٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ } عن أفعالهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا يُسْئَلُ} عن قضائه وهو يَسأل الخلق عن أعمالهم أو لا يُحاسب على أفعاله وهم يُحاسبون، أو لا يُسأل عن أفعاله لأنها صواب ولا يريد بها الثواب {وَهُمْ يُسْئَلُونَ} لأن في أعمالهم غيرَ الصواب وقد لا يَريدون بها الثواب، وإن كانت صواباً.
ابو السعود
تفسير : {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} استئنافٌ ببـيان أنه تعالى لقوة عظمته وعزةِ سلطانه القاهرِ بحيث ليس لأحد من مخلوقاته أن يناقشه ويسألَه عما يفعل من أفعال إثرَ بـيانِ أن ليس له شريكٌ في الإلٰهية {وَهُمْ} أي العباد {يُسْـئَلُونَ} عما يفعلون نقيراً وقطميراً لأنهم مملوكون له تعالى مستعبَدون ففيه وعيدٌ للكفرة. {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً} إضرابٌ وانتقالٌ من إظهار بُطلانِ كون ما اتخذوه آلهةً آلهةً حقيقةً بإظهار خلوِّها عن خصائص الألٰهية التي من جملتها الإنشارُ وإقامةُ البرهان القاطعِ على استحالة تعدد الإلٰهِ على الإطلاق وتفرّدِه سبحانه بالألوهية إلى إظهار بطلانِ اتخاذِهم تلك الآلهة مع عرائها عن تلك الخصائص بالمرة شركاءَ لله عز سلطانُه، وتبكيتُهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة وتحقيقُ أن جميع الكتب السماويةِ ناطقةٌ بحقية التوحيد وبطلانِ الإشراك. والهمزةُ لإنكار الاتخاذ المذكور واستقباحِه ومن متعلقةٌ باتخذوا، والمعنى بل أُتخذوا متجاوزين إياه تعالى مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية آلهةً مع ظهور خلوهم عن خواصّ الألوهية بالكلية {قُلْ} لهم بطريق التبكيتِ وإلقامِ الحجر {هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ} على ما تدّعونه من جهة العقل والنقلِ فإنه لا صحةَ لقولٍ لا دليلَ عليه في الأمور الدينية لا سيما في مثل هذا الشأنِ الخطير، وما في إضافة البرهان إلى ضميرهم ـ من الإشعار بأن لهم برهاناً ـ ضربٌ من التهكم بهم وقوله تعالى: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى} إنارةٌ لبرهانه وإشارةٌ إلى أنه مما نطقت به الكتبُ الإلٰهيةُ قاطبةً وشهِدت به ألسنةُ الرسلِ المتقدمة كافةً وزيادةُ تهيـيجٍ لهم على إقامة البرهان لإظهار كمالِ عجزِهم، أي هذا الوحيُ الواردُ في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطعِ العقليّ ذكرُ أمتي أي عظتُهم وذكرُ الأمم السالفة قد أقمتُه فأقيموا أنتم أيضاً برهانَكم، وقيل: المعنى هذا كتابٌ أُنزل على أمتي وهذا كتابٌ أنزل على أمم الأنبـياءِ عليهم السلام من الكتب الثلاثةِ والصحفِ فراجعوها وانظُروا هل في واحد منها غيرُ الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك، ففيه تبكيتٌ لهم يتضمن إثباتَ نقيضِ مُدّعاهم وقرىء بالتنوين والإعمال كقوله تعالى: { أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً} تفسير : [البلد: 14] وبه وبمن الجارة على أن (مع) اسمٌ هو ظرف كقبلٍ وبعْدٍ وقوله تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ} إضرابٌ من جهته تعالى غيرُ داخل في الكلام الملقن وانتقالٌ من الأمر بتبكيتهم بمطالبة البرهانِ إلى بـيان أنه لا ينجع فيهم المُحاجّة بإظهار حقيقة الحقِّ وبطلانِ الباطل، فإن أكثرهم لا يفهمون الحقَّ ولا يميزون بـينه وبـين الباطل {فَهُمُ} لأجل ذلك {مُّعْرِضُونَ} أي مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباعِ الرسول لا يرعوون عما هم عليه من الغي والضلال وإن كُرّرت عليهم البـينات والحجج، أو معرضون عما ألقي عليهم من البراهين العقلية، وقرىء الحقُّ بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوف وسِّط بـين السبب والمسببِ تأكيداً للسببـية.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: كيف يسئل من له الحجة على خلقه، والقهر عليهم. وسُئل ابن حماد عن قوله: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} لم لا. كيف لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون. لم لا يسئل؟ قال: لأن أفعاله من غير علة.
