Verse. 2505 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

لَوْ كَانَ فِيْہِمَاۗ اٰلِہَۃٌ اِلَّا اللہُ لَفَسَدَتَا۝۰ۚ فَسُبْحٰنَ اللہِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُوْنَ۝۲۲
Law kana feehima alihatun illa Allahu lafasadata fasubhana Allahi rabbi alAAarshi AAamma yasifoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لو كان فيهما» أي السماوات والأرض «آلهة إلا الله» أي غيره «لفسدتا» أي خرجتا عن نظامهما المشاهد، لوجود التمانع بينهم على وفق العادة عند تعدد الحاكم من التمانع في الشيء وعدم الاتفاق عليه «فسبحان» تنزيه «الله رب» خالق «العرش» الكرسي «عما يصفون» الكفار الله به من الشريك له وغيره.

22

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} أي لو كان في السموات والأرضين آلهة غير الله معبودون لفسدتا. قال الكسائي وسيبويه: «إلاّ» بمعنى غير فلما جعلت إلا في موضع غير أعرب اسم الذي بعدها بإعراب غير، كما قال:شعر : وكلُّ أخٍ مفارقُه أخوهُ لَعَمْرُ أبيكَ إلاّ الْفَرْقَدَان تفسير : وحكى سيبويه: لو كان معنا رجل إلا زيد لهلكنا. وقال الفراء: «إلا» هنا في موضع سوى، والمعنى: لو كان فيهما آلهة سوى الله لفسد أهلها. وقال غيره: أي لو كان فيهما إلهان لفسد التدبير؛ لأن أحدهما إن أراد شيئاً والآخر ضده كان أحدهما عاجزاً. وقيل: معنى «لَفَسَدَتَا» أي خربتا وهلك من فيهما بوقوع التنازع بالاختلاف الواقع بين الشركاء. {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} نَزّه نفسه وأمر العباد أن ينزهوه عن أن يكون له شريك أو ولد. قوله تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } قاصمة للقدرية وغيرهم. قال ابن جريج: المعنى لا يسأله الخلق عن قضائه في خلقه وهو يسأل الخلق عن عملهم؛ لأنهم عبيد. بيّن بهذا أن من يسأل غداً عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح للإلهية. وقيل: لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون. وروي عن علي رضي الله عنه أن رجلاً قال له: يا أمير المؤمنين: أيحب ربنا أن يعصى؟ قال: أفيعصى ربنا قهراً؟ قال: أرأيت إن منعني الهدى ومنحني الردى أأحسن إلي أم أساء؟ قال: إن منعك حقك فقد أساء، وإن منعك فضله فهو فضله يؤتيه من يشاء. ثم تلا الآية {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ }. وعن ابن عباس قال: لما بعث الله عز وجل موسى وكلمه، وأنزل عليه التوراة، قال: اللهم إنك رب عظيم، لو شئت أن تطاع لأُطِعت، ولو شئت ألا تُعصى ما عُصيت، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تُعصى فكيف هذا يا رب؟ فأوحى الله إليه: إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. قوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً} أعاد التعجب في اتخاذ الآلهة من دون الله مبالغة في التوبيخ؛ أي صفتهم كما تقدم في الإنشاء والإحياء، فتكون «أم» بمعنى هل على ما تقدم، فليأتوا بالبرهان على ذلك. وقيل: الأول احتجاج من حيث المعقول؛ لأنه قال: «هُمْ يُنْشِرُونَ» ويحيون الموتى؛ هيهات! والثاني احتجاج بالمنقول، أي هاتوا برهانكم من هذه الجهة، ففي أي كتاب نزل هذا؟! في القرآن، أم في الكتب المنزلة على سائر الأنبياء؟! {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ} بإخلاص التوحيد في القرآن {وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} في التوراة والإنجيل، وما أنزل الله من الكتب؛ فانظروا هل في كتاب من هذه الكتب أن الله أمر باتخاذ آلهة سواه؟ فالشرائع لم تختلف فيما يتعلق بالتوحيد، وإنما اختلفت في الأوامر والنواهي. وقال قتادة: الإشارة إلى القرآن؛ المعنى: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ} بما يلزمهم من الحلال والحرام {وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} من الأمم ممن نجا بالإيمان وهلك بالشرك. وقيل: {ذِكْرُ مَن مَّعِيَ} بما لهم من الثواب على الإيمان والعقاب على الكفر {وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} من الأمم السالفة فيما يفعل بهم في الدنيا، وما يفعل بهم في الآخرة. وقيل: معنى الكلام الوعيد والتهديد، أي افعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء. وحكى أبو حاتم: أن يحيـى بن يعمر وطلحة بن مُصرِّف قرأا «هذا ذِكْرٌ مِنْ معِي وذِكْرٌ مِنْ قَبْلِي» بالتنوين وكسر الميم، وزعم أنه لا وجه لهذا. وقال أبو إسحاق الزجاج في هذه القراءة: المعنى؛ هذا ذكرٌ مما أنزل إليّ ومما هو معي وذكرٌ مِن قبلي. وقيل: ذكرٌ كائن مِن قبلي، أي جئت بما جاءت به الأنبياء من قبلي. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ} وقرأ ابن مُحيصن والحسن «الْحَقُّ» بالرفع بمعنى هو الحقُّ وهذا هو الحقُّ. وعلى هذا يوقف على «لا يعلمون» ولا يوقف عليه على قراءة النصب {فَهُمْ مُّعْرِضُونَ} أي عن الحق وهو القرآن، فلا يتأملون حجة التوحيد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَوْ كَانَ فِيهِمآ } أي السموات والأرض {ءَالِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ } أي غيره {لَفَسَدَتَا } أي خرجتا عن نظامهما المشاهَد، لوجود التمانع بينهم على وفق العادة عند تعدّد الحاكم من التمانع في الشيء وعدم الاتفاق عليه {فَسُبْحَٰنَ } تنزيه {ٱللَّهِ رَبِّ } خالق {ٱلْعَرْشِ } الكرسي {عَمَّا يَصِفُونَ } أي الكفارُ اللّهَ به من الشريك له وغيره.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِلا اللَّهُ} سوى الله، أو "إلا" بمعنى الواو {لَفَسَدَتَا} هلكتا بالفساد.

النسفي

تفسير : {لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ } أي غير الله وصفت الهة بـــــ «إلا» كما وصفت بـــــ «غير» لو قيل الهة غير الله، ولا يجوز رفعه على البدل لأن «لو» بمنزلة «إن» في أن الكلام معه موجب والبدل لا يسوغ إلا في الكلام غير الموجب كقوله تعالى {أية : وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ }تفسير : [هود: 81] ولا يجوز نصبه استثناء لأن الجمع إذا كان منكراً لا يجوز أن يستثنى منه عند المحققين لأنه لا عموم له بحيث يدخل فيه المستثنى لولا الاستثناء، والمعنى لو كان يدبر أمر السماوات والأرض آلهة شتى غير الواحد الذي هو فاطرهما {لَفَسَدَتَا } لخربتا لوجود التمانع وقد قررناه في أصول الكلام. ثم نزه ذاته فقال {فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } من الولد والشريك. {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } لأنه المالك على الحقيقة، ولو اعترض على السلطان بعض عبيده مع وجود التجانس وجواز الخطأ عليه وعدم الملك الحقيقي لاستقبح ذلك وعد سفهاً، فمن هو مالك الملوك ورب الأرباب وفعله صواب كله أولى بأن لا يعترض عليه {وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } لأنهم مملوكون خطاؤون فما أخلقهم بأن يقال لهم لم فعلتم في كل شيء فعلوه. وقيل: وهم يسئلون يرجع إلى المسيح والملائكة أي هم مسئولون فكيف يكونون آلهة والألوهية تنافي الجنسية والمسئولية {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً } الإعادة لزيادة الإفادة فالأول للإنكار من حيث العقل، والثاني من حيث النقل أي وصفتم الله تعالى بأن يكون له شريك فقيل لمحمد {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ } حجتكم على ذلك وذا عقلي وهو يأباه كما مر، أو نقلي وهو الوحي وهو أيضاً يأباه فإنكم لا تجدون كتاباً من الكتب السماوية إلا وفيه توحيده وتنزيهه عن الأنداد {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ } يعني أمته {وَذِكْرُ مَن قَبْلِى } يعني أمم الأنبياء من قبلي وهو وارد في توحيد الله ونفي الشركاء عنه. {معي} حفص. فلما لم يمتنعوا عن كفرهم أضرب عنهم فقال {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ } أي القرآن وهو نصب بـــــ {يعلمون} وقرىء {الحق} أي هو الحق {فَهُمُ } لأجل ذلك {مُّعْرِضُونَ } عن النظر فيما يجب عليهم.

