٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {بَلْ قَالُواْ أَضْغَـٰثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ } إضراب لهم عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام ثم إلى أنه كلام افتراه، ثم إلى أنه قول شاعر والظاهر أن {بل} الأولى لتمام حكاية والإِبتداء بأخرى أو للإِضراب عن تحاورهم في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وما ظهر عليه من الآيات إلى تقاولهم في أمر القرآن، والثانية والثالثة لإِضرابهم عن كونه أباطيل خيلت إليه وخلطت عليه إلى كونه مفتريات اختلقها من تلقاء نفسه، ثم إلى أنه كلام شعري يخيل إلى السامع معاني لا حقيقة لها ويرغبه فيها، ويجوز أن يكون الكل من الله تنزيلاً لأقوالهم في درج الفساد لأن كونه شعراً أبعد من كونه مفترى لأنه مشحون بالحقائق والحكم وليس فيه ما يناسب قول الشعراء، وهو من كونه أحلاماً لأنه مشتمل على مغيبات كثيرة طابقت الواقع والمفتري لا يكون كذلك بخلاف الأحلام، ولأنهم جربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نيفاً وأربعين سنة وما سمعوا منه كذباً قط، وهو أبعد من كونه سحراً لأنه يجانسه من حيث إنهما من الخوارق. {فَلْيَأْتِنَا بِئَايَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} أي كما أرسل به الأولون مثل اليد البيضاء والعصا وإبراء الأكمه وإحياء الموتى، وصحة التشبيه من حيث إن الإِرسال يتضمن الإِتيان بالآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {بَلِ } للانتقال من غرض إلى آخر في المواضع الثلاثة {قَالُواْ } فيما أتى به من القرآن هو {أَضْغَٰثُ أَحْلاَمٍ } أخلاط رآها في النوم {بَلِ ٱفْتَرَاهُ } اختلقه {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ } فما أتى به شِعْر {فَلْيَأْتِنَا بِئَايَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ } كالناقة والعصا واليد.
ابن عطية
تفسير : لما اقتضت الآية التي قبل هذه أنهم قالوا إن ما عنده سحر، عدد الله في هذه جميع ما قالته طوائفهم ووقع الإضراب بكل مقالة عن المقدمة لها ليتبين اضطراب أمرهم، فهو إضراب عن جحد متقدم لأن الثاني ليس بحقيقة في نفسه، و"الأضغاث" الأخلاط وأصل الضغث القبضة المختلطة من العشب والحشيش، فشبه تخليط الحلم بذلك، وهو ما لا يتفسر ولا يتحصل، ثم حكى من قال قول شاعر وهي مقالة فرقة عامية منهم لأن نبلاء العرب لم يخف عليهم بالبديهة أن مباني القرآن ليست مباني شعر ثم حكى اقتراحهم وتمنيهم آية تضطرهم وتكون في غاية الوضوح كناقة صالح وغيرها، وقولهم {كما ارسل الأولون} دال على معرفتهم بإيتان الرسل الأمم المتقدمة. وقوله تعالى: {ما آمنت قبلهم} مقدراً كلام يدل عليه المعنى، تقديره والآية التي طلبوا عادتنا أن القوم إن كفروا بها عاجلناهم. وما آمنت قرية من القرى التي نزلت بها هذه النازلة أفهذه كانت تؤمن وقوله تعالى: {أهلكناها} جملة في موضع الصفة لـ {قرية} والجملة إذا اتبعت النكرات فهي صفة لها وإذا اتبعت المعارف فهي أحوال منها، {وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً} رد على فرقة منهم كانوا يستبعدون أن يبعث الله من البشر رسولاً يشف على نوعه من البشر بهذا القدر من الفضل، فمثل الله تعالى في الرد عليهم بمن سبق من الرسل من البشر، وقرأ الجمهور "يوحى" على بناء الفعل للمفعول، وقرأ حفص عن عاصم "نوحي" بالنون، ثم أحالهم على سؤال {أهل الذكر} من حيث لم يكن عند قريش كتاب ولا إثارة من علم، واختلف الناس في {أهل الذكر} من هم، فروى عبدالله بن سلام أنه قال أنا من أهل الذكر، وقالت فرقة هم أهل القرآن. قال القاضي أبو محمد: وهذا موضع ينبغي أن يتأمل، وذلك أن الذكر هو كل ما يأتي من تذكير الله تعالى عباده فأهل القرآن أهل ذكر، وهذا ما أراد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأما المحال على سؤالهم في هذه الآية فلا يصح أن يكونوا أهل القرآن في ذلك الوقت لأنهم كانوا خصومهم، وإنما أُحيلوا على سؤال أحبار أهل الكتاب من حيث كانوا موافقين لهم على ترك الإيمان بمحمد عليه السلام فتجيء شهادتهم بأن الرسل قديماً من البشر لا مطعن فيها لازمة لكفار قريش وقوله تعالى: {وما جعلناهم جسداً} قيل الجسد من الأشياء يقع على ما لا يتغذى، ومنه قوله تعالى: {أية : عجلاً جسداً} تفسير : [الأعراف: 148]. فمعنى هذا ما جعلناهم أجساداً لا تتغذى، وقيل الجسد يعم المتغذي وغير المتغذي. والمعنى ما جعلناهم أجساداً وجعلناهم مع ذلك لا يأكلون الطعام كالجمادات أو الملائكة، فـ {جعلناهم جسداً} على التأويل الأول منفي، وعلى الثاني موجب، والنفي واقع على صفته. وقوله تعالى: {لا يأكلون الطعام} كناية عن الحدث، ثم نفى عنهم الخلد لأنه من صفات القديم وكل محدث فغير خالد في دار الدنيا.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَضْغَاثُ} أهاويل أحلام، أو تخاليط، أو ما لا تأويل له {أَحْلامٍ} ما لا تأويل له ولا تفسير، أو الرؤيا الكاذبة.
