Verse. 2501 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَي الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُہٗ فَاِذَا ہُوَزَاہِقٌ۝۰ۭ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُوْنَ۝۱۸
Bal naqthifu bialhaqqi AAala albatili fayadmaghuhu faitha huwa zahiqun walakumu alwaylu mimma tasifoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«بل نقذف» نرمي «بالحق» الإيمان «على الباطل» الكفر «فيدمغه» يذهبه «فإذا هو زاهق» ذاهب، ودمغه في الأصل: أصاب دماغه بالضرب وهو مقتل «ولكم» يا كفار مكة «الويْل» العذاب الشديد «مما تصفون» الله به من الزوجة أو الولد.

18

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {بَلْ نَقْذِفُ } نرمي {بِٱلْحَقِّ } بالإِيمان {عَلَى ٱلْبَٰطِلِ } الكفر {فَيَدْمَغُهُ } يذهبه {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } ذاهب، ودَمَغَه في الأصل: أصاب دماغه بالضرب، وهو مقتل {وَلَكُمُ } يا كفار مكة {ٱلْوَيْلُ } العذاب الشديد {مِمَّا تَصِفُونَ } الله به من الزوجة أو الولد.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالْحَقِ} المتبوع على الباطل المدفوع، أو بالقرآن، والباطل إبليس {زَاهِقٌ} ذاهب، أو هالك.

النسفي

تفسير : {بَلْ نَقْذِفُ } «بل» إضراب عن اتخاذ اللهو وتنزيه منه لذاته كأنه قال سبحاننا أن نتخذ اللهو بل من سنتنا أن نقذف أي نرمي ونسلط {بِٱلْحَقّ } بالقرآن {عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ } الشيطان أو بالإسلام على الشرك أو بالجد على اللعب {فَيَدْمَغُهُ } فيكسره ويدحض الحق الباطل، وهذه استعارة لطيفة لأن أصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام، ثم استعير القذف لإيراد الحق على الباطل والدمغ لإذهاب الباطل فالمستعار منه حسي والمستعار له عقلي فكأنه قيل: بل نورد الحق الشبيه بالجسم القوي على الباطل الشبيه بالجسم الضعيف فيبطله إبطال الجسم القوي الضعيف {فَإِذَا هُوَ } أي الباطل {زَاهِقٌ } هالك ذاهب {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } الله به من الولد ونحوه. {وَلَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} خلقاً وملكاً فأنى يكون شيء منه ولداً له وبينهما تنافٍ ويوقف على {الأرض} لأن {ومن عنده} منزلة ومكانة لا منزلاً ولا مكاناً يعني الملائكة مبتدأ خبره {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } لا يتعظمون {عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } ولا يعيون {يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } حال من فاعل {يسبحون} أي تسبيحهم متصل دائم في جميع أوقاتهم لا تتخلله فترة بفراغ أو بشغل آخر فتسبيحهم جارٍ مجرى التنفس منا. ثم أضرب عن المشركين منكراً عليهم وموبخاً فجاء بـــــ «أم» التي بمعنى «بل» والهمزة فقال {أَمِ ٱتَّخَذُواْ الِهَةً مّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ } يحيون الموتى ومن الأرض صفة لـــــ {الهة} لأن الهتهم كانت متخذة من جواهر الأرض كالذهب والفضة والحجر أو تعبد في الأرض فنسبت إليها كقولك «فلان من المدينة» أي مدني، أو متعلق بـــــ {اتخذوا} ويكون فيه بيان غاية الاتخاذ، وفي قوله {هم ينشرون} زيادة توبيخ وإن لم يدعوا أن أصنامهم تحيـــــي الموتى، وكيف يدعون ومن أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات لأنه يلزم من دعوى الألوهية لها دعوى الإنشار، لأن العاجز عنه لا يصح أن يكون إلهاً إذ لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور والإنشار من جملة المقدورات. وقرأ الحسن {ينشرون} بفتح الياء وهما لغتان أنشر الله الموتى ونشرها أي أحياها.

