٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ يُوحَى إِلَيْهِ}. وقرأ حفص وحمزة والكسائي «نُوحِي إِلَيْهِ» بالنون؛ لقوله؛ «أَرْسلْنَا». {أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} أي قلنا للجميع لا إلٰه إلا الله؛ فأدلة العقل شاهدة أنه لا شريك له، والنقل عن جميع الأنبياء موجود، والدليل إما معقول وإما منقول. وقال قتادة: لم يرسل نبي إلا بالتوحيد، والشرائع مختلفة في التوراة والإنجيل والقرآن، وكل ذلك على الإخلاص والتوحيد.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تعميم بعد تخصيص، فإن {ذكر من قبلي} من حيث إنه خبر لاسم الإِشارة مخصوص بالموجود بين أظهرهم وهو الكتب الثلاثة، وقرأ حفص وحمزة والكسائي {نُوحِى إِلَيْهِ } بالنون وكسر الحاء والباقون بالياء وفتح الحاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى } وفي قراءة(نوحي) بالنون وكسر الحاء {إِلَيْهِ أَنَّهُ لآ إِلَٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ } أي وحِّدوني.
ابن عطية
تفسير : لما أخبرهم تعالى أنهم لا يعلمون الحق لإعراضهم أتبع ذلك بإعلامهم أنه ما أرسل قط رسولاً إلا أوحى إليه أن الله تعالى فرد صمد، وهذه عقيدة لم تختلف فيها النبوات، وإنما اختلفت في الأحكام. وقرأ حمزة والكسائي "نوحي" بنون مضمومة، وقرأ الباقون "يوحى" بياء مضمومة. واختلف عن عاصم ثم عدد بعد ذلك نوعاً آخر من كفرهم وذلك أنهم مع اتخاذهم آلهة كانوا يقربون بالله تعالى هو الخالق الرازق إلا أنهم قال بعضهم اتخذ الملائكة بنات، وقال نحو هذه المقالة النصارى في عيسى ابن مريم عليه السلام، واليهود في عزير، فجاءت هذه الآية رادة على جميعهم منبهة عليهم، ثم نزه تعالى نفسه عن مقالة الكفرة وأضرب عن مقالهم ونص ما هو الأمر في نفسه بقوله {بل عباد مكرمون} وهذه عبارة تشمل الملائكة وعزيراً وعيسى. وقوله تعالى: {لا يسبقونه بالقول} عبارة عن حسن طاعتهم ومراعاتهم لامتثال الأمر، وقوله تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي ما تقدم من أفعالهم وأعمالهم، والحوادث التي لها إليهم تنسب وما تأخر، ثم أخبر تعالى أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله أن يشفع له، قال بعض المفسرين لأهل لا إله إلا الله، "والمشفق" البالغ في الخوف المحترق من الفزع على أمر ما.
النسفي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ } {إِلاَّ نُوحِى } كوفي غير أبي بكر وحماد {أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ } وحدوني فهذه الآية مقررة لما سبقها من آي التوحيد {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ } نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله فنزه ذاته عن ذلك ثم أخبر عنهم بأنهم عباد بقوله {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } أي بل هم عباد مكرمون مشرفون مقربون وليسوا بأولاد إذ العبودية تنافي الولادة {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ } أي بقولهم فأنيبت اللام مناب الإضافة، والمعنى أنهم يتبعون قوله فلا يسبق قولهم قوله ولا يتقدمون قوله بقولهم {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } أي كما أن قولهم تابع لقوله فعملهم أيضاً مبني على أمره لا يعملون عملاً لم يأمروا به {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } أي ما قدموا وأخروا من أعمالهم {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } أي لمن رضي الله عنه وقال لا إله إلا الله {وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } خائفون .
