٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى أجاب عن سؤالهم الأول وهو قولهم: { أية : مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } تفسير : [المؤمنون: 33] بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ } فبين أن هذه عادة الله تعالى في الرسل من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ولم يمنع ذلك من كونهم رسلاً للآيات التي ظهرت عليهم فإذا صح ذلك فيهم فقد ظهر على محمد مثل آياتهم فلا مقال عليه في كونه بشراً فأما قوله تعالى: {فَاسْئَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ } فالمعنى أنه تعالى أمرهم أن يسألوا أهل الذكر وهم أهل الكتاب حتى يعلموهم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشراً ولم يكونوا ملائكة، وإنما أحالهم على هؤلاء لأنهم كانوا يتابعون المشركين في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: { أية : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً } تفسير : [آل عمران: 186] فإن قيل إذا لم يوثق باليهود والنصارى، فكيف يجوز أن يأمرهم بأن يسألوهم عن الرسل قلنا: إذا تواتر خبرهم وبلغ حد الضرورة جاز ذلك، كما قد يعمل بخبر الكفار إذا تواتر، مثل ما يعمل بخبر المؤمنين. ومن الناس من قال: المراد بأهل الذكر أهل القرآن وهو بعيد لأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي الرسول صلى الله عليه وسلم فأما تعلق كثير من الفقهاء بهذه الآية في أن للعامي أن يرجع إلى فتيا العلماء وفي أن للمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر فبعيد لأن هذه الآية خطاب مشافة وهي واردة في هذه الواقعة المخصوصة ومتعلقة باليهود والنصارى على التعيين. ثم بين تعالى أنه لم يجعل الرسل قبله جسداً لا يأكلون الطعام وفيه أبحاث: البحث الأول: قوله: {لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ } صفة جسد والمعنى وما جعلنا الأنبياء ذوي جسد غير طاعمين. البحث الثاني: وحد الجسد لإرادة الجنس كأنه قال ذوي ضرب من الأجساد. البحث الثالث: أنهم كانوا يقولون: { أية : مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِى ٱلأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } تفسير : [الفرقان: 7] فأجاب الله بقوله: {وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ } فبين تعالى أن هذه عادة الله في الرسل من قبل وأنه لم يجعلهم جسداً لا يأكلون بل جسداً يأكلون الطعام ولا يخلدون في الدنيا بل يموتون كغيرهم، ونبه بذلك على أن الذي صاروا به رسلاً غير ذلك وهو ظهور المعجزات على أيديهم وبراءتهم عن الصفات القادحة في التبليغ، أما قوله تعالى: {ثُمَّ صَدَقْنَـٰهُمُ ٱلْوَعْدَ } فقال صاحب «الكشاف»: هو مثل قوله: { أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً } تفسير : [الأعراف: 155] والأصل في الوعد ومن قومه ومنه صدقوهم المقال: {وَمَن نَّشَاءُ } هم المؤمنون، قال المفسرون: المراد منه أنه تقدم وعده جل جلاله بأنه إنما يهلك بعذاب الاستئصال من كذب الرسل دون نفس الرسل ودون من صدق بهم، وجعل الوفاء بما وعد صدقاً من حيث يكشف عن الصدق ومعنى: {وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ } أي بعذاب الاستئصال وليس المراد عذاب الآخرة لأنه إخبار عما مضى وتقدم، ثم بين تعالى بقوله: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ } عظيم نعمته عليهم بالقرآن في الدين والدنيا، فلذلك قال فيه: {ذِكْرُكُمْ } وفيه ثلاثة أوجه: أحدها؛ ذكر شرفكم وصيتكم، كما قال: { أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44]. وثانيها: المراد فيه تذكرة لكم لتحذروا ما لا يحل وترغبوا فيما يجب، ويكون المراد بالذكر الوعد والوعيد، كما قال: { أية : وَذَكّرْ فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الذاريات: 55]. وثالثها: المراد ذكر دينكم ما يلزم وما لا يلزم لتفوزوا بالجنة إذا تمسكتم به وكل ذلك محتمل، وقوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } كالبعث على التدبر في القرآن لأنهم كانوا غفلاء لأن الخوض من لوازم الغفلة والتدبر دافع لذلك الخوض ودفع الضرر عن النفس من لوازم الفعل فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً يُوحَى إِلَيْهِمْ} هذا رد عليهم في قولهم: {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} وتأنيس لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ أي لم يرسل قبلك إلا رجالاً. {فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} يريد أهل التوراة والإنجيل الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، قاله سفيان. وسماهم أهل الذكر؛ لأنهم كانوا يذكرون خبر الأنبياء مما لم تعرفه العرب. وكان كفار قريش يراجعون أهل الكتاب في أمر محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن زيد: أراد بالذكر القرآن؛ أي فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن؛ قال جابر الجعفي: لما نزلت هذه الآية قال عليّ رضي الله عنه نحن أهل الذكر. وقد ثبت بالتواتر أن الرسل كانوا من البشر؛ فالمعنى لا تبدؤوا بالإنكار وبقولكم ينبغي أن يكون الرسول من الملائكة، بل ناظروا المؤمنين ليبينوا لكم جواز أن يكون الرسول من البشر. والملك لا يسمى رجلاً؛ لأن الرجل يقع على ما له ضدّ من لفظه؛ تقول: رجل وامرأة، ورجل وصبي؛ فقوله: {إِلاَّ رِجَالاً} من بني آدم. وقرأ حفص وحمزة والكسائي «نُوحِي إِلَيْهِمْ». مسألة: لم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المراد بقول الله عز وجل: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43] وأجمعوا على أن الأعمى لا بدّ له من تقليد غيره ممن يثق بميزه بالقبلة إذا أشكلت عليه؛ فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه، وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا؛ لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم. قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ} الضمير في «جعلناهم» للأنبياء؛ أي لم نجعل الرسل قبلك خارجين عن طباع البشر لا يحتاجون إلى طعام وشراب. {وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ} يريد لا يموتون. وهذا جواب لقولهم: {أية : مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} تفسير : [المؤمنون: 33] وقولهم: {أية : مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ} تفسير : [الفرقان: 7]. و«جسداً» اسم جنس؛ ولهذا لم يقل أجساداً. وقيل: لم يقل أجساداً؛ لأنه أراد وما جعلنا كل واحد منهم جسداً. والجسد البدن؛ تقول منه: تَجسَّد كما تقول من الجسم تَجسَّم. والجسد أيضاً الزعفران أو نحوه من الصّبغ، وهو الدم أيضاً؛ قال النابغة:شعر : وما هُريقَ على الأنصابِ من جَسَد تفسير : وقال الكلبي: والجسد هو المتجسد الذي فيه الروح يأكل ويشرب؛ فعلى مقتضى هذا القول يكون ما لا يأكل ولا يشرب جسماً. وقال مجاهد: الجسد ما لا يأكل ولا يشرب؛ فعلى مقتضى هذا القول يكون ما يأكل ويشرب نفساً؛ ذكره الماوردي. قوله تعالى: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ} يعني الأنبياء؛ أي بإنجائهم ونصرهم وإهلاك مكذّبيهم. {وَمَن نَّشَآءُ} أي الذين صدّقوا الأنبياء. {وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ} أي المشركين. قوله تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً} يعني القرآن. {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} رفع بالابتداء والجملة في موضع نصب لأنها نعت لكتاب؛ والمراد بالذكر هنا الشرف؛ أي فيه شرفكم، مثل {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف: 44]. ثم نبههم بالاستفهام الذي معناه التوقيف فقال عز وجل: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. وقيل: فيه ذكركم أي ذكر أمر دينكم؛ وأحكام شرعكم، وما تصيرون إليه من ثواب وعقاب، أفلا تعقلون هذه الأشياء التي ذكرناها؟! وقال مجاهد: {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} أي حديثكم. وقيل: مكارم أخلاقكم، ومحاسن أعمالكم. وقال سهل بن عبد الله: العمل بما فيه حياتكم. قلت: وهذه الأقوال بمعنًى والأوّل يَعمُّها؛ إذ هي شرف كلها، والكتاب شرف لنبينا عليه السلام؛ لأنه معجزته، وهو شرف لنا إن عملنا بما فيه، دليله قوله عليه السلام: «حديث : القرآن حجة لك أو عليك»
