Verse. 2494 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَۃٍ كَانَتْ ظَالِمَۃً وَّاَنْشَاْنَا بَعْدَہَا قَوْمًا اٰخَرِيْنَ۝۱۱
Wakam qasamna min qaryatin kanat thalimatan waanshana baAAdaha qawman akhareena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكم قصمنا» أهلكنا «من قرية» أي أهلها «كانت ظالمة» كافرة «وأنشأنا بعدها قوماً آخرين».

11

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك الاعتراضات وكانت تلك الاعتراضات ظاهرة السقوط لأن شرائط الإعجاز لما تمت في القرآن ظهر حينئذ لكل عاقل كونه معجزاً، وعند ذلك ظهر أن اشتغالهم بإيراد تلك الاعتراضات كان لأجل حب الدنيا وحب الرياسة فيها فبالغ سبحانه في زجرهم عن ذلك فقال: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ } قال صاحب «الكشاف» القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم وذكر القرية وأنها ظالمة وأراد أهلها توسعاً لدلالة العقل على أنها لا تكون ظالمة ولا مكلفة ولدلالة قوله تعالى: {وأنشأنا بعدها قوماً آخرين} فالمعنى أهلكنا قوماً وأنشأنا قوماً آخرين وقال: {فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا } ـ إلى قوله ـ {قَالُواْ يا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } وكل ذلك لا يليق إلا بأهلها الذين كلفوا بتصديق الرسل فكذبوهم ولولا هذه الدلائل لما جاز منه سبحانه ذكر المجاز لأنه يكون ذلك موهماً للكذب، واختلفوا في هذا الإهلاك فقال ابن عباس: المراد منه القتل بالسيوف والمراد بالقرية حضور وهي وسحول قريتان باليمن ينسب إليهما الثياب. وفي الحديث: «حديث : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين» تفسير : وروى: «حديث : حضوريين بعث الله إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم» تفسير : وروى: «حديث : أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء» تفسير : فندموا واعترفوا بالخطأ، وقال الحسن: المراد عذاب الاستئصال، واعلم أن هذا أقرب لأن إضافة ذلك إلى الله تعالى أقرب من إضافته إلى القاتل، ثم بتقدير أن يحمل ذلك على عذاب القتل فما الدليل على قول ابن عباس ولعل ابن عباس ذكر حضور بأنها إحدى القرى التي أرادها الله تعالى بهذه الآية، وأما قوله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ } فالمعنى لما علموا شدة عذابنا وبطشنا علم حس ومشاهدة ركضوا في ديارهم، والركض ضرب الدابة بالرجل، ومنه قوله تعالى: {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ } فيجوز أن يكونوا ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب، ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين، أما قوله: {لاَ تَرْكُضُواْ } قال صاحب «الكشاف»: القول محذوف، فإن قلت من القائل قلنا يحتمل أن يكون بعض الملائكة ومن ثم من المؤمنين، أو يكونوا خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل، أو يقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم أو يلهمهم ذلك فيحدثون به نفوسهم، أما قوله: {وَٱرْجِعُواْ إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَـٰكِنِكُمْ } أي من العيش والرفاهية والحال الناعمة، والإتراف إبطار النعمة وهي الترفه، أما قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } فهو تهكم بهم وتوبيخ، ثم فيه وجوه: أحدها: أي ارجعوا إلى نعمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غداً عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة. وثانيها: ارجعوا كما كنتم في مجالسكم حتى تسألكم عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقول لكم بم تأمرون وماذا ترسمون كعادة المخدومين. وثالثها: تسألكم الناس في أنديتكم لتعاونوهم في نوازل الخطوب ويستشيرونكم في المهمات ويستعينون بآرائكم. ورابعها: يسألكم الوافدون عليكم والطامعون فيكم إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكماً إلى تهكم وتوبيخاً إلى توبيخ، أما قوله تعالى: {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} فقال صاحب "الكشاف" تلك إشارة إلى {يا ويلنا} لأنها عدوى كأنه قيل فما زالت تلك الدعوى دعواهم، والدعوى بمعنى الدعوة قال تعالى: { أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } تفسير : [يونس: 10] فإن قلت: لم سميت دعوى؟ قلت: لأنهم كانوا دعوا بالويل: {فَقَالُواْ يا ويلَنَا } أي يا ويل احضر فهذا وقتك، وتلك مرفوع أو منصوب إسماً أو خبراً وكذلك: {كَانَ دَعْوَاهُمْ } قال المفسرون: لم يزالوا يكررون هذه الكلمة فلم ينفعهم ذلك كقوله تعالى: { أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } تفسير : [غافر: 85] أما قوله: {حَتَّىٰ جَعَلْنَـٰهُمْ حَصِيداً خَـٰمِدِينَ } فالحصيد الزرع المحصود أي جعلناهم مثل الحصيد شبههم به في استئصالهم، كما تقول جعلناهم رماداً أي مثل الرماد فإن قيل: كيف ينصب جعل ثلاثة مفاعيل، قلت: حكم الاثنين الأخيرين حكم الواحد والمعنى جعلناهم جامعين لهذين الوصفين، والمراد أنهم أهلكوا بذلك العذاب حتى لم يبق لهم حس ولا حركة وجفوا كما يجف الحصيد، وخمدوا كما تخمد النار.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} يريد مدائن كانت باليمن. وقال أهل التفسير والأخبار: إنه أراد أهل حَضُور وكان بعث إليهم نبي اسمه شعيب بن ذي مَهْدَم، وقبر شعيب هذا باليمن بجبل يقال له: ضنن كثير الثلج، وليس بشعيب صاحب مدين؛ لأن قصة حَضُور قبل مدة عيسى عليه السلام، وبعد مئين من السنين من مدة سليمان عليه السلام، وأنهم قتلوا نبيهم وقتل أصحاب الرَّس في ذلك التاريخ نبياً لهم اسمه حنظلة بن صفوان، وكانت حَضُور بأرض الحجاز من ناحية الشام، فأوحى الله إلى أرميا أن ٱيت بختنصر فأعلمه أني قد سلطته على أرض العرب، وأني منتقم بك منهم، وأوحى الله إلى أرميا أن احمل مَعَدّ بن عدنان على البراق إلى أرض العراق؛ كي لا تصيبه النقمة والبلاء معهم، فإني مستخرج من صلبه نبياً في آخر الزمان اسمه محمد، فحمل مَعَدّاً وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فكان مع بني إسرائيل إلى أن كبر وتزوّج امرأة اسمها معانة؛ ثم إن بختنصر نهض بالجيوش، وكمن للعرب في مكان ـ وهو أوّل من اتخذ المكامن فيما ذكروا ـ ثم شنّ الغارات على حَضُور فقَتل وسَبَى وخَرّب العامر، ولم يترك بحَضُور أثراً، ثم انصرف راجعاً إلى السواد. و«كَمْ» في موضع نصب بـ«ـقصمنا». والقَصْم الكسر؛ يقال: قَصمتُ ظهر فلان وانقصمت سنّه إذا انكسرت، والمعنيّ به هاهنا الإهلاك. وأما الفَصْم (بالفاء) فهو الصدع في الشيء من غير بينونة؛ قال الشاعر:شعر : كأنّهُ دُمْلُجٌ من فِضَّةٍ نَبَهٌ في مَلْعَبٍ من عَذَارَى الحيِّ مَفْصُومُ تفسير : ومنه الحديث: «حديث : فيُفْصِم عنه وإن جبينه ليتفصَّد عَرَقاً»تفسير : . وقوله: {كَانَتْ ظَالِمَةً} أي كافرة؛ يعني أهلها. والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا الكفر موضع الإيمان. {وَأَنشَأْنَا} أي أوجدنا وأحدثنا بعد إهلاكهم {قَوْماً آخَرِينَ}. {فَلَمَّآ أَحَسُّواْ} أي رأوا عذابنا؛ يقال: أحسست منه ضعفاً. وقال الأخفش: «أحسّوا» خافوا وتوقعوا. {إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ} أي يهربون ويفرّون. والركض العدو بشدة الوطء. والركض تحريك الرِّجل؛ ومنه قوله تعالى: {أية : ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ} تفسير : [صۤ: 42] وركضت الفرس برجلي استحثته ليعدو ثم كثر حتى قيل رَكَض الفرسُ إذا عَدَا وليس بالأصل، والصواب رُكِض الفرسُ على ما لم يسمّ فاعله فهو مركوض. {لاَ تَرْكُضُواْ} أي لا تفرّوا. وقيل: إن الملائكة نادتهم لما انهزموا استهزاء بهم وقالت: «لا تركضوا». {وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} أي إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم، والمترف المتنعم؛ يقال: أُترف على فلان أي وُسّع عليه في معاشه. وإنما أترفهم الله عز وجل كما قال: {أية : وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [المؤمنون: 33]. {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} أي لعلكم تُسألون شيئاً من دنياكم؛ استهزاء بهم؛ قاله قتادة. وقيل: المعنى «لَعَلَّكُمْ» عما نزل بكم من العقوبة فتخبرون به. وقيل: المعنى {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} أن تؤمنوا كما كنتم تسألون ذلك قبل نزول البأس بكم؛ قيل لهم ذلك استهزاء وتقريعاً وتوبيخاً. {قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ} لما قالت لهم الملائكة: «لا تركضوا» ونادت يا لثارات الأنبياء! ولم يروا شخصاً يكلمهم عرفوا أن الله عز وجل هو الذي سلط عليهم عدوهم بقتلهم النبي الذي بعث فيهم، فعند ذلك قالوا: {يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } فاعترفوا بأنهم ظلموا حين لا ينفع الاعتراف. {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} أي لم يزالوا يقولون: {يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ }. {حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً} أي بالسيوف كما يحصد الزرع بالمنجل؛ قاله مجاهد. وقال الحسن: أي بالعذاب. {خَامِدِينَ } أي ميتين. والخمود الهمود كخمود النار إذا طفئت فشبه خمود الحياة بخمود النار، كما يقال لمن مات قد طفىء تشبيهاً بانطفاء النار.

