Verse. 2502 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

وَلَہٗ مَنْ فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ وَمَنْ عِنْدَہٗ لَا يَسْـتَكْبِرُوْنَ عَنْ عِبَادَتِہٖ وَلَا يَسْتَحْسِرُوْنَ۝۱۹ۚ
Walahu man fee alssamawati waalardi waman AAindahu la yastakbiroona AAan AAibadatihi wala yastahsiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وله» تعالى «من في السماوات والأرض» ملكاً «ومن عنده» أي الملائكة مبتدأ خبره «لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون» لا يعيون.

19

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان. الأول: أنه تعالى لما نفى اللعب عن نفسه ونفي اللعب لا يصح إلا بنفي الحاجة ونفي الحاجة لا يصح إلا بالقدرة التامة، لا جرم عقب تلك الآية بقوله: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } لدلالة ذلك على كمال الملك والقدرة. الثاني: وهو الأقرب أنه تعالى لما حكى كلام الطاعنين في النبوات وأجاب عنها وبين أن غرضهم من تلك المطاعن التمرد وعدم الإنقياد بين في هذه الآية أنه تعالى منزه عن طاعتهم لأنه هو المالك لجميع المحدثات والمخلوقات، ولأجل أن الملائكة مع جلالتهم مطيعون له خائفون منه فالبشر مع نهاية الضعف أولى أن يطيعوه. المسألة الثانية: قوله: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } معناه أن كل المكلفين في السماء والأرض فهم عبيده وهو الخالق لهم والمنعم عليهم بأصناف النعم، فيجب على الكل طاعته والانقياد لحكمه. المسألة الثالثة: دلالة قوله: {وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } على أن الملك أفضل من البشر من ثلاثة أوجه قد تقدم بيانها في سورة البقرة. المسألة الرابعة: قوله: {وَمَنْ عِندَهُ } المراد بهم الملائكة بإجماع الأمة ولأنه تعالى وصفهم بأنهم: {يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } وهذا لا يليق بالبشر وهذه العندية عندية الشرف والرتبة لا عندية المكان والجهة، فكأنه تعالى قال: الملائكة مع كمال شرفهم ونهاية جلالتهم لا يستكبرون عن طاعته فكيف يليق بالبشر الضعيف التمرد عن طاعته. المسألة الخامسة: قال الزجاج: ولا يستحسرون ولا يتعبون ولا يعيون قال صاحب «الكشاف»: فإن قلت الاستحسار مبالغة في الحسور فكأن الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور قلت في الاستحسار بيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور وأقصاه وأنهم أحقاء لتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا فيما يفعلون أما قوله تعالى: {يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } فالمعنى أن تسبيحهم متصل دائم في جميع أوقاتهم لا يتخلله فترة بفراغ أو بشغل آخر، روي عن عبد الله بن الحرث بن نوفل، قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله تعالى: {يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } ثم قال: { أية : جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } تفسير : [فاطر: 1] أفلا تكون تلك الرسالة مانعة لهم عن هذا التسبيح وأيضاً قال: { أية : أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلـئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } تفسير : [البقرة: 161] فكيف يشتغلون باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح؟ أجاب كعب الأحبار فقال: التسبيح لهم كالتنفس لنا فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا من الكلام فكذا اشتغالهم بالتبسيح لا يمنعهم من سائر الأعمال. فإن قيل هذا القياس غير صحيح لأن الإشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام، لأن آلة التنفس غير آلة الكلام أما التسبيح واللعن فهما من جنس الكلام فاجتماعهما محال. والجواب: أي استبعاد في أن يخلق الله تعالى لهم ألسنة كثيرة ببعضها يسبحون الله وببعضها يلعنون أعداء الله، أو يقال معنى قوله: {لاَ يَفْتُرُونَ } أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال: إن فلانا يواظب على الجماعات لا يفتر عنها لا يراد به أنه أبداً مشتغل بها بل يراد به أنه مواظب على العزم على أدائها في أوقاتها.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي ملكاً وخلقاً فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبده وخلقه. {وَمَنْ عِنْدَهُ} يعني الملائكة الذين ذكرتم أنهم بنات الله. {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي لا يأنفون {عَنْ عِبَادَتِهِ} والتذلل له. {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} أي يعيون؛ قاله قتادة. مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالإعياء والتعب، (يقال): حسر البعير يحسِر حُسوراً أعيا وكَلّ، واستحسر وتحسر مثله، وحسرته أنا حسراً يتعدى ولا يتعدى، وأحسرته أيضاً فهو حسير. وقال ابن زيد: لا يملون. ابن عباس: لا يستنكفون. وقال أبو زيد: لا يكلّون. وقيل: لا يفشلون؛ ذكره ابن الأعرابي؛ والمعنى واحد. {يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} أي يصلون ويذكرون الله وينزهونه دائما. {لاَ يَفْتُرُونَ} أي لا يضعفون ولا يسأمون، يلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النَّفَس. قال عبد الله بن الحرث سألت كعباً فقلت: أما لهم شغل عن التسبيح؟ أما يشغلهم عنه شيء؟ فقال: من هذا؟ فقلت: من بني عبد المطلب؛ فضمني إليه وقال: يا ابن أخي هل يشغلك شيء عن النفس؟! إن التسبيح لهم بمنزلة النَّفَس. وقد استدل بهذه الآية من قال: إن الملائكة أفضل من بني آدم. وقد تقدّم والحمد لله. قوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ } قال المفضل: مقصود هذا الاستفهام الجحد، أي لم يتخذوا آلهة تقدر على الإحياء. وقيل: «أم» بمعنى «هل» أي هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض يحيون الموتى. ولا تكون «أم» هنا بمعنى بل؛ لأن ذلك يوجب لهم إنشاء الموتى إلا أن تقدر «أم» مع الاستفهام فتكون «أم» المنقطعة فيصح المعنى؛ قاله المبرد. وقيل: «أم» عطف على المعنى أي أفخلقنا السماء والأرض لعباً، أم هذا الذي أضافوه إلينا من عندنا فيكون لهم موضع شبهة؟ أو هل ما اتخذوه من الآلهة في الأرض يحيي الموتى فيكون موضع شبهة؟. وقيل: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 10] ثم عطف عليه بالمعاتبة، وعلى هذين التأويلين تكون «أم» متصلة. وقرأ الجمهور «يُنْشِرُونَ» بضم الياء وكسر الشين من أنشر الله الميت فنُشِر أي أحياه فحيـي. وقرأ الحسن بفتح الياء؛ أي يحيون ولا يموتون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَهُ } تعالى {مَن فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ملكاً {وَمَنْ عِندَهُ } أي الملائكة، مبتدأ خبره {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } لا يعيون.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {وله} يحتمل أن يكون ابتداء كلام يحتمل أن يكون معادلاً لقوله {أية : ولكم الويل} تفسير : [الأنبياء: 18] كأنه تقسيم الأمر في نفسه أي للمختلقين هذه المقالة الويل ولله تعالى {من في السموات والأرض} واللام في {له} لام الملك، وقوله تعالى: {من في السماوات} يعم الملائكة والنبيين وغيرهم، ثم خصص من هذا العموم من أراد تشريفه من الملائكة بقوله تعالى: {ومن عنده} لأن "عند" هنا ليست في المسافات إنما هي تشريف في المنزلة فوصفهم تعالى بأنهم {لا يستكبرون} عن عبادة الله ولا يسأمونها ولا يكلون فيها. والحسير من الإبل المعيي ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : لهن الوجى لم يكن عوناً على النوى ولا كان منها طالع وحسير تفسير : وحسر واستحسر بمعنى واحد، وهذا موجود في كثير من الأفعال وإن كان الباب في استفعل أن يكون لطلب الشيء، وقوله تعالى: {لا يفترون}، روي عن كعب الأحبار أنه قال جعل الله التسبيح كالنفس وطرف العين للبشر منهم دائباً دون أن يلحقهم فيه سآمة، وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس مع أصحابه إذ قال "حديث : أتسمعون ما أسمع" قالوا: ما نسمع من شيء يا رسول الله، قال"إني لأسمع أطيط السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع راحة إلا وفيه ملك ساجد أو قائم ".