البيضاوي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً يُوحَى إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} جواب لقولهم {أية : هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ }تفسير : [الأنبياء: 3] فأمرهم أن يسألوا أهل الكتاب عن حال الرسل المتقدمة ليزول عنهم الشبهة والإِحالة عليهم إما للإلزام فإن المشركين كانوا يشاورونهم في أمر النبي عليه الصلاة والسلام ويثقون بقولهم، أو لأن إخبار الجم الغفير يوجب العلم وإن كانوا كفاراً. وقرأ حفص {نُوحِى } بالنون.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى راداً على من أنكر بعثة الرسل من البشر: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِىۤ إِلَيْهِمْ} أي: جميع الرسل الذين تقدموا كانوا رجالاً من البشر، لم يكن فيهم أحد من الملائكة؛ كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِىۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} تفسير : [يوسف: 109] وقال تعالى: {أية : قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [الأحقاف: 9] وقال تعالى حكاية عمن تقدم من الأمم؛ لأنهم أنكروا ذلك، فقالوا: {أية : أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} تفسير : [التغابن: 6] ولهذا قال تعالى: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} أي: اسألواأهل العلم من الأمم؛ كاليهود والنصارى وسائر الطوائف: هل كان الرسل الذين أتوهم بشراً أو ملائكة؟ وإنما كانوا بشراً، وذلك من تمام نعمة الله على خلقه، إذ بعث فيهم رسلاً منهم، يتمكنون من تناول البلاغ منهم، والأخذ عنهم. وقوله: {وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ} أي: بل قد كانوا أجساداً يأكلون الطعام؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 20] أي: قد كانوا بشراً من البشر، يأكلون ويشربون مثل الناس، ويدخلون الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بضار لهم، ولا ناقص منهم شيئاً؛ كما توهمه المشركون في قولهم: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلأَسْوَاقِ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} تفسير : [الفرقان: 7 ــــ 8] الآية. وقوله: {وَمَا كَانُواْ خَـٰلِدِينَ} أي: في الدنيا، بل كانوا يعيشون ثم يموتون {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} تفسير : [الأنبياء: 34] وخاصتهم أنهم يوحى إليهم من الله عز وجل، تنزل عليهم الملائكة عن الله بما يحكمه في خلقه؛ مما يأمر به، وينهى عنه، وقوله: {ثُمَّ صَدَقْنَـٰهُمُ ٱلْوَعْدَ} أي: الذي وعدهم ربهم: ليهلكن الظالمين، صدقهم الله وعده، وفعل ذلك، ولهذا قال: {فَأَنجَيْنَـٰهُمْ وَمَن نَّشَآءُ} أي: أتباعهم من المؤمنين {وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ} أي: المكذبين بما جاءت به الرسل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاًيُوحِي } وفي قراءة (نوحى) بالنون وكسر الحاء {إِلَيْهِم } لا ملائكة {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ } العلماء بالتوراة والإِنجيل {إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك فإنهم يعلمونه، وأنتم إلى تصديقهم أقرب من تصديق المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ} الآية. فيهم ثلاثة أوجه: أحدها: أهل التوراة والإِنجيل، قاله الحسن، وقتادة. الثاني: أنهم علماء المسلمين، قاله علي رضي الله عنه. الثالث: مؤمنو أهل الكتاب، قاله ابن شجرة. قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً... } الآية. فيه وجهان: أحدهما: معناه وما جعلنا الأنبياء قبلك أجساداً لا يأكلون الطعام ولا يموتون فنجعلك كذلك، وذلك لقولهم: {أية : مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} تفسير : [المؤمنون: 24] قاله ابن قتيبة. الثاني: إنما جعلناهم جسداً يأكلون الطعام وما كانواْ خالدين، فلذلك جعلناك جسداً مثلهم، قاله قتادة. قال الكلبي: أو الجسد هو الجسد الذي فيه الروح ويأكل ويشرب، فعلى مقتضى هذا القول يكون ما لا يأكل ولا يشرب جسماً. وقال مجاهد: الجسد ما لا يأكل ولا يشرب، فعلى مقتضى هذا القول يكون ما يأكل ويشرب نفساً.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَهْلَ الذِّكْرِ} التوراة والإنجيل، أو مؤمنو أهل الكتاب، أو المسلمون.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنه تعالى أجاب عن سؤالهم الأول وهو قولهم: {أية : هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}تفسير : [البقرة:3] بقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} فبين أن هذه عادة الله في الرسل من قبل محمد - عليه السلام - ولم يمنع ذلك من كونهم رسلاً، وإذا صح ذلك فيهم فقد ظهر على محمد مثل آياتهم. "فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ" يعني علماء أهل الكتاب حتى يعلموكم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشراً، ولم يكونوا ملائكة، وإنما أحالهم على أولئك، لأنهم كانوا يتابعون المشركين في معاداة الرسول، وأمر المشركين بمُساءلة أهل الكتاب، لأنهم إلى تصديق من لم يؤمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أقرب منهم إلى تصديق من آمن قال تعالى: {أية : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً} تفسير : [آل عمران: 186] فإن قيل: إذا لم يوثق باليهود والنصارى فكيف يجوز أن يأمرهم بأن يسألوهم عن الرسل؟ فالجواب: إذا تواتر خبرهم وبلغ حدّ الضرورة جاز ذلك، لأنَّا نعلم بخبر الكفار إذا تواتر كما نعلم بخبر المؤمنين. وقال ابن زيد: أراد بأهل الذكر المؤمنين، وهو بعيد، لأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي الرسول. فأما تعلق كثير من الفقهاء بهذه الآية في أن للقاضي أن يرجع إلى فتيا العلماء وفي أن للمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر، فبعيد، لأن هذه الآية خطاب مشافهة، وهي واردة في هذه الواقعة المخصوصة، ومتعلقة باليهود والنصارى على التعيين. قوله: {إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} جواب الشرط محذوف لدلالة ما تقدم عليه، أي: "فَاسْأَلُوهم"، ومفعولا العلم يجوز أن يراد، أي: لا تعلمون أن ذلك كذلك، ويجوز أن لا يراد، أي: إن كنتم من غير ذوي العلم. قوله: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً} أي ما جعلنا الرسل جسداً، ولم يقل: أجساداً، لأنه اسم جنس. {لا يأكلون الطعام} هذا رد لقولهم: {أية : مَالِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ} تفسير : [الفرقان: 7] والمعنى: لم نجعل الرسل ملائكة بل جعلناهم بشراً يأكلون الطعام {وما كانوا خالدين} في الدنيا: قوله: {لاَ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ} في هذه الجملة وجهان: أظهرهما: أنها في محل نصب نعتاً لـ "جسداً" و "جسداً" مفرد يراد به الجمع، وهو على حذف مضاف أي: ذوي أجساد غير آكلين الطعام، و "جعل" يجوز أن تكون بمعنى (صير) فتتعدى لاثنين ثانيهما "جسداً" ويجوز أن تكون بمعنى (خلق) و (أنشأ) فتتعدى لواحد فيكون "جسداً" حالاً بتأويله بمشتق، أي: متغذين، لأن الجسد لا بد له من الغذاء. وقال أبو البقاء: و "لا يأكلون" حال أخرى، بعد "جسداً" إذا قلنا إن (جعل تتعدى لواحد). وفيه نظر. بل هو صفة لـ "جسداً" بالاعتبارين، لا يليق المعنى إلا به. قوله: "صَدَقْنَاهُمْ الوَعدَ" صدق يتعدى لاثنين إلى ثانيهما بحرف الجر. وقد يحذف تقول: صَدَقْتُكَ الحديث، وفي الحديث نحو أمر واستغفر وقد تقدم في "آل عمران". قال الزمخشري: هو مثل قوله: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً} تفسير : [الأعراف: 155] والأصل في الوعد، ومن قومه. والمعنى "صدقناهم الوعد" الذي وعدناهم بإهلاك أعدائهم، {فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَشَاءُ} أي: أنجينا المؤمنين الذين صدقوا الرسل "وَأَهْلَكْنَا المُسْرِفِينَ" أي: المشركين المكذبين، وكل مشرك مسرف على نفسه. قوله: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً} يا معشر قريش "فِيِهِ ذِكْرُكُم" أي شرفكم، كما قال: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف: 44] وإنَّهُ شَرَفٌ لمن آمن به. وقال مجاهد: فيه حديثكم. وقال الحسن: "فِيهِ ذِكْرُكُمْ" أي ذكر ما تحتاجون إليه من أمور دينكم "أَفَلاَ تَعْقِلُونَ" وهذا كالحث على التدبر للقول لأنهم كانوا عقلاء، لأن التدبر من لوازم العقل، فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل.