ابن عادل

تفسير : قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} وإلا هنا صفة للنكرة قبلها بمعنى "غير"، والإعراب فيها متعذر فجعل على ما بعدها. وللوصف بها شروط منها: تنكير الموصوف، أو قربه من النكرة بأن يكون معرفاً بـ (أل) الجنسية. ومنها أن يكون جمعاً صريحاً كالآية أو ما في قوة الجمع كقوله: شعر : 3707- لَوْ كَانَ غَيْرِي سُلَيْمَى الدَّهْرَ غَيَّرهُ وَقْعُ الحَوَادِثِ إِلا الصَّارِمُ الذَّكَرُ تفسير : فـ (إلا الصارم) صفة لـ "غيري"، لأنه في معنى الجمع. ومنها: أن لا يحذف موصوفها عكس (غير)، وأنشد سيبويه على ذلك قوله: شعر : 3708- وَكلُّ أَخٍ مَفارِقُهُ أَخُوهُ لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدَانِ تفسير : أي: وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه. وقد وقع الوصف بـ "إلا" كما وقع الاستثناء بـ "غير"، والأصل في "إلا" الاستثناء وفي "غير" الصفة. ومن مُلَح الكلام الزمخشري: واعلم أن (إلا) و (غير) يتقارضان. ولا يجوز أن يرتفع الجلالة على البدل من "آلهة" لفساد المعنى. قال الزمخشري: فإن قلت: ما منعك من الرفع على البدل. قلت لأن "لو" بمنزلة "إن" في أن الكلام معها موجب، والبدل لا يسوغ إلا في الكلام غير الموجب كقوله تعالى {أية : وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ} تفسير : [هود: 81] وذلك لأن أعم العام يصح نفيه ولا يصح إيجابه. فجعل المانع صناعياً مستنداً إلى ما ذكر من عدم صحّة إيجاب أعم العام. وأحسن من هذا ما ذكره أبو البقاء من جهة المعنى قال: ولا يجوز أن يكون بدلاً، لأن المعنى يصير إلى قولك: لَوْ كَانَ فِيهِمَا الله لفسدتا ألا ترى أنك لو قلت: ما جاءني قومك إلا زيد على البدل لكان المعنى: جاءني زيد وحده. ثم ذكر الوجه الذي رد به الزمخشري فقال: وقيل يمتنع البدل، لأن قبلها إيجاباً. ومنع أبو البقاء النصب على الاستثناء لوجهين: أحدهما: أنه فاسد في المعنى، وذلك أنك إذا قلت: لو جاءني القوم إلا زيداً لقتلتهم، كان معناه أن القتل امتنع لكون زيد مع القوم، ولو نصبت في الآية لكان المعنى: أن فساد السموات والأرض امتنع لوجود الله تعالى مع الآلهة، وفي ذلك إثبات إله مع الله. وإذا رفعت على الوصف لا يلزم مثل ذلك، لأن المعنى لو كان فيهما غير الله لفسدتا. والوجه الثاني: أن "آلهة" هنا نكرة، والجمع إذا كان نكرة لم يستثن منه عند جماعة من المحققين، إذ لا عموم له بحيث يدخل فيه المستثنى لولا الاستثناء. وهذا الوجه الذي معناه، أعني الزمخشري وأبا البقاء، قد أجاز المبرد وغيره أما المبرد فإنه قال: جاز البدل، لأن ما بعد "لو" غير موجب في المعنى والبدل في غير الموجب أحسن من الوصف. وفي هذا نظر من جهة ما ذكره أبو البقاء من فساد المعنى: وقال ابن الضائع تابعاً للمبرد: لا يصح المعنى عندي إلا أن تكون "إلا" في معنى (غير) التي يراد بها البدل، أي: لو كان فيهما آلهة عوض واحد، أي: بدل الواحد الذي هو الله لفسدتا، وهذا المعنى أراد سيبويه في المسألة التي جاء بها توطئة. وقال الشلوبين في مسألة سيبويه: "لو كان معنا رَجُلٌ إلاَّ زَيْدٌ لَغُلِبْنَا" إن المعنى: لَوْ كَانَ مَعَنَا رَجُلٌ مكان زيد لغلبنا، فـ (إلا) بمعنى (غير) التي بمعنى مكان. وهذا أيضاً جنوح من أبي علي إلى البدل. وما ذكره ابن الضائع من المعنى المتقدم مسوغ للبدل، وهو جواب عما أفسد به أبو البقاء وجه البدل إذ معناه واضح، ولكنه قريب من تفسير المعنى لا من تفسير الإعراب. فصل المعنى لو كان يتولاهما، ويدبر أمرهما شيء غير الواحد الذي فطرهما لفسدتا ولا يجوز أن تكون "إلا" بمعنى الاستثناء، لأنها لو كانت استثناء لكان المعنى: لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله لفسدتا، وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله أن لا يحصل الفساد، وذلك باطل، لأنه لو كان فيهما آلهة فسواء كان الله معهم، أو لم يكن الله معهم فالفساد لازم. ولما بطل حمله على الاستثناء ثبت ما ذكرنا. وهو أن المعنى: لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله لفسدتا، أي لخربتا، وهلك من فيهما بوجود التمانع من الآلهة، لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لم يجر على النظام. ويدل العقل على ذلك من وجوه: الأول: أنا لو قدرنا إلهين لكان أحدهما إذا انفرد صح منه تحريك الجسم وإذا انفرد الثاني صح منه تسكينه، فإذا اجتمعا وجب أن يبقيا على ما كان عليه حال الانفراد، فعند الاجتماع يصح أن يحاول أحدهما التحريك والآخر التسكين فإما أن يحصل المرادان، وهو محال، وإما أن يمتنعا وهو أيضاً محال، لأنه يكون كل واحد منهما عاجزاً، وأيضاً المانع من تحصيل مراد كل واحد منهما مراد الآخر، والمعلول لا يحصل إلا مع علته، فلو امتنع المرادان لحصلا، وذلك محال وإما أن يمتنع أحدهما دون الثاني، وذلك أيضاً محال، لأن الممنوع يكون عاجزاً، والعاجز لا يكون إلهاً، ولأنه لما كان كل واحد منهما مستقلاً بالإيجاد لم يكن عجز أحدهما أولى من عجز الآخر، فثبت أن القول بوجود إلهين يوجب هذه الأقسام الفاسدة فكان القول به باطلاً. الوجه الثاني: أن الإله يجب أن يكون قادراً على جميع الممكنات، فلو فرضنا الإلهين لكان كل واحد منهما قادراً على جميع الممكنات، فإذا أراد كل واحد منهما تحريك جسم فتلك الحركة إما أن تقع بهما معاً ولا تقع بواحد منهما أو تقع بواحد منهما أو تقع بأحدهما دون الثاني، والأول محال، لأن الأثر مع المؤثر المستقل واجب الحصول، ووجوب حصوله به يمنع من استناده إلى الثاني، فلو اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان يلزم أن يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجاً إليهما، وغنيًّا عنهما وهو محال، وإما أن لا يقع بواحد منهما ألبتة، فهذا يقتضي كونهما عاجزين، وأيضاً فامتناع وقوعه بهذا إنما يكون لأجل وقوعه بذاك وبالضد، فلو امتنع وقوعه بهما لوقع بهما معاً وهو محال، وإما أن يقع بأحدهما دون الثاني فهو باطل، لأن وقوعه بهذا يلزم فيه رجحان أحد الإلهين على الآخر من غير مرجح، وهو محال. الوجه الثالث: لو قدرنا إلهين فإما أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا على الشيء الواحد فذلك الواحد مقدور لهما ومراد لهما فيلزم وقوعه بهما وهو محال، وإن اختلفا فإما أن يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما، أو يقع أحدهما دون الآخر والكل محال، فثبت أن الفساد لازم على كل التقديرات. وذكروا وجوهاً أخر عقلية وفي هذا كفاية. ثم إنه تعالى نزه نفسه فقال: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} أي: عما يصفه به المشركون من الشرك والولد. فإن قيل: أي فائدة لقوله تعالى: {رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}. فالجواب: أن هذه المناظرة وقعت مع عبدة الأصنام، وهي أنه كيف يجوز للعاقل أن يجعل الجماد الذي لا يعقل ولا يحس شريكاً في الإلهية لخالق العرش العظيم وموجد السموات والأرضين. قوله: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} اعلم أن أهل السنة استدلوا على أنه تعالى لا يسأل عما يفعل بأمور: أحدها: أنه لو كان كل شيء معللاً بعلة كانت تلك العلة معللة بعلة أخرى ولزم التسلسل، فلا بد في قطع التسلسل من الانتهاء إلى ما يكون غنياً عن العلة، وأولى الأشياء بذلك ذات الله تعالى، وصفاته مبرأة من الافتقار إلى المبدع المخصص، فكذا فاعليته يجب أن يجب أن تكون مقدسة عن الاستناد إلى الموجب والمؤثر. وثانيها: أن فاعليته لو كانت معللة بعلة لكانت تلك العلة إما أن تكون واجبة ممكنة، فإن كانت واجبة لزم من وجوبها وجوب كونها فاعلاً، وحينئذ يكون موجباً بالذات لا فاعلاً باختيار. وإن كانت ممكنة كانت تلك العلة فعلاً لله تعالى فتفتقر فاعليته لتلك العلة إلى علة أخرى ولزم التسلسل وهو محال. وثالثها: أن علة فاعلية الله تعالى للعالم إن كانت قديمة لزم أن تكون فاعليته للعالم قديمة، فيلزم قدم العالم وإن كانت محدثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل. ورابعها: أنه إن فعل فعلاً لغرض فإما أن يكون متمكناً من تحصيل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة، أو لا يكون متمكناً منه. فإن كان متمكناً منه كان توسط تلك الواسطة عبثاً. وإن لم يكن متمكناً منه كان عاجزاً، والعجز على الله تعالى محال، وأما العجز علينا فغير ممتنع، فلذلك كانت أفعالنا معللة بالأغراض وذلك في حق الله تعالى محال. وخامسها: لو كان فعلاً معللاً بغرض لكان ذلك الغرض إما أن يكون عائداً إلى الله تعالى أو إلى العباد، والأول محال، لأنه منزه عن النفع والضر، وإذا بطل ذلك تعين أن الغرض لا بد وأن يكون عائداً إلى العباد، ولا غرض للعباد إلا حصول اللذة وعدم حصول الآلام، والله تعالى قادر على تحصيلها ابتداء من غير واسطة، وإذا كان كذلك استحال أن يفعل شيئاً لأجل شيء. وسادسها: أن الموجودات ملكه، ومن تصرف في ملك نفسه لا يقال له: لم فعلت ذلك؟ وسابعها: أن من قال لغيره: لم فعلت ذلك؟ فهذا السؤال إنما يحسن حيث يكون للسائل على المسؤول حكم على فعله، وذلك في حق الله تعالى محال، فإنه لو فعل أي فعل شاء فالعبد كيف يمنعه عن ذلك بأن يهدده بالعقاب؟ فذلك على الله محال، وإن هدده باستحقاق الذم والخروج عن الحكمة والاتصاف بالسفاهة على ما يقوله المعتزلة فذلك أيضاً محال، لأنه مستحق للمدح والاتصاف بصفات الحكمة والجلال. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز أن يقال لله في أفعاله: لم فعلت؟ وأنّ كل شيء صنعه لا علة لصنعه. وأما المعتزلة فإنهم سلموا أنه يجوز أن يقال: الله عالم بقبح القبيح، وعالم بكونه غنياً عنها، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح، ومن كان كذلك فإنه يستحسل أن يفعل القبيح، وإذا عرفنا ذلك عرفنا أن كل ما يفعله الله فهو حكمة وصواب، وإذا كان كذلك لم يجز للعبد أن يقول لله: لم فعلت هذا؟ ثم قال تعالى: "وهُمْ يُسْأَلُونَ" وهذا يدل على كون المكلفين مسؤولين عن أفعالهم. واعلم أن منكري التكليف احتجوا على قولهم بوجوه: أحدها: قالوا: التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك، أو حال رجحان أحدهما على الآخر، والأول محال، لأن حال الاستواء يمنع الترجيح، وحال امتناع الترجيح يكون تكليفاً بالمحال. والثاني محال، لأن حال الرجحان يكون الراجح واجب الوقوع، وإيقاع ما هو ممتنع الوقوع تكليف ما لا يطاق. وثانيها: قالوا: كل ما علم الله وقوعه فهو واجب، فيكون التكليف به عبثاً، وكل ما علم الله عدمه كان ممتنع الوقوع، فيكون التكليف به تكليفاً لا يطاق. وثالثها: قالوا: سؤال العبد إما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة، فإن كان لفائدة فإن عادت إلى العبد فهو محال، لأن سؤاله لما كان سبباً للعقاب لم يكن نفعاً عائداً إلى العبد بل ضرر عائد إليه. وإن لم يكن في سؤاله فائدة كان عبثاً، وهو غير جائز على الحكيم، بل كان إضراراً وهو غير جائز على الرحيم. والجواب من وجهين: الأول: أن غرضكم من إيراد هذه الشبه النافية للتكليف أن تلزمونا نفي التكليف فكأنكم كلفتمونا بنفي التكليف، وهذا متناقض. والثاني: أن مدار كلامكم في هذه الشبهات على حرف واحد، وهو أن التكاليف كلها تكليف (بما لا يطاق) فلا يجوز من الحكيم أن يوجهها على العباد، فيرجح حاصل هذه الشبهات إلى أنه يقال لله تعالى: لِمَ كلفت عبادك، إلا أنَّا قد بيَّنا أنه سبحانه {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ}، فظهر بهذا أن قوله: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} أصل لقوله: {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} فتأمل هذه الدقائق العجيبة لتقف على طرف من أسرار علم القرآن. فإن قيل: {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} متأكد بقوله: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الحجر: 92] وبقوله: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} تفسير : [الصافات: 24] إلا أَنَّهُ يناقضه قوله: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 39]. فالجواب: أن يوم القيامة طويل وفيه مقامات، فيصرف كل واحد من السلب والإيجاب إلى مقام دفعاً للتناقض. فصل قالت المعتزلة: (فيه وجوه: أحدها): أنه تعالى لو كان هو الخالق للحسن والقبيح لوجب أن يسأل عما يفعل، بل كان يذم بما من حقه الذم، كما يحمد بما من حقه الحمد. وثانيها: أنه يجب أن يسأل عن المأمور به إذ لا فاعل سواء. وثالثها: أنه لا يجوز أن يسألوا عن عملهم إذ لا عمل لهم. ورابعها: أن عملهم لا يمكنهم أن يعدلوا عنه من حيث إنه خلقه وأوجده فيهم. وخامسها: أنه تعالى صرح في كثير من المواضع أنه يقبل حجة العباد لقوله: {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [النساء: 165]. وهذا يقتضى أن لهم عليه حجة قبل بعثة الرسل، وقال: {أية : وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} تفسير : [طه: 134] ونظائر هذه الآيات كثيرة، وكلها تدل على أن حجة العبد متوجهة على الله تعالى. والجواب هو المعارضة بمسألة الداعي ومسألة العلم ثم بالوجوه المتقدمة التي بينا فيها أنه يستحيل طلب عِلِّيَّة أفعال الله تعالى. فصل في تعلق هذه الآية بما قبلها، وهو أن كل من أثبت لله تعالى شريكاً ليس عمدته إلا طلب اللمية في أفعال الله تعالى، وذلك لأن الثنوية والمجوس وهم الذين أثبتوا الشريك لله تعالى، قالوا: رأينا في العالم خيراً وشراً، ولذة وألماً، وحياة وموتاً، وصحة وسقماً، وغنى وفقراً، وفاعل خير وفاعل شر، ويستحيل أن يكون الفاعل الواحد خيراً وشرّيراً معاً، فلا بد من فاعلين ليكون أحدهما فاعلاً (للخير والآخر للشر)، فرجع حاصل هذه القسمة إلى أن مدبر العالم لو كان واحداً فلم خصَّ هذا بالحياة والصحة والغنى، وخصَّ هذا بالموت والألم والفقر. فيرجع حاصلة إلى طلب اللمية. لا جرم أنه تعالى بعد أن ذكر الدليل على التوحيد ذكر ما هو النكتة الأصلية في الجواب عن شبهة القائلين بالشريك، لأن الترتيب الجيد في المناظرة أن يبتدأ بذكر الدليل المثبت للمطلوب، ثم يذكر بعده الجواب عن شبهة الخصم. قوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً} استعظام لكفرهم، وهو استفهام إنكار وتوبيخ. {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} إما من جهة العقل وإما من جهة النقل، واعلم أنه تعالى لما ذكر دليل التوحيد أولاً، وقرر الأصل الذي عليه تخرج شبهات القائلين بالتثنية أخذ يطالبهم بدليل شبهتهم. قوله: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ} العامة على إضافة "ذِكْرُ" إلى "مَن" أضاف المصدر إلى مفعوله كقوله تعالى "بِسُؤال نَعْجَتِك" [ص:42]. وقرىء "ذِكْرٌ" بالتنوين فيهما و "مَن" مفتوحة الميم. نوّن المصدر ونصب به المفعول (كقوله تعالى) {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً} تفسير : [البلد: 14، 15]. وقرأ يحيى بن يعمر "ذِكْرٌ" بتنوينهما و "مِن" بكسر الميم، وفيه تأويلان: أحدهما: أن ثم موصوفاً محذوفاً قامت صفته وهي الظرف مقامه، والتقدير: هذا ذكر من كتاب معي ومن كتاب قبلي. والثاني: أن "مَعِيَ" بمعنى عندي. ودخول "من" على "مع" في الجملة نادر، لأنها ظرف لا يتصرف. وقد ضعف أبو حاتم هذه القراءة، ولم ير لدخول "من" على "مع" وجهاً. ووجهه بعضهم بأنه اسم هو ظرف نحو (قبل وبعد) فكما تدخل (من) على أخواته كذلك تدخل عليه. وقرأ طلحة: "ذِكْرٌ مَعِي وذِكْرٌ قَبْلِي" بتنوينهما دون (من) فيهما. وقرأ طائفة "ذِكْرُ مَنْ" بالإضافة لـ "من" كالعامة {وَذِكْرُ مِن قَبْلِي} بتنوينه وكسر ميم "من" ووجهها واضح مما تقدم. فصل قال ابن عباس "هذا ذكر من معي" أي: هو الكتاب المنزل على من معي، "وهذا ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي" أي: الكتاب الذي نزل على من تقدمني من الأنبياء وهذه التوراة والإنجيل والزبور والصحف. وليس في شيء منها أني أذنت بأن تتخذوا إلهاً من دوني بل ليس فيها إلا أنني أنا الله لا إله إلا أنا كما قال بعد هذا: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ}. وهذا اختيار القفال والزجاجا. وقال سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي: معناه: القرآن ذكر من معي فيه خبر من معي على ديني، ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وذكر خبر من قبلي من الأمم السالفة ما فعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة. وقال القفال: المعنى: قل لهم: هذا الكتاب الذي جئتكم به قد اشتمل على أحوال من معي من المخالفين والموافقين، وعلى بيان أحوال من قبلي من المخالفين والموافقين، فاختاروا لأنفسكم، فكأن الغرض منه التهديد. ثم قال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ} لما طالبهم بالدلالة على ما ادعوه، وبين أنه لا دليل لهم البتة لا من جهة العقل ولا من جهة السمع، ذكر بعده أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه بل لأن عندهم أصل الشر والفساد وهو عدم العلم والإعراض عن استماع الحق. العامة على نصب "الحَقَّ" وفيه وجهان: أظهرهما: أنه مفعول به بالفعل قبله. والثاني: أنه مصدر مؤكد. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون المنصوب أيضاً على التوكيد لمضمون الجملة السابقة كما تقول: هذا عبد الله الحق لا الباطل فأكد انتقاء العلم. وقرأ الحسن وابن محيصن وحميد برفع "الحَقُّ" وفيه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ والخبر مضمر. والثاني: أنه خبر لمبتدأ مضمر. قال الزمخشري: وقرىء "الحَقُّ" بالرفع على توسط التوكيد بين السبب والمسبب والمعنى أن إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل. قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ} الآية. اعلم أن هذه الآية مقررة لما سبقها من آيات التوحيد. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم "نُوحِي" بالنون وكسر الحاء على التعظيم لقوله: "أَرْسَلْنَا" وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء على الفعل المجهول.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الآية: 22]. قال السيارى: حثك فى هذه الآية على الرجوع إليه، والاعتماد عليه، وقطع العلائق والأسباب عن قلبك.

القشيري

تفسير : أخبر أَنَّ كلَّ أمر يُنَاطُ بجماعةٍ لا يجري على النظام؛ إذ ينشأ بينهم النزاعُ والخلافُ. ولمَّا كانت أمورُ العالَم في الترتيب مُنَسَّقَة فقد دلَّ ذلك على أنها حاصلةٌ بتقديرِ مُدَبِّرٍ حكيم؛ فالسماءُ في علوِّها تدور على النظام أفلاكُها، وليس لها عُمُدٌ لإمساكها، والأرضُ مستقرةٌ بأقطارها على ترتيب تعاقب ليلها ونهارها. والشمسُ لتقديرِ العزيزِ العليمِ علامةٌ، وعلى وحدانيته دلالةٌ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} فيه اشارة الى افراد القدم عن الحدوث وتنزيه الازلية والابدية عن العلة كانه دعا العارفين الى رؤية الفردانية بنعت الانفراد عن الحدثان قال السارى حثك فى هذه الأية على الرجوع اليه والاعتماد عليه وقطع العلائق والانساب عن قلبك.

