٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الكلام من أول السورة إلى ههنا كان في النبوات وما يتصل بها من الكلام سؤالاً وجواباً، وأما هذه الآيات فإنها في بيان التوحيد ونفي الأضداد والأنداد. أما قوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ الِهَةً مّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: أم ههنا هي المنقطعة الكائنة بمعنى بل والهمزة قد أذنت بالإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها، والمنكر هو اتخاذهم آلهم من الأرض ينشرون الموتى، ولعمري إن من أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات، فإن قلت: كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة ينشرون وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم بل كانوا في نهاية البعد عن هذه الدعوى، فإنهم كانوا مع إقرارهم بالله وبأنه خالق السموات والأرض منكرين للبعث، ويقولون: { أية : مَن يُحييِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ } تفسير : [يس:78] فكيف يدعونه للجماد الذي لا يوصف بالقدرة ألبتة؟ قلت: لأنهم لما اشتغلوا بعبادتها ولا بد للعبادة من فائدة هي الثواب فإقدامهم على عبادتها يوجب عليهم الإقرار بكونهم قادرين على الحشر والنشر والثواب والعقاب، فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم والتجهيل، يعني إذا كانوا غير قادرين على أن يحيوا ويميتوا ويضروا وينفعوا فأي عقل يجوز اتخاذهم آلهة. المسألة الثانية: قوله: {مّنَ ٱلأَرْضِ } كقولك فلان من مكة أو من المدينة، تريد مكي أو مدني إذ معنى نسبتها إلى الأرض الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض لأن الآلهة على ضربين: أرضية وسماوية ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض، لأنها إما أن تكون منحوتة من بعض الحجارة أو معمولة من بعض جواهر الأرض. المسألة الثالثة: النكتة في {هُمْ يُنشِرُونَ } معنى الخصوصية كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة من الأرض لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم. المسألة الرابعة: قرأ الحسن {ينشرون} وهما لغتان أنشر الله الموتى ونشرها. أما قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال أهل النحو إلا ههنا بمعنى غير أي لو كان يتولاهما ويدير أمورهما شيء غير الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا، ولا يجوز أن يكون بمعنى الاستثناء لأنا لو حملناه على الإستثناء لكان المعنى لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله لفسدتا وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله أن لا يحصل الفساد، وذلك باطل لأنه لو كان فيهما آلهة فسواء لم يكن الله معهم أو كان فالفساد لازم. ولما بطل حمله على الاستثناء ثبت أن المراد ما ذكرناه. المسألة الثانية: قال المتكلمون: القول بوجود إلهين يفضي إلى المحال فوجب أن يكون القول بوجود إلهين محالاً، إنما قلنا إنه يفضي إلى المحال لأنا لو فرضنا وجود إلهين فلا بد وأن يكون كل واحد منهما قادراً على كل المقدورات ولو كان كذلك لكان كل واحد منهما قادراً على تحريك زيد وتسكينه فلو فرضنا أن أحدهما أراد تحريكه والآخر تسكينه، فإما أن يقع المرادان وهو محال لاستحالة الجمع بين الضدين أو لا يقع واحد منهما وهو محال لأن المانع من وجود مراد كل واحد منهما مراد الآخر، فلا يمتنع مراد هذا إلا عند وجود مراد ذلك وبالعكس، فلو امتنعا معاً لوجدا معاً وذلك محال أو يقع مراد أحدهما دون الثاني وذلك محال أيضاً لوجهين: أحدهما: أنه لو كان كل واحد منهما قادراً على ما لا نهاية له امتنع كون أحدهما أقدر من الآخر بل لا بد وأن يستويا في القدرة. وإذا استويا في القدرة استحال أن يصير مراد أحدهما أولى بالوقوع من مراد الثاني وإلا لزم ترجيح الممكن من غير مرجح. وثانيهما: أنه إذا وقع مراد أحدهما دون الآخر فالذي وقع مراده يكون قادراً والذي لم يقع مراده يكون عاجزاً والعجز نقص وهو على الله محال. فإن قيل الفساد إنما يلزم عند اختلافهما في الإرادة وأنتم لا تدعون وجوب اختلافهما في الإرادة بل أقصى ما تدعونه أن اختلافهما في الإرادة ممكن، فإذا كان الفساد مبنياً على الإختلاف في الإرادة وهذا الإختلاف ممكن والمبني على الممكن ممكن فكان الفساد ممكناً لا واقعاً فكيف جزم الله تعالى بوقوع الفساد؟ قلنا الجواب من وجهين: أحدهما: لعله سبحانه أجرى الممكن مجرى الواقع بناء على الظاهر من حيث إن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب. والثاني: وهو الأقوى أن نبين لزوم الفساد لا من الوجه الذي ذكرناه بل من وجه آخر، فنقول: لو فرضنا إلهين لكان كل واحد منهما قادراً على جميع المقدّورات فيفضي إلى وقوع مقدور من قادرين مستقلين من وجه واحد وهو محال لأن استناد الفعل إلى الفاعل لإمكانه فإذا كان كل واحد منهما مستقلاً بالإيجاد فالفعل لكونه مع هذا يكون واجب الوقوع فيستحيل إسناده إلى هذا لكونه حاصلاً منهما جميعاً فيلزم استغناؤه عنهما معاً واحتياجه إليهما معاً وذلك محال. وهذه حجة تامة في مسألة التوحيد، فنقول القول بوجود الإلهين يفضي إلى امتناع وقوع المقدور لواحد منهما وإذا كان كذلك وجب أن لا يقع ألبتة وحينئذ يلزم وقوع الفساد قطعاً، أو نقول لو قدرنا إلهين، فإما أن يتفقا أو يختلفا فإن اتفقا على الشيء الواحد فذلك الواحد مقدور لهما ومراد لهما فيلزم وقوعه بهما وهو محال وإن اختلفا، فإما أن يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما أو يقع أحدهما دون الآخر والكل محال فثبت أن الفساد لازم على كل التقديرات، فإن قلت: لم لا يجوز أن يتفقا على الشيء الواحد ولا يلزم الفساد لأن الفساد إنما يلزم لو أراد كل واحد منهما أن يوجده هو وهذا اختلاف، أما إذا أراد كل واحد منهما أن يكون الموجد له أحدهما بعينه فهناك لا يلزم وقوع مخلوق بين خالقين، قلت: كونه موجداً له، إما أن يكون نفس القدرة والإرادة أو نفس ذلك الأثر أو أمراً ثالثاً، فإن كان الأول لزم الإشتراك في القدرة والإرادة والاشتراك في الموجد، وإن كان الثاني فليس وقوع ذلك الأثر بقدرة أحدهما وإرادته أولى من وقوعه بقدرة الثاني، لأن لكل واحد منهما إرادة مستقلة بالتأثير، وإن كان الثالث وهو أن يكون الموجد له أمراً ثالثاً فذلك الثالث إن كان قديماً استحال كونه متعلق الإرادة. وإن كان حادثاً فهو نفس الأثر، ويصير هذا القسم هو القسم الثاني الذي ذكرناه. واعلم أنك لما وقفت على حقيقة هذه الدلالة عرفت أن جميع ما في هذا العالم العلوي والسفلي من المحدثات والمخلوقات فهو دليل وحدانية الله تعالى بل وجود كل واحد من الجواهر والأعراض دليل تام على التوحيد من الوجه الذي بيناه. وهذه الدلالة قد ذكرها الله تعالى في مواضع من كتابه، واعلم أن ههنا أدلة أخرى على وحدانية الله تعالى. أحدها: وهو الأقوى أن يقال: لو فرضنا موجودين واجبي الوجود لذاتيهما فلا بد وأن يشتركا في الوجود ولا بد وأن يمتاز كل واحد منهما عن الآخر بنفسه وما به المشاركة غير ما به الممايزة فيكون كل واحد منهما مركباً مما به يشارك الآخر ومما به امتاز عنه، وكل مركب فهو مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته. هذا خلف، فإذن واجب الوجود ليس إلا الواحد وكل ما عداه فهو ممكن مفتقر إليه وكل مفتقر في وجوده إلى الغير فهو محدث فكل ما سوى الله تعالى محدث، ويمكن جعل هذه الدلالة تفسيراً لهذه الآية. لأنا إنما دللنا على أنه يلزم من فرض موجودين واجبين أن لا يكون شيء منهما واجباً وإذا لم يوجد الواجب لم يوجد شيء من هذه الممكنات، وحينئذ يلزم الفساد فثبت أنه يلزم من وجود إلهين وقوع الفساد في كل العالم. وثانيها: أنا لو قدرنا إلهين لوجب أن يكون كل واحد منهما مشاركاً للآخر في الإلهية، ولا بد وأن يتميز كل واحد منهما عن الآخر بأمر ما وإلا لما حصل التعدد، فما به الممايزة إما أن يكون صفة كمال أو لا يكون فإن كان صفة كمال فالخالي عنه يكون خالياً عن الكمال فيكون ناقصاً والناقص لا يكون إلهاً، وإن لم يكن صفة كمال فالموصوف به يكون موصوفاً بما لايكون صفة كمال فيكون ناقصاً، ويمكن أن يقال: ما به الممايزة إن كان معتبراً في تحقق الإلهية فالخالي عنه لا يكون إلهاً وإن لم يكن معتبراً في الإلهية لم يكن الاتصاف به واجباً، فيفتقر إلى المخصص فالموصوف به مفتقر ومحتاج. وثالثها: أن يقال: لو فرضنا إلهين لكان لا بد وأن يكونا بحيث يتمكن الغير من التمييز بينهما، لكن الامتياز في عقولنا لا يحصل إلا بالتباين في المكان أو في الزمان أو في الوجوب والإمكان وكل ذلك على الإله محال فيمتنع حصول الإمتياز. ورابعها: أن أحد الإلهين إما أن يكون كافياً في تدبير العالم أو لا يكون فإن كان كافياً كان الثاني ضائعاً غير محتاج إليه، وذلك نقص والناقص لا يكون إلهاً. وخامسها: أن العقل يقتضي احتياج المحدث إلى الفاعل ولا امتناع في كون الفاعل الواحد مدبراً لكل العالم. فأما ما وراء ذلك فليس عدد أولى من عدد فيفضي ذلك إلى وجود أعداد لا نهاية لها وذلك محال فالقول بوجود الآلهة محال. وسادسها: أن أحد الإلهين إما أن يقدر على أن يخص نفسه بدليل يدل عليه ولا يدل على غيره أو لا يقدر عليه. والأول محال لأن دليل الصانع ليس إلا بالمحدثات وليس في حدوث المحدثات ما يدل على تعيين أحدهما دون الثاني والتالي محال لأنه يفضي إلى كونه عاجزاً عن تعريف نفسه على التعيين والعاجز لا يكون إلهاً. وسابعها: أن أحد الإلهين إما أن يقدر على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر أو لا يقدر، فإن قدر لزم أن يكون المستور عنه جاهلاً، وإن لم يقدر لزم كونه عاجزاً. وثامنها: لو قدرنا إلهين لكان مجموع قدرتيهما بينهما أقوى من قدرة كل واحد منهما وحده، فيكون كل واحد من القدرتين متناهياً والمجموع ضعف المتناهي فيكون الكل متناهياً. وتاسعاً: العدد ناقص لاحتياجه إلى الواحد، والواحد الذي يوجد من جنسه عدد ناقص ناقص، لأن العدد أزيد منه، والناقص لا يكون إلهاً فالإله واحد لا محالة. وعاشرها: أنا لو فرضنا معدوماً ممكن الوجود ثم قدرنا إلهين فإن لم يقدر واحد منهما على إيجاده كان كل واحد منهما عاجزاً والعاجز لا يكون إلهاً، وإن قدر أحدهما دون الآخر فهذا الآخر يكون إلهاً، وإن قدرا جميعاً فإما أن يوجداه بالتعاون فيكون كل واحد منهما محتاجاً إلى إعانة الآخر، وإن قدر كل واحد على إيجاده بالاستقلال فإذا أوجده أحدهما فإما أن يبقى الثاني قادراً عليه وهو محال لأن إيجاد الموجود محال، وإن لم يبق فحينئذ يكون الأول قد أزال قدرة الثاني وعجزه فيكون مقهوراً تحت تصرفه فلا يكون إلهاً. فإن قيل الواجد إذا أوجد مقدوره فقد زالت قدرته عنه فيلزمكم العجز، قلنا: الواحد إذا أوجده فقد نفذت قدرته فنفاذ القدرة لا يكون عجزاً، أما الشريك فإنه لما نفذت قدرته لم يبق لشريكه قدرة ألبتة بل زالت قدرته بسبب قدرة الأول فيكون تعجيزاً. الحادي عشر: أن نقرر هذه الدلالة على وجه آخر وهو أن نعين جسماً وتقول هل يقدر كل واحد منهما على خلق الحركة فيه بدلاً عن السكون وبالعكس، فإن لم يقدر كان عاجزاً وإن قدر فنسوق الدلالة إلى أن نقول إذا خلق أحدهما فيه حركة امتنع على الثاني خلق السكون، فالأول أزال قدرة الثاني وعجزه فلا يكون إلهاً، وهذان الوجهان يفيدان العجز نظراً إلى قدرتيهما والدلالة الأولى إنما تفيد العجز بالنظر إلى أرادتيهما. وثاني عشرها: أنهما لما كانا عالمين بجميع المعلومات كان علم كل واحد منهما متعلقاً بعين معلوم الآخر فوجب تماثل علميهما والذات القابلة لأحد المثلين قابلة للمثل الآخر، فاختصاص كل واحد منهما بتلك الصفة مع جواز اتصافه بصفة الآخر على البدل يستدعي مخصصاً يخصص كل واحد منهما بعلمه وقدرته فيكون كل واحد منهما عبداً فقيراً ناقصاً. وثالث عشرها: أن الشركة عيب ونقص في الشاهد، والفردانية والتوحد صفة كمال، ونرى الملوك يكرهون الشركة في الملك الحقير المختصر أشد الكراهية. ونرى أنه كلما كان الملك أعظم كانت النفرة عن الشركة أشد، فما ظنك بملك الله عز وجل وملكوته فلو أراد أحدهما استخلاص الملك لنفسه، فإن قدر عليه كان المغلوب فقيراً عاجزاً فلا يكون إلهاً، وإن لم يقدر عليه كان في أشد الغم والكراهية فلا يكون إلهاً. ورابع عشرها: أنا لو قدرنا إلهين لكان إما أن يحتاج كل واحد منهما إلى الآخر أو يستغني كل واحد منهما عن الآخر أو يحتاج أحدهما إلى الآخر والآخر يستغني عنه، فإن كان الأول كان كل واحد منهما ناقصاً لأن المحتاج ناقص وإن كان الثاني كان كل واحد منهما مستغنياً عنه، والمستغني عنه ناقص، ألا ترى أن البلد إذا كان له رئيس والناس يحصلون مصالح البلد من غير رجوع منهم إليه ومن غير التفات منهم إليه عد ذلك الرئيس ناقصاً، فالإله هو الذي يستغني به ولا يستغنى عنه، وإن احتاج أحدهما إلى الآخر من غير عكس كان المحتاج ناقصاً والمحتاج إليه هو الإله. واعلم أن هذه الوجوه ظنية إقناعية والاعتماد على الوجوه المتقدمة، أما الدلائل السمعية فمن وجوه: أحدها: قوله تعالى: { أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ } تفسير : [الحديد: 3] فالأول هو الفرد السابق، ولذلك لو قال أول عبد اشتريته فهو حر فلو اشترى أولا عبدين لم يحنث لأن شرط الأول أن يكون فرداً. وهذا ليس بفرد فلو اشترى بعد ذلك واحداً لم يحنث أيضاً لأن شرط الفرد أن يكون سابقاً وهذا ليس بسابق. فلما وصف الله تعالى نفسه بكونه أولاً وجب أن يكون فرداً سابقاً فوجب أن لا يكون له شريك. وثانيها: قوله تعالى: { أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } تفسير : [الأنعام: 59] فالنص يقتضي أن لا يكون أحد سواه عالماً بالغيب ولو كان له شريك لكان عالماً بالغيب وهو خلاف النص. وثالثها: أن الله تعالى صرح بكلمة {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [البقرة: 163] في سبعة وثلاثين موضعاً من كتابه وصرح بالوحدانية في مواضع نحو قوله: { أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } تفسير : [البقرة: 163] وقوله: { أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 1] وكل ذلك صريح في الباب. ورابعها: قوله تعالى: { أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص:88] حكم بهلاك كل ما سواه، ومن عدم بعد وجوده لا يكون قديماً، ومن لا يكون قديماً لا يكون إلهاً. وخامسها: قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } وهو كقوله: { أية : وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } تفسير : [المؤمنون: 91] وقوله: { أية : إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } تفسير : [الإسراء: 42]. وسادسها: قوله: { أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [الأنعام: 17] { أية : وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ } تفسير : [يونس: 107] وقال في آية أخرى: { أية : قُلْ أَفَرَايْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هن ممسكات رحمته } تفسير : [الزمر: 38]. وسابعها: قوله تعالى: { أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ } تفسير : [الأنعام: 46] وهذا الحصر يدل على نفي الشريك. وثامنها: قوله تعالى: { أية : ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَيْء } تفسير : [الزمر: 62] فلو وجد الشريك لم يكن خالقاً فلم يكن فيه فائدة، واعلم أن كل مسألة لا تتوقف معرفة صدق الرسل عليها فإنه يمكن إثباتها بالسمع والوحدانية لا تتوقف معرفة صدق الرسل عليها، فلا جرم يمكن إثباتها بالدلائل السمعية، واعلم أن من طعن في دلالة التمانع فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة تقول بإلهيتها عبدة الأوثان لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على تدبير العالم فيلزم فساد العالم قالوا وهذا أولى لأنه تعالى حكى عنهم قوله: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ آلِهَةً مّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ } ثم ذكر الدلالة على فساد هذا فوجب أن يختص الدليل به وبالله التوفيق. أما قوله تعالى: {فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه سبحانه لما أقام الدلالة القاطعة على التوحيد قال بعده: {فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } أي هو منزه لأجل هذه الأدلة عن وصفهم بأن معه إلهاً، وهذا تنبيه على أن الإشتغال بالتسبيح إنما ينفع بعد إقامة الدلالة على كونه تعالى منزهاً وعلى أن طريقة التقليد طريقة مهجورة. المسألة الثانية: لقائل أن يقول أي فائدة لقوله: {فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ولمَ لم يكتف بقوله: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ }؟ وجوابه أن هذه المناظرة إنما وقعت مع عبدة الأصنام، إلا أن الدليل الذي ذكره الله تعالى يعم جميع المخالفين، ثم إنه تعالى بعد ذكر الدليل العام نبه على نكتة خاصة بعبدة الأصنام، وهي أنه كيف يجوز للعاقل أن يجعل الجماد الذي لا يعقل ولا يحس شريكاً في الإلهية لخالق العرش العظيم وموجد السموات والأرضين ومدبر الخلائق من النور والظلمة واللوح والقلم والذات والصفات والجماد والنبات وأنواع الحيوانات أجمعين. أما قوله تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } فاعلم أنه مشتمل على بحثين: أحدهما: أن الله تعالى لا يسأل عن شيء من أفعاله ولا يقال له لم فعلت. والثاني: أن الخلائق مسؤولون عن أفعالهم، أما البحث الأول ففيه مسألتان: المسألة الأولى: وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أن عمدة من أثبت لله شريكاً ليست إلا طلب اللمية في أفعال الله تعالى، وذلك لأن الثنوية والمجوس وهم الذين أثبتوا الشريك لله تعالى قالوا: رأينا في العالم خيراً وشراً ولذة وألماً وحياة وموتاً وصحة وسقماً وغنى وفقراً، وفاعل الخير خير وفاعل الشر شرير، ويستحيل أن يكون الفاعل الواحد خيراً وشريراً معاً، فلا بد من فاعلين ليكون أحدهما فاعلاً للخير والآخر فاعلاً للشر. ويرجع حاصل هذه الشبهة إلى أن مدبر العالم لو كان واحداً لما خص هذا بالحياة والصحة والغنى، وخص ذلك بالموت والألم والفقر. فيرجع حاصله إلى طلب اللمية في أفعال الله تعالى. فلما كان مدار أمر القائلين بالشريك على طلب اللمية لا جرم أنه سبحانه وتعالى بعد أن ذكر الدليل على التوحيد ذكر ما هو النكتة الأصلية في الجواب عن شبهة القائلين بالشريك، لأن الترتيب الجيد في المناظرة أن يقع الإبتداء بذكر الدليل المثبت للمطلوب. ثم يذكر بعده ما هو الجواب عن شبهة الخصم. المسألة الثانية: في الدلالة على أنه سبحانه: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } أما أهل السنة فإنهم استدلوا عليه بوجوه: أحدها: أنه لو كان كل شيء معللاً بعلة لكانت علية تلك العلة معللة بعلة أخرى ويلزم التسلسل فلا بد في قطع التسلسل من الإنتهاء إلى ما يكون غنياً عن العلة وأولى الأشياء بذلك ذات الله تعالى وصفاته، وكما أن ذاته منزهة عن الإفتقار إلى المؤثر والعلة، وصفاته مبرأة عن الافتقار إلى المبدع والمخصص فكذا فاعليته يجب أن تكون مقدسة عن الإستناد إلى الموجب والمؤثر. وثانيها: أن فاعليته لو كانت معللة بعلة لكانت تلك العلة، إما أن تكون واجبة أو ممكنة فإن كانت واجبة لزم من وجوبها وجوب كونه فاعلاً، وحينئذ يكون موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار، وإن كانت ممكنة كانت تلك العلة فعلاً لله تعالى أيضاً فتفتقر فاعليته لتلك العلة إلى علة أخرى ولزم التسلسل وهو محال. وثالثها: أن علة فاعلية الله تعالى للعالم إن كانت قديمة لزم أن تكون فاعليته للعالم قديمة فيلزم قدم العالم وإن كانت محدثة افتقر إلى علة أخرى ولزم التسلسل.ورابعها: أن من فعل فعلاً لغرض، فإما أن يكون متمكناً من تحصل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة أو لا يكون متمكناً منه. فإن كان متمكناً منه كان توسط تلك الواسطة عبثاً وإن لم يكن متمكناً منه كان عاجزاً والعجز على الله تعالى محال، أما العجز علينا فغير ممتنع فلذلك كانت أفعالنا معللة بالأغراض، وكل ذلك في حق الله تعالى محال. وخامسها: أنه لو كان فعله معللاً بغرض لكان ذلك الغرض إما أن يكون عائداً إلى الله تعالى أو إلى العباد والأول محال لأنه منزه عن النفع والضر، وإذا بطل ذلك تعين أن الغرض لا بد وأن يكون عائداً إلى العباد، ولا غرض للعباد إلا حصول اللذات وعدم حصول الآلام، والله تعالى قادر على تحصيلها ابتداء من غير شيء من الوسائط. وإذا كان كذلك استحال أن يفعل شيئاً لأجل شيء. وسادسها: هو أنه لو فعل فعلاً لغرض لكان وجود ذلك الغرض وعدمه بالنسبة إليه إما أن يكون على السواء أو لا يكون، فإن كان على السواء استحال أن يكون غرضاً، وإن لم يكن على السواء لزم كونه تعالى ناقصاً بذاته كاملاً بغيره وذلك محال، فإن قلت وجود ذلك الغرض وعدمه وإن كان بالنسبة إليه على السواء. أما بالنسبة إلى العباد فالوجود أولى من العدم، قلنا: تحصيل تلك الأولوية للعبد وعدم تحصيلها له إما أن يكون بالنسبة إليه على السوية أو لا على السوية، ويعود التقسيم الأول. وسابعها: وهو أن الموجود إما هو سبحانه أو ملكه وملكه ومن تصرف في ملك نفسه لا يقال له لم فعلت ذلك. وثامنها: وهو أن من قال لغيره لم فعلت ذلك؟ فهذا السؤال إنما يحسن حيث يحتمل أن يقدر السائل على منع المسؤول منه عن فعله وذلك من العبد في حق الله تعالى محال، فإنه لو فعل أي فعل شاء فالعبد كيف يمنعه عن ذلك؟ إما بأن يهدده بالعقاب والإيلام وذلك على الله تعالى محال، أو بأن يهدده باستحقاق الذم والخروج عن الحكمة والإنصاف بالسفاهة على ما يقوله المعتزلة وذلك أيضاً محال، لأن استحقاقه للمدح واتصافه بصفات الحكمة والجلال أمور ذاتية له، وما ثبت للشيء لذاته يستحيل أن يتبدل لأجل تبدل الصفات العرضية الخارجية، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز أن يقال لله في أفعاله لم فعلت هذا الفعل؟ فإن كل شيء صنعه ولا علة لصنعه، وأما المعتزلة فإنهم سلموا أنه لا يجوز أن يقال لله لم فعلت هذا الفعل ولكنهم بنوا ذلك على أصل آخر، وهو أنه تعالى عالم بقبح القبائح، وعالم بكونه غنياً عنها، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح، وإذا عرفنا ذلك عرفنا إجمالاً أن كل ما يفعله الله تعالى فهو حكمة وصواب، وإذا كان كذلك لم يجز للعبد أن يقول لله لم فعلت هذا. أما البحث الثاني: وهو قوله تعالى: {وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } فهذا يدل على كون المكلفين مسؤولين عن أفعالهم وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن الكلام في هذا السؤال إما في الإمكان العقلي أو في الوقوع السمعي، أما الإمكان العقلي فالخلاف فيه مع منكري التكاليف، واحتجوا على قولهم بوجوه. أحدها: قالوا: التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك، أو حال رجحان أحدهما على الآخر. والأول محال لأن حال الاستواء يمتنع الترجيح وحال امتناع الترجيح يكون التكليف بالترجيح تكليفاً بالمحال، والثاني محال لأن حال الرجحان يكون الراجح واجب الوقوع والمرجوع ممتنع الوقوع. والتكليف بإيقاع ما يكون واجب الوقوع عبث، وبإيقاع ما هو ممتنع الوقوع تكليف بما لا يطاق. وثانيها: قالوا كل ما علم الله وقوعه فهو واجب الوقوع فيكون التكليف به عبثاً، وكل ما علم الله تعالى عدمه كان ممتنع الوقوع، فيكون التكليف به تكليفاً بما لا يطاق. وثالثها: قالوا: سؤال العبد ما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة فإن كان لفائدة فتلك الفائدة إن عادت إلى الله تعالى كان محتاجاً وهو محال، وإن عادت إلى العبد فهو محال، لأن سؤاله لما كان سبباً لتوجيه العقاب عليه، لم يكن هذا نفعاً عائداً إلى العبد بل ضرراً عائداً إليه، وإن لم يكن في السؤال فائدة كان عبثاً وهو غير جائز على الحكيم، بل كان إضراراً وهو غير جائز على الرحيم. والجواب عنها من وجهين: الأول: أن غرضكم من إيراد هذه الشبهة النافية للتكليف أن تلزمونا نفي التكليف فكأنكم تكلفونا بنفي التكليف وهو متناقض. والثاني: وهو أن مدار كلامكم في هذه الشبهات على حرف واحد وهو أن التكاليف كلها تكاليف بما لا يطاق فلا يجوز من الحكيم أن يوجبها على العباد فيرجع حاصل هذه الشبهات إلى أنه يقال له تعالى: لم كلفت عبادك، إلا أن قد بينا أنه سبحانه: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } فظهر بهذا أن قوله: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } كالأصل والقاعدة لقوله: {وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } فتأمل في هذه الدقائق العجيبة لتقف على طرف من أسرار علم القرآن، وأما الوقوع السمعي فلقائل أن يقول إن قوله: {وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } وإن كان متأكداً بقوله: {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }تفسير : [الحجر: 92] وبقوله: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولونَ} تفسير : [الصافات: 24] إلا أنه يناقضه قوله: { أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } تفسير : [الرحمن: 39] والجواب: أن يوم القيامة يوم طويل وفيه مقامات فيصرف كل واحد من السلب والإيجاب إلى مقام آخر دفعاً للتناقض. المسألة الثانية: قالت المعتزلة فيه وجوه: أحدها: أنه تعالى لو كان هو الخالق للحسن والقبيح لوجب أن يسأل عما يفعل، بل كان يذم بما حقه الذم، كما يحمد بما حقه المدح. وثانيها: أنه كان يجب أن لا يسأل عن الأمور إذا كان لا فاعل سواه. وثالثها: أنه كان لا يجوز أن يسألوا عن عملهم إذ لا عمل لهم. ورابعها: أن أعمالهم لا يمكنهم أن يعدلوا عنها من حيث خلقها وأوجدها فيهم. وخامسها: أنه تعالى صرح في كثير من المواضع بأنه يقبل حجة العباد عليه كقوله: { أية : رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ } تفسير : [النساء: 165] وهذا يقتضي أن لهم عليه الحجة قبل بعثة الرسل، وقال: { أية : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَـٰهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ } تفسير : [طه: 134] ونظائر هذه الآيات كثيرة وكلها تدل على أن حجة العبد متوجهة على الله تعالى. وسادسها: قال ثمامة إذا وقف العبد يوم القيامة فيقول الله تعالى: ما حملك على معصيتي؟ فيقول على مذهب الجبر: يا رب إنك خلقتني كافراً وأمرتني بما لا أقدر عليه وحلت بيني وبينه، ولا شك أنه على مذهب الجبر يكون صادقاً، وقال الله تعالى: { أية : هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ } تفسير : [المائدة: 119] فوجب أن ينفعه هذا الكلام فقيل له، ومن يدعه يقول: هذا الكلام أو يحتج؟ فقال ثمامة: أليس إذا منعه الله الكلام والحجة فقد علم أنه منعه مما لو لم يمنعه منه لانقطع في يده، وهذا نهاية الانقطاع. والجواب عن هذه الوجوه: أنها معارضة بمسألة الداعي ومسألة العلم ثم بالوجوه الثمانية التي بينا فيها أنه يستحيل طلب لمية أفعال الله تعالى وأحكامه. وأما قوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ } فاعلم أنه سبحانه كرر قوله: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً } استعظاماً لكفرهم أي وصفتم الله بأن له شريكاً فهاتوا برهانكم على ذلك. أما من جهة العقل، أو من جهة النقل فإنه سبحانه لما ذكر دليل التوحيد أولاً وقرر الأصل الذي عليه تخرج شبهات القائلين بالتثنية ثانياً، أخذ يطالبهم بذكر شبهتهم ثالثاً. أما قوله تعالى: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسيره وفيه أقوال: أحدها: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ } أي هذا هو الكتاب المنزل على من معي: {وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مِّن قَبْلِي } أي الكتاب المنزل على من تقدمني من الأنبياء وهو التوراة والإنجيل والزبور والصحف، وليس في شيء منها أني أذنت بأن تتخذوا إلهاً من دوني بل ليس فيها إلا: {إِنّى أَنَا ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ } كما قال بعد هذا: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ } وهذا قول ابن عباس واختيار القفال والزجاج. والثاني: وهو قول سعيد ابن جبير وقتادة ومقاتل والسدي أن قوله: {وَذِكْرُ مَن قَبْلِي } صفة للقرآن فإنه كما يشتمل على أحوال هذه الأمة فكذا يشتمل على أحوال الأمم الماضية. الثالث: ما ذكره القفال وهو أن المعنى قل لهم هذا الكتاب الذي جئتكم به قد اشتمل على بيان أحوال من معي من المخالفين والموافقين وعلى بيان أحوال من قبلي من المخالفين والموافقين فاختاروا لأنفسكم، كأن الغرض منه التهديد. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» قرىء: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي } بالتنوين ومن مفعول منصوب بالذكر كقوله: { أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً } تفسير : [البلد: 14، 15] وهو الأصل والإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول كقوله: { أية : غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِى أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } تفسير : [الروم: 2، 3] وقرىء: من معي ومن قبلي، بكسر ميم من على ترك الإضافة في هذه القراءة وإدخال الجار على مع غريب والعذر فيه أنه اسم هو ظرف نحو قبل وبعد فدخل من عليه كما يدخل على إخواته وقرىء: ذكر معي وذكر قبلي. وأما قوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه سبحانه لما ذكر دليل التوحيد وطالبهم بالدلالة على ما ادعوه وبين أنه لا دليل لهم ألبتة عليه لا من جهة العقل ولا من جهة السمع، ذكر بعده أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه، بل ذلك لأن عندهم ما هو أصل الشر والفساد كله وهو عدم العلم، ثم ترتب على عدم العلم الإعراض عن استماع الحق وطلبه. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: قرىء: {ٱلْحَقّ } بالرفع على توسط التوكيد بين السبب والمسبب، والمعنى أن إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل. أما قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ } فاعلم أن يوحى ونوحى قراءتان مشهورتان، وهذه الآية مقررة لما سبقها من آيات التوحيد.
ابن كثير
تفسير : ينكر تعالى على من اتخذ من دونه آلهة، فقال: {أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ ءَالِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ} أي: أهم يحيون الموتى، وينشرونهم من الأرض؟ أي: لا يقدرون على شيء من ذلك، فكيف جعلوها لله نداً وعبدوها معه؟ ثم أخبر تعالى أنه لو كان في الوجود آلهة غيره، لفسدت السموات والأرض، فقال: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ} أي: في السموات والأرض {لَفَسَدَتَا} كقوله تعالى: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} تفسير : [المؤمنون: 91] وقال ههنا: {فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} أي: عما يقولون أن له ولداً أو شريكاً، سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه عن الذي يفترون ويأفكون علواً كبيراً. وقوله: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـأَلُونَ} أي: هو الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ولا يعترض عليه أحد؛ لعظمته وجلاله وكبريائه وعمله وحكمته وعدله ولطفه، {وَهُمْ يُسْـأَلُونَ} أي وهو سائل خلقه عما يعملون؛ كقوله: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْـأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الحجر: 92 ــــ 93] وهذا كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} تفسير : [المؤمنون: 88].