ابو السعود
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً} جوابٌ لقولهم: هل هذا إلا بشر؟ الخ، متضمنٌ لردّ ما دسّوا تحت قولهم: كما أُرسل الأولون من التعريض بعدم كونِه عليه السلام مثلَ أولئك الرسلِ صلوات الله تعالى عليهم أجمعين، ولذلك قُدّم عليه جوابُ قولهم: فليأتنا بآية ولأنهم قالوا ذلك بطريق التعجيزِ فلا بد من المسارعة إلى رده وإبطالِه كما مر في تفسير قوله تعالى: { أية : قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} تفسير : [هود: 33] وقوله تعالى: { أية : مَا نُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ} تفسير : [الحجر: 8] ولأن في هذا الجواب نوعَ بسطٍ يُخِل تقديمُه بتجاوب أطرافِ النظم الكريم، والحقُّ أن ما اتخذوه سبباً للتكذيب موجبٌ للتصديق في الحقيقة لأن مقتضىٰ الحكمةِ أن يُرسلَ إلى البشر البشرُ وإلى الملَك الملَكُ حسبما ينطِق به قوله تعالى: { أية : قُل لَوْ كَانَ فِى ٱلأَرْضِ مَلَـٰئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ ٱلسَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95] فإن عامةَ البشر بمعزل من استحقاق المفاوضةِ الملَكية لتوقّفها على التناسب بـين المُفيض والمستفيض، فبعثُ الملَكِ إليهم مزاحِمٌ للحكمة التي عليها يدور فلكُ التكوينِ والتشريع، وإنما الذي تقتضيه الحكمةُ أن يبعث الملكُ منهم إلى الخواصّ المختصّين بالنفوس الزكية المؤيَّدين بالقوة القدسية المتعلّقين بكلا العالَمَين الروحانيِّ والجُسماني ليتلقَّوا من جانب ويُلْقوا إلى جانب آخرَ، وقوله تعالى: {نُّوحِى إِلَيْهِمْ} استئنافٌ مبـينٌ لكيفية الإرسالِ وصيغةُ المضارعِ لحكاية الحالِ الماضية المستمرةِ، وحُذف المفعولُ لعدم القصدِ إلى خصوصه، والمعنى وما أرسلنا إلى الأمم قبلَ إرسالك إلى أمتك إلا رجالاً مخصوصين من أفراد الجنسِ مستأهلين للاصطفاء والإرسال نوحي إليهم بواسطة الملَك ما نوحي من الشرائع والأحكام وغيرهما من القصص والأخبار، كما نوحي إليك من غير فرقٍ بـينهما في حقيقة الوحي وحقيقةِ مدلولِه حسبما يَحكيه قوله تعالى: { أية : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيّينَ} تفسير : [النساء: 163] إلى قوله تعالى: { أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} تفسير : [النساء: 164] كما لا فرقَ بـينك وبـينهم في البشرية فما لهم لا يفهمون أنك لست بدْعاً من الرسل وأن ما أُوحيَ إليك ليس مخالفاً لما أوحيَ إليهم فيقولون ما يقولون، وقرىء يوحىٰ إليهم بالياء على صيغة المبني للمفعول جرياً على سَنن الكبرياءِ وإيذاناً بتعين الفاعل وقوله تعالى: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى الكفرة لتبكيتهم واستنزالِهم عن رتبة الاستبعادِ والنكير إثرَ تحقيق الحقِّ على طريقة الخطابِ لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه الحقيقُ بالخطاب في أمثال تلك الحقائقِ الأنيقةِ، وأما الوقوفُ عليها بالاستخبار من الغير فهو من وظائف العوامِّ، والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وجوابُ الشرط محذوفٌ ثقةً بدلالة المذكورِ عليه أي إن كنتم لا تعلمون ما ذُكر فاسألوا أيها الجهلةُ أهلَ الكتاب الواقفين على أحوال الرسلِ السالفةِ عليهم السلام لتزول شبهتُكم. أُمروا بذلك لأن إخبارَ الجمِّ الغفير يوجب العلمَ لا سيما وهم كانوا يشايعون المشركين في عداوته عليه السلام ويشاورونهم في أمره عليه السلام، ففيه من الدِلالة على كمال وضوحِ الأمر وقوةِ شأنِ النبـي عليه السلام ما لا يخفى.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[7] قال: يعني أهل الفهم عن الله، والعلماء بالله وبأوامره وبأيامه. قيل: صفهم لنا. قال: العلماء ثلاثة: عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله، وهو عامة المؤمنين؛ وعالم بالله وبأمر الله لا بأيام الله، وهم العلماء؛ وعالم بالله وبأمر الله وبأيام الله، وهم النبيون والصديقون.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الآية: 7]. قال سهل: سَلُوا أهل الفهم عن الله، والعلماء به وبأوامره وأيامه. قال الجنيد رحمة الله عليه: أهل الذكر: العالمون بحقائق الذكر والعلوم ومجارى الأمور والناظرون إلى الأحكام بأعين الغيب.
