Verse. 2507 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

اَمِ اتَّخَذُوْا مِنْ دُوْنِہٖۗ اٰلِہَۃً۝۰ۭ قُلْ ہَاتُوْا بُرْہَانَكُمْ۝۰ۚ ھٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَّعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِيْ۝۰ۭ بَلْ اَكْثَرُہُمْ لَا يَعْلَمُوْنَ۝۰ۙ الْحَقَّ فَہُمْ مُّعْرِضُوْنَ۝۲۴
Ami ittakhathoo min doonihi alihatan qul hatoo burhanakum hatha thikru man maAAiya wathikru man qablee bal aktharuhum la yaAAlamoona alhaqqa fahum muAAridoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أم اتخذوا من دونه» تعالى أي سواه «آلهة» فيه استفهام توبيخ «قل هاتوا برهانكم» على ذلك ولا سبيل إليه «هذا ذكر من معي» أمتي وهو القرآن «وذكر من قبلي» من الأمم وهو التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله ليس في واحد منها أن مع الله إلهاً مما قالوا، تعالى عن ذلك «بل أكثرهم لا يعلمون الحق» توحيد الله «فهم معرضون» عن النظر الموصل إليه.

24

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً } كرره استعظاماً لكفرهم واستفظاعاً لأمرهم وتبكيتاً وإظهاراً لجهلهم، أو ضماً لإِنكار ما يكون لهم سنداً من النقل إلى إنكار ما يكون لهم دليلاً من العقل على معنى أوجدوا آلهة ينشرون الموتى فاتخذوهم آلهة، لما وجدوا فيهم من خواص الألوهية، أو وجدوا في الكتب الإِلهية الأمر بإشراكهم فاتخذوهم متابعة للأمر، ويعضد ذلك أنه رتب على الأول ما يدل على فساده عقلاً وعلى الثاني ما يدل على فساده نقلاً. {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ } على ذلك إما من العقل أو من النقل، فإنه لا يصح القول بما لا دليل عليه كيف وقد تطابقت الحجج على بطلانه عقلاً ونقلاً. {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى } من الكتب السماوية فانظروا هل تجدون فيها إلا الأمر بالتوحيد والنهي عن الإِشراك، والتوحيد لما لم يتوقف على صحته بعثة الرسل وإنزال الكتب صح الاستدلال فيه بالنقل و {مَن مَّعِىَ} أمته و {مَن قَبْلِى} الأمم المتقدمة وإضافة الـ {ذِكْرُ} إليهم لأنه عظتهم، وقرىء بالتنوين ولا إعمال وبه وبـ {مِنْ} الجارة على أن مع اسم هو ظرف كقبل وبعد وشبههما وبعدمها. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ } ولا يميزون بينه وبين الباطل، وقرىء {ٱلْحَقُّ} بالرفع على أنه خبر محذوف وسط للتأكيد بين السبب والمسبب. {فَهُمْ مُّعْرِضُونَ } عن التوحيد واتباع الرسول من أجل ذلك.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً قُلْ} يا محمد: {هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ} أي: دليلكم على ما تقولون، {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ} يعني: القرآن، {وَذِكْرُ مَن قَبْلِى} يعني: الكتب المتقدمة، على خلاف ما تقولونه وتزعمون، فكل كتاب أنزل على كل نبي أرسل ناطق بأنه لا إله إلا الله، ولكن أنتم أيها المشركون لا تعلمون الحق، فأنتم معرضون عنه، ولهذا قال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} كما قال: {أية : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 45] وقال: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} تفسير : [النحل: 36] فكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والفطرة شاهدة بذلك أيضاً، والمشركون لا برهان لهم، وحجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ } تعالى: أي سواه {ءَالِهَةً }؟ فيه استفهام توبيخ {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَٰنَكُمْ } على ذلك ولا سبيل إليه {هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ }أي أمَّتي وهو القرآن {وَذِكْرُ مَن قَبْلِى } من الأمم وهو التوراة والإِنجيل وغيرهما من كتب الله، ليس في واحد منها أنّ مع الله إلٰهاً مما قالوا، تعالى عن ذلك {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ }أي توحيد الله {فَهُمْ مُّعْرِضُونَ } عن النظر الموصل إليه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} فيه وجهان: أحدهما: هذا ذكر من معي بما يلزمهم من الحلال والحرام، وذكر من قبلي ممن يخاطب من الأمم بالإِيمان، وهلك بالشرك، قاله قتادة. الثاني: ذكر من معي بإخلاص التوحيد في القرآن، وذكر من قبلي في التوراة والإِنجيل، حكاه ابن عيسى. قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} فيه وجهان: أحدهما ما بين أيديهم من أمر الآخرة، وما خلفهم من أمر الدنيا، قاله الكلبي. الثاني: ما قدموا وما أخروا من عملهم، قاله ابن عباس. وفيه الثالث: ما قدموا: ما عملوا، وما أخروا: يعني ما لم يعملوا، قاله عطية. {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} فيه وجهان: أحدهما: لا يستغفرون في الدنيا إلا لمن ارتضى. الثاني: لا يشفعون يوم القيامة إلا لمن ارتضى. وفيه وجهان: أحدهما: لمن ارتضى عمله، قاله ابن عيسى. الثاني: لمن رضي الله عنه، قاله مجاهد.