ابو السعود

تفسير : {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ} إضرابٌ عن اتخاذ اللهوِ بل عن إرادته، كأنه قيل: لكنا لا نريده بل شأنُنا أن نُغلّب الحقَّ ـ الذي من جملته الجِدُّ ـ على الباطل الذي من قبـيله اللهوُ، وتخصيصُ شأنِه هذا من بـين سائر شؤونِه تعالى بالذكر للتخلص إلى ما سيأتي من الوعيد {فَيَدْمَغُهُ} أي يمحقه بالكلية كما فعلنا بأهل القرى المَحْكية، وقد استُعير لإيراد الحقِّ على الباطل القذفُ الذي هو الرمْيُ الشديدُ بالجِرم الصُّلْب كالصخرة، وَلمَحْقه للباطل الدمغُ الذي هو كسرُ الشيء الرِّخْوِ الأجوفِ وهو الدِّماغ بحيث يشق غشاءَه المؤدّيَ إلى زُهوق الروحِ تصويراً له بذلك، وقرىء فيدمغَه بالنصب وهو ضعيف، وقرىء فيدمُغه بضم الميم {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} أي ذاهبٌ بالكلية، وفي إذا الفجائية والجملة الاسميةِ من الدِلالة على كمال المسارعةِ في الذهاب والبُطلان ما لا يخفى فكأنه زاهقٌ من الأصل {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} وعيدٌ لقريش بأن لهم أيضاً مثلَ ما لأولئك من العذاب والعقاب، ومن تعليليةٌ متعلقةٌ بالاستقرار الذي تعلق به الخبرُ، أو بمحذوف هو حالٌ من الويل أو من ضميره في الخبر، وما إما مصدريةٌ أو موصولةٌ أو موصوفةٌ أي واستقر لكم الويلُ والهلاكُ من أجل وصفِكم له سبحانه بما لا يليق بشأنه الجليل، أو بالذي تصفونه أو بشيء تصفونه به من الولد أو كائناً مما تصفونه تعالى به. {وَلَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} استئنافٌ مقررٌ لما قبله من خلقه تعالى لجميع مخلوقاتِه على حكمة بالغةٍ ونظامٍ كامل وأنه تعالى يُحِق الحقَّ ويُزْهق الباطل، أي له تعالى خاصة جميعُ المخلوقات خلقاً ومُلكاً وتدبـيراً وتصرفاً وإحياءً وإماتةً وتعذيباً وإثابةً من غير أن يكون لأحد في ذلك دخلٌ ما استقلالاً أو استتباعاً {وَمَنْ عِندَهُ} وهم الملائكةُ عليهم السلام، عبّر عنهم بذلك إثرَ ما عبّر عنهم بمن في السموات تنزيلاً لهم ـ لكرامتهم عليه عز وعلا وزُلْفاهم عنده ـ منزلةَ المقربـين عندالملوكِ بطريق التمثيل وهو مبتدأ خبرُه {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} أي لا يتعظمون عنها ولا يُعدّون أنفسهم كبـيراً {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} ولا يكِلّون ولا يَعيَوْن، وصيغةُ الاستفعال المنبئةِ عن المبالغة في الحُسور للتنبـيه على أن عباداتِهم بثقلها ودوامها حقيقةٌ بأن يُستَحسَرَ منها ومع ذلك لا يستحسرون، لا لإفادة نفي المبالغة في الحسور مع ثبوت أصلِه في الجملة كما أن نفيَ الظلاّمية في قوله تعالى: {وَمَا أَنَاْ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ} لإفادة كثرةِ الظلم المفروضِ تعلقُّه بالعبـيد لا لإفادة نفي المبالغةِ في الظلم مع ثبوت أصلِ الظلم في الجملة، وقيل: من عنده معطوف على من الأولى وإفرادُهم بالذكر مع دخولهم في مَن في السموات والأرض للتعظيم كما في قوله تعالى: { أية : وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ} تفسير : [البقرة: 98] فقوله تعالى: {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} حينئذ حال من الثانية. {يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} أي ينزهونه في جميع الأوقات ويعظّمونه ويمجدونه دائماً، وهو استئنافٌ وقع جواباً عما نشأ مما قبله، كأنه قيل: ماذا يصنعون في عباداتهم أو كيف يعبدون؟ فقيل: يسبحون الخ، أو حالٌ من فاعل يستحسرون وكذا قوله تعالى: {لاَ يَفْتُرُونَ} أي لا يتخلل تسبـيحَهم فترةٌ أصلاً بفراغ أو بشغل آخرَ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} [الآية: 18]. قال الواسطى رحمة الله عليه: الوعظ للأكابر. ومنهم من له مشار مقذوف، كقوله: {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ}.

القشيري

تفسير : نُدْخِلُ نهارَ التحقيق على ليالي الأَوهام فينقشع سحابُ الغيبة، وينجلي ضبابُ الأوهام، وتنير شمسُ اليقين، وتصحو سماءُ الحقائق عن كلِّ غُبار التُّهَم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} اخبر سبحانه عن الطبيعة الانساينة التى هى منابت مخائيل الشيطانية وحنظلات الهواجس النفسانية فاذا صارت مجموعة باباطيل شهواتها وظلمات هواها اشرف شموس مشاهدة الجلال والجمال من روازن الملكوت للقلب المستعد لشهود مشاهدة القربة فتدلت منه وتجلت له حتى لا يبقى من ظلمات الطبيعة اثر فاذا صار بدر الجمال مستقيما فى سقف سماء القلوب واضاء بانوار الغيوب اضمحلت سجوف ليالى النفوس وانهدمت ---- اباطيل الشياطين وقال الواسطى الوعظ للاكابر ومنهم من له مشار مقذوف كقوله بل نقذف بالحق على الباطل قال الاستاذ يدخل نهار التحقيق على ليلى الاوهام فينقشع سحاب الغيبة ويتجلى ضباب الاوهان ويبرز شمس اليقين عن خفاء الظنون ويصح سماء الحقائق عن كل غبار الشبه ساطعا.

اسماعيل حقي

تفسير : {بل نقذف بالحق على الباطل} اضراب عن اتخاذ الولد وارادته كائنه قيل لكنا لا نريده بل شأننا ان نغلب الحق الذى من جملته الجد والايمان والقرآن ونحوها على الباطل الذى من جملته اللهو والكفر والاباطيل الاخر. قال الراغب القذف الرمى البعيد ولاعتبار البعد فيه قيل منزل قذف وقذيف وبلدة قذوف طروح بعيدة والباطل نقيض الحق وهو الذى لاثبات له عند الفحص عنه {فيدمغه} فيهلكه ويعدمه. قال اهل التفسير انما استعار لذلك اى للتغليب والتسليط وايراد الحق على الباطل القذف وهو الرمى الشديد المستلزم لصلاة المرمى ولمحوه واعدامه الباطل وهو كسر الشئ الرخو الاجوف وهو الدماغ بحيث يشق غشاءه المؤدى الى زهوق الروح تصويرا لابطاله به فشبه الحق بجرم صلب كالماس او الياقوت مثلا قذف به على جرم رخو اجوف من قزاز او تراب فمحقه واعدمه. قال صاحب المفتاح اصل استعمال القذف والدمغ فى الاجسام ثم استعير القذف لا يراد الحق على الباطل والدمغ لاذهاب الباطل ومحوه فالمستعار منه حسى والمستعار له عقلى اى ففيه تشبيه المعقول بالمحسوس عبر عن الصورة المعقولة بما يدل على الهيئة المحسوسة لتتمكن تلك الهيئة المعقولة فى ذهن السامع فضل تمكن {فاذا هو}[بس آنجا او]{زاهق} اى ذاهب بالكلية والزهوق ذهاب الروح ويقال زهقت نفسه خرجت من الاسف وفى اذا المفاجأة والجملة الاسمية من الدلالة على كمال المسارعة فى الذهاب والبطلان ما لا يخفى فكأنه زاهق من الاصل وذكره لترشيح المجاز فان ذهاب الروح انما يلائم المستعار منه اى المعنى الاصلى للدمغ فان الدماغ مجمع الحواس واذا بلغت الشجة اليه يموت الحيوان. وفى التأويلات النجمية للحق ثلاث مراتب وكذا للباطل مرتبة افعال الحق ومرتبة صفات الحق ومرتبة ذات الحق تعالى فاما افعال الحق فهى ما امره اله به العباد فبها يدمغ باطل ما نهى الله عنه واما صفات الحق فبتجليها يدمغ باطل صفات العبد واما ذات الحق فاذا تجلى الله بذاته يدمغ باطل جميع الذوات كما قال تعالى {أية : كل شئ هالك الاوجهه}تفسير : ويدل عليه {وقل جاء الحق وزهق الباطل} ولعل من قال انا الحق انما قال عند تجلى ذات الحق او صفه حقيته لذاته الباطل اذ زهق باطل ذاته عند مجيء الحق فاخبر الحق عن ذاته بلسان اتصف بصفة الحق فقال انا الحق: قال المغربى قدس سره شعر : ناصر ومنصور ميكويد انا الحق المبين بشنواز ناصر كه آن كفتار ازمنصور نيست تفسير : وقال الخجندى قدس سره شعر : هركه بدار فنا جبه هستى بسوخت رمز سوى الله بخواند سر انا الحق شنود تفسير : وقال شعر : اسرار انا الحق سخن نيك بلندست معنى جنين جز بسردار ثيابى تفسير : {ولكم الويل} قال الاصمعى ويل قبوح وقد يستعمل فى التحسر وويس استصغار وويح ترحم ومن قال ويل واد فى جهنم فانه لم يرد ان ويلا فى اللغة هو موضوع لهذا وانما اراد ان من قال الله تعالى فيه ذلك فقد استحق مقرا من النار وثبت ذلك له. والمعنى استقر لكم الهلاك ايها المشركون {مما تصفون} من تعليلية متعلقة بالاسقرار اى من اجل وصفكم له سبحانه بما لا يليق بشأنه الجليل من المرأة والولد ووصف كلامه بانه سحر واضغاث احلام ونحو ذلك من الاباطيل

