Verse. 2499 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاۗءَ وَالْاَرْضَ وَمَا بَيْنَہُمَا لٰعِبِيْنَ۝۱۶
Wama khalaqna alssamaa waalarda wama baynahuma laAAibeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين» عابثين بل دالين على قدرتنا ونافعين عبادنا.

16

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن فيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما بين إهلاك أهل القرية لأجل تكذيبهم اتبعه بما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً منه ومجازاة على ما فعلوا فقال: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } أي وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من العجائب والغرائب كما تسوى الجبابرة سقوفهم وفرشهم للهو واللعب، وإنما سويناهم لفوائد دينية ودنيوية أما الدينية فليتفكر المتفكرون فيها على ما قال تعالى: { أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [آل عمران: 191] وأما الدنيوية فلما يتعلق بها من المنافع التي لا تعد ولا تحصى وهذا كقوله: { أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً } تفسير : [ص: 27] وقوله: {أية : مَا خَلَقْنَـٰهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ}تفسير : [الدخان: 39]. والثاني: أن الغرض منه تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والرد على منكريه لأنه أظهر المعجزة عليه فإن كان محمد كاذباً كان إظهار المعجزة عليه من باب اللعب وذلك منفي عنه وإن كان صادقاً فهو المطلوب وحينئذ يفسد كل ما ذكروه من المطاعن. المسألة الثانية: قال القاضي عبد الجبار: دلت الآية على أن اللعب ليس من قبله تعالى إذ لو كان كذلك لكان لاعباً فإن اللاعب في اللغة اسم لفاعل اللعب فنفى الاسم الموضوع للفعل يقتضي نفي الفعل. والجواب: يبطل ذلك بمسألة الداعي عن ما مر غيره مرة أما قوله: {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ } فاعلم أن قوله: {لاَّتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا } معناه من جهة قدرتنا. وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن وقيل: المرأة وقيل من لدنا أي من الملائكة لا من الإنس رداً لمن قال بولادة المسيح وعزير فأما قوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ } فاعلم أن قوله: {بَلِ } اضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه لذاته كأنه قال سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب بل من عادتنا وموجب حكمتنا أن نغلب اللعب بالجد وندحض الباطل بالحق، واستعار لذلك القذف والدمغ تصويراً لإبطاله فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلاً قذف به على جرم رخو فدمغه، فأما قوله تعالى: {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } يعني من تمسك بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ونسب القرآن إلى أنه سحر وأضغاث أحلام إلى غير ذلك من الأباطيل، وهو الذي عناه بقوله: {مِمَّا تَصِفُونَ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} أي عبثاً وباطلاً؛ بل للتنبيه على أن لها خالقاً قادراً يجب امتثال أمره، وأنه يجازي المسيء والمحسن؛ أي ما خلقنا السماء والأرض ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به ثم يموتوا ولا يجازوا، ولا يؤمروا في الدنيا بحسن ولا ينهوا عن قبيح. وهذا اللعب المنفي عن الحكيم ضده الحكمة. قوله تعالى: {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً} لما اعتقد قوم أن له ولداً قال: {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً} واللهو المرأة بلغة اليمن؛ قاله قتادة. وقال عقبة بن أبي جَسْرَة ـ وجاء طاوس وعطاء ومجاهد يسألونه عن قوله تعالى: {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً} ـ فقال: اللهو الزوجة؛ وقاله الحسن. وقال ابن عباس: اللهو الولد؛ وقاله الحسن أيضاً. قال الجوهري: وقد يكنى باللهو عن الجماع. قلت: ومنه قول امرىء القيس:شعر : أَلاَ زَعمتْ بَسْبَاسَةُ اليومَ أَنَّنِي كَبِرتُ وأَلاَّ يُحسِنَ اللَّهْوَ أَمثالِي تفسير : وإنما سمي الجماع لهوا لأنه ملهى للقلب، كما قال:شعر : فيهِنّ مَلْهًى للصديق ومَنْظَرُ تفسير : الجوهري: وقوله تعالى: {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً} قالوا امرأة، ويقال: ولداً. {لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ} أي من عندنا لا من عندكم. قال ابن جريج: من أهل السماء لا من أهل الأرض. قيل: أراد الرد على من قال إن الأصنام بنات الله؛ أي كيف يكون منحوتكم ولداً لنا. وقال ابن قتيبة: الآية رد على النصارى. {إِن كُنَّا فَاعِلِينَ } قال قتادة ومقاتل وابن جريج والحسن: المعنى ما كنا فاعلين؛ مثل {أية : إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر: 23] أي ما أنت إلا نذير. و«إن» بمعنى الجحد وتم الكلام عند قوله: {لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ}. وقيل: إنه على معنى الشرط؛ أي إن كنا فاعلين ذلك ولكن لسنا بفاعلين ذلك لاستحالة أن يكون لنا ولد؛ إذ لو كان ذلك لم نخلق جنة ولا ناراً ولا موتاً ولا بعثاً ولا حساباً. وقيل: لو أردنا أن نتخذ ولداً على طريق التبني لاتخذناه من عندنا من الملائكة. ومال إلى هذا قوم؛ لأن الإرادة قد تتعلق بالتبني فأما اتخاذ الولد فهو محال، والإرادة لا تتعلق بالمستحيل؛ ذكره القشيري. قوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ} القذف الرمي؛ أي نرمي بالحق على الباطل. {فَيَدْمَغُهُ} أي يقهره ويهلكه. وأصل الدمغ شجّ الرأس حتى يبلغ الدماغ، ومنه الدامغة. والحق هنا القرآن، والباطل الشيطان في قول مجاهد؛ قال: كل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان. وقيل: الباطل كذبهم ووصفهم الله عز وجل بغير صفاته من الولد وغيره. وقيل: أراد بالحق الحجة، وبالباطل شبههم. وقيل: الحق المواعظ، والباطل المعاصي؛ والمعنى متقارب. والقرآن يتضمن الحجة والموعظة. {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} أي هالك وتالف؛ قاله قتادة. {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ} أي العذاب في الآخرة بسبب وصفكم الربّ بما لا يجوز وصفه. وقال ابن عباس: الويل واد في جهنم؛ وقد تقدم. {مِمَّا تَصِفُونَ} أي مما تكذبون؛ عن قتادة ومجاهد؛ نظيره «سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ» أي بكذبهم. وقيل: مما تصفون الله به من المحال وهو اتخاذه سبحانه الولد.