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمْ } بمعنى بل للانتقال وهمزة الإنكار {ٱتَّخَذُواْ ءَالِهَةً } كائنة {مِّنَ ٱلأَرْضِ } كحجر وذهب وفضة {هُمْ } أي الآلهة {يُنشِرُونَ } أي يُحيون الموتى؟ لا، ولا يكون إلٰها إلا من يحيي الموتى.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُواْ ءَالِهَةً مِّنَ الأَرْضِ} أي مما خلق في الأرض. {هُمُ يُنشِرُونَ} فيه قولان: أحدهما: يخلقون، قاله قطرب. الثاني: قاله مجاهد، يحيون، يعني الموتى، يقال: أنشر الله الموتى فنشروا أي أحياهم فحيوا، مأخوذ من النشر بعد الطي، قال الشاعر: شعر : حتى يقول الناس مما رأوا يا عجباً للميت الناشِر تفسير : قوله تبارك وتعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمآ} يعني في السماء والأرض. {ءَالهِةٌ إِلاَّ اللَّهُ} فيه وجهان: أحدهما: معناه سوى الله، قاله الفراء. الثاني: أن "إلا" الواو، وتقديره: لو كان فيهما آلهة والله لفسدتا، أي لهلكتا بالفساد فعلى الوجه الأول يكون المقصود به إبطال عباد غيره لعجزه عن أن يكون إلهاً لعجزه عن قدرة الله، وعلى الوجه الآخر يكون المقصود به إثبات وحدانية الله عن أن يكون له شريك يعارضه في ملكه. قوله عز وجل: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يسأل الخلق الخالق عن قضائه في خلقه، وهو يسأل الخلق عن عملهم، قاله ابن جريج. الثاني: لا يسأل عن فعله، لأن كل فعله صواب وهولا يريد عليه الثواب، وهم يسألون عن أفعالهم، لأنه قد يجوز أن تكون في غير صواب، وقد لا يريدون بها الثواب إن كانت صواباً فلا تكون عبادة، كما قال تعالى: {أية : ليسأل الصادقين عن صدقهم} تفسير : [الأحزاب:8]. الثالث: لا يُحْاسَب على أفعاله وهم يُحْسَبُونَ على أفعالهم، قاله ابن بحر. ويحتمل رابعاً: لا يؤاخذعلى أفعاله وهم يؤاخذون على أفعالهم.
ابن عطية
تفسير : هذه {أم} التي هي بمنزلة ألف الاستفهام، وهي هاهنا تقرير وتوقيف، ومذهب سيبويه أنها بمنزلة بل مع ألف الاستفهام، كأن في القول إضراباً عن الأول ووقفهم الله تعالى هل {اتخذوا آلهة} يحيون ويخترعون، أي ليست آلهتكم كذلك فهي غير آلهة لأن من صفة الإله القدرة على الإحياء والإماتة. وقرأت فرقة "يُنشرون" بضم الياء بمعنى يحيون غيرهم، وقرأت فرقة "يَنشرون" بمعنى يحيونهم وتدوم حياتهم يقال نشر الميت وأنشره الله تعالى، ثم بين تعالى أمر التمانع بقوله {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} وذلك بأنه كان يبغي بعضهم على بعض ويذهب بما خلق، واقتضاب القول في هذا أن الإلهين لو فرضا فوقع بينهما الاختلاف في تحريك جرم وتسكينه فمحال أن تتم الإرادتان ومحال أن لا تتم جميعاً، وإذا تمت الواحدة كان صاحب الأخرى عاجزاً، وهذا ليس بإله، وجواز الاختلاف عليهما بمنزلة وقوعه منهما ونظر آخر وذلك أن كل جزء يخرج من العدم إلى الوجود فمحال أن يتعلق به قدرتان، فإذا كانت قدرة أحدهما موجدة بقي الآخر فضلاً لا معنى له في ذلك الجزء، ثم يتمادى النظر هكذا جزءاً جزءاً ثم نزه تعالى نفسه عما وصفه أهل الجهالة والكفر، ثم وصف نفسه تعالى بأنه {لا يسأل عما يفعل} وهذا وصف يحتمل معنيين: إما أن يريد أنه بحق ملكه وسلطانه لا يعارض ولا يسأل عن شيء يفعله إذ له أن يفعل في ملكه ما يشاء، وإما أن يريد أنه محكم الأفعال واضع كل شيء موضعه فليس في أفعاله موضع سؤال ولا اعتراض، وهؤلاء من البشر يسألون لهاتين العلتين لأنهم ليسوا مالكين ولأنهم في أفعالهم خلل كثير، ثم قررهم تعالى ثانية على اتخاذ الآلهة، وفي تكرار هذا التقرير مبالغة في نكره وبيان فساده، وفي هذا التقرير زيادة على الأول وهي قوله تعالى: {من دونه} فكأنهم قررهم هنا على قصد الكفر بالله عز وجل، ثم دعاهم إلى الحجة والإيتان بالبرهان. وقوله تعالى: {هذا ذكر من معي وذكر من قبلي} يحتمل ان يريد به هذا جميع الكتب المنزلة قديمها وحديثها، أي ليس فيها برهان على اتخاذ آلهة من دون الله، بل فيها ضد ذلك، ويحتمل أن يريد هذا القرآن والمعنى فيه ذكر الأولين والآخرين، فذكر الآخرين بالدعوة وبيان الشرع لهم وردهم على طريق النجاة، وذكر الأولين بقص أخبارهم وذكر الغيوب في أمورهم، ومعنى الكلام على هذا التأويل عرض القرآن في معرض البرهان أي {هاتوا برهانكم} فهذا برهاني أنا ظاهر في {ذكر من معي وذكر من قبلي} وقرأت فرقة "هذا ذكرُ من" "وذكرُ من" بالإضافة فيهما، وقرأت فرقة "هذا ذكرُ من" بالإضافة "وذكرٌ مِن قبلي" بتنوين "ذكر" الثاني وكسر الميم من قوله تعالى: {مِن قبلي} وقرأ يحيى بن سعيد وابن مصرف بالتنوين في "ذكرٌ مِن" في الموضعين وكسر الميم من قوله "مِن" في الموضعين، وضعف أبو حاتم هذه القراءة كسر الميم في الأولى ولم يرلها وجهاً، ثم حكم عليهم تعالى بأن {أكثرهم لا يعلمون الحق} لإعراضهم عنه وليس المعنى {فهم معرضون} لأنهم لا يعلمون بل المعنى {فهم معرضون} ولذلك {لا يعلمون الحق} وقرأ الحسن وابن محيصن "الحقُ" بالرفع على معنى هذا القول هو الحق والوقف على هذه القراءة على {لا يعلمون}.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِّنَ الأَرْضِ} مما خلق في الأرض {يُنشِرُونَ} يخلقون، أو يحيون الموتى من النشر بعد الطي.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {إلا نوحي إليه} بالنون: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد {إني إله} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ابن ذكوان. {ألم ير} بغير واو: ابن كثير الآخرون بواو متوسطة بين همزة الاستفهام والفعل ونظائرها كثيرة {ترجعون} بفتح التاء وكسر الجيم: يعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان. {ولا تسمع} من الاسماع خطأ بالنبي صلى الله عليه وسلم الصم بالنصب: ابن عامر. الآخرون على الغيبة من السماع. {الصم} بالرفع {مثقال حبة} بالرفع على "كان" التامة وكذلك في سورة لقمان: أبو جعفر ونافع. الباقون بالنصب. الوقوف: {ينشرون} ه {لفسدتا} ج للابتداء {بسبحان} للتعظيم مع فاء التعقيب تعجيلاً للتنزيه {يصفون} ه {يسالون} ه {آلهة} ط {برهانكم} ج لاتحاد المقول من غير عاطف {قبلي} ط {لا يعلمون} ه لا لأن ما بعده مفعول {معرضون} ه {فاعبدون} ه {سبحانه} ط {مكرمون} ه ط لأن ما بعده صفة بعد صفة {يعملون} ه {ولا يشفعون} ه لا للاستثناء {مشفقون} ه {جهنم} ط {الظالمين} ه {ففتقناهما} ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار {حي} ط {يؤمنون} ه {يهتدون} ه {محفوظاً} ج لاحتمال الواو الاستئناف والحال {معرضون} ه {والقمر} ط {يسبحون} ه {الخلد} ط {الخالدون} ه {الموت} ط {فتنة} ط {ترجعون} ه {هزوا} ط {آلهتكم} ج لاحتمال الواو الإستئناف والحال {كافرون} ه {من عجل} ط {فلا تستعجلون} ه {صادقين} ه {ينصرون} ه {ينظرون} ه {يستهزئون} ه ط {من الرحمن} ط {معرضون} ه {من دوننا} ط فصلاً بين الاستفهام والإخبار {يصبحون} ه {العمر} ط {من أطرافها} ط {الغالبون} ه {بالوحي} ط لاستئناف ولا يسمع بالياء التحتانية والوصل أجوز لتتميم المقول، ومن قرأ على الخطاب وقف لأنه خرج عن المقول {ينذرون} ه {ظالمين} ه {شيئاً} ط {أتينا بها} ط {حاسبين} ه {للمتقين} ه لا لاتصال الصفة ولا يخفى أنه يحتمل النصب أو الرفع على المدح فيجوز أن لا يوصل. {مشفقون} ه {أنزلناه} ط {منكرون}. التفسير: إنه سبحانه بدأ في أول السورة بذكر المعاد ثم انجر الكلام إلى النبوات وما يتصل بها سؤالاً وجواباً فختم الكلام بالإلهيات لأنها المقصود بالذات فقال على سبيل الإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها بواسطة "أم" المنقطعة {أم اتخذوا آلهة من الأرض} نسبت إلى الأرض كما يقال "فلان من مكة" لأنها اصنام تعبد من الأرض، لأن الالهة على ضربين أرضية وسماوية. أو أراد أنها من جنس الأرض لأنها تُنحت من حجر أو تعمل من جوهر آخر أرضي. ويقال: أنشر الله الموتى ونشرها اي أحياها. ومن أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات كأنهم بإدعائهم لها الإلهية أدعوا لها الإنشار وإن كانوا منكرين البعث فضلاً عن قدرة الأصنام عليه لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور. والإنشار من جملة المقدورات بالدلائل الباهرة وفيه باب من التهكم والتسجيل وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأن الاقتدار على الإبداء والإعادة من لوازم الإلهية. ومعنى {هم} افادت الخصوصية كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم، وفيه رمز إلى أن الأمر المختص بالاهتداء هو وحده. ولما قدم الإنكار شرع في دليل التوحيد فقال: {لو كان فيهما} أي في السموات والأرض وقد مر ذكرهما {آلهة إلا الله} اي غير الله. قال النحويون: إلا ههنا بمعنى لتعذر حمل إلا على الاستثناء لأنها تابعة لجمع منكور غير محصور، والاستثناء لا يصح إلا إذا كان المستثنى داخلاً في المستثنى منه لولا الاستثناء وقد يقال: إن "إلا" في هذه المادة لا يمكن أن تكون للاستثناء لأنا لو حملناها على الاستثناء لصار المعنى لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله لم يحصل الفساد. وللمفسرين في تفسير الآية طريقان: أحدهما حمل الغائب على الشاهد والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة غير الواحد الذي هو فاطرهما {لفسدتا} وفيه دلالة على أمرين: الأول وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحداً، والثاني أن لاي كون ذلك الواحد إلا إياه لقوله {غير الله} وإنما وجب الأمر أن لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف. وثانيهما طريق التمانع بأن يقال: لو فرضنا إلهين وأراد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه، فإن وقع مرادهما لزم اجتماع الضدين في محل واحد، وإن لم يقع مرادهما لزم عجزهما، وإن وقع مراد أحدهما دون الآخر فذلك الآخر عاجز لا يصلح لإلهية. والاعتراض على هذا التقدير من وجهين: الأول أن اختلافهما في الإرادة أمر ممكن والممكن لا يجب أن يقع. والثاني أن الفساد في السموات والأرض كيف يترتب على اختلافهما وفي الجواب طريقان: أحدهما الرجوع إلى التفسير الأول وهو إحالة الأمر على ما هو الغالب المعتاد من أن الملك عقيم ولا يجتمع فحلان على شول، والشول جماعة النوق التي جف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، فلا بد من وقوع التنازع والاختلاف وحدوث الهرج والمرج عند ذلك. الطريق الثاني العدول إلى ضرب آخر من البيان، وهو أن اتفاق الإلهين على مقدور واحد محال لأن كلاً منهما مستقل بالتأثير كامل في القدرة، فإذا وقع المقدور بأحدهما استحال أن يقع بالآخر مرة أخرى على أنه لو اراد كل واحد منهما أن يوجده هو فهذا أيضاً اختلاف. ولو قيل: إنه يريد كل واحد منهما أن يكون الموجد له أحدهما لا بعينه فهذه إرادة مبهمة لا تصلح للتأثير، فلا بد من الاختلاف وقد عرفت حاله ولزوم الفساد حينئذ ظاهر، لأن كل ما يصدر عن إلهين عاجزين أو إله عاجز لم يكن على الوجه الأصلح والنمط الأصوب، بل العاجز لا يصلح للإيجاد أصلاً فلا يوجد على ذلك التقدير شيء من الممكنات وهو الفساد الكلي. ومنهم من يقرر دليل التمانع على وجوه أخر منها: أنا لو قدرنا إلهين فهل يقدر كل واحد منهما على أن يمنع صاحبه عن مراده أم لا؟ فإن قلت: يقدر. كان كل منهما مقهوراً للآخر، وإن قلت: لا يقدر فقد ثبت عجز كل واحد منهما. ومنها أن أحدهما هل يقدر على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر أو لا؟ فإِن قدر فالمستور عنه جاهل عاجز وإلا فالأول عاجز. ولا يخفى ما في أمثال هذين الوجهين من الضعف لأن عدم القدرة على المحال لا يسمى عجزاً ولهذا لا يمكن أن يقال: إنه تعالى عاجز عن خلق مثله أو إنه إذا أوجد شيئاً نفذت قدرته عن خلق ذلك الشيء وحصل له عجز. ومن الطاعنين في دليل التمانع من فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله كما تزعم عبدة الأصنام لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على وجوه التدبير والتصرف لأنفسها فضلاً عن غيرها. ولقائل أن يقول: إن الآلهة لو كانت منفردة بالتدبير يلزم الفساد. أما أنها لو كانت وسائط أو معاونة للإله الأعظم كما تزعم عبدة الأوثان فمن أين يلزم الفساد. واعلم أنا قد بينا دلائل التوحيد في مواضع من هذا الكتاب ولا سيما في سورة البقرة في تفسير قوله {أية : وإلهكم إله واحد}تفسير : [الآية: 163] ولنا في هذا المقام طريقة أخرى ما أظنها وطئت قبلي فأقول وبالله التوفيق: إن الوحدة من صفات الكمال وقد ركز ذلك في العقول حتى إن كل عامل مهما تم له أمر بواحد لم يتعد فيه إلى اثنين، وإذا اضطر إلى الشركة والتعاون راعى فيه الأبسط فالأبسط لا يزيد العدد إلا بقدر الافتقار وعلى هذا مدار الأمور السياسية والمنزلية هذا في المؤثر. وأما في الأثر فلا ريب أنه استند إلى ما هو بسيط حقيقي لم يكن فيه إلا جهة واحدة افتقارية وإذا استند إلى ما فوق ذلك كان فيه من الجهات الافتقارية بحسب ذلك فيكون النقص تابعاً لقلة جهات الافتقار وكثرتها، وكل مرتبة للممكنات تفرض من العقول والنفوس والأفلاك والعناصر والمواليد، فإن كان مبدأ تلك السلسلة الطويلة واحداً كانت الجهات الاعتبارية الافتقارية فيها أقل مما لو كان المبدأ أزيد من واحد. وهذه قضية يقينية إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه سبحانه أراد أن يدفع هذا النقص من الممكنات و "لو" هذه بمعنى "أن" والمراد أن هذا النقص والفساد لازم لوجود آلهة غير الله سواء كان الله من جملتهم أم لا، ولن يرضى العاقل بما فيه نقصه وفساده فوجب أن لا يعتقد إلهاً غير الله وهذه النتيجة هي المراد بقوله {فسبحان الله رب العرش عما يصفون} من الأنداد والشركاء فتكون هذه الآية نظيره قوله {أية : ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً}تفسير : [الزمر: 29] وفيه قول زيد بن عمرو بن انفيل حين فارق قومه: شعر : أرباً واحداً أم الـــــــف رب أدين إذا تقسمت الأمـــــور تركت اللات والعزى جميعاً كذلك يفعل الرجل البصير تفسير : ثم أكد تفرده بالإِلهية بقوله {لا يسأل عما يفعل} وفيه رد على الثنوية والمجوس الذين أثبتوا لله شريكاً فاعلاً للشرور والآلام، وذلك أنهم طلبوا الحكمة في أفعال الله تعالى فقالوا: لو كان مدبر العالم واحداً لم يخص هذا بأنواع الخيرات من الصحة والغنى وذلك بأصناف الشرور من المرض والفقر، فذكر سبحانه أن الاعتراض على أفعاله ينافي الديانة وأن له أن يفعل ما يشاء ولا مجال للسؤال عن أفعاله، فكل من الأشاعرة والمعتزلة سلموا أنه لا يجوز أن يقال لله لم فعلت، ولكنهم حملوا عدم جواز السؤال على مأخذ آخر. أما الأشاعرة فذهبوا إلى أن أفعاله لا تعلل بالمصالح والأغراض ولم بحكم المالكية أن يفعل في مخلوقاته ما شاء فإن من تصرف في ملك نفسه لا يقال له لم فعلت، وكيف يتصور في حقه استحقاق الذم واستحقاق المدح له قديم؟ وما يثبت للشيء لذاته يستحيل أن يتبدل لأجل تبدل الصفات. وكما أن ذاته غير معللة بشيء فكذلك صفاته وأفعاله، وإنه غير محتاج إلى الأسباب والوسائط والأغراض والمقاصد. وأما المعتزلة فقد قالوا: إنه تعالى عالم بقبح المقابح وعالم بكونه غنياً عنها، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح. وإذا عرف المكلف إجمالاً أن كل ما يفعله الله فهو حكمة وصواب وجب أن يسكت عن "لم" وإذا كان الملوك المجازيون لا يسألهم من في مملكتهم عما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم تهيباً وإجلالاً لهم مع جواز الخطأ والزلل عليهم، فملك الملوك ورب الأرباب أولى بأن لا يسال عن أفعاله مع ما ركز في العقول من أن كل ما يفعله فهو حسن مشتمل على الغايات الصحيحة. ثم زاد الإلهية تأكيداً بقوله {وهم يسألون} وفيه رد على منكري التكليف الذاهبين إلى أن العباد لا يسألون عما فعلوا في دار الدنيا قالوا: إن التكليف أمر غير معقول لأنه إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك وهو محال لأن صدور الفعل عن المكلف يستدعي الترجيح فالتكليف بالترجيح في حال عدم الترجيح تكليف بالمحال، وإما أن يتوجه حال الرجحان ويكون الفعل حينئذ واجب الوقوع فيكون التكليف عبثاً. وأيضاً التكليف بما هو معلوم الوقوع لله عبث لأنه واجب الوقوع وبما هو غير معلوم الوقوع تكليف بما لا يطاق، وأيضاً سؤال العبد لعبد إن لم يكن فيه فائدة فعبث، وإن كان فيه فائدة فإِن عادت إلى الله تعالى كان محتاجاً مستكملاً، وإن عادت إلى العبد فالله تعالى قادر على إيصالها إليه من غير واسطة التكليف، على أن السؤال إن كان لأجل إيصال الضرر فذلك لا يليق بالكريم الرحيم، وجوابهم أن الأسباب والوسائط معتبرة في كل شيء من عالم الأسباب حتى الثواب والعقاب، على أن حاصل الشبهات يرجع إلى أن المنكر كأنه قال: إنه تعالى لم كلف عباده ولم كلفهم مالا يطيقون وهو يناقص القاعدة الممهدة أنه لا يسال عما يفعل. ثم كرر {أم اتخذوا من دونه آلهة} استفظاعاً لكفرهم وليرتب عليه قوله {قل هاتوا برهانكم} على ذلك عقلاً أو نقلاً. أما العقل فقد مر أنه يقضي بعدم الشريك حذراً من الفساد، وأما النقل فقوله {هذا ذكر من معي} هو من إضافة المصدر إلى المفعول أي عظة لأمتي. عن ابن عباس واختاره القفال والزجاج أنه اراد هذا هو الكتاب المنزل على من معي من الأمة وهذا هو الكتاب المنزل على من تقدمني من الأنبياء وأممهم يعني التوراة والإنجيل والزبور والصحف والكل وارد في معنى التوحيد ونفي الشركاء. وعن سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي أن قوله {وذكر من قبلي} صفة للقرآن ايضاً لأنه اشتمل على أحوال الأمم الماضية كما اشتمل على أحوال هذه الأمة. ثم ختم الآية بقوله {بل أكثرهم} تنبيهاً على أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه بل لأن عندهم ما هو أصل الشر والفساد وهو عدم العلم وفقد التمييز بين الحق والباطل، فلذلك أعرضوا عن استماع الحق وطلبه، وفي لفظ الأكثر إشارة إلى أن فيهم من يعلم ولكنه يعاند، أو أجري لفظ الأكثر على الكل على عادة الفصحاء كي لا يكون الكلام بصدد المنع. ثم قرر آي التوحيد خصوصاً قوله {هذا ذكر من معي وذكر من قبلي} على أحد التفسيرين بقوله {وما أرسلناك} الآية. ثم رد على خزاعة وأمثالهم القائلين بأن الملائكة بنات الله بقوله {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً} ثم نزه نفسه عن ذلك بقوله {سبحانه} ثم أخبر عما هم عليه في الواقع وهو أن الملائكة عباد الله {مكرمون} مقربون {لا يسبقونه بالقول} أي بقولهم اي يتبعون قوله ولا يقولون شيئاً حتى يقوله {وهم بأمره يعملون} فهم التابعون لأمر الله في أقوالهم وافعالهم {يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم} وقد مر تفسيره في "طه" وفي آية الكرسي {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} كقوله في طه {أية : لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً}تفسير : [طه: 109] وقد مر البحث فيه. قال في الكشاف {وهم من خشيته مشفقون} أي متوقعون من أمارة بخلاف البشر فإنهم لا يتوقعون ذلك إلا من أمارة قوية. ويحتمل أن يقال: إنهم يخشون الله ومع ذلك يحذرون من أن تلك الخشية يقع فيها تقصير. حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جبرئيل عليه السلام ليلة المعراج ساقطاً كالحلس من خشية الله عز وجل.تفسير : ثم نبه على غاية عظمته ونهاية جبروته بقوله {ومن يقل منهم إني إله من دونه} فيحتمل أن يدعي الإلهية لنفسه دون الله أو يدعي أنه إله مع الله أي بعد مجاوزة إلهيته وهذا على سبيل الفرض والتقدير كقوله {أية : ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون}تفسير : [الأنعام: 88] وفي قوله {فذلك} دون أن يقول فهو تبعيد للمشرك الجاحد عن ساحة عزته وفيه تفظيع لأمر الشرك وتهديد عظيم لمن أشرك، وأراد بالظلم ههنا الشرك، والمعتزلة عمموه والأول أظهر. ثم عدل في أدلة التوحيد إلى منهج آخر من البيان وهو الاستدلال بالآفاق والأنفس قائلاً{أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض} أي جماعة السموات وجماعة الأرض {كانتا رتقاً ففتقناهما} الرتق بالسكون السد. رتقت الشيء فارتتق أي التأم ومنه امرأة رتقاء ومصدرها الرتق بالتحريك، والفتقاء ضدها أي كانتا مرتوقتين فجعلناهما مفتوقتين. عن ابن عباس في رواية عكرمة وهو قول الحسن، وقتادة أن المراد كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض. ومثله قول كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين، ثم خلق ريحاً توسطتهما فحصل الفتق، وقال أبو صالح ومجاهد: كانت السموات متلاصقات لا فرج بينها ففتقها الله بأن جعلها سبعاً وكذلك الأرضون. وعن ابن عباس في رواية أخرى وعليه كثير من المفسرين، أن السموات والأرض كانتا رتقاً بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر. ويشبه أن يراد بالسموات على هذا التفسير السحب نظيره قوله {أية : والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع}تفسير : [الطارق: 11 ـ 12] ويؤيده قوله عقيبه {وجعلنا من الماء كل شيء حي} وقيل: إنهما جمع السموات وإن كان نزول المطر من السماء الدنيا فقط باعتبار الجهة لأن جهتها هي جهتهن، أو باعتبار أن كل قطعة منها سماء فيكون كقولهم "ثوب أخلاق" "وبرمة أعشار" وقريب من هذا قول من قال: المعنى أن السموات والأرض كانتا مظلمتين ففتقهما الله تعالى بإظهار النور فيهما كقوله {أية : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار}تفسير : [يس: 37] وقال أبو مسلم الاصفهاني: الرتق حالة العدم إذ ليس فيها ذوات متميزة فكأنها أمر واحد متصل متشابه، والفتق الإِيجاد لحصول التمييز وانفصال بعض الحقائق عن البعض فيكون كقوله {أية : فاطر السموات والأرض}تفسير : [الأنعام: 14] والفطر الشق. وعن بعض علماء الإسلام أن الرتق انطباق منطقتي الحركتين الأولى والثانية الموجب لبطلان العمارات وفصول السنة، والفتق افتراقهما المقتضي لإمكان العمارة ولتغير الفصول وفيه بعد. وههنا سؤال: وهو أن الكفار متى رأوهما رتقاً حتى صح هذا الاستفهام للتقرير؟ كيف وقد قال الله تعالى {أية : ما أشهدتهم خلق السموات والأرض}تفسير : ؟ [الكهف: 51] والجواب على الأقوال الأخيرة ظاهر فإن فتق السماء بالمطر والأرض بالنبات أو فتقهما بتنفيذ النور فيهما وإظهاره عليهما أمور محسوسة، وكذا إدخالهما من العدم إلى الوجود مما يشهد به الحس السليم والعقل المستقيم. وأما على القولين الأولين فلعلهم علموا ذلك من أهل الكتاب وكانوا يقبلون قولهم لما بينهما من التوافق في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال صاحب الكشاف في الجواب: إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه فقام مقام المرئي المشاهد، أو أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل فلا بد للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم سبحانه. قوله {وجعلنا من الماء كل شيء حي} قال السكاكي صاحب المفتاح: اي جعلنا مبدأ كل حي من هذا الجنس الذي هو جنس الماء. واعترض عليه بأنه كيف يصح ذلك وآدم من تراب والجن من نار والمشهور أن الملائكة ليست أجساماً مائية؟ وأجاب بأنه يأتي في الروايات أنه جل وعز خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه. وقال صاحب الكشاف: إنما قال خلقنا كل شيء حي من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله {خلق الإنسان من علق} وجوز أن لا يكون الجعل بمعنى الخلق بل يكون بمعنى التصيير متعدياً إلى مفعولين، فالمعنى صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه. وقال في التفسير الكبير: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة قائمة فإن الدليل لا بد أن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، فبهذا الطريق تخرج الملائكة والجن وآدم لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك: قلت: فعلى هذا يكون قوله {وجعلنا} داخلاً في حيز الاستفهام كأنه قيل: ألم يروا أنا فتقنا السموات والأرض بعد رتقهما وجعلنا من الماء كل حيوان. ومن المفسرين من جعل الحي شاملاً للنبات أيضاً كقوله {أية : فأحيا به الأرض بعد موتها}تفسير : [الجاثية: 5] قوله {وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم} قد مر تفسيره في أول "النحل" وباقي الآية كقوله في طه {أية : وسلك لكم فيها سبلاً}تفسير : [الآية: 53] والفجاج جمع الفج وهو الطريق الواسع وهي صفة {سبلاً} قدمت عليه فصارت حالاً عنه أراد أنه حين خلقها جعلها على تلك الصفة فهذا كالبيان لما أبهم في قوله: {أية : لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً}تفسير : [نوح: 20] والاهتداء إما حسي أي تهتدون إلى البلاد، وإما عقلي وهو الاهتداء إلى وحدانية الله تعالى. ومنهم من زعم أن الضمير في قوله {وجعلنا} فيها عائد إلى الجبال وهذا قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس, وروي عن ابن عمر أنه قال: كانت الجبال منضمة فلما أغرق قوم نوح فرقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً. قال علماء الإسلام: ليس في قوله {وجعلنا السماء سقفاً} إن السماء للأرض كالسقف للبيت لأنها فوق لا يقابله مثله، ولكنه أطلق عليها اسم السقف لأنها كذلك في النظر بالنسبة إلى سكان كل بقعة. وفي المحفوظ وجهان: أي {محفوظاً} بقدرته من أن يقع على الأرض أو محفوظ بالشهب عن الشياطين. {وهم عن آياتها معرضون} فلا يتدبرون في ترتيبها ومسيراتها وطلوع أجرامها وغروبها واتصالاتها وانصرافاتها وتأثيراتها فيما دونها بإذن خالقها ومبدعها. قوله {كل في فلك} من مقلوب الكل. والفلك في اللغة كل شيء دائر وجمعه أفلاك. وزعم الضحاك أنه ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم. والأكثرون على أن الفلك جسم تدور النجوم عليه. ثم اختلفوا في حقيقته فقال الكلبي: ماء مكفوف أي مجموع تجري فيه الكواكب بدليل قوله {يسبحون} والسباحة لا تكون إلا في الماء. ورد بأنه يقال فرس سابح إذا امتد في الجري. وقالت الحكماء: هو جسم كروي لا ثقيل ولا خفيف غير قابل للخرق والاتئام والنمو والذبول، ولذلك منعوا من كون الفلك ساكناً، والكواكب متحركة فيه كالسمك في الماء واعتذروا عن السباحة بأنها في النظر كذلك. قال صاحب الكشاف: التنوين في كل عوض من المضاف إليه أي كلهم فورد عليه إشكالان: أحدهما أنه لم يسبق إلا ذكر الشمس والقمر فكيف يعود ضمير الجمع إليهما؟ وأجاب بأن ذلك باعتبار كثرة مطالعهما كما يجمع بالشموس والقمار لذلك. ويمكن أن يقال: أقل الجمع اثنان أو أنه جعل النجوم تبعاً لذكرهما. الثاني أن كلهم ليسوا في فلك ولكن كل منهم في فلك آخر على ما يشهد به علم الهيئة، وأجاب بأنه اراد جنس الفلك كقولك "كسانا الأمير حلة"، أو اراد كل واحد. قلت: لو صح هذا التقدير الثاني لم يرد الإشكال الأول ولكنه ينافي قوله {يسبحون} مجموعاً. قال بعض الحكماء في هذا الجمع دلالة على أن الكواكب أحياء ناطقة. وأجيب بأنه إنما جمع جمع العقلاء لأن السباحة من فعلهم. قلت: قد يسبح كثير من الحيوانات، فلعل المختص بالعقلاء هو السباحة الصناعية المكتسبة. وههنا بحث وهو أن الإمام فخر الدين الرازي استحسن قول بعض الأوائل أن الحركة السماوية صنف واحد وهي الآخذة من المشرق إلى المغرب إلا أن بعضها أبطأ من البعض كالحركات الغربية، وكذا اختلافات تلك الحركات بسبب تلك المختلفات. قال: وهذا أقرب ليكون غاية سرعة الحركة للفلك الأعظم وغاية السكون للجرم الذي هو أبعد عن المحيط وهو الأرض، ولئلا يلزم بسبب حركة ما دون الفك الأعظم بحركته وبحركتها الخاصة تحرك الجرم الواحد في زمان واحد بحركتين مختلفتين إلى جهتين فإنه يستلزم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين. قلت: أما حديث كون ما هو أبعد عن المركز اسرع حركة فإقناعي، وأما لزوم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين فممنوع لأن التي تظهر في المتحرك هي الحركة المركبة الحاصلة من فضل الأسرع على الأبطأ لا كل من الحركتين، وهذا مشاهد من حركة النملة إلى خلاف جهة حركة الرحى، ومن حركة راكب السفينة فيها إلى خلاف جهة حركتها. وأما الذي استحسنه من كلام الأوائل فباطل لأنه لو كان كذلك لحصلت الأظلال اللائقة بكل جزء من أجزاء فلك البروج في يوم بليلة، وكذا الارتفاعات المناسبة لها في البلاد المتفقة العرض وليس كذلك، وقد ذكرنا هذا المعنى في كتبنا النجومية ايضاً. وحين فرغ من بيان طرف من هيئة الأجرام السماوية ومنافعها الدنيوية نبه بقوله {وما جعلنا البشر من قبل الخلد} على أن هذه الآثار لا تدوم ولا تخلق للبقاء وإنما خلقت للابتداء والامتحان ولكي يتوصل بها المكلفون إلى السعادات المدخرة لهم في الآخرة وهي دار الخلود. وبوجه آخر لما فرغ من دلائل الآفاق شرع في دلائل الأنفس فقال: {وما جعلنا} الآية، عن مقاتل أن ناساً كانوا يقولون إن محمداً لا يموت فنزلت وقيل: لعلهم ظنوا أنه لو مات لتغير الشرع وهذا ينافي كونه خاتم الأنبياء، فبين الله سبحانه أن حاله كحال من تقدمه من الأنبياء في المفارقة من دار الدنيا. والأكثرون على أن سبب النزول هو أنهم كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته فنفى الله عنه الشماتة لهذه وفي معناه قول القائل: شعر : فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا. تفسير : قوله {كل نفس ذائقة الموت} قد تقدم في آخر آل عمران تفسيره. قوله {ونبلوكم} أي نعاملكم معاملة المختبر بما نسوق إليكم من الشرور والخيرات فيظهر عندهما صبركم وشكركم. وقدم الشر لأن الموت من باب الشرور في نظر أهل الظاهر. و{فتنة} مصدر مؤكد {لنبلوكم} من غير لفظه. وحين أثبت الموت الذي هو الفراق عن دار التكليف بين بقوله {وإلينا ترجعون} أن الجزاء على الأعمال ثابت مرئي ألبتة بعد المفارقة. استدلت المجسمة بقوله {وإلينا} أنه تعالى جسم ليمكن الرجوع إلى حيث هو، والتناسخية بأن الرجوع مسبوق بالكون في المكان المرجوع إليه، وجواب الأولين أنه أراد الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له، وجواب الآخرين التسليم لكنه لا يفيد مطلوبهم لأن الرجوع إلى المبدأ غير الرجوع إلى دار الدنيا، واعلم أن مثل هذه الآية سيجيء في سورة العنكبوت إلا أنه قال هناك {ثم إلينا} ولم يذكر قوله {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} فكأن هذه الفاصلة قامت مقام التراخي في "ثم" قال السدي ومقاتل: حديث : مر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي جهل وأبي سفيان فقال ابو جهل لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف. فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف! فسمع النبي صلى الله عليه وسلم قولهما فقال لأبي جهل: ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلت حمية تفسير : فأنزل الله تعالى {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك} اي ما يتخذونك {إلا هزوا} ثم فسر ذلك بقوله {أهذا الذي يذكر آلهتكم} والذكر أعم من أن يكون بالخير أو بالشر إلا أنه إذا كان من العدو يفهم منه الذم لا الثناء، والمعنى أنه يبطل معبوديتها وينكر عبادتها ويقبح أمرها ثم بين غاية جهالتهم وتعكيس قضيتهم بقوله {وهم بذكر الرحمن هم كافرون} قدم الجار والمجرور وكرر الضمير ليفيد أنهم عاكفون هممهم على ذكر آلهتهم من كونها شفعاء وشهداء، ولو ذكرها بخلاف ذلك ساءهم. وأما ذكر الرحمن الذي منه جلائل النعم ودقائقها وأصولها وفروعها فلا يخطر منهم ببال، ولو ذكره ذاكر استهزؤا به حتى إن بعضهم يقولون: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة فهم أحق أن يتخذوا هزواً. ويحتمل أن تكون الباء للسببية أي هم كافرون بسبب ذكرهم الرحمن لا على ما ينبغي، فيكون الذكر في الموضعين بمعنى واحد. وقيل {بذكر الرحمن} أي بما أنزل إليك من القرآن وكانوا يستعجلون بعذاب الله كما يجيء من قوله {ويقولون متى هذا الوعد} فقدم لذلك أولاً مقدمة هي قوله {خلق الإنسان} أي هذا الجنس {من عجل} أراد أنه مجبول على إفراط العجلة كما مر في قوله {أية : وكان الإنسان عجولاً}تفسير : [الإسراء: 11] وعن ابن عباس أنه آدم اراد أن يقوم حين بلغ الروح صدره، وعن مجاهد أن آدم لما دخل الروح رأسه وعينيه رأى الشمس قاربت الغروب فقال: يا رب عجل خلقي قبل أن تغيب الشمس. وعن ابن عباس أيضاً أنه النضر بن الحرث والأول أظهر. وقيل: العجل الطين بلغة حمير، وقال الأخفش: اي من العجل في الأمر وهو قوله {كن} وقيل: هو على القلب أي خلق العجل من الإنسان {سأريكم آياتي} وهي الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة {فلا تستعجلون} فإنها كائنة لا محالة في وقتها وقيل: هي أدلة التوحيد وصدق الرسول. وقيل: آثار القرون الخالية بالشام واليمن. سؤال: {خلق الإنسان من عجل} فيه أن الآدمي معذور على الاستعجال لأنه له كالأمر الطبيعي الذي لا بد منه، فلم رتب عليه النهي بقوله {فلا تستعجلون}؟ وأجيب بأن فيه تنبيهاً على أن ترك العجلة حالة شريفة وخصلة عزيزة. وقال جار الله: هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها. آخر: القوم استعجلوا الوعد على جهة التكذيب، ومن هذا حاله لا يكون مستعجلاً في الحقيقة؟ أجيب بأن الاستعجال على هذا الوجه أدخل في الذم لأنه استعجال على أمر موهوم عندهم لا معلوم {لو يعلم} جواب "لو" محذوف و{حين} مفعول به {ليعلم} والمعنى لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه وهو وقت إحاطة النار بهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال. ويجوز أن يكون {يعلم} متروك المفعول أي لو كانوا من أهل العلم لما كانوا مستعجلين، وعلى هذا يكون {حين} منصوباً بمضمر أي حين لا يكفون يعلمون أنهم كانوا على الباطل، وخص الوجوه والظهور بالذكر لأن نكاية النار في هذين العضوين اشد مع أن الإحاطة التامة تفهم منهما. ثم بين أن وقت مجيء العذاب غير معلوم لهم فإن مجيء الساعة مخفي عن المكلفين ليكونوا أقرب إلى تلاقي الذنوب فقال {بل تأتيهم بغتة فتبهتهم} قال جار الله: أي لا يكفونها بل تفجؤهم فتغلبهم. قلت: فائدة "بل" في هذه المقامات للانتقال من جملة إلى أخرى أهم من الأولى، ويحتمل أن تكون "لو" لظاهر التمني والضمير للنار. وقيل: للساعة. وفي قوله {ولا هم ينظرون} تذكير بإمهالهم في دار الدنيا أي ثم يهلكون بعد طول الإمهال. ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله {ولقد استهزئ} الآية. وقد مرت في أول الأنعام. ولما بين أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجوههم النار ذكر أنهم في الدنيا ايضاً مفترقون إلى حراسة الله وكلاءته فقال {قل من يكلؤكم بالليل} إذا نمتم {والنهار} إذا تقلبتم في وجوه المصالح {من الرحمن} أي من بأسه وعذابه كالقتل والسبي ونحوهما. قيل: إنما خص الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل أنت الكالئ يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك ونظيره {أية : ما غرك بربك الكريم}تفسير : [الانفطار: 6] ثم أضرب عن الأمر بالاستفهام قائلاً {بل هم عن ذكر ربهم معرضون} لا يخطرونه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه كأنه أمر رسوله بسؤالهم عن الكالئ، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم. أما قوله {أم لهم آلهة تمنعهم} فذكر في الكشاف أنه إضراب عن الكلام السابق بما في "أم" من معنى "بل". وقال غيره: الميم زائدة وإنه استفهام مستأنف والتقدير ألهم آلهة تمنعهم من دوننا من العذاب، ومعنى {من دوننا} أن تلك الآلهة لا تتجاوز منعنا وحفظنا ثم استأنف فقال {لا يستطيعون} ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف اي تلك الآلهة ليست تقدر على نصر أنفسها فكيف تحفظ غيرها وتنصرها. وقوله {ولا هم منا يصبحون} قال المازني: هو من أصحبت الرجل إذا منعته. والأكثرون على أنه من الصحبة بمعنى النصرة والمعونة ومنه قولهم "صبحك الله". والحاصل أن من لا يكون قادراً على دفع الآفات ولا يكون مصحوباً من الله بالإعانة والنصرة كيف يتوقع منه دفع ضر أو جلب نفع! ولما ابطل كون الأصنام نافعة أضرب عن ذلك منتقلاً إلى بيان أن ما هم فيه من الحفظ والكلاءة والتمتع بالحياة العاجلة هو من الله لا من مانع يمنعهم من الإهلاك ولا من ناصر يعينهم على أسباب التمتع سوى الله. وفي قوله {حتى طال عليهم العمر} إشارة إلى أنه لما امتدت أيام الروح والطمأنينة حسبوا أن ذلك لن يزول عنهم فاغتروا به ونسوا المنعم فاستأهلوا العقاب كما أشار إليه بقوله {أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} وفي لفظ الإتيان تصوير ما كان الله يجريه على أيدي المسلمين الذين هم حزب الله من نقص ديار الكفر وتخريبها وعمارة حوزة الإسلام وتشييد مبانيه وقد مر مثله في آخر سورة الرعد. والاستفهام في قوله {أفهم الغالبون} للتقرير أي لنحن الغالبون وهم المغلوبون. ثم بين أن هذه الإنذارات ليست من قبل الرسول ولكنه بالوحي، ثم مهد عذر الرسول إن لم تنجع فيهم رسالته بأن الصم لا يسمعون دعاء المنذر. واللام في {الصم} للعهد أي لا يسمع هؤلاء الإنذار فوضع {الصم} في موضع اسم الإشارة إيذاناً بأنهم هم الموسومون بالصمم عن استماع الحق، ولو كان اللام للجنس لكان الأنسب إطلاق الدعاء لأن الصم لا تسمع الدعاء بشروا أو أنذروا. ثم ذكر أنهم لا يعترفون بالتقصير والظلم إلا عند معاينة العذاب فقال: {ولئن مستهم نفحة} وفي ذكر المس وبناء المرة من النفح الذي هو بمعنى القلة والنزارة. منه قولهم "نفحه بعطية" اي رضخة، "ونفحته الدابة" وهو رمح يسير دليل على أنهم في غاية الضعف يجزعون من أدنى أثر من عذاب الله. قوله {ونضع الموازين القسط} المراد من الوضع الإحضار والقسط اي العدل صفة الموازين وإن كان موحداً كقولهم للقوم "إنهم عدل" قاله الفراء. وعن الزجاج أراد ذوات القسط. واللام في {ليوم القيامة} بمعنى الوقت كما يقال "جئت لتاريخ كذا". وقيل: أراد لأجل الحساب يوم القيامة. وقد مر تحقيق الوزن وما يتعلق به من الأبحاث في أول سورة الأعراف. يروي أن داود عليه السلام سال ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه ثم افاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة. وفي قوله {فلا تظلم نفس شيئاً} بحث بين المعتزلة والأشاعرة وقد مر مراراً {وإن كان} أي الوزن والعمل {مثقال حبة من خردل أتينا بها} أنت ضمير المثقال باعتبار إضافته إلى الحبة. قيل: الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال: حبة من خردل؟ وأجيب بأن الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار، والظاهر أنه أراد الحبة من حيث اللغة. وقوله {من خردل} بيان لها لأن الحبة أعم من أن تكون من الخردل أو من الحنطة أو من غيرهما ولكن المبالغة في الأول أكثر، وذلك أن الخردلة سدس شعيرة وهي نصف سدس ثمن الدينار عند الحساب ونصف سدس سدسه في الشرع، والحبة ثمن تسع الدينار في عرف حساب فارس والعراق، فمثقال حبة من خردل يكون على الوجه الأول ثمن تسع خردلة، وعلى ما قلنا يكون هو الخردل بعينه. والحاصل أن شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع من علم الله وأنه يجازي عليه. رؤي الشبلي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: شعر : حاسبوني فدققوا ثم منوا فأعتقوا تفسير : قال في التفسير الكبير: زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل منحبط بالأكثر كما كان. والآية تبطل قوله لأن الله تعالى تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط، ولو كان الأمر كما قاله الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة. قلت: للجبائي أن يقول: الإتيان بالطاعة مشروط عندي بعدم الإحباط كما أن العقاب على المعصية مشروط عندكم بعدم العفو. {وكفى بنا حاسبين} كقوله {أية : وكفى بالله حسيباً}تفسير : [النساء: 6] وحين فرغ من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في قصص الأنبياء تسلية لنبيه وتثبيتاً وعظة لأمته وتذكيراً، وقد مر قصة موسى إلا أنه أوجز فيها ههنا والموجز تقدمه الفصحاء غالباً، ولأن موسى أقوى حالاً ومعجزة، ولأن ذكر التوراة يناسب ما تقدم من قوله {قل إنما أنذركم بالوحي} وصف التوراة بأنها جامعة لكونها فرقانا يفرق به بين الحق والباطل، وقد مر سائر تفاسير الفرقان في أول البقرة {وضياء} كقوله {أية : فيها هدى ونور}تفسير : [المائدة: 44] {وذكراً للمتقين} اي شرفاً وموعظة، أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم وقوله {بالغيب} إما حال من الرب أي حال كونه غائباً عن حسهم والله لا يغيب عنه شيء فيكون كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : فإن لم تكن تراه فإنه يراك"تفسير : وإما حال منهم أي حال كونهم غائبين عن عذاب الآخرة وأهوالها، أو غائبين عن الناس أي يخشون ربهم في الخلوات. ثم عظم شأن القرآن بقوله {وهذا ذكر مبارك} أي كثير البركة {أنزلناه أفأنتم له منكرون} أي أنتم دون سائر الناس مع علمكم بفصاحته وإعجازه تخصونه بالإنكار. ولا يخفى ما فيه من التوبيخ للعرب ومن داناهم. التأويل: {أم اتخذوا آلهة} من ارض البشرية ثم هم يحيون القلوب الميتة بل الله يحييها بنور ذكره وطاعته لو كان في سماء الروحانية وأرض البشرية {آلهة إلا الله} كالعقل والهوى {لفسدتا} كما فسد سماء أرواح الفلاسفة حين اثبتت عقولهم للواجب صفات لا تليق به، وفسد أرض بشرية الطبائعية حين زلت قدمهم عن استعمال قوانين الشريعة بمقتضى هوى الطبيعة {لا يسأل عما يفعل} لأن أفعاله تعالى صادرة عن الحكمة والقدرة {وهم يسألون} لأن أفعالهم منشؤها الظلومية والجهولية {لا يسبقونه بالقول} لأنه ليس فيهم ما يخالف داعية العقل وهو الطبع الذي يجذب صاحبه إلى السفل، ولهذا وصفهم بالإكرام ووصف بني آدم بالتكريم في قوله {أية : ولقد كرمنا بني آدم}تفسير : [الإسراء: 70] ففي التكريم تكثير ليس في الإكرام والسبب أن أمر بني آدم أشكل وحالهم أصعب {يعلم ما بين أيديهم} من خجالة قولهم {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30] {وما خلفهم} من الأمر بسجود آدم والاستغفار لمن في الأرض {أو لم ير الذين كفروا} يعني أنهم رأوها في عالم الأرواح لأنها خلقت قبل الأجساد بألفي عام، وفي رواية بأربعة ألاف سنة {كانتا رتقاً} أي كانت سموات الأرواح متعلقة بأرض القوالب {ففتقناهما} بالمفارقة وقطع التعلق {وجعلنا من} ماء حياة العلم {كل شيء حي} بالحياة الأبدية {وجعلنا في الأرض} أرض القالب {رواسي} هي هموم العلائق البدنية {أن تميد بهم} فلولاها لمالت كل نفس إلى عمالها وبطل الغرض من التكليف، ويمكن أن يكون الرواسي إشارة إلى الأبدال الذين هم أوتاد الأرض بهم يرزق ويمطر الناس {فجاجاً سبلاً} هي طرق الإرشاد والتسليك {وجعلنا} سماء القلب {سقفاً محفوظاً} من وساوس شياطين الإنس والجن {وهو الذي خلق} ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس المعرفة وقمر الإسلام {كل في فلك يسبحون} فأهل الإسلام في فلك الشريعة، وأهل الإيمان في فلك الطريقة، وأهل الولاية في فلك اطوار الحقيقة {كل نفس ذائقة الموت} أما النفس الحيوانية فلأن من خواصها أن تصير الغذاء من جنسها فلا جرم إذا عجز الغذاء عن التشبيه بها لعجز القوة الغاذية حل أجلها، وأما النفس الناطقة فلأن من خواصها أنها تصير من جنس غذائها وهو الكمالات العلمية والعملية التي هي فيوض ربانية يتجوهر الروح بجوهرها فيحصل له الفناء عن وجوده والبقاء بشهود ربه {ونبلوكم} بالمكروهات التي تسمونها شراً بالمحبوبات التي تحسبونها خيراً {فتنة} فربما كان الأمر عكس ما تصورتم {وإلينا ترجعون} اختياراً وقهراً {وإذا رآك الذين كفروا} فيه أن الأغيار لا ينظرون إلى الأخيار إلا بعين الإنكار {خلق الإنسان من عجل} بالنسبة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما فإنها خلقت في ستة أيام وخمرت طينة آدم أربعين صباحاً مع أن فيها أنموذجاً من الكل واستعداداً لقبول الخلافة وقابلية تجلي الذات والصفات ومظهرية الكنز الخفي وأشار إلى هذه المعاني بقوله {سأريكم آياتي} اي في مظاهر الآفاق ومرايا أنفسكم بالتدريج وبالتربية في كل طور {فلا تستعجلون} فإن حد الاستكمال من المهد إلى اللحد بل من الأزل إلى الأبد وهذا منطق الطير لا يفهمه إلا سليمان الوقت. ويمكن أيضاً أن يقال: إن الروح الإنساني أول شيء تعلقت به القدرة وهذا معنى العجلة {قل من يكلؤكم} فيه أن ملوك الأرض لو حرسوهم {بالليل والنهار} من الخصوم والأعداء فمن لهم حتى يحفظونهم في ليل البشرية ونهار الروحانية من سطوات قهر الجلال الذي الرحمانية من صفاته كما أن الرحيمية من صفات الجمال، فلو وكلهم بالخذلان إلى ظلمة البشرية بقوا في الجهل، ولو وكلهم بالإضلال في نور المعقولات تاهوا في أودية الحيرة والحجب النورية، والمنع من الحجب الظلمانية والجهل البسيط أسرع من إزالة الجهل المركب {بل متعنا هؤلاء} الجهال {وآباءهم} الذين علموهم تلك المعقولات التي صارت حجباً نورية لهم حتى اغتروا بظاهر الحال وأنكروا المعاد والشريعة. ثم بين أن الحق يغلب على الباطل ألبتة فقال {أو لم يروا أنا نأتي الأرض} البشرية {ونضع الموازين} ميزان الفضل قد نصب في الأزل {نحن قسمنا} {تلك الرسل فضلنا} وميزان العدل ينصب في الأبد {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} فالأول كالبزرة والثاني كالثمرة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ}، أي: يُحْيُونَ غَيْرَهُمُ، ثم بيَّنَ تعالى أَمْرَ التمانُعِ بقوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} وقد تَقَدَّمَ إيضاحُ ذلك عند قوله تعالى: {أية : إِذَاً لاَبتَغَوا إِلَى ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء:42]. وقوله: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} يُحْتَمَلُ أَنْ يريدَ بالإشارة بقوله: {هَـٰذَا} إلى جميعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَدِيمِهَا وَحَدِيثهَا ـــ أَنَّهَا تُبَيِّنُ أَنَّ اللَّه الخالِقَ وَاحِدٌ لا شريكَ له، ويحتمل أَنْ يريدَ بقوله: {هَـٰذَا} القرآنَ والمعنى: فيه نَبأ الأَوَّلِينَ والآخرينَ فَنَصَّ أخبارَ الأَولين، وذَكَرَ الغُيُوبَ في أُمُورِهِمْ، حسبما هي في الكتب المُتَقَدِّمَةِ، وَذكَرَ الآخرين بالدعوة. وبيانِ الشرع لهم، ثم حَكَمَ عليهم سبحانه بأَنَّ أَكْثرهم لا يعلمون الحقَّ، لإعراضهم عنه، وليس المعنى: فهم معرضون؛ لأنَّهُم لا يعلمون؛ بلِ المعنى: فهم معرضون، ولذلك لا يعلمون الحَقَّ، وباقي الآية بَيِّنٌ، ثم بَيَّنَ سبحانه نوعاً آخرَ من كُفْرِهِم بقوله: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} الآية؛ كقول بعضهم: اتَّخَذَ المَلاَئِكَةَ بناتاً، وكما قالتِ النَّصَارَى في عيسى ٱبن مريم، واليهود في عزيرٍ. وقوله سبحانه: {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} عبارةٌ تَشْمَلُ الملائِكَةَ وعيسى وعزير. وقال * ص *: بل إِضْرَابٌ عن نسبة الولد إليه تعالى عن ذلك عُلُوّاً كبيراً. و {عِبَادٌ} خبرُ مبتدإِ محذوف أي هم عباد قاله أبو البقاء انتهى.