البيضاوي

تفسير : {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ } وإرادة عن غضب عظيم لأن القصم كسر يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم. {كَانَتْ ظَـٰلِمَةً } صفة لأهلها وصفت بها لما أقيمت مقامه. {وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا } بعد إهلاك أهلها. {قَوْماً ءَاخَرِينَ} مكانهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَمْ قَصَمْنَا } أهلكنا {مِن قَرْيَةٍ } أي أهلها {كَانَتْ ظَٰلِمَةً } كافرة {وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ}.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وكم قصمنا} يعني أهلكنا {من قرية كانت ظالمة} يعني كافرة والمراد أهل القرية {وأنشأنا بعدها} أي أحدثنا بعد هلاك أهلها {قوماً آخرين فلما أحسوا بأسنا} أي عذابنا بحاسة البصر {إذا هم منها يركضون} يعني يسرعون هاربين من قريتهم لما رأوا مقدمة العذاب {لا تركضوا} يعني قيل لهم لا تهربوا {وارجعوا إلى ما أترفتم فيه} يعني تنعمتم فيه من العيش {ومساكنكم لعلكم تسألون} قال ابن عباس عن قتل نبيكم، قيل نزلت هذه الآية في أهل حضرموت قرية باليمن، وكان أهلها عرباً فبعث الله إليهم نبياً يدعوهم إلى الله فكذبوه وقتلوه، فسلط الله عليهم بختنصر فقتلهم وسباهم، فلما استمر فيهم القتل هربوا فقالت الملائكة لهم استهزاء لا تركضوا، أي لا تهربوا وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم لعلكم تسألون شيئاً من دنياكم فتعطون من شئتم وتمنعون من شئتم، فإنكم أهل ثروة ونعمة فأتبعهم بختنصر وأخذتهم السيوف، ونادى مناد من جو السماء يا لثارات الأنبياء فلما رأوا ذلك، أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم {قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين} يعني لأنفسنا حين كذبنا الرسل وذلك أنهم اعترفوا بالذنب حين عاينوا العذاب، وقالوا ذلك على سبيل الندامة ولم ينفعهم الندم {فما زالت تلك دعواهم} يعني تلك الكلمة وهي قولهم يا ويلنا {حتى جعلناهم حصيداً} يعني بالسيوف كما يحصد الزرع {خامدين} يعني ميتين. قوله عز وجل: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين} معناه ما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من العجائب للعب واللهو، سويناهما لفوائد منها التفكر في خلقهما وما فيهما من العجائب والمنافع التي لا تعد ولا تحصى {لو أردنا أن نتخذ لهواً} قال ابن عباس: اللهو المرأة وعنه أنه الولد {لاتخذناه من لدنا} يعني من عندنا من الحور العين لا من عندكم من أهل الأرض، وقيل معناه لو كان ذلك جائزاً في حقنا لم نتخذه بحيث يظهر لكم بل نستر، ذلك حتى لا تتطلعوا عليه، وذلك أن النصارى لما قالوا، في المسيح وأمه ما قالوا رد الله عليهم بقوله لاتخذناه من لدنا لأنكم لا تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره {إن كنا فاعلين} يعني ما كنا فاعلين، وقيل ما كنا ممن يفعل ذلك لأنه لا يليق بالربوبية {بل} يعني دع ذلك الذي قالوه فإنه كذب وباطل {نقذف} يعني نرمي ونسلط {بالحق} يعني بالإيمان {على الباطل} يعني على الكفر، وقيل الحق قول الله أنه لا ولد له والباطل قولهم اتخذ الله ولداً {فيدمغه} فيهلكه {فإذا هو زاهق} يعني ذاهب والمعنى أنا نبطل كذبهم بما نبين من الحق حتى يذهب ويضمحل، ثم أوعدهم على كذبهم فقال تعالى {ولكم الويل} يا معشر الكفار {مما تصفون} الله بما لا يليق من الصحابة والولد {وله من في السموات والأرض} يعني عبيداً وملكاً وهو الخالق لهم والمنعم عليهم بأصناف النعم {ومن عنده} يعني الملائكة وإنما خص الملائكة وإن كانوا داخلين في جملة من في السموات لكرامتهم ومزيد الاعتناء بهم {لا يستكبرون عن عبادته} يعني لا يتكبرون ولا يتعظمون عنها {ولا يستحسرون} يعني لا يعيون ولا يتعبون، وقيل لا ينقطعون عن العبادة ثم وصفهم الله تعالى {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} يعني لا يضعفون ولا يسأمون، وذلك أن تسبيحهم متصل دائم لا يفتر في جميع أوقاتهم لا تتخلله فترة بفراغ أو شغل أخر قال كعب الأحبار التسبيح لهم كالنفس لبني آدم {آم اتخذوا آلهة من الأرض} يعني الأصنام من الحجارة والخشب وغيرهم من المعادن وهي من الأرض {هم ينشرون} يعني يحيون الأموات, إذ لا يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم والإنعام بأبلغ وجوه النعم، وهو الله عز وجل {لو كان فيهما} يعني في السماء والأرض {آلهة إلا الله} يعني غير الله {لفسدتا} يعني لخربتا وهلك من فيهما الوجود والتمانع من الآلهة لأن كل أمر صدر عن الاثنين فأكثر لم يجر على النظام وقال الإمام فخر الدين الرازي قال المتكلمون القول بوجود إلهين يفضي إلى المحال، فوجب أن يكون القول بوجود إلهين محالاً، وإنما قلنا إنه يفضي إلى المحال لأنا لو فرضنا وجود إلهين، فلا بد وأن يكون كل واحد منهما قادراً على كل المقدورات، ولو كان كذلك لكان كل واحد منهما قادراً على تحريك زيد وتسكينه. لو فرضنا أن أحدهما أراد تحريكه وأراد تسكينه، فإما أن يقع المرادان وهو محال لاستحالة الجمع بين الضدين أو لا يقع واحد منهما وهو محال لأن المانع من وجود مراد كل واحد منهما مراد الآخر فلا يمتنع مراد هذا إلا عند وجود مراد ذلك وبالعكس فلو امتنعن معاً وذلك محال أو يقع مراد أحدهما: دون الثاني وذلك أيضاً محال لوجهين أحدهما أنه لو كان كل واحد منهما قادراً على ما لا نهاية له امتنع كون أحدهما أقدر من الآخر، بل لا بد وأن يستويا في القدرة وإذا استويا في القدرة استحال أن يصير مراد أحدهما أولى بالوقوع من مراد الثاني وإلا لزم ترجيح الممكن من غير مرجح. وثانيهما: أنه إذا وقع مراد أحدهما دون الآخر فالذي وقع مراده يكون قادراً والذي لم يقع مراده يكون عاجزاً والعجز نقص، وهو على الإله محال. ولو فرضنا إلهين، لكان كل واحد منهما قادراً على جميع المقدورات فيفضي إلى وقوع مقدور من قادرين مستقلين من وجه واحد، وهو محال لأن إسناد الفعل إلى الفاعل إنما كان لإمكانه، فإذا كان كل واحد منهما مستقلاً بالإيجاد فالفعل لكونه من هذا يكون واجب الوقوع فيستحيل إسناده إلى هذا لكونه حاصلاً منهما جميعاً، فيلزم استغناؤه عنهما معاً واحتياجه إليهما معاً، وذلك محال وهذه حجة تامة في مسألة التوحيد فنقول القول بوجود إلهين يفضي إلى امتناع وقوع المقدور بواحد منهما، وإذا كان كذلك وجب أن لا يقع ألبتة وحينئذ يلزم وقوع الفساد قطعاً، أو نقول لو قدرنا إلهين فإما أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا على الشيء الواحد فذلك الواحد مقدور لهما ومراد لهما فيلزم وقوعه بهما، وهو محال وإن اختلفا فإما أن يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما أو يقع أحدهما دون الثاني والكل محال فثبت أن الفساد لازم على كل التقديرات. واعلم أنك إذا وقفت على حقيقة هذه الدلالة عرفت أن جميع ما في العالم العلوي والسفلي من المحدثات والمخلوقات فهو دليل على وحدانية الله تعالى. وأما الدلائل السمعية على الوحدانية فكثيرة في القرآن، واعلم أن كل من طعن في دلالة التمانع ففسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة يقول بإلهيتها عبدة الأصنام، لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على تدبير العالم فلزم إفساد العالم قالوا وهذا أولى لأنه تعالى حكى عنهم في قوله: {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون} ثم ذكر الدلالة على فساد هذا فوجب أن يختص الدليل به وأما قوله {فسبحان الله رب العرش عما يصفون} ففيه تنزيه الله سبحانه وتعالى عما يصفه به المشركون من الشريك والولد {لا يسأل عما يفعل} يعني لا يسأل عما يفعله ويقضيه في خلقه {وهم يسألون} يعني والناس عن أعمالهم، والمعنى أنه لا يسأل عما يحكم في عباده من إعزاز وإذلال وهدى وإضلال وإسعاد وإشقاء, لأنه الرب مالك الأعيان والخلق يسألون سؤال توبيخ. يقال لهم يوم القيامة لم فعلتم كذا لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم. والله تعالى ليس فوقه أحد يقول له لشيء فعله لم فعلته.