ابن عبد السلام

تفسير : {ذِكْرُ مَن مَّعِىَ} بما يلزمهم من حلال وحرام {وَذِكْرُ مَن قَبْلِى} ممن نجا بالإيمان وهلك بالشرك، أو ذِكرُ من معي بإخلاص التوحيد في القرآن وذِكرُ من قبلي في التوراة والإنجيل.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {أم اتخذوا من دونه آلهة} لما أبطل الله تعالى أن تكون آلهة سواه، بقوله لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا أنكر عليهم اتخاذهم الآلهة فقال أم اتخذوا من دونه آلهة وهو استفهام إنكار وتوبيخ {قل هاتوا برهانكم} أي حجتكم على ذلك ثم قال مستأنفاً {هذا} يعني القرآن {ذكر من معي} يعني فيه خبر من معي على ديني ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية {وذكر} يعني خبر {من قبلي} أي من الأمم السالفة وما فعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة. وقال ابن عباس ذكر من معي القرآن وذكر من قبلي التوراة والإنجيل، والمعنى راجعوا القرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب، هل تجدون فيها أن الله اتخذ ولداً أو كان معه آلهة {بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون} قوله عز وجل: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} أي فوحدوني، وقيل لما توجهت الحجة عليهم، ذمهم على جهلهم بمواضع الحق، فقال بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون، أي عن التأمل والتفكر وما يجب عليهم من الإيمان بأنه لا إله إلا هو. قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً} نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله {سبحانه} نزه نفسه عما قالوا. {بل عباد} أي هم عباد يعني الملائكة {مكرمون} أي أكرمهم الله واصطفاهم {لا يسبقونه} أي لا يتقدمونه {بالقول} أي يتكلمون إلا بما يأمرهم به {وهم بأمره يعملون} المعنى أنهم لا يخالفونه قولاً ولا عملاً {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي ما عملوا وما هم عاملون وقيل ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} قال ابن عباس إلا لمن قال لا إله إلا الله وقيل إلا لمن رضى الله تعالى عنه {وهم من خشيته مشفقون} أي خائفون وجلون لا يأمنون مكره {ومن يقل منهم إني إله من دونه} قيل عنى به إبليس حيث دعا إلى عبادة نفسه فإن أحداً من الملائكة لم يقل إني إله من دون الله {فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} أي الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها. قوله عزّ وجلّ {أولم ير الذين كفروا} أي ألم يعلم الذين كفروا {أن السموات والأرض كانتا رتقاً} قال ابن عباس كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين {ففتقناهما} أي فصلنا بينهما بالهواء. قال كعب: خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحاً بوسطهما ففتحهما بها، وقيل كانت السموات مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها وجعلها سبع سموات وكذلك الأرض، وقيل كانت السماء رتقاً لا تمطر، والأرض رتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات {وجعلنا من الماء كل شيء حي} أي وأحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء، من الحيوان ويدخل فيه النبات والشجر، وذلك لأنه سبب لحياة كل شيء، وقال المفسرون: معناه أن كل شيء حي فهو مخلوق من الماء وقيل يعني النطفة. فإن قلت قد خلق الله بعض ما هو حي من غير الماء كآدم وعيسى والملائكة والجان. قلت خرج هذا الأمر مخرج الأغلب والأكثر يعني أن أكثر ما على وجه الأرض مخلوق من الماء أو بقاؤه بالماء {أفلا يؤمنون} أي أفلا يصدقون {وجعلنا في الأرض رواسي} أي جبالاً ثوابت {أن تميد بهم} أي لئلا تميد بهم، قيل إن الأرض بسطت على الماء فكانت تتحرك كما تتحرك السفينة في الماء فأرساها الله فأثبتها بالجبال {وجعلنا فيها} أي في الرواسي {فجاجاً} أي طرقاً ومسالك والفج الطريق الواسع بين جبلين {سبلاً} وهو تفسير الفجاج {لعلهم يهتدون} أي إلى مقاصدهم {وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً} أي من أن يسقط ويقع وقيل محفوظاً من الشياطين بالشهب {وهم} يعني الكفار {عن آياتها معرضون} أي عما خلق الله فيها من الشمس والقمر والنجوم، وكيفية حركاتها في أفلاكها ومطالعها ومغاربها، والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة القدرة القاهرة، لا يتفكرون ولا يعتبرون بها {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس كل في فلك يسبحون} أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء. وإنما قال يسبحون ولم يقل تسبح، على ما يقال لما لا يعقل لأنه ذكر عنها فعل العقلاء، وهو السباحة والجري. والفلك مدار النجوم الذي يضمها وهو في كلام العرب كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك وقيل الفلك طاحونة كهيئة فلك المغزل، يريد أن الذي تجري فيه النجوم مستدير كاستدارة الرحى، وقيل الفلك السماء الذي فيه ذلك الكوكب فكل كوكب يجري في السماء الذي قدر فيه, وقيل الفلك استدارة السماء، وقيل الفلك موج مكفوف دون السماء تجري فيه الشمس والقمر والنجوم, وقال أصحاب الهيئة الأفلاك أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق والالتئام والنمو والذبول، والحق أنه لا سبيل إلى معرفة صفة السموات إلا بأخبار الصادق فسبحان الخالق المدبر لخلقه بالحكمة والقدرة الباهرة غير المتناهية.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم‏} ‏ يقول‏:‏ هاتوا بينتكم على ما تقولون ‏{‏هذا ذكر من معي‏} ‏ يقول‏:‏ هذا القرآن فيه ذكر الحلال والحرام ‏{‏وذكر من قبلي‏} ‏ يقول‏:‏ فيه ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم وإلى ما صاروا ‏ {‏بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون‏}‏ عن كتاب الله ‏ {‏وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون‏} ‏ قال‏:‏ أرسلت الرسل بالإخلاص والتوحيد لله، لا يقبل منهم حتى يقولوه ويقروا به، والشرائع تختلف في التوراة شريعة وفي الإنجيل شريعة وفي القرآن شريعة، حلال وحرام فهذا كله في الإخلاص لله وتوحيد الله‏.

