] إلى آخرها، لأن كلتا الجملتين مسوقة لذكر أحوال تلقي المشركين لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والبهتان والتآمر على رفضها. فالذين ظلموا هم المراد بالناس كما تقدم. وواو الجماعة عائد إلى ما عاد إليه ضمائر الغيبة الراجعة إلى للناس وليست جملة {وأسروا النجوى} عطفاً على جملة {استمعوه وهم يلعبون} لأن مضمونها ليس في معنى التقييد لِما يأتيهم من ذكر. و {الذين ظلموا} بدل من واو الجماعة لزيادة تقرير أنهم المقصود من النجوى، ولما في الموصول من الإيماء إلى سبب تناجيهم بما ذكر وأن سبب ذلك كفرهم وظلمهم أنفسهم، وللنداء على قبح ما هم متصفون به. وجملة {هل هذا إلا بشر مثلكم} بدل من {النجوى}لأن ذلك هو ما تناجوا به، فهو بدل مطابق. وليست هي كجملة {أية : قالوا إنّ هذانِ لساحران من جملة فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى} تفسير : في سورة [طه: 62ــــ63] فإن تلك بدل بعض من كل لأن ذلك القول هو آخر ما أسفرت عليه النجوى. ووجه إسرارهم بذلك الكلام قصدهم أن لا يطلع المسلمون على ما تآمروا به لئلا يتصدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - للرد عليهم لأنهم علموا أن حجتهم في ذلك واهية يرومون بها أن يضللوا الدهماء، أو أنهم أسروا بذلك لفريق رأوا منهم مخائل التصديق لما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تكاثر بمكة الذين أسلموا فخشوا أن يتتابع دخول الناس في الإسلام فاختلَوا بقوم ما زالوا على الشرك وناجَوْهم بذلك ليُدخلوا الشك في قلوبهم. والنجوى: المحادثة الخفية. والإسرار: هو الكتمان والكلام الخفي جداً. وقد تقدم الجمع بينهما في قوله تعالى {أية : ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم} تفسير : في سورة [براءة: 78]، وتقدم وجه جعل النجوى مفعولاً لــــ {أسروا} في قوله تعالى {أية : وأسروا النجوى في} تفسير : [سورة طه: 62]، أي جعلوا نجواهم مقصودة بالكتمان وبالغوا في إخفائها لأن شأن التشاور في المهم كتمانه كيلا يطلع عليه المخالف فيفسده. والاستفهام في قوله {هل هذا إلا بشر مثلكم} إنكاري يقتضي أنهم خاطبوا من قارب أن يصدق بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - أي فكيف تؤمنون بنبوءته وهو أحد منكم. وكذلك الاستفهام في قوله {أفتأتون بالسحر} إنكاري وأراد بالسحر الكلام الذي يتلوه عليكم. والمعنى: أنه لما كان بشراً مثلكم فما تصديقكم لنُبُوءته إلا من أثر سحرٍ سحَرَكم به فتأتون السحر بتصديقكم بما يَدعوكم إليه. وأطلق الإتيان على القبول والمتابعة على طريق المجاز أو الاستعارة، لأن الإتيان لشيء يقتضي الرغبة فيه، ويجوز أن يراد بالإتيان هنا حضور النبي - صلى الله عليه وسلم - لسماع دعوته فجعلوه إتياناً، لأن غالب حضور المجالس أن يكون بإتيان إليها، وجعلوا كلامه سحراً فنَهوا من ناجَوهم عن الاستماع إليه. وهذا كقوله تعالى: {أية : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} تفسير : في سورة [فصلت: 26]. وقوله {وأنتم تبصرون} في موضع الحال، أي تأتون السحر وبصركم سليم، وأرادوا به العلم البديهي، فعبروا عنه بالبصر لأن المبصرات لا يحتاج إدراكها إلى تفكير.

د. أسعد حومد

تفسير : (2 ) - وإذا تَجَدَّدَ لهُمُ التَّذْكيرُ بالسَّاعةِ والحسابِ، بِما يُنَزِّلهُ اللهُ عَلى رَسُولِهِ الكَرِيمِ مِنَ القُرآنِ، اسْتَمَعُوا إِلى مَا يُتْلَى عَلَيهِمْ، وهُمْ لاعِبُونَ سَاخِرونَ. مُحْدَثٍ - تنزيلُه بالوَحْى، جَديدٌ إِنْزَالُهُ .