الجنابذي

تفسير : {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ} يظنّ انّ الانسب بتوافق المتعاطفين ان يقول بل قذفنا بالحقّ على الباطل لكن نقول انّ المراد بالحقّ هو الحقّ المخلوق به الّذى هو المشيّة المسمّاة بالولاية المطلقة، والسّماء اعمّ من سماء عالم الطّبع، وسماء عالم الارواح، ونفس عالم الارواح فى العالم الكبير والصّغير، وهكذا الارض وما بينهما اعمّ ممّا فى الكبير والصّغير، وكما انّ المشيّة الّتى هى اضافة الله الاشراقيّة حقّ لا شوب باطل فيها كذلك جميع التّعيّنات والمهيّات باطلة لا شوب حقّ فيها وانّ الله تعالى بمضمون قوله تعالى: {أية : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}تفسير : [المائدة:64] ينفق كيف يشاء على سبيل الاستمرار يطرد باضافته الاشراقيّة بطلان التّعيّنات والمهيّات وبطلان القوى والنّقائص والاستعدادات وبفنيه وكما انّه تعالى يطرد بخلقه سماوات الارواح واراضى الاشباح بطلان المهيّات بقذف الحقّ عليها ابتداءً كذلك يطرد ذلك عنها استمراراً فانّها من انفسها فى فناءٍ لا بقاء لوجودها آنين، ومن موجدها فى بقاءٍ بسبب تجدّد اضافات الوجود عليها، وكما يطرد بخلقتها البطلان ابتداءً واستمراراً عن المهيّات يطرد بخلقتها البطلان والنّقائص عن القوى والاستعدادات الّتى تكون فى عالم الاكوان، وللاشارة الى انّه تعالى يطرد البطلان عن المهيّات والاستعدادات استمراراً اتى بالمتعاطفين متخالفين، ولفظ القذف اشعار بانّه تعالى لقوّة قدرته لا مانع يمانعه عن ايصال الحقّ {فَيَدْمَغُهُ} دمغه كمنع ونصر شجّه حتّى بلغت الشّجّة الدّماغ فهلك {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} مضمحلّ {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} الله به او من وصفكم الله باللّعب فى فعاله من دون ترتّب غاياتٍ محكمة عليها، وبالصّاحبة والولد.

اطفيش

تفسير : {بَلْ نَقْذِفُ} نرمى {بِالْحَقِّ} الإيمان والقرآن والرسالة والشرع، وكل ما هو حق. وقيل: هو قوله: إنه لا ولد له. {عَلَى الْبَاطِلِ} الشرك وما ليس بحق. وقيل: قولهم: اتخذ الله ولداً. {فَيَدْمَغُهُ} يذهبه. وقرئ بضم الميم وقرئ بالنصب عطفا لمصدره على الحق، على حد: شعر : ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عينى تفسير : أو على القذف المفهوم، أى يكون منا القذف بالحق على الباطل فيدمغه. وهذا ضعيف. وعبارة ابن هشام: حذفت أن فى هذه القراءة شذوذاً انتهى. وقيل بقياس حذفها مطلقا فى كل موضع. وقيل: بشرط رفع الفعل فى غير المواضع المشهورة، مثل ما بعد لام كى. ووجه الضعف: أنه لم يتقدم نفى أو طلب. والإضراب هو عن اتخاذ اللهو واللعب، وتنزيه منه لذاته، أى ليس من عادتنا اللهو، بل تعليب الحق على الباطل. والقذف: الرمى البعيد المستلزم لصلابة المرمى. وذلك حقيقة فى الأجسام، فاستعير لإيقاع الحق على الباطل، واشتق منه نقذف بمعنى نوقع الحق عليه. والدمغ: كسر الدماغ بحيث يتطوّق غطاءه، فتزهق الروح، استعير لإذهاب الباطل، واشتق منه يدمغ بمعنى يذهب، أو شبه الحق بنحو حجر، والباطل بنحو إنسان، فنسب القذف للحق، والدمغ والزهوق للباطل، نسبة إيقاعية، إلا الزهوق فنسبته وقوعية. كذا ظهر لى. ويحتمل غير ذلك، كما تعلمه من شرحى على شرح عصام الدين. {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} ذاهب الروح، فهو ترشيح للاستعارة، إذا جعلنا الباطل مستعملا فى الإنسان، أى أطلق، وأريد به الإنسان مجازاً لا الإنسان حقيقة أوْ لا استعارة بيدمغ. {وَلَكُمْ الْوَيْل} العذاب الشديد، أى واد فى جهنم يا كفار مكة، أو الخطاب لجميع الكفار. {مِمَّا تَصِفُونَ} ما مصدرية، أو موصوفة، وعليهما فالرابط محذوف، أى مما تذكرونه، وتقولونه فى الله. وأما قول بعضهم: إن الأصل مما تصفون الله به فضعيف؛ لأن هذا الرابط المجرور لم يتعلق بما تعلق به الموصول ولم يجرّ بما جُرَّ به، فإن ما مجرورة بمن، متعلقة بما تعلق به لكم، وهو الاستقرار، أو بمحذوف حال من ضمير الاستقرار، ومن هذه للتعليل أو للابتداء، على معنى أنه تحصَّل لكم الويل، وخرج لكم مما تصفون، والهاء مجرورة بالباء متعلقة بتصفون.