اسماعيل حقي

تفسير : {لو كان فيهما آلهة الا الله} تنزيه لنفسه عن الشريك بالنظر العقلى والا بمعنى غير على انها صفة آلهة اى لو كان فى السموات والارض آلهة غير الله كما هو اعتقادهم الباطل سواء كان الله معهم او لم يكن. قال فى الاسئلة المقحمة كيف قال لو كان فيها فجعل السماوات ظرفا وهو تحديد والجواب لم يرد به معنى الظرف وانما هو كقوله {أية : وهو الذى فى السماء اله وفى الارض اله}تفسير : {لفسدتا} الفساد خروج الشئ عن الاعتدال قليلا كان الخروج عنه ام كثيرا ويضاده الصلاح ويستعمل ذلك فى النفس والبدن والاشياء الخارجة عن الاستقامة اى لخرجتا عن هذا النظام المشاهد لان كل امر بين الاثنين لا يجرى على نظام واحد والرعية تفسد بتدبير الملكين وحيث انتفى التالى تعين انتفاء المقدم. قال فى التأويلات النجمية ان هذه الآلهة لا تخلو اما ان يكون كلهم متساويا فى الالوهية وكمال القدرة او بعضهم كامل وبعضهم ناقص واما ان يكون كلهم ناقصا يحتاج بعضهم الى بعض فى الآلهية واما كمالية بعضهم وناقصية بعضهم فهو يقتضى استغناء الكامل عن الناقص فالناقص لا يصلح للالهية. واما الناقصون الذين يحتاجون الى اعانة بعضهم لبعض فلا يصلحون للآلهية لانهم محتاجون الى مكمل واحد مستغن عما سواه وهو الله الواحد الاحد الصمد الغنى عما سواه وما سواه محتاج اليه ولو كان فيهما آلهة غيره لفسدتا لعدم مدبر كامل فى الآلهية ولعجز آلهة اخرى فى المدبرية شعر : دردوجهان قادر ويكتا تويى جمله ضعيفند وتوانا تويى جون قدمت بانك برابلق زند جزتوكه يارو كه انا الحق زند تفسير : {فسبحان الله رب العرش عما يصفون} اى نزهوه تنزيها عما يصفونه به من اتخاذ الشريك والصاحبة والولد لان ذلك من صفات الاجسام ولو كان الله جسما لم يقدر على خلق العالم وتدبير امره ولم يكن مبدأ له على ان الجسم مركب ومتحيز وذلك من امارات الحدوث وجواز الوجود وواجب الوجود متعال عن ذلك. قال فى التأويلات النجمية نزه الله نفسه عن العجز والاحتياج لغيره فى الآلهية واثبت انه خالق العرش الذى هو مصدر فيض الرحمانية الى المكونات لنفى الآلهية عن غيره منزها عما يصفون باحتياجه الى العرش او بآلهة اخرى فى الآلهية: وفى المثنوى شعر : واحد اندر ملك او را يارنى بندكانش را جزاو سالارنى نيست خلقش را دكر كس مالكى شركتش دعوى كندجزهالكى تفسير : قال بعض الكبار افترى العادلون عن الله الى غيره كالطبائعين القائلين بان جميع التأثيرات الواقعة انما هى من مقتضيات الطبيعة كديمقراطيس واتباعه والسوفسطائيين المنكرين لجمع الموجودات حتى انفسهم وانكارهم واما الثنوية اعنى القائلين بالهين اثنين احدهما مصدر للخيرات والآخر مصدر للشرور فانهم قد لعنوا على لسان اهل الاشراف الكشفى والبرهانى ليس لجسد قلبان ولا لبدن نفسان ولا للسماء شمسان شهد الاخبار بواحد وهو منتهى الاعيان لو حصل شمسان لانطمست الاركان ابى النظام شمسا اخرى فكيف لا يأبى الها آخر ان كان للقيوم شريك فاين شمسه لانها اكمل النيرات فخالقها اكمل ممن لم يخلق مثلها ومن غير اكمل منه لا يكون واجبا لذاته لان الوجوب الذاتى من خصائص الكمال التام فحيث لم نجدهما اخرى عرفنا انه ليس فى الوجود اله آخر شعر : يشهد الله اينما يبدو انه لا اله الا هو تفسير : قال بعض ارباب الحقائق لو كان فى سماء الروحانية وارض البشرية مدبرات مثل العقل فى سماء الروحانية وفى الهوى ارض البشرية غير هداية الله تعالى بواسطة الانبياء والشرائع لفسدتا كما فسدت بتدبير العقل والهوى سماء الروحانية الفلاسفة والطبائعية والدهرية والاباحية والملاحدة وارض بشريتهم فاما فساد سماء ارواحهم فبأن زلت قدمهم عن جادة التوحيد وصراط الوحدانية حتى انبتوا لله الواحد القديم شريكا قديما وهو العالم فلم يقبلوا دعوة الانبياء ولم يهتدوا بهداية الحق: وفى المثنوى شعر : اى ببرده عقل هديه تاله عقل آنجا كمترست ازخاك راه تفسير : واما فساد ارض بشريتهم فبان زلت قدمهم عن جادة العبودية وصراط الشريعة والمتابعة حتى عبدو طاغوت الهوى والشيطان وآل امر فساد حالهم الى ان قال تعالى فيهم {أية : صم بكم عمى فهم لا يعقلون } تفسير : قال الشيخ ابو عثمان المغربى قدس سره من امر السنه على نفسه اخذا وتركا وحبا وبغضا نطق بالحكمة ومن امر الهوى على نفسه نطق بالبدعة فعلى السالك ان يأخذ بالطريق الوسط وهو طريق الكتاب والسنة الموصل الى الجنة والقربة والوصلة ويجتهد فى تحصيل كمال الصدق والاخلاص اذ هو الزاد لاهل الاختصاص نسأل الله الفياض الكريم ان يشرفنا بفيضه العميم ويثبتنا على صراطه المستقيم.

الجنابذي

تفسير : {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ} اى فى السّماء كما يقول من يقول بآلهة الملائكة والكواكب، والارض كما يقول من يقول بآلهة الاصنام والعجل وبعض الاناسىّ وابليس، وكما يقول الثّنويّة {آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ} ليست الاّ استثنائيّة لعدم صحّة الاستثناء لفظاً ومعنىً لعدم شمول الالهة لكونه جمعاً منكّراً فى الايجاب، وللزوم جواز صحّة تعدّد الالهة مع الله بحسب مفهوم مخالفة الاستثناء {لَفَسَدَتَا} لكون الآلهة حينئذٍ تامّى القدرة والاّ لم يكونوا الهة واقتضاء تماميّة القدرة صحّة تدافع كلّ وتمانعه عن مراد الآخر، فان قيل انّ مرادهما يكون قريناً للحكمة فيكون مراد كلّ مراداً للآخر فلا يكون تدافع، يقال: الاستدلال بصحّة التّدافع لا بوقوعه، وصحّة التّدافع مستلزمة لصحّة الفساد فيهما، وهذا هو استدلال المتكلّمين وبيانهم للآية وهو كما ترى. والتّحقيق فى بيان الآية ان يقال: انّها اشارة الى برهان تامّ يسمّى برهان الصّدّيقين وطريقهم وهو برهان الفرجة الّذى اشار اليه الصّادق (ع) من لزوم الفرجة واستلزام فرض آلهين آلهة ثلاثة واستلزام الثّلاثة خمسة وهكذا فانّه لو فرض الهين فامّا ان يكونا قديمين قوّيين او حادثين ضعيفين، او يكون احدهما قديماً قويّاً والآخر حادثاً ضعيفاً، والاخيران خلاف الفرض ومثبتان للتّوحيد، وان كانا قديمين واجبين والوجوب من صفات الوجود، والوجود كما سبق فى اوّل الكتاب متأصّل فى التّحقّق، وتحقّق كلّ متحقّقٍ يكون بتحقّقه، وسبق انّ الوجود حقيقة واحدة لا تكثّر فيه بوجهٍ من وجوه التّكثّر، وانّ تكثّره لا يكون الاّ بضمائم، فاذا كان القديمان واجبين بالذّات كانا مشتركين فى حقيقة الوجود، وتعدّدهما وافتراقهما لا يكون الاّ بضميمةٍ ولا اقلّ من انضمام ضميمةٍ الى واحدٍ منهما حتّى يصحّ الافتراق بالاطلاق والانضمام ولا يكون الضّميمة من سنخ المهيّات والاّ لزم ان يكون الكلّ ممكناً حادثاً هذا خلاف الفرض، بيان الملازمة انّ المركّب تابع لاخسّ اجزائه والمهيّة من حيث ذاتها لا تكون الاّ ممكنةً، والممكن لا يكون الاّ حادثاً فالكلّ الّذى صارت المهيّة جزءً له لا يكون الاّ ممكناً حادثاً ولا تكون من سنخ العدم وهو واضح فيكون من سنخ الوجود فيصير المفروض آلهين ثلاثةً ولمّا كانت الثّلاثة مشتركة فى حقيقة الوجود فلا يكون التّعدّد الاّ بضمائم واقلّها ضميمتان فيصير الثّلاثة خمسةً، وننقل الكلام الى الخمسة فتصير تسعةً وهكذا الى ما لا نهاية له وهذا البرهان بعد اتقان المقدّمات من اسدّ البراهين واتمّها لانّه يؤخذ من النّظر الى نفس حقيقة الوجود من غير اعتبار شيءٍ آخر معها، وكما لا يحصل المعرفة التّامّة بالهل الاّ برفع الحجب والمظاهر ونفى الاسماء والصّفات وكشف سبحات الجلال من غير اشارة وذات للعارف كما ورد عنهم (ع) اعرفوا الله بالله يعنى لا بمظاهره واسمائه وصفاته لا يحصل العلم التّامّ بالله الاّ برفع النّظر عن المعاليل والتّوجّه الى الله وتحقيق حقيقته واخذ البرهان عليه من نفس حقيقته حتّى يقال علمت الله بالله، والحاصل انّه لو كان الواجب متعدّداً لزم انقلاب الواجب ممكناً وفيه بطلان العالم وفساد السّماوات والارض لانّها ممكنة والممكن ما لم يستند الى واجب لم يوجد، او صيرورة المتعدّد واحداً وهو المطلوب، او عدم انتهاء عدد الواجب الى حدّ وهو خلاف المدّعى {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} يعنى اذا كان التّعدّد مورثاً لابطال السّماوات والارض فتنزّه الله تنزّهاً {رَبِّ ٱلْعَرْشِ} الّذى هو جملة المخلوقات {عَمَّا يَصِفُونَ} اى عن الّذى يصفونه به من الشّريك او عن وصفهم له بالشّريك.

