٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ } أي استمعوه جامعين بين الاستهزاء والتلهي والذهول عن التفكر فيه، ويجوز أن يكون من واو {يَلْعَبُونَ } وقرئت بالرفع على أنها خبر آخر للضمير. {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ } بالغوا في إخفائها أو جعلوها بحيث خفي تناجيهم بها. {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } بدل من واو {وَأَسَرُّواْ } للإِيماء بأنهم ظالمون فيما أسروا به، أو فاعل له والواو لعلامة الجمع أو مبتدأ والجملة المتقدمة خبره وأصله وهؤلاء أسروا النجوى فوضع الموصول موضعه تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم أو منصوب على الذم. {هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } بأمره في موضع النصب بدلاً من {ٱلنَّجْوَىٰ }، أو مفعولاً لقول مقدر كأنهم استدلوا بكونه بشراً على كذبه في ادعاء الرسالة لاعتقادهم أن الرسول لا يكون إلا ملكاً، واستلزموا منه أن ما جاء به من الخوارق كالقرآن سحر فأنكروا حضوره، وإنما أسروا به تشاوراً في استنباط ما يهدم أمره ويظهر فساده للناس عامة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَهِيَةً } غافلة {قُلُوبُهُمْ } عن معناه {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ }أي الكلام {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } بدل من واو {هَلْ هَٰذَا } أي محمد صلى الله عليه وسلم {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } فما يأتي به سِحْر.{أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ } تتبعونه {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } تعلمون أنه سحر؟
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {لاهية} حال بعد الحال، واختلف النحاة في إعراب قوله {وأسروا النجوى الذين ظلموا} فذهب سيبويه رحمه الله إلى أن الضمير في {أسروا} فاعل وأن {الذين} بدل منه وقال رحمه الله لغة أكلوني البراغيث ليست في القرآن، وقال أبو عبيدة وغيره الواو والألف علامة أن الفاعل مجموع كالتاء في قولك قامت هند و {الذين} فاعل بـ {أسروا} وهذا على لغة من قال أكلوني البراغيث، وقالت فرقة الضمير فاعل و {الذين} مرتفع بفعل مقدر تقديره أسرها الذين أو قال الذين ع والوقوف على {النجوى} في هذا القول وفي الأول أحسن ولا يحسن في الثاني، وقالت فرقة {الذين} مرتفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هم الذين ظلموا، والوقف مع هذا حسن، وقالت فرقة {الذين} في موضع نصب بفعل تقديره أعني الذين، وقالت فرقة {الذين} في موضع خفض بدل من {أية : الناس}تفسير : [الانبياء: 1] ع وهذه أقوال ضعيفة ومعنى {أسروا النجوى} تكلموا بينهم في السر والمناجاة بعضهم لبعض، وقال ابو عبيدة {أسروا} أظهروا وهو من الأضداد، ثم بين تعالى الأمر الذي يتناجون به وهو قول بعضهم لبعض {هل هذا إلا بشر مثلكم}، ثم قال بعضهم لبعض على جهة التوبيخ في الجهالة {أفتأتون السحر} أي ما يقول شبهوه بالسحر، المعنى أفتتبعون السحر {وأنتم تبصرون} أي تدركون أنه سحر وتعلمون ذلك، كأنهم قالوا تضلون على بينة ومعرفة، ثم أمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم وللناس جميعاً {قل ربي يعلم القول في السماء والأرض} أي يعلم أقوالكم هذه وهو بالمرصاد في المجازاة عليها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "قل ربي" وقرأ حمزة والكسائي "قال ربي يعلم" على معنى الخبر عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، واختلف عن عاصم، قال الطبري رحمه الله وهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الإهماز.
ابن عبد السلام
تفسير : {لاهِيَةً} غافلة باللهو عن الذكر أو مشتغلة بالباطل عن الحق {وَأَسَرُّواْ} أخفوا، أو أظهروا.
النسفي
تفسير : {لاَهِيَةً } حال من ضمير يلعبون أو {وهم يلعبون} و{لاهية} حالان من الضمير في استمعوه. ومن قرأ {لاَهِيَةً } بالرفع يكون خبراً بعد خبر لقوله: {وهم} وارتفعت {قُلُوبِهِمْ } بـ {لاهية} وهي من لها عنه إذا ذهل وغفل، والمعنى قلوبهم غافلة عما يراد بها، ومنها قال أبو بكر الوارق: القلب اللاهي المشغول بزينة الدنيا وزهرتها الغافل عن الآخرة وأهوالها {وَأَسَرُّواْ } وبالغوا في إخفاء {ٱلنَّجْوَىٰ } وهي اسم من التناجي. ثم أبدل {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } من واو {وأسروا} إيذاناً بأنهم الموسومون بالظلم فيما أسروا به، أو جاء على لغة من قال «أكلوني البراغيث»، أو هو مجرور المحل لكونه صفة أو بدلاً من الناس، أو هو منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره {أسروا النجوى} فقدم عليه أي والذين ظلموا أسروا النجوى {هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } هذا الكلام كله في محل النصب بدل من النجوى أي وأسروا هذا الحديث ويجوز أن يتعلق بـــــ «قالوا» مضمراً والمعنى أنهم اعتقدوا أن الرسول لا يكون إلا ملكاً وأن كل من ادعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة فهو ساحر ومعجزته سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر {قَالَ رَبّى} حمزة وعلي وحفص أي قال محمد وغيرهم {قل ربي} أي قل يا محمد للذين أسروا النجوى {يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِى ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } أي يعلم قول كل قائل هو في السماء أو الأرض سراً كان أو جهراً {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لأقوالهم {ٱلْعَلِيمُ } بما في ضمائرهم. {بَلْ قَالُواْ أَضْغَـٰثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ } أضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام رآها في نومه فتوهمها وحياً من الله إليه، ثم إلى أنه كلام مفترى من عنده، ثم إلى أنه قول شاعر وهكذا الباطل لجلج والمبطل رجاع غير ثابت على قول واحد، ثم قالوا إن كان صادقاً في دعواه وليس الأمر كما يظن {فليأتنا بآية} بمعجزة {كَمَا أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ } كما أرسل من قبله باليد البيضاء والعصا وإبراء الأكمه وإحياء الموتى، وصحة التشبيه في قوله كما {أرسل الأولون} من حيث إنه في معنى كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل متضمن للإتيان بالآيات، ألا ترى أنه لا فرق بين قولك «أرسل محمد» وبين قولك «أتى بالمعجزة» فرد الله عليهم قولهم بقوله .