القشيري
تفسير : لمَّا قالوا لولا أَنزل علينا الملائكة أخبر أنه لم يُرْسِلْ إلى الناس رسولاً فيما سَبَقَ من الأزمان الماضية والقرون الخالية إلا بَشراً، وذَكَرَ أنَّ الخصوصية لهم كانت بإرسال الله إياهم. ثم قال: {فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}: الخطاب للكلِّ والمراد منه الأمة، وأهلُ الذكر العلماءُ من أكابر هذه الأمة والذين آمنوا بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ويقال هم أهل الفهم من الله أصحاب الإلهام الذين في محل الإعلام من الحقِّ - سبحانه - أو من يُحْسِنُ الإفهامَ عن الحق. ويقال العالم يرجع إلى الله في المعاملات والعبادات، وإذا اشتكلت الواقعةُ فيخبر عن اجتهاده، وشرطه ألا يكون مقلداً، ويكون من أهل الاجتهاد، فإذا لم يخالف النصَّ وأدى اجتهاده إلى شيء ولم يخالف أصلاً مقطوعاً بصحته وجب قبول فتواه، وأمَّا الحكيم فإذا تكلم في المعاملة فإنما يقبل منه إذا سبقت منه المنازلة لما يُفْتَى به فإن لم تتقدم له من قِبَله المنازلة ففتواه في هذا الطريق كفتوى المقلِّد في مسائل الشرع. فأمَّا العارف فيجب أن يتكلم في هذا الطريق عن وَجْدِه - إنْ كان - وإلا فلا تُقْبَلُ فتواه ولا تُسْمَع.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} اى فاسئلوا اهل شهود جمال المذكور القديم بنعت صفاء الذكر فى قلوبهم من شرق نور مشاهدته وهم الذين مخاطبون من الله بكل سر وكل حقيقة من علوم الغيبية الازلية قال سهل فاسئلوا اهل الفهوم عن الله والعلماء به وباوامره ونواهيه قال الجنيد اهل الذكر العالمون بحقائق العلوم ومجارى الامور والناظرون الى الاحكام باعين الغيب.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما ارسلنا قبلك الا رجالا} جواب لقولهم هل هذا الا بشر مثلكم اى وما ارسنا الى الامم قبل ارسالك الى امتك الا رجالا مخصوصين من افراد الجنس مستأهلين ومثله فى الفارسية [كلمه مرد]{نوحى اليهم} بواسطة الملك ما نوحى من الشرائع والاحكام وغيرهما من القصص والاخبار كما نوحى اليك من غير فرق بينهما فى حقيقة الوحى وحقيقة مدلوله كمالا فرق بينك وبينهم فى البشرية فمالهم لا يفهمون انك لست بدعا من الرسل وان ما اوحى اليك ليس مخالفا لما اوحى اليهم فيقولون ما يقولون. وفى التأويلات النجمية يشير الى انه تعالى يظهر فى كل قرن رجالا بالغين من متابعى الانبياء ويخصهم بوحى الالهام كما اظهر فى زمان عيسى عليه السلام الحواريين من متابعيه واوحى اليهم كما قال تعالى {أية : واذا اوحيت الى الحواريين ان آمنوا بى وبرسولى}تفسير : {فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون} قد سبق ان الذكر يطلق على الكتب الالهية اى ان كنتم لا تعلمون ما ذكر فاسألوا ايها الكفرة الجهلة اهل الكتاب الواقفين على احوال الرسل السالفة لتزول شبهتكم امروا بذلك لان اخبار الجم الغفير يوجب العلم لا سيما وهم كانوا يشايعون المشريكن فى عداوته عليه السلام ويشاورونهم فى امره وكانوا لا ينكرون كون الرسل بشرا وان انكروا نبوته عليه السلام - روى - انه قيل للامام الغزالى رحمه الله بماذا حصل لكم الاحاطة بالاصول والفروع فتلا هذه الآية واشار الى ان السؤال من اسباب العلم وطرائقه.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله في جواب قول الكفرة: {أية : هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} تفسير : [الأنبيَاء: 3] بعد تقديم الجواب عن قولهم: {فليأتنا بآية}؛ لأنهم قالوه بطريق التعجيز، فلا بد من المسارعة إلى رده، كما تقدم مرارًا في الكتاب العزيز، كقوله: {أية : إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ...} تفسير : [هُود: 33] الآية، {أية : مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ} تفسير : [الحجر: 8] الآية. إلى غير ذلك، فقال جلّ جلاله: {وما أرسلنا قَبلك} في الأمم السالفة {إِلا رجالاً}؛ بشرًا من جنس القوم الذين أُرسلوا إليهم؛ لأن مقتضى الحكمة أن يُرسل البشر إلى البشر، والملَك إلى الملَك، حسبما نطق به قوله تعالى: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً}تفسير : [الإسرَاء: 95]، فإن عامّة البشر لا تطيق المفاوضة مع الملك؛ لتوقفها على التناسب بين المفاوض والمستفيض؛ فبعث لكل جنس ما يناسبه؛ للحكمة التي يدور عليها فلك التكوين والتشريع، والذي تقتضيه الحكمة الإلهية أن يبعث الملك إلى خواص البشر المختصين بالنفوس الزكية، المؤيدين بالقوة القدسية، المتعلقين بالعالم الروحاني والجسماني، ليتلَقوا من جانب العالم الروحاني، ويلقوا إلى العالم الجسماني، فبعث رجالاً من البشر يوحي إليهم على أيدي الملائكة أو بلا واسطة. والمعنى: وما أرسلنا إلى الأمم، قبل إرسالك إلى أمتك، إلا رجالاً مخصوصين من أفراد الجنس، متأهلين للاصطفاء والإرسال، {نوحي إليهم}، بواسطة الملك، ما يُوحى من الشرائع والأحكام، وغيرهما من القصص والأخبار، كما يُوحى إليك من غير فرق بينهما، {فاسألوا أهل الذِّكر إٍن كنتم لا تعلمون} أي: فاسألوا، أيها الجهلة، أهلَ العلم؛ كأهل الكتب الواقفين على أحوال الرسل السالفة - عليهم الصلاة والسلام - لتزول شبهتكم إن كنتم لا علم لكم بذلك. أُمروا بذلك؛ لأن إخبار الجم الغفير يُوجب العلم الضروري، لا سيما وهم كانوا يشايعون المشركين عداوته صلى الله عليه وسلم، ويشاورونهم في أمورهم، فإذا أخبروهم أن الرسل إنما كانوا بشرًا، ولم يكونوا ملائكة، حصل لهم العلم بالحق، وقامت الحجة عليهم. وتوجيه الخطاب إلى الكفرة في السؤال، بعد توجيهه إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - في الإرسال؛ لأنه الحقيق بالخطاب في أمثال تلك العلوم والحقائق الأنيقة، وأما الوقوفُ عليها باستخبار من الغير فهو من وظائف العوام. ثم بيَّن كون الرسل - عليهم الصلاة والسلام - أسوة لأفراد الجنس في أحكام البشرية، فقال: {وما جعلناهم جسدًا} أي: أجسادًا، فالإفراد لإرادة الجنس، أو ذوي جسد، {لا يأكلون الطعامَ} أي: وما جعلناهم أجسادًا صمدانيين، أغنياء عن الطعام والشراب، بل مُحتاجين إلى ذلك؛ لتحقيق العبودية التي اقتضت شرفهم. {وما كانوا خالدين}؛ لأن كل من يفتقر إلى الغذاء لا بدّ أن يتحلل بدنه بسرعة، حسبما جرت العادة الإلهية، والمراد بالخلود: المكث المديد، كما هو شأن الملائكة أو الأبدية. وهم معتقدون أنهم كانوا يموتون. والمعنى: بل جعلناهم أجسادًا مفتقرة صائرة إلى الموت عند انقضاء آجالهم، لا ملائكة ولا