٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ } يا قريش {كِتَـٰباً } يعني القرآن. {فِيهِ ذِكْرُكُمْ } صيتكم كقوله {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } أو موعظتكم أو ما تطلبون به حسن الذكر من مكارم الأخلاق. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فتؤمنون.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منبهاً على شرف القرآن، ومحرضاً لهم على معرفة قدره: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} قال ابن عباس: شرفكم. وقال مجاهد: حديثكم. وقال الحسن: دينكم، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي: هذه النعمة، وتتلقونها بالقبول؟ كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْـأَلُونَ } تفسير : [الزخرف: 44]. وقوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَـٰلِمَةً} هذه صيغة تكثير، كما قال: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ}تفسير : [الإسراء: 17] وقال تعالى: {أية : فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} تفسير : [الحج: 45] الآية. وقوله: {وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ} أي: أمة أخرى بعدهم {فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ} أي: تيقنوا أن العذاب واقع بهم لا محالة؛ كما وعدهم نبيهم، {إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ} أي: يفرون هاربين، {لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَـٰكِنِكُمْ} هذا تهكم بهم قدراً، أي: قيل لهم قدراً: لا تركضوا هاربين من نزول العذاب، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور والمعيشة والمساكن الطيبة. قال قتادة: استهزاء بهم، {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} أي: عما كنتم فيه من أداء شكر النعم، {قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ} اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم ذلك، {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَـٰهُمْ حَصِيداً خَـٰمِدِينَ} أي: ما زالت تلك المقالة، وهي الاعتراف بالظلم، هجيراهم حتى حصدناهم حصداً، وخمدت حركاتهم وأصواتهم خموداً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَقَدْ أَنزَلْنآ إِلَيْكُمْ } يا معشر قريش {كِتَٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ } لأنه بلغتكم {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فتؤمنون به.
الشوكاني
تفسير : نبه عباده على عظيم نعمته عليهم بقوله: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً } يعني القرآن {فِيهِ ذِكْرُكُمْ } صفة لـ {كتاباً}، والمراد بالذكر هنا: الشرف، أي فيه شرفكم كقوله: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44] وقيل: {فيه ذكركم} أي ذكر أمر دينكم، وأحكام شرعكم وما تصيرون إليه من ثواب أو عقاب. وقيل: فيه حديثكم، قاله مجاهد. وقيل: مكارم أخلاقكم ومحاسن أعمالكم. وقيل: فيه العمل بما فيه حياتكم. قاله سهل بن عبد الله. وقيل: فيه موعظتكم، والاستفهام في: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} للتوبيخ والتقريع، أي: أفلا تعقلون أن الأمر كذلك، أو لا تعقلون شيئاً من الأشياء التي من جملتها ما ذكر. ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى على الأمم المكذبة، فقال: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَـٰلِمَةً }: "كم" في محل نصب على أنها مفعول {قصمنا} وهي الخبرية المفيدة للتكثير. والقصم: كسر الشيء ودقه، يقال: قصمت ظهر فلان: إذا كسرته، واقتصمت سنه: إذا انكسرت، والمعنى هنا: الإهلاك والعذاب. وأما الفصم بالفاء فهو الصدع في الشيء من غير بينونة، وجملة: {كَانَتْ ظَـٰلِمَةً } في محل جرّ صفة لقرية، وفي الكلام مضاف محذوف، أي وكم قصمنا من أهل قرية كانوا ظالمين، أي كافرين بالله مكذبين بآياته، والظلم في الأصل: وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا الكفر في موضع الإيمان {وأنشأنا بعدها قوماً آخرين} أي أوجدنا وأحدثنا بعد إهلاك أهلها قوماً ليسوا منهم. {فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا } أي أدركوا أو رأوا عذابنا، وقال الأخفش: خافوا وتوقعوا، أو البأس: العذاب الشديد {إِذَا هُمْ مّنْهَا يَرْكُضُونَ } الركض: الفرار والهرب والانهزام، وأصله: من ركض الرجل الدابة برجليه، يقال: ركض الفرس: إذا كدّه بساقيه، ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا، ومنه: {حديث : ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ } تفسير : [صۤ: 42] والمعنى: أنهم يهربون منها راكضين دوابهم. فقيل لهم: {لاَ تَرْكُضُواْ } أي لا تهربوا. قيل: إن الملائكة نادتهم بذلك عند فرارهم. وقيل: إن القائل لهم ذلك هم من هنالك من المؤمنين استهزاء بهم وسخرية منهم {وَٱرْجِعُواْ إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } أي إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم وكفركم، والمترف المنعم، يقال: أترف فلان، أي وسع عليه في معاشه {وَمَسَـٰكِنِكُمْ } أي وارجعوا إلى مساكنكم التي كنتم تسكنونها وتفتخرون بها {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } أي: تقصدون للسؤال والتشاور والتدبير في المهمات، وهذا على طريقة التهكم بهم والتوبيخ لهم. وقيل: المعنى: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة فتخبرون به؛ وقيل: لعلكم تسألون أن تؤمنوا كما كنتم تسألون ذلك قبل نزول العذاب بكم. قال المفسرون وأهل الأخبار: إن المراد بهذه الآية: أهل حضور من اليمن، وكان الله سبحانه قد بعث إليهم نبياً اسمه شعيب بن مهدم، وقبره بجبل من جبال اليمن يقال له ضنن، وبينه وبين حضور نحو بريد، قالوا: وليس هو شعيباً صاحب مدين. قلت: وآثار القبر بجبل ضين موجودة، والعامة من أهل تلك الناحية يزعمون أنه قبر قدم بن قادم. {قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } أي قالوا لما قالت لهم الملائكة {لا تركضوا} يا ويلنا، أي: ياهلاكنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا مستوجبين العذاب بما قدّمنا. فاعترفوا على أنفسهم بالظلم الموجب للعذاب. {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ } أي ما زالت هذه الكلمة دعواهم أي: دعوتهم، والكلمة هي قولهم: {يا ويلنا} أي يدعون بها ويردّدونها {حَتَّىٰ جَعَلْنَـٰهُمْ حَصِيداً } أي بالسيوف كما يحصد الزرع بالمنجل، والحصيد هنا بمعنى المحصود، ومعنى {خَـٰمِدِينَ } أنهم ميتون من خمدت النار إذا طفئت، فشبه خمود الحياة بخمود النار، كما يقال لمن مات: قد طفىء. {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } أي لم نخلقهما عبثاً ولا باطلاً، بل للتنبيه على أن لهما خالقاً قادراً يجب امتثال أمره. وفيه إشارة إجمالية إلى تكوين العالم، والمراد بما بينهما سائر المخلوقات الكائنة بين السماء والأرض