البيضاوي

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع تبصرة للنظار وتذكرة لذوي الاعتبار وتسبباً لما ينتظم به أمور العباد في المعاش والمعاد، فينبغي أن يتسلقوا بها إلى تحصيل الكمال ولا يغتروا بزخارفها فإنها سريعة الزوال. {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً } ما يتلهى به ويلعب. {لاَّتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا } من جهة قدرتنا، أو من عندنا مما يليق بحضرتنا من المجردات لا من الأجسام المرفوعة والأجرام المبسوطة كعادتكم في رفع السقوف وتزويقها وتسوية الفرش وتزيينها، وقيل اللهو الولد بلغة اليمن وقيل الزوجة والمراد به الرد على النصارى {إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ } ذلك ويدل على جواب الجواب المتقدم. وقيل {إِن} نافية والجملة كالنتيجة للشرطية. {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ } إِضراب عن اتخاذ اللهو وتنزيه لذاته عن اللعب أي بل من شأننا أن نغلب الحق الذي من جملته الجد على الباطل الذي من عداده اللهو. {فَيدمغه} فيمحقه، وإنما استعار لذلك القذف وهو الرمي البعيد المستلزم لصلابة المرمى، والدمغ الذي هو كسر الدماغ بحيث يشق غشاؤه المؤدي إلى زهوق الروح تصويره لابطاله ومبالغة فيه، وقرىء {فَيَدْمَغُهُ} بالنصب كقوله:شعر : سَأَتْرُكْ مَنْزِلي لَبَنِي تَمِيم وَأَلْحَق بِالحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا تفسير : ووجه مع بعده الحمل على المعنى والعطف على «الحق». {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} هالك والزهوق ذهاب الروح وذكره لترشيح المجاز. {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } مما تصفونه به مما لا يجوز عليه، وهو في موضع الحال وما مصدرية أو موصولة أو موصوفة. {وَلَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ} خلقاً وملكاً. {وَمَنْ عِندَهُ} يعني الملائكة المنزلين منه لكرامتهم عليه منزلة المقربين عند الملوك، وهو معطوف على {مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ} وأفرده للتعظيم أو لأنه أعم منه من وجه، أو المراد به نوع من الملائكة متعال عن التبوؤ في السماء والأرض أو مبتدأ خبره: {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} لا يتعظمون عنها. {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } ولا يعيون منها، وإنما جيء بالاستحسار الذي هو أبلغ من الحسور تنبيهاً على أن عبادتهم بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ولا يستحسرون. {يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ } ينزهونه ويعظمونه دائماً. {لاَ يَفْتُرُونَ} حال من الواو في {يسبحون} وهو استئناف أو حال من ضمير قبله. {أَمِ ٱتَّخَذُواْ ءَالِهَةً} بل اتخذوا والهمزة لإِنكار اتخاذهم. {مِّنَ ٱلأَرْضِ} صفة لآلهة أو متعلقة بالفعل على معنى الابتداء، وفائدتها التحقير دون التخصيص. {هُمْ يُنشِرُونَ} الموتى وهم وإن لم يصرحوا به لكن لزم ادعاؤهم لها الإِلهية، فإن من لوازمها الاقتدار على جميع الممكنات والمراد به تجهيلهم والتهكم بهم، وللمبالغة في ذلك زيد الضمير الموهم لاختصاص الانشار بهم. {وَلَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ} غير الله، وصف بـ {إِلاَّ} لتعذر الاستثناء لعدم شمول ما قبلها لما بعدها ودلالته على ملازمة الفساد لكون الآلهة فيهما دونه، والمراد ملازمته لكونها مطلقاً أو معه حملاً لها على غير كما استثنى بغير حملاً عليها، ولا يجوز الرفع على البدل لأنه متفرع على الاستثناء ومشروط بأن يكون في كلام غير موجب. {لَفَسَدَتَا } لبطلتا لما يكون بينهما من الاختلاف والتمانع، فإنها إن توافقت في المراد تطاردت عليه القدر وإن تخالفت فيه تعاوقت عنه. {فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ } المحيط بجميع الأجسام الذي هو محل التدابير ومنشأ التقادير. {عَمَّا يَصِفُونَ} من اتخاذ الشريك والصاحبة والولد. {لاَّ يُسْـئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} لعظمته وقوة سلطانه وتفرده بالألوهية والسلطنة الذاتية. {وَهُمْ يُسْـئَلُونَ} لأنهم مملوكون مستعبدون والضمير للـ {ءَالِهَةً} أو للعباد.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه خلق السموات والأرض بالحق، أي: بالعدل والقسط، {أية : لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى} تفسير : [النجم: 31]، وأنه لم يخلق ذلك عبثاً ولا لعباً؛ كما قال: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ } تفسير : [ص: 27] وقوله تعالى: {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ} قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّآ} يعني: من عندنا، يقول: وما خلقنا جنة ولا ناراً، ولا موتاً ولا بعثاً ولا حساباً. وقال الحسن وقتادة وغيرهما: {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً} اللهو: المرأة بلسان أهل اليمن. وقال إبراهيم النخعي: {لاَّتَّخَذْنَـٰهُ} من الحور العين. وقال عكرمة والسدي: والمراد باللهو ههنا الولد، وهذا والذي قبله متلازمان، وهو كقوله تعالى: {أية : لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَـٰنَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ } تفسير : [الزمر: 4] فنزه نفسه عن اتخاذ الولد مطلقاً، ولا سيما عما يقولون من الإفك والباطل من اتخاذ عيسى أو العزير أو الملائكة، {أية : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} تفسير : [الإسراء: 43]. وقوله: {إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ} قال قتادة والسدي وإبراهيم النخعي ومغيرة بن مقسم: أي: ما كنا فاعلين. وقال مجاهد: كل شيء في القرآن {إِن} فهو إنكار. وقوله: {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ} أي: نبين الحق، فيدحض الباطل، ولهذا قال: {فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} أي: ذاهب مضمحل {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ} أي: أيها القائلون: لله ولد {مِمَّا تَصِفُونَ} أي: تقولون وتفترون. ثم أخبر تعالى عن عبودية الملائكة له، ودأبهم في طاعته ليلاً ونهاراً، فقال: {وَلَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ} يعني: الملائكة {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} أي: لا يستنكفون عنها؛ كما قال: {أية : ؛ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً} تفسير : [النساء: 172]. وقوله: {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} أي: لا يتعبون ولا يملون {يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} فهم دائبون في العمل ليلاً ونهاراً، مطيعون قصداً وعملاً، قادرون عليه؛ كما قال تعالى: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي، أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، إذ قال لهم: «حديث : هل تسمعون ما أسمع؟» تفسير : قالوا: ما نسمع من شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم» تفسير : غريب، ولم يخرجوه، ثم رواه ــــ أعني ابن أبي حاتم ــــ من طريق يزيد بن أبي زريع عن سعيد عن قتادة مرسلاً. وقال أبو إسحاق عن حسان بن مخارق عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: جلست إلى كعب الأحبار وأنا غلام، فقلت له: أرأيت قول الله تعالى للملائكة: {يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} أما يشغلهم عن التسبيح الكلام والرسالة والعمل؟ فقال: من هذا الغلام؟ فقالوا: من بني عبد المطلب، قال: فقبل رأسي، ثم قال لي: يا بني إنه جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس، أليس تتكلم وأنت تتنفس، وتمشي وأنت تتنفس؟

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } عابثين، بل دالِّين على قدرتنا ونافعين عبادنا.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَتَّخِذَ لَهْواً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: ولداً، قاله الحسن. الثاني: أن اللهو النساء، قاله مجاهد. وقال قتادة: اللهو بلغة اهل اليمن المرأة. قال ابن جريج: لأنهم قالواْ: مريم صاحبته وعيسى ولده. الثالث: أنه اللهو الذي هو داعي الهوى ونازع الشهوة، كما قال الشاعر: شعر : ويلعينني في اللهو أن لا أحبه وللهو داعٍ لبيب غير غافلِ تفسير : {لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ} أي من عندنا إن كنا فاعلين. قال ابن جريج: لاتخذنا نساء وولداً من أهل السماء وما اتخذنا من أهل الأرض. {إِن كُنََّا فَاعِلِينَ} فيه وجهان: أحدهما: وما كنا فاعلين، قاله ابن جريج. الثاني: أنه جاء بمعنى الشرط، وتقدير الكلام لو كنا لاتخذناه بحيث لا يصل علمه إليكم. قوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الحق الكلام المتبوع، والباطل المدفوع. ومعنى يدمغه أي يذهبه ويهلكه كالمشجوج تكون دامغة في أم رأسه تؤدي لهلاكه. الثاني: أن الحق القرآن، والباطل إبليس. الثالث: أن الحق المواعظ والباطل المعاصي، قاله بعض أهل الخواطر. ويحتمل رابعاً: أن الحق الإِسلام، والباطل الشرك. {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} فيه وجهان: أحدهما: هالك،قاله قتادة. الثاني: ذاهب، قاله ابن شجرة. قوله عز وجل: {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: لا يملون، قاله ابن زيد. الثاني: لا يعيون، قاله قتادة. الثالث: لا يستنكفون،قاله الكلبي. الرابع: لا ينقطعون، مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالإِعياء، قال الشاعر: شعر : بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ} الآية. اعلم أنه لما بين إهلاك القرية لأجل تكذيبهم أتبعه بما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً منه، ومجازاة على ما فعلوا فقال: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينََ} أي: وما سوينا هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من العجائب والغرائب كما سوى الجبابرة سقوفهم وفرشهم للعب واللهو، وإنما سويناهم لفوائد دينية ودنيوية. أما الدينية فليتفكر المكلفون فيها على ما قال: {أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [آل عمران: 191]. وأما الدنيوية فلما يتعلق بها من المنافع التي لا تعد ولا تحصى، وهو كقوله: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} تفسير : [ص: 27] وقوله: {أية : مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الدخان: 39]. وقيل: وجه النظم أن الغرض منه تقرير نبوة محمد - عليه السلام - والرد على منكريه، لأنه أظهر المعجز عليه، فإن كان محمد كاذباً كان إظهار المعجز عليه من باب اللعب، وذلك منفي عنه، وإن كان صادقاً فهو المطلوب وحينئذ يفسد كل ما ذكروه من المطاعن و "لاعبين" حال من فاعل "خلقنا". فصل قال القاضي عبد الجبار: دلَّت هذه الآية على أن اللعب ليس من قبله تعالى، إذ لو كان كذلك لكان لاعباً، فإن اللاعب في اللغة اسم لفاعل اللعب، فنفي الاسم الموضوع لفعل يقتضي نفي الفعل. والجواب يبطل ذلك بمسألة الداعي، وقد تقدم. قوله: {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَتَّخِذَ لَهْواً}. قال ابن عباس: في رواية عطاء: اللهو: المرأة، وهو قول الحسن وقتادة وقال في رواية الكلبي: اللهو: الولد بلغة اليمن، وهو قول السدي. وهو في المرأة أظهر، لأن الوطأ يسمى لهواً في اللغة، والمرأة محل الوطأ. {لاتخذناه من لدنا} أي: من عندنا من الحور العين لا من عندكم من أهل الأرض. وقيل: معناه لو كان ذلك جائزاً في صفته لم يتخذه بحدث يظهر لهم ويستر ذلك حتى لا يطلع عليه. وتأويل الآية: أن النصارى لما قالوا في المسيح وأمه ما قالوا رد الله عليهم بهذا، وقال: {لاتخذناه من لدنا}، لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره. قوله: {إِن كُنَّا فَاعِلِينَ} في "إِن" هذه وجهان: أحدهما: أنها نافية، أي: ما كنا فاعلين، قاله قتادة ومقاتل وابن جريج. والثاني: أنها شرطية، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب "لو" عليه والتقدير: إن كنا فاعلين اتخذناه ولكنا لم نفعله، لأنه لا يليق بالربوبية. قوله: {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ}. "بَلْ" حرف إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه لذاته كأنه قال: سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب بل من موجب حكمتنا أن نغلب اللعب بالجد وندحض الباطل بالحق. والمعنى دع الذي قالوا فإنه كذب وباطل. و "نقذف" نرمي ونسلط قال تعالى: {أية : وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً} تفسير : [الصافات: 8، 9] أي يرمون بالشهب. "بالحق" بالإيمان، "على الباطل" على الكفر وقيل: الحق قول الله: إنه لا ولد له، والباطل قولهم: اتخذ الله ولداً. قوله: "فَيَدْمَغُه" العامة على رفع الغين نسقاً على ما قبله. وقرأ عيسى بن عمر بنصبها قال الزمخشري: وهو في ضعف قوله: شعر : 3705- سَأَتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيم وأَلحَقُ بالحجاز فَأَسْتَرِيحا تفسير : وقرىء شاذاً "فيدمغه" بضم الميم، وهي محتملة لأن يكون في المضارع لغتان يَفْعَل ويَفْعُل، وأن يكون الأصل الفتح والضمة للإتباع في حرف الحلق. و "يدمَغُه" أي يصيب دماغه من قولهم: دمغت الرجل، أي ضربته في دماغه كقولهم: رأسه وكبده ورجله، إذا أصاب منه هذه الأعضاء. وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ. واستعار القذف والدمغ تصويراً لإبطاله به، فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلاً قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه: أهلكه وأذهبه {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} ذاهب، "وَلَكُمُ الوَيْل" يعني من كذب الرسول ونسب القرآن إلى أنه سحر وأضغاث أحلام، وغير ذلك من الأباطيل. قوله: "مِمَّا تَصِفُونَ" فيه أوجه: أحدها: أنه متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، أي: استقر لكم الويل من أجل ما تصفون. و "مِنْ" تعليلية. وهذا وجه وجيه. والثاني: أنه متعلق بمحذوف. والثالث: أنه حال من الويل، أي: الويل واقعاً مما تصفون، كذا قدره أبو البقاء و "مَا" في "ممَّا تَصِفُونَ" يجوز أن تكون مصدرية فلا عائد عند الجمهور، وأن تكون بمعنى الذي، أو نكرة موصوفة، ولا بد من العائد عند الجميع، حذف لاستكماله الشروط. والمعنى: ممّا تصفون الله بما لا يليق به من الصاحبة والولد. وقال مجاهد: مما تكذبون.