أجسادًا صمدانية. {ثم صَدَقْناهم الوعد} بالنصر وإهلاك أعدائهم، وهو عطف على ما يُفْهَمُ من وحيه تعالى إليهم، كأنه قيل: أوحينا إليهم ما أوحينا، ثم صدقناهم في الوعد، الذي وعدناهم في تضاعيف الوحي، بإهلاك أعدائهم، {فأنجيناهم ومَنْ نشاء} من المؤمنين وغيرهم، ممن تستدعي الحكمة إبقاءه، كمن سَيُؤمن هو أو بعض فروعه، وهو السر في حماية العرب من عذاب الاستئصال. أو يخص هذا العموم بغير نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم؛ فإن أمته لا تستأصل، وإن بقي فيها من يكفر بالله؛ لعل الله يُخرج من أصلابهم من يُوحد الله تعالى. {وأهلكنا المسرفين} أي: المجاوزين الحد في الكفر والمعاصي. ولمّا ذكر برهان حَقِّيَّةِ الرسول - عليه الصلاة والسلام - ذكر حقية القرآن المنزل عليه، الذي ذكر في صدر السورة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته، فقال: {لقد أنزلنا إِليكم}، صدّره بالقسم؛ إظهارًا لمزيد الاعتناء بمضمونه، وإيذانًا بكون المخاطبين في أقصى مراتب التنكير، أي: والله لقد أنزلنا إليكم، يا معشر قريش، {كتابًا} عظيم الشأن نيّر البرهان. فالتنكير للتفخيم، أي: كتابًا جليل القدر {فيه ذِكْرُكم} أي: شرفكم وحسن صيتكم، كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزّخرُف: 44]، أو فيه تذكيركم وموعظتكم، أو ما تحتاجون إليه في أمر دينكم ودنياكم، أو ما تطالبون به حسن الذكر والثناء من مكارم الأخلاق، {أفلا تعقلون} فتتدبروا في معانيه حتى تُدركوا حقيته. فالهمزة للإنكار التوبيخي. وفيه حث لهم على التدبر في أمر الكتاب، والتأمل في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر، التي من جملتها القوارع السابقة واللاحقة، والمعطوف: محذوف، أي: أَعَمِيَتْ بصائركم فلا تعقلون؟ والله تعالى أعلم. الإشارة: ثبوت الخصوصية لا ينافي وصفَ البشرية، فنسبة أهل الخصوصية من البشر كاليواقيت بين الحجر. ولا فرق بين خصوصية النبوة والولاية في الاتصاف بأوصاف البشرية، التي لا تُؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية. وتتميز خصوصية النبوة من الولاية بوحي الأحكام، وتتميز خصوصية الولاية من العمومية بالتطهير من الرذائل والتحلي بالفضائل، وبالغيبة عن رؤية الأكوان، بإشراق شمس العرفان، وذلك بالفناء عن الأثر بشهود المؤثِر، ثم بالبقاء بشهود الأثر؛ حكمةً، مع الغيبة عنه، قدرةً، ولا يعرف هذا إلا أهل الذكر الحقيقي، فلا يعرف مقام الأولياء إلا من دخل معهم، ولا يُسأل عنهم إلا أمثالُهم؛ {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43]. فلا يشترط في الولي استغناؤه عن الطعام والشراب؛ إذ لم يكن للأنبياء، فكيف بالأولياء؟ ولا استغناؤه عن النساء، قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} تفسير : [الرّعد: 38]، نعم؛ صاحب الخصوصية مالك لنفسه من غلبة الشهوة عليه، ينزل إلى أرض الحظوظ بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. وتقدم الكلام على قوله تعالى: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ} في سورة النحل. وبالله التوفيق. ثمَّ بيِّن ما أجمل عن قوله: {وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ}
الجنابذي
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً} ردّ لانكارهم كون البشر رسولاً كما انّ الفقرة الاولى كانت ردّاً لاقتراحهم {نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} كما نوحى اليك، قرئ يوحى بالياء وبالنّون {فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} قد مضى فى سورة النّحل تفصيل وتفسير لهذه الآية.
فرات الكوفي
تفسير : {فاسألوا أهل الذكر 7=43/ النحل}
اطفيش
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلكَ إِلاّ رِجَالاً نُوحِى إِلَيْهِمْ} ومثله: فلا تستبعدوا كون الرسول بشرا. {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ} هل كانت الرسل قبله بشرا رجالا، يأكلون ويشربون. {إنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} فذلك جواب قولهم: هل هذا إلا بشر مثلكم وأهل الذكر: أهل الكتاب. والذكر: التوراة والإنجيل. وقيل: التوراة فقط، فأهله اليهود فقط وإنما أمرهم بسؤال أهل الكتاب لأن المشركين يشاورونهم فى أمر النبى صلى الله عليه وسلم ويثقون بقولهم ولا سيما اليهود، ولأن إخبار الجم الغفير يوجب العلم. وإذا أخبروهم أوجب لهم العلم وقواه، ولأنهم اشتدت عداوتهم - أهانهم لله - لرسوله صلى الله عليه وسلم فإذا أخبروهم كان أوقع فى النفس وما شهد به العدو أفضل. وإنما سموا أهل الذكر - لعنهم الله وأهانهم - كما نقول: زيد حامل القرآن وأهله، أى حافظه، ولو كان لا يعمل به. وقيل: المراد: من آمن منهم، كعبد الله بن سلام وغيره. وهذا مجرد تمثيل وإلا فعبد الله أسلم بالمدينة بعد الهجرة. وقيل: أهل الذكر: أهل القرآن المؤمنون العاملون به وهو ضعيف؟ لأنهم خصماؤهم فلا يصدقونهم. وقرأ حفص نوحى بالنون وكسر الحاء.
اطفيش
تفسير : {وما أرْسلنا قَبْلك إلاَّ رجالاً نُوحَى إلَيْهم} رد على قولهم لا يكون النبى بشراً، فهو متعلق قوله: "أية : هل هذا إلا بشر مثلكم" تفسير : [الأنبياء: 3] وأخر عن جواب قولهم: {فليأتنا} مسارعة الى رد قولهم هذا الذى قالوه تعجيزا له صلى الله عليه وسلم، ولأن الكلام على الإرسال يستدعى بسط متصلا يناسب بعضه بعضاً، والمضارع للحال الماضية، كأنها استحضرت لتشاهد، والجملة نعت رجالا جىء به مدحاً لهم، بأن الإرسال نعمة لرجال خصوا بها، وفضيلة لا للملائكة {فاسألوا أهل الذِّكْر} أهل الكتاب التوراة والزبور والانجيل، لتزول شبهتكم، فتوقنوا أن الأنبياء والرسل بشر لا ملائكة، وإخبار الجم الغفير يفيد العلم فى مثل هذا، ولا سيما أنهم أعداء محمد صلى الله عليه وسلم وأصدقاءكم فى عداوته، فلا يبقى لكم إلا تصديقهم، فى أن الأنبياء والرسل بشر، وليس المراد بأهل الذكر أهل القرآن، فان كفار قريش أعداء المؤمنين بالقرآن لا يسألونهم، وهم قد أنكروا عليهم {إنْ كنْتُم لا تعلمُون} شاع فى مثل ذلك أن أن يقال: الجواب محذوف دل عليه ما تقدم، وليس كذلك، فإنه لا حذف، بل لا جواب فيه، فانه استغنى عليه بما تقدم، وأنه يقال محذوف لو أريد {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} {فاسألوا أهل الذكر} وليس تقديره بمراد، فليس محذوفاً، وإذا قلت: يقوم زيد إن قمت، لم ترد يقوم زيد إن قمت يقوم زيد، أو يقم زيد، فكيف تقدر ما لا تريده ولا تعنيه.