ابن عبد السلام

تفسير : {يَسْتَحْسِرُونَ} يملون، أو يعيون، أو يستنكفون، أو ينقطعون والبعير المنقطع بالإعياء حسيرٌ. شعر : بها جيف الحسرى............

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية. لما نفى اللعب عن نفسه، ونفي اللعب لا يصح إلا بنفي الحاجة، (ونفي الحاجة) لا يصح إلا بالقدرة التامة عقب تلك الآية بقوله: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} لدلالة ذلك على كمال الملك والقدرة. وقيل: لما حكى كلام الطاعنين في النبوات، وأجاب عنها، وبين أن غرضهم من تلك المطاعن التمرد، وعدم الانقياد، بين ههنا أنه تعالى منزه عن طاعتهم لأنه هو المالك بجميع المخلوقات، ولأجل أن الملائكة مع جلالتهم مطيعون له خائفون منه فالبشر مع كونهم في نهاية الضعف أولى أن يطيعوه. قوله: "وَمَنْ عِندَهُ" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه معطوف على "مَن" الأولى أخبر تعالى عن من في السموات والأرض وعن من عنده بأن الكل له في ملكه. وعلى هذا فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيهاً على شرفه، لأن قوله: {مَن فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ} شمل "مَنْ عِندَهُ" وقد مرَّ نظيره في قوله: "وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ" وقوله: "لاَ يَسْتَكْبرُونَ" على هذا فيه أوجه: أحدها: أنه حال من "مَن" الأولى أو الثانية أو منهما معاً. وقال أبو البقاء حال إما من "مَن" الأولى أو الثانية على قول من رفع بالظرف. يعني: أنه إذا جعلنا "مَن" في قوله: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ} مرفوعاً بالفاعلية والرافع الظرف وذلك على رأي الأخفش جاز أن يكون "لا يَسْتَكْبِرُونَ" حالاً من "مَن" الأولى، وإما من "من" الثانية؛ لأن الفاعل يجيء منه الحال. ومفهومه: أنا إذا جعلناها مبتدأ لا يجيء "يَسْتَكْبِرُون" حالاً وكأنه يرى أن الحال لا يجيء من المبتدأ، وهو رأي لبعضهم. ويجوز أن يكون "لاَ يَسْتَكْبِرُون" حالاً من الضمير المستكن في (عنده) الواقع صلة وأن يكون حالاً من الضمير المستكن في "له" الواقع خبراً. والوجه الثاني من وجهي "مَنْ" أن تكون مبتدأ و "لاَ يَسْتَكْبِرونَ" خبره، وهذه جملة معطوفة على جملة قبلها، وهل الجملة من قوله: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} استئنافية أو معادلة لجملة قوله: "وَلَكُم الوَيْلُ" أي لكم الويل ولله جميع العالم علويه وسفليه والأول أظهر "وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ" أي: لا يكلون ولا يتعبون، يقال: استحسر البعير أي: كلَّ وتَعِب قال علقمة بن عبدة: شعر : 3706- بِهَا جِيَفُ الحَسْرَى فَأَمّا عِظَامُهَا فَبِيضٌ وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ تفسير : ويقال: حَسِرُ البعر وحسرته أنا، فيكون لازماً ومتعدياً، وأحسرته أيضاً، فيكون فعل وأفعل بمعنى في أحد وجهي فعل. قال الزمخشري: فإن قلت: الاستحسار مبالغة في الحسور، فكان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور. قلت: في الاستحسار بيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور وأقصاه، وأنهم أحقاء لتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا فيما يفعلون. وهو سؤال حسن وجواب مطابق. قوله: "يُسَبِّحُون" يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً من الفاعل في الجملة قبله. و "لاَ يَفْتُرُون" يجوز في الاستئناف، والحال من فاعل "يُسَبِّحُون". فصل دلَّت هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر من ثلاثة أوجه تقدمت في البقرة. والمراد بقوله: "وَمَنْ عِندَهُ" هم الملائكة بالإجماع وصفهم الله تعالى بأنهم {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} وهذا لا يليق بالبشر، وهذه العندية عندية الشرف لا عندية المكان والجهة. روى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله تعالى: {يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} ثم قال: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً } تفسير : [فاطر: 1] أفلا تكون الرسالة مانعة لهم عن ذلك التسبيح، وأيضاً قال: {أية : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ} تفسير : [البقرة: 161] فكيف يشتغلون باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح؟ أجاب كعب الأحبار وقال: التسبيح لهم كالتنفس لنا، فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا الكلام فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال. فإن قيل: هذا القياس غير صحيح، لأن الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام؛ لأن آلة التنفس غير آلة الكلام، وأما التسبيح واللعن فهما من جنس الكلام فاجتماعهما محال. فالجواب: أي استبعاد في أن يخلق الله لهم ألسنة كثيرة ببعضها يسبح الله وببعضها يلعنون أعداء الله. أو يقال: معنى قوله: "لاَ يَفْتُرُونَ" أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال: إن فلاناً مواظب على الجماعة لا يفتر عنها، لا يراد به أنه أبداً مشتغل بها، بل يراد به أنه مواظب على العزم على أدائها في أوقاتها. قوله تعالى: "أَم اتَّخَذُوا" هذه "أَمْ" المنقطعة، فتقدر بـ (بل) التي لإضراب الانتقال وبالهمزة التي معناها الإنكار. و "اتخذ" يجوز أن يكون بمعنى (صنع) فيتعلق "مِنْ" به وجوَّز أبو حيَّان أن يكون بمعنى (صَيّر) التي في قوله {أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} تفسير : [النساء: 125]، فقال: وفيه معنى الاصطفاء والاختيار. و "مِن الأرْضِ" يجوز أن يتعلق بالاتخاذ كما تقدم، وأن يتعلق بمحذوف على أنها نعت لـ "آلِهَة" أي من جنس الأرض. قوله: "هُمْ يُنشِرُونَ" جملة في محل نصب صفة لـ "آلهة". وقرأ العامة "يُنْشِرُون" بضم حرف المضارعة من أنشر. وقرأ الحسن بفتحها وضم الشين يقال: أنشر الله الموتى فنشروا. ونشر يكون لازماً ومتعدياً. قوله: {أَم اتَّخَذُوا ءَالِهَةً} استفهام بمعنى الجحد أي لم يتخذوا من الأرض يعني: الأصنام من الأرض والحجارة، وهما من الأرض، والمنكر بعد اتخاذهم آلهة من الأرض ينشرون الموتى. فإن قيل: كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر، وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم بل كانوا في نهاية البعد عن هذه الدعوى، فإنهم كانوا مع إقرارهم بالله وأنه خالق السموات والأرض منكرين للبعث، ويقولون: {أية : مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} تفسير : [يس: 78] فكيف يدعون ذلك للجماد الذي لا يوصف بالقدرة البتة؟ فالجواب: أنهم لما اشتغلوا بعبادتها، ولا بد للعبادة من فائدة، وهي الثواب، فإقدامهم على عبادتهم يوجب إقرارهم بكونهم قادرين على الحشر والنشر والثواب والعقاب، فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم، والمعنى: إذا لم يكونوا قادرين على أن يُحْيوا أو يميتوا ويضروا وينفعوا فأي عقل يجوز اتخاذهم آلهة. وقوله: "مِنَ الأرْضِ" كقولك: فلان من مكة أو من المدينة. وقوله: "هم" يفيد معنى الخصوصية كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدرون على الإنشار إلا هم وحدهم.