اطفيش

تفسير : {لَوْ كَانَ فِيهِمَا} فى الجنسين، أحدهما السموات، والآخر الأرض. {آلِهَةً إِلاّ اللهُ لَفَسَدَتَا} هما وما فيهما إن الرعية وسائر الأملاك تفسد بتدبير الملكين فكيف بملاك بين متعدد من التغالب والتخالف؟! قال عبد الملك بن مروان حين قتل عمر بن سعد الأشدق: كان والله أعز علىَّ من دم ناظرى، لكن لا يجتمع فحلان فى شول، فهذا يريد أن يكون السماوات والأرض على صفة كذا، وهذا على صفة كذا. وهذا يريد أن يفعل من فيهما كذا. وهذا يريد غير ما أراد ذاك، وذلك على وقف العادة عند تعدد الحاكم. فلو أراد أحد الآلهة تحريك شئ وأراد لآخر تسكينه، فإما أن يقع المرادان وهو محال؛ لأنه جمع بين الضدين، وإما أن لا يقع واحد، وهو محال أيضا؛ لأن مانع مراد كل هو مراد الآخر، فلا يمنع مراد واحد إلا عند وجود مراد الآخر. وإما أن يقع واحد دون الآخر، وهو محال؛ لأن كل قادر على ما لا نهاية له فتستوى الآلهة فى القدرة. فإثبات الأولهية لأحدها، وإثبات وقوع مراده ترجيح بلا مرجح، ولأنه إن وقع مراد أحدها دون غيره، فالذى لم يقع مراده عاجز، فليس بإله. وإن فرضنا آلهة قادرة على جميع الممكنات غير مختلفة الإرادة، فالفعل الواحد إنما يصدر من واحد؛ إذ لا يشترك اثنان فى فعل ومهما تخيل لك من ذلك، فقد اختص كل واحد بجزء، وباشره هو لا غيره. وكل موجود دليل على وجود الله تعالى. أشار إلى ذلك الفخر. وإيضاحه: أنه لو كان معه إله آخر، لم يخل إما أن يتخلفا فى الإرادة على إرادة حكم التضاد، أو يتفقا. والتالى بقسيمه محال، فالمقدم مثله. أما الملازمة فدليلها وجوب عموم تعلق إرادة الإله وقدرته وسائر صفاته المتعلقة. فلو كان ثَم إلهان لوجب تعلق إرادة كل واحد منهما، وقدرته بكل ممكن. ومتى تعلق بالفعل إرادتان، لم يخل من الاتفاق عليه أو التباين. أما بطلان التالى فببطلان طرفيه، وهما الاختلاف والاتفاق. فوجه بطلان الطرف الأول وهو الاختلاف: هو أن تقول: لو اختلفا فى فعل، بأن يريد أحدهما وجود الجسم، ويريد الآخر عدمه، أو يريد أحدهما حركته، والآخر سكونه، يلزم عجزهما معا، أو عجز أحدهما؛ لأن نفوذ إرادتهما معا مستحيل، لِما يؤدى إليه من اجتماع النقيضين، أو ما فى حكمهما، فيكون الشئ فى الزمان الواحد موجوداً معدوداً أو متحركا ساكنا. فإذن لا بد من تعطيل النفوذ لإحدى الإرادتين، أو لكلتيهما. فإن تعطلتا معا لزم عجز الإلهين، لتعذر الفعل من كل واحد منهما، ويلزم عليه أيضا خلو المحل عن النقيضين. ولا مانع من نفوذ إرادة كل واحد منهما وقدرته، إلا نفوذ إرادة الآخر وقدرته. فإذا لم تنفذ الإرادتان لزم وجود الفعل بهما، وعدم وجوده بهما، إن ثبت المانع، أو حصول المنع من غير مانع، إن لم يثبت المانع. وإن كانت إرادة واحد منهما خاصة فمستحيل؛ لأنه يلزم عليه عدم عموم تعلق إرادة الإله وقدرته، ويلزم عليه العجز، والعاجز غير إله، فيلزم أيضا قبل عجز الذى نفذت إرادته، لأنهما مثلان. واستحال ذلك أيضا بلزوم ترجيح أحد المثلين بلا مرجح. وإن فرض المرجح فلزم عجز الذى نفذت إرادته كما مر، ولزم حدوثهما. وأما بطلان الطرَف الثانى من التالى، وهو الاتفاق، فمن أوجه: لأن الاتفاق إما واجب أو جائز. فإن وجب لزم كون أحدهما مقهورا، إن قدر الآخر على الترك، وإلا فمقهوران. ولزم من قهر أحدهما قبل قهر الآخر؛ لأنه مثله، ويلزم الافتقار إلى المرجح فى تخصيص أحد المثلين بما لم يثبت لمثله. ولزم فى الانفاق الواجب انقلاب الممكن مستحيلا؛ لأن كل واحد منهما، إن نظرنا إليه منفرداً، أمكن أن يوجِد كلا من الحركة والسكون مثلا؛ لأنه لا من إله لا جزء له. فإذا فرضنا تعلق إرادة أحدهما بخصوص الحركة مثلا، صار وقوع السكون الممكن من الآخر مستحيلا، وذلك قلب الحقائق. كذا قيل. وأيضا كون المانع له تعلق إرادة الآخر بضده، ويلزم منه إيجاب المانع حكم المنع لما لم يقم به، وذلك كله مستحيل. ويلزم أيضا فى الاتفاق الواجب عدم وجوب الوجود لكل واحد منهما؛ لأن وجوب الوجود إنما يثبت لإله، من حيث توقف وجود الحوادث عليه؛ لئلا يلزم التسلسل أو الدور، عند تقدير جواز وجوده. فإذا قُدِّرَ أن ثم إلهين لم ينفرد أحدهما عن الآخر بشئ بل هما متفقان أبدا لزم عدم توقف الحوادث على خصوص كل واحد منهما فلا يتحقق وجوب الوجود لكل واحد منهما؛ إذ على تقدير عدمه، تستثنى الحوادث عنه بصاحبه، والإله متحقق وجوب وجوده. وإن قلت: يكون وجوب الوجود متحققا لأحدهما لا بعينه. قلت: فيثبت جوار الوجود لأحدهما لا بعينه، وتماثلهما يمنع من اختلافهما وجوبًا وجوازاً. وإن قلت: تمنع أن الفعل يستثنى بأحدهما عن الآخر لا يوجد إلا بهما فوجودهما واجب. قلت: فيلزم أن يكون كل واحد منهما جزءاً للإله لا إله، فيقوم بكل واحد منهما جزء العلم، وجزء القدرة، وجزء الإرادة، إلى غير ذلك، مما لا يقول به عاقل. وإذا كان التركيب من جزءين متصلين محالا فما بالك بتركيبه من جزءين منفصلين. ويلزم أيضا من وجود ابتداء الحوادث بكل منهما أن تكون محتاجة لكل واحد منهما، غنية عن كل منهما، وهو جمع بين متنافيين. وإن لم يجب اتفاقهما بل جاز اختلافهما، لزم قبولهما العجز. وكلما كان الاتفاق جائراً كان الاختلاف جائزاً؛ لأن جواز أحد المتقابلين يستلزم جواز الآخر، والقابل للاختلاف قابل للعجز ضرورة. والجواهر والجسم عندنا قابلان للقسمة. وزعم قومنا أن الجواهر جسم دقيق لا يقبله، وأن العرض لا يقبلها. ومذهبنا أن الجوهر والجسم واحد، وأن العرض يقبلها فلو بنينا على زعم قومنا، لزم أن تنفذ فى ذلك الذى لا يقبل القسم، إرادة واحدة، وقدرة واحدة. فمن لم تنفذ إرادته وقدرته فعاجز، فليس بإله. وإن لم تنفذ إرادتهما وقدرتهما فعاجزان، والإله لا يوصف بالعجز؛ لأن العجز إما قديم وهو محال، بأدائه إلى استحالة اتصاف الإله بالقدرة. وفى اتصافه بها مع العجز، لزم اجتماع الضدين. وإن اتصف بها بعد عدم العجز، لزم عدم ما ثبت قِدمه. وإما حادث وهو محال؛ لأنه إذا كان حادثا فضده وهو القدرة قديمة. فإن اتصف بالعجز مع وجود القدرة، لزم اجتماع الضدين، وإلا لزم عدم القديم كما مر آنفا. والعجز فى الحى نقص، ويلزم على اصطلاح الإلهين عجزهما واحتياجهما أو عجز أحدهما واحتياجه؛ إذ ليس أحد يطلب الصلح أو يرضى به إلا لجر منفعة، أو دفع مضرة، أو لعجزه عن القيام بالكل. وإن قلت: فليقسم العالم بينهما قسمين، كل واحد قادر على قسم. قلت: الإله يجب عموم إرادته وقدرته. فإذا عمت لزم تعلق إرادة كل وقدرته لكل ممكن، فيلزم التمانع بينهما. وأيضا أحد النوعين الذى تعلقت به إرادة أحدهما أو قدرته، إن ماثل النوع الآخر الذى هو مقدور الإله الثانى ومراده، لزم عموم قدرة كل منهما وإرادته للنوعين، ضرورة أن القادر على أحد المثلين قادر على مثله. وإن كان أحدهما جسما والآخر عرضا، فهو محال من وجهين: أحدهما: أن الجواهر والعرض لما لم يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر، استحال تصور القدرة على أحدهما بدون الآخر. ثانيهما: أن التمانع لا ينتفى بذلك، على تقدير تسليمه؛ لأنه من الجائز أن يريد أحدهما وجود الجواهر، والآخر عدم العرض، أو بالعكس. ونفوذ الإرادتين مستحيل، فيلزم عجزهما، أو عجز أحدهما. وأيضا اختصاص أحد الإلهين بنوع دون نظيره، يلزم فيه التخصيص من غير مخصص؛ إذ ليس اختصاص أحدهما بنوع بأولى من اختصاص الآخر به، فإن فرض ثم مخصِّص لهما بما اختصا به لزم حدوثهما. وهذا التخصيص لو كان باختيارهما لأمكن منهما تركه، بأن يتصرف كل فى مقدور الآخر ومراده. والتالى باطل للزوم التمانع، فالمقدم وهو كون التخصيص باختيارهما باطل، فالتخصيص إما من الغير، فذلك تخصيص بلا مخصص أو منهما، وكل ذلك محال ولو تعدد الإله، فإما بتعدد الممكنات وهو محال لما فيه من وجود ما لا نهاية له. وإن قلت: لا يلزم وجود ما لا نهاية له؛ لأن المراد بالممكنات ما سبق به قضاء الله لا كل ما يمكن فى العقل. قلت: يلزم وجود الممكنات التى لا توجد مستحيلة بل الممكنات التى توجد لا نهاية لها، كنعيم الجنة، وعذاب النار، وفى التعدد بقدر الممكنات تأخر بعض الآلهة عن بعض، وإما لا يتعدد الممكنات وهو محال، لاستلزام الجواز والحدوث، لافتقار وجود الآلهة على عددها المخصوص، دون غيره من الأعداد المتساوية عقلا بالنسبة إليها إلى فاعل مختار، وإلا لزم ترجيح أحد المتساوبين بلا مرجح. وإن قلت: يلزم مثل ذلك فى الوحدة لأن وجوده على ذلك دون تعدد يفتقر إلى مخصص. قلت: قام البرهان على أن الإله واجب الوجود ولا يتحقق الوجود دون ذات واحدة. والزائد منها مستغن عنه. وفى الآية إيراد حجة للمطلوب. ويسمى ذلك المذهب الكلامى. الإعراب: مجموع إلا الله نعت آلهة. والإعراب على آخر الجزأين والجزء الأول حرف، وهو إلا. قال السعد إجماعا. وأجاز الدمامينى أن تكون وحدها نعتًا، وأنها اسم، يقِل إعرابها لما بعدها، لكونها على صورة الحرف. والمعنى على كل حال: لو كان فيهما آلهة مغايرة لله، أى انتفى عن كل واحد منهما أن يكون هو الله تعالى. ولذا صح وصف ذلك الجمع المنكَّر لقوله: إلا الله وليست إلا للاستثناء؛ لأن المعنى حينئذ: لو كان فيهما آلهة إلا الله لم يكن فيهما لفسدتا. ومفهوم هذا المعنى أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسد، أو ليس كذلك؛ فإن الفساد يترتب على تعدد الآلهة مطلقا. وأيضا آلهة جمع منكَّر فى لإثبات، فلا عموم له، فلا يصح الاستثناء منه. ولو قلت: قام رجل إلا زيد لم يصح، خلافا لبعض الأصولين، فإنه أجاز استعماله عاما. وأجاز المبرد أن يكفى فى الاستثناء صحة التناول، بل لا بد من التناول بالفعل. وعليه فيصح المثل. والتحقيق أنه يعتبر دخول زيد فى الرجال، وأنه واحد منهم على معنى قام رجال فيهم زيد، لكن لم يقم. وأما {أية : إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط} تفسير : فالاستثناء منقطع، أو متصل، على أن المراد بالقوم المجرمين: قوم لوط كما قال: {أية : إنا أرسلنا إلى قوم لوط} تفسير : ولكن الحكم بالإجرام حكم على المجموع. وقال المبرد: {إلا} فى الآية للاستثناء وما بعدها بدل، محتجا بأن لو تدل على الامتناع، وامتناع الشئ انتفاؤه. وزعم أن التقريع بعدها جائز، وأن نحو لو كان معنا أحد إلا زيد أجْوز كلام انتهى. وقد مر عنه أنه يكتفى بصحة الدخول، وإن لم يدخل بالفعل، لكن التحقيق عند الأصوليين أن دلالة الجمع المستغرق على الواحد بالمطابقة، وأن أفراد الجمع آحاد. ويرد كلام المبرد فساد مفهومه - كما مر، وأنه لا يقال: لو جاءنى دَيار لأكرمته، بذكر ديار المختص بالنفى بعد لو، ولو جاءنى من أحد أكرمته، باستعمال أحد، وهو مثل ديار بعدها، وبزيادة مِن وهى تزاد بعد النفى ونحوه. ولو كان امتناع "لو" قائما مقام النفى لصح أن يقال ذلك، كذا فهمت من كلام ابن هشام. ويجاب بأن الاستثناء يوسَّع فيه. ألا ترى وقوع التفريع بعد أبَى والاستفهام الإنكارى، نحو: {أية : ويأبى الله إلا أن يتم نوره} {أية : ومن يغفر الذنوب إلا الله} تفسير : كما أشار إليه فى التوضيح وغيره. وقال الشَّلوْبِين وابن الصائع: لا يصح المعنى حتى تكون إلا بمعنى غير التى يراد بها العوض والبدل. ويرده أن المفعوم حينئذ أنه لو كان فيهما آلهة ليست بدلا من الله بل هو معها لم تفسدا، وهو باطل، إلا إن اعتبر مفهوما آخر، هو أنه لو لم تكن فيهما آلهة بدلا من الله، بل كان الله وحده لم تفسدا، وإذا امتنع الاستثناء امتنع الإبدال لتفريعه عليه، واشتراط كونه من غير موجب. {فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} عما يصف المشركون، من الشركة أو الجحود، ومن الولادة والزوجة. قيل: العرش: جسم عظيم محيط بجميع الأجسام، كيف يوصف خلقه ومالكه بتلك النقائص. وقيل: العرش: الكرسى.