على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً } اللهو: ما يتلهى به. قيل: اللهو: الزوجة والولد. وقيل: الزوجة فقط. وقيل: الولد فقط. قال الجوهري: قد يكفي باللهو عن الجماع، يدل على ما قاله قول امرىء القيس:شعر : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي تفسير : ومنه قول الآخر:شعر : وفيهنّ ملهى للصديق ومنظر تفسير : والجملة مستأنفة لتقرير مضمون ما قبلها، وجواب لقوله: {لاَّتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا } أي من عندنا ومن جهة قدرتنا لا من عندكم. قال المفسرون أي من الحور العين، وفي هذا رد على من قال بإضافة الصاحبة والولد إلى الله، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً. وقيل: أراد الردّ على من قال: الأصنام أو الملائكة بنات الله. وقال ابن قتيبة: الآية ردٌّ على النصارى. {إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ } قال الواحدي: قال المفسرون: ما كنا فاعلين. قال الفراء والمبرد والزجاج: يجوز "أن" تكون إن للنفي كما ذكره المفسرون، أي ما فعلنا ذلك ولم نتخذ صاحبة ولا ولداً؛ ويجوز أن تكون للشرط، أي إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لدنا. قال الفراء: وهذا أشبه الوجهين بمذهب العربية. {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ } هذا إضراب عن اتخاذ اللهو، أي دع ذلك الذي قالوا فإنه كذب وباطل، بل شأننا أن نرمي بالحق على الباطل {فَيَدْمَغُهُ } أي يقهره، وأصل الدمغ: شج الرأس حتى يبلغ الدماغ، ومنه الدامغة. قال الزجاج: المعنى: نذهبه ذهاب الصغار والإذلال، وذلك أن أصله إصابة الدماغ بالضرب. قيل أراد بالحق: الحجة، وبالباطل: شبههم. وقيل: الحق المواعظ، والباطل المعاصي. وقيل: الباطل: الشيطان. وقيل: كذبهم ووصفهم الله سبحانه بغير صفاته {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } أي: زائل ذاهب، وقيل: هالك تالف، والمعنى متقارب، و"إذا" هي الفجائية {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } أي العذاب في الآخرة بسبب وصفكم لله بما لا يجوز عليه، وقيل: الويل: وادٍ في جهنم، وهو وعيد لقريش بأن لهم من العذاب مثل الذي لأولئك؛ ومن: هي التعليلية. {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} عبيداً وملكاً، وهو خالقهم ورازقهم ومالكهم، فكيف يجوز أن يكون له بعض مخلوقاته شريكاً يعبد كما يعبد، وهذه الجملة مقررة لما قبلها {وَمَنْ عِندَهُ } يعني: الملائكة، وفيه ردّ على القائلين بأن الملائكة بنات الله، وفي التعبير عنهم بكونهم {عنده} إشارة إلى تشريفهم وكرامتهم، وأنهم بمنزلة المقربين عند الملوك، ثم وصفهم بقوله: {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } أي لا يتعاظمون ولا يأنفون عن عبادة الله سبحانه والتذلل له {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } أي لا يعيون، مأخوذ من الحسير، وهو البعير المنقطع بالإعياء والتعب، يقال: حسر البعير يحسر حسوراً: أعيا وكلّ، واستحسر وتحسر: مثله وحسرته أنا حسراً، يتعدى ولا يتعدى. قال أبو زيد: لا يكلون، وقال ابن الأعرابي: لا يفشلون. قال الزجاج: معنى الآية أن هؤلاء الذين ذكرتم أنهم أولاد الله، عباد الله لا يأنفون عن عبادته ولا يتعظمون عنها كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ }تفسير : [الأعراف: 206]. وقيل: المعنى لا ينقطعون عن عبادته. وهذه المعاني متقاربة. {يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } أي ينزهون الله سبحانه دائماً لا يضعفون عن ذلك ولا يسأمون. وقيل: يصلون الليل والنهار. قال الزجاج: مجرى التسبيح منهم كمجرى النفس منا لا يشغلنا عن النفس شيء، فكذلك تسبيحهم دائم، وهذه الجملة إما مستأنفة جواب سؤال مقدّر، أو في محل نصب على الحال {أَمِ ٱتَّخَذُواْ الِهَةً مّنَ ٱلأَرْضِ } قال المفضل: مقصود هذا الاستفهام: الجحد، أي لم يتخذوا آلهة تقدر على الإحياء، و"أم": هي المنقطعة، والهمزة لإنكار الوقوع. قال المبرد: إن "أم" هنا بمعنى هل، أي هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض يحيون الموتى، ولا تكون "أم" هنا بمعنى بل، لأن ذلك يوجب لهم إنشاء الموتى إلا أن تقدّر "أم" مع الاستفهام، فتكون "أم" المنقطعة، فيصح المعنى، و{من الأرض} متعلق باتخذوا، أو بمحذوف هو صفة لآلهة، ومعنى {هُمْ يُنشِرُونَ }: هم يبعثون الموتى، والجملة صفة لآلهة، وهذه الجملة هي التي يدور عليها الإنكار والتجهيل، لا نفس الاتخاذ، فإنه واقع منهم لا محالة. والمعنى: بل اتخذوا آلهة من الأرض هم خاصة مع حقارتهم ينشرون الموتى، وليس الأمر كذلك، فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل عن ذلك. قرأ الجمهور: {ينشرون} بضم الياء وكسر الشين من أنشره أي: أحياه، وقرأ الحسن بفتح الياء، أي يحيون ولا يموتون. ثم إنه سبحانه أقام البرهان على بطلان تعدّد الآلهة، فقال: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } أي: لو كان في السمٰوات والأرض آلهة معبودون غير الله لفسدتا، أي لبطلتا، يعني السمٰوات والأرض بما فيهما من المخلوقات، قال الكسائي وسيبويه والأخفش والزجاج وجمهور النحاة: إن "إلا" هنا ليست للاستثناء بل بمعنى غير صفة لآلهة، ولذلك ارتفع الاسم الذي بعدها وظهر فيه إعراب غير التي جاءت "إلا" بمعناها، ومنه قول الشاعر:شعر : وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان تفسير : وقال الفراء: إن "إلا" هنا بمعنى سوى، والمعنى: لو كان فيهما آلهة سوى الله لفسدتا، ووجه الفساد أن كون مع الله إلٰهاً آخر يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادراً على الاستبداد بالتصرف، فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف ويحدث بسببه الفساد {فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان، أي تنزّه عزّ وجلّ عما لا يليق به من ثبوت الشريك له، وفيه إرشاد للعباد أن ينزّهوا الربّ سبحانه عما لا يليق به. {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } هذه الجملة مستأنفة مبينة أنه سبحانه لقوّة سلطانه وعظيم جلاله لا يسأله أحد من خلقه عن شيء من قضائه وقدره {وَهُمْ } أي: العباد {يُسْـئَلُونَ } عما يفعلون أي: يسألهم الله عن ذلك لأنهم عبيده. وقيل: إن المعنى: أنه سبحانه لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون. قيل: والمراد بذلك أنه سبحانه بين لعباده أن من يسأل عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح لأن يكون إلٰهاً. {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً } أي بل اتخذوا، وفيه إضراب وانتقال من إظهار بطلان كونها آلهة بالبرهان السابق، إلى إظهار بطلان اتخاذها آلهة مع توبيخهم بطلب البرهان منهم، ولهذا قال: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ } على دعوى أنها آلهة، أو على جواز اتخاذ آلهة سوى الله، ولا سبيل لهم إلى شيء من ذلك، لا من عقل ولا نقل، لأن دليل العقل قد مرّ بيانه، وأما دليل النقل فقد أشار إليه بقوله: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} أي هذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع ذكر أمتي وذكر الأمم السالفة وقد أقمته عليكم وأوضحته لكم، فأقيموا أنتم برهانكم. وقيل: المعنى هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت قبلي فانظروا: هل في واحد منها أن الله أمر باتخاذ إلٰه سواه. قال الزجاج: قيل لهم: هاتوا برهانكم بأن رسولاً من الرسل أنبأ أمته بأن لهم إلٰهاً غير الله، فهل في ذكر من معي وذكر من قبلي إلا توحيد الله؟ وقيل معنى الكلام: الوعيد والتهديد، أي افعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء. وحكى أبو حاتم: أن يحيـى بن يعمر وطلحة بن مصرف قرآ: "هذا ذكر من معي وذكر من قبلي" بالتنوين وكسر الميم، وزعم أنه لا وجه لهذه القراءة. وقال الزجاج في توجيه هذه القراءة: إن المعنى: هذا ذكر مما أنزل إليّ ومما هو معي وذكر من قبلي. وقيل: ذكر كائن من قبلي، أي جئت بما جاءت به الأنبياء من قبلي. ثم لما توجهت الحجة عليهم ذمهم بالجهل بمواضع الحق فقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ } وهذا إضراب من جهته سبحانه وانتقال من تبكيتهم بمطالبتهم بالبرهان إلى بيان أنه لا يؤثر فيهم إقامة البرهان، لكونهم جاهلين للحق لا يميزون بينه وبين الباطل. وقرأ ابن محيصن والحسن: "الحق" بالرفع على معنى هذا الحق، أو هو الحق، وجملة: {فَهُمْ مُّعْرِضُونَ } تعليل لما قبله من كون أكثرهم لا يعلمون أي فهم لأجل هذا الجهل المستولي على أكثرهم معرضون عن قبول الحق مستمرّون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، فلا يتأملون حجة، ولا يتدبرون في برهان، ولا يتفكرون في دليل. {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ يُوحَى إِلَيْهِ } قرأ حفص وحمزة والكسائي: {نوحي} بالنون، وقرأ الباقون بالياء أي: نوحي إليه {أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ } وفي هذا تقرير لأمر التوحيد وتأكيد لما تقدّم من قوله: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ } وختم الآية بالأمر لعباده بعبادته، فقال: {فَٱعْبُدُونِ } فقد اتضح لكم دليل العقل، ودليل النقل وقامت عليكم حجة الله. وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ } قال: شرفكم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: فيه حديثكم. وفي رواية عنه قال: فيه دينكم. وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: بعث الله نبياً من حمير يقال له: شعيب، فوثب إليه عبد فضربه بعصا، فسار إليهم بختنصر فقاتلتهم فقتلهم حتى لم يبق منهم شيء، وفيهم أنزل الله: {وَكَمْ قَصَمْنَا } إلى قوله: {خَـٰمِدِينَ }. وأخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد، وابن المنذر عن الكلبي في قوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ } قال: هي حضور بني أزد، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {وَٱرْجِعُواْ إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } قال: ارجعوا إلى دوركم وأموالكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ } قال: هم أهل حضور كانوا قتلوا نبيهم، فأرسل الله عليهم بختنصر فقتلهم، وفي قوله: {فَجَعَلْنَـٰهُمْ حَصِيداً خَـٰمِدِينَ } قال: بالسيف ضرب الملائكة وجوههم حتى رجعوا إلى مساكنهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن وهب قال: حدّثني رجل من الجزريين قال: كان اليمن قريتان، يقال لإحداهما: حضور، وللأخرى قلابة، فبطروا وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فلما أترفوا بعث الله إليهم نبياً فدعاهم فقتلوه، فألقى الله في قلب بختنصر أن يغزوهم، فجهز لهم جيشاً، فقاتلوهم فهزموا جيشه فرجعوا منهزمين إليه، فجهز إليهم جيشاً آخر أكثف من الأوّل، فهزموهم أيضاً؛ فلما رأى بختنصر ذلك غزاهم هو بنفسه، فقاتلوهم فهزمهم حتى خرجوا منها يركضون، فسمعوا منادياً يقول: {لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُواْ إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَـٰكِنِكُمْ } فرجعوا فسمعوا صوتاً منادياً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا بالسيف، فهي التي قال الله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ } إلى قوله: {خَـٰمِدِينَ } قلت: وقرى حضور معروفة الآن بينها وبين مدينة صنعاء نحو بريد في جهة الغرب منها. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {حَصِيداً خَـٰمِدِينَ }. قال: كخمود النار إذا طفئت. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً } قال: اللهو: الولد. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً } قال: النساء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } يقول: لا يرجعون. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } قال: بعباده {وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } قال: عن أعمالهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك نحوه. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس قال: ما في الأرض قوم أبغض إليّ من القدرية، وما ذاك إلا أنهم لا يعلمون قدرة الله، قال الله: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ أَنزَلنا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} الآية. فيه خمسة تأويلات: أحدها: فيه حديثكم، قاله مجاهد. الثاني: مكارم أخلاقكم ومحاسن أعمالكم، قاله سفيان. الثالث: شرفكم إن تمسكتم به وعملتم بما فيه، قاله ابن عيسى. الرابع: ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم. الخامس: العمل بما فيه حياتكم، قاله سهل بن عبدالله. قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنآ} أي عيانواْ عذابنا. {إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ} فيه وجهان: أحدهما: من القرية. الثاني: من العذاب، والركض: الإِسراع. قوله تعالى: {لاَ تَرْكُضُواْ وَارْجِعُواْ إِلى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} أي نعمكم، والمترف المنعم. {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لعلكم تسألون عن دنياكم شيئاً، استهزاء بهم، قاله قتادة. الثاني: لعلكم تقنعون بالمسألة، قاله مجاهد. الثالث: لتسألوا عما كنتم تعملون، قاله ابن بحر. قوله تعالى: {فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ} يعني ما تقدم ذكره من قولهم {يا ويلنا إنا كنا ظالمين}. {حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ} فيه قولان: أحدهما: بالعذاب، قاله الحسن. الثاني: بالسيف، قال مجاهد: حتى قتلهم بختنصر. والحصيد قطع الاستئصال كحصاد الزرع. والخمود: الهمود كخمود النار إذا أطفئت، فشبه خمود الحياة بخمود النار، كما يقال لمن مات قد طفىء تشبيهاً بانطفاء النار.
ابن عبد السلام
تفسير : {ذِكْرُكُمْ} شرفكم إن عملتم به، أو حديثكم، أو ما تحتاجون إليه من أمر دينكم، أو مكارم أخلاقكم ومحاسن أعمالكم.