القشيري

تفسير : الحادثات له سبحانه مِلْكاً والكائنات له حُكماً، وتعالى اللَّهُ عن أنْ يَتَجَمَّلَ بوِفاقٍ أو ينقص بخلاف، وبالقَدَرِ ظهورُ الجميع، وعلى حسب الاختيار تنصرف الكلمة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وله} خاصة {من فى السموات والارض} اى جميع المخلوقات ايجادا واستعبادا {ومن عنده} من عطف الخاص على العام والمراد الملائكة المكرمون المنزلون لكرامتهم عليه منزلة المقربين عند الملوك على طريقة التمثيل والبيان لشرفهم وفضلهم على اكثر خلقه لا على الجميع كما زعم ابو بكر الباقلانى وجميع المعتزلة فالمراد بالعندية عندية الشرف لا عندية المكان والجهة وعند وان كان من الظروف المكانية الا انه شبه قرب المكانة والمنزلة بقرب المكان والمسافة فعبر عن المشبه بلفظ المشبه به. قال الكاشفى [يعنى فرشتكان كه مقربان دركاه الوهيت اند وشما ايشانرا مى برستيد]{لا يستكبرون عن عبادته} اى لا يتعظمون عنها ولا يعدون انفسهم كبيرة بل يتفاخرون بعبوديته فالبشر مع نهاية ضعفهم اولى ان يطيعوه والجملة حال من قوله من عنده. وجعل المولى ابو السعود رحمه الله من عنده مبتدأ ولا يستكبرون خبره {ولا يستحسرون} ولا يكلون ولا يعيون يقال حسروا واستحسر اذا تعب واعيى يعنى ان استفعل بمعنى فعل نحو قر واستقر. قال فى المفردات الحسر كشف الملبس عما عليه يقال حسرت عن الذراع والحاسر من لادرع عليه ولا مغفر والناقة حسير حسر عنها اللحم والقوة والحاسر المعيى لانكشاف قواه ويقال للمعيى حاسرومحسور اما الحاسر فتصور انه قد حسر بنفسه قواه واما المحسور فتصور ان التعب قد حسره والحسرة الغم على ما فاته والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذى حمله على ما ارتكبه او انحسر قواه من فرط غم ادركه واعياه عن تدارك ما فرط منه.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وله من في السماوات والأرض} أي له جميع المخلوقات، خلقًا ومِلكًا، وتدبيرًا وتصرفًا، وإحياء وإِماتة، وتعذيبًا وإثابة، من غير أن يكون لأحد في ذلك دخل، لا استقلالاً ولا استتباعًا، ولا فرق بين أهل العالم العلوي والسفلي، {ومَنْ عنده} وهم الملائكة - عليهم السلام - عبَّر عنهم بذلك إثر ما عبَّر عنهم بمن في السماوات؛ تنزيلاً لهم - لكرامتهم عليه، وزلفاهم عنده - منزلة المقربين عند الملك، وهو مبتدأ وخبره: {لا يستكبرون عن عبادته} أي: لا يتعاظمون عنها، ولا يَعُدون أنفسهم كبراء، {ولا يستحسرون} أي: لا يكِلُّون ولا يَعْيون، {يُسبِّحُون الليلَ والنهار} أي: ينزهونه في جميع الأوقات، ويُعظمونه ويمجدونه دائمًا. وهو استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا يصنعون في عبادتهم، أو كيف يعبدون؟ فقال: يُسبحون.. الخ. {لا يَفْتَرُون} أي: لا يتخلل تسبيحَهم فترة أصلاً، ولا شغل آخر. ولمّا برهن على وحدانيته تعالى في ملكه بأنه تعالى خلق جميع المخلوقات على منهاج الحكمة، وأنهم قاطبة تحت ملكه وقهره، وأنَّ عباده مذعنون لطاعته، ومثابرون على عبادته، ومنزهون له عن كل ما لا يليق بشأنه، أنكر على من أشرك معه بعد هذا البيان، فقال: {أم اتخذوا آلهة} يعبدونها {من الأرض} أي: اتخذوها من جنس الأرض، أحجارًا وخشبًا، {هم يُنْشِرُون} أي: يبعثون الموتى. وهذا هو الذي يدور عليه الإنكار والتجهيل والتشنيع، لا نفس الاتخاذ، فإنه واقع لا محالة، أي: بل اتخذوا آلهة من الأرض، هم مع حقارتهم، ينشرون الموتى، كلا... فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل من ذلك، وهم، وإن لم يقولوا بذلك صريحًا، لكنهم حيث ادعوا لها الألوهية، فكأنهم ادعوا لها الإنشار، ضرورة؛ لأنه من خصائص الإلهية، ومعنى التخصيص في تقديم الضمير في: {هم يُنشِرون}: التنبيه على كمال مباينة حالهم للإنشار، الموجبة لمزيد الإنكار، كما في قوله تعالى: {أية : أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ} تفسير : [إبراهيم: 10]. وفي قوله تعالى: {أية : أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ} تفسير : [التّوبَة: 65]، فإنَّ تقديم الجار والمجرور؛ للتنبيه على كمال مباينة أمره تعالى لأن يشك فيه ويستهزأ به. ثم أبطل الاشتراك في الألوهية، فقال: {لو كان فيهما آلهةً إِلا الله} أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله، كما هو اعتقادهم الباطل، {لفسدَتَا} أي: لفسد نظامهما بما فيهما، لوجود التمانع، كعادة الملوك، أو لبطلتا بما فيهما، ولم يوجد شيء منهما؛ للزوم العجز لهما، بيان ذلك: أن الألوهية مستلزمة للقدرة على الاسْتِبْدَادِ بالتصرف فيهما على الإطلاق، تغييرًا وبديلاً، وإيجادًا وإعدامًا، وإحياء وإماتة، فبقاؤهما على ما هما عليه من غير فساد، إما بتأثير كل منها، وهو محال؛ لاستحالة وقوع الأثر الواحد بين مؤثرين، وإما بتأثير واحد منها، فالباقي بمعزل عن الإلهية، والمسألة مقررة في علم الكلام. و {إلا}: صفة لآلهة، كما يُوصف بغير، ولمَّا كانت حرفًا، ظهر إعرابها في اسم الجلالة، ولا يصح رفعه على البدل؛ لعدم وجود النفي. ثم قال تعالى: {فسبحان الله} أي: فسبحوا سُبحان الله اللائق به، وننزهوه عما لا يليق به من الأمور، التي من جملتها: أن يكون له شريك في الألوهية. وإيراد الجلالة في موضع الإضمار، حيث لم يقل فسبحانه؛ للإشعار بعلية الحكم، فإنَّ الألوهية مناط لجميع صفات كماله، التي من جملتها: تنزهه تعالى عما لا يليق به، ولتربية المهابة وإدخال الروعة. ثم وصفه بقوله: {ربِّ العرش}، وخصه بالذكر، مع كونه رب كل شيء؛ لعظم شأنه؛ لأنَّ الأكوان في جوفه