القشيري
تفسير : لِكَوْنِ الخلْق له، وهم يُسأَلون للزوم حقه عليهم.
البقلي
تفسير : قطع لسان الحدثان بمقراض هيبة الرحمن عن الانبساط فى وقت كشوف الجبروت وشهود جلال الملكوت ففعل بهم ما يشاء وليس لهم هناك حجة سوال ولا لهم حجة مقال اذلا وسمة على فعاله وعزة كماله وهم معاتبون عما فعلوا الان افعالهم وقعت ناقصة عن سنن نظام سنة الازلية بمشية القديمة سئل المصرى عن قوله لا يسئل عما يفعل الا يسال قال لان افعاله من غير علة.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا يسئل} الله تعالى {عما يفعل} ويحكم {وهم} اى العباد {يسئلون} عما يفعلون نقيرا وقطميرا والسؤال استدعاء معرفة او ما يؤدى الى المعرفة وجوابه على اللسان واليد خليفة له بالكتابة والاشارة. فان قيل ما معنى السؤال بالنسبة الى الله تعالى. قلنا تعريف للقوم وتبكيتهم لا تعريف لله تعالى فانه علام الغيوب فالسؤال كما يكون للاستعلام يكون للتبكيت وانما لا يسأل سؤال انكار ويجوز السؤال عنه على سبيل الاستكشاف والبيان كقوله {أية : قال رب أنى يكون لى غلام}تفسير : وعلى سبيل التضرع والحاجة كقوله تعالى حكاية عن الكافر {أية : رب لم حشرتنى اعمى وقد كنت بصيرا } تفسير : قال فى بحر العلوم انما لا يسأل عما يفعل لانه رب مالك علام لا نهاية لعلمه وكل من سواه مربوب مملوك جاهل لا يعلم شيئا الا بتعليم فليس للمملوك الجاهل ان يتعرض على سيده العليم بكل شئ فيما يفعل ويقول لم فعلت وهلا فعلت مثلا وهم يسألون لانهم مملوكون مستعبدون خطاؤون فيقال لهم فى كل شئ فعلوه لم فعلتم. واعلم ان الاعتراض شؤم يسخط الرب ويوجب عقابه وسخطه: قال الحافظ شعر : مزن زجون وجرادكم كه بنده مقبل قبول كردبجان هرسخن كه جانان كفت تفسير : وبشؤم الاعتراض على الله فى فعله لعن ابليس وكان من مردة الكافرين فانه تعالى لما امره بالسجود قال {أية : أاسجد لمن خلقت طينا}تفسير : وبشؤم الاعتراض فى شأن بنى آدم اصاب الملكين هاروت وماروت ما اصابهم فهذا بالاعتراض فى شأن المخلوق فكيف بالاعتراض فى شأن الخالق وبالاعتراض على الله والتعمق فى الخوض فى صفاته هلك الهالكون من اهل الاهواء وارباب الآراء تعمقوا فيما لم يتعمق فيه اصحاب رسول الله والتابعون ومن تبعهم من اهل الحق وتكلفوا الخوض فيه ووقعوا فى الشبهات فضلوا واضلوا ولو لم يتعمقوا لسلموا وقد اتفقت كلمة اهل الحق على ان الاعتراض على الله الملك الحق فى فعله وما يحدثه فى خلقه كفر فلا يجترئ عليه الا كافر وجاهل ضال. وكذا الاعتراض على النبى عليه السلام فانه انما يقول عن الحق لا عن الهوى فالاعتراض عليه اعتراض على الحق وفيه الهلاك. قال ابو هريرة رضى الله عنه سمعت رسول الله يقول "حديث : يا ايها الناس كتب عليكم الحج" فقام عكاشة بن محصر فقال أكل عام يا رسول الله فقال "لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ثم تركتموها لضللتم اسكتوا عنى كما سكت عنكم فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على انبيائهم" فانزل الله تعالى {يا ايها الذين آمنوا لا تسألوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم}تفسير : الآية. ومن اشد التشنيع واقبح الاعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما روى عن بعض الكبار انه قال كنت فى مجلس بعض الغافلين فتكلم الى ان قال لا مخلص لاحد من الهوى ولو كان فلانا عنى به النبى عليه السلام من حيث قال(حبب الى من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عينى فى الصلاة) فقلت أما تستحى من الله تعالى فانه ما قال احببت بل قال حبب فكيف يلام العبد من عند الله ثم حصل لى هم وغم فرأيت النبى عليه السلام فى المنام فقال لا تغتم فقد كفيناك امره ثم سمعت انه قتل. قال الفقهاء من عيره عليه السلام بالميل الى نسائه قاصدا به النقص يقتل قاتله الله تعالى. يقول الفقير شعر : شب بره ميطلبد بدر تمامت نقصان اونداندكه ابدنور توظاهر باشد هركه ازروى جدل برتوسخن ميراند بمثل شد اكرش بو على كافر باشد تفسير : واما الاعتراض على الاولياء والمشايخ من العلماء فانه يحرم الخير ويقطع بركة الصحبة وزيادة العلم يدل على ذلك شأن موسى والخضر عليهما السلام نهاه عن الاعتراض عليه فيما يفعل بقوله {أية : فلا تسألنى عن شئ حتى احدث لك منه ذكرا}تفسير : فاعترض عليه فناداه الخضر بالفراق فحرم بركة صحبته وانقطعت بركة الزيادة من علمه والخير الذى جعله الله معه. ومن شؤم الاعتراض ما كان من امر الخوارج اعترضوا على على رضى الله عنه وخرجوا عليه فخرجوا من الدين وصاروا كلاب النار وشر قتلى تحت اديم السماء. قال ابو يزيد البسطامى قدس سره فى حق تلميذه لما خالفه دعوا من سقط من عين الله فرؤى بعد ذلك مع المخنثين وسرق فقطعت يده هذا حظ المعترض فى الدنيا واما حاله فى الآخرة فلا يكلمه الله ولا ينظر اليه وله عذاب اليم فى نار القطيعة والهجران: يقول الفقير شعر : هين مكن بامر شد كامل جدل تانباشد كمرهى اورا بدل
الجنابذي
تفسير : {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} حال او جواب لسؤالٍ مقدّرٍ او معترضة والمقصود انّه لا يحكم عليه بالسّؤال عنه فى افعاله ليكون دليلاً على آلهته {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} يعنى يحكمون عليهم ليكون دليلاً على عدم آلهتهم والضّمير راجع الى المعبودين او الى العابدين والمعبودين، او الى العابدين فقط للتّهديد، او المعنى لا ينبغى ان يسأل عمّا يفعل لانّه لا يفعل ما يفعل الاّ لحكم ومصالح عديدةٍ متقنةٍ لا يمكن احصاؤها وهم ينبغى ان يسألون بجهلهم بالغايات وعدم اهتدائهم الى المصالح.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} أي: لا يُسأل عما يَفعل بعباده، وهم يُسألون عن أعمالهم. قوله عز وجل: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ ءَالِهَةٌ} وهذا وأشباهه استفهام على معرفة. {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} أي: بيّنتكم، في تفسير مجاهد. وقال الحسن: حجّتكم على ما تقولون إن الله أمركم أن تتخذوا من دونه آلهة. أي: ليس عندكم بذلك بيّنة ولا حجّة. قوله عز وجل: {هذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ} يعني القرآن، يعني ما فيه من الحلال والحرام {وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي} من أخبار الأمم السالفة وأعمالهم، يعني من أهلك الله من الأمم ومن نجّى من المؤمنين، ليس فيه اتخاذ آلهة دون الله. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُّعْرِضُونَ} يعني بقوله: (أَكْثَرُهُمْ) يعني جماعتهم، وقوله عزّ وجلّ: {فَهُم مُّعْرِضُونَ} أي: عن القرآن. قال عز وجل: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لآ إلهَ إِلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ} أي: لا تعبدوا غيري، بذلك أرسل الرسل جميعاً. قوله عز وجل: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً} قال بعضهم: قالت اليهود: إن الله تبارك وتعالى صاهر الجن فكانت من بينهم الملائكة. قال الله عز وجل: {سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه عما يقولون. {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} يعني الملائكة، هم كرام على الله. {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} فيقولون شيئاً لم يقبلوه عن الله {وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِم} من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} أي: من أمر الدنيا إذا كانت الآخرة. [وقال بعضهم: يعني يعلم ما كان قبل خلق الملائكة وما كان بعد خلقهم]. {وَلاَ يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} أي: لمن رضي عنه {وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} أي: خائفون.
اطفيش
تفسير : {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} من أيجاد وإعدام، وإعزاز وإدلال، وإسعاد وإشقاء، وإضلال وهداية، وغير ذلك سؤال رد. وذلك لعظمته وسلطانه وتفرده بالألوهية، وكل ما فعل فهو على حكمة. وذلك على ظاهره، أو كناية عن كونه فى غاية العظمة والملك والحكمة والإتقان، وليس فى فعله خلل فضلا عن أن يرد عليه. {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} عما يفعلون؛ لأنهم مملوكون مستعبدون يخطئون، سؤال توبيخ، وسؤال تقريع والضمير للناس كلهم وللمشركين؛ فإنهم سُئلوا سؤال توبيخ على ما قرر فى غير هذه الآية، أو للآلهة المعبودة فتقول الملائكة وعيسى وعزير والأصنام: لم نرض عبادتهم، وإنا نلعنهم. ويجوز سؤال عالِم عن شئ على جهة الاعتبار، لا على جهة التفكر فى الخالق، ونحوها. روى أن موسى عليه السلام قال: يا رب إنك عظيم، ولو شئتَ أن تطاع لأُطِعتَ. ولو شئتَ أن تُعْصَى لما عُصيتَ، وأنت تحب أن تطاع، وأنت مع ذلك تُعْصَى. فأوحى إليه: لا أُسأل عما أفعل، وهم يُسألون. هذا مخزون علمى، فلا تسألنى عنه. فأعاد السؤال. يقال له: لا أُسأل عما أفعل. فأعاد فقال له: هل تقدر أن تصرّ صرة من الشمس، وتقدر على رد أمس؟ فقال: لا يا رب. فقال له: فقد نهيتك عن السؤال عن هذه المسأَلة. فإن عدت إليه، جعلت عقوبتك محو اسمك من أسماء الأنبياء أو النبوة، فلا تُذكر إذا ذُكروا. فكف عن السؤال عنها. وسأل عنها عيسى أيضاً، فأوحى إليه: أن عزيرا سألنى عن هذه المسألة، فكان من أمره كذا وكذا، فكفَّ عيسى أيضاً - عليهم السلام.