النسفي
تفسير : {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ } يا معشر قريش {كِتَـٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ } شرفكم إن عملتم به أو لأنه بلسانكم أو فيه موعظتكم أو فيه ذكر دينكم ودنياكم والجملة أي فيه ذكركم صفة لـــــ {كتاباً} {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } ما فضلتكم به على غيركم فتؤمنوا {وَكَمْ } نصب بقوله {قَصَمْنَا } أي أهلكنا {مِن قَرْيَةٍ } أي أهلها بدليل قوله {كَانَتْ ظَـٰلِمَةً } كافرة وهي واردة عن غضب شديد وسخط عظيم لأن القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم فإنه كسر بلا إبانة {وَأَنشَأْنَا } خلقنا {بَعْدَهَا قَوْماً ءاخَرِينَ } فسكنوا مساكنهم. {فَلَمَّا أَحَسُّواْ } أي المهلكون {بَأْسَنَا } عذابنا أي علموا علم حس ومشاهدة {إِذَا هُمْ مّنْهَا } من القرية و{إذا} للمفاجأة و{هم} مبتدأ والخبر {يَرْكُضُونَ } يهربون مسرعين، والركض ضرب الدابة بالرجل فيجوز أن يركبوا دوابهم يركضونها هاربين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب، أو شبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين لدوابهم فقيل لهم {لاَ تَرْكُضُواْ } والقائل بعض الملائكة {وَٱرْجِعُواْ إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } نعمتم فيه من الدنيا ولين العيش. قال الخليل: المترف الموسع عليه عيشه القليل فيه همه {وَمَسَـٰكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } أي يقال لهم استهزاء بهم: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غداً عما جرى عليكم ونزل بأموالكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم حتى يسألكم عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقولوا لكم بم تأمرون وكيف نأتي ونذر كعادة المنعمين المخدمين، أو يسألكم الناس في أنديتكم المعاون في نوازل الخطوب، أو يسألكم الوافدون عليكم والطماع ويستمطرون سحاب أكفكم، أو قال بعضهم لبعض: لا تركضوا وارجعوا إلى منازلكم وأموالكم لعلكم تسألون مالاً وخراجاً فلا تقتلون، فنودي من السماء يا لثارات الأنبياء وأخذتهم السيوف فثم :
البقاعي
تفسير : ولما انقضى ما لزمهم بسبب الإقرار برسلية البشر من الإقرار برسلية رسولهم صلى الله عليه وسلم لكونه مساوياً لهم في النوع والإتيان بالمعجز، وما فعل بهم وبأممهم ترغيباً وترهيباً، وختم ذلك بأنه أباد المسرفين، ومحا ذكرهم إلا بالبشر، التفت إلى الذكر الذي طعنوا فيه، فقال مجيباً لمن كأنه قال: هذا الجواب عن الطعن في الرسول قد عرف، فما الجواب عن الطعن في الذكر؟ معرضاً عن جوابهم لما تقدم من الإشارة بحرف الإضراب إلى أن ما طعنوا به فيه لا يقوله عاقل، مبيناً لما لهم فيه من الغبطة التي هم لها رادون، والنعمة التي هم بها كافرون: {لقد} أي وعزتنا لقد {أنزلنا} بما لنا من العظمة {إليكم} يا معشر قريش بل العرب قاطبة {كتاباً} أي جامعاً لجميع المحاسن لا يغسله الماء ولا يحرقه النار {فيه ذكركم} طوال الدهر بالخير إن أطعتم، والشر إن عصيتم، وبه شرفكم على سائر الأمم بشرف ما فيه من مكارم الأخلاق التي كنتم تتفاخرون بها وبشرف نبيكم الذي تقولون عليه الأباطيل، وتكثرون فيه القال والقيل. ولما تم ذلك على هذا الوجه، نبه أنه يتعين على كل ذي لب الإقبال عليه والمسارعة إليه، فحسن جداً قوله منكراً عليهم منبهاً على أن علم ذلك لا يحتاج إلى غير العقل المجرد عن الهوى: {أفلا تعقلون*}. ولما كان التقدير: فإن عدلتم بقبوله شرفناكم، وإن ظلمتم برده عناداً أهلكناكم كما أهلكنا من كان قبلكم، عطف عليه قوله: {وكم قصمنا} أي بعظمتنا {من قرية} جعلناها كالشيء اليابس الذي كسر فتباينت أجزاؤه، والإناء الذي فت فانكب ماؤه؛ وأشار بالقصم الذي هو أفظع الكسر إلى أنها كانت باجتماع الكلمة وشدة الشكيمة كالحجر الرخام في الصلابة والقوة، و "كم" في هذا السياق يقتضي الكثرة، ثم علل إهلاكها وانتقالها بقوله: {كانت ظالمة} ثم بين الغنى عنها بقوله: {وأنشأنا} أي بعظمتنا. ولما كان الدهر لم يخل قط بعد آدم من إنشاء وإفناء، فكان المراد أن الإنشاء بعد الإهلاك يستغرق الزمان على التعاقب، بياناً لأن المهلكين ضروا أنفسهم من غير افتقار إليهم، اسقط الجار فقال: {بعدها قوماً} أي أقوياء، وحقق أنهم لا قرابة قريبة بينهم بقوله: {ءاخرين*} ثم بين حالها عند إحلال البأس بها فقال: {فلما أحسوا *} أي أدرك أهلها بحواسهم {بأسنا} أي بما فيه من العظمة {إذا هم} أي من غير توقف أصلاً {منها} أي القرية {يركضون*} هاربين عنها مسرعين كمن يركض الخيل - أي يحركها - للعدو، بعد تجبرهم على الرسل وقولهم لهم {أية : لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا} تفسير : [إبراهيم: 13] فناداهم لسان الحال تقريعاً تبشيعاً لحالهم وتفظيعاً: {لا تركضوا} وصور التهكم بهم بأعظم صورة فقال: {وارجعوا} إلى قريتكم {إلى ما}. ولما كان التأسيف إنما هو على العيش الرافه لا على كونه من معط معين، بني للمفعول قوله: {أترفتم فيه} أي منها، ويجوز أن يكون بني للمجهول إشارة إلى غفلتهم عن العلم لمن أترفهم أو إلى أنهم كانوا ينسبون نعمتهم إلى قواهم، ولو عدوها من الله لشكروه فنفعهم. ولما كان أعظم ما يؤسف عليه بعد العيش الناعم المسكن، قال: {ومساكنكم} أي التي كنتم تفتخرون بها على الضعفاء من عبادي بما أتقنتم من بنائها، وأوسعتم من فنائها، وعليتم من مقاعدها، وحسنتم من مشاهدها ومعاهدها {لعلكم تسألون*} في الإيمان بما كنتم تسألون، فتابوا بما عندكم من الأنفة ومزيد الحمية والعظمة، أو تسألون في الحوائج والمهمات، كما يكون الرؤساء في مقاعدهم العلية، ومراتبهم البهية، فيجيبون سائلهم بما شاؤوا على تؤدة وأحوال مهل تخالف أحوال الراكض العجل أية : أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال}تفسير : [إبراهيم: 44]. ولما كان كأنه قيل: بما أجابوا هذا المقال؟ قيل {قالوا} حين لا نفع لقولهم عند نزول البأس: {يا ويلنا} إشارة إلى أنه حل بهم لأنه لا ينادي إلا القريب، وترفقاً له كما يقول الشخص لمن يضربه: يا سيدي - كأنه يستغيث به ليكف عنه، وذلك غباوة منهم، وعمى عن الذي أحله بهم، لأنهم كالبهائم لا ينظرون إلا السبب الأقرب؛ ثم عللوا حلوله بهم تأكيداً لترفقهم بقولهم: {إنا كنا} أي جبلة لنا وطبعاً {ظالمين*} حيث كذبنا الرسل، وعصينا أمر ربنا، فاعترفوا حيث لم ينفعهم الاعتراف لفوات محله {فما} أي فتسبب عن إحلالنا ذلك البأس بهم أنه ما {زالت تلك} أي الدعوة البعيدة عن الخير والسلامة، وهي قولهم: يا ويلنا {دعواهم} يرددونها لا يكون دعوى لهم غيرها، لأن الويل ملازم لهم غير منفك عنهم، وترفقهم له غير نافعهم {حتى جعلناهم} بما لنا من العظمة {حصيداً} كالزرع المحصود. ولما كان هذا وما بعده مثل حلو حامض في الزمان، جعلا خبراً واحداً ليكون "جعل" مقتصراً على مفعولين فقال: {خامدين*} أي جامعين للانقطاع والخفوت، لا حركة لهم ولا صوت، كالنار المضطرمة إذا بطل لهيبها ثم جمرها وصارت رماداً، ولم يك ينفعهم إيمانهم واعترافهم بالظلم وخضوعهم لما رأوا بأسنا.