ابن عادل

تفسير : قوله: "وَكَمْ قَصَمْنَا" "كَمْ" في محل نصب مفعولاً مقدماً بـ "قَصَمْنَا" و "مِنْ قَرْيَةٍ" تمييز، والظاهر أن "كَمْ" هنا خبرية، لأنها تفيد التكثير. والقصم: القطع وهو الكسر الذي يبين تلازم الأجزاء بخلاف الفصم. قوله: "كَانَتْ ظَالِمَةً" في محل جر صفة لـ "قَرْيَةٍ"، ولا بد من مضاف محذوف قبل "قَرْيَةٍ" أي: وكم قصمنا من أهل قرية بدليل عود الضمير في قوله: "فَلَمَّا أَحَسُّوا" ولا يجوز أن يعود على قوله "قوماً" لأنه لم يذكر لهم ما يقتضي ذلك. فصل لما حكى عنهم تلك الاعتراضات الساقطة، لكونها في مقابلة ما ثبت إعجازه، وهو القرآن ظهر لكل عاقل أن اعتراضهم كان لأجل حب الرياسة والدنيا. والمراد بقوله: "قصمنا" أهلكنا. قال ابن عباس: المراد منه القتل بالسيوف، والمراد بالقرية: حضور وسحول باليمن ينسب إليهما الثياب، وفي الحديث: "حديث : كفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثوبين سحوليين"تفسير : ، وروي "حضوريين" بعث الله إليهما نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم. وروي "أنه لما أخذتهم السيوف ناداه مناد من السماء يا لثارات الأنبياء" فندموا واعترفوا بالخطأ، و {أية : قَالُواْ يَٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء:14]. وقال الحسن: المراد عذاب الاستئصال. وهذا أقرب، لأن إضافة ذلك إلى الله أقرب من إضافته إلى القائل، ثم بتقدير أن يحمل ذلك على عذاب القتل فما الدليل على الحصر في القريتين اللتين ذكرهما ابن عباس. وقوله: "كَانَتْ ظَالِمَةً" أي كافرة، يعني أهلها "وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا" أي: أحدثنا بعد هلاك أهلها "قَوْماً آخَرِينَ". {فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ} أي: عذابنا بحاسة البصر {إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ} أي: يسرعون هاربين. والركض ضرب الدابة بالرجل، يقال: ركض الدابة يركضها ركضاً، ومنه قوله تعالى: "ارْكُضْ بِرِجْلِكَ". فيجوز أن يركبوا دوابّهم فيركضوها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب. ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين. قوله: "إِذَا هُم": "إذَا" هذه فجائية، وتقدم الخلاف فيها. و "هُم" مبتدأ، و "يَرْكُضُونَ" خبره. وتقدم أول الكتاب أن أمثال هذه الآية دالة على أن "لمَّا" ليست ظرفية بل حرف وجوب لوجوب، لأن الظرف لا بد له من عامل، ولا عامل هنا، لأن ما بعد "إذا" لا يعمل فيما قبلها. والجواب أنه عمل فيها معنى المفاجأة المدلول عليه بـ "إِذَا". والضمير في "مِنْهَا" يعود على "قَرْيَةٍ"، ويجوز أن يعود على "بَأْسنَا" لأنه في معنى النقمة والبأساء، فأنث الضمير حملاً على المعنى. و "مِن" على الأول لابتداء الغاية، وللتعليل على الثاني. قوله: "لا تَرْكُضُوا" أي: قيل لهم: لا تركضوا، أي لا تهربوا. قال الزمخشري: القول محذوف، فإن قلت: من القائل؟ قلت: يحتمل أن يكون بعض الملائكة، أو من ثم من المؤمنين، أو يكون خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل، أو بقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم. أو يلهمهم ذلك فيحدثوا به نفوسهم. وقوله: {وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِِ} من العيش الرافه والحال الناعمة. والإتراف انتظار النعمة، وهي الترفه. وقوله: "لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونََ" تهكم بهم وتوبيخ. قال ابن عباس: تسألون عن قتل نبيكم. وقال غيره: هذا التهكم يحتمل وجوهاً: الأول: ارجعوا إلى نعمتكم ومساكنكم لعلكم تسألون عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة. الثاني: ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم حتى تسألكم عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم، ويقولوا لكم: بم تأمرون، وماذا ترسمون كعادة المخدومين. الثالث: تسألكم الناس ما في أيديكم ويستشيرونكم في المهمات. قوله: {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} اسم "زالت" "تلك" و "دعواهم" الخبر هذا هو الصواب. وقد قال الحوفي والزمخشري وأبو البقاء: يجوز العكس، وهو مردود بأنه إذا أخفي الإعراب مع استوائهما في المسوغ لكون كل منهما اسماً أو خبراً، وجب جعل المتقدم اسماً والمتأخر خبراً، وهو من باب ضرب موسى عيسى وتقدم إيضاح هذا في أول سورة الأعراف فليلتفت إليه. و "تلك" إشارة إلى الجملة المقولة. قال الزمخشري: "تلك" إشارة إلى "يَا وَيْلَنا" لإنها دعوى، كأنه قيل: فما زالت تلك الدعوى دعواهم، والدعوى بمعنى الدعوة، قال تعالى: {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [يونس: 10]. وسميت دعوى، لأنهم كانوا دعوا بالويل فقالوا: "يا ويلنا". قال المفسرون: لم يزالوا يكررون هذه الكلمة فلم ينفعهم ذلك كقوله: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} تفسير : [غافر: 85]. "حتى جعلناهم حصيداً" الحصيد: الزرع المحصود، أي جعلناهم مثل الحصيد، شبههم في استئصالهم به، كما تقول: جعلناهم رماداً أي: مثل الرماد قوله: "حَصِيداً" مفعول ثان، لأن الجعل هنا تصيير. فإن قيل: كيف ينصب "جعل" ثلاثة مفاعيل؟ فالجواب أن "حصيداً" و "خامدين" يجوز أن يكون من باب حلو حامض، كأنه قيل: جعلناهم جامعين بين الوصفين جميعاً. ويجوز أن يكون "خامدين" حالاً من الضمير في "جَعَلْنَاهُمْ"، أو من الضمير المستكن في "حَصِيداً" فإنه في معنى محصود. ويجوز أن يكون في باب ما تعدد فيه الخبر نحو: "زيد كاتب شاعر". وجوَّز أبو البقاء فيه أيضاً أن يكون صفة لـ "حصيداً"، وحصيد بمعنى محصود كما تقدم فلذلك لم يجمع. وقال أبو البقاء: والتقدير: مثل حصيد فلذلك لم يجمع كما لم يجمع "مثل" المقدر انتهى. وإذا كان بمعنى محصودين فلا حاجة، والمعنى: أنهم هلكوا بذلك العذاب حتى لم يبق حس ولا حركة، وجفوا كما يجف الحصيد وخمدوا كما تخمد النار.