الالوسي
تفسير : وقوله عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} جواب لما زعموه من أن الرسول لا يكون إلا ملكاً المشار إليه بقولهم { أية : هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 3] الذي بنوا عليه ما بنوا فهو متعلق بذلك وقدم عليه جواب قولهم: { أية : فَلْيَأْتِنَا } تفسير : [الأنبياء: 5] لأنهم قالوا ذلك بطريق التعجيز فلا بد من المسارعة إلى رده وإبطاله ولأن في هذا الجواب نوع بسط يخل تقديمه بتجاوب النظم الكريم، وقوله تعالى: {نُّوحِى إِلَيْهِمْ} استئناف مبين لكيفية الإرسال، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية المستمرة وحذف المفعول لعدم القصد إلى خصوصه، والمعنى ما أرسلنا إلى الأمم قبل إرسالك إلى أمتك إلا رجالاً لا ملائكة نوحي إليهم بواسطة الملك ما نوحي من الشرائع والأحكام وغيرهما من القصص والأخبار كما نوحي إليك من غير فرق بينهما في حقيقة الوحي وحقية مدلوله كما لا فرق بينك وبينهم في البشرية فما لهم لا يفهمون أنك لست بدعاً من الرسل وإن ما أوحى إليك ليس مخالفاً لما أوحي إليهم فيقولون ما يقولون. وقال بعض الأفاضل: إن الجملة في محل النصب صفة مادحة لرجالاً وهو الذي يقتضيه النظم الجليل، وقرأ الجمهور {يُوحِى إِلَيْهِمُ} بالياء على صيغة المبني للمفعول جرياً على سنن الكبرياء وإيذاناً بتعين الفاعل. وقوله تعالى: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تلوين للخطاب وتوجيه له إلى الكفرة لتبكيتهم واستنزالهم عن رتبة الاستبعاد والنكير أثر تحقيق الحق على طريقة الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه الحقيق بالخطاب في أمثال تلك الحقائق الأنيقة، وأما الوقوف عليها بالسؤال من الغير فهو من وظائف العوام وأمره صلى الله عليه وسلم بالسؤال في بعض / الآيات ليس للوقوف وتحصيل العلم بالمسؤول عنه لأمر آخر، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وأهل الذكر أهل الكتاب كما روي عن الحسن وقتادة وغيرهما، وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه أي إن كنتم لا تعلمون ما ذكر فاسألوا أيها الجهلة أهل الكتاب الواقفين على أحوال الرسل السالفة عليهم الصلاة والسلام لتزول شبهتكم، أمروا بذلك لأن إخبار الجم الغفير يفيد العلم في مثل ذلك لا سيما وهم كانوا يشايعون المشركين في عداوته صلى الله عليه وسلم ويشاورونهم في أمره عليه الصلاة والسلام ففيه من الدلالة على كمال وضوح الأمر وقوة شأن النبـي صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى، وعن ابن زيد أن أهل الذكر هم أهل القرآن. ورده ابن عطية بأنهم كانوا خصومهم فكيف يؤمرون بسؤالهم، ويرد ذلك على ما زعمته الإمامية من أنهم آله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم الكلام في ذلك.
ابن عاشور
تفسير : عطف جواب على جواب. والمقصود من هذا إبطال مقصودهم من قولهم {أية : هل هذا إلا بشر مثلكم} تفسير : [الأنبياء: 3] إذا أرادوا أنه ليس بأهل للامتياز عنهم بالرسالة عن الله تعالى، فبيّن خطأهم في استدلالهم بأن الرسل الأولين الذين اعترفوا برسالتهم ما كانوا إلا بشراً وأن الرسالة ليست إلا وحياً من الله لمن اختاره من البشر. وقوله {إلا رجالاً} يقتضي أن ليس في النساء رسلاً وهذا مجمع عليه. وإنما الخلاف في نبوءة النساء مثل مريم أختتِ موسى ومريمَ أم عيسى. ثم عرّض بجهلهم وفضح خطأهم فأمرهم أن يسألوا أهل الذكر، أي العلم بالكتب والشرائع السالفة من الأحبار والرهبان. وجملة {فاسألوا أهل الذكر} الخ معترضة بين الجمل المتعاطفة. وتوجيه الخطاب لهم بعد كون الكلام جرى على أسلوب الغيبة التفاتٌ، ونكتته أن الكلام لما كان في بيان الحقائق الواقعة أعرض عنهم في تقريره وجعل من الكلام الموجه إلى كل سامع وجُعلوا فيه معبّراً عنهم بضمائر الغيبة، ولما أريد تجهيلهم وإلجاؤهم إلى الحجة عليهم غُيِّر الكلام إلى الخطاب تسجِيلاً عليهم وتقريعاً لهم بتجهيلهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قبلك: يا محمد. أهل الذكر: أي الكتاب الأول وهم أهل الكتاب. جسداً: أي أجساداً آدمية. الوعد: أي الذي واعدناهم. المسرفين: أي في الظلم والشرك والمعاصي. كتاباً: هو القرآن العظيم. فيه ذكركم: أي ما تذكرون به ربكم وما تذكرون به من الشرف بين الناس. معنى الآيات: كانت مطالب قريش من اعتراضاتهم تدور حَوْلَ لِمَ يكون الرسول بشراً، ولِمَ يكون رسولاً ويأكل الطعام لم لا يكون له كنز أو جنة يأكل منها، لم لا يأتينا بآية كما أرسل بها الأولون، وهكذا. قال قتادة قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم "وإذا كان ما تقوله حقاً ويسرك أن نؤمن فحول لنا الصفا ذهبا، فأتاه جبريل فقال إن شئت كان لبذس سألك قومك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم ينظروا "أي ينزل بهم العذاب فوراً" وإن شئت استأنيت بقومك، قال بل استأني بقومي فأنزل الله {أية : مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنبياء: 6]. وقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} يا رسولنا {إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} ما نريد إبلاغه عبادنا من أمرنا ونهينا. {فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي فليسأل قومك أهل الكتاب من قبلهم وهم أحبار اليهود ورهبان النصارى إن كانوا لا يعلمون فإنهم يعلمون أن الرسل من قبلهم لم يكونوا إلا بشراً. وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ} أي الرسل {جَسَداً} أي أجساداً ملائكية أو بشرية لا يأكل أصحابها الطعام بل جعلناهم أجساداً آدمية تفتقر في بقاء حياتها إلى الطعام والشراب فلم يعترض هؤلاء المشركون على كون الرسول بشراً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ وقوله تعالى: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ} أي أولئك الرسل {ٱلْوَعْدَ} الذي وعدناهم وهو أنا إذا آتينا أقوامهم ما طالبوا به من المعجزات ثم كذبوا ولم يؤمنوا أهلكناهم {فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ} أي أنجينا رسلنا ومن آمن بهم واتبعهم، وأهلكنا المكذبين المسرفين في الكفر والعناد والشرك والشر والباطل. وقوله تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}؟ يقول تعالى لأولئك المشركين المطالبين بالآيات التي قد تكون سبب هلاكهم ودمارهم {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ} لهدايتكم وإصلاحكم ثم إسعادكم {كِتَاباً} عظيم الشأن {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} أي ما تذكرون به وتتعظون فتهتدون إلى سبيل سلامتكم وسعادتكم، فيه ذكركم بين الأمم والشعوب لأنه نزل بلغتكم الناس لكم فيه تبع وهو شرف أي شرف لكم. أتشتطون في المكايدة والعناد فلا تعقلون، ما خير لكم مما هو شر لكم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير مبدأ أن الرسل لا يكونون إلا بشراً ذكوراً لا إناثاً. 2- تعين سؤال أهل العلم في كل ما لا يعلم إلا من طريقهم، من أمور الدين والآخرة. 3- ذم الإِسراف في كل شيء وهو كالغلو في الشرك والظلم. 4- القرآن ذكر يذكر به الله تعالى لما فيه من دلائل التوحيد وموعظة لما فيه من قصص الأولين وشرف أي شرف لمن آمن به وعمل بما فيه من شرائع وآداب وأخلاق.