القشيري

تفسير : دلت الآيةُ على فسادِ القولِ بالتقليد، ووجوبِ إقامة الحجة والدليل. ودلَّت الآية على توحيد المعبود، ودلَّت الآية على إثبات الكسب للعبيد؛ إذ لولاه لم يتوجه عليهم اللومُ والعَتْبُ. وكلُّ مَنْ علَّقَ قلبه بمخلوقٍ، أو تَوَهَّمَ من غير الله حصولَ شيءٍ فَقَد دَخَلَ في غمار هؤلاء لأنَّ الإله مَنْ يصحُّ منه الإيجاد. قوله: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي}: الإشارة منه أن الدِّينَ توحيدُ الحق، وإفرادُ الربِّ على وصف التفرد ونعت الوحدانية. ثم قال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ} إنما عدموا العلم لإعراضهم عن النظر، ولو وضعوا النظر موضعه لوَجَبَ لهم العلم لا محالة، والأمر يدل على وجوب النظر، وأنَّ العلومَ الدينية كُلَّها كسبية.

اسماعيل حقي

تفسير : {ام اتخذوا من دونه آلهة} الهمزة لانكار الاتخاذ المذكور واستقباحه واستعظامه ومن متعلقة باتخذوا. والمعنى بل اتخذوا متجاوزين اياه تعالى آلهة مع ظهور خلوهم عن خواص الالوهية بالكلية {قل} لهم بطريق الالزام والقام الحجر {هاتوا} [بياريد]. قال فى بحر العلوم هات من اسماء الافعال يقال هات الشئ اى اعطنيه. والمعنى اعطونى {برهانكم} حجتكم على ما تدعون من جهة العقل والنقل فانه لا صحة لقول لا دليل عليه فى الامور الدينية لا سيما فى مثل هذا الشأن الخطير. قال الراغب البرهان فعلان مثل الرجحان والبنيان. وقال بعضهم هو مصدر بره يبره اذا ابيض انتهى وقد اشار صاحب القاموس الى كليهما حيث قال فى باب النون البرهان بالضم الحجة وبرهن عليه اقام البرهان وفى باب الهاء ابره اتى بالبرهان. قال فى المفردات البرهان اوكد الادلة وهو الذى يقتضى الصدق ابدا {هذا ذكر من معى وذكر من قبلى} هذا اشارة الى الموجود بينهم من الكتب الثلاثة القرآن والتوراة والانجيل فالقرآن ذكر وعظة لمن اتبعه عليه السلام الى يوم القيامة والتوراة والانجيل ذكر وعظة للامم المتقدمة يعنى راجعوا هذه الكتب الثلاثة هل تجدون فى واحد منها غير الامر بالتوحيد فهذا برهانى قد اقمته فاقيموا ايضا برهانكم. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان اثبات الوحدانية بالتحقيق وكشف العيان من خصوصية العلماء المحققين من امتى الذين هم معى فى سير المقامات وقطع المنازل الى الخضرة كما هو من خصائص الانبياء من قبلى ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : علماء امتى كانبياء بنى اسرائيل"تفسير : اى فى صدق طلب الحق بالاعراض عن الكونين والتوجه الى الله تعالى {بل اكثرهم لا يعلمون الحق} اضراب من جهته تعالى غير داخل فى الكلام الملقن اى لا يفهمون الحق ولا يمزيون بينه وبين الباطل فلا تنجع فيهم المحاجة باظهار حقية الحق وبطلان الباطل. وفى بحر العلوم كأنه قيل بل عندهم ما هو اصل الفساد كله وهو الجهل وعدم التمييز بين الحق والباطل فمن ثمة جاء الاعراض ومن هناك ورد الانكار {فهم} لاجل ذلك {معرضون} مستمرون على الاعراض عن التوحيد واتباع الرسول واما اقلهم العالمون فلا يقبلونه عنادا.

الجنابذي

تفسير : {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً} دون بمعنى تحت وفوق وبمعنى امام ووراء من الاضداد وبمعنى غير وبمعنى المكان القريب من الشّيء والمناسب ههنا ان يجعل دون بمعنى امام او عند يعنى بمعنى المكان القريب حتّى يكون تأسيساً، فانّ قوله تعالى {لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ومن عنده ابطل تجويز كون شيءٍ فى العالم الهاً عبد ام لم يعبد، وقوله تعالى {أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ} ابطل تجويز جعل شيءٍ بالمواضعة من عند انفسهم آلهاً فانّ اتّخاذ الالهة من الارض سواء جعل من الارض صفة لآلهة او متعلّقاً باتّخذوا يشعر بكون الاتّخاذ بالمواضعة من عند انفسهم، لا من عند الله، وقوله تعالى {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً} يشعر بكون الاتّخاذ بالمواضعة الالهيّة وباذنه واجازته كما اذا قيل جعلوا اميراً لهم من ملكهم، وقيل: جعلوا اميراً لهم من عند الملك، فانّ الاوّل يدلّ على انّ الجعل كان بالمواضعة من عند انفسهم، والثّانى يدلّ على كون ذلك باذن الملك وتقديم من دونه ههنا على الآلهة لشرافته باضافته الى الله تعالى وهو حال من آلهةٍ او متعلّق باتّخذوا {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} لمّا كان الاتّخاذ بالمواضعة من عند انفسهم يستدعى صحّة الالهة فى نفس الامر للمأخوذ الهاً ابطل آلهة المأخوذين آلهة اوّلاً بقوله على سبيل الانكار هم ينشرون وابطل آلهة مطلق ما يتصوّر الهاً ثانياً بقوله لو كان فيهما (الآية) بعد ما ابطل الآلهة مطلقاً قبل ذلك بقوله: وله من فى السّماوات (الى آخرها) ولمّا كان الاتّخاذ بالمواضعة الالهيّة لا يستدعى صحّة الآلهة فى نفس الامر بل يكفى صحّة كون المأخوذ الهاً باذن الله مظهراً لآلهة الله بخروجه من حدود نفسه وظهور ربّه فيه قال {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} على اذن الله فى آلهة شيءٍ ممّا اخذتموها آلهة، ولمّا كان الامر للتّعجيز والمقصود منه نفى البرهان على المّدعى قال {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ} فى مقام التّعليل لعدم البرهان يعنى هذا القرآن ذكر من معى موجود واحكامهم {وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} ولم يكن فى احكام من معى ولا فى احكام من قبلى ما يدلّ على اذنه تعالى فى اتّخاذ ما اخذتموه الهةً {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ} الاوّل تعالى وصفاته حتّى يعلموا اذنه وترخيصه فى آلهة شيءٍ اولا يعلمون الحقّ الثّابت فيتفوَّهون بما يتخيّلون من غير علم بحقّيّته كالمجنون، والتّقييد بالاكثر لانّ الاقلّ منهم يعلمون بطلان الآلهة ويقولون بآلهتها لاغراض نفسانيّة، وقرئ بالحقّ بالرّفع خبر مبتدءٍ محذوفٍ، او مبتدء خبرٍ محذوفٍ {فَهُمْ مُّعْرِضُونَ} عن الحقّ لذلك.