السلمي

تفسير : قوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} [الآية: 11]. قال أبو بكر الوراق: في الظُّلْم خراب العمران كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : الظلم ظلمات يوم القيامة"تفسير : . فإذا أظلم القلب عن المعرفة والإخلاص خرب، وعلامة خراب القلب عصيان الجوارح وتعديها وميلها إلى ما فيه من الهلاك، لذلك قال الله عز من قائل: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} ومعناها: كانت غافلة عنا، متبعة لهواها.

القشيري

تفسير : إنَّ اللَّهَ يُمْهِل الظالمَ حيناً لكنه يأخذه أَخْذَ قهرٍ وانتقام، وقد حَكَمَ اللَّهُ بخرابِ مساكنِ الظالمين، وقد جاء الخبر: "حديث : لو كان الظلم بيتاً في الجنة لَسُلِّطَ عليه الخراب"تفسير : ؛ فإذا ظلم العبدُ نَفْسَه حَرَّمَ اللَّهُ أَنْ يقطنها التوفيقُ وجعلها موطنَ الخذلان، فإذا ظَلَمَ قلبَه بالغفلة سَلَّط عليه الخواطرَ الردية التي هي وساوس الشيطان ودواعي الفجور. وعلى هذا القياس في القلة والكثرة؛ إنَّ الروح إذا خربت زايلتها الحقائقُ والمحابُّ واستولت عليها العلائقُ والمساكنات.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ} كم قلب خرب عمران نور ذكر الله بظلم الطبيعة ومباشرة الشهوة والدعاوى الباطلة والنظر الى الاغيار وصار فحجوبها عن مشاهدة الانوار وحقائق الاسرار قال ابو بكر الوراق فى ظلم خرب العمران كما قال عليه السلام الظلم ظلمات يوم القيامة اذا ظلم القلب عن المعرفة والاخلاص خرب وعلامة خراب القلب عصيان الجوارح وتعديها وميلها الى ما فيه هلاكها ولذلك قال الله تعالى وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكم قصمنا من قرية} كم خبرية للتكثير محلها النصب على انها مفعول لقصمنا ومن قرية تمييز وفى لفظ القصم الذى هو عبارة عن الكسر بابانه اجراء المكسور وازالة تأليفها بالكلية من الدلالة على قوة الغضب وشدة السخط ما لا يخفى {كانت ظالمة} صفة لقرية بتقدير المضاف اى وكثر كسرنا واهلكنا من اهل قرية كانوا ظالمين بآيات الله كافرين بها كدأبكم يا معشر قريش {وانشأنا بعدها} اى بعد اهلاكها والانشاء والاختراع والتكوين والتحليق والايجاد اسماء مترادفة يراد بها معنى واحد وهو اخراج المعدوم من العدم الى الوجود كما فى بحر العلوم. قال الراغب الانشاء ايجاد الشئ وتربيته واكثر ما يقال ذلك فى الحيوان كما فى هذه الآية {قوما آخرين} اى ليسوا منهم نسبا ولا دينا

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {كم}: خبرية مفيدة للتكثير، ومحلها نصب، مفعول بقصمنا، و {من قرية} : تمييز، و {كانت...} الخ: صفة لقرية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وكم قَصَمْنَا من قرية} أي: كثيرًا أهلكنا من أهل قرية {كانت ظالمةً} بآيات الله تعالى، كافرين بها. وفي لفظ القصم - الذي هو عبارة عن الكسر؛ بإبانة أجزاء المكسور وإزالتها بالكلية - من الدلالة على قوة الغضب والسخط ما لا يخفى. {وأنشأنا} أي: أحدثنا {بعدها} أي: بعد إهلاكها {قومًا آخرين} ليسوا منهم نسبًا ولا دينًا، ففيه تنبيه على استئصالهم وقطع دابرهم بالكلية. {فلما أحسُّوا بأسنا} أي: أدركوا عذابنا الشديد إدراك المشاهدَ المحسوس {إِذا هم منها} أي: من القرية {يركُضُون}: يهربون مدبرين راكضين دوابهم. فقيل لهم، بلسان الحال أو المقال من الملَك، أو ممن حضرهم من المؤمنين، بطريق الاستهزاء والتوبيخ: {لا تركُضُوا وارجعوا إِلى ما أُتْرفْتُم فيه} من النعم والتلذذ {و} إلى {مساكِنِكُم} التي كنتم تفتخرون بها، {لعلكم تُسألون}؛ تقصدون للسؤال، إذ كانوا أغنياء، أو للتشاور والتدبر في المهمات والنوازل، أو تُسألون الفداء فَتُفتدَوْا من العذاب، أو تُسألون عن قتل نبيكم وفيم قتلتموه. قيل: نزلت في أهل حاضُورا قرية باليمن، وكان أهلها العرب، فبعث الله إليهم نبيًا فكذبوه وقتلوه، فسلط الله تعالى عليهم بُخْتنصَّرْ، فقتلهم وسباهم، فلما انهزموا وهربوا قالت لهم الملائكة: لا تركضوا، وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم؛ استهزاءً بهم، وأتبعهم بُختنصر، فأخذتهم السيوف، ونادى مناد من السماء: يا لَثَارات الأنبياء، فلما رأوا ذلك أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم، فقالوا: {يا ويلنا}؛ يا هَلاَكنا؛ {إِنّا كنا ظالمين} مستوجبين العذاب. وهذا اعتراف منهم وندَم حين لم ينفعهم ذلك. {فما زالتْ تلك دعواهم} أي: فما زالوا يُرددون تلك الكلمة، ويدعون بها، ويقولون: يا ويلنا، {حتى جعلناهم حصيدًا} أي: مثل الحصيد، وهو المحصود من الزرع والنبات، فهو فعيل بمعنى مفعول، فلذلك لم يجمع، كجريح وقتيل. وجعلناهم {خامدين}؛ ميتين، من خمدت النار إذا طفئت. وهو، مع "حصيدًا"، في حيز المفعول الثاني لجعل، كقولك: جعلته حلوًا حامضًا، والمعنى: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود، أو حال من الضمير المنصوب في "جعلناهم"، ولفظ الآية يقتضي العموم. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكم من قرية من قرى القلوب قصمنا أهلها، أي: ما فيها من الشكوك والأوهام، كانت ظالمة بتلك الخواطر، فأخرجناهم منها، وأنشأنا بعدها أنوارًا وأسرارًا وعلومًا آخرين. فلما حسوا بأسنا بورود الواردات الإلهية عليها، التي تأتي من حضرة القهار، إذا هم منها يركضون؛ لأن الواردات الإلهية تأتي من حضرة القهار، لأجل ذلك لا تصادم شيئًا من الظلمات إلا دمغته، فيقال لتلك الظلمات، التي هي الشكوك والأوهام: لا تركضوا، ولكن ارجعوا أنوارًا، وانقلبوا وارداتٍ وأسرارًا، وتنعموا في محلكم بشهود الحق، لعلكم تُسألون، أي: تُسْتَفْتَوْنَ في الأمور، لأن القلب إذا صفا من الأكدار استفتى في العلوم، وفي الأمور التي تعرض، قالوا بلسان الحال - أي تلك الظلمات -: يا ويلنا إنا كنا ظالمين؛ بحجب صاحبنا عن الله، فما زالت تلك دعواهم حتى صاروا خامدين، هامدين، ساكنين تحت مجاري الأقدار، مطمئنين بالله الواحد القهار، وهذه إشارة دقيقة، لا يفهمها إلا دقيق الفهم غزير العلم. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر أن إهلاك تلك القرى الظالمة كان لحكمة بليغة...