اطفيش

تفسير : {بَلْ نقْذفُ بالحقِّ على الباطل} إضراب عن إرادة الاتخاذ أو عن الاتخاذ، والمعنى لكنا لا إرادة لنا لاتخاذ اللهو، أو لا اتخاذ له، بل من شأننا أن نضرب بالحق على الباطل، بمعنى أن نغلبه عليه، ولذلك جاءت على، والمراد عموم الحق والباطل الذي من جملته اللهو لا خصوص القرآن بالحق، والشيطان بالباطل، أو الحجة بالحق، وشبههم والولد ولازوج بالباطل، أو الحق الإيمان، والباطل الكفر، أو الحق نفى الولد، والباطل إثباته، واستعير القذف وأصله الرمى البعيد، مع صلابة لا يراد أى بل نورد الحق على الباطل العقليان والجسميان، أو ذلك استعارة تمثيلية، بأن شبه غلبة الحق على الباطل، وإذهاب إياه برمى جرم صلب كحجر أو حديد، على رأس دماغ رخو فيشقه، فالحق عال باق، والباطل سافل فان. {فَيدْمَغُه} يمحقه بالكلية كتلك القرى المهلكة، والدمغ فسر الشىء الرخو الأجوف، واستعير للمحق أو شبه الباطل بالرخو الأجوف، ورمز اليه بالزمه، وهو الدمغ {فإذَا هو زاهقٌ} ذاهب، أسرع اليه الذهاب حتى كأنه لم يكن من أول الأمر {ولَكُم} معشر كفار قريش، أو معشر كفار العرب {الوَيْل} العقـاب فى الآخرة كما لهؤلاء الكفرة قبلكم {ممَّا تصفون} من التعليل أو الابتداء متعلقه لكم لنيابته عن نحو: ثابت أو ثبت، او بثبات أو ثبت أو حال من المستتر فى لكم، وما مصدرية أو نكرة موصوفة، أى من ولد تصفون الله به أو من شىء تصفون الله به من نحو الولد، أو اسم موصول، أى من الولد الذى تصفون الله به على جواز حذف الرابط المجرور بلا شرط لظهور المعنى، وإن قدر تصفون فيهما برد الهاء لما، هو الولد أو نحوه، أى تثبتونه لله حاشاه، أو من الوصف الذى تصفونه برد الهاء للوصف، فقد حذف منصوبا لا مجرورا.

الالوسي

تفسير : قوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ} / إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب بل عن إرادة الاتخاذ كأنه قيل لكنا لا نريده بل شأننا أن نغلب الحق الذي من جملته الجد على الباطل الذي من جملته اللهو، وتخصيص هذا الشأن من بين سائر شؤونه تعالى بالذكر للتخلص لما سيأتي إن شاء الله تعالى من الوعيد، وعن مجاهد أن الحق القرآن والباطل الشيطان، وقيل الحق الحجة والباطل شبههم ووصفهم الله تعالى بغير صفاته من الولد وغيره، والعموم هو الأولى، وأصل القذف الرمي البعيد كما قال الراغب وهو مستلزم لصلابة الرمي وقد استعير للإيراد أي نورد الحق على الباطل. {فَيَدْمَغُهُ} أي يمحقه بالكلية كما فعلنا بأهل القرى المحكية، وأصل الدمغ كسر الشيء الرخو الأجوف وقد استعير للمحق. وجوز أن يكون هناك تمثيل لغلبة الحق على الباطل حتى يذهبه برمي جرم صلب على رأس دماغه رخو ليشقه، وفيه إيماء إلى علو الحق وتسفل الباطل وأن جانب الأول باق والثاني فان، وجوز أيضاً أن يكون استعارة مكنية بتشبيه الحق بشيء صلب يجىء من مكان عال والباطل بجرم رخو أجوف سافل، ولعل القول بالتمثيل أمثل. وقرأ عيسى ابن عمر {فَيَدْمَغُهُ} بالنصب، وضعف بأن ما بعد الفاء إنما ينتصب بإضمار أن لا بالفاء خلافاً للكوفيين في جواب الأشياء الستة وما هنا ليس منها ولم ير مثله إلا في الشعر كقوله: شعر : سأترك منزلي لبني تميم وألحق بالحجاز فأستريحا تفسير : على أنه قد قيل في هذا أن أستريحا ليس منصوباً بل مرفوع مؤكد بالنون الخفيفة موقوف عليه بالألف، ووجه بأن النصب في جواب المضارع المستقيل وهو يشبه التمني في الترقب، ولا يخفى أن المعنى في الآية ليس على خصوص المستقبل، وقد قالوا إن هذا التوجيه في البيت ضعيف فيكون ما في الآية أضعف منه مأخذاً والعطف على هذه القراءة على (الحق) عند أبـي البقاء، والمعنى بل نقذف بالحق فندمغه على الباطل أي نرمي بالحق فإبطاله به. وذكر بعض الأفاضل أنه لو جعل من قبيل علفتها تبناً وماءً بارداً صح، واستظهر أن العطف على المعنى أي نفعل بالقذف فالدمغ، وقرىء {فَيَدْمَغُهُ} بضم الميم والغين. {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} أي ذاهب بالكلية وفي (إذا) الفجائية والجملة الاسمية من الدلالة على كمال المسارعة في الذهاب والبطلان ما لا يخفى فكأنه زاهق من الأصل. {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} وعيد لقريش أو لجميع الكفار من العرب بأن لهم أيضاً مثل ما لأولئك من العذاب والعقاب، وما تعليلية متعلقة بالاستقرار الذي تعلق به الخبر أو بمحذوف هو حال من (الويل) على مذهب بعضهم أو من ضميره المستتر في الخبر، وما إما مصدرية أو موصولة أو موصوفة أي ومستقر لكم الويل والهلاك من أجل وصفكم له تعالى بما لا يليق بشأنه الجليل تعالى شأنه أو بالذي تصفونه أو بشيء تصفونه به من الولد ونحوه أو كائناً مما تصفونه عز وجل به، وكون الخطاب لمن سمعت مما لا خفاء فيه ولا بعد، وأبعد كل البعد من قال: إنه خطاب لأهل القرى على طريق الالتفات من الغيبة في قوله تعالى: { أية : فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ } تفسير : [الأنبياء:15] إليه.