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: ذكر من القرآن {مُّحْدَثٍ ..} [الأنبياء: 2] يعني: يسمعونه جديداً لأول مرة {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2] لا يعطونه اهتماماً، ولا يُلْقون له بالاً، وهم يتعمدون هذا، ويُوصِي بعضهم بعضاً به ويُحرّضون عليه، كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى حكاية عنهم: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} تفسير : [فصلت: 26]. إنهم يخافون إنْ سمعوا القرآن أنْ يتأثروا به فيؤمنوا؛ لذلك لا تسمعوه، بل شَوِّشوا عليه حتى لا يسمعه أحد في هدوء واطمئنان فيؤمن به. وهذا يعني أن هذا العمل في مصلحتهم؛ لأنهم لا يستطيعون رَدَّ حُجَج القرآن ولا الثبات أمام إعجازيته ولا بلاغته ولا تأثيره على النفوس، فهُمْ لا يملكون إلاَّ أنْ يصرفوا الناس عن سماعه، والتشويش عليه، حتى لا يتمكّن من الأسماع، وينفذ إلى القلوب، فيخالطها الإيمان. واللعب: أن تشغل نفسك بعمل لا قَصْدَ فيه لغاية، كما يأخذ الطفل الصغير كراسة أخيه، ويعبث فيها بالقلم دون نظام ودون هدف. وهناك أيضاً اللهو: وهو عمل مقصود لغاية، لكن هذه الغاية تضعها أنت لنفسك، أو يضعها غيرك ممَّنْ يريد أنْ يُفسِدك بها، إذن: هو عمل مقصود وله غاية، ليس مجرد (شخبطة) كمَنْ ينشغل مثلاً برسم بعض الصور للتسلية، أو ينشغل بحلِّ الكلمات المتقاطعة، فهي أعمال لا فائدة منها. أما العمل النافع الذي ينبغي أن ينشغل الإنسان به فهو الذي يضعه لك مَنْ هو أعلى منك، وأنْ يكون حكيماً مُحباً لك، وهذه المواصفات لا تجدها إلا في الإله، لذلك كل ما يُلهِيك عَمَّا يضعه لك إلهك فهو لَهْو؛ لأنه شَغَلك عما هو أهَمّ. لذلك يقول تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ..} تفسير : [محمد: 36]. فاللعب في مرحلة الطفولة، بل نأتي نحن باللُّعب ونقول للطفل: العب، إنما اللهو أن تنشغلَ بعمل مقصود وله غاية، لكنها تلهيك عن غاية أسمى هي التي وضعها لك الحكيم القادر الأعلى منك المحبّ لك. إذن: منتهي اللهو واللعب أن يلعبوا عند سماع القرآن، فلم يستمعوا له، حتى على أنه لهو له غاية، إنما على أنه لَعِبٌ لا غاية له ولا فائدةَ منه؛ لأن غايته ضارّة. واللعب وإنْ كان مُباحاً في فترة ما قبل البلوغ، إنما القلوب يجب أن تُربَّى على أنْ تلتفت إلى الله عز وجل الخالق الرازق في هذه الفترة المبكرة من حياة الإنسان، وهذه مهمة الأب، فإنْ أتى لولده بطعام أو شراب يقول أمام الولد الصغير: ربنا رزقنا به. وهكذا في كل أمور الحياة يسند الأمر إلى الله وينبه الولد الصغير: قل: بسم الله قل: الحمد لله. وهكذا تُربِّى في الولد مواجيده على اليقين بالله القوي، وإنْ كان الولد لا يراه فإنه يرى آثاره ونِعَمه. ويرى أباه الذي يتعهده، ويأتي له بكل شيء لا يتصيّد المجد لنفسه، إنما ينسب كل شيء إلى الله. فأبوه - وهو المثل الأعلى له - يزحزح هذه المسائل عنه وينسبها لله، فيتربى وجدانُ الولد على الإيمان. فإذا لم يُرَبَّ الولد هذه التربية تسلل إلى نفسه اللَّهْو واللَّعِب. وسبق أن قلنا: إن كُلَّ فعل من الأفعال لا بُدَّ أنْ ينشأ عن مَوْجدة من المواجيد، ولا ينشأ الفعل دون مَوجدة إلا فعل المجنون، والقلوب هي التي تُوجِّه الجوارح، ولو لم تكُنْ القلوب لاهية ما لعبت الجوارح. لذلك سيدنا عمر - رضي الله عنه - حينما دخل على رجل يعبث بذقنه هو يصلي - كما يفعل الكثيرون - قال: لو خشعَ قلبُ هذا لخشعتْ جوارحه. فحركة الجوارح دليل على انشغال القلب؟ لذلك يقول تعالى بعدها: {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ...}.