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى مخبراً انه قصم قرى كثيرة، ويريد أهلها. وقوله {كانت ظالمة} لما اضاف الهلاك الى القرية اضاف الظلم اليها. والتقدير قصمنا اهل قرية كانوا ظالمين لنفوسهم، بمعاصي الله، وارتكاب ما حرمه. و {كم} للكثرة وهي ضد {رب} لان {رب} للتقليل. و {كم} في موضع نصب بـ {قصمنا}. والقصم كسر الصلب قهراً، قصمه يقصمه قصماً، فهو قاصم الجبابرة، وانقصم انقصاماً مثل انقصف انقصافاً. وقوله {وأنشأنا بعدها قوماً آخرين} يعني أوجدنا بعد هلاك أولئك قوماً آخرين. والانشاء إيجاد الشيء من غير سبب يولده، يقال انشأه إنشاء. والنشأة الاولى الدنيا، والنشأة الثانية الآخرة. ومثل الانشاء الاختراع والابتداع - هذا فى اللغة - فأما في عرف المتكلمين، فالاختراع هو ابتداع الفعل في غير محل القدرة عليه. وقوله {فلما أحسوا بأسنا} معناه لما أدركوا بحواسهم عذابنا، والاحساس الادراك بحاسة من الحواص الخمس: السمع، والبصر، والانف، والفم، والبشرة. يقال: أحسه إحساساً وأحس به. وقال قوم: أراد عذاب الدنيا. وقال آخرون: أراد عذاب الآخرة. وقوله {إذا هم منها يركضون} فالركض العدو بشدة الوطئ، ركض فرسه إذا حثه على المر السريع، فمعنى {يركضون} يهربون من العذاب سراعاً، كالمنهزم من عدو. فيقول الله تعالى لهم {لا تركضوا} أي لا تهربوا من الهلاك {وارجعوا إلى ما أترفتم فيه} أي ارجعوا إلى ما كنتم تنعمون فيه، توبيخاً لهم وتقريعاً على ما فرط منهم. ومعنى {ما أترفتم فيه} نعمتم، فالمترف المنعم والتترف التنعم، وهي طلب النعمة. {ومساكنكم لعلكم تسألون} أي ارجعوا إلى مساكنكم لكي تفيقوا بالمسألة - في قول مجاهد - وقال قتادة: إنما هو توبيخ لهم في الحقيقة. والمعنى تسألون من انبيائكم؟ على طريق الهزء بهم، فقالوا عند ذلك معترفين على نفوسهم بالخطأ {يا ويلنا إنا كنا ظالمين} لنفوسنا بترك معرفة الله وتصديق أنبيائه، وركوب معاصيه. والويل الوقوع في الهلكة. ونصب على معنى ألزمنا ويلنا. ثم اخبر الله تعالى عنهم بأن ما حكاه عنهم من الويل {دعواهم} ونداؤهم أبداً {حتى جعلناهم حصيداً خامدين} بالعذاب - فى قول الحسن - وقال مجاهد: يعني بالسيف، وهو قتل (بخت نصر) لهم. والحصيد قتل الاستئصال، كما يحصد الزرع بالمنجل، والخمود كخمود النار إذا طفيت.

الجنابذي

تفسير : {وَكَمْ قَصَمْنَا} الجملة خاليّة وكم خبرية اواستفهاميّة والقصم الكسر وهو كناية عن الاهلاك سواء اريد من قوله تعالى {مِن قَرْيَةٍ} اهل القرية باستعمالها مجازاً فى اهلها، او بتقدير من اهل قرية، او اريد نفس القرية ويكون كسرها كناية عن هلاك اهلها {كَانَتْ ظَالِمَةً} صفة قرية او جواب للسّؤال عن حال القرية، او عن علّة القصم وعلى اىّ تقدير فهو يفيد التّعليل {وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ} عطف على كم قصمنا من قبيل عطف التّفصيل على الاجمال {إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ} اى يهربون.

الأعقم

تفسير : {وكم قصمنا من قرية} واردة على غضب شديد، ومنادية على سخط عظيم، لأن القصم أقطع من الكسر، قصمت الشيء كسرته، وأراد بالقرية أهلها ولذلك وصفها بالظلم {وأنشأنا بعدها قوماً آخرين} لأن المعنى أهلكنا قوماً وأنشأنا آخرين، وعن ابن عباس: انها حضور وسحول قريتان باليمن تنسب اليهما الثياب وفي الحديث: "كفن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ثوبين سحوليين"، وروي "حصوريين" بعث الله اليهم نبيّاً فقتلوه، فسلط الله عليهم بخت نصَّر كما سلَّطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم، وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى منادي يا ثارة الأنبياء ندموا واعترفوا بالخطأ وذلك حين لم ينفعهم الندم، وظاهر الآية على الكثرة، ولعل ابن عباس ذكر حصور بأنها إحدى القرى فلما علموا شدة عذابنا وبطشنا علم حسن...... لم يشكوا فيها ركضوا من ديارهم، والركوض: ضرب الدابة بالرجل، ومنه قوله تعالى: {أية : اركض برجلك} تفسير : [ص: 42]ويجوز أن يركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب، ويجوز أن شبهوا في سرعة عدوهم على أرجلين بالراكبين الراكضين لدوابهم فقيل لهم: {لا تركضوا} والقول محذوف، قال جار الله: فإن قلت: من القائلون؟ قلتُ: يحتمل أن يكون بعض الملائكة أو من ثم من المؤمنين، أو يقوله رب العزة وتسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم {وارجعوا إلى ما أترفتم فيه} من العيش الرافه والحال الناعمة {لعلكم تُسألون} تهكم بهم وتوبيخ، أي ارجعوا إلى نعمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غداً عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم، وذلك استهزاء بهم، يعني ارجعوا اجلسوا كما كنتم في مجالسكم وترتبوا في مراتبكم حتى يسألوكم من تملكون أمره، يسألكم الوافدون عليكم، فقيل لهم ذلك تهكم إلى تهكم، وتوبيخ إلى توبيخ {قالوا يا ويلنا} لما رأوا العذاب اعترفوا وقالوا على سبيل الندم {إنا كنا ظالمين} أنفسنا {فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين} والحصيد قصد الاستئصال كما يحصد الزرع، والخمود: النار إذا طفيت، وخمد الحمأ: سكن، وخمد الرجل وأغمي عليه {وما خلقنا السماء والأرض} يعني وما سوّينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع {وما بينهما} من أصناف الخلائق مشحونة بضروب البدائع والعجائب {لاعبين} كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وسائر زخارفهم لهواً ولعباً، وإنما سوينا للفوائد الدينية والحكم الربانيَّة لتكون مطارح أفكار واعتبار واستدلال ونظر العباد مع ما يتعلق بهم من المنافع التي لا تعد، ثم بيَّن أن السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب وانتفائه عن أفعاله هو أن الحكمة صارفة عنه وإلا أنا قادر على إيجاده إن كنت فاعلاً إني على كل شيء قدير، وقوله: {لاتخذناه من لدنَّا} أي من الملائكة لا من الإِنس ردّاً لمقالة المسيح، وقيل: اللهو المرأة، بل إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتبرئة منه لذاته كأنه قال: سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب {ما كنا فاعلين} ذلك لكن {نقذف} نرمي {بالحق} على الباطل يعني ننزل عليك من القرآن الحجج على أصناف الكفرة، وقيل: بالحجة على الشبهة {فيدمغه} يلغوه ويبطله {ولكم الويل} يا معاشر الكفار {مما تصفون} الله به من اتخاذ الولد {وله من في السماوات}، بل هو خالق السماوات {والأرض} وجميع الخلق عبيده {ومن عنده} الملائكة {لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون}، قيل: لا يستنكفون عن ابن عباس: وقيل: لا يميلون {يسبِّحون الليل والنهار} الذي أنتم فيه، وقيل: هو عبارة عن الدوام {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون} يحيون الأموات، وقيل: ينشرون الأحياء ويخلقون الخلق، وهذا استفهام والمراد الإِنكار، يعني لم يعبدون ما لا يخلق ولا يملك بل مخلوقون مملوكون، ثم دل عليه فقال سبحانه: {لو كان فيهما آلهة} يعني في السماوات والأرض غير الله {لفسدتا} لخربتا وهلك من فيهما وما استقامتا {فسبحان الله} منزّه عن ذلك {رب العرش عما يصفون} من الشريك والولد {لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون} لأن جميع أفعاله حكمة وصواب، وإنما يسألون أنهم يفعلون الحق والباطل، وقيل: ليس لأحد عليه نعمة يسأله عن شكرها، قال جار الله: كانت عادة الملوك والجبابرة أنهم لا يسألهم من في مملكتهم عن أفعالهم وعما يوردون ويصدرون عن تدبير ملكهم تهيباً وإجلالاً مع جواز الخطأ والزلل وأنواع الفساد، كان ملك الملوك ورب الأرباب خالقهم ورازقهم أولى بأن لا يسأل عن أفعال مع ما علم واستقر في العقول إنما يفعله كله مفعول بداعي الحكمة ولا يجوز عليه الخطأ ولا فعل القبائح، {وهم يسألون} أي هم مملوكون مستعبدون خطّاؤون.