فرات الكوفي

تفسير : {هذا ذكر من معي وذكر من قبلي 24} [فرات. ب] قال: حدثني محمد بن أحمد معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوتي علم النبيين وعلم الوصيين وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم تلا هذه الآية يقول الله [تعالى. ب] لنبيه [صلى الله عليه وآله وسلم. ر، أ]: {هذا ذكر من معي وذكر من قبلي}.

الأعقم

تفسير : {أم اتخذوا من دونه} توبيخ استعظاماً لكفرهم أي اتخذوا أرباباً يعبدون {قل هاتوا برهانكم} أي حجتكم على ذلك أما من جهة العقل وأما من جهة الوحي، فإنكم لا تجدون كتاباً من كتب الأول إلاَّ وتوحيد الله وتنزيهه عن الأنداد مدعواً إليه والإِشراك منهي عنه متوعد عليه، ثم بيَّن أن لا حجة على ما قلتم عقلاً ولا شرعاً فقال سبحانه: {هذا ذكر من معي} بالحق في إخلاص الإِلهية {و} هذا {ذكر من قبلي} في التوراة والإِنجيل، وقيل: القرآن {ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم} متقلدون في الكفر {لا يعلمون الحق فهم معرضون} عن النظر والتفكر في الحق، وقيل: معرضون عن القرآن والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلاَّ يوحى إليه أنه لا إله إلاَّ أنا فاعبدون} يعني لم نبعث رسولاً إلا بالدعاء إلى التوحيد {وقالوا اتخذ الرحمان ولداً} الآية نزلت في خزاعة، قالوا: الملائكة بنات الله {بل عباد مكرمون} يعني هو منزّه عما وصفوه به بل الملائكة عباد كغيرهم من العبيد مكرمون {لا يسبقونه بالقول} أي لا يقدمونه بالقول والعمل ولا يجاوزون حد أمره ولا يقولون إلا بأمره {وهم بأمره يعملون} {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} يعني يعلم إقبالهم وإدبارهم، وقيل: باطنهم وظاهرهم {ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى} أي ليس لهم محل الشفاعة إلا بإذنه كسائر العبيد، ارتضى يعني لمن رضي الله {وهم من خشيته مشفقون} أي من خوف عذابه لمكان وعده ووعيده خائفون {ومن يقل منهم إني إله} يعني من يقل ذلك منهم على ما زعم الكفار فذلك {نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} الذين يصفون الله بما لا يليق به.

اطفيش

تفسير : {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} مثل الذى مر، وأعاده استعظاما بكفرهم وليطلب عليه منهم الحجة بقوله: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} على ذلك من العقل أو النقل؛ إذ لا يصح قول بلا دليل. كيف وقد تطابقت الحجج على بطلانه عقلا ونقلا، أو الأول بمعنى: هل وجدوا آلهة يبشرون الموتى فاتخذوهم آلهة، لما وجدوا من خواص الألوهية، وأعقبه بما يدل على فساده عقلا، وهو قوله: "لو كان" الخ والثانى بمعنى هل وجدوهم آلهة فى الكتب الإلهية فاتخذوهم، وأعقبه بما يدل على فساده نقلا، وهو {قل هاتوا} الخ. {هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِىَ} أمتى وذكرهم القرآن {وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِى} من الأمم. وهو التوراة والإنجيل وغيرهما، وهل وجدتم فى واحد منها إلهاً آخر. والإشارة إلى جميع الكتب، جعلتْ كأنها شئ شئ حاضر محسوس، أو إلى القرآن؛ فإنه متضمن ما فى غيره، وما فيه كان فى الكتب السابقة. وقيل: مَن معى: مسلمو أمتى، ومَن قبلى: مسلمو الأمم. وقيل: المراد بذكر مَن قبلى: التوراة والإنجيل. وإنما أضيف الذِّكر إلى مَن معه ومَن قبلى؛ لأنه عِظتهم أو شرفهم. وبعث الرسل يمكن عقلا مع التوحيد، ومع التعدد. وكذا إنزال الكتب فصح الاستدلال بالعقل. وقرئ بتنوين الذكرين، فَمن بعدهما مفعول به. وذلك من إعمال المصدر المنوَّن، جعله جار الله أصلا لإضافة المصدر لمعموله. وقرئ بتنوينهما وإسقاط الميم بعدهما، فذلك جَرٌّ لمع. وقيل: بمن وإدخال من الجارة على مع غريب. وقرئ بتنوينهما وإسقاط مَن، والظرفان نعت للذكرين. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ} هو توحيد الله، لا يميزونه من الباطل وهو الشرك: كذا قيل. والتحقيق أن المراد ماهية ما هو حق، فينتج منه أنهم لا يعلمون هذا الفرد العزيز الذى هو التوحيد الذى تضمنته الماهية. ويجوز أن يكون الحق مفعولا لمحذوف، أى أمدح الحق، وهو التوحيد، أو مفعولا مطلقا، أى حق التوحيد الحق الكامل. وقرئ بالرفع، أى الممدوح الحق، وهو التوحيد. أو التوحيد الحق، أو الحق التوحيد. وعلى النصب بمحذوف والرفع، تكون الجملة معترضة لتأكيد بين السبب الذى هو عدم العلم، والمسبب الذى هو الإعراض المشار إليه بقوله: {فَهُمْ مُعْرِضُونَ} عن التوحيد واتباع الرسل والكتب.