البقاعي
تفسير : ولما كانت أقوالهم في أمر القرآن قد اضطربت، والإضطراب من أمارات الباطل، وكان وصفهم له بأنه سحر مما يهول السامع ويعلم منه أنه معجز، فربما أدى إلى الاستبصار في أمره، أخبر أنهم نزلوا به عن رتبة السحر على سبيل الاضطراب فقال: {بل قالوا} أي عن هذا الذكر الحكيم أنه {أضغاث أحلام} أي تخاليط نائم مبناه الباطل وإن كان ربما صدق بالأخبار ببعض المغيبات التي كشف الزمان عن أنها كما أخبر القرآن، ثم أنزلوا عن ذلك إلى الوصف موجب لأعظم النفرة عنه وعمن ظهر عنه فقالوا: {بل افتراه} أي تعمد وصفه من عند نفسه ونسبه إلى الله. ولما كان ذلك لا ينافي كون مضمونه صادقاً في نفسه، قالوا {بل هو شاعر} أي يخيل ما لا حقيقة له كغيره من الشعراء، تتربص به ريب المنون لأنه بشر كما تقدم، فلا بد أن يموت ونستريح بعد موته، وإليه أشار في آخر التي قبلها أية : قل كل متربص} تفسير : [طه: 135] إلى أخره، فاضطربت أقوالهم وعوّلوا أخيراً على قريب من السحر في نفي الحقيقة. ولما كانوا يصفون القرآن بجميع هذه الأوصاف جملة، يقولون لكل شخص ما رأوه أنسب له منها، نبه الله سبحانه كل من له لب على بطلانها كلها بتناقضها بحرف الإضراب إشارة إلى أنه كان يجب على من قالها على قلة عقله وعدم حيائه أن لا ينتقل إلى قول منها إلا بعد الإعراض عن الذي قبله، وأنه مما يضرب عنه لكونه غلطاً، ما قيل إلا عن سبق لسان وعدم تأمل، ستراً لعناده وتدليساً لفجوره، ولو فعل ذلك لكانت جديرة بانكشاف بطلانها بمجرد الانتقال فكيف عند اجتماعها. ولما كانت نسبته إلى الشعر أضعفها شأناً، وأوضحها بطلاناً، لم يحتج إلى إضراب عنه، وعبروا في الأضغاث بوصف القرآن تأكيداً لعيبه، وفي الافتراء والشعر بوصفه صلى الله عليه وسلم لذلك. ولما أنتج لهم ذلك على زعمهم القدح في أعظم المعجزات، سببوا عن هذا القدح طلب آية فقالوا: {فليأتنا} أي دليلاً على رسالته {بآية} أي لأنا قد بينا بطعننا أن القرآن ليس بآية؛ ثم خيلوا النصفة بقولهم: {كما} أي مثل ما، وبنوا الفعل للمفعول إشارة إلى أنه متى صحت الرسالة كان ذلك بزعمهم من غير تخلف لشيء أصلاً فقالوا: {أرسل الأولون*} أي بالآيات مثل تسبيح الجبال، وتسخير الريح، وتفجير الماء، وإحياء الموتى، وهذا تناقض آخر في اعترافهم برسالة الأولين مع معرفتهم أنهم بشر، وإنكارهم رسالته صلى الله عليه وسلم لكونه بشراً، ولم يستحيوا بعد التناقض من المكابرة فيما أتاهم به من انشقاق القمر، وتسبيح الحصى، ونبع الماء، والقرآن المعجز، مع كونه أمياً - إلى غير ذلك. ولما أشار سبحانه إلى فساد طعنهم بما جعله هباء منثوراً، وتضمن قولهم الذي سببوه عنه القرار بالرسل البشريين وأياتهم، أتبعه بيان ما عليهم فيه، فبين أولاً أن الآيات تكون سبباً للهلاك، فقال جواباً لمن كأنه قال: رب أجبهم إلى ما اقترحوه ليؤمنوا: {ما ءامنت} أي بالإجابة إلى الآيات المقترحات. ولما كان المراد استغراق الزمان، جرد الظرف عن الخافض فقال: {قبلهم} أي قبل كفار مكة المقترحين عليك، وأعرق في النفي فقال: {من قرية} ولما كان المقصود التهويل في الإهلاك، وكان إهلاك القرية دالاً على إهلاك أهلها من غير عكس، دل على إهلاك جميع المقترحين تحذيراً من مثل حالهم بوصفها بقوله في مظهر العظمة المقتضي لإهلاك المعاندين: {أهلكناها} أي على كثرتهم {أية : وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح}تفسير : [الإسراء: 17]، {أية : وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون}تفسير : [الشعراء: 208]، {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} تفسير : [الإسراء: 15] "وما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر" وأشار بذلك إلى أنه لم يسلم عند البأس إلا قرية واحدة وهم قوم يونس لأنهم آمنوا عند رؤية المخايل وقيل الشروع في الإهلاك، وهو إشارة إلى أن سبب الإيمان مشيئته سبحانه لا الآيات. ولما كانوا كمن قبلهم إن لم يكونوا دونهم، حسن الإنكار في قوله: {أفهم يؤمنون*} أي كلا! بل لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم حين لا ينفع الإيمان، وقد قضينا في الإزل أن لا نستأصل هذه الأمة إكراماً لنبيها، فنحن لا نجيبهم إلى المقترحات لذلك. ولما بين أولاً أن الآيات تكون سبباً للهلاك، فلا فائدة في الإجابة إلى ما اقترحوه منها بعد بطلان ما قدحوا به في القرآن، بيّن ثانياً بطلان ما قدحوا به في الرسول بكونه بشراً، بأن الرسل الذين كانوا من قبله كانوا بإقرارهم من جنسه، فما لهم أن ينكروا رسالته هو مثلهم، بل عليهم أن يعترفوا له عندما أظهر من المعجز كما اعترفوا لأولئك، كل ذلك فطماً عن أن يتمنى أحد إجابتهم إلى التأييد بملك ظاهر، فقال عاطفاً على ما "آمنت": {وما أرسلنا}. ولما كان السياق لإنكار أن يكون النبي بشراً، وكان الدهر كله ما خلا قط جزء منه من رسالة، إما برسول قائم، وإما بتناقل أخباره، كان تعميم الزمان أنسب فقال من غير حرف جر: {قبلك} أي في جميع الزمان الذي تقدم زمانك في جميع طوائف البشر {إلا رجالاً نوحي إليهم} بالملائكة سراً من غير أن يطلع على