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} [الآية: 3]. قال ابن عطاء: معرضة عن طريق رشدهم. قال أبو بكر الوراق: القلب اللاهى المشغول بزينة الدنيا وزهرتها، والغافل عن الآخرة وأهوالها. قال الله تعالى: {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ}. قال بعضهم: غافلة عن مسالك اليقين، وطريق المتقين. قال أبو عثمان: غافلة عما يراد بها ومنها. قال المرتعش: غافلة عن منافعها، مقبلة على مضارها. قال الواسطى رحمة الله عليه: لاهية قلوبهم عن المصادر والموارد، والمبدأ والمنتهى.
القشيري
تفسير : عَمِيَتْ بصائرُهم وعامت أفهامهم، فهم في غباوة لا يستبصرون، وفي أكنة عمَّا أقيم لهم من البرهان فهم لا يعلمون. قوله: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى...} لَمَّا عجزوا عن معارضته، وسقطوا عند التحدي، وظهرت عليهم حُجَّتُهُ رَجَّمُوا فيه الفِكْرَ، وقَسَّمُوا فيه الظن، فمرةً نسبوه إلى السحر، ومرةً وصفوه بقول الشعر، ومرة رَمَوْه بالجنونِ وفنونٍ من العيوب. وقبل ذلك كانوا يقولون عنه: هو محمدٌ الأمين، كما قيل: شعر : أشاعوا لنا في الحيِّ أشنعَ قصةٍ وكانوا لنا سِلْماً فصاروا لنا حَرْبا
اسماعيل حقي
تفسير : {لاهية قلوبهم} حال اخرى يقال لها عنه اذا ذهل وغفل. قال الراغب اللهو ما يشغل الانسان عما يعنيه ويهمه يقال لهوت بكذا ولهيت بكذا اشتغلت عنه بلهو وألهاه عن كذا شغله عما هواهم. والمعنى ما يأتيهم ذكر من ربهم محدث فى حال من الاحوال الاحال استماعهم اياه لاعبين مستهزئين به لاهين عنه متشاغلين عن التأمل فيه لتناهى غفلتهم وفرط اعراضهم عن النظر فى الامور والتفكر فى العواقب قدم اللعب على اللهو تنبيها على انهم انما قدموا على اللعب لذهولهم عن الحق فاللعب الذى هو السخرية والاستهزآء نتيجة اللهو الذى هو الغفلة عن الحق والذهول عن التفكر. قال بعضهم القلب اللاهى هو المشغول باحوال الدنيا والغافل عن احوال العقبى. قال الواسطى لاهية عن المصادر والموارد والمبدأ والمنتهى شعر : يا الهى بحود نامتناهى ازسوا دوركن دل لاهى تفسير : {واسروا النجوى} النجوى فى الاصل: بالفارسية [راز كفتن] ثم جعل اسما من التناجى بمعنى القول الواقع بطريق المسارة اى السر بين اثنين فصاعدا يقال تناجى القوم اذا تسارّوا وتكالموا سرا عن غيرهم. قال الراغب ناجيته ساررته واصله ارتحلوا به فى نجوه من الارض اى المرتفع المنفصل بارتفاعه عما حوله ومعنى اسرارها مع انها لا تكون الا سرا انهم بالغوا فى اخفائها {الذين ظلموا} على انفسهم بالشرك والمعصية بدل من واو اسروا منبئ عن كونهم موصوفين بالظلم الفاحش فيما اسروا به كأنه قيل فماذا قالوا فى نجواهم فقيل قالوا{هل هذا} هل بمعنى النفى اى ما محمد {الا بشر مثلكم} لحم ودم مساو لكم فى المأكل والمشرب وكل ما يحتاج اليه البشر والموت مقصور على البشرية ليس له وصف الرسالة التى يدعيها والبشر ظاهر الجلد والادمة باطنة عبر عن الانسان بالبشر اعتبارا بظهور جلده من الشعر بخلاف الحيوانات التى عليها الصوف والشعر والوبر واستوى فى لفظ البشر الواحد والجمع وخص فى القرآن كل موضع عبر عن الانسان جثته وظاهره يلفظ البشر {أفتأتون السحر} الهمزة للانكار والفاء للعطف على مقدر {وانتم تبصرون} حال من فاعل تأتون مقرره للانكار ومؤكدة للاستبعاد اى ما هذا الا من حسنكم وما اتى به يعنون القرآن سحر أتعلمون ذلك فتأتونه وتحضرونه على وجه الاذعان والقبول وانتم تعاينون انه سحر قالوه لاعتقادهم ان الرسول لا يكون الا ملكا وان كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق من قبيل السحر اى الخداع والتخييلات التى لا حقيقة لها. قال الامام طعنوا فى نبوته بانه بشر وما اتى به سحر وهو فاسد اذ صحة النبوة تعرف من المعجزة لا من الصورة ولو بعث الملك اليهم لم يعلموا نبوته بصورته بل بالمعجزة فاذا ظهر على يد بشر وجب قبوله شعر : لوح صورت بشوى ومعنى جو كه صور برك شد معانى بو تفسير : وانما اسروا ذلك لما كان هذا الحديث منهم على طريق التشاور فيما بينهم والتحاور فى طلب الطريق الى هدم امر النبوة واطفاء الدين وعادة المتشاورين ان يجتهدوا فى كتمان سرهم عن اعدائهم ما امكن ومنه قول معاذ رفعه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم "استعينوا على نجاح الحوائج بالكتمان فان كل ذى نعمة محسود "