اطفيش

تفسير : {أم اتَّخذُوا مِنْ دُونه آلهةً} إضراب انتقال من ذكر اتخاذهم آلهة مع الله الى ذكر اتخاذهم آلهة، مع إنكار الله، وهو لفريق من المشركين، أو بيان لكون اتخاذهم آلهة مع الإقرار بالله سبحانه، مثل اتخاذها مع إنكار الله أو ما مر فى اتخاذ آلهة من الأرض، وما هنا فى اتخاذها مطلقاً حتى تشمل النجوم والملائكة لمن يعبدها، أو ما مر فى آلهة تبعث الموتى، وما هنا فى آلهة تعبد {قُل} يا محمد تبكيتاً لهم {هاتُوا بُرْهانكُم} ما تعبدونه برهاناً أو إيتوا ببرهان صحيح عقلى أو نقلى، فلا يصح القول بلا دليل، أو هاتوا برهانكم الصحيح، وهذا تهكم عليهم بأن لهم برهاناً. {هذا ذِكرْ مَنْ معى وذِكْر مَنْ قَبْلى} أى هذا برهان من معى من المسلمين على أن الله سبحانه واحد، وبرهان الأنبياء قبلى، ومن آمن من أممهم على الوحدانية آتو ببرهانكم على الشركة، كما آتيت ببرهاننا على التوحيد، وذلك تحضيض لهم على الإتيان ببرهان إن كان حتى يظهر عجزهم، وأعاد الذكر مع أنه واحد لتأكيد الإزعاج، ولأن وحى كل نبى غير وحى الآخر، ولو اتحد المعنى، أو الذكر الأول القرآن، والثانى التوراة والإنجيل والزبور والصحف، فانظروا هل تجدون فيها شركة، وأفرد لأنه فى الأصل مصدر، ولاتحادها ما صدقا {بل أكثرهم لا يعلمون الحق} لا يعرفون فتعدى لواحد، أو يقدر لا يعلمونه الحق، أو لا يعلمون العلم الحق على أنه مفعول مطلق، أى كلهم أو على ظاهره على أن بعضهم القليل يميز الحق، ولكن يجحده، وذلك إضراب انتقال من تبكيتهم الى بيان الاحتجاج عليهم، لا ينفع لعدم تمييزهم بين الحق والباطل. {فهُم} لأجل ذلك {مُعْرضُون} عن التوحيد، واتباع الرسل، مصرون على ام هم عليه أو عما ألقى إليهم من البراهين العقلية والنقلية، لا يتفكرون إعرضاً مستمراً.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً} إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة [آلهة] حقيقة بإظهار خلوها عن خصائص الإلهية التي من جملتها الإنشار وإقامة البرهان القطعي على استحالة تعدد الإله مطلقاً وتفرده سبحانه بالألوهية إلى [إظهار] بطلان اتخاذهم تلك الآلهة مع عرائها عن تلك الخصائص بالمرة شركاء لله تعالى شأنه وتبكيتهم بإلجائهم إقامة البرهان على دعواهم الباطلة وتحقيق أن جميع الكتب السماوية ناطقة بحقية التوحيد وبطلان الإشراك. وجوز أن يكون هذا انتقالاً لإظهار بطلان الآلهة مطلقاً بعد إظهار بطلان الآلهة الأرضية، والهمزة لإنكار الاتخاذ المذكور واستقباحه واستعظامه؛ و(من) متعلقه باتخذوا، والمعنى بل اتخذوا متجاوزين إياه تعالى مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية آلهة مع ظهور أنها عارية عن خواص الألوهية بالكلية. {قُلْ} لهم بطريق التبكيت وإلقام الحجر {هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ} على ما تدعونه من جهة العقل الصريح أو النقل الصحيح فإنه لا يصح القول بمثل ذلك من غير دليل عليه، وما في إضافة البرهان إلى ضميرهم من الإشعار بأن لهم برهاناً ضرب من التهكم بهم. وقوله تعالى: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى} إنارة لبرهانه وإشارة إلى أنه مما نطقت به الكتب الإلهية قاطبة وزيادة تهييج لهم على إقامة البرهان لإظهار كمال عجزهم أي هذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع [العقلي] ذكر أمتي وعظمتهم وذكر الأمم السالفة قد أقمته فأقيموا أنتم أيضاً برهانكم، وأعيد لفظ {ذُكِرَ} ولم يكتف بعطف الموصول على الموصول المستدعي للانسحاب لأن كون المشخص ذكر من معه ظاهر وكونه ذكر من قبله باعتبار اتحاده بالحقيقة مع الوحي المتضمن ذلك. وقيل: المراد بالذكر الكتاب أي هذا كتاب أنزل على أمتي وهذا كتاب أنزل على أمم الأنبياء عليهم السلام من الكتب الثلاثة والصحف فراجعوها وانظروا هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك ففيه تبكيت لهم متضمن لنقيض مدعاهم. وقرىء بتنوين ذكر الأول والثاني وجعل مابعده منصوب المحل على المفعولية له لأنه مصدر وأعماله هو الأصل نحو { أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً } تفسير : [البلد: 14 - 15]. وقرأ يحيـى بن يعمر. وطلحة بالتنوين وكسر ميم {مِنْ} فهي على هذا حرف جر ومع مجرورة بها وهي اسم يدل على الصحبة والاجتماع جعلت هنا ظرفاً كقبل وبعد فجاز إدخال من عليها كما جاز إدخالها عليهما لكن دخولها عليها نادر، ونص أبو حيان أنها حينئذ بمعنى عند. وقيل: من داخلة على موصوفها أي عظة من كتاب معي وعظة من كتاب من قبلي، وأبو حاتم ضعف هذه القراءة لما فيها من دخول من على مع ولم ير له وجهاً وعن طلحة أنه قرأ {هَـٰذَا ذِكْرُ مَّعِىَ وَذِكْرُ * قَبْلِى} بتنوين {ذُكِرَ} وإسقاط {مِنْ} وقرأت فرقة {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن} بالإضافة {ذِكْرُ مّنَ قَبْلِى} بالتنوين وكسر الميم. وقوله تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ} إضراب من جهته تعالى غير داخل في الكلام الملقن وانتقال من الأمر بتبكيتهم بمطالعة البرهان إلى بيان أن الاحتجاج عليهم لا ينفع لفقدهم التمييز بين الحق والباطل {فَهُمُ} لأجل ذلك {مُّعْرِضُونَ} مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول لا يرعوون عما هم عليه من الغي والضلال وإن كررت عليهم البينات والحجج أو فهم معرضون / عما ألقى عليهم من البراهين العقلية والنقلية. وقرأ الحسن. وحميد. وابن محيصن {ٱلْحَقّ} بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق، والجملة معترضة بين السبب والمسبب تأكيداً للربط بينهما، وجوز الزمخشري أن يكون المنصوب أيضاً على معنى التأكيد كما تقول هذا عبد الله الحق لا الباطل، والظاهر أنه منصوب على أنه مفعول به ليعلمون والعلم بمعنى المعرفة وقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ...}