البقاعي
تفسير : ولما كانوا عند هذا البيان جديرين بأن يبادروا إلى التوحيد فلم يفعلوا، كانوا حقيقين بعد الإعراض عنهم - بالتوبيخ والتهكم والتعنيف فقال تعالى: {أم اتخذوا} أي أعلموا أن كل شيء تحت قهره نافذ فيه أمره فرجعوا عن ضلالهم، أم لم يعلموه، أو عملوا ما ينافيه فاتخذوا {ءالهة}. ولما كانت معبوداتهم أصناماً أرضية من حجارة ونحوها قال: {من الأرض} أي التي هم مشاهدون لأنها وكل ما فيها طوع مشيئته {هم} أي خاصة {ينشرون*} أي يحيون شيئاً مما فيها من الأجسام النامية حتى يستحقوا بذلك صفة الإلهية، وإفادة السياق الحصر تفيد أنه لو وقع الإنشاء لأحد على وجه يجوّز مشاركة غيره له لم يستحق العبادة، وفي هذا الاستفهام تهكم بهم بالإشارة إلى أنهم عبدوا ما هو من أدنى ما في الأرض مع أنه ليس في الأرض ما يستحق أن يعبد، لأن الإنسان أشرف ما فيها، ولا يخفى ما له من الحاجة المبعدة من تلك الرتبة الشماء. ولما كان الجواب قطعاً: لم يتخذوا آلهة بهذا الوصف، ولا شيء غيره سبحانه يستحق وصف الإلهية، أقام البرهان القطعي على صحة نفي إله غيره ببرهان التمانع، وهو أشد برهان لأهل الكلام فقال: {لو كان فيهما} أي السماوات والأرض، أي في تدبيرهما. ولما كان الأصل فيما بعد كل من "إلا" و"غير" أن يكون من جنس ما قبلهما وإن كان مغايراً له في العين، صح وضع كل منهما موضع الآخر، واختير هنا التعبير بأداة الاستثناء والمعنى للصفة إذ هي تابعة لجميع منكور غير محصور الإفادة إثبات الإلهية له سبحانه مع النفي عما عداه، لأن {لولا} - لما فيها من الامتناع - مفيدة للنفي، فالكلام في قوة أن يقال "ما فيهما" {ءالهة إلا الله} أي مدبرون غير من تفرد بصفات الكمال، ولو كان فيهما آلهة غيره {لفسدتا} لقضاء العادة بالخلاف بين المتكافئين المؤدي إلى ذلك، ولقضاء العقل بإمكان الاختلاف اللازم منه إمكان التمانع اللازم منه إمكان عجز أحدهما اللازم منه أن لا يكون إلهاً لحاجته، وإذا انتفى الجمع، انتفى الاثنان من باب الأولى، لأن الجمع كلما زاد حارب بعضهم بعضاً فقل الفساد كما نشاهد. ولما أفاد هذا الدليل أنه لا يجوز أن يكون المدبر لها إلا واحداً، وأن ذلك الواحد لا يكون إلا الله قال: {فسبحان الله} أي فتسبب عن ذلك تنزه المتصف بصفات الكمال {رب العرش} أي الذي هو نهاية المعلومات من الأجسام، ورب ما دونه من السماوات والأراضي وما فيهما المتفرد بالتدبير، كما يتفرد الملك الجالس على السرير {عما يصفون*} مما يوهم نقصاً ما، ثم علل ذلك بقوله: {لا يسأل} أي من سائل ما {عما يفعل} أي لا يعترض عليه لأنه لا كفوء له في علم ولا حكمة ولا قدرة ولا عظمة ولا غير ذلك، فليس في شيء من أفعاله لإتقانها موضع سؤال، فمهما أراد كان ومهما قال فالحسن الجميل، فلو شاء لعذب أهل سماواته وأهل أرضه، وكان ذلك منه عدلاً حسناً، وهذا مما يتمادح به أولو الهمم العوال، كما قال عامر الخصفي في هاشم بن حرملة بن الأشعر: شعر : أحيا أباه هاشم بن حرملة يوم الهباءات ويوم اليعمله ترى الملوك عنده مغربلة يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له تفسير : قال ابن هشام في مقدمة السيرة قبل "أمر البسل" بقليل: أنشدني أبو عبيدة هذه الأبيات وحدثني أن هاشم قال لعامر: قل فيّ بيتاً جيداً أثبك عليه، فقال عامر البيت الأول فلم يعجب هاشماً، ثم قال البيت الثاني فلم يعجبه، ثم قال الثالث فلم يعجبه، فلما قال الرابع "ويقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له" أعجبه فأثابه عليه، ومن أعجب ما رأيت في حكم الأقدمين أن الشهر ستاني قال في الملل: وقد سأل بعض الدهرية أرسطاطاليس فقال: إذا كان لم يزل ولا شيء غيره ثم أحدث العالم فلم أحدثه؟ فقال: "لِمَ" غير جائز عليه، لأن لم تقتضي علة والعلة محمولة فيما هي علة له من معلّ فوقه ولا علة فوقه، وليس بمركب فتحمل ذاته العلل، فلم عنه منفية. {وهم يسألون*} من كل سائل لما في أفعالهم من الاختلال بل يمنعون عن أكثر ما يريدون. ولما قام الدليل، ووضح السبيل، واضمحل كل قال وقيل، فانمحقت الأباطيل، قال منبهاً لهم على ذلك: {أم} أي أرجعوا عن ضلالهم لما بان لهم غيهم فيه فوحدوا الله أم {اتخذوا} ونبه على أن كل شيء دونه وأثبت أن آلهتهم بعض من ذلك بإثبات الجار فقال منبهاً لهم مكرراً لما مضى على وجه أعم، طالباً البرهان تلويحاً إلى التهديد: {من دونه ءالهة} من السماء أو الأرض وغيرهما. ولما كان جوابهم: اتخذنا، ولا يرجع أمره بجوابهم فقال: {قل هاتوا برهانكم} على ما ادعيتموه من عقل أو نقل كما أثبت أنا ببرهان النقل المؤد بالعقل. ولما كان الكريم سبحانه لا يؤاخذ بمخالفة العقل ما لم ينضم إليه دليل النقل، أتبعه قوله مشيراً إلى ما بعث الله به الرسل من الكتب: {هذا ذكر} أي موعظة وشرف {من معي} ممن آمن بي وقد ثبت أنه كلام الله بعجزكم عن معارضته فانظروا هل تجدون فيه شيئاً يؤيد أمركم {وذكر} أي وهذا ذكر {من قبلي} فاسألوا أهل الكتابين هل في الكتاب منهما برهان لكم. ولما كانوا لا يجدون شبهة لذلك فضلاً عن حجة اقتضى الحال الإعراض عنهم غضباً، فكان كأنه قيل: لا يجدون لشيء من ذلك برهاناً {بل أكثرهم} أي هؤلاء المدعوين {لا يعلمون الحق} بل هم جهلة والجهل أصل الشر والفساد، فهم يكفرون تقليداًُ {فهم} أي فتسبب عن جهلهم ما افتتحنا به السورة من أنهم {معرضون*} عن ذكرك وذكر من قبلك غفلة منهم عما يراد بهم وفعلاً باللعب فعلَ القاصر عن درجة العقل، وبعضهم معاند مع علمه الحق، وبعضهم يعلم فيفهم - كما أفهمه التقييد بالأكثر. ولما كان التقدير بياناً لما في الذكرين: ولو أقبلوا على الذكر لعلموا أنا أوحينا إليك في هذا الذكر أنه لا إله ألا أنا، ما أرسلناك إلا لنوحي إليك ذلك، عطف عليه قوله: {وما أرسلنا} أي بعظمتنا. ولما كان الإرسال بالفعل غير مستغرق للزمان المتقدم لأنه كما أن الرسالة لا يقوم بها كل أحد، فكذلك الإرسال لا يصلح له كل زمن، أثبت الجار فقال: {من قبلك} وأعرق في النفي فقال: {من رسول} في شيع الأولين {إلا نوحي إليه} من عندنا {أنه لا إله إلا أنا} ولم يقل: نحن، لئلا يجعلوها وسيلة إلى شبهة، ولذا قال: {فاعبدون*} بالإفراد، وترك التصريح بالأمر بالتخصيص بالعبادة لفهمه من المقام والحال، فإنهم كانوا قبل ذلك يعبدونه ولكنهم يشركون تنبيهاً على أن كل عبادة فيها شوب شرك عدم. ولما دل على نفي مطلق الشريك عقلاً ونقلاً، فانتفى بذلك كل فرد يطلق عليه هذا الاسم، عجب من ادعائهم الشركة المقيدة بالولد، فقال عاطفاً على قوله {أية : وأسروا النجوى}تفسير : [طه: 62]: {وقالوا} قيل: الضمير لخزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وقيل: لليهود حيث قالوا: إنه سبحانه صاهر الجن فكانت منهم الملائكة: {اتخذ} أي تكلف كما يتكلف من يكون له ولد {الرحمن} أي الذي كل موجود من فيض نعمته {ولداً}. ولما كان ذلك أعظم الذنب، نزه نفسه سبحانه عنه بمجمع التنزيه فقال: {سبحانه} أي تنزه عن أن يكون له ولد، فإن ذلك يقتضي المجانسة بينه وبين الولد، ولا يصح مجانسة النعمة للمنعم الحقيقي {بل} الذي جعلوهم له ولداً وهم الملائكة {عباد} من عباده، أنعم الله عليهم بالإيجاد كما أنعم على غيرهم لا أولاد، فإن العبودية تنافي الولدية {مكرمون*} بالعصمة من الزلل، ولذلك فسر الإكرام بقوله: {لا يسبقونه} أي لا يسبقون إذنه {بالقول} أي بقولهم، لأنهم لا يقولون شيئاً لم يأذن لهم فيه ويطلقه لهم. ولما كان الواقف عما لم يؤذن له فيه قد لا يفعل ما أمر به قال: {وهم بأمره} أي خاصة إذا أمرهم {يعملون*} لا بغيره لأنهم في غاية المراقبة له فجمعوا في الطاعة بين القول والفعل وذلك غاية الطاعة؛ ثم علل إخباره بذلك بعلمه بما هذا المخبر به مندرج فيه فقال: {يعلم ما بين أيديهم} أي مما لم يعملوه {وما خلفهم} مما عملوه، أو يكون الأول لما عملوه والثاني لما لم يعلموه، لأنك تطلع على ما قدامك ويخفى عليك ما خلفك، أي أن علمه محيط بأحوالهم ماضياً وحالاً ومآلاً، لا يخفى عليه خافية؛ ثم صرح بلازم الجملة الأولى فقال: {ولا يشفعون} أي في الدنيا ولا في الآخرة {إلا لمن ارتضى} فلا تطمعوا في شفاعتهم لكم بغير رضاه، وبلازم الجملة الثانية فقال: {وهم من خشيته} أي لا من غيرها {مشفقون*} أي دائماً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون} قال: يحيون. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون} يقول: ينشرون الموتى من الأرض، يقول: يحيونهم من قبورهم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {أم اتخذوا آلهة من الأرض} يعني مما اتخذوا من الحجارة والخشب. وفي قوله: {لو كان فيهما آلهة إلا الله} قال: لو كان معهما آلهة إلا الله {لفسدتا فسبحان الله رب العرش} يسبح نفسه تبارك وتعالى إذا قيل عليه البهتان. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {لا يسأل عما يفعل} قال: بعباده {وهم يسألون} قال: عن أعمالهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} قال: لا يسأل الخلاق عما يقضي في خلقه، والخلق مسؤولون عن أعمالهم. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن ابن عباس قال: ما في الأرض قوم أبغض إليّ من القدرية، وما ذلك إلا لأنهم لا يعلمون قدرة الله تعالى. قال الله: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن في بعض ما أنزل الله في الكتب: إني أنا الله لا إله إلا أنا، قدرت الخير والشر فطوبى لمن قدرت على يده الخير ويسّرْتُه له، وويل لمن قدرت على يده الشر ويسرته له.. إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أُسْأَل عما أفعل وهم يسألون، فويل لمن قال وكيف ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ميمون بن مهران قال: لما بعث الله موسى وكلمه وأنزل عليه التوراة قال: اللهم إنك رب عظيم، لو شئت أن تطاع لأطِعْت، ولو شئت أن لا تُعْصَى ما عُصِيت، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى! فكيف هذا يا رب؟ فأوحى الله إليه: "إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون". وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن نوف البكالي قال: قال عزير فيما يناجي ربه: "يا رب، تخلق خلقاً {أية : تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} تفسير : [الأعراف: 155] فقال له: يا عزير، أعرض عن هذا. فأعاد، فقيل له: لتعرضن عن هذا وإلا محوتك من النبوّة، إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون". وأخرج البيهقي عن داود بن أبي هند، أن عزيراً سأل ربه عن القدر فقال: سألتني عن علمي، عقوبتك أن لا أسميك في الأنبياء. وأخرج الطبراني من طريق ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: لما بعث الله موسى عليه السلام وأنزل عليه التوراة قال: اللهم إنك رب عظيم ولو شئت أن تطاع لأطعت، ولو شئت أن لا تُعْصى ما عُصِيت، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى، فكيف يا رب!؟ فأوحى الله إليه: إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. فانتهى موسى. فلما بعث الله عزيراً وأنزل عليه التوراة بعد ما كان رفعها عن بني إسرائيل، حتى قال: من قال: إنه ابن الله؟ قال: اللهم إنك رب عظيم، ولو شئت أن تطاع لأُطِعْت، ولو شئت أن لا تُعْصى ما عُصِيت، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى، فكيف يا رب!؟ فأوحى الله أني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. فأبت نفسه حتى سأل أيضاً فقال: أتستطيع أن تصرّ صرة من الشمس؟ قال: لا. قال: أفتستطيع أن تجيء بمكيال من ريح؟ قال: لا. قال: أفتستطيع أن تجيء بمثقال من نور؟ قال: لا. قال: أفتستطيع أن تجيء بقيراط من نور؟ قال: لا. قال: فهكذا إن لا تقدر على الذي سألت إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون، أما أني لا أجعل عقوبتك إلا أن أمحو اسمك من الأنبياء فلا تذكر فيهم. فمحي اسمه من الأنبياء فليس يذكر فيهم وهو نبي. فلما بعث الله عيسى ورأى منزلته من ربه وعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، قال: اللهم إنك رب عظيم، لو شئت أن تُطاع لأطِعْت، ولو شئت أن لا تعصى ما عُصيت، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى! فكيف هذا يا رب؟ فأوحى الله إليه: إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون، وأنت عبدي ورسولي وكلمتي ألقيتك إلى مريم وروح مني، خلقتك من تراب ثم قلت لك كن فكنت، لئن لم تنته لأفعلن بك كما فعلت بصاحبك بين يديك... إني لا أسال عما أفعل وهم يسألون. فجمع عيسى من تبعه وقال: القدر سرّ الله فلا تكلفوه.