اطفيش

تفسير : {لو كان فيهما} فى الفريقين السماوات والأرض {آلهةٌ إلاَّ الله لَفَسَدتا} إلا ومدخولها بمنزلة اسم نعت به آلهة، ووقع الإعراب على اللفظ الذى هو اسم، ولو جىء بغير لرفع وجر ما بعده، وقيل: إن إلا اسم نعت لآلهة جعل إعرابه فى الاسم بعده، لأنها بصورة الحرف كما جعل إعراب أل الموصولة فى الاسم بعدها وفيه أن كون إلا اسماً يقتضى جر ما بعدها، لأنها بمعنى غير، وكونها والاسم بعدها اسماً واحداً لم يتمحض للمعنى إذا لم يتغلب فيه معنى إلا، ولا معنى لفظ الجلالة كآكل موز بعسل لم يتحصل على طعم موز ولا عسل، فيجاب بأن معنى إلا النفى كأنه قيل: لو كان فيهما آلهة وحدها لا الله وحده لفسدتا، وذلك لأنهم يدعونها آلهة مستقلة. ومعنى كونها فيهما الكون بالتصرف والتدبير، لا مجرد الوجود فيهما. والمراد فسادهما بالتهدم والسقوط، وعدم بقائهما حيث هما، لأنهما فى محلهما بلا علاقة ولا عماد وفساد، ما فيهما كذلك بتقطع أجزائه، وبالاختلاف لو كان إلهان لزم فعلهما فعلا واحداً، والفعل لا يصدر من اثنين، وإن اختلفا فعلا وتركا، فالفاعل وتركا، فالفاعل هو الإله، وإن عجزا فلا واحد منهما إله، وإن اصطلحا فعجز فلا إله منهما، والإله قادر على كل شىء، فإن أراد تحريك زيد فحركاه معاً لزم وقوع فعل من اثنين وإن أرداه أحدهما، والآخر تسكينه فالواقع ما أراد هو الفاعل، ولا يتصور وقوع التحريك والتسكين معاً، لأنه تناقض وتضاد، ثم استواءهما فى القدرة يوجب أن ألوهية أحدهما دون الآخر تحكم. {فسبحان الله ربِّ العَرْش عمَّا يَصفُون} نزهوا الله عما لا يليق به أكمل تنزيه من وجود إليه غيره، أو تعجبوا أيها العقلاء ممن يعبد لأشياء التى هى خسيسة عاجزة لا تضر ولا تنفع، مع وجود الملك القادر النافع الضار، وأعاد لفظ الجلالة لإدخال المهابة والروع والإشعار بأن الألوهيه مناط لجميع صفات الكمان النافيه للشركة، وأكد ذلك بوصف الربوبية والإضافة للعرش، وكأنه قل: إذا كان الله ناهياً عن الشركة لاستقلاله بالتصرف والتدبير، فلم خلق من يعصيه باتخاذ إله غيره، وإذا خلقه علم لم تصرفه عن العصيان؟ فأجاب قوله: {لا يُسْأل عمَّا يفْعَل} سؤال اعتراض، لأنه الحكيم التام الحكمة، لا يقدر أحد على إدراك تفاصيلها، ومن أبى إلا الاعتراض عنادا، فيخلق مثل ما خلق {وهُمْ} أى العباد المكلفون {يُسألون} عما يفعلون، ويعترض عليهم بما فعلوه باختيارهم مما يثاب عليه. أو يعاقب لأنه ولو كان بخلقه منهم، لأن لهم اختيار ولو كان هذا الاختيار ايضاً خلقً منه، وهو مما لا يسأل عنه مع أن الفاعل يجد من نفسه قدرة على الفعل والترك، وذلك كله بعلمه وإرادته، ولا أول لهما، وهما من صفاته وصفاته هو، وليس كما قيل: إن الخلق مسبوق بالإرادة والإرادة مسبوقة بالعلم، إلا إن أريد بالإرادة المسبوقة مقاربة الفعل، وأسبابه من الله عز وجل، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه ". تفسير : والسؤال فى الموضعين على العموم، وقال الزجاج هما يوم القيامة لظهور الوعيد فيه، وهو مناسب والعموم أولى إذ لا دليل على التقييد، وأفعال الله لا تعلل بالأغراض وإلا كان الله محتاجاً الى ذلك الغرض مستكملاً به، وما يوهم العلل، فبالنظر الى الخلق أو العاقبة، والله المستعان، وزعمت المعتزلة والماتردية والحنابلة أنها تعلل بها.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} إبطال لتعدد الإله وضمير {فِيهِمَا} للسماء والأرض والمراد بهما العالم كله علوية وسفلية والمراد بالكون فيهما التمكن البالغ من التصرف والتدبير لا التمكن والاستقرار فيهما كما توهمه الفاضل الكلنبوي، والظرف على هذا متعلق بكان، وقال الطيبـي: إنه ظرف لآلهة على حد قوله تعالى: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّماء إِلَـٰهٌ وَفِى ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ } تفسير : [الزخرف: 84] وقوله سبحانه: { أية : وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَفِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الأنعام: 3] وجعل تعلق الظرف بما ذكر هٰهنا باعتبار تضمنه معنى الخالقية والمؤثرية. وأنت تعلم أن الظاهر ما ذكر أولاً، و {إِلا} لمغايرة ما بعدها لما قبلها فهي بمنزلة غير، وفي «المغني» أنها تكون صفة بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه ومثل للأول بهذه الآية، وقد صرح غير واحد من المفسرين أن المعنى لو كان فيهما آلهة غير الله وجعل ذلك الخفاجي إشارة إلى أن {إِلا} هنا اسم بمعنى غير صفة لما قبلها وظهر إعرابها فيما بعدها لكونها على صورة الحرف كما في أل الموصولة في اسم الفاعل مثلاً. وأنكر الفاضل الشمني كونها بمنزلة غير في الاسمية لما في «حواشي العلامة الثاني» عند قوله تعالى: { أية : لاَّ فَارِضٌ } تفسير : [البقرة: 68] من أنه لا قائل باسمية (إلا) التي بمنزلة غير ثم ذكر أن المراد بكونها بمنزلة غير أنها بمنزلتها في مغايرة ما بعدها لما قبلها ذاتاً أو صفة، ففي «شرح الكافية للرضي» أصل غير أن تكون صفة مفيدة لمغايرة مجرورها لموصوفها إما بالذات نحو مررت برجل غير زيد وإما بالصفة نحو دخلت بوجه غير الذي خرجت به، وأصل إلا التي هي أم أدوات الاستثناء مغايرة ما بعدها لما قبلها نفياً أو إثباتاً فلما اجتمع ما بعد إلا وما بعد غير في معنى المغايرة حملت إلا على غير في الصفة فصار ما بعد إلا مغايراً لما قبلها ذاتاً أو صفة من غير اعتبار مغايرته له نفياً أو إثباتاً وحملت غير على إلا في الاستثناء فصار ما بعدها مغايراً لما قبلها نفياً أو إثباتاً من غير مغايرته له ذاتاً أو صفة إلا أن حمل غير على إلا أكثر من حمل إلا على غير لأن غير اسم والتصرف في الأسماء أكثر منه في الحروف فلذلك تقع غير في جميع مواقع إلا انتهى. وأنت تعلم أن المتبادر كون إلا حين إفادتها معنى غير اسماً وفي بقائها على الحرفية مع كونها وحدها أو مع ما بعدها بجعلهما كالشيء الواحد صفة لما قبلها نظر ظاهر وهو في كونها وحدها كذلك أظهر، ولعل الخفاجي لم يقل ما قال إلا وهو مطلع على قائل باسميتها، ويحتمل أنه اضطره إلى القول بذلك ما يرد على القول ببقائها على الحرفية، ولعمري أنه أصاب المحز وإن قال العلامة ما قال، وكلام الرضي ليس نصاً في أحد الأمرين كما لا يخفى على المنصف ولا يصح أن تكون للاستثناء من جهة العربية عند الجمهور لأن {ءالِهَةً} جمع منكر في الإثبات ومذهب الأكثرين كما صرح به في «التلويح» أنه لا استغراق له فلا يدخل فيه ما بعدها حتى يحتاج لإخراجه بها وهم يوجبون دخول المستثنى في المستثنى منه في الاستثناء المتصل ولا يكتفون بجواز الدخول كما ذهب إليه المبرد وبعض الأصوليين فلا يجوز عندهم قام رجال إلا زيداً على كون الاستثناء متصلاً وكذا على كونه منقطعاً بناءً على أنه لا بد فيه من الجزم بعدم الدخول وهو مفقود جزماً، ومن أجاز الاستثناء في مثل هذا التركيب كالمبرد جعل الرفع في الاسم الجليل على البدلية. واعترض بعدم تقدم النفي، وأجيب بأن لو للشرط وهو كالنفي. وعنه أنه أجاب بأنها تدل على الامتناع وامتناع الشيء انتفاؤه وزعم أن التفريغ بعدها جائز وأن نحو لو كان / معنا إلا زيد لهلكنا أجود كلام وخالف في ذلك سيبويه فإنه قال لو قلت لو كان معنا المثال لكنت قد أحلت. ورد بأنهم لا يقولون لو جاءني ديار أكرمته ولا لو جاءني من أحد أكرمته ولو كانت بمنزلة النافي لجاز ذلك كما يجوز ما فيها ديار وما جاءني من أحد. وتعقبه الدماميني بأن للمبرد أن يقول: قد أجمعنا على إجراء أبـى مجرى النفي الصريح وأجزنا التفريغ فيه قال الله تعالى: { أية : فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا } تفسير : [الإسراء: 89]، وقال سبحانه: { أية : وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ } تفسير : [التوبة: 32] مع أنه لا يجوز أبـى ديار المجىء وأبـى من أحد الذهاب فما هو جوابكم عن هذا فهو جوابنا. وقال الرضي: أجاز المبرد الرفع في الآية على البدل لأن في لو معنى النفي وهذا كما أجاز الزجاج البدل في قوم يونس في قوله تعالى: { أية : فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ } تفسير : [يونس: 98] الآية إجراء للتحضيض مجرى النفي والأولى عدم إجراء ذينك في جواز الإبدال والتفريغ معهما مجراه إذ لم يثبت انتهى. وذكر المالكي في «شرح التسهيل» أن كلام المبرد في «المقتضب» مثل كلام سيبويه وأن التفريغ والبدل بعد لو غير جائز، وكذا لا يصح الاستثناء من جهة المعنى ففي «الكشف» أن البدل والاستثناء في الآية ممتنعان معنى لأنه إذ ذاك لا يفيد ما سيق له الكلام من انتفاء التعدد ويؤدي إلى كون الآلهة بحيث لا يدخل في عدادهم الإله الحق مفض إلى الفساد فنفي الفساد يدل على دخوله فيهم وهو من الفساد بمكان ثم أن الصفة على ما ذهب إليه ابن هشام مؤكدة صالحة للإسقاط مثلها في قوله تعالى: { أية : نَفْخَةٌ وٰحِدَةٌ } تفسير : [الحاقه: 13] فلو قيل لو كان فيهما آلهة لفسدتا لصح وتأتى المراد. وقال الشلوبين. وابن الصائغ: لا يصح المعنى حتى تكون إلا بمعنى غير التي يراد بها البدل والعوض، ورد بأنه يصير المعنى حينئذٍ لو كان فيهما عدد من الآلهة بدل وعوض منه تعالى شأنه لفسدتا وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما اثنان هو عز وجل أحدهما لم تفسدا وذلك باطل. وأجيب بأن معنى الآية حينئذٍ لا يقتضي هذا المفهوم لأن معناها لو كان فيهما عدد من الآلهة دونه أو به سبحانه بدلاً منه وحده عز وجل لفسدتا وذلك مما لا غبار عليه فاعرف. والذي عليه الجمهور إرادة المغايرة، والمراد بالفساد البطلان والاضمحلال أو عدم التكون، والآية كما قال غير واحد مشيرة إلى دليل عقلي على نفي تعدد الإله وهو قياس استثنائي استثنى فيه نقيض التالي لينتج نقيض المقدم فكأنه قيل لو تعدد الإله في العالم لفسد لكنه لم يفسد ينتج أنه لم يتعدد الإله. وفي هذا استعمال للو غير الاستعمال المشهور. قال السيد السند: إن لو قد تستعمل في مقام الاستدلال فيفهم منها ارتباط وجود التالي بوجود المقدم مع انتفاء التالي فيعلم منه انتفاء المقدم وهو على قلته موجود في اللغة يقال: لو كان زيد في البلد لجاءنا ليعلم منه أنه ليس فيه، ومنه قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا * ءالِهَةً *إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا}: وقال العلامة الثاني: إن أرباب المعقول قد جعلوا لو أداة للتلازم دالة على لزوم الجزاء للشرط من غير قصد إلى القطع بانتفائهما ولهذا صح عندهم استثناء عين المقدم فهم يستعملونها للدلالة على أن العلم بانتفاء الثاني علة للعلم بانتفاء الأول ضرورة انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم من غير التفات إلى أن علة انتفاء الجزاء في الخارج ما هي لأنهم يستعملونها في القياسات لاكتساب العلوم والتصديقات ولا شك أن العلم بانتفاء الملزوم لا يوجب العلم بانتفاء اللازم بل الأمر بالعكس وإذا تصفحنا وجدنا استعمالها على قاعدة اللغة أكثر لكن قد تستعمل على قاعدتهم كما في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا} الخ لظهور أن الغرض منه التصديق بانتفاء تعدد الآلهة لا بيان سبب انتفاء الفساد اهـ. وفيه بحث يدفع بالعناية، ولا يخفى عليك أن لبعض النحويين نحو هذا القول فقد قال الشلوبين. وابن عصفور إن لو / لمجرد التعليق بين الحصولين في الماضي من غير دلالة على امتناع الأول والثاني كما أن إن لمجرد التعليق في الاستقبال والظاهر أن خصوصية المضي هٰهنا غير معتبرة. وزعم بعضهم: أن لو هنا لانتفاء الثاني لانتفاء الأول كما هو المشهور فيها ويتم الاستدلال ولا يخفى ما فيه على من دقق النظر، ثم إن العلامة قال في «شرح العقائد»: إن الحجة إقناعية والملازمة عادية على ما هو اللائق بالخطابيات فإن العادة جارية بوقوع التمانع والتغالب عند تعدد الحاكم وإلا فإن أريد الفساد بالفعل أي خروجهما عن هذا النظام المشاهد فمجرد التعدد لا يستلزمه لجواز الاتفاق على هذا النظام وإن أريد إمكان الفساد فلا دليل على انتفائه بل النصوص شاهدة بطي السماوات ورفع هذا النظام فيكون ممكناً لا محالة. وكذا لو أريد بفسادهما عدم تكونهما بمعنى أنه لو فرض صانعان لأمكن بينهما تمانع في الأفعال فلم يكن أحدهما صانعاً فلم يوجد مصنوع لا تكون الملازمة قطعية لأن إمكان التمانع لا يستلزم إلا عدم تعدد الصانع وهو لا يستلزم انتفاء المصنوع على أنه يرد منع الملازمة إن أريد عدم التكون