ذلك الملك غيرهم كما اقتضته العظمة من التخصيص والاختيار والإسرار عن الأغيار، وذلك من نعم الله على خلقه، لأن جعل الرسل من البشر أمكن للتلقي منهم والأخذ عنهم. ولما لم يكن لهم طريق في علم هذا إن يقبلوا خبره عن القرآن إلا سؤال من كانوا يفزعون إليهم من أهل الكتاب ليشايعوهم على ما هم عليه من الشك والارتياب، قال: {فسألوا أهل الذكر} ثم نبه على أنهم غير محتاجين فيه إلى السؤال بما كان قد بلغهم على الآجال من أحوال موسى وعيسى وإبراهيم وإسماعيل وغيرهم عليهم الصلاة والسلام بقوله، معبراً بأداة الشكك محركاً لهم إلى المعالي: {إن كنتم} أي بجبلاتكم {لا تعلمون*} أي لا أهلية لك في اقتناص علم، بل كنتم أهل تقليد محض وتبع صرف. ولما بين أنه على سنة من مضى من الرسل في كونه رجلاً، بين أنه على سنتهم في جميع الأوصاف التي حكم بها على البشر من العيش والموت فقال: {وما جعلناهم} أي الرسل الذين اخترنا بعثهم إلى الناس ليأمروهم بأوامرنا. ولما كان السبب في الأكل ترتيب هذا الهيكل الحيواني على ما هو عليه لا كونه متكثراً، وحد فقال {جسداً} أي ذوي جسد لحم ودم متصفين بأنهم {لا يأكلون الطعام} بل جعلناهم أجساداً يأكلون ويشربون، وليس ذلك بمانع من إرسالهم؛ قال ابن فارس في المجمل: وفي كتاب الخليل: إن الجسد لا يقال لغير الإنسان من خلق الأرض. ثم عطف على الأول قوله: {وما كانوا خالدين*} أي بأجسادهم، بل ماتوا كما مات الناس قبلهم وبعدهم، أي لم يكن ذلك في جبلتهم وإنما تميزوا عن الناس بما يأتيهم عن الله سبحانه، ورسولكم صلى الله عليه وسلم ليس بخالد، فتربصوا كما أشار إليه ختم طه فإنه متربص بكم وأنتم عاصون للملك الذي اقترب حسابه لخلقه وهو مطيع له، فأيكم أحق بالأمن؟ ولما بين أن الرسل كالمرسل إليهم بشر غير خالدين، بين سنته فيهم وفي أممهم ترغيباً لمن اتبع، وترهيباً لمن امتنع، فقال عاطفاً بأداة التراخي في مظهر العظمة على ما أرشد إليه التقدير من مثل: بل جعلناهم جسداً يأكلون ويشربون، ويعيشون إلى انقضاء آجالهم ويموتون، وأرسلناهم إلى أممهم فحذروهم وأنذروهم وكلموهم كما أمرناهم، ووعدناهم أن من آمن بهم أسعدناه، ومن كفر واستمر أشقيناه، وأنا نهلك من أردنا من المكذبين، فآمن بهم بعض وكفر آخرون؛ فلم نعاجلهم بالأخذ بل صبرنا عليهم، وطال بلاء رسلنا بهم {ثم صدقناهم} بما اقتضت عظمتنا، وأكد الأمر بتعدية الفعل من غير حرف الجر فقال: {الوعد} أي بإنجائهم؛ وأشار بأداة التراخي إلى أنهم طال بلاؤهم بهم وصبرهم عليهم، ثم أحل بهم سطوته، وأراهم عظمته، ولذا قال مسبباً عن ذلك: {فأنجيناهم} أي الرسل بعظمتنا، ولكون السياق لأنهم في غاية الغفلة التي نشأ عنها التكذيب البليغ الذي اقتضى تنويع القول به إلى سحر وأضغاث وافتراء وشعر، فاقتضى مقابلته بصدق الوعد منه سبحانه، عبر بالإنجاء الذي هو إقلاع من وجدة العذاب في غاية السرعة {ومن نشآء} أي من تابعيهم. إشارة إلى أن سبب الإنجاء المشيئة لا أن التصديق موجب له، لأنه لا يجب عليه سبحانه وتعالى شيء {وأهلكنا} أي بما يقتضيه الحكمة {المسرفين*} كلهم الذين علمنا أن الإسراف لهم وصف لازم لا ينفكون عنه.
القشيري
تفسير : نَوَّعُوا ما نسبوا إليه - بعدما نزَّلنا إليه الأمر - من حيث كانوا، ولم يشاهدوا هِمَمَه على الوصف الذي كانوا يصفونه به من صدق في الحال والمقال، وكما قيل: شعر : رمتني بداءها وانسلت
اسماعيل حقي
تفسير : {بل قالوا اضغاث احلام} لاختلاطها كما فى القاموس. والحلم بضم الحاء وسكون اللام الرؤيا وضم اللام ايضا لغة فيه فالاحلام بمعنى المنامات سواء كانت باطلة أو حقة واضيفت الأضغاث بمعنى الأباطيل إليها على طريق اضافة الخاص الى العام اضافة بمعنى من وقد تخص الرؤيا بالمنام الحق والحلم بالمنام الباطل كما فى قوله عليه السلام "حديث : الرؤيا من الله والحلم من الشيطان"تفسير : ثم ان هذا اضراب من جهته تعالى وانتقال من حكاية قول الى آخر اى لم يقتصروا على ان يقولا فى حقه عليه السلام {أية : هل هذا الا بشر}تفسير : وفى حق ما ظهر على يده من القرآن الكريم انه سحر بل قالوا تخاليط احلام اى اخلاط احلام كاذبة رآها فى المنام {بل افتراه} من تلقاء نفسه من غير ان يكون له اصل او شبه اصل ثم قالوا {بل هو شاعر} وما اتى به شعر يخيل الى السامع معانى لا حقيقة لها وهذا شأن المبطل المحجوج متحير لا يزال يتردد بين باطل وابطل فالاضراب الاول كما ترى من جهته تعالى والثانى والثالث من قبلهم. قال الراغب شعرت اصبت الشعر ومنه استعير شعرت كذا اى علمت علما فى الدقة كاصابة الشعر قيل وسمى الشاعر لفطنته ودقة معرفته فالشعر فى الاصل اسم للعلم الدقيق فى قولهم ليت شعرى وصار فى التعارف اسما للموزون المقفى من الكلام والشاعر للمختص بصناعته وقوله تعالى حكاية عن الكفار {بل هو شاعر} كثير من المفسرين حملوه على انهم رموه بكونه آتيا بشعر منظوم مقفى حتى تأولوا عليه ما جاء فى القرآن من كل لفظة تشبه الموزون من نحو قوله {أية : وجفان كالجواب وقدور راسيات}تفسير : وقوله تعالى {أية : تبت يدا ابى لهب }. تفسير : وقال بعض المحققين لم يقصدوا