كلا شيء، أي: تنزيهًا له عما يصفونه عن أن يكون من دونه آلهة. ثم بيَّن قوة عظمته وعز سلطانه القاهر، فقال: {لا يُسأل عما يَفعل} أي: لا يمكن لأحد من مخلوقاته أن يناقشه أو يسأله عما يفعل؛ هيبةً وإجلالاً، {وهم يُسألون} أي: وعباده يُسألون عما يفعلون، نقيرًا وقطميرًا؛ لأنهم مملوكون له تعالى، مستعبدون، ففيه وعيد للكفرة، فالآية تتميم لقوله: {لاعبين} ، بل خلقنا الأشياء كلها لحكمة، فمنها ما أدركتم حكمته، ومنها ما غاب عنكم، فكِلُوا أمره إلى الله، ولا تسألوه عما يفعل، فإنه لا يُسأل عن فعله، وأنتم تُسألون. ثم قال تعالى: {أم اتخذوا من دونه آلهة}، هو إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة؛ بإظهار خلوها من خصائص الألوهية، التي من جملتها إنشار الموتى، وإقامة البرهان القاطع على استحالة تعدد الإله، إلى إظهار بُطلان اتخاذهم تلك الآلهة، مع عرائها عن تلك الخصائص، وتبكيتهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة. والهمزة: لإنكار ما اتخذوه واستقباحه، أي: بل اتخذوا من دونه - أي: متجاوزين إياه تعالى، مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية - آلهة، مع ظهور خلوهم عن خصوص الإلهية بالكلية. {قلْ} لهم، بطريق التبكيت: {هاتُوا برهانكم} على ما تَدَّعونَه، من جهة العقل والنقل؛ فإنه لا صحة لقول لا دليل عليه في الأمور الدينية، لا سيما في هذا الأمر الخطير، فإن بُهتوا فقل لهم: {هذا ذكر مَنْ معي وذكر مَنْ قبلي} أي: بهذا نطقت الكتب السماوية قاطبة، وشهدت به سُنَّة الرسل المتقدمة كافة. فهذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع {ذُكرُ من معي} من أمتي، أي: عظتهم، {وذكرُ مَن قبلي} من الأمم السالفة، أي: بهذا أمَرنا ربُنا ووعظنا، وبه أمر مَنْ قبلنا، يعني: انفراده سبحانه بالألوهية واختصاصه بها. وقيل: المعنى: هذا كتاب أُنزل على أمتي، وهذا كتاب أُنزل على أمم الأنبياء - عليهم السلام - قبلي، فانظروا: هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك، ففيه تبكيت لهم. {بل أكثرهم لا يعلمون الحقَّ} أي: لا يفهمونه، ولا يميزون بينه وبين الباطل، فهو إضراب وانتقال من تبكيتهم بمطالبة البرهان، إلى بيان أنه لا ينجع فيهم المحاججة؛ لجهلهم وعنادهم، ولذلك قال: {فهم معرضون} أي: فهم لأجل جهلهم وعتوهم مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، لا يَرْعَوُونَ عما هم عليه من الغي والضلال، وإن كررت عليهم البينات والحجج. أو معرضون عما ألقى عليهم من البراهين العقلية والنقلية؛ لانهماكهم. {وما أرسلنا مِن قَبْلِكَ من رسولٍ إِلا يوحى إِليه أنه لا إِله إِلا أنا فاعبدون}، هذا مقرر لما قبله؛ من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية، وأجمعت عليه الرسل - عليهم السلام - قاطبة. وصيغة المضارع في (يوحى)؛ لحكاية الحال الماضية؛ استحضارًا لصورة الوحي العجيبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: {ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته}، العندية، هنا، عندية اصطفاء وتقريب، وهذه صفة العارفين المقربين، لا يستكبرون عن عبادته، بل خاضعون لجلاله وقهريته على الدوام، ولا يستحسرون: لا يملُّون منها ولا يشبعون، غير أنهم يتلونون فيها؛ من عبادة الجوارح إلى عبادة القلوب؛ كالتفكر والاعتبار، إلى عبادة الأرواح؛ كالشهود والاستبصار، إلى عبادة الأسرار؛ كالعكوف في حضرة الكريم الغفار، يُنزهون الله تعالى في جميع الأوقات، لا يفترون عن تسبيحه بالمقال أو الحال. وقوله تعالى: {أم اتخذوا آلهة...} الخ، تَصْدُق على من مال بقلبه إلى محبة الأكوان، أو ركن إلى الحظوظ والشهوات، وقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إِلا الله لفسدتا}، اعلم أن ثلاثة اشياء إذا تعدد مدبرها فسد نظامها؛ أولها: الألوهية، فلو تعددت لفسد نظام العالم، وثانيها: السلطنة، إذا تعددت في قُطْر واحد فسدت الرعية، وثالثها: الشيخوخة، إذا تعددت على مريد واحد فسدت ترتبيته، كالطبيب إذا تعدد على مريض واحد فسد علاجه. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون} قال الكواشي: يعني: لا يُسأل عن فعله وحُكمه؛ لأنه الرب، وهم يُسألون؛ لأنهم عبيده. وبعض الناس يقول: هذه آية الدبوس. قلت: وقد تقلب السين زايًا، ومعناها: أن كل ما تحكم به القدرة يجب حنو الرأس له، من غير تردد ولا سؤال. ثم قال: ولو نظر النظر الصحيح لرآها أنصف آية في كتاب الله تعالى؛ وذلك لأنه جمع فيها بين صفة الربوبية وصفة العبودية. هـ. وقوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إِلا نُوحيَ إِليه أنه لا إله إلا أنا} يعني: أن التوحيد مما أجمعت عليه الرسل والكتب السماوية. والفناء فيه على ثلاثة أقسام: فناء في توحيد الأفعال، وهو ألا يرى الفعل إلا من الله، ويغيب عن الوسائط والأسباب، وفناء في توحيد الصفات، وهو أن يرى ألا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم إلا الله، وفناء في توحيد الذات، وهو أن يرى ألا موجود إلا الله، ذوقًا ووجدًا وعقدًا. كما قال صاحب العينية: شعر : هُوَ الموجِدُ الأشْيَاءِ وَهْوَ وُجُودُهَا وعَيْنُ ذَوَاتِ الكُلِّ وَهْوَ الجَوَامِعُ تفسير : وقد أشار بعضهم إلى هذه الفناءات، فقال: شعر : فيفنى ثم يفنى ثم يفنى فكان فناؤه عين البقاءِ تفسير : وهنا - أي: في مقام الفناء والبقاء - انتهت أقدام السائرين، ورسخت أسرار العارفين، مع ترقيات وكشوفات أبد الآبدين، جعلنا الله من حزبهم. آمين. ثمَّ انكر على من ادعى الولد له