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ يُسْـئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} يمكن أن يكون جواب سؤال مقدر ناشيء من إثبات توحده سبحانه في الألوهية المتضمن توحده تعالى في الخلق والتصرف ووصف الكفرة إياه سبحانه بما لا يليق كأنه قيل إذا كان الله تعالى هو الإله الخالق المتصرف فلم خلق أولئك الكفرة ولم يصرفهم عما يقولون؟ فأجيب بقوله سبحانه {لاَّ يُسْـئَلُ} الخ وحاصله أنه تعالى لا ينبغي لأحد أن يعترض عليه في شيء من أفعاله إذ هو حكيم مطلق لا يفعل ما يرد عليه الاعتراض {وَهُمْ يُسْـئَلُونَ} عما يفعلون ويعترض عليهم، وهذا الحكم في حقه تعالى عام لجميع أفعاله سبحانه ويندرج فيه خلق الكفرة وإيجادهم على ما هم عليه، ووجه حل السؤال الناشيء مما تقدم بناء على ما يشير إليه هذا الجواب الإجمالي أنه تعالى خلق الكفرة بل جميع المكلفين على حسب ما علمهم مما هم عليه في أنفسهم لأن الخلق مسبوق بالإرادة والإرادة مسبوقة بالعلم والعلم تابع للمعلوم فيتعلق به على ما هو عليه في ثبوته الغير المجعول مما يقتضيه استعداده الأزلي، وقد يشير إلى بعض ذلك قول الشافعي عليه الرحمة من أبيات: شعر : خلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجري الفتى والمسن تفسير : ثم بعد أن خلقهم على حسب ذلك كلفهم لاستخراج سر ما تسبق به العلم التابع للمعلوم من الطوع والإباء اللذين في استعدادهم الأزلي وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين لتتحرك الدواعي ويهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ولا يكون للناس على الله تعالى حجة فلا يتوجه على الله تعالى اعتراض بخلق الكافر وإنما / يتوجه الاعتراض على الكافر بكفره حيث أنه من توابع استعداده في ثبوته الغير المجعول، وقد يشير إلى ذلك قوله سبحانه: { أية : وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } تفسير : [النحل: 118] وقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه » تفسير : وهذا وإن كان مما فيه قيل وقال ونزاع وجدال إلا أنه مما ارتضاه كثير من المحققين والأجلة العارفين، وقال البعض: إن ذلك استئناف ببيان أنه تعالى لقوة عظمته الباهرة وعزة سلطنته القاهرة بحيث ليس لأحد من مخلوقاته أن يناقشه ويسأله عما يفعل من أفعاله إثر بيان أن ليس له شريك في الألوهية، وضمير {هُمْ} للعباد أي والعباد يسألون عما يفعلون نقيراً وقطميراً لأنهم مملوكون له تعالى مستعبدون، وفي هذا وعيد للكفرة، والظاهر أن المراد عموم النفي جميع الأزمان أي لا يسئل سبحانه في وقت من الأوقات عما يفعل، وخص ذلك الزجاج بيوم القيامة والأول أولى وإن كان أمر الوعيد على هذا أظهر. واستدل بالآية على أن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض والغايات فلا يقال فعل كذا لكذا إذ لو كانت معللة لكان للعبد أن يسأل فيقول لم فعل؟ وإلى ذلك ذهب الأشاعرة ولهم عليه أدلة عقلية أيضاً وأولوا ما ظاهره التعليل بالحمل على المجاز أو جعل الأداة فيه للعاقبة. ومذهب الماتريدية كما في «شرح المقاصد» والمعتزلة أنها تعلل بذلك وإليه ذهب الحنابلة كما قال الطوفي وغيره. وقال العلامة أبو عبد الله محمد بن أبـي بكر الدمشقي الحنبلي المعروف بابن القيم في كتاب «شفاء العليل»: إن الله سبحانه وتعالى حكيم لا يفعل شيئاً عبثاً ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، وقد دل كلامه تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم على هذا في مواضع لا تكاد تحصى ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها فنذكر بعض أنواعها وساق اثنين وعشرين نوعاً في بضعة عشرة ورقة ثم قال: لو ذهبنا نذكر ما يطلع عليه أمثالنا من حكمة الله تعالى في خلقه وأمره لزاد ذلك على عشرة آلاف موضع ثم قال: وهل إبطال الحكم والمناسبات والأوصاف التي شرعت الأحكام لأجلها إلا إبطال الشرع جملة؟ وهل يمكن فقيهاً على وجه الأرض أن يتكلم في الفقه مع اعتقاده بطلان الحكمة والمناسبة والتعليل. وقصد الشارع بالأحكام مصالح العباد؟ ثم قال: والحق الذي لا يجوز غيره هو أنه سبحانه يفعل بمشيئته وقدرته وإرادته ويفعل ما يفعل بأسباب وحكم وغايات محمودة، وقد أودع العالم من القوى والغرائز ما به قام الخلق والأمر وهذا قول جمهور أهل الإسلام. وأكثر طوائف النظار وهو قول الفقهاء قاطبة اهـ. والظاهر أن ابن القيم وأضرابه من أهل السنة القائلين بتعليل أفعاله تعالى لا يجعلون كالأشاعرة المخصص لأحد الضدين بالوقوع محض تعلق الإرادة بالمعنى المشهور ومحققو المعتزلة كأبـي الحسن والنظام والجاحظ والعلاف وأبـي القاسم البلخي وغيرهم يقولون: إن العلم بترتب النفع على إيجاد النافع هو المخصص للنافع بالوقوع ويسمون ذلك العلم بالداعي وهو الإرادة عندهم. وأورد عليهم أن الواجب تعالى موجب في تعلق علمه سبحانه بجميع المعلومات فلو كان المخصص الموجب للوقوع هو العلم بالنفع كان ذلك المخصص لازماً لذاته تعالى فيكون فعله سبحانه واجباً لأمر خارج ضروري للفاعل وهو ينافي الاختيار بالمعنى الأخص قطعاً فلا يكون الواجب مختاراً بهذا المعنى بل يُؤَلُ إلى ما ذهب إليه الفلاسفة من الاختيار المجامع للإيجاب، ولا يرد ذلك على القائلين بأن المخصص هو تعلق الإرادة الأزلية لأن ذلك التعلق غير لازم الواجب تعالى وإن كان أزلياً دائماً لإمكان تعلقها بالضد الآخر بدل الضد الواقع، نعم يرد عليهم ما يصعب التفصي عنه مما / هو مذكور في «الكتب الكلامية». وأورد نظير ما ذكر على الحنفية فإنهم ذهبوا إلى التعليل وجعلوا العلم بترتب المصالح علة لتعلق العلم بالوقوع فلا يتسنى لهم القول بكون الواجب تعالى مختاراً بالمعنى الأخص لأن الذات يوجب العلم والعلم يوجب تعلق الإرادة وتعلق الإرادة يوجب الفعل ولا مخلص إلا بأن يقال: إن إيجاب العلم بالنفع والمصلحة لتعلق الإرادة ممنوع عندهم بل هو مرجح ترجيحاً غير بالغ إلى حد الوجوب وما قيل إذا لم يبلغ الترجيح إلى حد الوجوب جاز وقوع الراجح في وقت وعدم وقوعه في وقت آخر مع ذلك المرجح فإن كان اختصاص