هذا المقصد فيما رموه به وذلك انه ظاهر من هذا الكلام انه ليس على اساليب الشعر ولا يخفى ذلك على الاغتام من العجم فضلا عن بلغاء العرب وانما رموه بالكذب فان الشعر يعبر به عن الكذب والشاعر الكاذب حتى سمعوا الادلة الكاذبة بالشعر ولكون الشعر مقر الكذب. قيل احسن الشعر أكذبه. وقال بعض الحكماء لم ير متدين صادق اللهجة مفلقا فى شعره شعر : در قيامت نرسد شعر بفرياد كسى كرسراسر سخنش حكمت يونان كردد تفسير : واما قول صاحب المثنوى شعر : از كرامات بلند اوليا اولا شعرست وآخر كيميا تفسير : فالمراد به القدرة على انساء الكلام الموزون وليس من مقتصاها التكلم {فليأتنا بآية} جواب شرط محذوف يفصح عنه السياق كأنه قيل وان لم يكن كما قلنا بل كان رسولا من الله فليأتنا بآية جليلة {كما ارسل الاولون} اى مثل الآية التى ارسل بها الاولون كاليد والعصا واحياء الموتى والناقة ونظائرها حتى نؤمن به فما موصولة وعائدها محذوف ومحل الكافر الجر على انها صفة الآية
الجنابذي
تفسير : {بَلْ قَالُوۤاْ} عطف على اسرّوا (الى آخرها) فانّه فى معنى قالوا ان هذا الاّ بشر مثلكم، وكلامه الّذى اتى به سحر، واضراب عنه الى قولهم الّذى هو ابعد من القرآن {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} اى القرآن صور الخيالات الّتى رآها المخبّط الّذى لا عقل له كالخيالات الّتى يراها النّائم من غير حقيقةٍ لها {بَلِ ٱفْتَرَاهُ} اختلقه من عند نفسه ونسبه الى الله تعالى وهذا عطف على قالوا اضغاث احلامٍ بتقديرٍ قالوا واضراب فى الحكاية عن القول الابعد الى الابعد منه، او عطف على اضغاث احلام واضراب فى المحكىّ وكان من قولهم فحكى الله ذلك لنا وعلى اىّ تقديرٍ فهو انتقال من الابعد الى الابعد من القرآن فانّ خيالات المخبّط لا تكون مطابقة للواقع ولكن لم تكن قرينة لقصدٍ من القائل بخلاف الاختلاق {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} اى مموّه يظهر ما لا حقيقة له بصورة الحقّ بتمويهه وهذا ابعد فانّ الشّعر يزيد على الاختلاق بكونه قريناً لتصرّفٍ فى اظهاره وهذا ايضاً عطف على قالوا بتقدير قالوا او على المحكىّ {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ} ان كان صادقاً {كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ} بالآيات الظّاهرة مثل العصا واليد البيضاء والنّاقة واحياء الموتى وابراء الاكمه والابرص.
اطفيش
تفسير : {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} بل للإضراب الانتقالى فى المواضع الثلاثة وأضغاث خبر لمحذوف، أى القرآن أضغاث والمفرد ضِغث، بكسر فسكون، بمعنى مضغوث، أى مخلوط. والأحلام جمع حُلم بضمتين، أو بضم الحاء وإسكان اللام وهو الرؤيا انتقل عن قولهم: القرآن سحر إلى قولهم: إنه أخلاط رآها فى اليوم لا تصلح للتأويل. {بَلِ افْتَراهُ} جاء به من قبل نفسه وليس من الله. بلى. وهذا انتقال منهم من قولهم: إنه أضغاث أحلام، إلى قولهم: إنه مفترى. {بَلْ هُوَ} أى محمد {شَاعِرٌ} والقرآن شعر، انتقال منهم من قولهم: إنه مفترًى إلى قولهم: إنه شعر يزخرف الباطل. وبل هذه مرتَّبة على التى قبلها، وكلتاهما مرتبة على أضغاث أحلام، ومن عقولهم. وبل الأولى من كلام الله سبحانه، ويجوز أن تكون الثانية والثالثة من كلامه جل وعلا، فلم يسلط عليهم القول، بل يقدر بعده أى. بل قالوا: افتراه. بل قالوا: هو شاعر، فى الكلام إشارة إلى تنزيل أقوالهم فى مراتب من الفساد متفاوتة، فإن قولهم: إنه مفترًى أفسد من قولهم: إنه أحلام؛ لاشتماله على مغيبات كثيرة، طابقت الواقع والمفترَى لا يكون كذلك، بخلاف الأحلام، فقد تكون كذلك، ولأنهم ما جربوا عليه كذبا قط. ويسمونه قبل الأربعين الأمين. وقولهم: أضغاث أحلام أفسد من قولهم: إنه سحر؛ لأنه مجانسه، من حيث إن كلا منهما خارق، لكن بينهما ما بين العرش وثور أسفل الأرضين. وقولهم: إنه شِعر أفسد من قولهم: إنه مفترًى؛ لأنه مشحون بالحقائق والحِكَم، وليس فيه ما يناسب قول الشعراء. {فَلِيَأتِنَا بِآيَةٍ} كاليد والعصى وإبراء الأكمه، وإحياء الموتى والناقة، إن كان، إن كان صادقًا. {كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} إن قلت: كيف شبهوا الإتيان بالآية بإرسال الأولين؟ قلت: صح ذلك؛ لأن الإرسال يتضمن الإتيان بالآية؛ فإن قولك: أتى سيدنا محمد بالمعجزة، مثل قولك: أُرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن الإتيان بها من فروع الإرسال ولوازمه، أو لأن التقدير: كما أرسل الأولون بها. ولا مانع من حذف هذا الضمير المجرور، ولو تعلق بما لم يتعلق به بآية؛ لأن ما موصول حرفى، بل ولو جعل اسميا، أى كالإرسال الذى أرسله الأولون؛ لأن الإرسال والإتيان ما صَدَفُهما واحد. ويجوز أن يكون التقدير: فلْيأتنا مرسَلاً بآية كما أرسل الأولون آتِينَ بها، فحذف فى كل من طرفى التشبيه ما ذكر فى الآخر. وبعضهم يسمى الحذف من الأول مع ذكر المحذوف فى الثانى، مع الحذف من الثانى، مع ذكر هذا المحذوف فى الأول احتباكا، والكاف نعت لآية، أو نعت لمصدر محذوف، أو هى حرف، ويقدر الاستقرار نعتا.