ابن عاشور

تفسير : (بل) للإضراب عن اتخاذ اللهو وعن أن يكون الخَلق لعباً إضرابَ إبطال وارتقاء، أي بل نحن نعمد إلى باطلكم فنقذف بالحق عليه كراهيةً للباطل بَلْهَ أن نعمل عملاً هو باطل ولعب. والقذف، حقيقته: رمي جسم على جسم. واستعير هنا لإيراد ما يزيل ويبطل الشيء من دليل أو زَجْر أو إعدامٍ أو تكوين ما يغلب، لأن ذلك مثل رمي الجسم المبطل بشيء يأتي عليه ليتلفه أو يشتته، فالله يبطل الباطل بالحقّ بأن يبين للناس بطلان الباطل على لسان رسله، وبأن أوجَد في عقولهم إدراكاً للتمييز بين الصلاح والفساد، وبأن يسلط بعض عباده على المبطلين لاستئصال المبطلين، وبأن يخلق مخلوقات يسخرها لإبطال الباطل، قال تعالى: {أية : إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} تفسير : في سورة الأنفال (12). والدمغ: كَسْر الجسم الصُلب الأجوف، وهو هنا ترشيح لاستعارة القذف لإيراد ما يبطل، وهو استعارة أيضاً حيث استعير الدمغ لمحق الباطل وإزالتِه كما يزيل القذف الجسم المقذوف، فالاستعارتان من استعارة المحسوسين للمعقولين. ودل حرف المفاجأة على سرعة محق الحقّ الباطلَ عند وروده لأن للحقّ صولة فهو سريع المفعول إذا ورد ووضح، قال تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابيا} إلى قوله تعالى: {أية : كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} تفسير : في سورة الرعد (17). والزاهق: المنفلت من موضعه والهالك، وفِعله كسمع وضرب، والمصدر الزهوق. وتقدم في قوله تعالى: {أية : وتَزْهَقَ أنفسُهم وهم كافرون} تفسير : في سورة براءة (55) وقوله تعالى: {أية : إن الباطل كان زهوقاً} تفسير : في سورة الإسراء (81). وعندما انتهت مقارعتهم بالحجج الساطعة لإبطال قولهم في الرسول وفي القرآن ابتداء من قوله تعالى: {أية : وأسروا النجوى الذين ظلموا} تفسير : [الأنبياء: 3] إلى قوله تعالى: {أية : كما أرسل الأولون} تفسير : [الأنبياء: 5]. وما تخلل ذلك من المواعظ والقوارع والعبر. خُتم الكلام بشتمهم وتهديدهم بقوله تعالى: {ولكم الويل مما تصفون}، أي مما تصفون به محمداً - صلى الله عليه وسلم - والقرآن. والويل: كلمة دعاء بسوء. وفيها في القرآن توجيه لأن الوَيْل اسم للعذاب.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 18- بل أَمْرُنا الذى يليق بنا هو أن نقذف الحق فى وجه الباطل فَيُذْهِبه، ولكم - أيها الكافرون - الهلاك بسبب افترائكم على الله ورسوله. 19- ولله - وحده - كل من فى السموات والأرض خَلقاً ومُلكاً، فمن حقه - وحده - أن يُعبد، والمقرَّبون إليه من الملائكة لا يستكبرون عن عبادته والخضوع له، ولا يشعرون بالإعياء والملل من طول عبادته بالليل والنهار. 20- يُنَزّهونه جل شأنه عما لا يليق به، لا يتخلل تنزيههم هذا فُتُور، بل هو تنزيه دائم لا يشغلهم عنه شاغل. 21- لم يفعل المشركون ما يفعله المقربون من إخلاص العبادة لله، بل عبدوا غيره، واتخذوا من الأرض آلهة لا تستحق أن تعبد، وكيف يُعْبَد من دون الله من لا يستطيع إعادة الحياة؟!. 22- لو كان فى السماء والأرض آلهة غير الله تُدبِّر أمرهما لاختلَّ النظام الذى قام عليه خلقهما، ولما بلغ غاية الدقة والإحكام، فتنزيهاً لله صاحبِ الملك عما ينسبه إليه المشركون. 23- لا يُحاسب - سبحانه - ولا يُسأل عما يفعل، لأنه الواحد المتفرد بالعزة والسلطان، الحكيم العليم، فلا يخطئ فى فعل أى شئ، وهم يُحاسبون ويُسألون عما يفعلون؛ لأنهم يخطئون لضعفهم وجهلهم وغلبة الشهوة عليهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْبَاطِلِ} (18) - وَمِنْ شَأنِه تَعَالَى الذي يَلِيقُ بِهِ هُوَ أَنْ يُبَيِّنَ الحَقَّ، فَيَدْحَضَ بِهِ البَاطِلَ وَيُزْهِقَهُ، وأَنَّهُ يَقْذِفُ بالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَكْسِرُ دِمَاغَه {يَدْمَغُهُ}، وَيُهْلِكُهُ، والوَيْلُ والعَذَابُ الشَّدِيدُ للَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ للهِ وَلداً أو صَاحِبَةً، مِمَّا يَقُولُونَ ويَفْتَرُونَ ويَصِفُونَ رَبَّهم عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِه. (بَلْ - حَرْفٌ يَعْنِي الإِضْرَابَ عَنِ الحَدِيثِ السَّابِقِ وَالعُدُولَ عَنْهُ إِلى حَدِيثٍ آخَرَ، وَهُنَا يَعْنِي العُدُولَ عَنْ حَدِيثِ اللَّهْوِ إِلى الحَدِيثِ عَنِ الحَقِّ وَغَلَبَتِهِ عَلَى البَّاطِلِ). نَقْذِفُ بالحَقِّ - نَرْمِي بِهِ وَنُورِدُهُ. فَيَدْمَغُهُ - فَيُزْهِقُهُ وَيَمْحَقُهُ، أَو يَكْسِرُ دِمَاغَهُ. زَاهِقٌ - ذَاهِبٌ، مُضْمَحِلٌ. الْوَيْلُ - الهَلاَكُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ما دام أنهم فعلوا اللهو واللعب، وخانوا نِعَم الله في السماء والأرض فليعلموا أن هذا الحال لن يستمر، فالحق سبحانه يُملي للباطل ويُوسع له حتى يزحف ويمتد، حتى إذا أخذه أخْذ عزيز مقتدر، وقذف عليه بالحق. فقوله: {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ ..} [الأنبياء: 18] القذف: الرَّمْي بشدة مثل القذائف المدمرة {فَيَدْمَغُهُ ..