البقاعي

تفسير : ولما ذمهم باللعب وبين أنه يفعل في إهلاك الظلم وإنجاء العدل فعل الجاد بإحقاق الحق بالانتقام لأهله، وإزهاق الباطل باجتثاثه من أصله، فكان التقدير: وما ينبغي لنا أن نفعل غير ذلك من أفعال الحكمة العرية عن اللعب، فلم نخلق الناس عبثاً يعصوننا ولا يؤاخذون، عطف عليه قوله: {وما خلقنا} أي بعظمتنا التي تقتضي الجد ولا بد. ولما كان خلق السماء واحدة يكفي في الدلالة على الحكمة فكيف بأكثر منها! وحّد فقال: {السماء} أي على علوها وإحكامها {والأرض} على عظمها واتساعها {وما بينهما} مما دبرناه لتمام المنافع من أصناف البدائع وغرائب الصنائع {لاعبين*} غير مريدين بذلك تحقيق الحقائق وإبطال الأباطيل، بل خلقنا لكم ذلك آية عظيمة كافية في الوصول إلينا ليظهر العدل في جزاء كل بما يستحق، مشحونة بما يقوت الأجسام، ويهيج النفوس، ويشرح الصدور، ويريح الأرواح ويبعث إلى الاعتبار، كلَّ من له استبصاراً، للدلالة على حكمتنا ووجوب وحدانيتنا فاتخذتم أنتم ما زاد على الحاجة لهواً صاداً عن الخير، داعياً إلى الضير. ولما نفى عنه اللعب، أتبعه دليله فقال: {لو أردنا} أي على عظمتنا {أن نتخذ لهواً} يكون لنا ومنسوباً في لهوه إلينا، واللهو - قال الأصفهاني: صرف الهم عن النفس بالقبيح. {لاتخذناه} أي بما لنا من العظمة {من لدنا} أي مما يليق أن ينسب إلى حضرتنا بما لنا من تمام القدرة وكمال العظمة، وباهر الجلالة والحكمة، وذلك بأن يكون محض لهو لا جد فيه أصلاً، ولا يخلطه شيء من الكدر، ولا يتوقف من يراه في تسميته لهواً، لا يكون له عنده اسم غير ذلك كما لو أن شمساً أخرى وجدت لم يتوقف أحد في تسميتها شمساً كما قال تعالى في السورة الماضية {أية : وقد ءاتيناك من لدنا ذكراً} تفسير : [طه: 99] أي فهو بحيث لا يتوقف أحد في أنه من عندنا، وأنه ذكر وموعظة كما مضى، لكنا لم نرد ذلك فلم يكن، وما اتخذتموه لهواً فإنا خلقناه لغير ذلك بدليل ما فيه من الشواغل والمنغصات والقواطع فاتخذتموه أنتم من عند أنفسكم لهواً، فكان أكثره لكم ضراً وعليكم شراً، وخص الحرالي {عند} بما ظهر، و {لدن} بما بطن، فعلى هذا يكون المراد: من حضرتنا الخاصة بنا الخفية التي لا يطلع عليها غيرنا، لأن ما للملك لا يكون مبتذلاً، وكذلك لم يذكر إلا ما يتحقق المكذبون بالبعث رؤيته فوحد السماء هنا وجمعها في غير هذا الموضع لاقتضاء الحال ذلك. ولما كان هذا مما ينبغي أن تنزه الحضرة القدوسية عنه وعن مجرد ذكره ولو على سبيل الفرض، أشار إلى ذلك بأداة شرط أخرى فقال: {إن كنا فاعلين*} أي له، ولكنه لا يليق بجنابنا فلم نفعله ولا نكون فاعلين له {بل} وإشعار لهذا المعنى بالقذف والدمغ تصويراً للحق بجعل الحق كأنه جرم صلب كالصخرة قذف بها على جرم رخو أجوف فقال: {نقذف} أي إنما شأننا أن نرمي رمياً شديداً {بالحق} الذي هو هذا الذكر الحكيم الذي أنزلناه جداً كله وثباتاً جميعه لا لهو فيه ولا باطل، ولا هو مقارب لشيء منهما، ولا تقدرون أن تتخذوا شيئاً منه لهواً اتخاذاً يطابقكم عليه منصف، فنحن نقذف به {على الباطل} الذي أحدثتموه من غير أنفسكم {فيدمغه} أي فيمحقه محق المكسور الدماغ {فإذا هو} في الحال {زاهق} أي ذاهب الروح أي هالك؛ ثم عطف على ما أفادته "إذا" قوله: {ولكم} أي وإذا لكم أيها المبطلون {الويل مما تصفون*} أي من وصفكم لكل شيء بما تهوى أنفسكم من غير إذن منا لكم، لأنكم لا تقفون على حقائق الأمور، فإن وصفتم القرآن بشيء مما تقدم ثم قذفنا عليه بما يبين بطلانه، بان لكل عاقل أنه يجب عليكم أن تنادموا الويل بميلكم كل الميل، وإن وصفتم الله أو الدنيا أو غيرهما فكذلك إنما أنتم متعلقون بقشور وظواهر لا يرضاها إلا بعيد عن العقل محجوب عن الإدراك؛ ثم عطف أيضاً على ما لزم من ذلك القذف قوله: {وله من في السماوات} أي الأجرام العالية وهي ما تحت العرش، وجمع السماء هنا لا قتضاء تعميم الملك ذلك. ولما كانت عقولهم لا تدرك تعدد الأراضي، وحد فقال: {والأرض} أي ومن فيها، وذلك شامل - على أن التعبير بمن لتغليب العقلاء - للسماوات والأرض، لأن الأرض في السماوات، وكل سماء في التي فوقها، والعليا في العرش وهو سبحانه ذو العرش العظيم - كما سيأتي قريباً، فدل ذلك دلالة عقلية على أنه مالك الكل وملكه. ولما كانوا يصفون الملائكة بما لهم الويل من وصفه، خصهم بالذكر معبراً عن خصوصيتهم وقربهم بالعندية تمثيلاً بما نعرف من أصفياء الملوك عند التعبير بعند من مجرد القرب في المكانة لا في المكان فقال: {ومن عنده} أي هم له حال كونهم {لا يستكبرون عن عبادته} بنوع كبر طلباً ولا إيجاداً {ولا يستحسرون*} أي ولا يطلبون أن ينقطعوا عن ذلك فأنتج ذلك قوله: {يسبحون} أي ينزهون المستحق للتنزيه بأنواع التنزيه من الأقوال والأفعال التي هي عبادة، فهي مقتضية مع نفي النقائص إثبات الكمال {الّيل والنهار} أي في جميع آنائهما دائماً. ولما لم يصرح هنا بإنكار منهم، ولا ما يستلزمه من الاستكبار، لم يؤكد لا عطف بالواو فقال: {لا يفترون*} عن ذلك في وقت من الأوقات بخلاف ما في {فصلت} فإن الأمر فيها مبني على حد استكبارهم المستلزم لأنكارهم المقتضي للتأكيد، وكل هذا في حيز {إذا} أي إذا أنزلنا شيئاً من القرآن منبهاً على أقاويلكم مبيناً لأباطيلكم، فاجأه ظهور الزهوق للباطل، والويل لكم والملك له سبحانه منزهاً عن كل نقص ثابتاً له بالعبادة كل كمال، ويجوز أن يعطف على {نقذف}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين‏}‏ يقول‏:‏ ما خلقناهما عبثاً ولا باطلا‏ً.