اطفيش
تفسير : {بل قالوا أضغاثُ أحْلام} إضراب من الله انتقالى من ذكر قولهم الباطل: "أية : هل هذا إلا بشر مثلكم" تفسير : [الأنبياء: 3] الخ الى ذكر قول آخر باطل هو قوله: هو، اى ما تتلو علينا تخاليط مرائى يراها الإنسان فى نومه {بل افتراه} إضراب منهم عن قولهم أضغاث أحلام، الى قولهم إن القرآن من عنده البتة مقتطع منه، لا اتصال له بشىء ما من الله {بل هُو} أى محمد {شاعر} إضراب منهم عن قولهم: أنه افتراهُ الى قولهم: إن القرآن شعر، وشاعره محمد يحيل به الناس مالا حقيقة فيه، وهو أخص من الافتراء، والإضرابان انتقاليان، أو إبطاليان، أو الثانى انتقالى، والثالث إبطالى، أو بالعكس، ويجوز أن يكونان من الله عز وجل على تقدير القول: (بل قالوا افتراه) (بل قالوا هو شاعر) وقولهم: سحر دون قولهم: {أضغاث أحلام} فى الفساد، وقولهم: {أضغاث أحلام} دون قولهم {افتراه} فيه، وقولهم: {افتراه} دون قولهم: {هو شاعر} وذلك كما جاء أن من البيان لسحرا، وتخاليط الكلام لا تنضبط، والقرآن بلاغته لا طاقة له صلى الله عليه السلام بها، ولا لهم مع شدة أمانته عندهم، وأنه لا افتراء له فى شىء يدّعونه عليه، فضلا عن أن ينسبوه الى افتراه القرآن، ولا حكمة فى الشعر إلا نادراً، وحكم القرآن لا تحصى. فقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من الشعر لحكمة" تفسير : إخبار بالنادر، بل قال الراغب: الشاعر فى القراآن بمعنى الكاذب، وقد وصفهم الله عز وجل بأنهم يهيمون فى كل واد، وأنه يتبعهم الغاوون، فهم فى غى إغواء، وأنهم يقولون مالا يفعلون، فهم كاذبون، واستثنى الله من اتبع هذا القرآن. {فَلْيأتِنا} إن لم يكن كما قلنا، بل صدق فليأتنا {بآية} ليست من جنس ما يأتى به {كَما أرسل الأوَّلونَ} صالح وموسى وعيسى، كالناقة والعصا، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وغير ذلك مما لا يحتمل السحر، وشبه الأحلام فى الضعف والشعر، ويدوم ويشاهد، وهذا شأن المحجوج المبطل المترددين باطل، وأبطال، وقد نفوا أن يكون البشر نبيا، ومع هذا قالوا: {كما أرسل الأولون} وكأنهم أرادوا كما أرسل الأولون فى زعمك، أو قالوه اضطراباً، ولم يقولوا كما أتى الأولون، ليزيدوا بذكر الإرسال من الله عز وجل، ولم يقولوا فليرسل إلينا بالبناء للمفعول تلويحا بأنه قال: {من عنده} لا برسالة كالأولين، كما قالوا افتراه، وما مصدرية، أى إتْياناً ثابتاً، كإرسال الأولين، أو اسم أى بآية مثل آيات أرسل بها الأولون، أو مثل الآيات التى أرسل بها الأولون، وحذف الرابط المجرور بدون أن يجر الموصول بمثله، ويتعلق الموصول بمثل ما تعلق به لظهور المعنى، واشترط ذلك ليس متفقاً عليه، كما ذكره الصبان بقول: والمنعوت كالموصول، بل المتعلق متحد هنا، لأن الإتيان الإرسال بمعنى ما مصدقا، وعلى الاشتراط تجعل ما حرف مصدر أولى من أن يقال: حذف الجار ونصب مدخوله، فحذف كما حذف الرابط المنصوب.
الالوسي
تفسير : {بَلْ قَالُواْ أَضْغَـٰثُ أَحْلاَمٍ} اضراب من جهته تعالى وانتقال من حكاية قولهم السابق إلى حكاية قول آخر مضطرب باطل أي لم يقتصروا على القول في حقه صلى الله عليه وسلم {أية : هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} تفسير : [الأنبياء: 3] وفي حق ما ظهر على يده من القرآن الكريم إنه سحر بل قالوا هو أي القرآن تخاليط الأحلام ثم أضربوا عنه فقالوا: {بَلِ ٱفْتَرَاهُ} من تلقاء نفسه من غير أن يكون له أصل أو شبهة أصل ثم أضربوا فقالوا: {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} وما أتى به شعر يخيل إلى السامع معاني لا حقيقة لها، وهذا الاضطراب شأن المبطل المحجوج فإنه لا يزال يتردد بين باطل وأبطل ويتذبذب بين فاسد وأفسد؛ ف {بَل} الأولى كما ترى من كلامه عز وجل وهي انتقالية والمنتقل منه ما تقدم باعتبار خصوصه والأخيرتان من كلامهم المحكي وهما إبطاليتان لترددهم وتحيرهم في تزويرهم وجملة المقول داخلة في النجوى. / ويجوز أن تكون الأولى انتقالية والمنتقل منه ما تقدم بقطع النظر عن خصوصه والجملة غير داخلة في النجوى، وكلا الوجهين وجيه وليس فيهما إلا اختلاف معنى {بل}، وكون الأولى من الحكاية والأخيرتين من المحكى ولا مانع منه. وجوز أن تكون الأولى من كلامهم وهي إبطالية أيضاً متعلقة بقولهم هو سحر المدلول عليه بـ { أية : أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ } تفسير : [الأنبياء: 3]. ورد بأنه إنما يصح لو كان النظم الكريم قالوا بل الخ ليفيد حكاية إضرابهم، وكونه من القلب وأصله قالوا بل لا يخفى ما فيه، وقد أجيب أيضاً بأنه إضراب في قولهم المحكى بالقول المقدر قبل قوله تعالى: { أية : هَلْ هَـٰذَا } تفسير : [لأنبياء: 3] الخ أو الذي تضمنه النجوى وأعيد القول للفاصل أو لكونه غير مصرح به ولا يخفى ما فيه أيضاً، وجوز أن تكون الثلاثة من كلامه عز وجل على أن ذلك تنزيل لأقوالهم في درج الفساد وأن قولهم الثاني أفسد من الأول والثالث أفسد من الثاني وكذلك الرابع من الثالث، ويطلق على نحو هذا الإضراب الترقي لكن لم يقل هنا ترقيا إشارة إلى أن الترقي في القبح تنزيل في الحقيقة. ووجه ذلك كما قال في «الكشف» أن قولهم إنه سحر أقرب من الثاني فقد يقال: إن من البيان لسحراً لأن تخاليط الكلام التي لا تنضبط لا شبه لها بوجه بالنظم الأنيق الذي أبكم كل منطيق، ثم ادعاء أنها مع كونها تخاليط مفتريات أبعد وأبعد لأن النظم بمادته وصورته من أتم القواطع دلالة على الصدق كيف وقد انضم إليه أن القائل عليه الصلاة والسلام علم عندهم في الأمانة والصدق، والأخير هذيان المبرسمين لأنهم أعرف الناس