ابو السعود
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} استئنافٌ مقررٌ لما أُجمل فيما قبله من كون التوحيد مما نطَقت به الكتبُ الإلٰهيةُ وأجمعت عليه الرسلُ عليهم الصلاة والسلام، وقرىء (يوحىٰ) على صيغة الغائب مبنياً للمفعول وأياً ما كان فصيغةُ المضارع لحكاية الحالِ الماضية استحضاراً لصورة الوحي. {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} حكايةٌ لجناية فريق من المشركين جيء بها لإظهار بُطلانِها وبـيانِ تنزّهه تعالى عن ذلك إثرَ بـيان تنزّهِه سبحانه عن الشركاء على الإطلاق وهم حيٌّ من خُزاعَةَ يقولون: الملائكةُ بناتُ الله تعالى، ونقل الواحدي أن قريشاً وبعضَ أجناسِ العرب جهينةَ وبني مُلَيح يقولون ذلك. والتعرضُ لعنوان الرحمانية المنبئةِ عن كون جميع ما سواه تعالى مربوباً له تعالى نعمةً أو مُنعَماً عليه لإبراز كمالِ شناعةِ مقالتِهم الباطلةِ {سُبْحَـٰنَهُ} أي تنزّه بالذات تنزّهَه اللائقَ به على أن السُّبحانَ مصدرٌ من سبح أي بَعُد أو أسبّحه تسبـيحَه على أنه علمٌ للتسبـيح وهو مقولٌ على ألسنة العباد أو سبحوه تسبـيحَه وقوله تعالى: {بَلْ عِبَادٌ} إضرابٌ وإبطالٌ لما قالوه، كأنه قيل: ليست الملائكةُ كما قالوا بل هم عبادٌ له تعالى {مُّكْرَمُونَ} مقربون عنده، وقرىء مكرّمون بالتشديد تنبـيهٌ على منشأ غلطِ القوم. وقوله تعالى: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ} صفةٌ أخرى لعباد منبئةٌ عن كمال طاعتهم وانقيادِهم لأمره تعالى، أي لا يقولون شيئاً حتى يقوله تعالى أو يأمرهم به وأصلُه لا يسبق قولُهم قولَه تعالى، فأسند السبقُ إليه منسوباً إليه تعالى تنزيلاً لسبق قولِهم قولَه تعالى منزلةَ سبقهم إياه تعالى لمزيد تنزيههم عن ذلك وللتنبـيه على غاية استهجان السبقِ المعرَّضِ به للذين يقولون ما لا يقوله الله تعالى، وجعلُ القول محلاً للسبق وأداةً له ثم أنيب اللامُ عن الإضافة للاختصار والتجافي عن التكرار، وقرىء لا يسبقونه بضم الباء من سابقته فسبقته أسبُقه وفيه مزيدُ استهجانٍ للسبق وإشعارٌ بأن من سبق قولُه قولَه تعالى فقد تصدّى لمغالبته تعالى في السبق فسبقه فغلبه والعياذ بالله تعالى، وزيادةُ تنزيهٍ لهم عما نُفيَ عنهم ببـيان أن ذلك عندهم بمنزلة الغلَبة بعد المغالبة، فأنى يُتوهم صدورُه عنهم {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} بـيانٌ لتبعيتهم له تعالى في الأعمال إثرَ بـيانِ تبعيتهم له تعالى في الأقوال، فإن نفيَ سبقِهم له تعالى بالقول عبارةٌ عن تبعيّتهم له تعالى فيه، كأنه قيل: هم بأمره يقولون وبأمره يعملون لا بغير أمره أصلاً، فالقصرُ المستفادُ من تقديم الجار معتبرٌ بالنسبة إلى غير أمرِه لا إلى أمر غيرِه.