القشيري

تفسير : اللَّعِبُ نعتُ من زَالَ عن حَدِّ الصواب، واستجلب بفعله الالتذاذ، وانجرَّ في حَبْلِ السَّفَهِ. وحَقُّ الحقِّ مُتَقَدِّسٌ عن هذه الجملة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما خلقنا السماء} الخلق اصله التقدير المستقيم ويستعمل فى ابداع الشئ من غير اصل ولا احتذاء اى وما ابدعنا السماء التى هى كالقبة المضروبة والخيمة المطنبة {والارض} الى هى كالفراش والبساط {وما بينهما} من انواع الخلائق واصناف العجائب حال كوننا {لاعبين} يقول لعب فلان اذا كان فعله غير قاصد به مقصدا صحيحا اى عابثين بل لحكم ومصالح وهى ان تكون مبدأ لوجود الانسان وسببا لمعاشه ودليلا يقوده الى تحصيل معرفتنا الى هى الغاية القصوى شعر : برك درختان سبز در نظر هو شيار هر ورقى دفتريست معرفت كردكان تفسير : وكل شئ فهو اما مظهر لطفه تعالى اوقهره وفى كل ذرة سر عجيب شعر : بنكر بجشم فكركه ازعرش تابفرش در هيج ذره نيست كه سرى عجيب نيست تفسير : فان قيل دلت الآية على ان اللعب ليس من فعله وانما هو من افعال اللاعبين لان اللاعب اسم لفاعل اللعب فنفى اسم الموضوع يقتضى نفى الفعل. اجيب بان ذلك يبطل بمسألة خلق الداعى والقدرة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {لاعبين}: حال من فاعل خلق، و "إن كنا": شرط حُذف جوابه، أي: إن كنا فاعلين اتخذناه من لّدُنا، وقيل: نافية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما خلقنا السماءَ والأرضَ وما بينهما} من المخلوقات التي لا تُحصى أجناسها، ولا تُعد أفرادها، ولا تُحصر أنواعها وآحادها، على هذا النمط البديع والأسلوب الغريب، {لاعبين}؛ خالية عن الحِكم والمصالح، بل لحِكَم بديعة ومصالح عديدة، دينية تَقْضي بسعادة الأبد أو بشقاوته، ودنيوية لا تُعد ولا تُحصى، وهذا كقوله: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} تفسير : [ص: 27]، فالمراد من الآية: إشارة إجمالية إلى أن تكوين العالم، وإبداع بني آدم، مؤسس على قواعد الحِكَم البالغة، المستتبعة للغايات الجليلة، وتنبيه على أن ما حكي من العذاب الهائل، والعقاب النازل بأهل القُرى، من مقتضيات تلك الحِكم، ومتفرع عليها حسبما اقتضته أعمالهم. وإنما فعل ذلك؛ عدلاً منه، ومجازاة على أعمالهم، وأن المخاطبين المتقدمين - وهم قريش - على آثارهم؛ لأن لهم ذنوبًا مثل ذنوبهم. وإنما عبَّر عن نفي الحكمة باللعب، حيث قال: {لاعبين}؛ لبيان كمال تنزهه تعالى عن الخلق الخاليِ عن الحكمة، بتصويره بصورة ما لا يرتاب أحد في استحالة صدوره منه سبحانه، وهو اللهو واللعب، بل إنما خلقناهما، وما بينهما؛ لتكون مبدأ الوجود الإنساني وسببًا لمعاشه، ودليلاً يقوده إلى تحصيل معرفتنا، التي هي الغاية القصوى والسعادة العظمى. ثم قرر انتفاء اللعب واللهو عنه، فقال: {لو أردنا أن نتخذ لهوًا} أي: ما يلهى به ويلعَب، {لاتَّخذناه من لدُنَّا} أي: من أنفسنا؛ لعلمنا بحقائق الأشياء، واستغنائنا عن جلب المصالح ودرء المفاسد. والمعنى: لو أردنا أن نخلق شيئًا، لا لتحصيل مصلحة لكم، ولا لدرء مفسدة عنكم، لفعلنا ذلك في أنفسنا؛ بأن نخلق عوالم ومظاهر عارية عن الحكمة والمصلحة؛ لأنا أحق منكم بالاستغناء عما يجلب المصلحة ويدرأ المفسدة، لكن من عادتنا ربط الأسباب بمسبباتها، وأنا لم نخلق شيئًا عبثًا، بل خلقنا كل نوع من النبات والحيوانات والجمادات؛ لمصلحة ومنفعة، عَلِمها، من عَلِمها وجَهِلَها من جَهِلَها، فحصل من هذا نفي التحسين والتقبيح؛ عقلاً، بهذه الشرطية، وإثباته سمعًا. أو: {لاتخذناه من لدُنَّا} مما يليق بشأننا من المجردات، لا من الأجسام المرفوعة والأجرام الموضوعة، كعادة الجبابرة؛ مِنْ رفع العروش وتحسينها، وتمهيد الفرش وتزيينها، لأغراض عِراض، لكن يستحيل إرادتنا لذلك؛ لمنافاته للحكمة الإلهية المنزهة عن الأغراض. هـ. من أبي السعود، وأصله للزمخشري. وفيه تكلف. وسأل طاوسُ ومجاهدُ الحسنَ عن هذه الآية؟ فقال: اللهو: المرأة. وقال ابن عباس: "الولد". ومعنى {لاتخذناه من لدُنَّا}: بحيث لا يطلعون عليه، وما اتخذنا نساءًا وولدًا من أهل الأرض. نزلت في الذين قالوا: اتخذ الله ولدًا. وتكون الآية، حينئذ تتميمًا لِما قبلها، أي: ليس اللعب واللهو من شأننا، إذ لو أردنا أن نتخذ لهوًا لاتخذناه من لدنا. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: حمل الآية على الزوجة غير مفيد، إلا أن يراد بذلك مجرد الرحمة والشفقة، مما يمكن عقلاً، فيصح دخول النفي الشرعي عليه. انظر ابن عرفة، فقد جوّز، عقلاً، اتخاذه على معنى الرحمة. وكذا ابن عطية في آية الزمر. ومنع ذلك القشيري. قلت: وكأنه لِما يشير إليه قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} تفسير : [الزُّمَر: 4]، فإن القهر لا يناسب التبني بوجه، وقد يقال: إنه مانع سمعي شرعي، لا عقلي، فلا يخالف ما قاله ابن عرفة ولا ابن عطية. وفيه نظر؛ لأنه يُؤدي إلى تعطيل اسمه القهار ونحوه، وهو محال، والله أعلم. هـ. قلت: قد حمل النسفي الآية على الولد، فقال: {لو أردنا أن نتخذ لهوًا} أي: ولدًا، أو امرأة، رد على من قال عيسى ابنه، ومريم صاحبته، {لاتخذناه من لدُنَّا} من الولدان أو الحور، {إِن كنا فاعلين} أي: إن كنا ممن يفعل ذلك، ولسنا ممن يفعله لاستحالته في حقنا. هـ. قلت: والذي تكلف الحمل الأول رأى أن حمله على الولد يقتضي جواز الاتخاذ عقلاً؛ وإنما منعه عدم الإرادة. وأجاب ابن عرفة: بأن يحمل الاتخاذ على معنى الرحمة، لا على حقيقة البنوة. قلت: من خاض بحار التوحيد الخاص وحاز مقام الجمع، لا يتوقف في مثل هذا؛ إذ تجليات الحق لا تنحصر، لكن لم يوجد منها، ولم تتعلق إرادته إلا بما هو كمال في حقه تعالى في باب القدرة، وأما باب الحكمة، فهي رداء لمحل النقائص، فافهم، وأصحب أهلَ الجمع حتى يفهموك ما ذكرتُ لك، والسلام. ثم قال تعالى: {بل نقذفُ بالحق على الباطل} أي: نرمي بالحق، الذي هو الجد، على الباطل، الذي من جملته اللهو، وهو إضراب عن اتخاذ الولد، بل عن إرادته، كأنه قيل: لكنا لا نريده، بل شأننا أن نقذف بالحق على الباطل {فيدْمَغُه}: فيمحقه بالكلية، كما فعلنا بأهل القُرى المحكية وأمثالهم، وقد استعير، لإيراد الحق على الباطل، القذف، الذي هو الرمي الشديد، وللباطل الدمغ، الذي هو تشتيت الدماغ وتزهيق الروح، فكأنَّ الباطل حيوان له دماغ، فإذا تشتت دماغه مات واضمحل، {فإِذا هو زاهق} أي: فإذا الباطل ذاهب بالكلية، متلاش عن أصله. وفي {إذا} الفجائية والجملة الاسمية من الدلالة على كمال السُرعة في الذهاب والبطلان ما لا يخفى. ثم ردَّ على أهل الباطل فقال: {ولكم الويلُ مما تصفون} أي: وقد استقر لكم الويل والهلاك؛ من أجل ما تصفونه، سبحانه، بما لا يليق بشأنه الجليل، من الولد والزوجة، وغير ذلك مما هو باطل. وهو وعيد لقريش ومن دان دينهم، بأنَّ لهم أيضًا مثل ما لأولئك القرى المتقدمة من الهلاك، إن لم ينزجروا. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما نصبت لك الكائنات لتراها كائنات، بل لتراها أنوارًا وتجليات، الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فالغير والسِّوى عند أهل الحق باطل، والباطل لا يثبت مع الحق. قال تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق}. قال القشيري: نُدْخِلُ نهارَ التحقيق على ليالي الأوهام، أي: فتمحى، وتبقى شمس الأحدية ساطعة. هـ. وبالله التوفيق. ثمَّ قرر وحدانيته تعالى في ملكه وملكوته