أحد الوقتين بالوقوع بانضمام شيء آخر إلى ذلك المرجح لم يكن المرجح مرجحاً وإلا يلزم الترجيح من غير مرجح بل يلزم ترجيح المرجوح عدمه في الوقت الآخر لأن الوقوع كان راجحاً بذلك المرجح فمدفوع بوجهين إلا أنه إنما يجري في العلة التامة بالنسبة إلى معلولها لا في الفاعل المختار بالنسبة إلى فعله فإنه إن أريد لزوم الرجحان من غير مرجح كما هو اللازم في العلة التامة فعدم اللزوم ظاهر وإن أريد الترجيح من غير مرجح فبطلان اللازم في الفاعل المختار ممنوع وإلا فما الفرق بين الفاعل الموجب والمختار، الثاني أن المرجح بالنبسة إلى وقت ربما لا يكون مرجحاً بالنسبة إلى وقت آخر بل منافياً للمصلحة فلا يلزم ترجيح أحد المتساويين أو المرجوح في وقت آخر بل يلزم ترجيح الراجح في كل وقت وهو تعالى عالم بجميع المصالح اللائقة بالأوقات فتتعلق إرادته سبحانه بوقوع كل ممكن في وقت لترتب المصالح اللائقة بذلك الوقت على عدمه فلا إشكال، وهذا هو المعول عليه إذ لقائل أن يقول على الأول أن ترجيح المرجوح مستحيل في حق الواجب الحكيم وإن جاز في حق غيره من أفراد الفاعل بالاختيار. هذا ووقع في كلام الفلاسفة أن أفعال الله تعالى غير معللة بالأغراض والغايات ومرادهم على ما قاله بعضهم نفي التعليل عن فعله سبحانه بما هو غير ذاته لأنه جل شأنه تام الفاعلية لا يتوقف فيها على غيره ولا يلزم من ذلك نفي الغاية والغرض عن فعله تعالى مطلقاً ولذا صح أن يقولوا علمه تعالى بنظام الخير الذي هو عين ذاته تعالى علة غائبة وغرض في الإيجاد ومرادهم بالاقتضاء في قولهم في تعريف العلة الغائية ما يقتضي فاعلية الفاعل مطلق عدم الانفكاك لكنهم تسامحوا في ذلك اعتماداً على فهم المتدرب في العلوم وصرحوا بأنه تعالى ليس له غرض في الممكنات وقصد إلى منافعها لأن كل فاعل يفعل لغرض غير ذاته فهو فقير إلى ذلك الغرض مستكمل به والمكمل يجب أن يكون أشرف فغرض الفاعل يجب أن يكون ما هو فوقه وإن كان بحسب الظن وليس له غرض فيما دونه وحصول وجود الممكنات منه تعالى على غاية من الإتقان ونهاية من الإحكام ليس إلا لأن ذاته تعالى ذات لا تحصل منه الأشياء إلا على أتم ما ينبغي وأبلغ ما يمكن من المصالح فالواجب سبحانه عندهم يلزم من تعلقه لذاته الذي هو مبدأ كل خير وكمال حصول الممكنات على الوجه الأتم والنظام الأقوم واللوازم غايات عرضية إن أريد بالغاية ما يقتضي فاعلية الفاعل وذاتية إن أريد بها ما يترتب على الفعل ترتباً ذاتياً لا عرضياً كوجود مبادىء الشر وغيرها في الطبائع الهيولانية ثم كما أنه تعالى غاية بالمعنى الذي أشير إليه فهو غاية بمعنى أن جميع الأشياء طالبة له متشوقة إليه طبعاً وإرادة لأنه الخير المحض والمعشوق الحقيقي جل جلاله وعم نواله. والحكماء المتألهون قد حكموا بسريان نور العشق في جميع الموجودات على تفاوت طبقاتها ولولا ذلك ما دار الفلك ولا استنار الحلك فسبحانه من إله قاهر وهو الأول والآخر، وتمام الكلام في هذا المقام على / مشرب المتكلمين والفلاسفة يطلب من محله. وقرأ الحسن {لا يسل. ويسلون} بنقل فتحة الهمزة إلى السين وحذفها.