القشيري
تفسير : التوحيدُ في كل شريعة واحدٌ، والتعبدُ - على من أرسل إليه الرسول - واجبٌ، ولكنَّ الأفعالَ للنسخِ والتبديلِ مُعَرَّضةٌ، أما التوحيدُ وطريقُ الوصول إليه فلا يجوز في ذلك النسخُ والتبديل.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما ارسلنا من قبلك من رسول الا نوحى اليه انه} اى الشأن {لا اله الا انا فاعبدون} اى وحدونى ولا تشركوا بى. وفيها اشارة الى ان الحكمة فى بعثة جميع الانبياء والرسل مقصورة على هاتين المصلحتين وهما اثبات وحدانية الله تعالى وتعبده بالاخلاص لتكون فائدة تينك المصلحتين راجعة الى العباد لا الى الله تعالى كما قال (خلقت الخلق ليربحوا علىّ لا لأربح عليهم): وفى المثنوى شعر : جون خلقت الخلق كى يربح على لطف توفرمود اى قيوم وحى لا لأن اربح عليهم جودتست كه شود زوجمله ناقصها درست عفوكن زين ناقصان تن برست عفو ازدرياى عفو او ليترست تفسير : واكبر فائدتهما معرفة الله تعالى كما قال تعالى {أية : وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون}تفسير : اى ليعرفون وهى مختصة بالانسان دون سائر المخلوقات فانها هى حقيقة الامانة التى قال تعالى {أية : انا عرضنا الامانة على السماوات والارض}تفسير : الآية. يقول الفقير العبادة طريق المعرفة وهى طريق الرؤية فالرؤية اعلى من المعرفة لان العارفين مشتاقون الى منازل اهل الوصال والواصلون لا يشتاقون الى منازل اهل المعرفة والمعرفة يتولد منها التعب والعناء والرؤية يتولد منها السرور والرضى. قال بعض العارفين المعرفة الطف والرؤية اشرف والمعرفة اشد والرؤية اكد فعلى السالك ان يجتهد فى تحقيق المعرفة والتوحيد ويصل الى رؤية الحميد المجيد. والتوحيد على ثلاث مراتب توحيد اهل البداية وهو لا اله الا هو وسير اهل هذا التوحيد فى عالم الاجسام. وتوحيد اهل التوسط وهو لا اله الا انت وسير اهل هذا التوحيد فى عالم الارواح. وتوحيد اهل النهاية وهو لا اله الا انا وسير اهل هذا التوحيد فى عالم الحقيقة والى هذه المرتبة اشار الشيخ المغربى قدس سره بقوله شعر : نور هستى جمله ذرات عالم تا ابد ميكننداز مغربى جون ماه ازمهر اقتباس تفسير : ومن لطائف الكمال الخجندى قوله شعر : طاس بازى بديدم از بغداد جون جنيد ازسلوكش آكاهى رفت درجبه وقت بازى كفت ليس فى جبتى سوى اللهى تفسير : ثم ان فى الآية اشارة الى ان اكثر الخلق من يدعون الاسلام والتوحيد ولا يميزون الحق من الباطل فيتبعون اهل الشرك والرياء والبدع والهوى والدنيا ولذا قلت عبادتهم بالاخلاص بل انتفى رعاية الشريعة بينهم ولو كان لهم استعداد وجدان الحق لوجدوا اهله اولا ووصلوا بتسليكهم على قدمى الشريعة والطريقة الى المعرفة والحقيقة فانما حرموا الوصول بتضييعهم الاصول ومن الله الهداية والتوفيق ومنه الوصول الى مقام الصدق والتحقيق.
الجنابذي
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا} جملة حاليّة {مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} لمّا كان الوحى خاصّاً بالرّسول والعبادة عامّة له ولامّته افرد ضمير اليه وخاطب الجميع فى الامر بالعبادة، ويجوز ان يكون قوله وما ارسلنا عطفاً باعتبار المعنى ويكون فيه معنى الاضراب والتّرقّى كأنّه تعالى قال حين قال {هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} ليس لهم برهان على الاتّخاذ لانّ برهان هذا المطلب ليس الاّ الوحى وليس فى الوحى اذن وترخيص فى اتّخاذ اله سواه بل ما ارسلنا قبلك من رسولٍ الاّ نوحى اليه بالتّوحيد وخلع الانداد لا بالاشراك واتّخاذ الانداد.
اطفيش
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ يُوحَى إِلَيْهِ} وقرأ حفص وحمزة والكسائى نوحى بالنون وكسر الحاء {أَنَّهُ لاَ إِلهَ إلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} وهذا تكرار لقوله {أية : هذا ذكر مَن معى وذكر مَن قبلى} تفسير : تأكيدا. وإن أريد بالذكرين القرآن والتوراة والإنجيل فهو تعميم بعد تخصيص كذا قيل. والظاهر جواز كونه تكريراً وتأكيداً أيضًا على هذا، نظراً إلى أن الثلاثة متضمنة لسائر الكتب. وكذا إن أُريد بالذكرين معًا القرآن والكتب ولو كانت أقل من الرسل، لكن مَن لم يكن له كتاب معهم يجرى على كتاب مَن قبله أو معه. والواو للرسل نظراً للمعنى؛ لأن المعنى: وما أرسلنا قبلك الرسل إلا يوحى إليهم أنه الخ، أو الواو للكفرة، أو للناس، أى إذا قام عندكم دليل التوحيد فاعبدون، أى أطيعونى، أَو وحّدونى.