الجنابذي
تفسير : {لاَهِيَةً} مشغولة {قُلُوبُهُمْ} بغيره، او لاهية من اللّهو، والفرق بينه وبين اللّعب انّ اللّعب هو الفعل الّذى لا يكون له غاية عقلانيّة ويكون له غاية خياليّة، واللّهو ما لا يكون له غاية عقلانيّة ولا خياليّة وان لم يكن خالياً عن الغاية فى نفس الامر غير مستشعرٍ بها {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى} عطف على اقترب والنّجوى السّرّ وجمع النّجى بمعنى المسارّين وتعليق الاسرار بها للمبالغة فى الاخفاء او لانّهم اخفوا مناجاتهم كما اخفوا ما تناجوا به، وانّما اخفوا التّكلّم فى رسالته لانّهم كانوا فى شكٍّ من امره والشّاكّ لا يمكنه التّسليم حتّى لا يتكلّم ولا يمكنه الاجهار بالرّدّ والقبول لعدم اقباله على شيءٍ منهما، او لانّهم خافوا اطّلاع المؤمنين وافتضاحهم به {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بدل من الضّمير او فاعل والواو علامة الجمع، او منصوب على الذّمّ، او الاختصاص، ووجه الاتيان به التّصريح بوصف ذمّ لهم والتّسجيل عليهم بالظّلم {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} فلا يكون رسولاً فما يصدر منه ممّا هو خارج عن المجرى الطّبيعىّ ليس الاّ سحراً {أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ} اى تقبلونه وتقبلون عليه {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} انّه بشر لا يجوز رسالته وانّ ما يأتى به سحر او انتم البُصراء الحكماء لا ينبغى ان تغترّوا بدعوى يكون برهان بطلانها معها.
الهواري
تفسير : قوله عزّ وجلّ {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} أي غافلة قلوبهم عنه. قوله عز وجل: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الذِينَ ظَلَمُوا} أي: الذين أشركوا، أسرّوا ذلك فيما بينهم، يقوله بعضهم لبعض. {هَلْ هَذَآ} يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم، {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ} يعنون القرآن، أي: أفتصدّقون به {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} أنه سحر. قال الله عزّ وجلّ للنبي عليه السلام: {قُلْ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ} يعني السّرّ {فِي السَّمَآءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي: لا أسمع منه ولا أعلم منه. ثم قال عز وجل: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي كذب أحلام {بَلِ افْتَرَاهُ} محمد {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} أي: محمد شاعر {فَلْيَأتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} أي: كما أرسل موسى وعيسى فيما يزعم محمد. قال الله عزّ وجلّ: {مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} أي أن القوم إذا كذَّبوا رسلَهم وسألوه الآية فجاءتهم الآيةُ ثمّ لم يؤمنوا بها أهلكهم الله؛ أفهم يؤمنون إن جاءتهم الآية؟ أي: لا يؤمنون، إن جاءتهم الآية. قال عزّ وجلّ: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} وهم أهل الكتاب، عن ذلك. وهم أهل التوراة والإنجيل في تفسير بعضهم، يعني من آمن منهم: عبد الله بن سلام وأصحابه المؤمنين. قوله عز وجل: {إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} وهم لا يعلمون. وهي كلمة عربية معقولة. يقول: إن كنت لا تصدق فاسأل. وهو يعلم أنه قد كذب.