ابو السعود
تفسير : {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ} كلامٌ مستأنفٌ مَسوق لتحقيق حقيةِ القرآنِ العظيم الذي ذُكر في صدر السورةِ الكريمةِ إعراضُ الناس عما يأتيهم من آياته واستهزاؤُهم به وتسميتُهم تارةً سحراً وتارة أضغاثَ أحلام وأخرى مفترًى وشعراً، وبـيانُ علوِّ رتبته إثرَ تحقيق رسالتِه صلى الله عليه وسلم ببـيان أنه كسائر الرسلِ الكرام عليهم الصلاة والسلام قد صدر بالتوكيد القسمي إظهاراً لمزيد الاعتناء بمضمونه وإيذاناً بكون المخاطبـين في أقصى مراتب النكيرِ، أي والله لقد أنزلنا إليكم يا معشرَ قريش {كِتَـٰباً} عظيمَ الشأن نيِّر البرهان وقوله تعالى: {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} صفةٌ لكتاباً مؤكدةٌ لما أفاده التنكيرُ التفخيميُّ من كونه جليلَ المقدار بأنه جميلُ الآثار مستجلبٌ لهم منافعَ جليلةً، أي فيه شرفكم وصِيتُكم كقوله تعالى: { أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف: 44] وقيل: ما تحتاجون إليه في أمور دينِكم ودنياكم، وقيل: فيه ما تطلُبون به حَسَنَ الذكرِ من مكارم الأخلاق، وقيل: فيه موعظتُكم وهو الأنسب بسباق النظمِ الكريم وسياقِه فإن قوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} إنكارٌ توبـيخيٌّ فيه بعثٌ لهم على التدبر في أمر الكتابِ والتأمل فيما في تضاعيفه من فنون المواعظِ والزواجر التي من جملتها القوارعُ السابقةُ واللاحقةُ، والفاءُ للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلامُ أي ألا تتفكرون فلا تعقلون أن الأمرَ كذلك؟ أو لا تعقلون شيئاً من الأشياء التي من جملتها ما ذكر. وقوله تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ} نوعُ تفصيل لإجمالِ قوله تعالى: {وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ} وبـيانٌ لكيفية إهلاكِهم وسببِه وتنبـيهٌ على كثرتهم، وكم خبريةٌ مفيدةٌ للتكثير محلُّها النصبُ على أنها مفعولٌ لقصمنا ومن قرية تميـيزٌ، وفي لفظ القصْمِ الذي هو عبارةٌ عن الكسر بإبانة أجزاءِ المكسور وإزالةِ تأليفها بالكلية من الدِلالة على قوة الغضبِ وشدة السُّخط ما لا يخفى وقوله تعالى: {كَانَتْ ظَـٰلِمَةً} في محل الجرِّ على أنها صفةٌ لقرية بتقدير مضافٍ ينبىء عنه الضميرُ الآتي، أي وكثيراً قصمنا من أهل قريةٍ كانوا ظالمين بآيات الله تعالى كافرين بها كدأْبكم {وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا} أي بعد إهلاكها {قَوْماً ءاخَرِينَ} أي ليسوا منهم نسباً ولا ديناً، ففيه تنبـيهٌ على استئصال الأولين وقطعِ دابرهم بالكلية وهو السرُّ في تقديم حكاية إنشاءِ هؤلاء على حكاية مبادي إهلاكِ أولئك بقوله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا} أي أدركوا عذابَنا الشديدَ إدراكاً تاماً كأنه إدراكُ المشاهَد المحسوسِ {إِذَا هُمْ مّنْهَا يَرْكُضُونَ} يهرُبون مسرعين راكضين دوابَّهم أو مُشبَّهين بهم في فرْط الإسراع {لاَ تَرْكُضُواْ} أي قيل لهم بلسان الحالِ أو بلسان المقالِ من الملَك أو ممن ثمّةَ من المؤمنين بطريق الاستهزاءِ والتوبـيخِ: لا تركُضوا {وَٱرْجِعُواْ إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} من التنعم والتلذّذ، والإترافُ إبطارُ النعمة {وَمَسَـٰكِنِكُمْ} التي كنتم تفخرون بها {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} تُقصَدون للسؤال والتشاور والتدبـير في المُهمّات والنوازل، أو تُفقّدون إذا رُئيت مساكنُكم خاليةً وتُسألون أين أصحابُها، أو يسألكم الوافدون نوالَكم على أنهم كانوا أسخياءَ ينفقون أموالَهم رياءً، أو بخلاء فقيل لهم ذلك تهكماً إلى تهكم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ}[10] قال: يعني العمل بما فيه حياتكم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى ذكره: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الآية: 10]. قال سهل: العمل بما فيه حياتكم. قال بعضهم: فى هذه الآية خاطب كلا على مقدار طاقته والأنبياء مخاطبون منه على جهة، ولنبينا صلى الله عليه وعليهم أجمعين أخص الخطاب وهو قوله: {أية : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}تفسير : [الحجر: 72]، وقوله: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم: 4]، والأولياء مخاطبون منه على جهة وهو قوله: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}تفسير : [الإسراء: 65]، والمؤمنون مخاطبون على جهة وهو قوله: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1].
القشيري
تفسير : يريد بالكتاب القرآن، وقوله: {فِيهِ ذِكْرُكُمْ}: أي شرفُكم ومحلُّكم، فَمَنْ استبصَر بما فيه من النور سَعِدَ في دنياه وأخراه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} اى ذكر مناقبكم من حيث الارواح القدسية والاشباح الانسية والعقول الملكوتية والاسرار الجبروتية والنفوس الهوائية وهذه المراتب الجامعة لا تحصل الا لأدم وذريته وفيه بيان خبر الازل بكرامتكم وخيرتكم على البرية اين انتم من معرفة نفوسكم لا تعقلون شرق نسبتكم فى معرفتى وصولكم الىّ بعنايتى الازلية قال سهل العمل بما فيه حياتكم قال الاستاذ اى شرفكم وفخركم فمن استبصر بما فيه من النور سعد فى الدنيا والاخرة.