اطفيش
تفسير : {وما أرْسَلنا مِن قبْلك مِنْ رسُول الا نُوحى إلَيْه أنَّه لا إله إلا أنا فاعْبدُونِ} تقرير لما تقدم من التوحيد، وإن أريد بذكر من قبلى التوراة والإنجيل والزبور، فهذا تعميم بعد تخصيص، والإفراد فى اليه مرعاة للفظ رسول وواو اعبدون مراعاة لمعناه لعمومه، إذا كان نكرة فى سياق النفى، لاسيما أنها أكدت بمن على أن فاعبدون من جملة ما أوحى من قبل، ويجوز أن يكون خارجاً عن ذلك خطاباً للنبى صلى الله عليه وسلم وأمته، وعلىالأول يكون الموحى مفرداً معنوياً، ولفظاً أى إلا انفرادى بالألوهية، ولفظ فاعبدون، وذلك لفتح همزة أنه فان مصدر أو يقدر قائلا فاعبدون، أو مفعولا للرسل، فاعبدون وعلى كل حال يقال: لكل رسول وأمته اعبدون، ويوحى لحكاية الحال الماضية كأنها حاضر، ومعنى حكاية الله كذا ذكره له، وفى الأثر مع ان يقال: حكى الله عن فلان، أو عن قوم أو نحو ذلك، كأنه يوهم أن الله لا يعلمه إلا من جهتهم.
الالوسي
تفسير : استئناف مقرر لما سبق من آي التوحيد وقد يقال إن فيه تعميماً بعد تخصيص إذا أريد من { أية : ذِكْرُ مّنَ قَبْلِى } تفسير : [الأنبياء: 24] الكتب الثلاثة، ولما كان {مِن رَّسُولٍ} عاماً معنى فكان هناك لفظ ومعنى أفرد على اللفظ في {نُوحِيۤ إِلَيْهِ} ثم جمع على المعنى في {فَٱعْبُدُونِ} ولم يأت التركيب فاعبدني وهذا بناء على أن {فَٱعْبُدُونِ} داخل في الموحى وجوز عدم الدخول على الأمر له صلى الله عليه وسلم ولأمته، وقرأ أكثر السبعة {يُوحَى} على صيغة الغائب مبنياً للمفعول، وأياً ما كان فصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية استحضاراً لصورة الوحي.
ابن عاشور
تفسير : لما أظهر لرسوله أن المعاندين لا يعلمون الحق لإعراضهم عن تلقّيه أقبل على رسوله - صلى الله عليه وسلم بتأييد - مقاله الذي لقّنه أن يجيبهم به وهو قوله تعالى: {أية : قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي}تفسير : [الأنبياء: 24]، فأفادهُ تعميمه في شرائع سائر الرسل سواء من أنزل عليه كتاب ومن لم ينزل عليه كتاب، وسواء من كان كتابه باقياً مثل موسى وعيسى وداود ومن لم يبق كتابه مثل إبراهيم. وليس ذكر هذه الجملة لمجرد تقرير ما قبلها من آي التوحيد وإن أفادت التقرير تبعاً لفائدتها المقصودة. وفيها إظهارٌ لعناية الله تعالى بإزالة الشرك من نفوس البشر وقطع دابره إصلاحاً لعقولهم بأن يُزال منها أفظع خطل وأسخف رأي، ولم تَقطع دابرَ الشرك شريعةٌ كما قطعه الإسلام بحيث لم يحدث الإشراك في هذه الأمَّة. وحرف (مِن) في قوله تعالى {مِن رسول} مزيد لتوكيد النفي. وفرع فيما أوحي إليهم أمرَه إياهم بعبادته على الإعلان بأنه لا إله غيره، فكان استحقاق العبادة خاصاً به تعالى. وقرأ الجمهور {إلاّ يُوحى إليه} بمثناة تحتية مبنياً للنائب، وقرأه حفص وحمزة والكسائي بالنون مبنياً للفاعل، والاستثناءُ المفرّع في موضع الحال.