الطوسي

تفسير : بقول الله تعالى مخبراً على وجه التمدح: إنا {ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما} أي ما أنشأناها {لاعبين} ونصبه على الحال. واللعب الفعل الذي يدعو اليه الجهل بما فيه من النقص، لان العلم يدعو الى أمر، والجهل يدعو الى خلافه. والعلم يدعو الى الاحسان. والجهل يدعو الى الاساءة لتعجيل الانتفاع. واللعب يستحيل في صفة القديم تعالى، لانه عالم لنفسه. بجميع المعلومات غني عن جميع الاشياء، ولا يمتنع وصفه بالقدرة عليه كما نقول فى سائر القبائح، وإن كان المعلوم أنه لا يفعله، لما قدمناه. ثم قال تعالى {لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا} قال الحسن ومجاهد: اللهو المرأة. وقال قتادة: اللهو المرأة - بلغة أهل اليمين - وهو من اللهو المعروف، لانه يطلب بها صرف الهمّ. وهذا إنكار لقولهم: الملائكة بنات الله، والمسيح ابن الله تعالى الله عن ذلك، وروي عن الحسن البصري أيضاً انه قال: اللهو الولد. ووجه اتصال الآية بما قبلها أن هؤلاء الذين وصفوهم أنهم بنات الله، وأبناء الله هم عبيد الله، على أتم وجه العبودية، وذلك يحيل معنى الولادة لانها لا تكون إلا مع المجانسة. ومعنى {لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا} الانكار على من أضاف ذلك الى الله، ومحاجته بأنه لو كان جائزاً في صفته لم يتخذه بحيث يظهر لكم أو لغيركم من العباد، لما في ذلك من خلاف صفة الحكيم الذي يقدر أن يستر النقص، فيظهره. وانما استحال اللهو على الله تعالى، لانه غني بنفسه عن كل شيء سواه، يستحيل عليه المرح. واللاهي المارح والملتذ بالمناظر الحسنة والاصوات المؤنقة. وقوله {إن كنا فاعلين} قيل في معنى {إن} قولان: احدهما - انها بمعنى (ما) التي للنفي، والمعنى لم نكن فاعلين. والآخر - انها بمعنى التي للشرط، والمعنى إن كنا نفعل ذلك، فعلناه من لدنا، على ما أردناه إلا انا لا نفعل ذلك. وقوله {من لدنا} قيل: معناه مما فى السماء من الملائكة. وقال الزجاج: معناه مما نخلقه. ثم قال تعالى {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه} معناه إنا نلقي الحق على الباطل فيهلكه، والمراد به إن حجج الله تعالى الدالة على الحق تبطل شبهات الباطل. ويقال: دمغ الرجل إذا شج شجة تبلغ أم الدماغ، فلا يحيا صاحبها بعدها. وقوله {فإذا هو زاهق} أي هالك مضمحل، وهو قول قتادة. يقال: زهق زهوقاً إذا هلك. ثم قال لهم، يعني الكفار {ولكم الويل مما تصفون} يعنى الوقوع في العقاب، جزاء على ما تصفون الله به من اتخاذ الأولاد. ثم اخبر الله تعالى بأن {له من في السماوات والأرض ومن عنده} يعني الملائكة أي يملكهم بالتصرف فيهم {لا يستكبرون} هؤلاء عن عبادة الله {ولا يستحسرون} قال قتادة: معناه لا يعيون. وقال ابن زيد: لا يملون، من قولهم: بعير حسير اذا أعيا ونام. ومنه قول علقمة بن عبدة: شعر : بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض واما جلدها فصليب تفسير : وقيل: معناه يسهل عليهم التسبيح، كسهولة فتح الطرف والنفس - في قول كعب - والاستحسار الانقطاع من الاعياد مأخوذ من قولهم حسر عن ذراعه إذا كشف عنه. ثم وصف تعالى الذين ذكرهم بأنهم {يسبحون الليل والنهار} اي ينزهونه عما أضافه هؤلاء الكفار اليه من اتخاذ الصاحبة والولد، وغير ذلك من القبائح {لا يفترون} أى يملونه فيتركونه بل هم دائمون عليه.

الجنابذي

تفسير : غير ناظرين الى غاية عقلانيّة وحكم ودقائق متقنةٍ فانّ اللّعب هو الفعل الّذى يكون له غاية لكن غايته لم تكن الاّ خياليّة كلعب الاطفال كما انّ اللّهو هو الفعل الّذى لم يكن له غاية خياليّة ظاهرة والمقصود انّ السّماء والارض وما بينهما من كثرة الحكم والدّقائق فى خلقها وكثرة المصالح المترتّبة عليها لا يمكن احصاء غاياتها المتقنة المحكمة فليس خلقتها لعباً بل كانت لتكميل النّفوس واتمام فعليّاتها حتّى تستحقّ الجزاء من الثّواب والعقاب.

اطفيش

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} بل دالين على قدرتنا، ونافعين عبادنا، وللحساب والعقاب، والجنة والنار. فمن اعتبر بهما وما فيهما، وما بينهما من البدائع، ولم يغتر بالزخارف الدنيوية الزائلة، فله الجنة الدائمة.

اطفيش

تفسير : {وما خَلقْنا السَّماء والأرْضَ} العجيبتين {وما بَيْنهما} من أصناف الخلق وبدائعهم {لاعبين} خارجين عن الحكمة، أو لاعبين لعب المملوك بأملاكهم، بل داعين بهما الى الاستدلال على وجودنا، وكمال قدرتنا، وحقية ما جاءت به الرسل، وعقاب من كذب، وإثابة من امتثل، ومنكر الرسل جاعل لخلق السماء والأرض، وإظهار المعجزة على أيديهم لعباً وعبثاً.