اسماعيل حقي
تفسير : {لقد انزلنا اليكم} اى والله لقد انزلنا اليكم يا معرش قريش {كتابا} عظيم الشان نير البرهان {فيه ذكركم} موعظتكم بالوعد لترغبوا وتحذروا وليس بسحر ولا شعر ولا اضغاث احلام ولا مفترى كما تدعون {أفلا تعقلون} الفاء للعطف على مقدر اى ألا تتفكرون فلا تعقلون ان الامر كذلك. وقال بعضهم فيه ذكركم اى شرفكم لانه بلغة العرب. قال الكاشفى [اين آيت اهل قرآ نرا تشريفى تمام وتكريمى مالا كلامست وخبر "اشراف امتى حملة القرآن" مؤيد ومؤكد اين اجلال واكرام] والمراد بجعله القرآن ملازموا قراءته كما فى تفسير الفاتحة للفنارى شعر : اهل قرآنند اهل الله وبس اتدرى ايشان كى وصى هى بوالهوس اهل باشد جنس وجنس اين كلام نيست جز مرغى كه بروازد زدام تفسير : وفى الحديث "حديث : ان لله اهلين من الناس اهل القرآن وهم اهل الله"تفسير : اى خاصته. قال ابن مسعود رضى الله عنه حديث : لما دنا فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعنا فى بيت امنا عائشة رضى الله عنها ثم نظر الينا فدمعت عيناه وقال"مرحبابكم حياكم الله رحمكم الله تعالى اوصيكم بتقوى الله وطاعته قد دنا الفراق وحان المنقلب الى الله والى سدرة المنتهى والى جنة المأوى يغسلنى رجال اهل بيتى ويكفنوننى فى ثيابى هذه ان شاؤوا او فى حلة يمانية فاذا غسلونى وكفنونى ضعونى على سريرى فى بيتى هذا على شفير لحدى ثم اخرجوا عنى ساعة فاول من يصلى على حبيبى جبرائيل ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم ملك الموت مع جنودهم ثم ادخلوا علىّ فوجا فوجا وصلوا علىّ فلما سمعوا فراقه صاحوا وبكوا" وقالوا يا رسول الله انت نور ربنا وشمع جمعنا وسلطان امرنا اذا ذهبت عنا الى من نرجع فى امورنا قال"تركتكم على المحجة البيضاء" اى الطريق الواسع الواضح ليلها كنهارها فى الوضوح "وتركت لكم واعظين ناطقا وصامتا" فالناطق القرآن والصامت الموت "فاذا اشكل عليكم امر فارجعوا الى القرآن والسنة واذا قست قلوبكم فلينوها بالاعتبار فى احوال الاموات"تفسير : وعن ابى هريرة رضى الله عنه مرفوعا "حديث : من تعلم القرآن فى صغره اختلط القرآن بلحمه ودمه ومن تعلمه فى كبره فهو يتفلت منه ولا يتركه فله اجره مرتين"تفسير : وجه الاول انه فى الصغر خال عن الشواغل وما صادف قلبا خاليا يتمكن فيه قال الشاعر شعر : اتانى هواها قبل ان اعرف الهوى فصادف قلبا خاليا فتمكنا تفسير : ويدخل فى الثانى من له حصرا اوعىّ لان من قرأ القرآن وهو عليه شاق فله اجران اجر لقراءته واجر لمشقته كذا فى شرح المصابيح.
الجنابذي
تفسير : {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً} بعدما اتمّ التّرغيب والتّخويف خاطب قريشاً او العرب {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} اى صيتكم وشرفكم او سبب ذكركم بين الخلق او سبب تذكّركم للآخرة {أَ} تعرضون {فَلاَ تَعْقِلُونَ} انّ فيه ذكركم اولا تصيرون عقلاء فتصيرون ظالمين.
اطفيش
تفسير : {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ} يا قريش {كِتَابًا} القرآن، ونكر للتعظيم. {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} يذكركم به غيركم، لأنه بلغتكم، أو المراد شرفكم، أو الثناء عليكم، أو مكارمكم التى تطلبون بها حسن الذكر، كحسن الحوار، والوفاء بالعهد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والسخاء. وقيل: المراد: لغتكم. وقيل: ذكر ما تحتاجون إليه من دينكم. وقيل: تذكرة لكم ومن فسره بالشرف فإنما نظر إلى قيد الإيمان به، أو إلى أنه مشهور بأَنه نزل على نبى عظيم من قريش. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} فتؤمنون به، وهذا تحريض.
اطفيش
تفسير : {لَقَد أنْزلنا إليْكُم} يا قريش أو جميع العرب {كتاباً} عظيما يخبر بصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه من جملة الرسل ولو كذبتموه وأعرضتم عما يقول {فيه ذكْركُم} نعت كتابا أى فيه شرفكم إذ كان بلغتكم على لسان نبى منكم، أو فيه مكارم الأخلاق والأفعال المتممة لشرفكم إن عملتموها أو تذكيركم بما تحتاجون إليه من الدنيا، والدين، أو تذكيركم بالوعظ، ويناسبها قوله سبحانه: {أفلا تعقلون} أى أتتركون إهمال أنفسكم عن التفكر فيما فيه من المصالح والزواجر، ويبعد التفسير بفيه ذكر قبائلكم ومعاملتكم النبى صلى الله عليه وسلم، والأنبياء قبله، ومن هو على الحق بالتكذيب.
الالوسي
تفسير : وقوله سبحانه: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً} كلام مستأنف مسوق لتحقيق حقية القرآن العظيم الذي ذكر في صدر السورة الكريمة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته واستهزاؤهم به واضطرابهم في أمره وبيان علو مرتبته إثر تحقيق رسالته صلى الله عليه وسلم ببيان أنه كسائر الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام قد صدر بالتوكيد القسمي إظهاراً لمزيد الاعتناء بمضمونه وإيذاناً بكون المخاطبين في أقصى مراتب النكير والخطاب لقريش، وجوز أن يكون لجميع العرب وتنوين {كِتَـٰباً} للتعظيم والتفخيم أي كتاباً عظيم الشأن نير البرهان، وقوله عز وجل: {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} صفة له مؤكدة لما أفاده التنكير التفخيمي من كونه جليل القدر بأنه جميل الآثار مستجلب لهم منافع جليلة والمراد بالذكر كما أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» وابن المنذر وغيرهما عن ابن عباس الصيت والشرف مجازاً أي فيه ما يوجب الشرف لكم لأنه بلسانكم ومنزل على نبـي منكم تتشرفون بشرفه / وتشتهرون بشهرته لأنكم حملته والمرجع في حل معاقده وجعل ذلك فيه مبالغة في سببيته له، وعن سفيان أنه مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال أي فيه ما يحصل به الذكر أي الثناء الحسن وحسن الأحدوثة من مكالام الأخلاق ومحاسن الأعمال إطلاقاً لاسم المسبب على السبب فهو مجاز عن ذلك أيضاً. وأخرج غير واحد عن الحسن أن المراد فيه ما تحتاجون إليه في أمور دينكم، وزاد بعض ودنياكم. وقيل الذكر بمعنى التذكير مضاف للمفعول، والمعنى فيه موعظتكم، ورجح ذلك بأنه الأنسب بسباق النظم الكريم وسياقه فإن قوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} إنكار توبيخي فيه بعث لهم على التدبر في أمر الكتاب والتدبر فيما في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر التي من جملتها القوارع السابقة واللاحقة. وقال صاحب «التحرير» الذي يقتضيه سياق الآيات إن المعنى فيه ذكر قبائحكم ومثالبكم وما عاملتم به أنبياء الله تعالى عليهم الصلاة والسلام من التكذيب والعناد. وقوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} إنكار عليهم في عدم تفكرهم مؤد إلى التنبه عن سنة الغفلة انتهى، وفيه بعد، والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي إلا تتفكرون فلا تعقلون ان الأمر كذلك أولاً تعقلون شيئاً من الأشياء التي من جملتها ما ذكر.