ابن عاشور
تفسير : الأظهر أن هذه الجملة حال مكملة لمدلول قوله تعالى: {أية : لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون} تفسير : [الأنبياء: 19ــــ20] كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : أم اتخذوا آلهة من الأرض} تفسير : [الأنبياء: 21] الخ.. فالمعنى أن مَنْ عنده وهم المقربون من المخلوقات هم مع قربهم يُسألون عما يفعلون ولا يسألونه عما يفعل، أي لم يبلغ بهم قربهم إلى حدّ الإدلال عليه وانتصابهم لتعقب أفعاله. فلما كان الضمير المرفوع بالنيابة عن الفاعل مشعراً بفاعل حُذف لقصد التعميم، أي لا يَسأل سائلٌ الله تعالى عما يفعل. وكان ممن يشملهم الفاعل المحذوف هم مَن عنده من المقربين، صَحّ كون هذه الجملة حالاً من {أية : مَن عنده}تفسير : [الأنبياء: 19]، على أن جملة {لا يسأل عما يفعل} تمهيد لجملة {وهم يسألون}. على أن تقديمه على جملة {وهم يسألون} اقتضته مناسبة الحديث عن تنزيهه تعالى عن الشركاء فكان انتقالاً بديعاً بالرجوع إلى بقية أحوال المقربين. فالمقصود أن مَن عنده مع قربهم ورفعة شأنهم يحاسبهم الله على أعمالهم فهم يخافون التقصير فيما كلفوا به من الأعمال ولذلك كانوا لا يستحسرون ولا يفترون. وبهذا تعلم أن ليس ضمير {وهم يسألون} براجع إلى ما رجع إليه ضمير {أية : يَصفون}تفسير : [الأنبياء: 22] لأن أولئك لا جَدوى للإخبار بأنهم يُسألون إذ لا يتردد في العلم بذلك أحدٌ، ولا براجع إلى {أية : آلهة من الأرض}تفسير : [الأنبياء: 21] لعدم صحة سؤالهم، وذلك هو ما دعانا إلى اعتبار جملة {لا يسأل عما يفعل} حالاً مِن {أية : مَن عنده}تفسير : [الأنبياء: 19]. والسؤال هنا بمعنى المحاسبة، وطلب بيان سبب الفعل، وإبداء المعذرة عن فعل بعض ما يُفعل، وتخلّص من ملام أو عتاب على ما يفعل. وهو مثل السؤال في الحديث «حديث : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».تفسير : فكونهم يسألون كناية عن العبودية لأن العبد بمظنة المؤاخذة على ما يَفعل وما لا يفعل وبمظنة التعرض للخطأ في بعض ما يفعل. وليس المقصود هنا نفي سؤال الاستشارة أو تطلب العلم كما في قوله تعالى {أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} في تفسير : [البقرة: 30]، ولا سؤالَ الدعاء، ولا سؤال الاستفادة والاستنباط مثل أسئلة المتفقهين أو المتكلمين عن الحِكَم المبثوثة في الأحكام الشرعية أو في النظم الكونية لأن ذلك استنباط وتتبع وليس مباشرةً بسؤال الله تعالى، ولا لتطلب مخلص من ملام. وفي هذا إبطال لإلهية المقربين التي زعمها المشركون الذين عبدوا الملائكة وزعموهم بنات الله تعالى، بطريقة انتفاء خاصية الإله الحق عنهم إذ هم يُسألون عما يفعلون وشأن الإله أن لا يُسأل. وتُستخرج من جملة {لا يسأل عما يفعل} كنايةٌ عن جريان أفعال الله تعالى على مقتضى الحكمة بحيث إنها لا مجال فيها لانتقاد منتقد إذا أتقن الناظر التدبّر فيها أو كُشف له عما خفي منها.
د. أسعد حومد
تفسير : {يُسْأَلُ} {يُسْأَلُونَْ} (23) - وَهُوَ الخَالِقُ البَارِئُ، وهُوَ الحَاكِمُ المُطْلَقُ المُتَصَرِّفُ بالكَوْنِ كُلِّهِ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلاَ يَعْتَرِضُ عَلِيهِ أَحَدٌ لِعَظَمَتِهِ وَجَلاَلِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وَهُوَ الذِي يَسْأَلُ خَلْقَهُ عَمَّا يَفْعَلونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فالله تعالى لا يُسأل عما يفعل؛ لأن السائلَ له مراتب مع المسئول، والعادة أن يكون المسئول في مرتبة أَدْنى من السائل؛ لذلك لا أحدَ يسأل الله تعالى عَمَّا يفعل، أمّا هو سبحانه فيسأل الناس. لذلك قال بعض الظرفاء: الدليل على أن الله لا شريك له، خَلْقه لفلان، لأنه لو كان له شريك كان عارضه في هذه المسألة. إذن: لا أحدَ أعلى من الله، حتى يسأله: لِمَ فعلتَ كذا وكذا؟ ثم يقول الحق سبحانه: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):