الالوسي

تفسير : أي ما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلائق مشحونة بضروب البدائع والعجائب كما تسوي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم للهو واللعب وإنما سويناها للفوائد الدينية والحكم الربانية كأن تكون سبباً للاعتبار ودليلاً للمعرفة مع منافع لا تحصى وحكم لا تستقصى، وحاصله ما خلقنا ذلك خالياً عن الحكم والمصالح إلا أنه عبر عن ذلك باللعب وهو كما قال الراغب الفعل الذي لا يقصد به مقصد صحيح لبيان كمال تنزهه تعالى عن الخلق الخالي عن الحكمة بتصويره بصورة ما لا يرتاب أحد في استحالة صدوره عنه سبحانه. وهذا الكلام على ما قيل إشارة إجمالية إلى أن تكوين العالم وإبداع بني آدم مؤسس على قواعد الحكمة البالغة المستتبعة للغايات الجليلة وتنبيه على أن ما حكى من العذاب النازل بأهل القرى من مقتضيات تلك الحكم ومتفرعاتها حسب اقتضاء أعمالهم إياه مع التخلص إلى وعيد المخاطبين، وفي «الكشف» أن الآيات لإثبات أمر النبوة ونفي تلك المطاعن السابقة على ما ذكره الإمام وهو الحق لأنه قد تكرر في الكتاب العزيز أن الحكمة في خلق السماء والأرض وما بينهما العبادة والمعرفة وجزاء من قام بهما ومن لم يقم ولن يتم ذلك إلا بإنزال الكتب وإرسال الرسل عليهم السلام، فمنكر الرسالة جاعل خلق السماء والأرض لعباً تعالى خالقهما وخالق كل شيء عنه وعن كل نقص علواً كبيراً، ومنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم جعل إظهار المعجزة على يديه من باب العبث واللعب ففيه إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام وفساد تلك المطاعن كلها.

ابن عاشور

تفسير : كثر في القرآن الاستدلال بإتقان نظام خلق السماوات والأرض وما بينهما على أن لله حكمة في خلق المخلوقات وخلق نُظمها وسُننها وفِطَرها، بحيث تكون أحوالها وآثارها وعلاقة بعضها ببعض متناسبة مُجارية لما تقتضيه الحكمة ولذلك قال تعالى في سورة [الحجر: 85] {أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}.تفسير : وقد بيّنا هنالك كيفية ملابسة الحق لكل أصناف المخلوقات وأنواعها بما يغني عن إعادته هنا. وكثر أن ينبه القرآن العقول إلى الحكمة التي اقتضت المناسبة بين خلق ما في السماوات والأرض ملتبساً بالحق، وبين جزاء المكلفين على أعمالهم على القانون الذي أقامته الشرائع لهم في مختلف أجيالهم وعصورهم وبلدانهم إلى أن عَمّتهم الشريعة العامة الخاتمة شريعة الإسلام، وإلى الحكمة التي اقتضت تكوين حياة أبدية تلقى فيها النفوس جزاءَ ما قدمته في هذه الحياة الزائلة جزاء وفاقاً. فلذلك كثر أن تُعقب الآياتُ المبينة لما في الخلق من الحقّ بالآيات التي تذكُر الجزاء والحساب، والعكس، كقوله تعالى: {أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون} تفسير : في آخر سورة [المؤمنين: 115]، وقوله تعالى: {أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل} تفسير : آخر [الحجر: 85]، وقوله تعالى: {أية : إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} تفسير : في سورة [ص: 26ــــ28]، وقوله تعالى:{أية : أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين} تفسير : في سورة [الدخان: 37ــــ40]، وقوله تعالى: {أية : ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون} تفسير : في سورة [الأحقاف: 3] إلى غير هذه من الآيات. فكذلك هذه الآية عقب بها ذكر القوم المهلَكين، والمقصود من ذلك إيقاظ العقول إلى الاستدلال بما في خلق السماوات والأرض وما بينهما من دقائق المناسبات وإعطاء كلّ مخلوق ما به قِوامه، فإذا كانت تلك سنةَ الله في خلق العوالم ظَرفِها ومظروفها، استدل بذلك على أن تلك السنة لا تتخلف في ترتب المسببات على أسبابها فيما يأتيه جنس المكلفين من الأعمال، فإذا ما لاح لهم تخلف سبب عن سببه أيقنوا أنه تخلف مؤقت فإذا علمهم الله على لسان شرائعه بأنه ادخر الجزاء الكامل على الأعمال إلى يوم آخر آمنوا به، وإذا علّمهم أنهم لا يفوتون ذلك بالموت بل إن لهم حياةً آخِرة وأن الله باعثهم بعد الموت أيقنوا بها، وإذا علمهم أنه ربما عجل لهم بعض الجزاء في الحياة الدنيا أيقنوا به. ولذلك كثر تعقيب ذكر نظام خلق السماوات والأرض بذكر الجزاء الآجل والبعث وإهلاك بعض الأمم الظالمة، أو تعقيب ذكر البعث والجزاء الآجل والعاجل بذكر نظام خلق السماوات والأرض. وحسبك تعقيب ذلك بالتفريع بالفاء في قوله تعالى: {أية : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار} تفسير : الآيات ختام سورة [آل عمران: 190ــــ191]. ولأجل هذا اطرد أوْ كادَ أن يطرد ذكر لفظ {وما بينهما} بعد ذكر خلق السماوات والأرض في مثل هذا المقام لأن تخصيص ما بينهما بالذكر يدل على الاهتمام به لأن أشرفه هو نوع الإنسان المقصود بالعبرة والاستدلال وهو مناط التكليف. فليس بناء الكلام على أن يكون الخلق لعباً منظوراً فيه إلى رد اعتقاد معتقدٍ ذلك ولكنه بني على النفي أخذاً لهم بلازم غفلتهم عن دقائق حكمة الله بحيث كانوا كقائلين بكون هذا الصنع لعباً. واللعبُ: العمل أو القول الذي لا يُقصد به تحصيل فائدة من مصلحة أو دفع مفسدة ولا تحصيل نفع أو دفع ضر. وإنما يقصد به إرضاء النفس حين تميل إلى العبث كما قيل: «لا بد للعاقل من حَمْقة يعيش بها». ويرادفه العبث واللهو، وضده: الجد. واللعب من الباطل إذ ليس في عمله حكمة فضده الحقّ أيضاً. وانتصب {لاعبين}على الحال من ضمير {خلَقْنا}وهي حال لازمة إذ لا يستقيم المعنى بدونها. وجملة {لو أردنا أن نتخذ لهواً} مقررة لمعنى جملة {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين} تقريراً بالاستدلال على مضمون الجملة، وتعليلاً لنفي أن يكون خلق السماوات والأرض لَعباً، أي عبثاً بأن اللعب ليس من شأننا أو على الفرض والتنازل لو أردنا اللهو لكان ما يلهو به حاصلاً في أشرف الأماكن من السماوات فإنها أشد اختصاصاً بالله تعالى إذ جعَل سكانها عباداً له مخلصين، فلذلك عبر عنها باسم الظرف المختص وهو {لَدُن}مضافاً إلى ضمير الجلالة بقوله تعالى من {لدنا}، أي غير العوالم المختصة بكم بل لكان في عَالم الغيب الذي هو أشد اختصاصاً بنا إذ هو عالم الملائكة المقربين. فالظرفية المفادة من {لدن} ظرفية مجازية. وإضافة {لدن} إلى ضمير الجلالة دلالة على الرفعة والتفضيل كقوله تعالى {أية : رزقا من لدنا} تفسير : في سورة [القصص: 57]، وقوله تعالى: {أية : وهب لنا من لدنك رحمة} تفسير : في سورة [آل عمران: 8]، أي لو أردنا أن نتخذ لهواً لما كان اتخاذه في عالم شهادتكم. وهذا استدلال باللزوم العرفي لأن شأن من يتخد شيئاً للتفكه به أن يستأثر به ولا يبيحه لغيره وهو مبني على متعارف عقول المخاطبين من ظنهم أن العوالم العليا أقرب إلى الله تعالى. وجملة {إن كنا فاعلين} إن جعلت (إن) شرطية فارتباطها بالتي قبلها ارتباط الشرط بجزائه المحذوف الدال عليه جواب (لو) وهو جملة {لاتخذناه}فيكون تكريراً للتلازم؛ وإن جعلت (إن) حرف نفي كانت الجملة مستأنفة لتقرير الامتناع المستفاد من (لو)، أي ما كنا فاعلين لهواً.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة "الحجر" فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وكذلك قوله: {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ} تفسير : [الأنبياء: 18] الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة "بني إسرائيل"، وكذلك الآيات التي بعد هذا قدْ قدمنا في مواضع متعددة ما يبينها من كتاب الله.