ابن عاشور

تفسير : جملة {أم اتخذوا من دونه آلهة} تأكيد لجملة {أية : أم اتخذوا آلهة من الأرض}تفسير : [الأنبياء: 21]. أُكد ذلك الإضراب الانتقالي بمثله استعظاماً لِفظاعته وليُبنَى عليه استدلالٌ آخر كما بُني على نظيره السابق؛ فإن الأول بني عليه دليلُ استحالةٍ من طريق العقل، وهذا بني عليه دليل بطلان بشهادة الشرائع سابِقِها ولاحقها، فلقن الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: {هاتوا برهانكم} أي، هاتوا دليلاً على أنّ لله شركاء من شواهد الشرائع والرسل. والبرهان: الحجة الواضحة. وتقدم في قوله تعالى: {أية : يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم} تفسير : في سورة النساء (174). والإشارة في قوله تعالى {هذا ذكر من معي} إلى مقدّر في الذهن يفسره الخبر. والمقصود من الإشارة تمييزه وإعلانه بحيث لا يستطيع المخاطب المغالطة فيه ولا في مضمونه، كقوله تعالى: {أية : هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} تفسير : في سورة لقمان (11)، أي أن كتب الذكر أي الكتب الدينية في متناول الناس فانظروا هل تجدون في أحد منها أن لله شركاء وأن الله أذن باتخاذهم آلهة. وإضافة {ذِكر} إلى {مَن معي} من إضافة المصدر إلى مفعوله وهم المذكَّرون ــــ بفتح الكاف ــــ. والمعية في قوله تعالى {مَن معي} معيَّة المتابعة، أي مَن معي من المسلمين، فما صْدق (مَن) الموصولة الأمم، أي هذا ذكر الأمة التي هي معي، أي الذكر المنزل لأجلكم. فالإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول كقوله تعالى: {أية : لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم}تفسير : [الأنبياء: 10]. والمراد بقوله تعالى: {هذا ذكر من معي} القرآن، وأما قوله تعالى: {وذكر من قبلي} فمعناه ذكر الأمم الذين هم قبلي يشمل جميع الكتب السالفة المعروفة: التوراة والزبور والإنجيل وكتاب لقمان. وهذا كقوله تعالى: {أية : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط }تفسير : [آل عمران: 18]. وأضرب عن الاستدلال بأنه استدلال مضيع فيهم بقوله تعالى: {بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون}، أي لا تَرجُ منهم اعترافاً ببطلان شركهم من دليل العقل المتقدم ولا من دليل شهادة الشرائع المذكور ثانياً، فإن أكثرهم لا يعلمون الحق ولا يكتسبون عِلمه. والمراد بكونهم لا يعلمون الحق أنهم لا يتطلبون علمه كما دلت عليه قرينة التفريع عليه بقوله تعالى {فهم معرضون}، أي معرضون عن النظر في الأدلة التي تدعوهم أنت إلى معرفتها والنظر فيها. وإنما أسند هذا الحكم إلى أكثرهم لا لجميعهم تسجيلاً عليهم بأن قليلاً منهم يعلمون الحق ويجحدونه، أو إيماء إلى أن قليلاً منهم تهيّأت نفوسهم لقبول الحقّ. وتلك هي الحالة التي تعرض للنفس عند هبوب نسمات التوفيق عليها مثل ما عرض لعمر بن الخطاب حين وجد اللوح عند أخته مكتوباً فيه سورة طه فأقبل على قراءته بشَرَاشِرِه فما أتمها حتى عزم على الإسلام.