} [الأنبياء: 18] يقال: دمغه أي: أصاب دماغه. والدماغ أشرف أعضاء الإنسان ففيه المخ، وهو ميزان المرء، فإنْ كان المخ سليماً أمكن إصلاح أيِّ عطل آخر، أما إنْ تعطل المخ فلا أملَ في النجاة بعده. لذلك جعل الحق - سبحانه وتعالى - عَظْمة الدماغ أغوى عظام الجسم لتحفظ هذا العضو الهام، والأطباء لا يحكمون على شخص بالموت - مثلاً - إذا توقف القلب؛ لأن القلب يجري له تدليك معين فيعود إلى عمله كذلك التنفس، أما إنْ توقف المخ فقد مات صاحبه، فهو الخلية الأولى والتي تحتفظ بآخر مظاهر الحياة في الجسم؛ لذلك يقولون: موت إكلينيكي. وللمخ يصل خلاصة الغذاء، وهو المخدوم الأعلى بين الأعضاء، فالجسم يأخذ من الغذاء ما يكفي طاقته الاحتراقية في العمل، وما زاد على طاقته يُختزَن على شكل دهون يتغذّى عليها الجسم، حين لا يوجد الطعام، فإذا ما انتهى الدُّهْن تغذَّى على اللحم، ثم على العَظْمِ لِيُوفِّر للمخ ما يحتاجه، فهو السيد في الجسم، ومن بعده تتغذّى باقي الأعضاء. إذن: كل شيء في الجسم يخدم المخ؛ لأنه أَعْلَى الأعضاء، أما النبات مثلاً فيخدم أسفله، فإذا جَفَّ الماء في التربة ولم يجد النبات الغذاءَ الكافي يتغذى على أعلاه فيذبل أولاً، ثم تتساقط الأوراق، ثم تجفّ الفروع الصغيرة، ثم الجذع، ثم الجذر. ومن ذلك قول سيدنا زكريا عليه السلام: {أية : قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً ..} تفسير : [مريم: 4] فالعَظْم آخر مخزَن للغذاء في الجسم، فَوهَنُ العظم دليل على أن المسألة أوشكتْ على النهاية. إذن: فقوله تعالى: {فَيَدْمَغُهُ ..} [الأنبياء: 18] أي: يصيبه في أهم الأعضاء وسيدها والمتحكم فيها، لا في عضو آخر يمكن أنْ يُجبر؛ لذلك يقول بعدها: {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ..} [الأنبياء: 18] زاهق: يعني خارج بعنف. وقوله تعالى: {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18] يعني: أيها الإنسان المغتَرّ بلججه وعناده في الباطل، ووقف بعقله وقلبه ليصادم الحق، سنقذف بالحق على باطلك، فنصيب دماغه فيزهق، ساعتها ستقول: يا ويلتي كما سبق أنْ قالوا: {أية : يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 14] حينما يباشرون العذاب. ومعنى: {تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18] تكذبون كذباً افترائياً، كما لو رأيت شخصاً جميلاً، فتقول: وجهه يَصِفُ الجمال، يعني: إنْ كنت تريد وَصْفاً للجمال، فانظر إلى وجهه يعطيك صورة للجمال، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ ..} تفسير : [النحل: 62] يعني: إنْ أردت أنْ تعرف الكذب بعينه، فاسمع كلامهم وما قالتْه ألسنتهم. كما يقولون: حديث خرافة، وأصل هذه المقولة رجل اسمه خرافة، كان يقول: أنا عندي سهم إنْ أطلقُته على الظَّبي يسير وراءه، فإن التفت يميناً سار وراءه، فإنْ ذهب شمالاً ذهب وراءه، فإنْ صعد الجبل صعد وراءه، فإنْ نزل نزل وراءه. وكأن سهمه صاروخ مُوجَّه كالذي نراه اليوم!! فسار كلامه مثالاً يُضرب للكذب. لذلك قال الشاعر: شعر : * حَدِيثُ خُرَافَةٍ يا أُمَّ عَمْرو * تفسير : فإنْ أردتَ تعريفاً للكذب فأنا لا أُعرِّفه لك بأنه قوْلٌ لا يوافق الواقع، إنما اسمع إلى كلامهم، فهو أصدق وَصْف للكذب؛ لأنه كذب مكشوف مفضوح. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ} تفسير : [الأنعام: 100] أي: يكذبون ويفترون على الله. وقد يقول قائل: لماذا يُملِي الله للباطل حتى يتمرَّد ويعلو، ثم يعلو عليه الحق فيدمغه؟ نقول: الحكمة من هذا أنْ تتم الابتلاءات، والناس لا تتعشق الحق إلا إذا رأتْ بشاعة الباطل، ولا تعرف منزلة العدل إلا حين ترى بشاعة الظلم، وبضدها تتميز الأشياء، كما قال الشاعر: شعر : فَالوجْهُ مِثْلُ الصبُّحْ مُبيضٌ وَالشَّعْر مِثْلُ الليْلِ مُسْودُ ضِدَّان لَمَّا استْجمْعاً حَسُنَاً والضِّدُّ يُظهِرُ حُسْنَه الضِّدُ تفسير : إذن: لا نعرف جمال الحق إلا بقُبْح الباطل، ولا حلاوة الإيمان إلا بمرارة الكفر. {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} فالويلُ: وادٍ في جهنّمَ من قَيحٍ مما يَسيلُ من صَديدِ أهل النَّارِ. وتَصِفونَ: معناه تَكذِبُونَ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن حاصل الباطل بقوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} [الأنبياء: 18] يشير إلى أن للحق ثلاث مراتب، وكذا للباطل مرتبة أفعال الحق، ومرتبة صفات الحق، ومرتبة ذات الحق تبارك وتعالى؛ فأمَّا أفعال الحق فهي: أمر الله به العباد فيه يدفع باطل ما نهى الله عنه، وأمَّا صفات الحق فبتجليها يدمغ باطل صفات العبد، وأنا ذات الحق تعالى فإذا تجلى بذاته يدمغ باطل جميع الذوات كما قال الله تعالى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88] ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} تفسير : [الإسراء: 81]. وقوله تعالى: {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18] ولعل من قال: أنا الحق إنما قال عند تجلي ذات الحق أو صفته الحقيقية