بالتمييز بين المنظوم والمنثور طبعاً وبين ما يساق له الشعر وما سيق له هذا الكلام الذي لا يشبه بليغات خطبهم فضلاً عن ذلك وبين محسنات الشعر ومحسنات هذا النثر هذا فيما يرجع إلى الصورة وحدها، ثم إذا جئت إلى المادة وتركب الشعر من المخيلات والمعاني النازلة التي يهتدي إليها الأجلاف وهذا من اليقينيات العقدية والدينيات العملية التي عليها مدار المعاد والمعاش وبها تتفاضل الإشراف فأظهر وأظهر، هذا والقائل عليه الصلاة والتسليم ممن لا يتسهل له الشعر وان أراده خالطوه وذاقوه أربعين سنة اهـ. وكون تركب الشعر من المخيلات باعتبار الغالب فلا ينافيه قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن من الشعر لحكمة » تفسير : لأنه باعتبار الندرة ويؤيده التأكيد بأن الدالة على التردد فيه، وقد جاء الشاعر بمعنى الكاذب بل قال الراغب: إن الشاعر في القرآن بمعنى الكاذب بالطبع، وعليه يكون قد أرادوا قاتلهم الله تعالى بل هو وحاشاه ذو افتراءات كثيرة، وليس في {بل} هنا على هذا الوجه إبطال بل إثبات للحكم الأول وزيادة عليه كما صرح بذلك الراغب، وفي وقوعها للإبطال في كلام الله تعالى خلاف فأثبته ابن هشام ومثل له بقوله تعالى: { أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } تفسير : [الأنبياء: 26] ووهم ابن مالك في «شرح الكافية» فنفاه، والحق أن الإبطال إن كان لما صدر عن الغير فهو واقع في القرآن وإن كان لما صدر عنه تعالى فغير واقع بل هو محال لأنه بداء، وربما يقال: مراد ابن مالك بالمنفي الضرب الثاني، ثم إن هذا الوجه وإن كان فيه بعد لا يخلو عن حسن كما قيل فتدبر. {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ} جواب شرط محذوف يفصح عنه السياق كأنه قيل وإن لم يكن كما قلنا بل كان رسولاً من الله عز وجل كما يقول فليأتنا بآية {كَمَا أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ} وقدر النيسابوري غير هذا الشرط فقال أخذاً من كلام الإمام في بيان حاصل معنى الآية: ((إنهم أنكروا أولاً كون الرسول من جنس البشر ثم إنهم كأنهم قالوا سلمنا ذلك ولكن الذي ادعيت أنه معجز ليس بمعجز غايته أنه خارق للعادة وما كل خارق لها / معجز فقد يكون سحراً هذا إذا ساعدنا على أن فصاحة القرآن خارجة عن العادة لكنا عن تسليم هذه المقدمة بمراحل فإنا ندعي أنه في غاية الركاكة وسوء النظم كأضغاث احلام سلمنا ولكنه من جنس كلام الأوساط افتراه من عنده سلمنا أنه كلام فصيح لكنه لا يتجاوز فصاحة الشعر وإذا كان حال هذا المعجز هكذا فليأتنا بآية لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات كما أرسل الأولون)) انتهى وهو كما ترى. و(ما) موصولة في محل الجر بالكاف والجملة بعدها صلة والعائد محذوف، والجار والمجرور متعلق بمقدر وقع صفة لآية أي فليأتنا بآية مثل الآية التي أرسل بها الأولون، ولا يضر فقد بعض شروط جواز حذف العائد المجرور بالحرف إذ لا اتفاق على اشتراط ذلك، ومن استرط اعتبر العائد المحذوف هنا منصوباً من باب الحذف والإيصال، وهو مهيع واسع، وأرادوا بالآية المشبة بها كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الناقة والعصا ونحوهما، وكان الظاهر أن يقال فليأتنا بما أتى به الأولون أو بمثل ما أتى به الأولون إلا أنه عدل عنه إلى ما في النظم الكريم لدلالته على ما دل عليه مع زيادة كونه مرسلاً به من الله عز وجل، وفي التعبير في حقه صلى الله عليه وسلم بالإتيان والعدول عن الظاهر فيما بعده إيماء إلى أن ما أتى به صلى الله عليه وسلم من عنده وما أتى به الأولون من الله تبارك وتعالى ففيه تعريض مناسب لما قبله من الافتراء قاله الخفاجي وذكر أن ما قيل إن العدول عن كما أتى به الأولون لأن مرادهم اقتراح آية مثل آية موسى وآية عيسى عليهما السلام لا غيرهما مما أتى به سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأن العلامة البيضاوي أشار إلى ذلك مما لا وجه له. وجوز أن تكون (ما) مصدرية والكاف منصوبة على أنها مصدر تشبيهي أي نعت لمصدر محذوف أي فليأتنا بآية إتياناً كائناً مثل إرسال الأولين بها وصحة التشبيه من حيث إن المراد مثل إتيان الأولين بها لأن ارسال الرسل عليهم السلام متضمن الإتيان المذكور كما في «الكشاف»، وفي «الكشف» أنه يدل على أن قوله تعالى: {كَمَا أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ} كناية في هذا المقام، وفائدة العدول بعد حسن الكناية تحقيق كونها آية مسلمة بمثلها تثبت الرسالة لا تنازع فيها ويترتب المقصود عليها، والقول بأن الإرسال المشبه به مصدر المجهول ومعناه كونه مرسلاً من الله تعالى بالآيات لا يسمن ولا يغنى في توجيه التشبيه لأن ذلك مغاير للإتيان أيضاً وإن لم ينفك عنه، وقيل يجوز أن يحمل النظم الكريم على أنه أريد كل واحد من الإتيان والإرسال في كل واحد من طرفي التشبيه لكنه ترك في جانب المشبه ذكر الإرسال، وفي جانب المشبه به ذكر الإتيان اكتفاء بما ذكر في كل موطن عما ترك في الموطن الآخر، ولا يخفى بعده، ثم أن الظاهر أن إقرارهم بإرسال الأولين ليس عن صميم الفؤاد بل هو أمر اقتضاه اضطرابهم وتحيرهم، وذكر بعض الأجلة أنّ مما يرجح الحمل على أن ما تقدم حكاية أقوالهم المضطربة هذه الحكاية لأنهم منعوا أولاً أن يكون الرسول بشراً وبتوا القول به وبنوا ما بنوا ثم سلموا أن الأولين كانوا ذوي آيات وطالبوه عليه الصلاة والسلام بالإتيان بنحو ما أتوا به منها، وعلى وجه التنزيل لأقوالهم على درج الفساد يحمل هذا على أنه تنزل منهم، والعدول إلى الكناية لتحقيق تنزله عن شأوهم انتهى فتأمل ولا تغفل.