الواحدي

تفسير : {أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم} حجَّتكم على أن مع الله تعالى معبوداً غيره. {هذا ذكر مَنْ معي} يعني: القرآن {وذكر مَنْ قبلي} يعني: التَّوراة والإِنجيل، فهل في واحدٍ من هذه الكتب إلاَّ توحيد الله سبحانه وتعالى؟ {بل أكثرهم لا يعلمون الحق} فلا يتأمَّلون حجَّة التَّوحيد، وهو قوله: {فهم معرضون}. {وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ...} الآية. يريد: لم يُبعثْ رسولٌ إلاَّ بتوحيد الله سبحانه، ولم يأتِ رسولٌ أُمّته بأنَّ لهم إلهاً غير الله. {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً} يعني: الذين قالوا: الملائكة بنات الله، والمعنى وقالوا: اتَّخذ الرحمن ولداً من الملائكة {سبحانه} ثمَّ نزَّه نفسه عمَّا يقولون {بل} هم {عباد مكرمون} يعني: الملائكة مكرمون بإكرام الله إيَّاهم. {لا يسبقونه بالقول} لا يتكلَّمون إلاَّ بما يأمرهم به {وهم بأمره يعملون}. {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} ما عملوا، وما هم عاملون {ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى} لمن قال: لا إله إلاَّ الله {وهم من خشيته مشفقون} خائفون؛ لأنَّهم لا يأمنون مكر الله. {ومَنْ يقل منهم} من الملائكة {إني إلهٌ من دونه} من دون الله تعالى {فذلك نجزيه جهنم} يعني: إبليس حيث ادَّعى الشِّركة في العبادة، ودعا إلى عبادة نفسه {كذلك نجزي الظالمين} المشركين الذين يعبدون غير الله تعالى. {أَوَلَمْ يَر} أولم يعلم {الذين كفروا أنَّ السموات والأرض كانتا رتقاً} مسدودةً {ففتقناهما} بالماء والنَّبات، كانت السَّماء لا تُمطر، والأرض لا تُنبت، ففتحهما الله سبحانه بالمطر والنَّبات {وجعلنا من الماء} وخلقنا من الماء {كلَّ شيء حي} يعني: إنَّ جميع الحيوانات مخلوقةٌ من الماء، كقوله تعالى: {أية : والله خلق كلَّ دابَّةٍ من ماءٍ} تفسير : ثمَّ بكَّتهم على ترك الإيمان، فقال: {أفلا يؤمنون}. وقوله: {وجعلنا فيها} في الرَّواسي {فجاجاً سبلاً} طرقاً مسلوكةً حتى يهتدوا. {وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً} بالنُّجوم من الشَّياطين {وهم عن آياتها} شمسها وقمرها ونجومها {معرضون} لا يتفكَّرون فيها. وقوله: {كلٌّ في فلك يسبحون} يجرون ويسيرون، والفَلَكُ: مدار النُّجوم. {وما جَعَلْنا لبشر من قبلك الخلد} دوام البقاء {أفَإِيْن مت فهم الخالدون} نزل حين قالوا: {أية : نتربَّصُ به ريَب المنون} تفسير : وقوله: {ونبلوكم} نختبركم {بالشر} بالبلايا والفقر {والخير} المال والصِّحة {فتنة} ابتلاءً لننظر كيف شكركم وصبركم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 24- لم يعرفوا حق الله عليهم، بل اتخذوا من غيره آلهة يعبدونها دون دليل معقول أو برهان صادق. قل - أيها النبى - هاتوا برهانكم على أن لله شريكاً فى الملك يبرر إشراكه فى العبادة. هذا القرآن الذى جاء مذكراً لأمتى بما يجب عليها، وهذه كتب الأنبياء التى جاءت لتذكِّر الأمم قبلى تقوم كلها على توحيد الله. بل أكثرهم لا يعلمون ما جاء فى هذه الكتب، لأنهم لم يهتموا بالتأمل فيها، فهم معرضون عن الإيمان بالله. 25- وما أرسلنا إلى الناس قبلك - أيها النبى - رسولا ما، إلا أوحينا إليه أن يبلِّغ أمته أنه لا يستحق العبادة غيرى، فأَخْلِصُوا لى العبادة. 26- وقال بعض كفار العرب: اتخذ الرحمن ولدا بزعمهم أن الملائكة بناته. تنزَّه عن أن يكون له ولد. بل الملائكة عباد مُكْرمون عنده بالقرب منه، والعبادة له. 27- لا يسبقون الله بكلمة يقولونها، قبل أن يأذن لهم بها، وهم بأمره - دون غيره - يعملون، ولا يتعدون حدود ما يأمرهم به. 28- يعلم الله كل أحوالهم وأعمالهم - ما قدَّموه وما أخَّروه - ولا يشفعون عنده إلا لمن رضى الله عنه، وهم من شدة خوفهم من الله تعالى وتعظيمهم له فى حذرٍ دائم. 29- ومن يقل من الملائكة: إنى إله يعبد من دون الله فذلك نجزيه جهنم. مثل هذا الجزاء نجزى كل الذين يتجاوزون حدود الحق، ويظلمون أنفسهم بالشرك وادعاء الربوبية.