الجنابذي

تفسير : {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يعنى انّه تعالى خالقهم ومالكهم وغايتهم فكيف يكونون شركاءه او صاحباته او ولده وهو حال فى موضع التّعليل ومؤيّد كون المراد بنفى اللّهو نفى الولد والصّاحبة {وَمَنْ عِنْدَهُ} يعنى الملائكة المقرّبين الّذين لهم مقام العنديّة بالنّسبة اليه تعالى، وهو عطف على من فى السّماوات عطف المفرد او مبتدءٌ خبره قوله {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} وعلى الاوّل يكون لا يستكبرون حالاً عن من فى السّماوات ومعطوفه، او حالاً عن من عنده فقط والمراد بمن عنده هم المقرّبون المجرّدون عن السّماوات والارض الطّبيعتين، وتأدية ما فى السّماوات والارض عن الّتى هى لذوى العقول من باب التّغليب، او لانّه يستفاد كون غيرهم له بطريقٍ اولى والمعنى لا يستكبرون عن عبادته فكيف يكونون معبودين كما قال بعض او بنات له تعالى او بنين {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} حسر كضرب وفرح اعيا كاستحسر، وكنصر وضرب كشف وانكشف.

الهواري

تفسير : قال تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ} يعني الملائكة {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} أي: ولا يُعيَوْن. {يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ}. ذكروا عن ابن عباس في تفسيرها قال: انظر إلى بصرك هل يؤودك، أي: هل يثقل عليك، وانظر إلى سمعك هو يؤودك، وانظر إلى نَفَسك هل يؤودك، فكذلك الملائكة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أطّت السماء وحُقَّ لها أن تئط؛ ليس فيها موضع شبر إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد . تفسير : ذكروا عن عطاء قال: ليس في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد. قوله تعالى: {أمِ اتَّخَذُوا ءَالِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ} أي: هم يحيون الموتى، على الاستفهام. أي: قد اتخذوا آلهة لا ينشرون أي لا يحيون الموتى. قال: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا} (لَوْ كَانَ فِيهِمَا) أي في السماوات والأرض (آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ) أي غير الله (لَفَسَدَتَا) أي: لهلكتا. {فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} ينزه نفسه عما يقولون، عما يصفون، أي: عما يكذبون.