ابن عاشور
تفسير : استئناف جوابٌ عن قولهم {أية : فليأتنا بآية كما أرسل الأولون} تفسير : [الأنبياء: 5] بإيقاظهم إلى أن الآية التي جاءتهم هي أعظم من الآيات التي أرسل بها الأولون، وتجهيلاً لألبابهم التي لم تُدرك عِظم الآية التي جاءتهم كما أنبأ بذلك موقع هذه الجملة في هذا المكان. وفي ضمير ذلك تحقيق لكون القرآن حقاً، وتذكير بما يشتمل عليه من المنافع التي عَمُوا عنها فيما حكي عنهم أول السورة بقوله تعالى: {أية : ما يأتيهم من ذكر من ربهم مُحدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم} تفسير : [الأنبياء: 2ــــ3] كما أنبأ بذلك ظاهر معنى الآية. ولقصد هذا الإيقاظ صُدِّرت الجملة بما يفيد التحقيق من لام القسم وحرف التحقيق وجعل إنزال الكتاب إليهم كما اقتضته تعدية فعل {أنزلنا} بحرف (إلى) شأن تعدية فعل الإنزال أن يكون المجرور بــــ «إلى» هو المنزّل إليه فجعل الإنزال إليهم لكونهم بمنزلة من أنزل إليه نظراً إلى أن الإنزال كان لأجلهم ودعوتهم. وذلك أبلغ من أن يقال: لقد أنزلنا لكم. وتنكير {كتاباً} للتعظيم إيماء إلى أنه جمع خصلتين عظيمتين: كونه كتاب هدى، وكونه آية ومعجزة للرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله أو مُدَانِيه. والذكر يطلق على التذكير بما فيه الصلاح، ويطلق على السمعة والصيت كقوله {أية : ذكر رحمة ربك عبده زكريا}تفسير : [مريم: 2]. وقد أوثر هذا المصدر هنا وجُعل معرفاً بالإضافة إلى ضمير المخاطبين ليكون كلاماً موجهاً فيصح قصد المعنيين معاً من كلمة (الذكر) بأن مجيء القرآن مشتملاً على أعظم الهدى، وهو تذكير لهم بما به نهاية إصلاحهم، ومجيئه بلغتهم، وفي قومهم، وبواسطة واحد منهم، سمعةٌ عظيمة لهم كما قال تعالى: {أية : بلسان عربي مبين}تفسير : [الشعراء: 195] ــــ وقال ــــ {أية : كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم}تفسير : [البقرة: 151]. وقد فسر السلف هذه الآية بالمعنيين. وفي «تفسير الطبري» هنا قال جماعة: معنى «فيه ذكركم» أنه الشرَف، أي فيه شرفكم. وقال ابن عطية: يحتمل أن يريد فيه شرفكم وذكركم آخر الدهر كما تذكر عظام الأمور، وقد فُسر بمثل ذلك قوله تعالى {أية : وإنه لذكر لك ولقومك}تفسير : [الزخرف: 44]. وعلى المعنيين يكون لِتفريع قوله تعالى {أفلا تعقلون} أحسنُ موقع لأن الاستفهام الإنكاري لنفي عقلهم متجه على كلا المعنيين فإن من جاءه ما به هديه فلم يهتد يُنكَر عليه سوء عقله، ومن جاءه ما به مجده وسمعته فلم يعبأ به ينكر عليه سوء قدره للأمور حق قدرها كما يكون الفضل في مثله مضاعفاً. وأيضاً فهو متفرع على الإقناع بإنزال القرآن آية تفوق الآيات التي سألوا مثلها وهو المفاد من الاستئناف ومن تأكيد الجملة بالقسم وحرفِ التحقيق قال تعالى: {أية : أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون}تفسير : في سورة [العنكبوت: 51]، وذلك لإعجازه اللفظي والمعنوي.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 10- لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه تذكير لكم إذا علمتموه وعملتم بما فيه، فكيف تعرضون وتكفرون به؟! أيبلغ بكم العناد والحمق إلى ما أنتم عليه فلا تعقلون ما ينفعكم فتسارعون إليه؟ 11- وكثير من أهل القرى أهلكناهم بسبب كفرهم وتكذيبهم لأنبيائهم، وأنشأنا بعد كل قوم منهم قوماً غيرهم أحسن منهم حالا ومآلا. 12- فلما أردنا إهلاكهم، وأحسوا بما يقع عليهم من شدة عذابنا وقدرتنا على إنزاله؛ سارعوا إلى الهرب والتماس النجاة بما يشبه عمل الدواب. 13- لا تسرعوا - أيها المنكرون - فلن يعصمكم من عذاب الله شئ، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من نعيمكم ومساكنكم، لعل خدمكم وأشياعكم يسألونكم المعونة والرأى كما كان شأنكم، وأنَّى تستطيعون؟. 14- قالوا - وقد سمعوا الاستهزاء بهم منادين هلاكهم موقنين به -: إنا كنا ظالمين حين أعرضنا عما ينفعنا، ولم نؤمن بآيات ربنا. 15- فما زالت هذه الكلمات يرددونها ويصيحون بها، حتى جعلناهم - بالعذاب - كالزرع المحصود خامدين لا حياة فيهم. 16- وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما - بهذا النظام المحكم والصنع البديع - نلعب بها، بل جعلناها لحِكمٍ عالية يدركها المتأملون. 17- لو أردنا أن نتخذ ما نلْهُو به لما أمكن أن نتخذه إلا من مُلكنا الذى ليس فى الوجود مُلك غيره، إن كنا ممن يفعل ذلك، ولسنا ممن يفعله لاستحالته فى حقنا.