ابن عاشور
تفسير : {بل}الأولى من كلام الله تعالى إضراب انتقال من حكاية قول فريق منهم {أية : أفتأتون السحر وأنتم تبصرون} تفسير : [الأنبياء: 3] إلى حكاية قول آخر من أقوال المشركين، وهو زعمهم أنّ ما يخبر عنه ويحكيه هو أحلام يراها فيحكيها، فضمير {قالوا} لجماعة المشركين لا لخصوص القائلين الأولين. و {بل} الثانية يجوز أن تكون من الكلام المحكي عنهم وهي إضراب انتقال فيما يصفون به القرآن. والمعنى: بل افتراه واختلقه من غير أحلام، أي هو كلام مكذوب. ثم انتقلوا فقالوا {هو شاعر} أي كلامه شعر، فحرف (بل) الثالثة إضراب منهم عن كلامهم وذلك مؤذن باضطرابهم وهذا الاضطراب ناشىء عن ترددهم مما ينتحلونه من الاعتلال عن القرآن. وذلك شأن المبطل المباهت أن يتردد في حجته كما قيل: الباطل لَجْلَج، أي ملتبس متردّد فيه. ويجوز أن تكون (بل) الثانية والثالثة مثل (بل) الأولى للانتقال في حكاية أقوالهم. والتقدير: بل قالوا افتراه بل قالوا هو شاعر، وحذف فعل القول لدلالة القول الأول عليهما، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون المحكي كلام جماعات من المشركين انتحلت كل جماعة اعتلالاً. والأضغاث: جمع ضغث بكسر الضاد، وهو الحزمة من أعواد أو عُشب أو حشيش مختلط ثم أطلق على الأخلاط مطلقاً كما في سورة يوسف (44) {أية : قالوا أضغاث أحلام} تفسير : أرادوا أن ما يخبركم به من أنه أوحي إليه ومن أخبار البعث والحساب ويوم القيامة هو أحلام يراها. وفرعوا على ترددهم أو فرع كل فريق على مقالته نتيجة واحدة وهي المطالبة أن يأتيهم بمعجزة تدل على صدقه غير هذا القرآن من نوع ما يحكى عن الرسل السابقين أنهم أتوا به مثل انقلاب العصا حية. ومن البهتان أن يسألوا الإتيان بآية يكون الادعاءُ بأنها سَحْر أروجَ في مثلها فإن من أشهر أعمال السحرة إظهار ما يبدو أنه خارق عادة. وقديماً قال آل فرعون في معجزات موسى: إنها سحر، بخلاف آية إعجاز القرآن. ودخلت لام الأمر على فعل الغايب لمعنى إبلاغ الأمر إليه، أي فقولوا له: ائتنا بآية، والتشبيه في قوله {كما أرسل الأولون} في موضع الحال من ضمير {يأتنا}أي حالة كون هذا البشر حين يأتي بالآية يشبه رسالته رسالة الأولين، والمشبه ذات والمشبه به معنى الرسالة وذلك واسع في كلام العرب. قال النابغة:شعر : وقد خِفت حتى ما تزيد مخافتي على وَعِل من ذي المطارة عاقل تفسير : أي على مخافة وَعِل أو حالة كون الآية كما أرسل الأولون، أي به.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ}. الظاهر أن الإضراب في قوله هنا {بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} إلخ، إضراب انتقالي لا إبطالي، لأنهم قالوا ذلك كله، وقال بعض العلماء: كل هذه الأقوال المختلفة التي حكاها الله عنهم صدرت من طائفة متفقة لا يثبتون على قول، بل تارة يقولون هو ساحر، وتارة شاعر، وهكذا، لأن المبطل لا يثبت على قول واحد. وقال بعض أهل العلم: كل واحد من تلك الأقوال قالته طائفة: كما قدمنا الإشارة إلى هذا في سورة "الحجر" في الكلام على قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ} تفسير : [الحجر: 91] وقد رد الله عليهم هذه الدعاوى الباطلة في آيات من كتابه: كرده دعواهم أنه شاعر أو كاهن في قوله تعالى: {أية : وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} تفسير : [الحاقة: 41-47]، وقوله تعالى: {أية : وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [يس: 69-70]، وقوله في رد دعواهم إنه افتراه: {أية : وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [يونس: 37-38]، وقوله تعالى: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [هود: 13]، وقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يوسف: 111] إلى غير ذلك من الآيات، وكقوله في رد دعواهم إنه كاهن أو مجنون: {أية : مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}تفسير : [القلم: 2]، وقوله تعالى: {أية : وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ}تفسير : [التكوير: 22]، وقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} تفسير : [سبأ: 46]، وقوله: {أية : أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} تفسير : [المؤمنون: 69-70] إلى غير ذلك من الآيات المبينة إبطال كل ما ادعوه في النَّبي صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقوله {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي أخلاط كالأحلام المختلفة التي يراها النائم ولا حقيقة لها كما قال الشاعر: شعر : أحاديث طسم أو سراب بفدفد ترقرق للساري وأضغاث حالم تفسير : وعن اليزيدي: الأضغاث ما لم يكن له تأويل. قوله تعالى: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار اقترحوا على نبينا أن يأتيهم بآية كآيات الرسل قبله. نحو ناقة صالح، وعصى موسى، وريح سليمان، وإحياء عيسى للأموات وإبرائه الأكمه والأبرص، ونحو ذلك. وإيضاح وجه التشبيه في قوله {كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ} هو أنه في معنى: كما أتى الأولون بالآيات. لأن إرسال الرسل متضمن للإتيان بالآيات. فقولك أرسل محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزة. وقد بين تعالى أن الآيات التي اقترحوها لو جاءتهم ما آمنوا وآنها لو جاءتهم وتمادوا على كفرهم أهلكهم الله بعذاب مستأصل. كما أهلك قوم صالح لما عقروا الناقة. كقوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا} تفسير : [الإسراء: 59] الآية، وكقوله تعالى: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [الأنعام: 109]. وأشار إلى ذلك هنا في قوله: {أية : مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنبياء: 6] يعني أن الأمم الذين اقترحوا الآيات من قبلهم وجاءتهم رسلهم بما اقترحوا، لم يؤمنوا بل تمادوا فأهلكهم الله وأنتم أشد منهم عُتُواً وعِناداً. فلو جاءكم ما اقترحتم، ما آمنتم، فهلكتم كما هلكوا. وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ}تفسير : [يونس: 96-97] إلى غير ذلك من الآيات. وبين أنهم جاءتهم آية هي أعظم الآيات، فيستحق من لم يكتف بها التقريع والتوبيخ، وذلك