ابو السعود
تفسير : {أَمِ ٱتَّخَذُواْ ءَالِهَةً} حكايةٌ لجناية أخرى من جناياتهم بطريق الإضرابِ والانتقال من فن إلى فن آخر من التوبـيخ إثرَ تحقيق الحقِّ ببـيان أنه تعالى خلق جميع المخلوقات على منهاج الحكمة وأنهم قاطبةً تحت ملكوته وقهره وأن عبادَه مذعنون لطاعته ومثابرون على عبادته منزِّهون له عن كل ما لا يليق بشأنه من الأمور التي من جملتها الأندادُ، ومعنى الهمزة في (أم) المنقطعة إنكارُ الوقوعِ لا إنكار الواقع وقوله تعالى: {مّنَ ٱلأَرْضِ} متعلقٌ باتخذوا أو بمحذوف هو صفة لآلهة وأياً ما كان فالمرادُ هو التحقيرُ لا التخصيصُ، وقوله تعالى: {هُمْ يُنشِرُونَ} أي يَبعثون الموتى، صفةٌ لآلهةً وهو الذي يدور عليه الإنكارُ والتجهيلُ والتشنيع لا نفسُ الاتخاذ فإنه واقعٌ لا محالة أي بل اتخذوا آلهةً من الأرض هم خاصة مع حقارتهم وجماديتهم يُنشِرون الموتى، كلا، فإن ما اتخذوها آلهةً بمعزل من ذلك وهم وإن لم يقولوا بذلك صريحاً لكنهم حيث ادَّعَوا لها الإلٰهيةَ فكأنهم ادّعَوا لها الإنشارَ ضرورةَ أنه من الخصائص الإلٰهية حتماً، ومعنى التخصيص في تقديم الضمير ما أشير إليه من التنبـيه على كمال مباينةِ حالهم للإنشار الموجبةِ لمزيد الإنكار كما في قوله تعالى: { أية : أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ} تفسير : [إبراهيم: 10] وقوله تعالى: { أية : أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ} تفسير : [التوبة: 65] فإن تقديمَ الجار والمجرور للتنبـيه على كمال مباينةِ أمرِه تعالى لأن يُشَك فيه ويُستهزأَ به، ويجوز أن يُجعلَ ذلك من مستتبعات إدّعائِهم الباطلِ لأن الألوهيةَ مقتضيهٌ للاستقلال بالإبداء والإعادة فحيث ادَّعَوا للأصنام الإلٰهيةَ فكأنهم ادَّعوا لها الاستقلالَ بالإنشار كما أنهم جعلوا بذلك مدّعين لأصل الإنشار. {لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ} إبطالٌ لتعدد الإلٰه بإقامة البرهان على انتفائه بل على استحالته، وإيرادُ الجمع لوروده إثرَ إنكار اتخاذِ الآلهة لا لأن للجمعية مدخلاً في الاستدلال وكذا فرضُ كونِهما فيهما وإلا بمعنى غير على أنها صفةٌ لآلهة، ولا مساغَ للإستثناء لاستحالة شمولِ ما قبلها وما بعدها وإفضائِه إلى فساد المعنى لدلالته حينئذ على أن الفسادَ لكونها فيهما بدونه تعالى ولا للرفع على البدل لأنه متفرّع على الاستثناء ومشروطٌ بأن يكون في كلامٍ غيرِ موجب، أي لو كان في السموات والأرض آلهةٌ غيرُ الله كما هو اعتقادُهم الباطل {لَفَسَدَتَا} أي لبطلتا بما فيهما جميعاً وحيث انتفى التالي عُلم انتفاءُ المقدّم قطعاً ببـيان الملازمة أن الإلٰهيةَ مستلزِمةٌ للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق تغيـيراً وتبديلاً وإيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة، فبقاؤهما على ما هما عليه إما بتأثير كل منها وهو محالٌ لاستحالة وقوعِ المعلولِ المعيّن بعلل متعددة، وإما بتأثير واحدٍ منها فالبواقي بمعزل من الإلٰهية قطعاً، واعلم أن جعلَ التالي فسادَهما بعد وجودِهما لِما أنه اعتُبر في المقدم تعددُ الآلهةِ فيهما وإلا فالبرهانُ يقضي باستحالة التعدد على الإطلاق، فإنه لو تعدد الإلٰهُ فإنْ توافقَ الكلِّ في المراد تطاردت عليه القُدَرُ وإن تخالفت تعاوقت فلا يوجد موجودٌ أصلاً وحيث انتفى التالي تعيّن انتفاءُ المقدّم والفاء في قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان، أي فسبحوه سبحانه اللائقَ به ونزّهوه عما لا يليق به من الأمور التي من جملتها أن يكون له شريكٌ في الألوهية، وإيرادُ الجلالة في موضع الإضمارِ للإشعار بعلة الحُكم فإن الألوهيةَ مناطٌ لجميع صفاتِ كماله التي من جملتها تنزّهُه تعالى عما لا يليق به ولتربـية المهابةِ وإدخالِ الروعة وقوله تعالى: {رَبُّ ٱلْعَرْشِ} صفةٌ للاسم الجليل مؤكدةٌ لتنزّهه عز وجل {عَمَّا يَصِفُونَ} متعلق بالتسبـيح أي فسبحوه عما يصفونه من أن يكون من دونه آلهةٌ.
القشيري
تفسير : تفرَّد الحقُّ بالإبداع والإيجاد، وتقدَّس عن الأمثال والأنداد، فالذين يُعْبَدُون مِنْ دونه أمواتٌ غيرُ أحياءٍ. وهم بالضرورة يعرفون.. أفلا يَعْتَبِرُون وألا يَزْدَجِرُون؟
اسماعيل حقي
تفسير : {ام اتخذوا آلهة} ام منقطعة مقدرة ببل مع الهمزة ومعنى الهمزة انكار الوقوع لا انكار الواقع والضمير للمشركين والمراد بالآلهة الاصنام {من الارض} متعلق باتخذوا بمعنى ابتدأوا اتخاذها من الارض بان صنعوها ونحتوها من بعض الحجارة او من بعض جواهرها كالشبه والصفر ونحوهما والمراد به تحقير المتخذ لا التخصيص {هم ينشرون} يقال انشره الله احياه اى يبعثون الموتى والجملة صفة الآلهة وهو الذى يدور عليه الانكار والتجهيل والتشنيع لانفس الاتخاذ فانه واقع لا محالة بل اتخذوا آلهة من الارض هم خاصة مع حقارتهم بذلك صريحا فانهم لم يثبتوا الانشار لله تعالى كما قالوا من يحيى العظام وهى رميم فكيف يثبتونه للاصنام لكنهم حيث ادعوا لها الآلهية فكأنهم ادعوا لها الانشار ضرورة انه من الخصائص الآلهية حتما.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى إن هؤلاء الكفار الذين اتخذوا مع الله شركاء عبدوهم وجعلوها آلهة {هم ينشرون} أي هم يحبون؟؟ تقريرعاً لهم وتعنيفاً لهم على خطئهم - فى قول مجاهد - يقال: أنشر الله الموتى فنشروا أي أحياهم فحيوا وهو النشر بعد الطي، لان المحيا كأنه كان مطوياً بالقبض عن الادراك، فأنشر بالحياة. والمعنى فى ذلك أن هؤلاء إذا كانوا لا يقدرون على الاحياء الذي من قدر عليه قدر على أن ينعم بالنعم التى يستحق بها العبادة فيكف يستحقون العبادة؟!. وحكى الزجاج: انه قرئ - بفتح الشين - والمعنى هل اتخذوا آلهة لا يموتون أبداً، ويبقون أحياء ابداً؟! أي لا يكون ذلك. ثم قال تعالى {لو كان فيهما آلهة} يعني في السماء والارض آلهة أي من يحق له العبادة {غير الله لفسدتا} لأنه لو صح إلهان او آلهة لصح بينهما التمانع، فكان يؤدي ذلك الى ان احدهما إذا أراد فعلا، وأراد الآخر ضده، إما ان يقع مرادهما فيؤدي الى اجتماع الضدين أو لا يقع مرادهما، فينتقض كونهما قادرين، او يقع مراد أحدهما، فيؤدي الى نقض كون الآخر قادراً. وكل ذلك فاسد، فاذاً لا يجوز أن يكون الآله إلا واحداً. وهذا مشروح فى كتب الاصول. ثم نزه تعالى نفسه عن ان يكون معه إله يحق له العبادة، بأن قال {فسبحان الله رب العرش عما يصفون} وانما أضافه الى العرش، لانه أعظم المخلوقات. ومن قدر على اعظم المخلوقات كان قادراً على ما دونه. ثم قال تعالى {لا يسأل عما يفعل} لانه لا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب، ولا يقال للحكيم لو فعلت الصواب {وهم يسألون} لانه يجوز عليهم الخطأ. ثم قال {أم اتخذوا من دونه آلهة} معنى {أم} بل. ثم قال: قل لهم يا محمد {هاتوا برهانكم} على ذلك وحججكم على صحة ما فعلتموه. فالبرهان هو الدليل المؤدي الى العلم، لانهم لا يقدرون على ذلك ابداً. وفى ذلك دلالة على فساد التقليد، لأنه طالبهم بالحجة على صحة قولهم. قال الرماني {إلا} في قوله {إلا الله} صفة، وليست باستثناء، لانك لا تقول لو كان معناه إلا زيد لهلكنا، على الاستثناء. لان ذلك محال، من حيث انك لم تذكر ما تستثني منه كما لم تذكره فى قولك كان معنا إلا زيد، فهلكنا قال الشاعر: شعر : وكل اخ مفارقه اخوه لعمر ابيك الا الفرقدان تفسير : اراد وكل اخ يفارقه اخوه غير الفرقدين. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) وقل لهم: {هذا ذكر من معي} بما يلزمهم من الحلال والحرام والخطأ والصواب، {وذكر من قبلي} من الامم، ممن نجا بالايمان او هلك بالشرك - في قول قتادة - وقيل: معناه ذكر من معي بالحق فى اخلاص الالهية والتوحيد فى القرآن، وعلى هذا {ذكر من قبلي} في التوراة والانجيل. ثم اخبر ان {أكثرهم لا يعلمون الحق} ولا يعرفونه، فهم يعرضون عنه الى الباطل. ثم قال لنبيه {وما أرسلنا من قبلك} يا محمد {من رسول} اي رسولا، و {من} زائدة {إلا نوحي إليه} نحن، فيمن قرأ بالنون. ومن قرأ - بالياء - معناه الا يوحي الله اليه، بأنه لا معبود على الحقيقة سواه {فاعبدون} اي وجهوا العبادة اليه دون غيره.
الجنابذي
تفسير : {أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ} يعنى هذه حال من فى السّماء من انّهم لا يدّعون الآلهة لانفسهم ولا ينبغى لهم لانّهم عباد اذلاّء تحت قدرة الله بل هؤلآء المشركون اتّخذوا آلهةً من الارض يصحّ لهم الالهة ويدّعون الالهة {هُمْ يُنشِرُونَ} يعنى يفعلون فعل الالهة، والاتيان بالضّمير المتقدّم للاشارة الى الحصر الاضافىّ بالنّسبة الى من فى السّماء، والنّشر بمعنى الحيٰوة والاحياء، والانشار الاحياء وقرئ ينشرون بفتح الياء وضمّها.
اطفيش
تفسير : {أمِ} بمعنى بل الإضرابية والهمزة الإنكارية وهى منقطعة {اتَّخذُوا آلِهَةً مِنَ} من للابتداء {الأَرْضِ} مثل الحجر والخشب والذهب والفضة، ومن متعلقة باتخذوا، أو بمحذوف نعت لآلهة. وعليه فيجوز فيها أن تكون للتبعيض، ويجوز جعل اتخذ تصييرها والجار والمجرور متعلقاً بمحذوف مفعولا ثانيًا. والمراد بذلك تحقير الآلهة المأخوذة من الأرض. {هُمْ يُنْشِرُونَ} أى أهُم يحيون الموتى وينشرونهم من الأرض. ويجوز كون هذه الجملة هى نعت آلهة، أو مفعول ثان، ومن متعلق بينشرون وإن قلت: هم ينكرون البعث راسا. وإن أقرّ به بعضهم فليس يثبته للأصنام. لقت: نعم لكن أثبت لها نشر الموتى على ما يقتضيه ادعاؤهم أنها أرباب وفى ذلك تجهيل لهما وتهكم وتوبيخ إن كانت آلهة فمن لوازم الألوهية القدرة على جميع الممكنات، فهل تقدر آلهتكم على البعث؟! قال جار الله وفائدة قوله: {هم} اختصاص الانتشار بهم، أى اتخذوا آلهة تختص بالبعث للموتى. قلت: لم يظهر لى إفادة ذلك الضمير الحصرَ هنا إلا إن كان يستفاد منه فى العرف أو يوهمه. وقرأ الحسن بفتح الياء وضم الشين يقال: أنشر الله الموتى ونشرها. ويصح أن يراد بقوله: من الأرض، الإشعار بأنها الآلهة التى من الأرض لا التى من السماء وهى الله والملائكة، فإن من العرب من يعبدهم. وسأَل صلى الله عليه وسلم اُمَةً: أين ربك؟ فأَشارت إلى السماء، نفهم منها أن مرادها نفى الآلهة الأرضية وإثبات الله سبحانه، لا إثبات السماء مكانا له، ولا إثبات الألوهية للملائكة، فقال لها: مؤمنة.