اطفيش
تفسير : {لاهية} عنه حال سببية من أحدى الواوين وقوله: {قُلُوبُهم} فاعل لاهية، وأسند اللهى الى القلوب لأنها محل رسوخ الشر ومنبعه، يقال لهى عن الشىء بكسر الهاء يلهى بفتحها سلا عنه، وترك ذكره، ولو بلا نسيان، واستماع الآيات لا ينافى الغفلة المذكروة بقوله فى غفلة، وقوله: "لاهية" لأنها تعقب الاستماع، أو نزل شعورهم منزلة العدم، أو لاهية بمعنى تاركه، ولم اقل لاهية من اللهو بالواو، ولأن قبله يلعبون، والتأسيس أولى، نعم يجوز على معنى يلعبون بجوارحهم وألسنتهم، مع رسوخ موجب اللهو فى قلوبهم، ومعنى الإحداث أنه يحدث نزوله شيئا فشيئا وعظاً وتذكيراً، وليس المراد بالحدوث الذى تضمنه الإحداث نفى القدم، لأن المقام ليس لذكر حدوثه، ونفى قدمه للمشركين، وهو حادث لا قديم، والله الذى لا إله إلا هو، إلا أن الآية لم تنزل لذلك، ولا يصح لعاقل، أن يقول بقدمه، لأنه مركب حال فى ألسنتنا، والقدم لا يحل فى الحال. ولا يصح لمنصف أن يقول ألفاظ القرآن ترجمة للقرآن الذى هو الكلام النفسى، لأنه مناقض لنصوص القرآن، والأحاديث أن هذه الألفاظ هى القرآن، ولا يصح لمن صح إيمانه أن يثبت الكلام النفسى، لأن فيه اعتقاد أن الله ظرف، وأن متحيز، وحال، وتعدد القدماء حاشاه عن ذلك، بل نصف الله بالعلم، وننفى عنه كل شبه بالمخلوق، ويضعف ما قيل من أن الذكر الرسول، ومن أنه يداله قوله عز وجل: {هل هذا} لأن قوله: "أية : إلا استمعوه" تفسير : [الأنبياء: 2] ينافيه إلا بتأويل إلا استمعوا قوله، أو إلا استمعوا له، ويقال: رب غافل عن الحساب لاستغراقه فى دنياه، وإعراضه عن مولاه، ورب غافل عن الحساب، لاستهلاكه فى مولاه، وإعراضه عن دنياه، فهو يفيق برؤية المولى، والأول إنما يفيق فى عسكر الموتى، ومعنى رؤية المولى إحضارعظمته. {وأسَرُّوا النَّجْوى} اسم مصدر وهو التناجى، أى الإسرار بينهم، أو اسم للكلمة المسرورة، وعلى كل حال المعنى زادوا للإسرار إسراراً، وبالغوا فيه بكل ما أمكن، حتى إنَّهم لا يتناجون بحضرة من يراهم أو أسروا بمعنى أظهروا، أى أظهروا ما كانوا يخفونه كقول الفرزدق: شعر : فلما رأى الحجاج أظهر سيفه أسر الحرورى الذى كان أغمرا تفسير : والأصل خلاف هذا، ويحتمل البيت معنى نطق بما فى قبله سراً {الذين ظلمُوا} بدل أو بيان من واو وأسروا المحذوفة للساكن، أو أو فاعل أسروا، وواو أسر حرف علامة للجمع على لغة: يتعاقبون فيكم ملائكة، وهى لغة شهيرة لا شاذة، أو مبتدأ أسروا النجوى، كقوله قام أبوه زيد، زيد مبتدأ قام أبوه خبر، أو يقدرهم الذين، أو يقول الذين أو أعنى الذين، أو أذم الذين ويبعد إبداله من الناس، أو جعله نعتا له، وأظهر الذين ليذمهم بصلته. {هَلْ هذا إلا بشَر مثْلُكم أفتَأْتُون السِّحْر وأنْتُم تُبصِرونَ} مفعول لقول مقدر فى جواب سؤال ماذا قالوا فى إسرارهم لنجوى، أو مفعول لأسروّا، لأن فيه معنى القول أو للنجوى بمعنى التناجى على إعمال المصدر المقرون بأل، واسمه عمل ألفعل، أو يقدر فقالوا: هل هذا الخ بعطف القول المقدر على أسروا، أو يقدر قالوا بلا عاطف، على أنه بدل من أسرّوا، أو ذلك بدل من النجوى بلا تقدير قول، والمعنى أسروا هذه الجمل، والفاء فى "أفتأتون السحر" عاطفة على محذوف، أى أتظنون عن دينكم فتأتون، أو أتتركون دينكم فتأتون، المحافظة عندى على عدم تقديم ما بعد العاطف وهو الهمزة بتقدير الجملة أولى، فلا تقل كابن هشام، ألا ترى أن الحذف كثير لا تعد كثرته، ولا تقصر على السماع إلا عند قيام المانع، والاستفهام هنا للإنكار، وأنتم تبصرون حال من واو تأتون مقررة الإنكار، أى كيف تذعنون له مع أنه بشر، والبشر لا يكون نبيا، بل المَلَك يكونه. ويبعد ما قيل: إنهم أسرّوا ليقولوا له صلى الله عليه وسلم: إنك كنت نبيا فخبرنا بما أسررنا، لأنه دليل له، ولا يناسب المبالغة بأسرُوا، ولا بـ {أفتأتون السحر} ولو ناسب قوله تعالى: {قال ربِّى يعْلَم القول فى السماء والأرضْ} إلا أنه لم يقل قال ربى يعلم السر فى السماء والأرض، لأن القول أعمّ من السر لشموله الجهر، ففى ذكر القول تعميم للسر والجهر، وإيذان بأنهما عنده سواء، وأنه يعلم الأخفى أيضا كما ذكر عنهم الإخفاء فى قوله: " وأسروا النجوى" كأنه قال: قل يا محمد ربى يعلم هذا الضرب من السر، وما هو أخفى، وفى السماء حال من القول، أو متعلق به، أى يعلم ما قيل فى السماء والأرض، والقول بمعنى المقول، والمراد فى السماء والأرض وغيرهما، او خصهما بالذكر للظهور، أو المراد بالسماء والأرض جهة العلو والسفل مطلقا، وشمل السموات والأرض {وهُو السَّميع} العليم بالأصوات {العَليمُ} بغيرها أيضاً، ودخل فى ذلك أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فهو يجازيهم عليها، ولا يترك منها شيئا لخفائها إذ لا يخفى عنه شىء.