د. أسعد حومد
تفسير : {كِتَاباً} (10) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى شَرَفِ القُرْآنِ، وَيحُثُّ النَّاسَ عَلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ فَيَقُولُ: إِنَّهُ أَنْزَلَ القُرآنَ عَلَى مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، وفيه عِظَتُهُم بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ، وفَاضِلِ الآدَابِ وسَدِيدِ الشَّرَائِعِ والأَحْكَامِ، مِمَّا فِيهِ سَعَادَةُ البَشَرِ، فِي حَيَاتِهم الدُّنْيويَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ {ذِكْرُكُمْ}، ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى التَفَكُّرِ فِيهِ، وَعَلَى تَدَبُّرِهِ، لأنَّ مَنْ لَمْ يَتَفَكَّرْ وَلَم يَتَدَبَّرْ كَأنَّهُ لاَ عَقْلَ لَهُ. فِيهِ ذِكْرُكُمْ - فِيهِ مَوْعِظَتُكُمْ أَوْ شَرَفُكُمْ وَصِيتُكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه يخاطب المكذِّبين للنبي: ما أنزلتُ إليكم آية بعيدة عن معرفتكم، إنما أرسلتُ إليكم رسولاً بآية من جنس ما نبغتُم فيه، ولما نزل فهمتموه وعرفتم مراميه، بدليل أن في القرآن ألفاظاً تُستقبل بالغرابة ولم تعترضوا أنتم عليها، ولم تُكذِّبوا محمداً فيها مع أنكم تتلمسون له خطأ، وتبحثون له عن زلة. فمثلاً لما نزلتْ (الم) ما سمعنا أحداً منهم قال: أيها المؤمنون بمحمد، إن محمداً يدَّعي أنه أتى بكتاب مُعْجز فاسألوه: ما معنى (الم)؟ مما يدل على أنهم فهموها وقبلوها، ولم يجدوا فيها مَغْمزاً في رسول الله؛ لأن العرب في لغتهم وأسلوبهم في الكلام يستخدمون هذه الحروف للتنبيه. فالكلام سفارة بين المتكلِّم والسامع، المتكلِّم لا يُفَاجأ بكلامه إنما يعدّه ويُحضره قبل أن ينطق به، أمّا السامع فقد يُفَاجأ بكلام المتكلم، وقد يكون غافلاً يحتاج إلى مَنْ يُوقِظه ويُنبِّهه حتى لا يفوته شيء. وهكذا وُضِعَتْ في اللغة أدوات للتنبيه، إنْ أردتَ الكلام في شيء مهم تخشى أنْ يفوتَ منه شيء تُنبِّه السامع، ومن ذلك قول عمرو ابن كلثوم: شعر : * أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبِحينَا * تفسير : وقول آخر: شعر : أَلاَ أنعِمْ صَبَاحاً أُيُّها الطَّلَلُ البَالي وَهَلْ يَنْعَمَنْ مَنْ كَانَ في العَصْر الخالي تفسير : إذن: (ألا) هنا أداة للتنبيه فقط يعني: اسمعوا وانتبهوا لما أقول. وكذلك أسلوب القرآن: {أية : أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [يونس: 62] {أية : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ..} تفسير : [هود: 5]. إذن: عندما نزل القرآن عليهم فهموا هذه الحروف، وربما فهموا منها أكثر من هذا، ولم يردُّوا على رسول الله شيئاً من هذه المسائل مع حرصهم الشديد على نقده والأخذ عليه. وقوله تعالى: {فِيهِ ذِكْرُكُمْ ..} [الأنبياء: 10] الذكر: سبق أنْ أوضحنا أن الذكر يُطلق بمعنى: القرآن، أو بمعنى: الكتب المنزّلة، أو بمعنى: الصِّيت والشرف. أو بمعنى: التذكير أو التسبيح والتحميد. والذكر هنا قد يُرَاد به تذكيرهم بالله خالقاً، وبمنهجه الحق دستوراً، ولو أنكم تنبهتم لما جاء به القرآن لعرفتُم أن الفطرة تهدي إليه وتتفق معه، ولعرفتم أن القرآن لم يتعصّب ضدكم، بدليل أنه أقرَّ بعض الأمور التي اهتديتم إليها بالفطرة السليمة ووافقكم عليها. ومن ذلك مثلاً الدِّيَة في القتل هي نفس الدية التي حدَّدها القرآن، مسائل الخطبة والزواج والمهر كانت أموراً موجودة أقرها القرآن، كثيرون منهم كانوا يُحرِّمون الخمر ولا يشربونها، هكذا بالفطرة، وكثيرون كانوا لا يسجدون للأصنام، إذن: الفطرة السليمة قد تهتدي إلى الحق، ولا تتعارض ومنهجَ الله. أو: يكون معنى {ذِكْرُكُمْ ..} [الأنبياء: 10] شرفكم وصيْتكم ومكانتكم ونباهة شأنكم بين الأمم؛ لأن القرآن الذي نزل للدنيا كلها نزل بلغتكم، فكأن الله تعالى يثني عقول الناس جميعاً، ويثني قلوبهم للغتكم، ويحثّهم على تعلّمها ومعرفتها والحديث بها ونشرها في الناس، فمَنْ لم يستطع ذلك ترجمها، وأيُّ شرف بعد هذا؟! وقوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 10] أفلا تُعملِون عقولكم وتتأملون أن خيركم في هذا القرآن، فإنْ كنتم تريدون خُلقاً وديناً ففي القرآن، وإنْ كنتم تريدون شرفاً وسُمعة وصيتاً ففي القرآن، وأيُّ شرف بعد أن يقول الناس: النبي عربي، والقرآن عربي؟ ثم يقول الحق سبحانه: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لقد أنزلنا إليكم - أيها المرسل إليهم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب - كتابا جليلا وقرآنا مبينا { فِيهِ ذِكْرُكُمْ } أي: شرفكم وفخركم وارتفاعكم، إن تذكرتم به ما فيه من الأخبار الصادقة فاعتقدتموها، وامتثلتم ما فيه من الأوامر، واجتنبتم ما فيه من النواهي، ارتفع قدركم، وعظم أمركم، { أَفَلا تَعْقِلُونَ } ما ينفعكم وما يضركم؟ كيف لا ترضون ولا تعملون على ما فيه ذكركم وشرفكم في الدنيا والآخرة، فلو كان لكم عقل، لسلكتم هذا السبيل، فلما لم تسلكوه، وسلكتم غيره من الطرق، التي فيها ضعتكم وخستكم في الدنيا والآخرة وشقاوتكم فيهما، علم أنه ليس لكم معقول صحيح، ولا رأي: رجيح. وهذه الآية، مصداقها ما وقع، فإن المؤمنين بالرسول، الذين تذكروا بالقرآن، من الصحابة، فمن بعدهم، حصل لهم من الرفعة والعلو الباهر، والصيت العظيم، والشرف على الملوك، ما هو أمر معلوم لكل أحد، كما أنه معلوم ما حصل، لمن لم يرفع بهذا القرآن رأسا، ولم يهتد به ويتزك به، من المقت والضعة، والتدسية، والشقاوة، فلا سبيل إلى سعادة الدنيا والآخرة إلا بالتذكر بهذا الكتاب.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 628 : 3 : 27 - سفين {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} قال، شرفكم. [الآية 10]. {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ}تفسير : قال، شرف لك ولقومك. [الزخرف: 44].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):