اطفيش

تفسير : {وَكَمْ قَصَمْنَا} أهلكنا {مِنْ قَرْيَةٍ} هذه الجملة واردة عن غضب شديد، منادية على سخط عظيم، لأن القضم كسر فظيع، وهو الذى يُبِين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم بالفاء واستعير للإهلاك العظيم وكم للتكثير. والمراد بالقرية أهلها تعبيرا بلفظ المحل على الحال، أو بلفظ أحد المتجاوريْن عن الآخر، أو بقدر مضاف وذلك بدليل قوله: {كَانَتْ ظَالِمَةً} أى مشركة فإن المشرك من فيها. {وَأَنْشَأْنَا} أحدثنا {بَعْدَهَا} بعد إهلاك أهلها {قَوْمًا آخَرِينَ} بدلا منهم مكانهم.

اطفيش

تفسير : {وكم قَصَمْنا من قريةٍ كانَتْ ظالمةً وأنشأنا بعْدَها قَوْماً آخرينَ} بعض تفصيل لإجمال قوله عز وجل: "أية : وأهلكنا المسرفين" تفسير : [الأنبياء: 9] وبيان لكيفية الإهلاك، وإخبار بكثرة المهلكين، فإن كم هذه للتكثير مفعول به لقصمنا، بمعنى كسرنا بتفريق الأجزاء لشدة الغضب، ونعت القرية بموجب ذلك، وهو الظلم بالكفر بالآيات مثلكم، فهلا حذرتم أن ينزل بكم ما نزل بهم، والمراد كان أهلها أو هى أهلها مجازا أو ضعا، أو كناية، ولا يصح التفسير بقرية فى اليمن، بعث إليهم رجل يسمى ميشا أو شعيبا، وليس شعيب موسى، فضربه عبد بعصا فقاتلهم كلهم بخت نصر، أو بعد ما هزموا قومه مرتين، فخرج بنفسه فى الثالثة، ولا بقريتين حضور، وقلابة أهلكهما بخت نصر، لأن كم للتكثير. ويضعف أن يجاب بأن التكثير للفصم لا للقرية، أى كم قصمنا من ساكنى قرية أو قريتين، كما تقول:كم أخذت من دراهم زيد،على تعليق من بالفعل، لأنه خلاف الظاهر، بل من زائدة فى التمييز وأن يجاب بأن المراد قرية أو قريتان تخويف بها، أو بهما لا اختصاص، وإن كم للتقليل لفظاً تخويفا بالوقوع فى شأن هذا القليل، وإذا صحت الرواية فى ذلك عن ابن عباس مثلا، فلعل المراد التمثيل للآيد بالقرية والقريتين. {ثم أنشأنْا بعْدَها} بعد إهلاكها، فاعتبر ما مر هنا فى شأن القرية، وفى قوله: "أية : ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها" تفسير : [الأنبياء: 6] {قَوْماً آخرينَ} سكنُوا القرية أو قريباً منها.

الالوسي

تفسير : وقوله عز وجل: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ} نوع تفصيل لإجمال قوله تعالى: { أية : وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ } تفسير : [الأنبياء: 9] وبيان لكيفية إهلاكهم وتنبيه على كثرتهم، فكم خبرية مفيدة للتكثير محلها النصب على أنها مفعول {لقصمنا} و {مِن قَرْيَةٍ} تمييز، وفي لفظ القصم الذي هو عبارة عن الكسر بتفريق الأجزاء وإذهاب التئامها بالكلية كما يشعر به الإتيان بالقاف الشديدة من الدلالة على قوة الغضب وشدة السخط ما لا يخفى. وقوله تعالى: {كَانَتْ ظَـٰلِمَةً} صفة {قَرْيَةٌ} وكان الأصل على ما قيل أهل قرية كما ينبىء عنه الضمير الآتي إن شاء الله تعالى فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فوصف بما هو من صفات المضاف أعني الظلم فكأنه قيل وكثيراً قصمنا من أهل قرية كانوا ظالمين بآيات الله تعالى كافرين بها مثلكم. وفي «الكشاف» المراد بالقرية أهلها ولذلك وصفت بالظلم فيكون التجور في الطرف، وقال بعضهم: لك أن تقول وصفها بذلك على الإسناد المجازي وقوله: {قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ} كناية عن قصم أهلها للزوم إهلاكها إهلاكهم فلا مجاز ولا حذف، وأياً ما كان فليس المراد قرية معينة، وأخرج ابن المنذر. وغيره عن الكلبـي أنها حضور قرية باليمن. وأخرج ابن مردويه من طريقه عن أبـي صالح عن ابن عباس أنه قال بعث الله تعالى نبيناً من حمير يقال له شعيب فوثب إليه عبد فضربه بعصا فسار إليهم بختنصر فقاتلهم فقتلهم حتى لم يبق منهم شيء وفيهم أنزل الله تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا} الخ؛ وفي «البحر» أن هؤلاء كانوا بحضوراء وأن الله تعالى بعث إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله تعالى عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس بعث إليهم جيشاً فهزموه ثم بعث إليهم آخر فهزموه فخرج إليهم بنفسه فهزمهم وقتلهم، وعن بعضهم أنه كان اسم هذا النبـي موسى بن ميشا، وعن ابن وهب أن الآية في قريتين باليمن إحداهما حضور والأخرى قلابة بطر أهلهما فاهلكهم الله تعالى على يد بختنصر، ولا يخفى أنه مما يأباه ظاهر الآية والقول بأنها من قبيل قولك كم أخذت من دراهم زيد على أن الجار متعلق بأخذت والتمييز محذوف أي كم درهم أخذت من دراهم زيد، ويقال هنا إنها بتقديركم ساكن قصمنا من ساكني قرية أو نحو ذلك مما لا ينبغي أن يلتفت إليه إلا بالرد عليه، فلعل ما في الروايات محمول / على سبيل التمثيل، ومثل ذلك غير قليل. وفي قوله سبحانه: {وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا} أي بعد إهلاك أهلها لا بعد تلك الفعلة كما توهم {قَوْماً ءاخَرِينَ} أي ليسوا منهم في شيء تنبيه على استئصال الأولين وقطع دابرهم بالكلية وهو السر في تقديم حكاية إنشاء هؤلاء على حكاية مبادي إهلاك أولئك بقوله سبحانه: {فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا...}.