اطفيش

تفسير : {وَلَهُ مَنْ فِى السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} خلقا وملكا ومَن للعقلاء. ويدخل غيرهم فى ذلك بالأولوية، أو للعقلاء وغيرهم؛ فإن فى الأرض العاقل وغيره، وفى السماء العقلاء. ويُصْرَف معنى مَن فى جانب السماوات إلى العقلاء. وقيل: إن فى السماوات دوابَّ وطيرا من نور بلا عقول، وهم غير ملائكة. {وَمَنْ عِنْدَهُ} هم الملائكة. ومعنى العندية: قرب المنزلة فى الخير، أو عبر بعند؛ لأنهم محلهم الأصيل الذى كثروا فيه هو السماوات، ومن فيهن هو عند الله الذى هو فى كل مكان لا عندنا، ومَن مبتدأ خبره {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} لا يتعظمون {عَنْ عِبَودَتِهِ} طاعته. {وَلاَ يَسْتَخْسِرُونَ} لا يَعْيَوْنَ ولا يتعبون فينقطعوا عنها. ويقال: حسر الوادى، أى انكشف أرضه بزوال الماء، وحَسَر عن رأسه: كشف وحَسِر: تَعِب وأعْيى، والسين والتاء للمبالغة والمبالغة راجعة للمنفى، أى انتفى عنهم الحسور انتفاءً بليغًا، على أحد الأوجه، فى نحو: {أية : وما ربك بظلام} تفسير : أو النفى هو الراجع للمبالغة، على معنى أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور، لكنهم لم يحسروا غاية الحسور ولا أدناه. والمراد: إنكم يا كفار لكم الويل على كفركم، وليس الله بمحتاج إلى عبادتكم، فإن عنده من يداوم على العبادة، ولا يَعْيَى عنها، مع أن الله غنى عنها أيضًا. وقيل: مَن معطوف على مَن عطف خاص على عام لمزية الذين عنده، وهم الملائكة، أو اعتبر أن مَن عنده أهم من جهة أن يراد الملائكة الذين فى السماوات والذين فى الأرضين وتحتهن، وبين السماء والأرض، وبين السماوات وبين الأرضين، فلا يبقى إلا مَن فى الأرض من غيرهم فلا يعمهم، أو اعتبر أن مَن عنده نوع من الملائكة ليس فى الأرض، ولا فى السماء، بل بين السماوات وبين السماء والأرض.

اطفيش

تفسير : {ولهُ} لا لغيره {مَنْ} للعقلاء وغيرهم تغليباً لهم {فى السَّماوات والأرض} تقرير لقوله: "أية : وما خلقنا السَّماء والأرض وما بينهما لاعبين" تفسير : [الأنبياء: 16] إلا أنه جمع السماء هنا إظهارً لمزيد العظمة، أى له كل ما فى كل واحدة، وهنالك أراد مجرد هذا السقف الذى يشاهونه. والفراش الممهد وما بينهما على حكم لا تحصى، أو تقرير لما قبله كله،أى له خاصة ما فيهن خلقاً وملكاً، وتدبيراً وتصرفاً، وإحياء وإماتة، وإثابة وعقاباً، ويضعف عوده الى لكم الويل بمعنى لكم ما ليس لله من الشرور، والله ما ليس لكم من الخيور، أو الى تصفون على أن الواو للحال تصفون بالولد، مع أن ما فى السماوات والأرض ملك له. {ومن عنده} العندية عندية الشرف، والتنزيل منزلة المقربين عند الملوك، فعند استعارة لقرب المكانة مفردة لا تمثيلية، لأن التمثيلية لا تقع فى المفرد، ومن مبتدأ خبره قوله: {لا يسْتَكبِرونَ عَنْ عبادَتِه} ويجوز عطف من على من وجملة لا يستكبرون حال من المستتر فى عند، أو فى له فيكون عطف خاص على عام لمزيته، وهو الملائكة المعبر عنهم بمن الثانية كقوله تعالى: "أية : تنزل الملائكة والروح" تفسير : [القدر: 4] أو نوع من الملائكة أو من فى السماوات والأرض الملائكة، ومن عنده نوع منهم كالحافين حول العرش، والعموم فى ذلك كله أولى كما فسرت الآية أولا، ومعنى لا يستكبرون عن عبادته لا يتعظمون عنها، ويعدون أنفسهم كبراء عنها. {ولا يسْتَحْسِرُونَ} يكلون عن العبادة ويفترون عنها لتعب، إذ لا يصيبهم تعب، والاستفعال هنا بمعنى الفعل كأنه قيل لا يحسرون أو للمبالغة على الأصل بمعنى انتفى الحسور انتفاء بليغاً، كما هو وجه فى قوله تعالى: "أية : وما ربك بظلام" تفسير : [فصلت: 46] أى انتفى الظلم عنه انتفاء بليغاً.