القطان

تفسير : هذا ذِكر من معي: هذا القرآن الذي معي. وذِكر مَن قبلي: الكتب السابقة. لا يسبقونه بالقول: لا يتكلمون حتى يأمرهم. مشفقون: حذرون، خائفون. أعاد الاستنكار مرةً أخرى لبشاعة ما يقولون، ولإظهار جهلهم فقال: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً.... }. بعد هذه الأدلّة التي ظهرت تقولون: إن لله شركاءَ، فأين الدليل؟ هاتوا دليلكم على صحة ما تقولون. ان هذا القرآن قد جاءَ مذكّرا لأُمتي بما يجب عليها، وهذه كتب الانبياء التي جاءت لتذكر الأممَ من قبلي - كلّها تشهد على توحيد الله، وليس فيها ذِكر للشركاء الذين تزعمون. ولما كانوا لا يجِدون لهم شُبهة فضلاً عن حجة، ذمَّهم اللهُ على جهلهم بمواضع الحق فقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ}. بل أكثرُ هؤلاء لا يميزون بين الحق والباطل، وهذا هو السبب في إعراضهم وتجافيهم عن سماع الحق. ثم أكّد ما تقدّم من أدلة التوحيد فقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ}. ان الرسلَ جميعاً أُرسلوا بالتوحيد، فهو قاعدة العقيدة منذ ان بعثَ الله الرسلَ للناس، لا تبديل فيه ولا تحويل، فأخلِصوا لله العبادة. وبعد أن بين سبحانه بالدلائل القاطعة أنه منزّهٌ عن الشريك والشبيه، أردف ذلك ببراءته من اتخاذ الولد فقال: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}. وقال بعض مشركي العرب وهم بعض خُزاعة وجُهينة وبنو سَلَمة: ان الملائكة بناتُ الله، فردَّ الله عليهم بقوله: سبحانه، تنزَّه عن أن يكون له ولد، بل الملائكةُ الذين عنده هم عبادٌ مكرَّمون مقرَّبون. {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}. لا يتكلّمون إلا بما يأمرهم به ربهم، ولا يخالفونه في ذلك ولا يتعدون حدود ما يأمرهم به. ثم علّل سبحانه هذه الطاعة بعلمِهِم أن ربَّهم محيطٌ بهم، لا تخفى عليه خافية من أمرهم فقال: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}. ان الله يعلم كل أحوالهم واعمالهم، وما قدّموه وما أخّروه، وهم لا يشفعون الا لمن رضي الله عنه، وهم من خوف الله والإشفاق من عقابه دائماً حذِرون. {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ}. ومن يقل من الملائكة إني إله، فذلك جزاؤه جهنم، ومثل هذا الجزاءِ نجزي كلَّ من يتجاوز حدود الله من الظالمين. قال بعض المفسرين: عنى بهذا إبليسَ حيث ادَّعى الشرِكَة ودعا إلى عبادة نفسِه وكان من الملائكة، ولم يقلْ أحدٌ من الملائكة إني إله غيره.

د. أسعد حومد

تفسير : {آلِهَةً} {بُرْهَانَكُمْ} (24) - يَسْأَلُ اللهُ تَعَالَى المُشْرِكِينَ، عَنِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيَّ الذِي يَسْتَنِدُونَ إليهِ فِي دَعْوَى الشِّرْكِ التي يَدَّعُونَها، وَهِيَ لاَ تَعْتَمِدُ عَلَى دلِيلٍ، فَيَقُولُ تَعَالَى: أَبَعْدَ هَذِهِ الأَدِلَّةِ التي ظَهَرَتْ تَقُولُونَ إِنَّ للهِ شَرِيكاً؟ فَهَاتُوا بُرْهَانَكُمْ وَدَلِيلَكُمْ عَلَيهِ فَهَذَا القرآنُ المُنَزَّلُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ عِظَةٌ لِلَّذِينَ مَعَهُ، وهُنَاكَ الكُتُبُ التي أُنْزِلَتْ عَلَى مَنْ سَبَقَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وَهِيَ ذِكْرَى وَعِظَةٌ لأُمَمِهِمْ، لَيْسَ فِيهَا جَمِيعاً ذِكْرٌ لِشُرَكَاء، فَكُلُّ الدَّيَانَاتِ قَائِمَةٌ عَلَى عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ، وأَنَّه لا إِله إِلاَّ اللهُ فَمِنْ أَينَ جَاءَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ بِدَعْوَى الشِّرْكِ التي تَنْقُضُهَا طَبِيعَةُ الكَوْنِ؟ ولا يُوجَدُ في الكُتُبِ السَّابِقَةِ دَلِيلٌ عَلَيْهَا. وَلكِنَّ المُشْرِكِينَ لاَ يَعْلَمونَ الحَقَّ، ولِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : طالما اتخذوا من دون الله آلهة فهاتوا البرهان على صِدْقها، كما أن الله تعالى - وهو الإله الحق - أتى بالبراهين الدامغة على وجوده، وعلى قدرته، وعلى وحدانيته، وعلى أحديته، فهاتوا أنتم أيضاً ما لديكم، أم أنها آلهة لا أدلةَ لها ولا برهانَ عليها، فلم تنزل كتاباً، ولا أرسلتْ رسولاً، ولا جاءت بمنهج. فـأين هم إذن؟ إذا لم يكونوا على دراية بما يحدث، فهي آلهة غافلة لا يصح أنْ يحتلوا هذه المنزلة، وإنْ كانوا على دراية فلمَ لَمْ يُجابهوا الحقائق ويدافعوا عن أنفسهم؟ إذن: هم ضعفاء عن هذه المواجهة. وقوله تعالى: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ..} [الأنبياء: 24] أي: هاتوا الدليل على وجود آلهة غير الله، والبرهان: التدليل بإيجاد الكون على هذا النظام البديع، فهل سمعتم أن إلهاً آخر قال: أنا الذي أوجدتُ؟ هل أرسل رسولاً بآية؟ إذن: هذا كلام كذب وافتراء واختلاق من عند أنفسكم؛ لأنكم لستم أهلَ علم في شيء، ولا يعني هذا عدمَ وجود العلم، إنما العلم موجود، ولكنكم مُعرِضون عن سماعه: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ} [الأنبياء: 24]. كأن للحق سمات يعلم بها، فَمنْ أقبل على معرفة الحق وجده، أما مَنْ أعرض عن المعرفة، فمن أين له أنْ يعرف؟ إذن: فالحق موجود ولو التمسوه لوجدوه وعرفوه، وأمسكوا بالدليل عليه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ ...}.