الالوسي
تفسير : {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} إما حال أخرى منه فتكون مترادفة أو حال من واو { أية : يَلْعَبُونَ } تفسير : [الأنبياء: 2] فتكون متداخلة والمعنى ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث في حال من الأحوال إلا حال استماعهم إياه لاعبين مستهزئين به لاهين عنه أو لاعبين به حال كون قلوبهم لاهية عنه. وقرأ ابن أبـي عبلة. وعيسى {لاَهِيَةً} بالرفع على أنه خبر بعد خبر ل {أية : وَهُم} تفسير : [الأنبياء: 2]، والسر في اختلاف الخبرين لا يخفى، و {لاَهِيَةً} من لهي عن الشيء بالكسر لهياً ولهياناً إذا سلا عنه وترك ذكره وأضرب عنه كما في «الصحاح». وفي «الكشاف» هي من لهى عنه إذا ذهل وغفل وحيث اعتبر في الغفلة فيما مر أن لا يكون للغافل شعور بالمغفول عنه أصلاً بأن لا يخطر بباله ولا يقرع سمعه أشكل وصف قلوبهم بالغفلة بعد سماع الآيات إذ قد زالت عنهم بذلك وحصل لهم الشعور وإن لم يوفقوا للإيمان وبقوا في غيابة الخزي والخذلان. وأجيب بأن الوصف بذلك على تنزيل شعورهم لعدم انتفاعهم به منزلة العدم نظير ما قيل في قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 102] وأنت تعلم أنه لا بأس أن يراد من الغفلة المذكورة في تفسير لهى الترك والإعراض على ما تفصح عنه عبارة «الصحاح»، وإنما لم يجعل ذلك من اللهو بمعنى اللعب على ما هو المشهور لأن تعقيب {أية : يَلْعَبُونَ} تفسير : [الانبياء: 2] بذلك حينئذٍ مما لا يناسب جزالة التنزيل ولا يوافق جلالة نظمه الجزيل وإن أمكن تصحيح معناه بنوع من التأويل. والمراد بالحدوث الذي يستدعيه {أية : مُّحْدَثٍ} تفسير : [الانبياء: 2] التجدد وهو يقتضي المسبوقية بالعدم، ووصف الذكر بذلك باعتبار تنزيله لا باعتباره نفسه وإن صح ذلك بناءً على حمل الذكر على الكلام اللفظي والقول بما شاع عن الأشاعرة من حدوثه ضرورة أنه مؤلف من الحروف والأصوات لأن الذي يقتضيه المقام ويستدعيه حسن الانتظام بيان أنه كلما تجدد لهم التنبيه والتذكير وتكرر على أسماعهم / كلمات التخويف والتحذير ونزلت عليهم الآيات وقرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة والجهالة عدد الحصا وأرشدوا إلى طريق الحق مراراً لا يزيدهم ذلك إلا فراراً، وأما إن ذلك المنزل حادث أو قديم فمما لا تعلق له بالمقام كما لا يخفى على ذوي الإفهام. وجوز أن يكون المراد بالذكر الكلام النفسي وإسناد الإتيان إليه مجاز بل إسناده إلى الكلام مطلقاً كذلك؛ والمراد من الحدوث التجدد ويقال: إن وصفه بذلك باعتبار التنزيل فلا ينافي القول بقدم الكلام النفسي الذي ذهب إليه مثبتوه من أهل السنة والجماعة. والحنابلة القائلون بقدم اللفظي كالنفسي يتعين عندهم كون الوصف باعتبار ذلك لئلا تقوم الآية حجة عليهم، وقال الحسن بن الفضل المراد بالذكر النبـي صلى الله عليه وسلم وقد سمي ذكراً في قوله تعالى: { أية : قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً } تفسير : [الطلاق: 10 - 11] ويدل عليه هنا {هَلْ هَـٰذَا} الخ الآتي قريباً إن شاء الله تعالى وفيه نظر، وبالجملة ليست الآية مما تقام حجة على رد أهل السنة ولو الحنابلة كما لا يخفى. {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ} كلام مستأنف مسوق لبيان جناية أخرى من جناياتهم، و {ٱلنَّجْوَىٰ} اسم من التناجي ولا تكون إلا سراً فمعنى إسرارها المبالغة في إخفائها، ويجوز أن تكون مصدراً بمعنى التناجي فالمعنى أخفوا تناجيهم بأن لم يتناجوا بمرأى من غيرهم، وهذا على ما في «الكشف» أظهر وأحسن موقعاً، وقال أبو عبيدة: الإسرار من الأضداد، ويحتمل أن يكون هنا بمعنى الإظهار ومنه قول الفرزدق: شعر : فلما رأى الحجاج جرد سيفه أسر الحروري الذي كان أضمرا تفسير : وأنت تعلم أن الشائع في الاستعمال معنى الإخفاء وإن قلنا إنه من الأضداد كما نص عليه التبريزي ولا موجب للعدول عن ذلك. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بدل من ضمير {أَسَرُّواْ} كما قال المبرد، وعزاه ابن عطية إلى سيبويه، وفيه إشعار بكونهم موصوفين بالظلم الفاحش فيما أسروا به، وقال أبو عبيدة والأخفش وغيرهما: هو فاعل {أَسَرُّواْ} والواو حرف دال على الجمعية كواو قائمون وتاء قامت وهذا على لغة أكلوني البراغيث وهي لغة لأزد شنوءة قال شاعرهم: شعر : يلومونني في اشتراء النخيل أهلي وكلهم ألوم. تفسير : وهي لغة حسنة على ما نص أبو حيان وليست شاذة كما زعمه بعضهم، وقال الكسائي: هو مبتدأ والجملة قبله خبره وقدم اهتماماً به، والمعنى هم أسروا النجوى فوضع الموصول موضع الضمير تسجيلاً على فعلهم بكونه ظلماً، وقيل هو خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، وقيل هو فاعل لفعل محذوف أي يقول الذين والقول كثيراً ما يضمر، واختاره النحاس، وهو على هذه الأقوال في محل الرفع. وجوز أن يكون في محل النصب على الذم كما ذهب إليه الزجاج أو على إضمار أعني كما ذهب إليه بعضهم، وأن يكون في محل الجر على أن يكون نعتاً { أية : لِلنَّاسِ } تفسير : [الأنبياء: 1] كما قال أبو البقاء أو بدلاً منه كما قال الفراء وكلاهما كما ترى. وقوله تعالى: {هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ} الخ في حيز النصب على أنه مفعول لقول مضمر بعد الموصول وصلته هو جواب عن سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل ماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل قالوا هل هذا الخ أو بدل من {أَسَرُّواْ} أو معطوف عليه، وقيل حال أي قائلين هل هذا الخ وهو مفعول لقول مضمر قبل الموصول على ما اختاره النحاس، وقيل مفعول للنجوى نفسها لأنها في معنى القول والمصدر المعرف يُجَوِّز إعماله الخليل وسيبويه، وقيل بدل منها أي أسروا هذا الحديث، و {هَلُ} بمعنى النفي ليست للاستفهام التعجبـي كما زعم أبو حيان. والهمزة في قوله تعالى: {أَفَتَأْتُونَ ٱلسّحْرَ} للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، وقوله سبحانه: {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} / حال من فاعل (تأتون) مقررة للإنكار مؤكدة للاستبعاد، وأرادوا كما قيل ما هذا إلا بشر مثلكم أي من جنسكم وما أتى به سحر أتعلمون ذلك فتأتونه وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول وأنتم تعاينون أنه سحر قالوه بناء على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ أن الرسول لا يكون إلا ملكاً وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق من قبيل السحر، وعنوا بالسحر هٰهنا القرآن ففي ذلك إنكار لحقيته على أبلغ وجه قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون، وإنما أسروا ذلك لأنه كان على طريق توثيق العهد وترتيب مبادي الشر والفساد وتمهيد مقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة وإطفاء نور الدين والله تعالى يأبـى إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون، وقيل أسروه ليقولوا للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إن كان ما تدعونه حقاً فاخبرونا بما أسررناه؟ ورده في «الكشف» بأنه لا يساعده النظم ولا يناسب المبالغة في قوله تعالى: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} ولا في قوله سبحانه {أَفَتَأْتُونَ ٱلسّحْرَ} السحر.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار أخفوا النجوى فيما بينهم، قائلين: إن النَّبي صلى الله عليه وسلم ما هو إلا بشر مثلهم، فكيف يكون رسولاً إليهم؟ والنجوى: الإسرار بالكلام وإخفاؤه عن الناس. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من دعواهم: أن بشراً مثلهم لا يمكن أن يكون رسولاً، وتكذيب الله لهم في ذلك ـ جاء في آيات كثيرة، وقد قدمنا كثيراً من ذلك، كقوله: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94]، وقوله: {أية : فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} تفسير : [التغابن: 6] الآية، وقوله: {أية : أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} تفسير : [القمر: 24] وقوله: {أية : مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ}تفسير : [المؤمنون: 33-34]، وقوله تعالى: {أية : مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 7] الآية، وقوله تعالى: {أية : قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا} تفسير : [إبراهيم: 10] الآية. والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، كما تقدم إيضاح ذلك. وقد رد الله عليهم هذه الدعْوَى الكاذبة التي هي منع إرسال البشر، كقوله هنا في هذه السورة الكريمة: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 43]، وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} تفسير : [الرعد: 38] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 20]، وقوله