بالفعل ومنع انتفاء اللازم إن أريد بالإمكان انتهى. فنفى أن تكون الآية برهاناً سواء حمل الفساد على الخروج عن النظام أو على عدم التكون، وفيه قدح لما أشار إليه في «شرح المقاصد» من كون كونها برهاناً على الثاني فإنه بعد ما قرر برهان التمانع قال: وهذا البرهان يسمى برهان التمانع وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ} الآية فإن أريد عدم التكون فتقريره أن يقال: لو تعدد الآلهة لم تتكون السماء والأرض لأن تكونهما إما بمجموع القدرتين أو بكل منهما أو بأحدهما والكل باطل أما الأول فلأن من شأنه الإله كمال القدرة وأما الأخيران فلما مر من التوارد والرجحان من غير مرجح، وإن أريد بالفساد الخروج عما هما عليه من النظام فتقريره أن يقال: إنه لو تعدد الإله لكان بينهما التنازع والتغالب وتمييز صنيع كل منهما عن الآخر بحكم اللزوم العادي فلم يحصل بين أجزاء العالم هذا الالتئام الذي باعتباره صار الكل بمنزلة شخص واحد ويختل أمر النظام الذي فيه بقاء الأنواع وترتب الآثار انتهى، وذلك القدح بأن يقال: تعدد الإله لا يستلزم التمانع بالفعل بطريق إرادة كل منهما وجود العالم بالاستقلال من غير مدخلية قدرة الآخرة بل إمكان ذلك التمانع والإمكان لا يستلزم الوقوع فيجوز أن لا يقع بل يتفقان على الإيجاد بالاشتراك أو يفوض أحدهما إلى الآخر؛ وبحث فيه المولى الخيالي بغير ذلك أيضاً ثم قال: التحقيق في هذا المقام أنه إن حملت الآية الكريمة على نفي تعدد الصانع مطلقاً فهي حجة إقناعية لكن الظاهر من الآية نفي تعدد الصانع المؤثر في السماء والأرض إذ ليس المراد من الكون فيهما التمكن فيهما بل التصرف والتأثير فالحق أن الملازمة قطعية إذ التوارد باطل فتأثيرهما إما على سبيل الاجتماع أو التوزيع فيلزم انعدام الكل أو البعض عند عدم كون أحدهما صانعاً لأنه جزء علة أو علة تامة فيفسد العالم أي لا يوجد هذا المحسوس كلاً أو بعضاً، ويمكن أن توجه الملازمة بحيث تكون قطعية على الإطلاق وهو أن يقال: لو تعدد الإله لم يكن العالم ممكناً فضلاً عن الوجود وإلا لأمكن التمانع بينهما المستلزم للمحال لأن إمكان التمانع لازم لمجموع الأمرين من التعدد وإمكان شيء من الأشياء فإذا فرض التعدد يلزم أن لا يمكن شيء من الأشياء حتى لا يمكن التمانع المستلزم للمحال انتهى. وأورد الفاضل الكلنبوي على الأول خمسة أبحاث فيها الغث والسمين ثم قال: فالحق أن توجيهه الثاني لقطعية الملازمة صحيح دون الأول، وللعلامة الدواني كلام في هذا المقام قد ذكر الفاضل المذكور ما له وما عليه من / النقض والإبرام، ثم ذكر أن للتمانع عندهم معنيين، أحدهما: إرادة أحد القادرين وجود المقدور والآخر عدمه وهو المراد بالتمانع في البرهان المشهور ببرهان التمانع، وثانيهما: إرادة كل منهما إيجاده بالاستقلال من غير مدخلية قدرة الآخرة فيه وهو التمانع الذي اعتبروه في امتناع مقدور بين قادرين، وقولهم: لو تعدد الإله لم يوجد شيء من الممكنات لاستلزامه أحد المحالين إما وقوع مقدور بين قادرين وإما لترجيح بلا مرجح مبني على هذا، وحاصل البرهان عليه أنه لو وجد إلهان قادران على الكمال لأمكن بينهما تمانع واللازم باطل إذ لو تمانعا وأراد كل منهما الإيجاد بالاستقلال يلزم إما أن لا يقع مصنوع أصلاً أو يقع بقدرة كل منهما أو بأحدهما والكل باطل ووقوعه بمجموع القدرتين مع هذه الإرادة يوجب عجزهما لتخلف مراد كل منهما عن إرادته فلا يكونان إلهين قادرين على الكمال وقد فرضا كذلك؛ ومن هنا ظهر أنه على تقدير التعدد لو وجد مصنوع لزم إمكان أحد المحالين إما إمكان التوارد وإما إمكان الرجحان من غير مرجح والكل محال، وبهذا الاعتبار مع حمل الفساد على عدم الكون قيل بقطعية الملازمة في الآية فهي دليل إقناعي من وجه ودليل قطعي من وجه آخر والأول بالنسبة إلى العوام والثاني بالنسبة إلى الخواص، وقال مصلح الدين اللاري بعد كلام طويل وقال وقيل أقول أقرر الحجة المستفادة من الآية الكريمة على وجه أوجه مما عداه وهو أن الإله المستحق للعبادة لا بد أن يكون واجب الوجود، وواجب الوجود وجوده عين ذاته عند أرباب التحقيق إذ لو غايره لكان ممكناً لاحتياجه في موجوديته إلى غيره الذي هو الوجود فلو تعدد لزم أن لا يكون وجوداً فلا تكون الأشياء موجودة لأن موجودية الأشياء بارتباطها بالوجود فظهر فساد السماء والأرض بالمعنى الظاهر لا بمعنى عدم التكون لأنه تكلف ظاهر انتهى. وأنت تعلم أن إرادة عدم التكون أظهر على هذا الاستدلال، ثم إن هذا النحو من الاستدلال مما ذهب إليه الحكماء بل أكثر براهينهم الدالة على الوحيد الذي هو أجل المطالب الإلهية بل جميعها يتوقف على أن حقيقة الواجب تعالى هو الوجود البحت القائم بذاته المعبر عنه بالوجوب الذاتي والوجود المتأكد وإن ما يعرضه الوجوب أو الوجود فهو في حد نفسه ممكن ووجوده كوجوبه يستفاد من الغير فلا يكون واجباً ومن أشهرها أنه لو فرضنا موجودين واجبـي الوجود لكانا مشتركين في وجوب الوجود ومتغايرين بأمر من الأمور وإلا لم يكونا اثنين، وما به الامتياز إما أن يكون تمام الحقيقة أو جزءها لا سبيل إلى الأول لأن الامتياز لو كان بتمام الحقيقة لكان وجوب الوجود المشترك بينهما خارجاً عن حقيقه كل منهما أو عن حقيقة أحدهما وهو محال لما تقرر من أن وجوب الوجود نفس حقيقة واجب الوجود لذاته، ولا سبيل إلى الثاني لأن كل واحد منهما يكون مركباً مما به الاشتراك وما به الامتياز وكل مركب محتاج فلا يكون واجباً لإمكانه فيكون كل من الواجبين أو أحدهما ممكناً لذاته هذا خلف، واعترض بأن معنى قولهم وجوب الوجود نفس حقيقة واجب الوجود أنه يظهر من نفس تلك الحقيقة أثر صفة وجوب الوجود لا أن تلك الحقيقة عين هذه الصفة فلا يكون اشتراك موجودين واجبـي الوجود في وجوب الوجود إلا أن يظهر من نفس كل منهما أثر صفة الوجوب فلا منافاة بين اشتراكهما في وجوب الوجود وتمايزهما بتمام الحقيقة، وأجيب بأن المراد العينية، ومعنى قولهم أن وجوب الوجود عين حقيقة الواجب هو أن ذاته بنفس ذاته مصداق هذا الحكم ومنشأ انتزاعه من دون انضمام أمر آخر ومن غير ملاحظة حيثية أخرى غير ذاته تعالى أية حيثية كانت حقيقية أو إضافية أو سلبية، وكذلك قياس سائر صفاته / سبحانه عند القائلين بعينيتها من أهل التحقق، وتوضيح ذلك على مشربهم أنك كما قد تعقل المتصل مثلاً نفس المتصل كالجزء الصوري للجسم من حيث هو جسم وقد تعقل شيئاً ذلك الشيء هو المتصل كالمادة فكذلك قد تعقل واجب الوجود بما هو واجب الوجود وقد تعقل شيئاً ذلك الشيء هو واجب الوجود ومصداق الحكم به ومطابقه في الأول حقيقة الموضوع وذاته فقط، وفي الثاني هي مع حيثية أخرى هي صفة قائمة بالموضوع حقيقية أو انتزاعية وكل واجب الوجود لم يكن نفس واجب الوجود بل يكون له حقيقة تلك الحقيقة متصفة بكونها واجبة الوجود ففي اتصافها تحتاج إلى عروض هذا الأمر وإلى جاعل يجعلها بحيث ينتزع منها هذا الأمر فهي في حد ذاتها ممكنة الوجود وبه صارت واجبة الوجود فلا تكون واجب الوجود بذاته فهو نفس واجب الوجود بذاته فهو نفس واجب الوجود بذاته وليقس على ذلك سائر صفاته تعالى الحقيقية الكمالية كالعلم والقدرة وغيرهما. واعترض أيضاً بأنه لم لا يجوز أن يكون ما به الامتياز أمراً عارضاً لا مقوماً حتى يلزم التركيب. وأجيب بأن ذلك يوجب أن يكون التعين عارضاً وهو خلاف ما ثبت بالبرهان، ولابن كمونة في هذا المقام شبهة شاع أنها عويصة الدفع عسيرة الحل حتى أن بعضهم سماه لا بدائها بافتخار الشياطين وهي أنه لم لا يجوز أن يكون هناك هويتان بسيطتان مجهولتا الكنه مختلفتان بتمام الماهية كل منهما واجباً بذاته ويكون مفهوم واجب الوجود منتزعاً منهما مقولاً عليها قولاً عرضياً، وقد رأيت في «ملخص الإمام» عليه الرحمة ونحوها. ولعلك إذا أحطت خبراً بحقيقة ما ذكرنا يسهل عليك حلها وإن أردت التوضيح فاستمع لما قيل في ذلك إن مفهوم واجب الوجود لا يخلو إما أن يكون انتزاعه عن نفس ذات كل منهما من دون اعتبار حيثية خارجة أية حيثية كانت أو مع اعتبار تلك الحيثية وكلا الشقين محال، أما الثاني فلما تقرر أن كل ما لم يكن ذاته مجرد حيثية انتزاع الوجوب فهو ممكن في ذاته، وأما الأول فلأن مصداق حمل مفهوم واحد ومطابق صدقه بالذات مع قطع النظر عن أية حيثية كانت لا يمكن أن يكون حقائق متخالفة متباينة بالذات غير مشتركة في ذاتي أصلاً، ولعل كل سليم الفطرة يحكم بأن الأمور المتخالفة من حيث كونها متخالفة بلا حيثية جامعة لا تكون مصداقاً لحكم واحد ومحكياً عنها به نعم يجوز ذلك إذا كانت تلك الأمور متماثلة من جهة كونها متماثلة ولو في أمر سلبـي بل نقول لو نظرنا إلى نفس مفهوم الوجودي المصدري المعلوم بوجه من الوجوه بديهة أدانا النظر والبحث إلى أن حقيقته وما ينتزع هو منه أمر قائم بذاته هو الواجب الحق الوجود المطلق الذي لا يشوبه عموم ولا خصوص ولا تعدد إذ كل ما وجوده هذا الوجود لا يمكن أن يكون بينه وبين شيء آخر له أيضاً هذا الوجود فرضاً مباينة أصلاً ولا تغاير فلا يكون إثنان بل يكون هناك ذات واحدة ووجود واحد كما لوح إليه صاحب «التلويحات» بقوله صرف الوجود الذي لا أتم منه كلما فرضته ثانياً فإذا نظرت فهو هو إذ لا ميز في صرف شيء فوجوب وجوده تعالى الذي هو ذاته سبحانه تدل على وحدته جل وعلا انتهى فتأمل. ولا يخفى عليك أن أكثر البراهين على هذا المطلب الجليل الشأن يمكن تخريج الآية الكريمة عليه ويحمل حينئذ الفساد على عدم التكون فعليك بالتخريج وإن أحوجك إلى بعض تكلف وإياك أن تقنع بجعلها حجة إقناعية كما ذهب إليه كثير فإن هذا المطلب الجليل أجل من أن يكتفي فيه بالإقناعات المبنية على الشهرة والعادة، ولصاحب «الكشف» طاب ثراه كلام يلوح عليه مخايل التحقيق في هذا المقام سنذكره إن شاء الله تعالى كما اختاره في تفسير قوله تعالى: { أية : إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } تفسير : [المؤمنون: 91] ثم لا تتوهمن أنه لا يلزم من الآية نفي الإثنين والواحد لأن نفي آلهة تغاير الواحد المعين شخصاً يستلزم بالضرورة إن كل واحد واحد / منهم يغايره شخصاً وهو أبلغ من نفي واحد يغاير المعين في الشخص على أنه طوبق به قوله تعالى: {أية : أَمِ ٱتَّخَذُواْ ءَالِهَةً مّنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنبياء: 21] وقيام الملازمة كاف في نفي الواحد والإثنين أيضاً. واستشكل سياق الآية الكريمة بأن الظاهر أنها إنما سيقت لإبطال عبادة الأصنام المشار إليه بقوله تعالى: { أية : أَمِ ٱتَّخَذُواْ ءَالِهَةً مّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ } تفسير : [الأنبياء: 21] لذكرها بعده، وهي لا تبطل إلا تعدد الإله الخالق القادر المدبر التام الألوهية وهو غير متعدد عند المشركين، { أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25] وهم يقولون في آلهتهم { أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } تفسير : [الزمر: 3] فما قالوا به لا تبطله الآية؛ وما تبطله الآية لم يقولوا به ومن هنا قيل معنى الآية لو كان في السماء والأرض آلهة كما يقول عبدة الأوثان: لزم فساد العالم لأن تلك الآلهة التي يقولون بها جمادات لا تقدر على تدبير العالم فيلزم فساد العالم. وأجيب بأن قوله تعالى: { أية : أَمِ ٱتَّخَذُواْ } تفسير : [الأنبياء:21] الخ مسوق للزجر عن عبادة الأصنام وإن لم تكن لها الألوهية التامة لأن العبادة إنما تليق لمن له ذلك وبعد الزجر عن ذلك أشار سبحانه إلى أن من له ما ذكر لا يكون إلا واحداً على أن شرح اسم الإله هو الواجب الوجود لذاته الحي العالم المريد القادر الخالق المدبر فمتى أطلقوه على شيء لزمهم وصفه بذلك شاؤا أو أبوا فالآية لإبطال ما يلزم قولهم على أتم وجه. {فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} أي نزهوه أكمل تنزيه عن أن يكون من دونه تعالى آلهة كما يزعمون فالفاء لترتيب ما بعده على ما قبلها من ثبوت الوحدانية، وإبراز الجلالة في موقع الإضمار للإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية مناط لجميع صفات الكمال التي من جملتها تنزهه تعالى عن الشركة ولتربية المهابة وإدخال الروعة، والوصف برب العرش لتأكيد التنزه مع ما في ذلك من تربية المهابة، والظاهر أن المراد حقيقة الأمر بالتنزيه، وقيل: المراد بالتعجيب ممن عبد تلك المعبودات الخسيسة وعدها شريكاً مع وجود المعبود العظيم الخالق لأعظم الأشياء، والكلام عليه أيضاً كالنتيجة لما قبله من الدليل.