الالوسي

تفسير : {وَلَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} استئناف مقرر لما قبله من خلقه تعالى لجميع مخلوقاته على حكمه بالغة ونظام كامل وأنه سبحانه يحق الحق ويزهق الباطل، وقيل هو عديل لقوله تعالى: { أية : وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ } تفسير : [الأنبياء: 18] وهو كما ترى أي وله تعالى خاصة جميع المخلوقات خلقاً وملكاً وتدبيراً وتصرفاً وإحياءً وإماتة وتعذيباً وإثابة من غير أن / يكون لأحد في ذلك دخل ما استقلالاً أو استتباعاً، وكأنه أريد هنا إظهار مزيد العظمة فجىء بالسماوات جمعاً على معنى له كل من هو في واحدة واحدة من السماوات ولم يرد فيما مر سوى بيان اشتمال هذا السقف المشاهد والفراش الممهد وما استقر بينهما على الحكم التي لا تحصى فلذا جىء بالسماء بصيغة الإفراد دون الجمع. وفي «الاتقان» حيث يراد بالعدد يؤتى بالسماء مجموعة وحيث يراد الجهة يؤتى بها مفردة. {وَمَنْ عِندَهُ} وهم الملائكة مطلقاً عليهم السلام على ما روي عن قتادة وغيره، والمراد بالعندية عندية الشرف لا عندية المكان وقد شبه قرب المكانة والمنزلة بقرب المكان والمسافة فعبر عن المشبه بلفظ دال على المشبه به فهناك استعارة مصرحة. وقيل عبر عنهم بذلك تنزيلاً لهم لكرامتهم عليه عز وجل منزلة المقربين عند الملوك بطريق التمثيل، والموصول مبتدأ خبره قوله تعالى: {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} أي لا يتعظمون عنها ولا يعدون أنفسهم كبراء. {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} أي لا يكلون ولا يتعبون يقال حسر البعير واستحسر كل وتعب وحسرته أنا فهو متعد ولازم ويقال أيضاً أحسرته بالهمز. والظاهر أن الاستحسار حيث لا طلب كما هنا أبلغ من الحسور فإن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، والمراد من الاتحاد بينهما الدال عليه كلامهم الاتحاد في أصل المعنى، والتعبير به للتنبيه على أن عبادتهم بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ومع ذلك لا يستحسرون وليس لنفي المبالغة في الحسور مع ثبوت أصله في الجملة، ونظير ذلك قوله تعالى: { أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } تفسير : [فصلت: 46] على أحد الأوجه المشهورة فيه. وجوز أبو البقاء وغيره أن يكون ذلك معطوفاً على (من) الأولى وأمر تفسيره بالملائكة عليهم السلام على حاله، وذكر أن هذا العطف لكون المعطوف أخص من المعطوف عليه في نفس الأمر كالعطف في قوله تعالى: { أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ } تفسير : [القدر: 4] في الدلالة على رفعة شأن المعطوف وتعظيمه حيث أفرد بالذكر مع اندراجه في عموم ما قبله، وقيل إنما أفرد لأنه أعم من وجه فإن من في الأرض يشمل البشر ونحوهم وهو يشمل الحافين بالعرش دونه، وجوز أن يراد بمن عنده نوع من الملائكة عليهم السلام متعال عن التبوء والاستقرار في السماء والأرض، وكأن هذا ميل إلى القول بتجرد نوع من الملائكة عليهم السلام، وأنت تعلم أن جمهور أهل الإسلام لا يقولون بتجرد شيء من الممكنات، والمشهور عن القائلين به القول بتجرد الملائكة مطلقاً لا بتجرد بعض دون بعض. ثم إن أبا البقاء جوز في قوله تعالى: {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} على هذا الوجه أن يكون حالاً من الأولى والثانية على قول من رفع بالظرف أو من الضمير في الظرف الذي هو الخبر أو من الضمير في {عِندَهُ} ويتعين أحد الأخيرين عند من يعرب من مبتدأ ولا يجوز مجىء الحال من المبتدأ ولا يخفى. وجوز بعض الأفاضل أن تكون الجملة مستأنفة والأظهر جعلها خبراً لمن عنده، وفي بعض أوجه الحالية ما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة{أية : لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدّنا}تفسير : [الأنبياء: 17] مبيِّنةٌ أن كل من في السماوات والأرض عباد لله تعالى مخلوقون لقبول تكليفه والقيامِ بما خلقوا لأجله، وهو تخلص إلى إبطال الشرك بالحجة الدامغة بعد الإفاضة في إثبات صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحجية القرآن. فاللام في {وله} للملك، والمجرور باللام خبر مقدم. و{من في السموات} مبتدأ، وتقديم المجرور للاختصاص، أي له من في السماوات والأرض لا لغيره وهو قصر إفراد رداً على المشركين الذين جعلوا لله شركاء في الإلهية. و {من في السماوات والأرض} يعم العقلاء وغيرهم وغُلِّب اسم الموصول الغالب في العقلاء لأنهم المقصود الأول. وقوله تعالى {ومن عنده} يجوز أن يكون معطوفاً على {من في السماوات والأرض} فيكون من عطف الخاص على العام للاهتمام به. ووجه الاهتمام ظاهر وتكون جملة {لا يستكبرون عن عبادته} حالاً من المعطوف عليه. ويجوز أن يكون {مَنْ عنده} مبتدأ وجملة {لا يستكبرون عن عبادته} خبراً. وما صدَق (مَن) جماعة كما دل عليه قوله تعالى {لا يستكبرون} بصيغة الجمع. {ومن عنده} هم المقربون في العوالم المفضلة وهم الملائكة. وعلى كلا الوجهين في موقع جملة {لا يستكبرون عن عبادته} يكون المقصود منها التعريض بالذين يستكبرون عن عبادة الله ويعبدون الأصنام وهم المشركون. والاستحسار: مصدر كالحُسور وهو التعب، فالسين والتاء فيه للمبالغة في الوصف كالاستكبار والاستنكار والاستيخار، أي لا يصدر منهم الاستحسار الذي هو التعب الشديد الذي يقتضيه عملهم العظيم، أي لا يقع منهم ما لو قام بعملهم غيرهم لاستحسر ثقلَ ذلك العمل، فعبر بالاستحسار هنا الذي هو الحسور القوي لأنه المناسب للعمل الشديد، ونفيه من قبيل نفي المقيد بقيد خرجَ مخرج الغالب في أمثاله. فلا يفهم من نفي الحسور القوي أنهم قد يحسرون حسوراً ضعيفاً. وهذا المعنى قد يعبر عنه أهل المعاني بأن المبالغة في النفي لا في المنفي. وجملة {يسبحون الليل والنهار} بيان لجملة {ولا يستحسرون} لأن من لا يتعب من عمل لا يتركه فهو يواظب عليه ولا يَعيَا منه. والليل والنهار: ظرفان. والأصل في الظرف أن يستوعبَه الواقع فيه، أي يسبحون في جميع الليل والنهار. وتسبيح الملائكة بأصوات مخلوقة فيهم لا يعطلها تبليغ الوحي ولا غيره من الأقوال. والفتور: الانقطاع عن الفعل.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (19) - وللهِ جَمِيعُ المَخْلوقاتِ فِي السَّمَاوَاتِ والأرْضِ، خَلْقاً وَمُلْكاًَ وتَدْبِيراً وَتَصَرُّفاً، وإحياءً وَحِسَاباً ... دُونَ أَنْ يَكُونَ لأَحَدٍ في ذَلِكَ شَيءٌ مِنْ سُلْطَانٍ. ثَمَّ يَقُولُ تَعَالى : إِنَّ الملاَئِكَةَ، الذينَ شَرُفَتْ مَنْزِلَتُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم، لاَ يَسْتَعْظِمُونَ عِبَادَتَهُ، ولاَ يَكِلُّونَ عَنْهَا، وَلاَ يَتْعَبُونَ، وَلاَ يَتَوَقَّفُونَ. لاَ يَسْتَحْسِرُونَ - لا يَكِلُّونَ ولا يَعْيَوْنَ. والحُسُورُ - تَوَقُّفُ الدَّابَةِ عَنِ السَيْرِ كَلاَلاً وَتَعَباً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : سبق أن أخبر الحق سبحانه أنه خلق السماء والأرض وما بينهما، وهذا ظَرْف، فما المظروف فيه؟ المظروف فيه هم الخَلْق، وهم أيضاً لله: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الأنبياء: 19] وإنْ كان من الخَلْق مَنْ ميَّزه الله بالاختيار يؤمن أو يكفر، يطيع أو يعصي، فإنْ كان مختاراً في أمور التكليف فهو مقهور في الأمور الكونية لا دَخْلَ له فيها. فليس للإنسان تحكم في ميلاده أو وفاته، ولا تحكم له في صحته وعافيته أو مرضه أو ذكائه أو طوله أو قصره، إذن: فهو مِلْك لله، مقهور له، إلا أنه سبحانه ترك زاوية اختيار تكليفية. أما السماء والأرض فهي مُسخَّرة مقهورة: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ..} تفسير : [الأحزاب: 72]. فاختارت التسخير على الاختيار الذي لا طاقة لها به. أما الإنسان فقد دعاه عقله إلى حملها وفضَّل الاختيار، ورأى أنه سيُوجه هذه الأمانة التوجيه السليم {أية : وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. فوصفه رَبُّه بأنه كان في هذا العمل ظلوماً جهولاً؛ لأنه لا يدري عاقبة هذا التحمل. فإنْ قلتَ: فما ميزة طاعة السماوات والأرض وهي مضطرة؟ نقول: هي مضطرة باختيارها، فقد خيَّرها الله فاختارت الاضطرار. وقوله: {وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ..} [الأنبياء: 19] أي ليسوا أمثالكم يكذبون ويكفرون، بل هم في عبادة دائمة لا تنقطع، والمراد هنا الملائكة؛ لأنهم {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6]. {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19] من حسر: يعني ضَعُفَ وكَلّ وتعب وأصابه الملل والإعياء. ومنه قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} تفسير : [الملك: 4] أي: كليل ضعيف، لا يَقْوى على مواجهة الضوء الشديد كما لو واجهت بعينيك ضوءَ الشمس أو ضوء سيارة مباشر، فإنه يمنعك من الرؤية؛ لأن الضوء الأصل فيه أن نرى به ما لا نراه. وفي آية أخرى يقول تعالى: {أية : لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ..} تفسير : [النساء: 172] لأن عِزَّهم في هذه المسألة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} معناه لا يَفتُرُونَ، ولا يَمَلُّونَ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} كيف تشركون أيها المشركون معه أضلاله وعبيده؛ إذ {لَهُ} تعالى إيجاداً وإبداعاً وإظهاراً وتصرفاً {مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: عالم الأرواح المجردة عن الأبدان {وَ} من في {ٱلأَرْضِ} أي: الأرواحُ المتعلقة بها {وَ} كذا {مَنْ عِنْدَهُ} من الأرواح التي لا تزولَ لهم ولا عروجَ، كلهم متذللون {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} وإطاعته {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19] ولا يعْيَون ع إقامتها وإتيانها. {يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ} أي: ينزهون الله في جميع أوقاتهم عما لا يليق بجنابه {لاَ يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20] ولا يظهرون الضعف والعناء، بل أقاموها وواظبوا عليها طائعين متذللين خاشعين خاضعين. وكيف لا يعبدون الله ولا يسبحونه وهم موحدون مخلصون؟ لا المشركون المعاندون الذين اتخذوا آلهةَ من السماء كعبدة الكواكب {أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ} بل اتخذوا {آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ} هو أفحش من ذلك كعبدة الأوثان والأصنام اتخذوها آلهة وعبدوها كعبادة الله، وادَّعوا ضمناً أن الهتهم التي نحتوها بأيديهم أو صاغوها من حُلِيِّهم {هُمْ يُنشِرُونَ} [الأنبياء: 21] أي: يُخرجون الموتى من قبورهم، لأنهم آلهةُ وعبدوها كعبادة الله، والإلُه لا بدَّ وأن يقدر على جميع المقدورات والمرادات ومن جملتها النشر، بل من أجلَّها، فلا بدَّ لهم أن ينشروا فكيف يثبتون أولئك المشركون تعددَ الآلهة مع أنه {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ} أي: في السماء والأرض {آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي: غير الله الواحد القهار للأغيار مطلقاً {لَفَسَدَتَا} واختل نظامها، ولم يبقا على الهيئة المخصوصة المشاهدة ألبتة، إذ المفهوم من الإلهة هو المستقل في التصرف والآثار بالإرادة والاختيار، فكلُ من الآلهة المتعددة متصفُ بجميع أوصاف الألوهية بالاستقلال، فلا يمكن اتفاقهم على أمرٍ من الأمور {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد المستقلِّ في الألوهية والربوبية بلا شريكٍ له في ملكه، بل في الوجود والتحقق {رَبِّ ٱلْعَرْشِ} أي: عروش جميع المظاهر المستولي عليها، إذ لا ظهور لها إلا منه {عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] من اتخاذ الولد والشريك والصاحبة والنظير، لتوحيده في الوجود واستقلاله في التصرف. {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} إذ لا معقِّبَ لحكمه ولا رادَّ لقضائه {وَهُمْ} أي: الشركاء الباطلة {يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] عما صدر عنهم، فكيف تليق لهم الألوهية والشركة معه سبحانه وتعالى شأنه عما يصف الواصفون، وجلَّ جلال قدسه عما نَسَبَ إليه الجاحدون والمكابرون. ومع علو شأنه ووضوح برهانه وظهور وحدة ذاته واستقلاله في ألوهيته وربوبيته، ترددوا فيه، وفي توحيده {أَمِ ٱتَّخَذُواْ} أي: بل قد أخذوا {مِن دُونِهِ آلِهَةً} شركاء له سبحانه لا واحداً، بل متعدداً وعبدوها كعبادته سبحانه ظلماً وزوراً وجهلاً وعناداً {قُلْ} يا أكمل الرسل إلزاماً لهم وتبكيتاً: {هَاتُواْ} أيها المشركون المثبتون لله الواحد الأحد الصمد شريكاً {بُرْهَانَكُمْ} على وجود آلهةٍ سواه عقلاً أو نقلاً إن كنتم من ذوي الألباب وأهل العقد والرشاد، ولا سبيلَ لكم إلى الدليل العقلي، إذ برهان التمانع قطعَ عرق الشركة بالمرة، ولا إلى النقل، إذ جميع الكتب الإلهية متطابقةُ في توحيد الحق، ونفي الشرك عنه سبحانه إذ {هَـٰذَا} الكتاب الجامع لجميع ما في الكتب السالفة المنزلة عليَّ {ذِكْرُ مَن مَّعِيَ} أي: عظة وتذكير يذكر من معي من المؤمنين من أصحابي {وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} من أمم الأنبياء الماضيين لو صدقوه وقبلوا ما فيه، لكنهم لا يصدقونه ليهديهم إلى الحق {بَلْ أَكْثَرُهُمْ} جاهلون {لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ} ولا يعرفون الحق الصريح الظاهر في الآفاق بلا سترةٍ وحجابٍ {فَهُمْ} لغلظ حجبهم وكثافة غشاوتهم {مُّعْرِضُونَ} [الأنبياء: 24] عن الحق منكرون له، {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40].

همام الصنعاني

تفسير : 1855- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} [الآية: 19]، قال: لا يَعْيُون.