ابن عاشور

تفسير : عطف على قوله {أية : ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها} تفسير : [الأنبياء: 6] أو على قوله تعالى {وأهلكنا المسرفين}، وهو تعريض بالتهديد. ومناسبة موقعها أنه بعد أن أخبر أنه صَدَق رُسُلَه وعْدَه وهو خبر يفيد ابتداءً التنويه بشأن الرسل ونصرَهم وبشأن الذين آمنوا بهم. وفيه تعريض بنصر محمد - صلى الله عليه وسلم - وذكر إهلاك المكذبين له تبعاً لذلك، فأعقب ذلك بذكر إهلاك أمم كثيرة من الظالمين ووصفِ ما حل بهم ليكون ذلك مقصوداً بذاته ابتداءً اهتماماً به ليَقرع أسماعهم، فهو تعريض بإنذار المشركين بالانقراض بقاعدة قياس المساواة، وأن الله يُنشىء بعدهم أُمّة مؤمنة كقوله تعالى {أية : إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد}تفسير : في سورة [إبراهيم: 19]. و (كم) اسم، له حقّ صدر الكلام لأن أصله اسم استفهام عن العدد، وشاع استعماله للإخبار عن كثرة الشيء على وجه المجاز لأن الشيء الكثير من شأنه أن يُستفهَم عنه، والتقدير: قصمنا كثيراً من القرى فــــ (كم) هنا خبرية. وهي واقعة في محل نصب بفعل {قصمنا}. وفي (كم) الدالة على كثرة العدد إيماء إلى أن هذه الكثرة تستلزم عدم تخلف إهلاك هذه القرى، وبضميمة وصف تلك الأمم بالظلم أي الشرك إيماءٌ إلى سبب الإهلاك فحصل منه ومن اسم الكثرة معنى العموم، فيَعلم المشركون التهديد بأن ذلك حالٌّ بهم لا محالة بحكم العموم، وأن هذا ليس مراداً به قرية معينة، فما روي عن ابن عباس: أن المراد بالقرية (حَضوراء) بفتح الحاء مدينة باليمن قتلوا نبيئاً اسمه شُعيب بن ذي مهدم في زمن أرمياء نبيء بني إسرائيل فسلط الله عليهم بختنصر فأفناهم. فإنما أراد أن هذه القرية ممن شملتهم هذه الآية، والتقدير: قصمنا كثيراً. وقد تقدم الكلام على قوله تعالى {أية : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن} تفسير : في سورة [الأنعام: 6]. وأطلق القرية على أهلها كما يدل عليه قوله تعالى {وأنشأنا بعدها قوماً آخرين}. ووجه اختيار لفظ {قرية} هنا نظير ما قدمناه آنفاً في قوله تعالى {أية : ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها}تفسير : [الأنبياء: 6]. وحرف (مِن) في قوله تعالى {من قرية} لبيان الجنس، وهي تدخل على ما فيه معنى التمييز وهي هنا تمييز لإبهام (كم). والقصْم: الكسر الشديد الذي لا يرجى بعده التئام ولا انتفاع. واستعير للاستيصال والإهلاك القوي كإهلاك عاد وثمود وسبأ. وجملة {وأنشأنا بعدها قوماً آخرين} معترضة بين جملة {وكم قصمنا من قرية} وجملة {فلما أحسوا بأسنا} الخ. فجملة {فلما أحسوا بأسنا} الخ تفريع على جملة {وكم قصمنا من قرية}. وضمير {منها}عائد إلى {قرية}. والإحساس: الإدراك بالحس فيكون برؤية ما يزعجهم أو سماع أصوات مؤذنة بالهلاك كالصواعق والرياح. والبأس: شدة الألم والعذاب. وحرف (مِن) في قوله {منها يركضون} يجوز أن يكون للابتداء، أي خارجين منها، ويجوز أن يكون للتعليل بتأويل (يركضون) معنى (يهربون)، أي من البأس الذي أحسوا به فلا بدّ من تقدير مضاف، أي من بأسنا الذي أحسوه في القرية. وذلك بحصول أشراط إنذار مثل الزلازل والصواعق. والركض: سرعة سير الفرس، وأصله الضرب بالرّجل فيسمى به العدو، لأن العدو يقتضي قوة الضرب بالرّجل وأطلق الركض في هذه الآية على سرعة سير الناس على وجه الاستعارة تشبيهاً لسرعة سيرهم بركض الأفراس. و {منها}ظرف مستقر في موضع الحال من الضمير المنفصل المرفوع. ودخلت (إذا) الفجائية في جواب (لما) للدلالة على أنهم ابتدروا الهروب من شدة الإحساس بالبأس تصويراً لشدة الفزع. وليست (إذا) الفجائية برابطة للجواب بالشرط لأن هذا الجواب لا يحتاج إلى رابط، و (إذا) الفجائية قد تكون رابطة للجواب خَلفاً من الفاء الرابطة حيث يحتاج إلى الرابط لأن معنى الفجاءة يصلح للربط ولا يلازمه. وجملة {لا تركضوا} معترضة وهي خطاب للراكضين بتخيل كونهم الحاضرين المشاهَدين في وقت حكاية قصتهم، ترشيحاً لمِا اقتضى اجتلاب حرف المفاجأة وهذا كقول مَالك بن الرّيب:شعر : دعَاني الهوى من أهل وُدي وجيرتِي بذِي الطبَسيْن فالتفتُّ ورائيا تفسير : أي لما دعاه الهوى، أي ذكّره أحبابَه وهو غازٍ بذي الطّبسين التفتَ وراءه كالذي يدعوه داع من خلفه فتخيل الهوى داعياً وراءه. وتكون هذه الجملة معترضة بين جملة {فلما أحسوا بأسنا} وبين جملة {قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين}. ويجوز جعل الجملة مقول قول محذوف خوطبوا به حينئذ بأن سمعوه بخلق من الله تعالى أو من ملائكة العذاب. وهذا ما فسر به المفسرون ويبعده استبعادُ أن يكون ذلك واقعاً عند كل عذاب أصيبت به كل قرية. وأياً ما كان فالكلام تهكم بهم. والإتراف: إعطاء الترف، وهو النعيم ورفه العيش، أي ارجعوا إلى ما أعطيتم من الرفاهية وإلى مساكنكم. وقوله تعالى {لعلكم تسألون} من جملة التهكم. وذكر المفسرون في معنى {تُسألون}احتمالات ستة. أظهرها: أن المعنى: ارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعيم لتروا ما آل إليه فلعلكم يسألكم سائل عن حال ما أصابكم فتعلموا كيف تجيبون لأن شأن المسافر أن يسأله الذين يقدَم إليهم عن حال البلاد التي تركها من خصب ورخاء أو ضد ذلك، وفي هذا تكملة للتهكم. وجملة {قالوا يا ويلنا} إن جَعَلْتَ جملة {لا تركضوا} معترضة على ما قررتُه آنفاً تكون هذه مستأنفة استئنافاً بيانياً عن جملة {إذا هم منها يركضون} كأن سائلاً سأل عما يقولونه حين يسرعون هاربين لأن شأن الهارب الفزِع أن تصدر منه أقوال تدل على الفزع أو الندم عن الأسباب التي أحلت به المخاوف فيجاب بأنهم أيقنوا حين يرون العذاب أنهم كانوا ظالمين فيُقرون بظلمهم ويُنشئون التلهف والتندم بقولهم {يا ويلنا إنا كنا ظالمين}. وإن جَعَلتَ جملة {لا تركضوا} مقول قول محذوف على ما ذهب إليه المفسرون كانت جملة {قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين} جواباً لقول من قال لهم {لا تركضوا} على وجه التهكم بهم ويكون فصل الجملة لأنها واقعة في موقع المحاورة كما بيّناه غير مرة، أي قالوا: قد عرفنا ذنبنا وحق التهكم بنا. فاعترفوا بذنبهم. قال تعالى: {أية : فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير} تفسير : في سورة [الملك: 11].

الشنقيطي

تفسير : "كم" هنا للإخبار بعدد كثير، وهي في محل نصب لأنها مفعول "قصمنا" أي قصمنا كثيراً من القرى التي كانت ظالمة، وأنشأنا بعدها قوماً آخرين. وهذا المعنى المذكور هنا جاء مبيناً في مواضع كثيرة من كتاب الله. كقوله تعالى: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً} تفسير : [الإسراء: 17]، وقوله: {أية : فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} تفسير : [الحج: 45] الآية، وقوله: {أية : وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً}تفسير : [الطلاق: 8-9] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَكَمْ قَصَمْنَا} أصل القصم: أفظع الكسر لأنه الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء، بخلاف الفصم بالفاء فهو كسر لا يبين تلاؤم الأجزاء بالكلية. والمراد بالقصم في الآية: الإهلاك الشديد.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وكم قصمنا: أي وكثيراً من أهل القرى قصمناهم بإهلاكهم وتفتيت أجسامهم. كانت ظالمة: أي كان أهلها ظالمين. يركضون: أي فارين هاربين. إلى ما أترفتم فيه: أي من وافر الطعام والشراب والمسكن والمركب. تسألون: أي عن شيء من دنياكم على عادتكم. تلك دعواهم: أي دعوتهم التي يرددونها وهي: {يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}. حصيداً خامدين: أي لم يبق منهم قائم فهم كالزرع المحصود خامدين لا حراك لهم كالنار إذا أُخمدت. معنى الآيات: يقول تعالى منذراً قريشاً أن يحل بها ما حل بغيرها ممن أصروا على التكذيب والعناد {وَكَمْ قَصَمْنَا} أي أهلكنا وأبدنا إبادة كاملة {مِن قَرْيَةٍ} أي أهل قرية {كَانَتْ ظَالِمَةً} أي كان أهلها ظالمين بالشرك والمعاصي والمكابرة والعناد، {وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ} هم خير من أولئك الهالكين. وقوله تعالى: {فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ} أي فلما أحسَّ أولئك الظالمون {بَأْسَنَآ} أي شعروا به وأدركوه بحواسهم بأسماعهم وأبصارهم {إِذَا هُمْ مِّنْهَا} من تلك القرية يركضون هاربين فراراً من الموت. والملائكة تقول لهم توبيخاً لهم وتقريعاً: لا تركضوا هاربين {وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} نُعِمْتُم فيه من وافِر الطعام والشراب والكساء والمسكن والمركب {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} على العادة عن شيء من أموركم وأمور دنياكم، فكان جوابهم ما أخبر تعالى به عنهم: {قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ} أي يا هلاكنا أحضر هذا أو آن حضورك إنا كنا ظالمين أنفسنا بالشرك والمعاصي والتكذيب والعناد. قال تعالى: {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} أي ما زال قولهم {يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} تلك دعوتهم التي يرددونها {حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ} أي مُجتثين من أصولهم ساقطين في الأرض خامدين لا حراك لهم كالنار إذا أُخمدت فلم يبق لها لهيب. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- التنديد بالظلم وأعلى درجاته الشرك بالله. 2- جواز الاستهزاء بالمشرك الظالم إذا حل به العذاب تقريعاً له وتوبيخاً. 3- لا تنفع التوبة عند معاينة العذاب لو طلبها الهالكون. 4- شدة الهول ورؤية العذاب قد تفقد صاحبها رشده وصوابه فيهْذِرُ ولا يدري ما يقول.