هنا: {أية : وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ}تفسير : [الأنبياء: 8]، إلى غير ذلك من الآيات. وجملة {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}. قيل بدل من "النجوى". أي أسروا النجوى التي هي هذا الحديث الخفي الذي هو قولهم: هل هذا إلا بشر مثلكم. وصدر به الزمخشري، وقيل: مفعول به للنجوى. لأنها بمعنى القول الخفي. أي قالوا في خفية: {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}. وقيل: معمول قول محذوف. أي قالوا هل هذا إلا بشر مثلكم. وهو أظهرها. لاطراد حذف القول مع بقاء مقوله. وفي قوله: {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أوجه كثيرة من الإعراب معروفة، وأظهرها عندي: أنها بدل من الواو في قوله: {وَأَسَرُّواْ} بدل بعض من كل، وقد تقرر في الأصول: أن بدل البعض من الكل من المخصصات المتصلة، كقوله تعالى: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} تفسير : [آل عمران: 97]. فقوله {من} بدل من "الناس": بدل بعض من كل، وهي مخصصة لوجوب الحج بأنه لا يجب إلاَّ على من استطاع إليه سبيلاً. كما قدمنا هذا في سورة "المائدة". قوله تعالى: {أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ}. إعراب هذه الجملة جار مجرى إعراب الجملة التي قبلها، التي هي {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} [الأنبياء: 3]، والمعنى: أنهم زعموا أن ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم سحر، وبناء على ذلك الزعم الباطل أنكروا على أنفسهم إتيان السحر وهم يبصرون. يعنون بذلك تصديق النَّبي صلى الله عليه وسلم، أي لا يمكن أن نصدقك ونتبعك، ونحن نبصر أن ما جئت به سحر. وقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع أنهم ادعوا أن ما جاء به صلى الله عليه وسلم سحر، كقوله عن بعضهم: {أية : إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ}تفسير : [المدثر: 24]، وقوله تعالى: {أية : كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ}تفسير : [الذاريات: 52]. وقد رد الله عليهم دعواهم أن القرآن سحر بقوله هنا: {أية : قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [الأنبياء: 4] يعني أن الذي يعلم القول في السماء والأرض الذي هو السميع العليم، المحيط علمه بكل شيء، هو الذي أنزل هذا القرآن العظيم، وكون من أنزله هو العالم بكل شيء يدل على كمال صدقه في الأخبار وعدله في الأحكام، وسلامته من جميع العيوب والنقائص، وأنه ليس بسحر. وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع: كقوله تعالى: {أية : قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الفرقان: 6] الآية، وقوله تعالى: {أية : لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}تفسير : [النساء: 166] إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ} بألف بعد القاف وفتح اللام بصيغة الفعل الماضي، وقرأه الباقون {قُلْ} بضم القاف وإسكان اللام بصيغة الأمر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 3- لاهية قلوبهم عن التأمل فيه، وبالغوا فى إخفاء تآمرهم على النبى وعلى القرآن، قائلين فيما بينهم: ما محمد إلا بشر مثلكم، والرسول لا يكون إلا مَلَكا. أتصدقون محمداً فتحضرون مجلس السحر وأنتم تشاهدون أنه سحر؟! 4- قال الرسول لهم - وقد أطلعه الله على حديثهم الذى أسروه -: ربى يعلم كل ما يقال فى السماء والأرض، وهو الذى يَسمع كل ما يُسمع، ويعلم كل ما يقع. 5- بل قالوا: إنه أخلاط أحلام رآها فى المنام، بل اختلقه ونسبه كذباً إلى الله. ثم أعرضوا عن ذلك، وقالوا: بل هو شاعر يستولى على نفوس سامعيه، فليأتنا بمعجزة مادية دالة على صدقه، كما أُرسل الأنبياء الأولون مؤيدون بالمعجزات. 6- لم تؤمن قبلهم أمة من الأمم التى أهلكناها بعد أن كذبت بالمعجزات المادية، فهل يؤمن هؤلاء إذا جاءهم ما يطلبون؟!. 7- وما أرسلنا إلى الناس قبلك - أيها النبى - إلا رجالا من البشر، نوحى إليهم الدين ليبلغوه الناس، فاسألوا - أيها المنكرون - أهلَ العلم بالكتب المنزلة إن كنتم لا تعلمون ذلك. 8- وما جعلنا الرسل أجساداً تخالف أجساد البشر يعيشون دون طعام، وما كانوا باقين مخلدين. 9- ثم صدقناهم، وحققنا لهم الوعد، فأنجيناهم وأنجينا معهم من أردنا نجاتهم من المؤمنين، وأهلكنا الكافرين المسرفين فى تكذيبهم وكفرهم برسالة أنبيائهم.