القطان
تفسير : أهل الذِكر: العِلم. الجسد: الجسم ذِكركم: عظتكم. كم قصمنا من قرية: كم أهلكنا، أصل القصم الكسر. أنشأنا: أوجدْنا. أحسّوا: أدركوا. الى ما أترفتم: الى ما بطرتم فيه من نعيم. يا ويلنا: يا هلاكنا، يا خزينا. حصيدا: مثل الحصيد. خامدين: كالنار التي خمدت وانطفأت. بيّن الله تعالى لهم جواباً لشُبهتهم أن الرسولَ لا يكون بشراً بقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} وما أرسلْنا قبلك يا محمد من الرسُل إلا رجالاً من البشَر نوحي اليهم الدِّينَ ليبلّغوه الى الناس، فاسألوا أيها المنكِرون أهلَ العلم بالكتب المنزلة ان كنتم لا تعلمون. ثم بيّن الله كون الرسل بشَرا كسائر الناس في أحكام الطبيعة البشرية فقال: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ}. وما جعلنا الرسُلَ الذين قبلك أجساداً تخالفُ أجسادَ البشر، فقد كانوا لا يعيشون دون طعام، وما كانوا مخلَّدين، بل إنهم كغيرهم من الناس كلّفهم اللهُ بتبليغ الرسالة. قراءات قرأ عاصم: نوحي بالنون، والباقون: يوحَى بالياء وفتح الحاء. {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ}. إنا ارسلْنا رسلاً من البشر وصدَقناهم وعدَنا فنصرناهم على المكذّبين، وأنجيناهم هم ومن آمن معهم، وأهلكنا الذين أسرفوا على أنفسهم في تكذيبهم برسالة أنبيائهم. وبعد أن حقق اللهُ رسالته صلى الله عليه وسلم ببيان أنه كسائر الرسل الكرام - شرع يحقق فضل القرآن الكريم، ويبيّن نفعه للناس. {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. لقد أنزلنا إليكم القرآن ورفعنا فيه ذِكركم أيها العرب، وفيه مجدكم وعِظَتُكم بما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق، وفاضل الآداب وسديد الشرائع والأحكام، أفلا تتفكرون؟!، ومَنْ هم العربُ لولا القرآن؟ هو الذي جعلهم أمةً ذاتَ حضارة ودين قويم، بعد ان كانوا خاملين يعيشون في ظلام الهمجية والجاهلية. {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ..... }. والقصمُ أشدُّ حركات القطع، والتعبيرُ به يشير إلى شدة وقع الضربة على تلك القرى. وكثير من أهل القرى أهلكناهم بسبب كفرهم وتكذيبهم لأنبيائهم، ثم أنشأنا بعد إهلاكهم أُمماً أخرى أحسنَ منهم حالاً ومالاً. ثم بيّن حالهم حين حلول البأس بهم فقال: {فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ}. فلما أيقنوا أن العذابَ واقعٌ بهم لا محالة سارعوا الى الهروب، فخرجوا منها يركضون.... ولكن الى اين! {لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ}. يُقال لهم على سبيل الاستهزاء والتهكم: لا تهربوا أيها المنكرون، فلن يعصِمكم من عذاب الله شيء، ارجعوا الى ما كنتم فيه من نعيم وترف ومساكن طيبة، لعلّكم تسألون عن ذلك كلّه فيم أنفقتموه. {قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}. حين يئسوا من الخلاص قالوا: يا هلاكنا إنّا كنا ظالمين. بهذا كانوا يحاولون التوبة والاعتذار، ولكن فات الآوان. {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ} فما زالوا يردّدون هذه المقالة، ويصيحون بها حتى جعلناهم بالعذاب كالزَّرع المحصود، خامدين لا حياة فيهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَاسْئَلُوآ} (7) - وَيَرُدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ أَنْكَرَ بِعْثَةَ الرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ قَائِلاً: إِنَّ جَمِيعَ الذِينَ أُرْسِلُوا قَبْلَكَ يَا مُحَمَّدٌ كَانُوا مِنَ البَشَرِ، ولَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ من المَلاَئِكَةِ، فَاسْأَلُوا أَهْلَ العِلْمِ {الذِّكْرِ} مِنَ الأُمَمِ المُتَقدِّمَةِ (اليهُودِ والنَّصَارَى) هَلْ كَانَ الرَّسُلُ الذِينَ جَاؤُوهُمْ مِنَ البَشَرِ أَمْ مِنَ المَلائِكَةِ؟br>
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - تبارك وتعالى - يردُّ على اعتراضهم على بشرية الرسول وطلبهم أن يكون الرسول ملكاً، كما قالوا في موضع آخر: {أية : أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ..} تفسير : [التغابن: 6]. يعني: هم مثلنا، وليسوا أفضل منَّا، فكيف يهدوننا؟! وهل الرسول يهديكم ببشريته؟ أم بشيء جاءه من أعلى؟ هل منهجه من عنده؟ الرسول ليس مُصلِحاً اجتماعياً، إنما هو مُبلِّغ عن الله ربي وربكم. وقد سبقت السوابق فيمَنْ قبلكم أن يكون الرسول بشراً {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ..} [الأنبياء: 7] ولو أرسلنا إليهم مِلَكَاً لجاءكم الرسول مَلَكاً. {فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] وهم اليهود والنصارى، ماذا أرسلنا إليهم أرجالاً أم ملائكة؟ ذلك لأن المفروض في النبي أن يكون قدوة لقومه وأُسْوة، مُبلِّغَ منهج، وأُسْوةَ سلوك، منهج يحققه عن الله، ثم يُطبِّقه على نفسه، فهو لا يحمل الناس على أمر هو عنه بنَجْوة، إنما هو أُسْوتهم وقُدْوتهم، وشرط أساسي في القدوة أنْ يتحد فيها الجنس: المتأسِّي مع المتأسَّى به. فلو رأيت مثلاً في الغابة أسداً يصول ويجول ويفترس، هل تفكر في يوم ما أن تكون أسداً؟ هل تأخذ الأسد لك أُسْوة؟! لا، لأنه يُشترط في أُسْوتك أن يكون من جنسك، فإذا رأيتَ فارساً على جواده يصول ويجول ويضرب في الأعداء يميناً وشمالاً، لا شكَّ أنك تود أن تكون مثله. كذلك إذا جاء النبي مَلَكاً، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤْمرون، إنما نحن بشر، ولو جاءنا الرسول ملكاً لجاءنا في صورة بشرية. يقول تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95]. ويردُّ الحق سبحانه عليهم: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 9]. وهكذا تظل الشبهة موجودة. إذن: لا يمكن أن يكون الرسول للبشر إلا من البشر. ونعم، محمد بشر لكن بشر يُوحَى إليه، كما جاء في الحديث الشريف: "حديث : يرد عليَّ - يعني من الحق الأعلى - فأقول: أنا لست كأحدكم، ويُؤخَذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم ". تفسير : وقوله: {فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] أي: إنْ كنتم في شكٍّ من هذه المقولة فاسألوا أهل الذكر من السابقين: اليهود والنصارى أهل الكتاب. وقال: {إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] لأنها مسألة عِلْمُها مشكوك فيه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} إن