الواحدي

تفسير : {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين} عبثاً وباطلاً، أَيْ: ما خلقتهما إلاَّ لأُجازي أوليائي، وأُعذِّب أعدائي. {لو أردنا أن نتخذ لهواً} امرأةً. وقيل: ولداً {لاتخذناه من لدنا} بحيث لا يظهر لكم، ولا تطَّلعون عليه {إن كنا فاعلين} ما كنَّا فاعلين، ولسنا ممَّن يفعله. {بل نقذف بالحق على الباطل} نُلقي القرآن على باطلهم {فيدمغه} فيذهبه ويكسره {فإذا هو زاهقٌ} ذاهبٌ {ولكم الويل} يا معشر الكفَّار {مما تصفون} الله تعالى بما لا يليق به. {وله من في السموات والأرض} عبيداً وملكاً {ومَنْ عنده} يعني: الملائكة {لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون} لا يملُّون ولا يعيون. {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} لا يضعفون. {أم اتخذوا آلهةً من الأرض} يعني: الأصنام {هم ينشرون} يحيون الأموات، والمعنى: أَتنشر آلهتهم التي اتَّخذوها؟ {لو كان فيهما} في السَّماء والأرض {آلهةٌ إلاَّ اللَّهُ} غير الله {لفسدتا} لخربتا وهلك مَنْ فيهما بوقوع التَّنازع بين الآلهة. {لا يُسأل عما يفعل} عن حكمه في عباده {وهم يُسألون} عمَّا عملوا سؤال توبيخ.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لاعبين: أي عابثين لا مقصد حَسَن لنا في ذلك. لهوا: أي زوجة وولداً. من لدنا: أي من عندنا من الحور العين أو الملائكة. بل نقذف بالحق: أي نرمي بالحق على الباطل. فيدمغه: أي يشج رأسه حتى تبلغ الشجة دماغه فيهلك. فإذا هو زاهق: أي ذاهب مُضْمحِل. ولكم الويل مما تصفون: أي ولكم العذاب الشديد من أجل وصفكم الكاذب للديان بأنَّ له زوجة وولداً وللرسول بأنه ساحر ومفترٍ. ولا يستحسرون: أي لا يعيون ولا يتعبون فيتركون التسبيح. لا يفترون: عن التسبيح لأنه منهم كالنفس منا لا يتعب أحدنا من التنفس ولا يشغله عنه شيء. معنى الآيات: كونه تعالى يهلك الأمم الظالمة بالشرك والمعاصي دليل أنه لم يخلق الإِنسان والحياة لعباً وعبثاً بل خلق الإِنسان وخلق الحياة ليذكر ويشكر فمن أعرض عن ذكره وترك شكره أذاقه بأساءه في الدنيا والآخرة وهذا ما دلت عليه الآية السابقة وقررته الآية وهي قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ} أي عابثين لا قصد حسن لنا بل خلقناهما بالحق وهو وجوب عبادتنا بالذكر والشكر لنا وقوله تعالى: {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً} أي صاحبة أو ولدا كما يقول المبطلون من العرب القائلون بأن الله أصهر إلى الجن فأنجب الملائكة وكما يقول ضُلاّلُ النصارى أن الله اتخذ مريم زوجة فولدت له عيسى الابن، تعالى الله عما يأفكون فرد تعالى هذا الباطل بالمعقول من القول فقال لو أردنا أن نتخذ لهواً نتلهى به من صاحبة وولد لاتخذنا من لدنا من الحور العين والملائكة ولكنا لم نرد ذلك ولا ينبغي لنا إنا نملك كل من في السماوات ومن في الأرض عبيداً لنا فكيف يعقل اتخاذ مملوك لنا ولداً ومملوكة زوجةً والناس العجزة الفقراء لا يجيزون ذلك فالرجل لا يجعل مملوكته زوجة له ولا عبده ولداً بحال من الأحوال وقوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} فتلك الأباطيل والترهات تنزل حجج القرآن عليها فتدمغها فإذا هي ذاهبة مضمحلة لا يبقى منها شيء {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ} أيها الكاذبون مما تصفون الله بالزوجة والولد والشريك والرسول بالسحر والشعر والكهانة والكذب العذاب لازم لكم من أجل كذبكم وافترائكم على ربكم ورسوله. وقوله تعالى: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} برهان آخر على بطلان دعوى أن له تعالى زوجة وولداً فالذي يملك من في السماوات ومن في الأرض غنيٌّ عن الصاحبة والولد إذا الكل له مُلكاً وتصرفاً. وقوله: {وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} برهان آخر {يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} أي فكيف يفتقر إلى الزوجة والولد، ومن عنده من الملائكة وهم لا يحصون عداً يعبدونه لا يستكبرون عن عبادته ولا يملون منها ولا يتعبون من القيام بها، يسبحونه الليل والنهار، والدهر كله {لاَ يَفْتُرُونَ} أي لا يسأمون فيتركون التسبيح فترةً بعد فترة للاستراحة، إنهم في تسبيحهم وعدم سآمتهم منه وعدم انشغالهم عنه كالآدميين في تنفسهم وطرف أعينهم هل يشغل عن التنفس شاغل أو عن طرف العين آخر وهل يسأم الإِنسان من ذلك والجواب لا، فكذلك الملائكة يسبحون الليل والنهار ولا يفترون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تنزه الرب تعالى عن اللهو واللعب والصاحبة والولد. 2- حجج القرآن هي الحق متى رمى بها الباطل دمغته فذهب واضمحل. 3- إقامة البراهين العقلية على إبطال الباطل أمر محمود، وقد يكون لا بد منه. 4- بيان غنى الله المطلق عن كل مخلوقاته. 5- بيان حال الملائكة في عبادتهم وتسبيحهم لله تعالى.

القطان

تفسير : نقذِف: نرمي. فيدمغُه: فيُبطله ويمحوه. ومن معاني الدمغ: الكسرُ والشجّ. زاهق: زائل، هالك. ومن عنده: يعني من عند الله، وهم الملائكة. ينشرون: يحيون، انشر أحيا. ولا يستحسرون: لا يتعبون. لا يفترون: لا يضعفون؛ ولا يتراخون. {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ}. لقد خلق اللهُ سبحانه هذا الكون لحكمة عنده، لا لعباً ولا لهوا... خَلَقَه بنظام محكَم، وصنعٍ بديع. فتكوينُ العالم وإبداع هذا الخلق مؤسس على قواعدَ أصيلة، وغايات جليلة محكمة. {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ}. ولو أراد الله تعالى ان يتخذ لهواً لاتخذه من عنده، ولكن هذا مستحيل عليه، ولن يفعله، ولا يليق به. وانما خَلَقَنا اللهُ لحكمة، وصوَّرَنا لغايةٍ سامية. {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}. بل أمْرُنا الذي يليق بنا أن لا يكون هناك لهو، وإنما هو جِدٌّ فنقذف الحقَّ في وجه الباطل فيمحوه ويبطله، فإذا هو هالك زائل، والويلُ لكم أيها الكافرون من وصفِكم ربكم بصفاتٍ لا تليق به، وافترائكم على الله ورسوله. هذه هي سُنّة الحياة الأصلية، الحقُّ دائما يعلو، واذا تفشّى الباطل وعلا امره فانما يكون ذلك من تقصير منا، وتخاذلٍ في أمرنا، وبعدٍ عن ديننا، وفي الحديث الشريف: "حديث : للباطل صولة ثم يضمحلّ ". تفسير : {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ}. للهِ وحده كل ما في هذا الكون خَلْقاً ومُلْكا، فمن حقه وحده أن يُعبَدَ. والملائكة عنده يعبدونه حقاً ولا يستكبرون عن عبادته والخضوع له، ولا يكِلّون ولا يتعبون. {يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ}. فهم دائبون في العبادة ليلَ نهار، لا يتخلَّل تسبيحَهم وتنزيههم لله فتورٌ ولا ملل. {أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ}. بل عبدوا غيرَ الله، واتخذوا آلهةً من هذه الأرض من الأصنام وغيرها. كيف يعبدون هذه الأصنام وهي لا تستطيع إعادة الحياة! ثم أقام الدليلَ العقلي على التوحيد ونفيِ تعدُّد الآلهة فقال: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا}. لو كان في السماواتِ والارض إله آخر غير الله لوقع الاضطرابُ والفساد في هذا الكون، واختلّ النظام فيه بتعدد الآراء، واختلاف الأوامر. {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}. فتنزيهاً لله ربّ العرش المحيط بهذا الكون، عما يقول هؤلاء المشركون. {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}. الله تعالى هو الحاكم المطلق، لا معقّب لحكمه، وإرادته طليقةٌ لا يحدّها قيد من إرادةٍ اخرى، فهو لا يحاسَب ولا يسأل عما يفعل، فهو الحكيم العليم، لا يخطىء في فعل شيء، والخلقُ جميعهم يُسألون.