اطفيش
تفسير : {أم اتخذُوا} مع الله {آلهةً} أم للإضراب الانتقالى، أو مع الاستفهام الإنكارى نفى لياقة الاتخاذ شرعاً {من الأرض} متعلق باتخذوا، ومن للبتداء أو للتبعيض، أو نعت لآلهة، وذلك تحقير لآلهة، وذلك تحقير لآلهة من حجر الأرض أو معادنها أو شجرها، وقوله: {هُم يُنْشِرون} نعت الآلهة، آلهة باعثة للموتى، محيية لهم الآن أو يوم القيامة، لم يقولوا تبعثُهم، لكن كل من عبادتها وتسميتها آلهة وتعظيمها جداً يقتضى أنا تبعثهم كما هو شأن من هو الإله، وهذا النشر هو محط الإنكار، ولا يبعد أن يريدون إنكار الواقع بمعنى إن لم يتخذوا آلهة باعثة، بل غير باعثة عندهم أيضاً، أو يراد أنها الناشرة وحدها استقالاً لا الله، ويجوز على بعد أن يراد أهم ينشرون على تقدير الاستفهام، فيقال: لا، فيقال: تتخذ آلهة وهى عاجزة، وقال قطرب ينشرون بمعنى يخلقون.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ ءالِهَةً} حكاية لجناية أخرى من جنايات أولئك الكفرة هي أعظم من جناية طعنهم في النبوة، و(أم) هي المنقطعة وتقدر ببل الإضرابية والهمزة الإنكارية وهي لإنكار الوقوع لا إنكار الواقع، وقوله تعالى: {مّنَ ٱلأَرْضِ} متعلق باتخذوا و(من) ابتدائية على معنى أن اتخاذهم إياها مبتدأ من أجزاء الأرض كالحجارة وأنواع المعادن ويجوز كونها تبعيضية. وقال أبو البقاء وغيره: يجوز أن تكون متعلقة بمحذوف وقع صفة لآلهة أي آلهة كائنة من جنس الأرض، وأياً ما كان فالمراد التحقير لا التخصيص، ومن جوزه التزم تخصيص الإنكار بالشديد وهو غير سديد. وقوله تعالى: {هُمْ يُنشِرُونَ} أي يبعثون الموتى صفة لآلهة وهو الذي يدور عليه الإنكار والتجهيل والتشنيع لا نفس الاتخاذ فإنه واقع لا محالة أي بل اتخذوا آلهة من الأرض هم خاصة مع حقارتهم وجماديتهم ينشرون الموتى كلا فإن ما اتخذوه آلهة بمعزل من ذلك وهم وإن لم يقولوا بذلك صريحاً لكنهم حيث ادعوا لها الإلهية فكأنهم ادعوا لها الإنشار ضرورة أنه من الخصائص الإلهية حتماً ومعنى التخصيص في تقديم الضمير ما أشير إليه من التنبيه على كمال مباينة حالهم للإنشار الموجبة لمزيد الإنكار كما أن تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: { أية : أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ } تفسير : [إبراهيم: 10] للتنبيه على كمال مباينة أمره تعالى لأن يشك فيه، ويجوز أن يجعل ذلك من مستتبعات ادعائهم الباطل فإن الألوهية مقتضية للاستقلال بالإبداء والإعادة فحيث ادعوا للأصنام الإلهية فكأنهم ادعوا لهم الاستقلال بالإنشار كما أنهم جعلوا بذلك مدعين لأصل الإنشار قاله المولى أبو السعود، وقال بعضهم: تقديم الضمير للتقوى، وما ذهب إليه من إفادته معنى التخصيص تبع فيه الزمخشري، وفي «الكشف» الداعي إلى ترجيحه على التقوى أنه ترشيح لما أبداه أولاً من أن الإلهية لا تصح دون القدرة على الإنشار ولا وجه لتجويز كونه فصلاً انتهى، وجوز أن تكون جملة {هُمْ يُنشِرُونَ} مستأنفة مقدراً معها استفهام إنكاري لبيان علة إنكار الاتخاذ، ولعل مجوز ذلك لا يسلم لزوم كون معنى الهمزة في (أم) المنقطعة إنكار الوقوع ويجوز كونه إنكار الواقع، وتفسير {يُنشِرُونَ} بيبعثون هو المشهور وعليه الجمهور، وقال قطرب: هو بمعنى يخلقون. / وقرأ الحسن. ومجاهد {يُنشِرُونَ} بفتح الياء على أنه من نشر وهو وأنشر بمعنى وقد يجىء نشر لازماً يقال أنشر الله تعالى الموتى فنشروا.
ابن عاشور
تفسير : (أم) هذه منقطعة عاطفة الجملة على الجملة عطفَ إضراب انتقالي هو انتقال من إثبات صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحجية دلالة القرآن إلى إبطال الإشراك، انتقالاً من بقية الغرض السابق الذي تهيأ السامع للانتقال منه بمقتضى التخلص، الذي في قوله تعالى: {أية : وله من في السماوات والأرض ومن عنده} تفسير : [الأنبياء: 19] كما تقدم، إلى التمحض لغرض إبطال الإشراك وإبطال تعدد الآلهة. وهذا الانتقال وقع اعتراضاً بين جملة {أية : يسبحون الليل والنهار لا يفترون}تفسير : [الأنبياء: 20] وجملة {أية : لا يسأل عما يفعل}تفسير : [الأنبياء: 23]. وليس إضرابُ الانتقال بمقتضٍ عدم الرجوع إلى الغرض المنتقل إليه. و (أم) تؤذن بأن الكلام بعدها مسوق مساق الاستفهام وهو استفهام إنكاري، أنكر عليه اتخاذهم آلهة. وضمير {اتخذوا} عائد إلى المشركين المتبادرين من المقام في مثل هذه الضمائر. وله نظائر كثيرة في القرآن. ويجوز جعله التفاتاً عن ضمير {أية : ولكم الويل مما تصفون}تفسير : [الأنبياء: 18]، ويجوز أن يكون متناسقاً مع ضمائر {أية : بل قالوا أضغاث أحلام}تفسير : [الأنبياء: 5] وما بعده. ووصف الآلهة بأنها من الأرض تهكم بالمشركين، وإظهار لأفن رأيهم، أي جعلوا لأنفسهم آلهة من عالَم الأرض أو مأخوذة من أجزاء الأرض من حجارة أو خشب تعريضاً بأن ما كان مثلَ ذلك لا يستحق أن يكون معبوداً، كما قال إبراهيم - عليه السلام -: {أية : أتعبدون ما تنحتون}تفسير : في [الصافات: 95]. وذكر الأرض هنا مقابلة لقوله تعالى: {أية : ومن عنده}تفسير : [الأنبياء: 19] لأن المراد أهل السماء، وجملة {هم ينشرون} صفة ثانية لــــ {آلهة}. واقترانها بضمير الفصل يفيد التخصيص أن لا ينشر غير تلك الآلهة. والمراد: إنْشار الأموات، أي بعثُهم. وهذا مسوق للتهكم وإدماج لإثبات البعث بطريقة سَوْق المعلوم مساق غَيره المسمى بتجاهل العارف، إذ أبرز تكذيبهم بالبعث الذي أخبرهم الله على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - في صورة تكذيبهم استطاعة الله ذلك وعجزه عنه، أي أن الأوْلى بالقدرة على البعث شركاؤهم فكأنّ وقوع البعث أمر لا ينبغي النزاع فيه فإنْ نازع فيه المنازعون فإنما ينازعون في نسبته إلى الله ويرومون بذلك نسبته إلى شركائهم فأنكرت عليهم هذه النسبة على هذه الطريقة المفعمة بالنكت، والمشركون لم يدّعوا لآلهتهم أنها تبعث الموتى ولا هم معترفون بوقوع البعث ولكن نُزلوا منزلة من يزعم ذلك إبداعاً في الإلزام. ونظيره قوله تعالى في سورة [النحل: 21] في ذكر الآلهة: {أية : أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون}.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أم اتخذوا آلهة من الأرض: أيْ من معادنها كالذهب والفضة والنحاس والحجر. هم ينشرون: أي يحيون الأموات إذ لا يكون إلهاً حقاً إلا من يحيي الموتى. لو كان فيهما: أي في السماوات والأرض. لفسدتا: أي السماوات والأرض لأن تعدد الآلهة يقتضي التنازع عادة وهو يقضي بفساد النظام. فسبحان الله: أي تنزيه لله عما لا يليق بحلاله وكماله. رب العرش: أي خالقه ومالكه والمختص به. عما يصفون: أي الله تعالى من صفات النقص كالزوجة والولد والشريك. لا يسأل عما يفعل: إذ هو الملك المتصرف، وغيره يسأل عن فعله لعجزه وجهله وكونه مربوباً. قل هاتوا برهانكم: أي على ما اتخذتم من دونه من آلهة ولا برهان لهم على ذلك فهم كاذبون. هذا ذكر من معي: أي القرآن ذكر أمتي. وذكر من قبلي: أي التوارة والإنجيل وغيرهما من كتب الله الكل يشهد أنه لا إله إلا الله. لا يعلمون الحق: أي توحيد الله ووجوبه على العباد فلذا هم معرضون. فاعبدون: أي وحدوني في العبادة فلا تعبدوا معي غيري إذ لا يستحق العبادة سواي. معنى الآيات: يوبخ تعالى المشركين على شركهم فيقول: {أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي من أحجارها ومعادنها آلهة {هُمْ يُنشِرُونَ} أي يحيون الموتى، والجواب كلا إنهم لا يحيون والذي لا يحيي الموتى لا يستحق الألوهية بحال من الأحوال. هذا ما دل عليه قوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ} وفي الآية الثانية [22] يبطل تعالى دعواهم في اتخاذ آلهة مع الله فيقول: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ} أي في السماوات والأرض آلهة غير الله تعالى لفسدتا لأنه تعدد الآلهة يقتضي التنازع والتمانع هذا يريد أن يخلق كذا وهذا لا يريده هذا يريد أن يعطى كذا وذاك لا يريده فيختل نظام الحياة وتفسد، ومن هنا كان انتظام الحياة هذه القرون العديدة دالا على وحدة الخالق الواجب الوجود الذي تجب له العبادة وحده دون من سواه، فلذا نزه تعالى نفسه عن الشريك وما يصفه به المبطلون من الزوجة والولد فقال: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} وقرر ألوهيته وربوبيته المطلقة بقوله: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} فالذي يفعل ولا يُسأل لعلمه وقدرته وملكه هو الإله الحق والذي يسأل عن عمله لم فعلت ولم تركت ويحاسب عليه ويجزي به لن يكون إلا عبداً مربوباً، وقوله في توبيخ آخر للمشركين: أم اتخذوا من دونه عز وجل آلهة يعبدونها؟ قل لهم يا رسولنا هاتوا برهانكم على صدق دعواكم في أنها آلهة، ومن أين لهم البرهان على احقاق الباطل؟ وقوله تعالى: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ} أي من المؤمنين وهو القرآن الكريم به يذكرون الله ويعبدونه وبه يتعظون {وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} أي التوراة والإنجيل هل في واحد منها ما يثبت وجود آلهة مع الله تعالى. والجواب لا. إذاً فما هي حجة هؤلاء المشركين على صحة دعواهم، والحقيقة أن المشركين جهلة لا يعرفون منطقاً ولا برهاناً فلذا هم مُعْرِضُون وهذا ما دل عليه قوله تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ} فليسوا أهلاً لمعرفة الأدلة والبراهين لجهلهم فلذا هم معرضون عن قبول التوحيد وتقرير أدلته وحججه وبراهينه. وقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} فلو كان المشركون يعلمون هذا لما أشركوا وجادلوا عن الشرك، ولكنهم جهلة مغررون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- من أخص صفات الإِله أن يخلق ويرزق ويحيي ويميت فإن لم يكن كذلك فليس بإله. 2- وحدة النظام دالة على وحدة المنظم، ووحدة الوجود دالة على وحدة الموجد وهذا برهان التمانع الذي يقرر منطقياً وجود الله ووجوب عبادته وحده. 3- لا برهان على الشرك أبداً، ولا يصح في الذهن وجود دليل على صحة عبادة غير الله تعالى. 4- القرآن والتوراة وكل كتب الله متضافرة على تقرير توحيد الله تعالى. 5- تقرير توحيد الله تعالى وإبطال الشرك والتنديد بالمشركين.
د. أسعد حومد
تفسير : {آلِهَةً} (21) - يُنكِرُ اللهُ تَعَالى عَلَى الكَافِرِينَ عِبَادَتَهُم آلهةً مِن دُونِ اللهِ، فقالَ تَعَالى: إِنَّ هَذِه الآلِهَةَ التي جَعَلَهَا الظَّالِمُونَ آلهَةً وأَنْدَاداً للهِ، لا يَسْتَطِيعونَ شَيْئاً مِنْ خَلْقٍ وَنَشْرٍ وَحَشْرٍ، ورِزْقٍ للعبادِ، فَكَيْفَ جَعَلُوها أنْدَاداً للهِ وأمْثَالاً، وعَبَدُوها مَعَهُ، وهُوَ وَحْدَهُ الخَالِقُ الرازِقُ المُهَيْمِنُ؟ يُنْشِرُون - يُحْيونَ المَوْتَى ويُخْرِجُونَهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: فما لهم أعرضوا عن كل هذه الحقائق؟ ألهم آلهة غيري وأنا خالق السماء والأرض، وهي لي بمَنْ فيها من الإنس والجن والملائكة؟ فالجميع عَبْد لي يُسبِّح بحمدي، فما الذي أعجبهم في غيري فأعرضوا عني، وانصرفوا إليه؟ أهو أحسن مني، أو أقرب إليهم مني؟ كأن الحق - تبارك وتعالى - يستنكر انصرافهم عن الإله الحق الذي له كل هذا الملك، وله كل هذه الأيادي والنِّعَم. وقوله تعالى: {هُمْ يُنشِرُونَ} [الأنبياء: 21] أي: لهم قدرة على إحياء الموتى وبَعثْهم. وشيء من هذا كله لم يحدث؛ لأنه: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما بيَّن تعالى كمال اقتداره وعظمته، وخضوع كل شيء له، أنكر على المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة من الأرض، في غاية العجز وعدم القدرة { هُمْ يُنْشِرُونَ } استفهام بمعنى النفي، أي: لا يقدرون على نشرهم وحشرهم، يفسرها قوله تعالى: {أية : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا } {أية : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ. لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ } تفسير : فالمشرك يعبد المخلوق، الذي لا ينفع ولا يضر، ويدع الإخلاص لله، الذي له الكمال كله وبيده الأمر والنفع والضر، وهذا من عدم توفيقه، وسوء حظه، وتوفر جهله، وشدة ظلمه، فإنه لا يصلح الوجود، إلا على إله واحد، كما أنه لم يوجد، إلا برب واحد. ولهذا قال: { لَوْ كَانَ فِيهِمَا } أي: في السماوات والأرض { آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } في ذاتهما، وفسد من فيهما من المخلوقات. وبيان ذلك: أن العالم العلوي والسفلي، على ما يرى، في أكمل ما يكون من الصلاح والانتظام، الذي ما فيه خلل ولا عيب، ولا ممانعة، ولا معارضة، فدل ذلك، على أن مدبره واحد، وربه واحد، وإلهه واحد، فلو كان له مدبران وربان أو أكثر من ذلك، لاختل نظامه، وتقوضت أركانه فإنهما يتمانعان ويتعارضان، وإذا أراد أحدهما تدبير شيء، وأراد الآخر عدمه، فإنه محال وجود مرادهما معا، ووجود مراد أحدهما دون الآخر، يدل على عجز الآخر، وعدم اقتداره واتفاقهما على مراد واحد في جميع الأمور، غير ممكن، فإذًا يتعين أن القاهر الذي يوجد مراده وحده، من غير ممانع ولا مدافع، هو الله الواحد القهار، ولهذا ذكر الله دليل التمانع في قوله: {أية : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ }. تفسير : ومنه - على أحد التأويلين - قوله تعالى: {أية : قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا } تفسير : ولهذا قال هنا: { فَسُبْحَانَ اللَّهِ } أي: تنزه وتقدس عن كل نقص لكماله وحده، { رَبُّ الْعَرْشِ } الذي هو سقف المخلوقات وأوسعها، وأعظمها، فربوبية ما دونه من باب أولى، { عَمَّا يَصِفُونَ } أي: الجاحدون الكافرون، من اتخاذ الولد والصاحبة، وأن يكون له شريك بوجه من الوجوه. { لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } لعظمته وعزته، وكمال قدرته، لا يقدر أحد أن يمانعه أو يعارضه، لا بقول، ولا بفعل، ولكمال حكمته ووضعه الأشياء مواضعها، وإتقانها، أحسن كل شيء يقدره العقل، فلا يتوجه إليه سؤال، لأن خلقه ليس فيه خلل ولا إخلال. { وَهُمْ } أي: المخلوقين كلهم { يُسْأَلُونَ } عن أفعالهم وأقوالهم، لعجزهم وفقرهم، ولكونهم عبيدا، قد استحقت أفعالهم وحركاتهم فليس لهم من التصرف والتدبير في أنفسهم، ولا في غيرهم، مثقال ذرة. ثم رجع إلى تهجين حال المشركين، وأنهم اتخذوا من دونه آلهة فقل لهم موبخا ومقرعا: { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } أي: حجتكم ودليلكم على صحة ما ذهبتم إليه، ولن يجدوا لذلك سبيلا بل قد قامت الأدلة القطعية على بطلانه، ولهذا قال: { هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي } أي: قد اتفقت الكتب والشرائع على صحة ما قلت لكم، من إبطال الشرك، فهذا كتاب الله الذي فيه ذكر كل شيء، بأدلته العقلية والنقلية، وهذه الكتب السابقة كلها، براهين وأدلة لما قلت. ولما علم أنهم قامت عليهم الحجة والبرهان على بطلان ما ذهبوا إليه، علم أنه لا برهان لهم، لأن البرهان القاطع، يجزم أنه لا معارض له، وإلا لم يكن قطعيا، وإن وجد في معارضات، فإنها شبه لا تغني من الحق شيئا. وقوله: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ } أي: وإنما أقاموا على ما هم عليه، تقليدا لأسلافهم يجادلون بغير علم ولا هدى، وليس عدم علمهم بالحق لخفائه وغموضه، وإنما ذلك، لإعراضهم عنه، وإلا فلو التفتوا إليه أدنى التفات، لتبين لهم الحق من الباطل تبينا واضحا جليا ولهذا قال: { فَهُمْ مُعْرِضُونَ }. ولما حول تعالى على ذكر المتقدمين، وأمر بالرجوع إليهم في بيان هذه المسألة، بيَّنها أتم تبيين في قوله: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ } فكل الرسل الذين من قبلك مع كتبهم، زبدة رسالتهم وأصلها، الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبيان أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):