أنكروا رسالتك يا أكمل الرسل معلِّلين بأنك بشرُ مثلهم، والبشر لا يكون رسولاً، قل لهم نيابة عنَّا: {مَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} رسولاً على أمةٍ من الأمم الماضية {إِلاَّ} أرسلنا {رِجَالاً} منهم لا نساءً، كاملاً في الرجولية والعقل، بالغاً نهاية الرشد والتكميل {نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} مثلما أوحينا إليك؛ ليرشدوا الناس إلى توحيدنا، ويوقظوهم من منام الغفلة، ويهدوهم إلى الصلاح، والفوز بالفلاح، وإن أنكروا هذا قل لهم: {فَاسْئَلُوۤاْ أَ} أيها المنكرون {هْلَ ٱلذِّكْرِ} أي: العلم والخبرة من أحبارهم وقسيسكم من المشتغلين لحفظ التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية {إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] أيها الجاهلون المكابرون. {وَ} إن أنكروا رسالتك معللين بأنك تأكل وتشرب مثلهم، والرسول لا بدَّ ألاَّ يأكل ولا يشرب مثل سائر الناس، قل لهم أيضاً نيابةً عنَّا: {مَا جَعَلْنَاهُمْ} أي: الرسل الماضين {جَسَداً} أي: أجراماً وأصناماً {لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ} بدل ما يتخلل من أجزائهمن ولا يشربون الشراب المحلّل لغذائهم؛ إذ هم أجسام ممكنة محدَثُة، محتاجةُ إلى التغذي، قابلةُ للنمو والذبول، مشرفةُ إلى الفناء والانهدام مثل أجسام سائر الأنام {وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ} [الأنبياء: 8] دائمين مستمرين بلا ورود موتٍ عليهم، وتحليلٍ لتركيبهم، بل هم هلكى في قبضة قدرتنا وجنب وجودنا وحياتنا. {ثُمَّ} بعدما كذَّبهم المنكرون {صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ} وأوفينا لهم الوعود المعهودة الذي وعدناهم من إهلاك عدوهم وإنجائهم من بينهم سالمين {فَأَنجَيْنَاهُمْ} على الوجه الذي عهدنا معهم {وَمَن نَّشَآءُ} من أتباعهم الذين سبقت رحمتنا عليهم في حضرة علمنا {وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ} [الأنبياء: 9] المصرين على البغي والعناد، المنهمكين في الجور والفساد. ثم قال سبحانه: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ} يا معشر قريش {كِتَاباً} جامعاً لما في الكتب السالفة مع أنه ذُكِرَ {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} وشرفُكم، ونجابةُ عرقكم، وطينتِكم، وكمال دِينكم، ونبيِّكم، وظهوره على الأديان {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 10] كلها، وتستعملون عقولكم بما فيه فتدركون مزيةَ كتابكم، ورسولكم على سائر الكتب والرسل، ويشرف دينكم على سائر الأديان. ولا تبالوا أيها المترفون بترفهكم وتنعمكم، ولا تعتروا بإمهالنا إياكم، ولا تؤمِّنوا عن فكرنا وإنزال عذابنا ونكالنا. {وَ} اعلموا أنَّا {كَمْ قَصَمْنَا} أي: قهرنا كثيراً {مِن} أهل {قَرْيَةٍ} وكسرنا ظهورهم، وبعدناهم عن أماكنهم التي يترفهون فيها؛ لأنها {كَانَتْ ظَالِمَةً} خارجةُ عن مقتضى الأوامر والنواهي المنزلة منَّا على رسلنا أمثالكم، وبعدما أخرجناها وأهلكناها { وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا} وبدلنا أهلها {قَوْماً آخَرِينَ} [الأنبياء: 11] منقادين لحكمنا مطيعين لأمرنا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا جواب لشبه المكذبين للرسول القائلين: هلا كان ملكا، لا يحتاج إلى طعام وشراب، وتصرف في الأسواق، وهلا كان خالدا؟ فإذا لم يكن كذلك، دل على أنه ليس برسول. وهذه الشبه ما زالت في قلوب المكذبين للرسل، تشابهوا في الكفر، فتشابهت أقوالهم، فأجاب تعالى عن هذه الشبه لهؤلاء المكذبين للرسول، المقرين بإثبات الرسل قبله - ولو لم يكن إلا إبراهيم عليه السلام، الذي قد أقر بنبوته جميع الطوائف، والمشركون يزعمون أنهم على دينه وملته - بأن الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم، كلهم من البشر، الذين يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، وتطرأ عليهم العوارض البشرية، من الموت وغيره، وأن الله أرسلهم إلى قومهم وأممهم، فصدقهم من صدقهم، وكذبهم من كذبهم، وأن الله صدقهم ما وعدهم به من النجاة، والسعادة لهم ولأتباعهم، وأهلك المسرفين المكذبين لهم. فما بال محمد صلى الله عليه وسلم، تقام الشبه الباطلة على إنكار رسالته، وهي موجودة في إخوانه المرسلين، الذين يقر بهم المكذبون لمحمد؟ فهذا إلزام لهم في غاية الوضوح، وأنهم إن أقروا برسول من البشر، ولن يقروا برسول من غير البشر، إن شبههم باطلة، قد أبطلوها هم بإقرارهم بفسادها، وتناقضهم بها، فلو قدر انتقالهم من هذا إلى إنكار نبوة البشر رأسا، وأنه لا يكون نبي إن لم يكن ملكا مخلدا، لا يأكل الطعام، فقد أجاب [الله] تعالى عن هذه الشبهة بقوله: {أية : وَقَالُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ }. تفسير : وأن البشر لا طاقة لهم بتلقي الوحي من الملائكة {أية : قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنزلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا } تفسير : فإن حصل معكم شك وعدم علم بحالة الرسل المتقدمين { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } من الكتب السالفة كأهل التوراة والإنجيل يخبرونكم بما عندهم من العلم وأنهم كلهم بشر من جنس المرسل إليهم. وهذه الآية وإن كان سببها خاصا بالسؤال عن حالة الرسل المتقدمين لأهل الذكر وهم أهل العلم فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين أصوله وفروعه إذا لم يكن عند الإنسان علم منها أن يسأل من يعلمها ففيه الأمر بالتعلم والسؤال لأهل العلم ولم يؤمر بسؤالهم إلا لأنه يجب عليهم التعليم والإجابة عما علموه. وفي تخصيص السؤال بأهل الذكر والعلم نهي عن سؤال المعروف بالجهل وعدم العلم ونهي له أن يتصدى لذلك وفي هذه الآية دليل على أن النساء ليس منهن نبية لا مريم ولا غيرها لقوله { إِلا رِجَالا }.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 626 : 1 : 26 - سفين {فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} قال، أهل التورية والانجيل ومن كان يعلم. [الآية 7].
همام الصنعاني
تفسير : 1849- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الآية: 7]، قال: يعني أهل التوراة يقول: سلوهم هل جاءهم إلاّ رجال يُوحَى إليهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):