د. أسعد حومد

تفسير : {آخَرِينَ} (11) - لَقَدْ أهْلَكْنَا قُرًى وأُمَماً كَثِيرَةً كَانَتْ ظَالِمةً بِكُفْرِها وَفَسَادِها، وتَكْذِيبِهَا الرُّسُلَ، وأَنْشَأنَا بَعْدَهُم أَقْوَاماً آخَرِينَ، خَلَفُوهُم فِي الأرْضِ. كَمْ قَصَمْنَا - كَثيرا ً ما أَهْلَكْنَا.

الثعلبي

تفسير : {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} أي أهلكنا، والقصم: الكسر يقال: قصمت ظهر فلان، وانقصمت سنة إذا انكسرت. {وَأَنشَأْنَا} وأحدثنا {بَعْدَهَا} بعد إهلاك أهلها {قَوْماً آخَرِينَ * فَلَمَّآ أَحَسُّواْ} رأوا {بَأْسَنَآ} عذابنا {إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ} يسرعون هاربين، يقال منه: ركض فلان فرسه إذا كدّه بالرجل، وأصله التحريك. {لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} نُعّمتم فيه {وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} عن نبيّكم، مجاهد: لعلكم تفقهون بالمسألة، قتادة: لعلّكم تسألون من دنياكم شيئاً استهزاءً بهم، نزلت هذه الآيات في أهل حصورا وهي قرية باليمن، وكان أهلها العرب فبعث الله إليهم نبياً يدعوهم إلى الله سبحانه فكذّبوه وقتلوه، فسلّط الله عليهم بخت نصّر حتى قتلهم وسباهم ونكّل بهم، فلمّا استحرّ فيهم القتل ندموا وهربوا وانهزموا، فقالت الملائكة لهم على طريق الاستهزاء {لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} إلى مساكنكم وأموالكم، فأتبعهم بخت نصّر وأخذتهم السيوف، ونادى مناد من جوّ السّماء: يالثارات الأنبياء، فلمّا رأوا ذلك أقرّوا بالذنوب حين لم ينفعهم فقالوا {يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} قولهم وهجّيراهم {حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً} بالسيوف كما يحصد الزرع {خَامِدِينَ} ميّتين. {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} عبثاً وباطلاً {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً} قال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن المرأة. وقال عقبة بن أبي جسرة: شهدت الحسن بمكة وجاءه طاووس وعطاء ومجاهد فسألوه عن هذه الآية، فقال الحسن: اللهو: المرأة. وقال ابن عباس: الولد. {لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ} من عندنا وما اتّخذنا نساءً وولداً من أهل الأرض، نزلت في الذين قالوا اتّخذ الله ولداً. {إِن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ} نأتي ونرمي وننزل {بِٱلْحَقِّ} بالإيمان {عَلَى ٱلْبَاطِلِ} الكفر {فَيَدْمَغُهُ} فيهلكه، وأصل الدمغ شجّ الرأس حتى يبلغ الدِماغ { فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} ذاهب وهالك. {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ} يا معشر الكفّار {مِمَّا تَصِفُونَ} لله بما لا تليق به من الصاحبة والولد. وقال مجاهد: ممّا تكذبون، ونظيره قوله {أية : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} تفسير : [الأنعام: 139] أي تكذيبهم. {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} عبداً وملكاً {وَمَنْ عِنْدَهُ} يعني الملائكة {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ}. قال ابن عباس: لا يستنكفون، مجاهد: لا يجسرون، قتادة ومقاتل والسدّي: لا يعيون، الوالبي عن ابن عباس: لا يرجعون، ابن زيد: لا يملّون. {يُسَبِّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} لا يضعفون ولا يسأمون، قد أُلهموا التسبيح كما تلهمون النَّفَس. {أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ} يعني الأصنام {هُمْ يُنشِرُونَ} يحيون الإموات ويخلقون الخلق. {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ} أي في السماء والأرض {آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ} غير الله {لَفَسَدَتَا} وهلك من فيهما. {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} لأنه الرب {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} عما لا يعلمون لأنهم عبيده. {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} على ذلك، ثمَّ قال مستأنفاً {هَـٰذَا} يعني القرآن {ذِكْرُ} خبر {مَن مَّعِيَ} بيان الحدود والأحكام والثواب والعقاب {وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} من الأمم السالفة وما فعل الله بهم في الدنيا وما هو فاعل بهم في الآخرة {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ} عن القرآن. {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ} قرأ أكثر أهل الكوفة بالنون وكسر الحاء على التعظيم لقوله: أرسلنا، وقرأ الباقون بالياء وفتح الحاء على الفعل المجهول. {أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ * وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله {سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} يعني الملائكة {لاَ يَسْبِقُونَهُ} لا يتقدّمونه {بِٱلْقَوْلِ} ولا يتكلّمون إلاّ بما يأمرهم به. {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ}. قال ابن عباس: هم أهل شهادة أن لا إله إلاّ الله، وقال مجاهد: لمن رضي الله عنه، {وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} خائفون {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ} قال قتادة: عنى بهذه الآية إبليس لعنه الله حيث ادّعى الشركة، ودعا إلى عباده نفسه وأمر بطاعته، قال: لأنه لم يقل أحد من الملائكة إنّي إله من دون الله. {فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قصمنا: القَصْم هو الكَسْر الذي لا جَبْرَ فيه، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يضع أمام أعينهم القُرَى المكذِّبة الظالمة، ليأخذوا منها عِبْرة وعِظَة، فليس بِدَعاً أنْ نقصم ظهور المكذِّبين، بل لها سوابق كثيرة في التاريخ. لذلك قال: {وَكَمْ قَصَمْنَا ..} [الأنبياء: 11] وكم هنا خبرية تفيد الكثرة التي لا تُعَدُّ، فاحذروا إنْ لويتُم أعناقكم أَنْ يُنزِل بكم ما نزل بهم. وقوله: {وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ} [الأنبياء: 11] أي: خَلف بعدهم خَلْف آخرون.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} معناه أَهلَكنا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى - محذرا لهؤلاء الظالمين، المكذبين للرسول، بما فعل بالأمم المكذبة لغيره من الرسل - { وَكَمْ قَصَمْنَا } أي: أهلكنا بعذاب مستأصل { مِنْ قَرْيَةٍ } تلفت عن آخرها { وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ } وأن هؤلاء المهلكين، لما أحسوا بعذاب الله وعقابه، وباشرهم نزوله، لم يمكن لهم الرجوع ولا طريق لهم إلى النزوع وإنما ضربوا الأرض بأرجلهم، ندما وقلقا، وتحسرا على ما فعلوا وهروبا من وقوعه، فقيل لهم على وجه التهكم بهم: { لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } أي: لا يفيدكم الركوض والندم، ولكن إن كان لكم اقتدار، فارجعوا إلى ما أترفتم فيه، من اللذات، والمشتهيات، ومساكنكم المزخرفات، ودنياكم التي غرتكم وألهتكم، حتى جاءكم أمر الله. فكونوا فيها متمكنين، وللذاتها جانين، وفي منازلكم مطمئنين معظمين، لعلكم أن تكونوا مقصودين في أموركم، كما كنتم سابقا، مسئولين من مطالب الدنيا، كحالتكم الأولى، وهيهات، أين الوصول إلى هذا؟ وقد فات الوقت، وحل بهم العقاب والمقت، وذهب عنهم عزهم، وشرفهم ودنياهم، وحضرهم ندمهم وتحسرهم؟. ولهذا { قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ } أي الدعاء بالويل والثبور والندم والإقرار على أنفسهم بالظلم وأن الله عادل فيما أحل بهم { حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ } أي بمنزلة النبات الذي قد حصد وأنيم قد خمدت منهم الحركات وسكنت منهم الأصوات فاحذروا - أيها المخاطبون - أن تستمروا على تكذيب أشرف الرسل فيحل بكم كما حل بأولئك.

همام الصنعاني

تفسير : 1850- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً}: [الآية: 11]، قال: هي (حضور) بني أزد.