ابن عاشور

تفسير : جملة مبينة للإنكار الذي في قوله تعالى {أية : أم اتخذوا آلهة}تفسير : [الأنبياء: 21] ولذلك فصلت ولم تعطف. وضمير المثنى عائد إلى {أية : السماوات والأرض}تفسير : [الأنبياء: 19] من قوله تعالى: {أية : وله من في السماوات والأرض}تفسير : [الأنبياء: 19] أي لو كان في السماوات والأرض آلهة أخرى ولم يكن جميع من فيها مِلكاً لله وعباداً له لفسدت السماوات والأرض واختل نظامهما الذي خُلقتا به. وهذا استدلال على بطلان عقيدة المشركين إذ زعموا أن الله جعل آلهة شركاء له في تدبير الخلق، أي أنه بعد أن خلق السماوات والأرض أقام في الأرض شركاء له، ولذلك كانوا يقولون في التلبية في الحج «لبيكَ لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك تملكه ومَا ملك» وذلك من الضلال المضطرب الذي وضعه لهم أيمة الكفر بجهلهم وترويج ضلالهم على عقول الدهماء. وبذلك يتبين أن هذه الآية استدلال على استحالة وجود آلهة غير الله بعد خلق السماوات والأرض لأن المشركين لم يكونوا ينكرون أن الله هو خالق السماوات والأرض، قال تعالى: {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} تفسير : في سورة [الزمر: 38]، وقال تعالى: {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} تفسير : في سورة الزخرف (9). فهي مسوقة لإثبات الوحدانية لا لإثبات وجود الصانع إذ لا نزاع فيه عند المخاطبين، ولا لإثبات انفراده بالخلق إذ لا نزاع فيه كذلك، ولكنها منتظمة على ما يناسب اعتقادهم الباطل لكشف خطئهم وإعلان باطلهم. والفساد: هو اختلال النظام وانتفاء النفع من الأشياء. ففساد السماء والأرض هو أن تصيرا غير صالحتين ولا منتسقتي النظام بأن يبطل الانتفاع بما فيهما. فمن صلاح السماء نظام كواكبها، وانضباط مواقيت طلوعها وغروبها، ونظام النور والظلمة. ومن صلاح الأرض مهدها للسير، وإنباتها الشجرَ والزرع، واشتمالها على المرعى والحجارة والمعادن والأخشاب، وفساد كل من ذلك ببطلان نظامه الصالح. ووجه انتظام هذا الاستدلال أنه لو تعددت الآلهة للزم أن يكون كل إله متصفاً بصفات الإلهية المعروفةِ آثارها، وهي الإرادة المطلقة والقدرة التامة على التصرف، ثم إن التعدد يقتضي اختلاف متعلقات الإرادات والقُدَر لأن الآلهة لو استوت في تعلقات إراداتها ذلك لكان تعدد الآلهة عبثاً للاستغناء بواحد منهم، ولأنه إذا حصل كائن فإن كان حدوثه بإرادة متعددين لزم اجتماع مؤثريْن على مؤثّر واحد وهو محال لاستحالة اجتماع علتين تامتين على معلول واحد. فلا جرم أن تعدد الآلهة يستلزم اختلاف متعلقات تصرفاتها اختلافاً بالأنواع، أو بالأحوال، أو بالبقاع، فالإله الذي لا تنفذ إرادته في بعض الموجودات ليس بإله بالنسبة إلى تلك الموجودات التي أوجدها غيره. ولا جرم أن تختلف متعلقات إرادات الآلهة باختلاف مصالح رعاياهم أو مواطنهم أو أحوال تصرفاتهم فكل يغار على ما في سُلطانه. فثبت أنّ التعدد يستلزم اختلاف الإرادات وحدوثَ الخلاف. ولما كان التماثل في حقيقة الإلهية يقتضي التساوي في قوة قدرة كل إله منهم، وكان مقتضياً تمام المقدرة عند تعلق الإرادة بالقهر للضد بأن لا يصده شيء عن استئصال ضده، وكل واحد منهم يدفع عن نفسه بغزو ضده وإفساد ملكه وسلطانه، تعين أنه كلما توجه واحد منهم إلى غزو ضده أن يُهلك كلَّ ما هو تحت سلطانه فلا يزال يَفْسُد ما في السماوات والأرض عند كل خلاف كما قال تعالى: {أية : وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} تفسير : في سورة المؤمنون (91). فلا جرم دلت مشاهدة دوام السماوات والأرض على انتظامهما في متعدد العصور والأحوال على أنّ إلهَها واحد غير متعدد. فأما لو فُرض التفاوت في حقيقة الإلهية فإن ذلك يقتضي رُجحان بعض الآلهة على بعض، وهو أدخل في اقتضاء الفساد إذ تصير الغلبة للأقوى منهم فيجعل الكل تحت كلاكله ويَفسد على كل ضعيف منهم ما هو في حَوزته فيكون الفساد أسرع. وهذا الاستدلال ــــ باعتبارِ كونه مسوقاً لإبطال تعدّدِ خاص، وهو التعدد الذي اعتقده أهل الشرك من العرب واليونان الزاعمِين تعدد الآلهة بتعدد القبائل والتصرفات، وكذا ما اعتقده المانوية من الفرس المثبتين إلهين أحدهما للخير والآخر للشّر أو أحدهما للنور والآخر للظلمة ــــ هو دليل قطعي. وأما باعتبار ما نحاه المتكلمون من الاستدلال بهذه الآية على إبطال تعدد الآلهة من أصله بالنسبة لإيجاد العالم وسمّوه برهان التمانع، فهو دليل إقناعي كما قال سعد الدين التفتزاني في «شرح النسفية». وقال في «المقاصد»: «وفي بعضها ضعف لا يخفى». وبيانه أن الاتفاق على إيجاد العالم يمكن صدوره من الحكيمين أو الحكماء فلا يتم الاستدلال إلا بقياس الآلهة على الملوك في العُرف وهو قياس إقناعي. ووجه تسميته برهان التمانع أن جانب الدلالة فيه على استحالة تعدد الإله هو فرض أن يتمانع الآلهة، أي يمنعَ بعضهم بعضاً من تنفيذ مراده، والخوض فيه مَقامُنا غنيٌّ عنه. والمنظور إليه في الاستدلال هنا هو لزوم فساد السماوات والأرض لا إلى شيء آخر من مقدمات خارجة عن لفظ الآية حتى يصير الدليل بها دليلاً قطعياً لأن ذلك له أدلة أخرى كقوله تعالى {أية : وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض}، تفسير : وسيجيء في سورة المؤمنون (91). وأما الاستدلال ببرهان التمانع فللمتكلمين في تقريره طريقتان ذكرهما صاحب «المواقف». الأولى: طريقة الاستدلال بلزوم التمانع بالفعل وهي الطريقة المشهورة. وتقريرها: أنه لو كان للعالم صانعان متماثلان في القدرة، فلا يخلو إما أن تتفق إرادتاهما وحينئذ فالفعل إن كان بإرادتيهما لزم اجتماع مؤثرين تامين على مؤثر ــــ بفتح المثلثة ــــ واحدٍ وهو محال لامتناع اجتماع العلتين التامتين على معلول واحد. وإن كان الفعل بإحدى الإرادتين دون الأخرى لزم ترجيح إحداهما بلا مُرجح لاستوائهما في الصفة والموصوف بها، وإما أن تختلف إرادتاهما فيلزم التمانع، ومعناه أن يمنع كل منهما الآخر من الفعل لأن الفرض أنهما مستويان في القدرة. ويرد على الاستدلال بهاته الطريقة أمور: أحدها أنه لا يلزم تساوي الإلهين في القدرة بل يجوز عقلاً أن يكون أحدهما أقوى قدرةً من الآخر، وأجيب عنه بأن العجز مطلقاً مناف للألوهية بداهةً. قاله عبد الحكيم في «حاشية البيضاوي». الأمر الثاني: يجوز أن يتفق الإلهان على أن لا يريد أحدهما إلا الأمرَ الذي لم يرده الآخر فلا يلزم عجز من لم يفعل. الأمر الثالث: يجوز أن يتفق الإلهان على إيجاد الأمر المراد بالاشتراك لا بالاستقلال. الأمر الرابع: يجوز تفويض أحدهما للآخر أن يفعل فلا يلزم عجز المفوّض لأن عدم إيجاد المقدور لمانععٍ أرَاده القادرُ لا يسمّى عجزاً، لا سيما وقد حصل مراده، وإن لم يفعله بنفسه. والجواب عن هذه الثلاثة الأخيرة أنّ في جميعها نقصاً في الألوهية لأن الألوهية من شأنها الكمال في كل حال. إلا أن هذا الجواب لا يخرج البرهان عن حد الإقناع. الطريقة الثانية: عول عليها التفتزاني في «شرح العقائد النسفية» وهي أنّ تعدد الإلهين يستلزم إمكان حصول التمانع بينهما، أي أن يمنع أحدهما ما يريده الآخر، لأن المتعددين يجوز عليهم الاختلاف في الإرادة. وإذا كان هذا الإمكان لازماً للتعدد فإن حصل التمانع بينهما إذ تعلقت إرادة أحدهما بوجود شخص معين وتعلقت إرادة الآخر بعدم وجوده، فلا يصح أن يحصل المُرَادَانِ معاً للزوم اجتماع النقيضين، وإن حصل أحد المرادين لزم عجز صاحب المراد الذي لم يحصل، والعجزُ يستلزم الحدوث وهو محال، فاجتماع النقيضين أو حدوث الإله لازمُ لازِمِ لازمٍ للتعدد وهو محال، ولازم اللازم لازمٌ فيكون الملزوم الأول محالاً، قال التفتزاني: وبه تندفع الإيرادات الواردة على برهان التمانع. وأقول يرد على هذه الطريقة أن إمكان التمانع لا يوجب نهوض الدليل، لأن هذا الإمكان يستحيل وقوعه باستحالة حدوث الاختلاف بين الإلهين بناء على أنّ اختلاف الإرادة إنما يجيء من تفاوت العلم في الانكشاف به، ولذلك يقل الاختلاف بين الحكماء. والإلهان نفرضهما مستويين في العلم والحكمة فعلمهما وحكمتهما يقتضيان انكشافاً متماثلاً فلا يريد أحدهما إلا ما يريده الآخر فلا يقع بينهما تمانع، ولذلك استدل في المقاصد على لزوم حصول الاختلاف بينهما بحكم اللزوم العادي. بقي النظر في كيفية صدور الفعل عنهما فذلك انتقال إلى ما بنيت عليه الطريقة الأولى. وإن احتمال اتفاق الإلهين على إرادة الأشياء إذا كانت المصلحة فيها بناء على أنّ الإلهين حكيمان لا تختلف إرادتهما، وإن كان احتمالاً صحيحاً لكن يصير به تعدد الإله عبثاً لأن تعدد ولاة الأمور ما كان إلا لطلب ظهور الصواب عند اختلافهما، فإذا كانا لا يختلفان فلا فائدة في التعدد، ومن المحال بناء صفة أعلى الموجودات على ما لا أثر له في نفس الأمر، فالآية دليل قطعي. ثم رجع عن ذلك في «شرح النسفية» فحقق أنها دليل إقناعي على التقديرين، وقال المحقق الخيالي إلى أنها لا تكون دليلاً قطعياً إلا بالنظر إلى تحقيق معنى الظرفية من قوله تعالى {فيهما}، وعين أن تكون الظرفية ظرفية التأثير، أي لو كان مؤثر فيهما، أي السماوات والأرض غير الله تكون الآية حجة قطعية. وقد بسطه عبد الحكيم في «حاشيته على الخيالي» ولا حاجة بنا إلى إثبات كلامه هنا. والاستثناء في قوله تعالى {إلا الله} استثناء من أحد طرفي القضية لا من النسبة الحكمية، أي هو استثناء من المحكوم عليه لا من الحكم. وذلك من مواقع الاستثناء لأن أصل الاستثناء هو الإخراج من المستثنى منه فالغالب أن يكون الإخراج من المستثنى باعتبار تسلط الحكم عليه قبلَ الاستثناء وذلك في المفرغ وفي المنصوب، وقد يكون باعتباره قبل تسلط الحكم عليه وذلك في غير المنصوب ولا المفرغ فيقال حينئذ إن (إلا) بمعنى غير والمستثنى يعرب بدلاً من المستثنى منه. وفُرع على هذا الاستدلال إنشاءُ تنزيه الله تعالى عن المقالة التي أبطلها الدليل بقوله تعالى: {فسبحان الله ربّ العرش عما يصفون} أي عما يصفونه به من وجود الشريك. وإظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار لتربية المهابة. ووصفه هنا برب العرش للتذكير بأنه انفرد بخلق السماوات وهو شيء لا ينازعون فيه بل هو خالق أعظم السماوات وحاويها وهو العرش تعريضاً بهم بإلزامهم لازم قولهم بانفراده بالخلق أن يلزم انتفاء الشركاء له فيما دون ذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : {آلِهَةٌ} {فَسُبْحَانَ} (22) - لَوْ كَانَ فِي السَّمَاء والأَرْضِ آلهَةٌ آخَرُونَ غَيْرُ اللهِ لَفَسَدَتِ الأمورُ، واضَطربَ نِظَامُ الكونِ لأنَّ كُلَّ إِلهٍ يُمْكِنُ أَنْ يَذْهَبَ بِمَا خَلَقَهُ، وَيَسْتَقِلَّ بِهِ، فَيَتَلاَشَى هَذَا التَّنَاسُقُ البَدِيعُ القائمُ فِي هَذا الكَوْنِ، وهَذَا دَلِيلٌ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، تَنَزَّهَ اسْمُهُ الكريمُ عَمَّا يقولُهُ الظَّالِمُونَ مِنْ أَنَّ لَهُ وَلَداً أَوْ شَرِيكاً فِي المُلْكِ. لَفَسَدَتَا - لاَخْتَلَّ نِظَامُهُمَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فمَع انصرافكم عن الإله الحق الذي له مُلْك السماء والأرض، وله تُسبِّح جميع المخلوقات، لا يوجد إله آخر {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ..} [الأنبياء: 22] أي: ما زال الكلام مرتبطاً بالسماء والأرض {لَفَسَدَتَا ..} [الأنبياء: 22] السماء والأرض، وهما ظرفان لكلِّ شيء من خَلْق الله. ومعنى {إِلاَّ ٱللَّهُ ..} [الأنبياء: 22] إلا: أداة استثناء تُخرِج ما بعدها عن حكم ما قبلها كما لو قلتَ: جاء القوم إلا محمد، فقد أخرجتَ محمداً عن حكم القوم وهو المجيء، فلو أخذنا الآية على هذا المعنى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ..} [الأنبياء: 22] يعني: لو كان هناك آلهة، الله خارج عنها لفسدت السماوات والأرض. إذن: ما الحال لو قلنا: لو كان هناك آلهة والله معهم؟ معنى ذلك أنها لا تفسد. فإلا إنْ حققت وجود الله، فلم تمنع الشَّركة مع الله، وليس هذا مقصود الآية، فالآية تقرر أنه لا إله غيره. إذن: (إلا) هنا ليست أداةَ استثناء. إنما هي اسم بمعنى (غير) كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ..}تفسير : [هود: 36]. فالمعنى: لو كان فيهما آلهة موصوفة بأنها غير الله لَفسدتَا، فامتنع أن يكون هناك شريك. وهناك آية أخرى: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42]. الحق - سبحانه وتعالى - يعطينا القسمة العقلية في القرآن: فلنفرض جدلاً أن هناك آلهة أخرى: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً ..} تفسير : [الإسراء: 42] أي: لو حدث هذا {أية : لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42]. السبيل: الطريق، أي طلبوا طريقاً إلى ذي العرش أي: إلى الله، لماذا؟ إما ليجادلوه ويصاولوه، كيف أنه أخذ الألوهية من خلف ظهورهم، وإمّا ليتقربوا إليه ويأخذوا ألوهية من باطنه، وقوة في ظل قوته، كما أعطى الله تعالى قوة فاعلة للنار مثلاً من باطن قوته تعالى، فالنار لا تعمل من نفسها، ولكن الفاعل الحقيقي هو الذي خلق النار، بدليل أنه لو أراد سبحانه لَسلَبها هذه القدرة، كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69]. وقوله: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} تفسير : [المؤمنون: 91] وهذه الآية الكريمة وأمثالها تثبت أنه سبحانه موجود وواحد. أما على اعتبار أن (إلا) استثناء فهي تثبت أنه موجود، إنما معه شريك، وليس واحداً. فهي - إذن - اسم بمعنى غير، ولما كانت مبنية بناء الحروف ظهر إعرابها على ما بعدها (لو كان فيهما آلهة إلا اللهُ) فيكون إعراب (غيرُ) إعرابَ (إلا) الذي ظهر على لفظ الجلالة (اللهُ). لكن، لماذا تفسد السماء والأرض إنْ كان فيهما آلهة غير الله؟ قالوا: لأنك في هذه المسألة أمام أمرين: إما أن تكون هذه الآلهة مستوية في صفات الكمال، أو واحد له صفات الكمال والآخر له صفة نقص. فإنْ كان لهم صفات الكمال، اتفقوا على خَلْق الأشياء أم اختلفوا؟ إنْ كانوا متفقين على خَلْق شيء، فهذا تكرار لا مُبرِّر له، فواحد سيخلق، والآخر لا عملَ له، ولا يجتمع مؤثران على أثر واحد. فإن اختلفوا على الخَلْق: يقول أحدهم: هذه لي. ويقول الآخر: هذه لي، فقد علا بعضهم على بعض. أما إنْ كان لأحدهم صفة الكمال، وللآخر صفة النقص، فصاحب النقص لا يصحّ أن يكونَ إلهاً. وهكذا الحق - سبحانه وتعالى - يُصرِّف لنا الأمثال ويُوضِّحها ليجلي هذه الحقيقة بالعقل وبالنقل: لا إله إلا الله، واتخاذ آلهة معه سبحانه أمر باطل. كذلك يردُّ على الذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل مَنْ قالوا: العزيرُ ابن الله ومَنْ قالوا: المسيح ابن الله. ومَن اتخذوا الملائكة آلهة من دون الله: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ..} تفسير : [الإسراء: 57]. إن هؤلاء الذين تدعُونهم مع الله يطلبون إليه وسيلة، ويتقرّبون إليه سبحانه، وينظرون أيّهم أقرب إلى الله من الآخر، فكيف يكونون آلهة؟ ثم يقول تعالى: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ ..} [الأنبياء: 22] أي: تنزيهاً لله عَمَّا قال هؤلاء {عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] أي: يُلحِدون ويكذبون ويفترون. والعرش: هو السرير الذي يجلس عليه الملك، وهو علامة الملْك والسيطرة، كما في قوله تعالى عن ملكة سبأ على لسان الهدهد: {أية : إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل: 23] فحين يقول سبحانه {رَبِّ ٱلْعَرْشِ ..} [الأنبياء: 22] ينصرف إلى عرشه تعالى، الذي لا يعلو عليه، ولا ينازعه عَرْش آخر. ثم يقول الحق سبحانه عن ذاته سبحانه: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا ...}.