د. أسعد حومد

تفسير : {لاَعِبِينَ} (16) - لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعَالَى السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا، بِهَذَا النِّظَامِ المُحْكَمِ البَدِيعِ، إِلاَّ بالحَقِّ والعَدْلِ لِفَوَائِدَ دِينِيَّةٍ، وَحِكَمٍ رَبَّانِيَّةٍ، وِمِنْهَا أنْ تَكُونَ دَلِيلاً عَلَى مَعْرِفَةِ خَالِقِهَا، وَوَسِيلَةً لِلْعِظَةِ والاعْتِبَارِ، وَلَمْ يَخْلُقْها لِلْعَبَثِ وَاللَّهْوِ والتَّسْلِيَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ربنا - سبحانه وتعالى - يعطينا المثل الأعلى في الخلْق؛ لأن خَلْق السماوات والأرض مسألة كبيرة: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [غافر: 57] فالناس تُولَد وتموت وتتجدد، أمّا السماء والأرض وما بينهما من نجوم وكواكب فهو خلْق هائل عظيم منضبط ومنظوم طوال هذا العمر الطويل، لم يطرأ عليه خَلَل أو تعطُّل. والحق سبحانه لا يمتنُّ بخَلْق السماء والأرض وما بينهما؛ لأنها أعجب شيء، ولكن لأنها مخلوقة للناس ومُسخَّرة لخدمتهم، فالسماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وهواء ومطر وسحاب والأرض وما عليها من خَيْرات، بل وما تحتها أيضاً {أية : وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} تفسير : [طه: 6]. الكل مخلوق لك أيها الإنسان، حتى ما تتصوره خادماً لغيرك هو في النهاية يصبُّ عندك وبين يديك، فالجماد يخدم النبات، والنبات يخدم الحيوان، وكلهم يخدمون الإنسان. فإنْ كان الإنسان هو المخدوم الأعلى في هذا الكون فما عمله هو؟ وما وظيفته في كون الله؟ فكل ما دونك له مهمة يؤديها فما مهمتك؟ إذن: إنْ لم يكن لك مهمة في الحياة فأإنت أتفه من الحيوان، ومن النبات، حتى ومن الجماد، فلا بُدَّ أنْ تبحثَ لك عن عمل يناسب سيادتك على هذه المخلوقات. ثم هل سخَّرْتَ هذه المخلوقات لنفسك بنفسك، أم سخَّرها الله وذلَّلها لخدمتك؟ فكان عليك أن تلتفت لمن سخَّر لك هذه المخلوقات وهي أقوى منك، ألك قدرة على السماء؟ أتطول الشمس والقمر؟ {أية : إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً} تفسير : [الإسراء: 37]. إذن: كان يجب عليك أن تبحث بعقلك فيمَنْ سخَّر لك هذا كله، كان عليك أنْ تهتدي إلى الخالق للسماء والأرض وما بينهما، لأنه سبحانه ما خلقها عبثاً، ولا خلقها للعب، إنما خلقها من أجلك أنت. لذلك يقول سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : يا ابن آدم، خلقتُ الأشياء من أجلك، وخلقتُك من أجلي، فلا تنشغل بما هو لك عمن أنت له ". تفسير : فالكون مملوك لك، وأنت مملوك لله، فلا تنشغل بالمملوك لك عن المالك لك. فما الحكمة من خَلْق السماء والأرض وما بينهما؟ الحكمة أن هذه المخلوقات لولاها ما كُنَّا نستدل على القوة القادرة وراء خَلْق هذه الأشياء، وهو الخالق سبحانه، فهي - إذن - لإثبات صفات الجلال والجمال لله عز وجل. فلو ادَّعَى أحد أنه شاعر - ولله المثل الأعلى - نقول له: أين القصيدة التي قلتها؟ فلا نعرف أنه شاعر إلا من خلال شِعْره وآثاره التي ادَّعاها. وهي دعوى دون دليل؟! وقد خلق الله هذا الخَلْق من أجلك، وتركك تربَع فيه، وخلقه مقهوراً مُسيَّراً، فالشمس ما اعترضتْ يوماً على الشروق، والقمر والنجوم والمطر والهواء والأرض والنبات كلها تعطي المؤمن والكافر والطائع والعاصي؛ لأنها تعمل بالتسخير، لا بالإرادة والاختيار. أما الإنسان هو المخلوق صاحب الاختيار في أن يفعل أو لا يفعل. ولو نظرتَ إلى هذا الكون لأمكنك أنْ تُقسِّمه إلى قسمين: قسم لا دَخْلَ لك فيه أبداً، وهذا تراه منسجماً في نظامه واستقامته وانضباطه، وقسم تتدخل فيه، وهذا الذي يحدث فيه الخَلَل والفساد. قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ * وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ * لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 38-40]. فالكَوْن من حولك يسير بأمر خالقه، منضبط لا يتخلف منه شيء، فلو أخذتَ مثلاً سنة كاملة 365 يوماً، ثم حاولتَ أنْ تعيدها في عام آخر لوجدتَ أن الشمس طلعتْ في اليوم الأول من نفس المكان، وفي اليوم الثاني من نفس مكان اليوم الثاني، وهكذا بدقة متناهية، سبحان خالقها. لذلك؛ فالذين يضعون التقويم لمعرفة الأوقات يضعون تقويم ثلاث وثلاثين سنة يُسجِّلون دورة الفلك، ثم يتكرر ما سجَّلوه بانضباط شديد، ومن ذلك مثلاً إذا حدَّد العلماء موعد الكسوف أو الخسوف أو نوعه جزئي أو حَلْقي، فإذا ما تابعته وجدته منضبطاً تماماً في نفس موعده، وهذا دليل على انضباط هذا الكون وإحكامه؛ لأنه لا تدخلُّ لنا فيه أبداً. وفي المقابل انظر إلى أيِّ شيء للإنسان فيه تدخّل: فمثلاً نحن يكيل بعضنا لبعض، ويزن بعضنا لبعض، ويقيس بعضنا لبعض، ويخبز بعضنا لبعض، ويبيع بعضنا لبعض.. الخ انظر إلى هذه العلاقات تجدها - إلاّ ما رحم الله - فاسدة مضطربة، ما لم تَسِرْ على منهج الله، فإن سارت على منهج الله استقامت كاستقامة السماء والأرض. إذن: كلما رأيتَ شيئاً فاسداً شيئاً قبيحاً فاعلم أن الإنسان وضع أنفه فيه. وكأن الخلق - عز وجل - يقول للإنسان: أنت لستَ أميناً حتى على نفسك، فقد خلقتُ لك كل هذا الكون، ولم يشذ منه شيء، ولا اختلَّتْ فيه ظاهرة، أمّا أنت - لأنك مختار - فقد أخللْتَ بنفسك وأتعبتها. فاعلم أن المسائل عندي أنا آمَنُ لك، فإذا أخذتُك من دنيا الأسباب إلى الآخرة وإلى المسبِّب، فأنا أمين عليك أُنعمك نعيماً لا تعبَ فيه ولا نصبَ ولا شقاء، وإنْ كنت تخدم نفسك في الدنيا، فأنا أخدمك في الآخرة، وأُلبِّي لك رغبتك دون أن تُحرِّك أنت ساكناً. إذن: لو أنني شغلت نفسي بمَنْ يملكني وهو الله تعالى لاستقام لي ما أملكه. فهذا الكون وهذا الإيجاد خلقه الله لخدمة الإنسان، فلماذا؟ كأن الحق - سبحانه وتعالى - يقول: لأنِّي يكفيني من خلقي أن يشهدوا مختارين أنه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وإنْ كانت المخلوقات قد شهدتْ هذه الشهادة مضطرة، فالعظمة أن يشهد المختار الذي يملك أنْ يشهد أو لا يشهد. كما أنني بعد أنْ أنعمتُ عليك كلَّ هذه النعم أنزلتُ إليك منهجاً بافعل كذا ولا تفعل كذا، فإنْ أطعتَ أثبتك، وإنْ عصيت عاقبتك، وهذه هي الغاية من خَلْق السماء والأرض، وأنها لم تُخلَق لعباً. وهذا المنهج تعرفه من الرسل، والرسل يعرفونه من الكتاب. فلو كذَّبْتَ بالرسل لم تعرف هذه الأحكام ولم تعرف المنهج، وبالتالي لا نستطيع أنْ نثيب أو نعاقب، فيكون خَلْقُ السماء والأرض بدون غاية. ثم يقول الحق سبحانه: {لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه ما خلق السماوات والأرض عبثا، ولا لعبا من غير فائدة، بل خلقها بالحق وللحق، ليستدل بها العباد على أنه الخالق العظيم، المدبر الحكيم، الرحمن الرحيم، الذي له الكمال كله، والحمد كله، والعزة كلها، الصادق في قيله، الصادقة رسله، فيما تخبر عنه، وأن القادر على خلقهما مع سعتهما وعظمهما، قادر على إعادة الأجساد بعد موتها، ليجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. { لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا } على الفرض والتقدير المحال { لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا } أي: من عندنا { إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } ولم نطلعكم على ما فيه عبث ولهو، لأن ذلك نقص ومثل سوء، لا نحب أن نريه إياكم، فالسماوات والأرض اللذان بمرأى منكم على الدوام، لا يمكن أن يكون القصد منهما العبث واللهو، كل هذا تنزل مع العقول الصغيرة وإقناعها بجميع الوجوه المقنعة، فسبحان الحليم الرحيم، الحكيم في تنزيله الأشياء منازلها.