تعالى لذاته الباطل فإذا زهق باطل ذاته عند مجيئه فأخبر الحق عن ذاته بلسان الصفة بصفة الحق فقال: "أنا الحق" {وَلَكُمُ} [الأنبياء: 18] يا أهل الوجود المجازي الباطل {ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18] به وجود حقيقي الحق تعالى مما يليق بأهل الوجود المجازي الباطل {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الأنبياء: 19] خلقاً وإيجاداً واستيعاداً {وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} [الأنبياء: 19] بل يتفاخرون بعبوديته {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19] لا يملون ولا يسأمون. {يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ} [الأنبياء: 20] أي: ينزهون عن وصمة الحدوث {لاَ يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20] عن العبادة والتنزيه والتقديس طرفة عين؛ لأنهم يعيشون بها كما يعيش الإنسان بالنفس، وبقوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ} [الأنبياء: 21] أي: الدواعي المنشأة من أرض البشرية وهوى النفس {هُمْ يُنشِرُونَ} [الأنبياء: 21] يحيون القلب الميت، بل الله المحي والمميت يحيي القلوب الميتة بنور ذكره وطاعته. وبقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] يشير إلى: سماء الروحانية وأرض البشرية؛ أي: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي مدبرات مثل: العقل في سماء الروحانية، والهوى في أرض البشرية غير هداية الله بواسطة الأنبياء والشرائع. {لَفَسَدَتَا} كما فسدت بتدبير العقل والهوى سماء روحانية الفلاسفة والطبائعية والدهرية والإباحية والملاحدة وأرض بشريتهم؛ فأمَّا فساد سماء أرواحهم: فبأن زلَّت أقدامهم عن جادة التوحيد وصراط الوحدانية حتى أثبتوا لله الواحد القهار شريكاً قديماً وهو العالم، فلم يقبلوا دعوة الأنبياء، ولم يهتدوا بهداية الحق، وأمَّا ارض بشريتهم،: فبأن زلَّت قدمهم عن جادة العبودية وصراط الشريعة، والمتابعة حتى عبدوا طاغوت الهوى والشيطان وآل أمر فساد حالهم إلى أن قال الله فيهم: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} تفسير : [البقرة: 18]. وأمَّا تفسير قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] في الظاهر فهو أن وجود الإلهية لا يخلوا إمَّا أن يكون حالهم كلهم متساوين في الألوهية وكمال القدرة، أو بعضهم كاملاً، أو بعضهم ناقصاً. * وإمَّا أن يكون كلهم ناقصاً: يحتاج بعضهم إلى بعض في الألوهية، فأمَّا التساوي في الكمالية فموجب أن يكون كل واحد منهم عبثاً لاستغناء الكامل من الناقص الآخرين عنه والمستغنى عنه لا يصلح للإلهية. * وإمَّا كمالية بعضهم وناقصية بعضهم: تقتضي استغناء الكامل عن الناقص، فالناقص لا يصلح للإلهية، وأمَّا الناقصون الذين محتاجون إلى إعانة بعضهم لبعض فلا يصلحون للإلهية؛ لأنهم محتاجون إلى مكمل واحد مستغن عمَّا سواه، أو هو الواحد الصمد الغني عمَّا سواه وما سواه محتاج إليه، ولو كان فيهما آلهة لفسدتا؛ لعدم مدبر كامل في إلهية أخرى في المدبرية. {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ} [الأنبياء: 22] فنزَّه الله نفسه عن العجز والاحتياج لغيره في الإلهية، وأثبت أنه خالق العرش الذي يفيض الرحمانية إلى المكونات؛ لنفي الإلهية عن غيره منزهاً {عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] باحتياجه إلى العرش أو لآلهة أخرى في الإلهية {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] لأن أفعاله مبنية على القدرة الكاملة والحكمة البالغة فلا مساغ لسؤال سائل فيهما لم فعلت {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] فيما يفعلون؛ لأن السؤال في أفعالهم مساغاً؛ لأن مصدرها الظلومية والجهولية. {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً} [الأنبياء: 24] بالدليل والبرهان {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} [الأنبياء: 24] أي: لا يمكن إثبات آلهة أخرى بالبرهان كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} تفسير : [المؤمنون: 117] وبقوله تعالى: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} [الأنبياء: 24] يشير إلى أن إثبات الربانية بالتحقيق، وكشف العيان من خصوصية العلماء المحققين من أمتي الذين هم معي في سير المقامات وقطع المنازل، فإن الله تعالى قد ندبهم بكلام أزلي إلى الدعاء، ووعد عليهم الاستجابة بقوله تعالى: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر: 60] فلهم الشركة مع الملائكة في قوله تعالى: {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 27] لأنهم بأمره دعوة عند رفع الحاجات إليه. وكذلك أثنى عليهم بقوله تعالى: {أية : تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ} تفسير : [السجدة: 16] الملائكة بكرامة الدنيا والاستجابة، وهذه مرتبة الخواص من بني آدم في الدعاء، وأمر مرتبة أخص خواصهم أنهم يدعون ربهم لا خوفاً ولا طمعاً، بل محبة منهم وشوقاً إلى وجهه