في قوله: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 50-51] الآية. وقد ذكرنا أن هذا المعنى يشير إليه قوله: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [طه: 133]، وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً} تفسير : [الأنبياء: 7] ـ إلى قوله ـ {أية : وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ} تفسير : [الأنبياء: 8] قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَضْغَاثُ} {أَحْلاَمٍ} {ٱفْتَرَاهُ} {بِآيَةٍ} (5) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ تَعَنُّتِ الكُفَّارِ، وإلْحَادِهِمْ، واختِلاَفِهِمْ فِيمَا يَصِفُونَ بِهِ القُرْآنَ، وحَيرَتِهِمْ وَضَلاَلِهِمْ عَنْهُ، فَتَارَةً يَجْعَلُونَهُُ سِحْراً، وتَارَةً يَجْعَلُونَه أَضْغَاثَ أَحْلاَمٍ، أَيْ أَحْلاَماً مُخْتَلَطَةً يَرَاهَا مُحَمَّدٌ وَيَرْوِيهَا، وتَارَةً يَجْعَلُونَه مُفْتَرًى، اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ وَنَسَبَهُ إِلى اللهِ تَعَالَى، وَتَارَةً يَقُولُونَ إِنَّهُ شِعْرٌ ... ثُمَّ يُحَاوِلُونَ التَخَلُّصَ مِنْ هَذَا الحَرَجِ بِأَنْ يَطْلُبُوا بَدَلَ هَذَا القُرْآنِ خَارِقَةً مِنَ الخَوَارِقِ التِي جَاءَ بِها الأَنْبِياءُ الأَوَّلُونَ: كَنَاقَةِ صَالِحٍ، وَمُعْجِزَاتِ مُوسَى وَعِيسَى، التِي تُثْبِتُ نُبُوَّةَ الأَنْبِيَاءِ، وَلاَ تَتْرُكُ مَجَالاً لأَحَدٍ لِيُنَازِعَ فِيها، وكَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ الرَسُولَ إِذَا جَاءَهُم بِمُعْجِزَةٍ خَارِقَةٍ آمَنُوا بِهِ. أَضْغَاثُ أَحْلاَمِ - تَخَالِيطُ أَحْلاَمٍ رآهَا فِي نَوْمِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (بَلْ) تعني أنهم تمادَوْا، ولم يكتفو بما قالوا، بل قالوا أيضاً {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ ..} [الأنبياء: 5] وأضغاث: جمع ضِغْث، وهو الحزمة من الحشيش مختلفة الأشكال، كما جاء في قصة أيوب عليه السلام: {أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ ..} تفسير : [ص: 44] أي حزمة من أعواد الحشيش. ووردْت أيضاً في رُؤْيا عزيز مصر: {أية : قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ} تفسير : [يوسف: 44]. وقوله {بَلِ ٱفْتَرَاهُ ..} [الأنبياء: 5] أي تمادَوْا فقالوا: تعمد كذبه واختلافه {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ..} [الأنبياء: 5] إذن: أقوالهم واتهاماتهم لرسول الله متضاربة في ماهية ما هو؟ وهذا دليل تخبطهم، فمرة ينكرون أنه من البشر، ومرة يقولون: ساحر، ومرة يقولون: مفتر، والآن يقولون: شاعر!! وقد سبق أنْ فنَّدنا كل هذه الاتهامات وقلنا: إنها تحمل في طياتها دليل كذبهم وافترائهم على رسول الله. ثم يقولون: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5] كأن آية القرآن ما أقنعتْهم، فلم يكتفُوا بها، ويطلبون آية أخرى مثل التي جاء بها السابقون، والقرآن يردّ عليهم في هذه المسألة: لو أنهم سيؤمنون إذا جاءتهم الآية التي اقترحوها لأنزلناهم عليهم، إنما السوابق تؤكد أنهم لنْ يؤمنوا مهما جاءتهم من الآيات، وهذا من أسباب العذاب. وقد أوضح الحق سبحانه أنه لن يُعذِّبهم ما دام فيهم رسول الله؛ لذلك لم يُجِبْهم إلى ما طلبوا من الآيات؛ لأن الله تعالى لا يُخلف وعْدَه، فإنْ جاءتهم الآية فلم يؤمنوا بها لا بُدَّ أنْ يُنزِل بهم العذاب؛ لذلك يقول تعالى بعدها: {مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} [الآية: 5]. يعني: أَهاويلها. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} [الآية: 6]. يقول: أَفهم يصدقون. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الآية: 10]. يعني: فيه حديثكم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ} [الآية: 11] يقول:وكم أهلكنا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يذكر تعالى ائتفاك المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من القرآن العظيم، وأنهم سفهوه وقالوا فيه الأقاويل الباطلة المختلفة، فتارة يقولون: { أضغاث أحلام } بمنزلة كلام النائم الهاذي، الذي لا يحس بما يقول، وتارة يقولون: { افتراه } واختلقه وتقوله من عند نفسه، وتارة يقولون: إنه شاعر وما جاء به شعر. وكل من له أدنى معرفة بالواقع، من حالة الرسول، ونظر في هذا الذي جاء به، جزم جزما لا يقبل الشك، أنه أجل الكلام وأعلاه، وأنه من عند الله، وأن أحدا من البشر لا يقدر على الإتيان بمثل بعضه، كما تحدى الله أعداءه بذلك، ليعارضوا مع توفر دواعيهم لمعارضته وعداوته، فلم يقدروا على شيء من معارضته، وهم يعلمون ذلك وإلا فما الذي أقامهم وأقعدهم وأقض مضاجعهم وبلبل ألسنتهم إلا الحق الذي لا يقوم له شيء، وإنما يقولون هذه الأقوال فيه - حيث لم يؤمنوا به - تنفيرا عنه لمن لم يعرفه، وهو أكبر الآيات المستمرة، الدالة على صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه، وهو كاف شاف، فمن طلب دليلا غيره، أو اقترح آية من الآيات سواه، فهو جاهل ظالم مشبه لهؤلاء المعاندين الذين كذبوه وطلبوا من الآيات الاقتراح ما هو أضر شيء عليهم، وليس لهم فيها مصلحة، لأنهم إن كان قصدهم معرفة الحق إذا تبين دليله، فقد تبين دليله بدونها، وإن كان قصدهم التعجيز وإقامة العذر لأنفسهم، إن لم يأت بما طلبوا فإنهم بهذه الحالة - على فرض إتيان ما طلبوا من الآيات - لا يؤمنون قطعا، فلو جاءتهم كل آية، لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم. ولهذا قال الله عنهم: { فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأوَّلُونَ } أي: كناقة صالح، وعصا موسى، ونحو ذلك. قال الله: { مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا } أي: بهذه الآيات المقترحة، وإنما سنته تقتضي أن من طلبها، ثم حصلت له، فلم يؤمن أن يعاجله بالعقوبة. فالأولون ما آمنوا بها، أفيؤمن هؤلاء بها؟ ما الذي فضلهم على أولئك، وما الخير الذي فيهم، يقتضي الإيمان عند وجودها؟ وهذا الاستفهام بمعنى النفي، أي: لا يكون ذلك منهم أبدا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):