الأندلسي

تفسير : {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} نزه نفسه عما وصفه به أهل الجهل ثم وصف نفسه بأنه مالك هذا المخلوق العظيم الذي جميع العالم هو متضمنهم ثم وصف نفسه بكمال القدرة ونهاية الحكمة فقال: لا يسأل عما يفعل إذ له أن يفعل في ملكه ما يشاء وفعله على أقصى درجات الحكمة فلا اعتراض ولا تعقب عليه والظاهر في قوله: لا يسأل العموم في الأزمان. {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} عن أعمالهم ثم كرر تعالى عليهم الإِنكار والتوبيخ فقال: أم اتخذوا من دونه آلهة استفظاعاً لشأنهم واستعظاماً لكفرهم وزاد في هذا التوبيخ قوله: من دونه فكأنه وبخهم على قصد الكفر بالله عز وجل ثم دعاهم إلى الإِتيان بالحجة على ما اتخذوا ولا حجة تقوم على أن لله شريكاً لا من جهة العقل ولا النقل بل كتب الله السابقة شاهدة بتنزيهه تعالى عن الشركاء والانداد كما في الوحي الذي جئتكم به. {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ} أي عظة للذين معي وهم أمته. {وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} وهم أمم الأنبياء والذكر هنا مراد به الكتب الإِلهية ويجوز أن يكون هذا إشارة إلى القرآن والمعنى في ذكر الأولين والآخرين بالدعوة وبيان الشرع وذكر الأولين بقص أخبارهم وذكر الغيوب في أمورهم والمعنى على هذا عرض القرآن في معرض البرهان أي: {هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} فهذا برهاني في ذلك ظاهر. {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} الآية أخبر تعالى أنه ما أرسل من رسول إلا جاء مقرراً لتوحيد الله وإفراده بالإِلهية والأمر بالعبادة ولما كان من رسول عاماً وكان له لفظ ومعنى أفرد على اللفظ في قوله: {إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ} ثم جمع على المعنى في قوله: {فَٱعْبُدُونِ} ولم يأت التركيب فاعبدني ويحتمل أن يكون الأمر له ولأمته ثم نزه تعالى نفسه عما نسبوا إليه من الولد قيل ونزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله وقالت النصارى نحو هذا في عيسى واليهود في عزير ثم أضرب تعالى عن نسبة الولد إليه فقال. {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} تقديره بل هم عباد مكرمون ويشمل هذا اللفظ الملائكة وعزيراً والمسيح. {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ} المعنى أنهم يتبعون قوله: ولا يقولون شيئاً حتى يقوله: فلا يسبق قولهم قوله: {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} فكما أن قولهم تابع لقوله: كذلك فعلهم مبني على أمره لا يعملون عملاً ما لم يؤمروا به وهذه عبارة عن توغلهم في طاعته والامتثال لأمره. {وَلاَ يَشْفَعُونَ} لما كانوا مقهورين تحت أمره وملكوته وهو محيط بهم لم يجسروا على أن يشفعوا. {إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} الله تعالى وأهله للشفاعة في زيادة الثواب والتعظيم ثم هم مع ذلك. {مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} متوقعون حذرون لا يأمنون مكر الله وقال ابن عباس: لمن ارتضى هو من قال: لا إله إلا الله وشفاعتهم الاستغفار. {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ} بعد أن وصف كرامتهم عليه وأثنى عليهم وأضاف إليهم تلك الأفعال السنية فاجأ بالوعيد الشديد وأنذر بعذاب جهنم من ادعى منهم أنه إله وذلك على سبيل الفرض والتمثيل مع علمه بأنه لا يكون كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [الأنعام: 88] قصد بذلك تفظيع أمر الشرك وتعظيم شأن التوحيد. {كَذَلِكَ} مثل ذلك الجزاء نجزي الظالمين وهم الكافرون الواضعون الشىء في غير موضعه وأداة الشرط تدخل على الممكن والممتنع نحو قوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}تفسير : [الزمر: 65]. {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} الآية هذا استفهام توبيخ لمن ادعى مع الله آلهة ودلالة على تنزيهه عن الشريك وتوكيد لما تقدّم من أدلة التوحيد وقوله: {كَانَتَا رَتْقاً} قال الزجاج: السماوات جمع أريد به الواحد ولهذا قال: كانتا رتقاً لأنه أراد السماء والأرض قال ابن عباس: وجماعة كانتا شيئاً واحداً ففضل الله بينهما بالهواء وقيل في الرتق والفتق غير ذلك يقال رتق الشىء سده فارتقق ومنه الرتقاء للمنضنمة الفرج وفتق فصل ما بين المتصلين. {وَجَعَلْنَا} ان تعدت الواحد كانت بمعنى خلقنا. {مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ} حيوان أي مادته النطفة وإن تعدت إلى اثنين فالمعنى صيرنا كل. {شَيْءٍ حَيٍّ} متسبباً من الماء لا بد له منه. {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} استفهام إنكار وفيه معنى التعجب من ضعف عقولهم والمعنى أفلا يتدبرون هذه الأدلة ويعملوا بمقتضاها. {وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ} تقدم نظيره في النحل والظاهر أن الضمير فيها عائد على الأرض وقيل على الرواسي وجاء هنا تقديم فجاجاً على قوله سبلاً وفي سورة نوح لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً لأجل الفواصل. {وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً} وما رفع وسمك على شىء فهو سقف وعن بن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى السماء فقال: إن السماء سقف مرفوع وموج مكفوف يجري كما يجري السهم محفوظاً من الشياطين . تفسير : {وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا} أي عما وضع الله تعالى فيها من الأدلة والعبر بالشمس والقمر وسائر النيرات ومسايرها وطلوعها وغروبها على الحساب القويم والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة. {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} قدم الليل لأن الظلمة تسبق النور والشمس على القمر لأن القمر يستمد النور منها. {كُلٌّ فِي فَلَكٍ} الفلك الجسم الدائر دورة اليوم والليلة وعن ابن عباس الفلك السماء وقال أكثر المفسرين: الفلك موج مكفوف تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر كل في فلك الذي حذف مضافة يجوز أن يعود الضمير عليه مفرداً كقوله تعالى: {أية : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}تفسير : [الإسراء: 84] ويجوز أن يعود عليه جمعاً كقوله تعالى: {أية : وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ}تفسير : [الأنفال: 54] وجاء هنا بمضير الجمع في قوله: يسبحون رعيا للفواصل وكني بالسبح عن الجريان وجاء الضمير مجموعاً وإن كان عائداً على الشمس والقمر باعتبار أوقات مطالعهما لكثرة المطالع. {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} قيل ان بعض المسلمين قال: ان محمداً لا يموت وإنما هو مخلد فأنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت والفاء في أفان مت للعطف وقدمت عليها همزة الاستفهام له صدر الكلام وهمزة الاستفهام دخلت على أن الشرطية والجملة بعدها جواب الشرط وليست مصب الاستفهام فتكون الهمزة داخلة عليها واعترض الشرط بينهما فحذف جوابه هذا مذهب سيبويه وزعم يونس أن تلك الجملة هي مصب الاستفهام والشرط معترض بينهما وجوابه محذوف وفي هذه الآية دليل لمذهب سيبويه وللمذهبين تقرير في علم النحو: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} تقدّم الكلام عليه. {وَنَبْلُوكُم} نختبركم وقدم الشر لأن الابتلاء به أكثر ولأن العرب تقدم الأقل والأرد أو عن ابن عباس الخير والشر هنا عام في الغنى والفقر والصحة والمرض والطاعة والمعصية. {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} فنجازيكم على ما صدر منكم في حالة الابتلاء من الصبر والشكر وفي غير الابتلاء. {وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} الآية، قال السدي: ومقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي جهل وأبي سفيان فقال أبو جهل: هذا نبي بني عبد مناف فقال أبو سفيان وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف فسمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأبي جهل ما تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة وأما أنت يا أبا سفيان فإِنما قلت ما قتله حمية فنزلت وان نافية بمعنى ما والظاهر أن جواب إذا هو أن يتخذونك وجوب إذا بان النافية لم يرد منه في القرآن إلا هذا وقوله في الفرقان وإذا رأوك. أن يتخذونك الا هزأ ولم يحتج إلى الفاء في الجواب كما لم تحتج إليه ما إذا وقت جواباً كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ} تفسير : [الجاثية: 25] بخلاف أدوات الشرط فإِنها إذا كان الجواب مصدراً بما النافية فلا بد من الفاء نحو أن تزرنا فما نسيء إليك. {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} أهذا استفهام فيه إنكار وتعجيب والذكر يكون بالخير والشر فإِذا لم يذكر متعلقة فالقرينة تدل عليه فإِن كان من صديق فالذكر ثناء أو من غيره فذم ومنه قالوا سمعنا فتى يذكرهم أي بسوء وكذلك هنا أي أهذا الذي يذكر آلهتكم ثم نعي عليهم إنكارهم عليه ذكر آلهتهم بهذه الجملة الحالية وهي وهم بذكر الرحمن هم كافرون أي منكرون وهذه حالهم يكفرون بذكر الرحمن وهو ما أنزل من القرآن فمن هذه حالة لا ينبغي أن ينكر على من يعيب آلهتهم والظاهر أن هذه الجملة حال من الضمير في يقولون المحذوف ولما كانوا يستعجلون عذاب الله وآياته الملجئة إلى الإِقرار والعلم نهاهم تعالى عن الاستعجال وقدم أولاً ذم الإِنسان على فراط العجلة وأنه مطبوع عليها والظاهر أنه يراد بالإِنسان هنا إسم الجنس وكونه خلق من عجل هو على سبيل المبالغة لما كان يصدر منهم كثيراً كما تقول لمكثر اللعب أنت من لعب. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} فمتى استفهام على جهة الهزؤ وكان المسلمون يتوعدونهم على لسان الشرع * ومتى في موضع الخبر لهذا فموضعه رفع وهو على حذف مضاف تقديره حتى انجاز هذا الوعد. {لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية الظاهر أن مفعول يعلم محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستبطؤه وحين منصوب بالمفعول الذي هو مجيء ويجوز أن يكون من باب الأعمال على حذف مضاف وأعمل الثاني والمعنى لو يعلمون مباشرة النار حين لا يكفونها عن وجوههم وذكر الوجه لأنه أشرف ما في الإِنسان ومحل حواسه والإِنسان أحرص على الدفاع عنه من غيره من أعضائه ثم عطف عليها الظهور والمراد عموم النار لجميع أبدانهم ولا أحد يمنعهم من العذاب وجواب لو محذوف تفسيره لسعوا فيما يخلصهم من عذاب الله والظاهر أن الضمير في تأتيهم عائد على النار بغتة أي فجأة. {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي لا يؤخرون عما حل بهم من العذاب ولما تقدم قوله: إن يتخذونك إلا هزؤا سلاه تعالى بأن من تقدمه من الرسل وقع من أحمهم الاستهزاء بهم وأن ثمرة استهزائهم جنوها هلاكاً وعقاباً في الدنيا والآخرة فكذلك حال هؤلاء المستهزئين وتقدم تفسير مثل هذه الآية في الانعام ثم أمره تعالى أن يسألهم من الذي يحفظكم في أوقاتكم من يأس الله أي: لا أحد يحفظكم منه وهو استفهام توبيخ وتقريع وفي الكلام تقدير محذوف كأنه قال ليس لهم ما نع ولا كالىء وعلى هذا النفي تركبت بل في قوله تعالى: {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ}. {تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا} أي: من جهة غير جهتنا ويجوز أن يكون في موضع الصفة لقوله: آلهة أي كائنة من جهتنا تمنعهم لما ذكر تعالى نفي منع آلهتهم وذكر أيضاً عنهم أنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منقادون منا أي يؤخذون منا يقال أصحب فلان فلاناً إذا أقاده ومنه قول الشاعر: ولست بذي رثيه امر إذا قيد مستكرهاً أصحبا يريد إنقاد والرثية البطؤ في الشىء والأمر الرجل الذي يطيع كل ما أمر. {بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ} قال أكثر المفسرين: انها نزلت في كفار مكة وهؤلاء إشارة إلى المخاطبين من كفار مكة ومن اتخذ آلهة من دون الله أخبر تعالى أنه متع هؤلاء الكفار وآباءهم من قبلهم بما رزقهم من حطام الدنيا حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة وتدعوا في الضلالة بإِمهاله إياهم وتأخيرهم إلى الوقت الذي يأخذهم فيه. {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ} تقدم تفسير هذه الجملة في آخر الرعد وفي قوله: {أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} دليل على أنهم هم المغلوبون فهو استفهام فيه تقريع لهم وتوبيخ حيث لم يعتبروا بما يجري عليهم ثم أمره تعالى أن يقول لهم إنما أنذركم بالوحي أي أعلمكم بما تخافون منه بوحي من الله لا من تلقاء نفسي وما كان من جهة الله فهو الصدق الواقع لا محالة كما رأيتم بالعيان من نقصان الأرض من أطرافها * ثم أخبر أنهم مع إنذارهم معرضون عما أنذروا به والإِنذار لا يجدي فيهم إذ هم صم عن سماعه ولما كان الوحي من المسموعات كان ذكر الصم مناسباً والصم هم المنذرون فأل فيه للعهد وناب الظاهر مناب المضمر لأن فيه التصريح بتصامهم وسد أسماعهم إذ أنذروا ونفي السماع هنا هو نفي جدواه ثم أخبر تعالى أن هؤلاء الذين صموا عن سماع ما أنذروا به إذ نالهم شىء مما أنذروا به ولو كان يسيراً نادوا بالهلاك وأقروا بأنهم كانوا ظالمين نبهوا على العلة التي أوجبت لهم العذاب وهو ظلم الكفر وذلوا وأذعنوا قال ابن عباس: نفحة طرف وعنه هو الجوع الذي نزل بمكة ولما ذكر حالهم في الدنيا إذا أصيبوا بشيء استطرد لما يكون في الآخرة التي هي مقر الثواب والعقاب فأخبر تعالى عن عدله وأسند ذلك إلى نفسه بنون العظمة فقال: {وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ} وتقدم الكلام على الموازين في أول الاعراف والقسط مصدر قسط وصفت به الموازين مبالغة فكأنها جعلت في أنفسها القسط أو على حذف مضاف أي ذوات القسط ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله أي لأجل القسط وقرىء: {مِثْقَالَ} بالرفع فاعل لكان وهي تامة ومثقال بالنصب على خبر كان واسمها مضمرمة تقديره وإن كان هو أي العمل أو الشىء والجملة دالة على جميع ما يفعل الإِنسان من صغير وكبير وتفسيره بـ {حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} مبالغة في التقليل وأنث الضمير في بها وهو عائد على مذكر وهو مثقال لإِضافته إلى مؤنث. {وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} فيه توعد وبنا فاعل والباء زائدة نحو كفى بالله وهو إشارة إلى ضبط أعمالهم من الحساب وهو العد والإِحصاء والظاهر أن حاسبين تمييز لقبوله من ويجوز أن يكون حالاً. {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ} لما ذكر ما آتى رسوله وحال مشركي العرب حال ذكر ما أوتي موسى وهارون بإِشارة إلى قصتها مع قومهما مع ما أوتوا من الفرقان والضياء والذكر ثم نبه على ما آتى رسوله من الذكر المبارك ثم استفهم على سبيل الإِنكار على إنكارهم ما آتى رسله والفرقان التوراة وهو الضياء والذكر أي كتاباً هو فرقان وضياء وذكر ويدل على هذا المعنى قراءة ابن عباس ضياء بغير واو. {وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} استئناف اخبار عنهم وأن يكون معطوفاً على صلة الذين وتكون الصلة الأولى مشعرة بالتجدد دائماً كأنها حالتهم فيما يتعلق بالدنيا والصلة الثانية من مبتدأ وخبر عنه بالاسم المشعر بثبوت الوصف كأنها حالتهم فيما يتعلق بالآخرة ولما ذكر ما آتى بموسى وهارون عليهما السلام أشار إلى ما آتى محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: وهذا ذكر أي وهذا القرآن ذكر مبارك أي كثير منافعه غزير خيره وجاءنا هنا الوصف بالاسم بالجملة جرياً على الأشهر. {وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} تقدم الكلام عليه في الانعام. {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} استفهام إنكار وتوبيخ وهو خطاب للمشركين والضمير في له عائد على ذكر وهو القرآن وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإذ أنكر ذلك المشركون كما أنكر أسلاف اليهود ما أنزل الله على موسى عليه السلام. {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ} الآية لما تقدم الكلام في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد اتبع ذلك بذكر أنبياء وما جرى لهم كل ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليتأسى بهم فيما جرى عليه من قومه وقرىء: {رُشْدَهُ} ورشده والرشد الظاهر أنها النبوة والمضاف إليه من قبل محذوف وهو معرفة ولذلك بني قبل أي من قبل موسى وهارون والضمير في به الظاهر أنه عائد على إبراهيم وعلمه تعالى به أنه علم منه أحوالاً عجيبة وأسراراً بديعة فأهله لخلته كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124] * وهذا من أعظم المدح وأبلغه إذ أخبر تعالى أنه آتاه الرشد وأنه عالم بما آتاه ربه صلى الله عليه وسلم ثم استطرد من ذلك إلى تفسير الرشد وهو الدعاء إلى توحيد الله تعالى ورفض ما عبد من دونه وإذ معمولة لآتينا وبدأ أولاً بذكر أبيه لأنه الأهم عنده في النصيحة وإنقاذه من الضلالة ثم عطف عليه قومه كقوله تعالى: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ}تفسير : [الشعراء: 214] وفي قوله: {مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ} تحقير لها وتصغير لشأنها وتجاهل بها مع علمه بها وبتعظيمهم لما وفي خطابه لهم بقوله: أنتم استهانة بهم وتوقيف على سوء صنيعهم والتمثال الصورة المصنوعة مشبهة لمخلوق من مخلوقات الله ومنه مثلث الشىء بالشىء إذا شبهته به * وقال امرؤ القيس: شعر : ويا رب يوم قد لهوت وليلة بآنسة كأنها خط تمثال تفسير : وعكف يتعدى بعلى كقوله تعالى: {أية : يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ}تفسير : [الأعراف: 138] فقيل لها بمعنى عليها كما قيل في قوله: وإن أسأتم فلها والظاهر أن اللام في لها لام التعليل أي لتعظيمها وصلة عاكفون محذوفة أي على عبادتها وقيل ضمن عاكفون معنى عابدين فعداه باللام ولما سألهم أجابوه بالتقليد البحت وأنه فعل آبائهم اقتدوا به من غير برهان فلما أجابوه بما لا شبهة لهم فيه. {قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ} أي حيرة واضحة لا التباس فيها وحكم بالضلال على المقلدين والمقلدين وجعل الضلال مستقراً لهم وأنتم توكيد للضمير الذي هو اسم كان * أم أنت من اللاعبين جملة معادلة للجملة التي قبلها والمعنى أجئتنا بالحق أم بغير الحق وهو اللعب. {بَل رَّبُّكُمْ} قبلها جملة محذوفة تقديرها ليست تلك التماثيل أرباباً بل ربكم. {رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ} الظاهر أنه عائد على السماوات والأرض وتخيل ابن عطية وغيره أن الضمير في فطرهن يخص من يعقل وليس بصحيح بل هو لفظ مشترك بين من يعقل وما لا يعقل من المؤنث المجموع ومن ذلك قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [التوبة: 36] والضمير عائد على الأشهر الأربعة الحرم والإِشارة بقوله: ذلكم إلى ربوبيته تعالى ووصفه بالاختراع لهذا العالم ومن للتبعيض أي الذين يشهدون الربوبية كثيرون وأنا بعض منهم.