الكريم، كما قال الله تعالى: {أية : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} تفسير : [الأنعام: 52] وهذه هي الكرامة الثانية من نتائج الاحتياج حتى لم يبق شيء من المخلوقات وخلقها إلا كانوا محتاجين بخلاف مخلوق آخر، فإن لكل مخلوق استعداداً في الاحتياج يناسب حال جبلته التي جبل عليها، وكل مخلوق يفتقر إلى خالقه بنوع ما ويفتقر إليه بنو آدم من جميع الوجوه، وهذا سر يقوله قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} تفسير : [محمد: 38] أي: كما ذاته وصفاته استوعبت الغنى، كذلك ذواتهم وصفاتهم استوعبت الفقر، فأكرمهم الله تعالى بعلم أسماء ما كانوا محتاجين إليه كلها، ووفقهم للسؤال عنه، وأنعم عليهم بالإجابة فقال: {أية : وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} تفسير : [إبراهيم: 34] وعد ذلك من النعمة التي لا نهاية لها، وكرامة لا كرامة فوقها بقوله تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34]. وبقوله: {أية : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} تفسير : [طه: 110] يشير إلى أنه تعالى يعلم ما بين أيديهم الملائكة من خجالة قولهم: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} تفسير : [البقرة: 30] فإن فيه نوع من الاعتراض، ونوع من الغيبة، ونوع من العجب حتى عيرهم الله تعالى فيما قالوا، وقال: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] يعني: يعلم منه استحقاق المسجودية لكم، والله أعلم منكم الساجدين له وما خلقهم؛ أي: ما يأمرهم بالسجود والاستغفار لمن في الأرض؛ يعني: المعتابين من أولاده؛ ليكون كفارة لما صدر منهم في حقهم. {وَلاَ يَشْفَعُونَ} [الأنبياء: 28] في الاستغفار {إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} [الأنبياء: 28] يعني: الله تعالى من أهل المغفرة {وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28] أي: من خشية الله وسطوة جلاله خائفون ألاَّ يعفو عنهم ما قالوا ويأخذهم به ويقولوا لنا {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ} [الأنبياء: 29] يعني: من الملائكة. {مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 29] يشير إلى أنه ليس للملك استعداد الاتصاف بصفات الألوهية، ولو أن هذه المرتبة جزاؤهم جهنم البعد والطرد والتعذيب كما كان إبليس، وبه يشير إلى أن الاتصاف بصفات الألوهية مرتبة بني آدم كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تخلقوا بأخلاق الله"تفسير : ، وقال عنوان كتاب الله إلى أوليائه يوم القيامة: من الملك الحي الذي لا يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت، فافهم جيداً. {كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 29] يعني: الذين يضعون الأشياء في غير موضعها كأهل الرياء والسمعة والشرك الخفي والجلي.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى، أنه تكفل بإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإن كل باطل قيل وجودل به، فإن الله ينزل من الحق والعلم والبيان، ما يدمغه، فيضمحل، ويتبين لكل أحد بطلانه { فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } أي: مضمحل، فانٍ، وهذا عام في جميع المسائل الدينية، لا يورد مبطل، شبهة، عقلية ولا نقلية، في إحقاق باطل، أو رد حق، إلا وفي أدلة الله، من القواطع العقلية والنقلية، ما يذهب ذلك القول الباطل ويقمعه فإذا هو متبين بطلانه لكل أحد. وهذا يتبين باستقراء المسائل، مسألة مسألة، فإنك تجدها كذلك، ثم قال: { وَلَكُمْ } أيها الواصفون الله، بما لا يليق به، من اتخاذ الولد والصاحبة، ومن الأنداد والشركاء، حظكم من ذلك، ونصيبكم الذي تدركون به { الْوَيْلُ } والندامة والخسران. ليس لكم مما قلتم فائدة، ولا يرجع عليكم بعائدة تؤملونها، وتعملون لأجلها، وتسعون في الوصول إليها، إلا عكس مقصودكم، وهو الخيبة والحرمان، ثم أخبر أنه له ملك السماوات والأرض وما بينهما، فالكل عبيده ومماليكه، فليس لأحد منهم ملك ولا قسط من الملك، ولا معاونة عليه، ولا يشفع إلا بإذن الله، فكيف يتخذ من هؤلاء آلهة وكيف يجعل لله منها ولد؟! فتعالى وتقدس، المالك العظيم، الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الصعاب، وخشعت له الملائكة المقربون، وأذعنوا له بالعبادة الدائمة المستمرة أجمعون، ولهذا قال: { وَمَنْ عِنْدَهُ } أي من الملائكة { لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ } أي: لا يملون ولا يسأمونها، لشدة رغبتهم، وكمال محبتهم، وقوة أبدانهم. { يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ } أي: مستغرقين في العبادة والتسبيح في جميع أوقاتهم فليس في أوقاتهم وقت فارغ ولا خال منها وهم على كثرتهم بهذه الصفة، وفي هذا من بيان عظمته وجلالة سلطانه وكمال علمه وحكمته، ما يوجب أن لا يعبد إلا هو، ولا تصرف العبادة لغيره.

همام الصنعاني

تفسير : 1854- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الآية: 18]، قال: هالِكٌ.