د. أسعد حومد
تفسير : (3) - ويَسْتَمِعُونَ إِلى آيَاتِ اللهِ المنزَّلَةِ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَقُلُوبُهُمْ لاهِيَةٌ مُسْتَهزِئَةٌ، وقد أَخَذُوا يَتَناجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَيَتَحَدَّثُ بَعْضُهم إِلى بَعْضٍ سِرّاً، فَقَالَ الكُفَّارُ {الذينَ ظَلَمُوا}: هلِ الرَّسُولُ إِلاَّ بَشَرٌ يَأْكُلُ كَمَا يَأْكلُ الناسُ، ويشْرَبُ كَمَا يَشْرَبُونَ، فَكَيفَ اخْتَصَّهُ اللهُ بِالوحْيِ مِنْ دُونِهِمِ؟ (وهْمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ اسْتِبْعَاداً لأَنْ يَكُونَ نَبِياً حَقّاً لأَنَّهُ مِنَ البَشَرِ). وإِنَّ مَا جَاءَهُم بِهِ مُحَمَّدٌ إِنْ هُوَ إِلاَّ سِحْرٌ، لاَ حَقِيقةَ لََهُ، فَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَتَّبِعُونَه، وَيَسْتَجِيبُونَ لِدَعْوَتِهِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويا ليت كلاً منهم يفعل هذا الفعل في نفسه، إنما يتآمرون جميعاً على الحق ليفسدوه باللعب واللهو {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ..} [الأنبياء: 3] أي: يتناجَوْن في الإثم، ويُسِرُّونه يعني: يجعلونه سِراً. والنَّجْوى أو التناجي: خَفْضِ الصوت، كما جاء في قوله تعالى: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ ..} تفسير : [المجادلة: 7]. فلا تظنوا أنكم مستورون عن الله، أو تُخْفون عنه شيئاً. وتلاحظ في ارتقاءات العدد في هذه الآية أنها لم تذكر اثنين، فبدأت من العدد ثلاثة؛ لأنه عادةً لا تكون النجوى بين الاثنين، إنما تكون بين الثلاثة، حيث يتناجى اثنان حتى لا يسمع الثالث. كما أنها لم تذكر الأعداد بالترتيب، فلم تَقُلْ مثلاً: ولا أربعة إلا هو خامسهم؛ ذلك لأن الآية لا تقصد الترتيب العددي، إنما تعطيك مجرد أمثلة ونماذج من الأعداد. وكذلك في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ ..} تفسير : [المجادلة: 8]. وما داموا يُخْفون كلاماً ويُسِرُّونه، فلا بُدَّ أنه مخالف للفطرة السليمة، ولو كان حقّاً لَقالُوه علانية، فالنجْوى دليلُ اتهامهم في العقل، وفي القلب، وفي كل شيء. أما قوله تعالى في شأن النبي صلى الله عليه وسلم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ..} تفسير : [المجادلة: 12]. وهل كان الصحابة يُحدِّثون الرسول سرَّاً؟ لا بل هنا إشارة أخرى أوضحها قوله تعالى: {أية : لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ..} تفسير : [النور: 63]. فالمراد ألاّ نرفع أصواتنا في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم كما يحدث مِنّا حين يُكلِّم بعضنا بعضاً، بل نُكلِّمه كلام المهيب، ونلتزم معه الأدب والخشوع. وقوله تعالى: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ..} [الأنبياء: 3] هل (الذين) هنا هي الفاعل لأسرُّوا؟ القاعدة النحوية: إذا تقدم الفعل على الفاعل لزم صورة الإفراد نقول: أكل القوم. لا نقول: أكلوا القوم، وهنا {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ..} [الأنبياء: 3] لو أن (الذين ظلموا) هي الفاعل لقال: وأَسَرَّ الذين ظلموا، إنما جاء الفاعل (واو الجماعة) ثم الاسم الموصول (الذين) بعدها فليست هي الفاعل، وليست هذه من لغات العرب الصحيحة. فكأن سائلاً سأل: ومَن الذي أسَرَّ؟ فأجاب: (الّذِينَ ظَلَمُوا) وكلمة (ظَلَمُوا) عامة في الظلم، فقد ظلموا أنفسهم أولاً؛ لأن ظلمهم عائد عليهم بالعذاب، وظُلْم نفسه ناشىء من أنه ظلم الحق الأعلى {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. ثم ظلم الناس في أمور أخرى وفي حقوق لهم، لكن جاءتْ (ظلموا) عامة؛ لأن الظلم الواحد سيشمل كل أنواع الظلم، وما دام قد وصل به الأمر إلى أنْ ظَلَم الله فلا غرابةَ أنْ يظلم ما دونه تعالى. فما النجوى التي أسرَّهَا القوم؟ ومَنْ أخبر رسول الله بها؟ النجوى قوله تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ ..} تفسير : [المجادلة: 8]. فكيف عرف محمد هذه المقولة، وقد قالوها في أنفسهم وأسرُّوها؟ ألم يكُن على هؤلاء أن يتنبَّهوا: كيف عرف محمد مقولتهم؟ وأن الذي أخبره بما يدور هو ربُّه الإله الأعلى، الذي لا تَخْفى عليه خافية، كان عليهم أن يلتفتوا إلى رب محمد، الله الإله الحق الذي يعلم خَبْءَ كل شيء فيرتدعوا عَمَّا هم فيه، وبدل أنْ يشغلوا عقولهم بمسائل الشرك ينتهوا بها إلى الإيمان. ومما جاء في تناجيهم: {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ..} [الأنبياء: 3] إذن: أنكروا أن يكون رسولاً لأنه بشر، والرسول لا بُدَّ أن يكون ملكاً {أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} [الأنبياء: 3] فسمُّوا القرآن سحْراً، لأنهم يروْنَ السحر يُفرِّق بين الابن وأبيه، والأخ وأخيه {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} [الأنبياء: 3] أن القرآن يفعل مثل هذا. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال حدّثنا علي بن أحمد عن عطاء بن السائب عن أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي عليهما السلام في قولِه تعالى: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى} معناه أظهَروا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):