د. أسعد حومد
تفسير : (25) - فالتَّوْحِيدُ قَاعِدَةُ العَقِيدَةِ مُنْذُ أَنْ بَعَثَ اللهُ الرُّسُلَ إلى النَّاسِ، لا تَبْدِيلَ فيها، وَلاَ تَحْوِيلَ، فَلاَ انْفِصَالَ بينَ الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، ولا مَجَالَ للشِّركِ في الأُلُوهِيَّةِ ولا في العِبَادَةِ. وكُلُ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ كانَ يَدْعُو إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، والفِطْرَةُ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ، والمُشْرِكُونَ لَهم بُرْهَانَ لَهُمْ عَلَى مَا يَدَّعُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن: فقضية التوحيد واضحة منذ بداية الرسالات إلى خاتمها، الكل جاء بقول لا إله إلا الله قضية مشتركة بين جميع رسالات السماء. وقوله تعالى: {مِن رَّسُولٍ ..} [الأنبياء: 25] (مِنْ) هنا للشمول والتعميم، يعني: كل أفراد الرسل، كلّ مَنْ يُقَال له رسول. فلو قال لك شخص: ما عندي مال، لا يمنع هذا القول أن يكون عنده قليل من المال، قروش مثلاً لا يُقال لها مال، فإنْ قال لك: ما عندي من مال فقد نفى وجود جنس المال من بداية ما يقال له مال، ما عندي حتى مليم واحد. إذن: ما جئتم به من مسألة الشرك بالله أو إنكاره عز وجل مسألة جديدة (موضة) طلعتُم علينا بها.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما بيَّن تعالى أحوال المشركين وأقام الأدلة والبراهين على وحدانية الله وبطلان تعدد الألهة، ذكر هنا أن دعوة الرسل جميعاً إِنما جاءت لبيان التوحيد ثم ذكر بقية الأدلة على قدرة الله ووحدانيته في هذا الكون العجيب. اللغَة: {رَتْقاً} الرتق: الضمُّ والالتحام وهو ضد الفتق يقال رتقتُ الشيء فأرتق أي التأم ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج {تَمِيدَ} تتحرك وتضطرب {فِجَاجاً} جمع فجّ وهو المسلك والطريق الواسع {يَسْبَحُونَ} يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء {فَتَبْهَتُهُمْ} تدهشهم وتحيرهم قال الجوهري: بهته بهتاً أخذه بغتة وقال الفراء: بهتَه إِذا واجهه بشيء يحيّره {يَكْلَؤُكُم} يحرسكم ويحفظكم والكلاءة: الحراسة والحفظ. سَبَبُ النّزول: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان وأبي جهل وهما يتحدثان، فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي سفيان: هذا نبيُّ بني عبد مناف!! فغضب أبو سفيان وقال: ما تنكر أن يكون لبني عبد منافٍ نبيٌّ؟ فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى أبي جهل وقال له: ما أراك منتهياً حتى يصيبك ما أصاب عمَّك الوليد بن المغيرة فنزلت {وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً..} الآية. التفسِير: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ} أي وما بعثنا قبلك يا محمد رسولاً من الرسل {إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ} أي إِلا أوحينا إِليه أنه لا ربَّ ولا معبود بحق سوى الله {فَٱعْبُدُونِ} أي فاعبدوني وحدي وخصوني بالعبادة ولا تشركوا معي أحداً {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} أي قال المشركون اتخذ الله من الملائكة ولداً قال المفسرون: هم حيٌّ من خزاعة قالوا: الملائكة بنات الله {سُبْحَانَهُ} أي تنزَّه الله وتقدَّس عما يقول الظالمون {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} أي بل هم عبادٌ مبجَّلون اصطفاهم الله فهم مكرمون عنده في منازل عالية، ومقاماتٍ سامية وهم في غاية الطاعة والخضوع {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} أي لا يقولون شيئاً حتى يقوله شأنهُم شأن العبيد المؤدبين وهم بطاعته وأوامره يعملون لا يخالفون ربهم في أمرٍ من الأوامر {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي علمه تعالى محيط بهم لا يخفى عليه منهم خافية {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} أي لا يشفعون يوم القيامة إِلا لمن رضي الله عنه وهم أهل الإِيمان كما قال بن عباس: هم أهل شهادة لا إِله إِلا الله {وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} أي وهم من خوف الله ورهبته خائفون حذرون لأنهم يعرفون عظمة الله قال الحسن: يرتعدون من خشية الله {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ} أي يقل من الملائكة إني إلهٌ ومعبودٌ مع الله {فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} أي فعقوبته جهنم قال المفسرون: هذا على وجه التهديد وعلى سبيل الفرض والتقدير لأن هذا شرط والشرطُ لا يلزم وقوعه والملائكة معصومون {كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} أي مثل ذلك الجزاء الشديد نجزي من ظلم وتعدى حدود الله {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} استفهام توبيخ لمن ادعى مع الله آلهة وردٌّ على عبدة الأوثان أي أولم يعلم هؤلاء الجاحدون أن السماوات والأرض كانتا شيئاً واحداً ملتصقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إِلى حيث هي وأقرَّ الأرض كما هي؟ قال الحسن وقتادة: كانت السماوات والأرض ملتزقتين ففصل الله بينهما بالهواء وقال ابن عباس: كانت السماوات رتقاً لا تمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تُنبت ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} أي جعلنا الماء أصل كل الأحياء وسبباً للحياة فلا يعيش بدونه إِنسان ولا حيوان ولا نبات {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} أي أفلا يصدّقون بقدرة الله؟ {وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ} أي جعلنا في الأرض جبالاً ثوابت لئلا تتحرك وتضطرب فلا يستقر لهم عليها قرار {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي وجعلنا في هذه الجبال مسالك وطرقاً واسعة كي يهتدوا إِلى مقاصدهم في الأسفار قال ابن كثير: جعل في الجبال ثُغراً يسلكون فيها طرقاً من قطر إِلى قطر، وإِقليم إِلى إِقليم، كما هو المشاهد في الأرض يكون الجبل حائلاً بين هذه البلاد وهذه فيجعل الله فيها فجوةً ليسلك الناس فيها من هٰهنا إِلى هٰهنا {وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً} أي جعلنا السماء كالسقف للأرض محفوظة من الوقوع والسقوط وقال ابن عباس: حفظت بالنجوم من الشياطين {وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} أي والكفار عن الآيات الدالة على وجود الصانع وقدرته من الشمس والقمر والنجوم وسائر الأدلة والعبر معرضون لا يتفكرون فيما ابدعته يد القدرة من الخلق العجيب والتنظيم الفريد الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة قال القرطبي: بيَّن تعالى أن المشركين غفلوا عن النظر في السماوات وآياتها، من ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، وأفلاكها ورياحها، وما فيها من القدرة الباهرة إِذ لو نظروا واعتبروا لعلموا أن لها صانعاً قادراً واحداً يستحيل أن يكون له شريك {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أي وهو تعالى بقدرته نوَّع الحياة فجعل فيها ليلاً ونهاراً هذا في ظلامه وسكونه، وهذا بضيائه وأنسه، يطول هذا تارة ثم يقصر أُخرى وبالعكس، وخلق الشمس والقمر آيتين عظيمتين دالتين على وحدانيته {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أي كلٌّ من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} أي وما جعلنا لأحدٍ من البشر قبلك يا محمد البقاء الدائم والخلود في الدنيا {أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} أي فهل إِذا متَّ يا محمد سيخلَّدون بعدك في هذه الحياة؟ لا لن يكون لهم ذلك بل كلٌّ إِلى الفناء قال المفسرون: هذا ردٌّ لقول المشركين {أية : شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ} تفسير : [الطور: 30] فأعلم تعالى بأن الأنبياء قبله ماتوا وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} أي كل مخلوقٍ إِلى الفناء ولا يدوم إِلا الحيُّ القيوم {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} أي ونختبركم بالمصائب والنِّعم لنرى الشاكر من الكافر، والصابر من القانط قال ابن عباس: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسَّقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال وقال ابن زيد: نختبركم بما تحبون لنرى كيف شكركم، وبما تكرهون لنرى كيف صبركم!! {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} أي وإِلينا مرجعكم فنجازيكم بأعمالكم {وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} أي إِذا رآك كفار قريش كأبي جهل وأشياعه ما يتخذونك إِلاّ مهْزُوءاً به يقولون {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} استفهام فيه إِنكار وتعجيب أي هذا الذي يسب آلهتكم ويُسفّه أحلامكم؟ {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ} أي وهم كافرون بالله ومع ذلك يستهزئون برسول الله قال القرطبي: كان المشركون يعيبون من جحد إِلهية أصنامهم وهم جاحدون لإِلهية الرحمن، وهذا غاية الجهل {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} أي رُكّب الإِنسان على العَجلة فخُلق عجولاً يستعجل كثيراً من الأشياء وإِن كانت مضرَّة قال ابن كثير: والحكمة في ذكر عجلة الإِنسان هٰهنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلى الله عليه وسلم وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلوا ذلك ولهذا قال {سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} أي سأوريكم انتقامي واقتداري على من عصاني فلا تتعجلوا الأمر قبل أوانه {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي ويقول المشركون على سبيل الاستهزاء والسخرية: متى هذا العذاب الذي يعدنا به محمد إِن كنتم يا معشر المؤمنين صادقين فيما أخبرتمونا به قال تعالى {لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ} أي لو عرف الكافرون فظاعة العذاب حين لا يستطيعون دفع العذاب عن وجوههم وظهورهم لأنه محيط بهم من جميع جهاتهم لما استعجلوا الوعيد قال في البحر: وجواب {لَوْ} محذوف لأنه أبلغ في الوعيد وأهيب وقدَّره الزمخشري بقوله: لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ولكنَّ جهلهم هو الذي هوَّنه عندهم {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي لا ناصر لهم من عذاب الله {بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ} أي بل تأتيهم الساعة فجأة فتدهشهم وتحيرهم {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي فلا يقدرون على صرفها عنهم ولا يُمهلون ويُؤخرون لتوبةٍ واعتذار {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء المشركين أي والله لقد استهزئ برسلٍ أولي شأن خطير وذوي عدد كثير من قبلك يا محمد {فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي فنزل وحلَّ بالساخرين من الرسل العذاب الذي كانوا يستهزئون به قال أبو حيان: سلاّه تعالى بأنَّ من تقدَّمه من الرسل وقع من أممهم الاستهزاء بهم، وأن ثمرة استهزائهم جَنَوْها هلاكاً وعقاباً في الدنيا والآخرة فكذلك حال هؤلاء المستهزئين {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين من يحفظكم من بأس الرحمن في أوقاتكم؟ ومن يدفع عنكم عذابه وانتقامه إِن أراد إِنزاله بكم؟ وهو سؤال تقريع وتنبيه كيلا يغْترُّوا بما نالهم من نعم الله {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ} أي بل هؤلاء الظالمون معرضون عن كلام الله ومواعظه لا يتفكرون ولا يعتبرون {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا} أي ألهم آلهة تمنعهم من العذاب غيرنا؟ {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ} أي لا يقدرون على نصر أنفسهم، فكيف ينصرون عابديهم؟ {وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ} أي وليست هذه الآلهة تستطيع أن تجير نفسها من عذاب الله لأنها في غاية العجز والضغف قال ابن عباس: يُصحبون: يُجارون أي لا يُجيرهم منا أحد لأن المجير صاحب لجاره {بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} أي متعنا هؤلاء المشركين وآباءهم من قبلهم بما رزقناهم من حطام الدنيا حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة وحسبوا أن ذلك يدوم فاغتروا بذلك {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ} أي أفلا ينظرون فيعْتبرون بأننا نأتي أرضهم فننقصها من أطرافها بالفتح على النبي وتسليط المسلمين عليها؟ {أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} استفهام بمعنى التقريع والإِنكار أي أفهم الغالبون والحالة هذه أم المغلوبون؟ بل هم المغلوبون الأخسرون الأرذلون {قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ} أي قل لهم يا محمد إِنما أخوفكم واحذركم بوحيٍ من الله لا من تلقاء نفسي، فأنا مبلّغٌ عن الله ما أنذرتكم به من العذاب والنكال {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ} أي ولكنكم أيها المشركون لشدة جهلكم وعنادكم كالصُمّ الذين لا يسمعون الكلام والإِنذار فلا يتعظون ولا ينزجرون {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ} أي ولئن أصابهم شيء خفيف مما أُنذروا به من عذاب الله ولو كان يسيراً {لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} أي ليعترفنَّ بجريمتهم ويقولون: يا هلاكنا لقد كنا ظالمين لأنفسنا بتكذيبنا رسل الله {وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أي ونقيم الموازين العادلة التي توزن بها الأعمال في يوم القيامة {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} أي فلا يُنقص محسنٌ من إِحسانه، ولا يُزاد مسيءٌ على إِساءته {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} أي وإِن كان العمل الذي عملته زنة حبةٍ من خردل جئا بها وأحضرناها قال أبو السعود: أي وإِن كان في غاية القلة والحقارة، فإِن حبة الخردل مثلٌ في الصغر {وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} أي كفى بربك أن يكون محصياً لأعمال العباد مجازياً عليها قال الخازن: والغرضُ منه التحذير فإِن المحاسب إِذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء، وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون على أشدّ الخوف منه {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ} أي ولقد أعطينا موسى وهارون التوراة الفارقة بين الحق والباطل والهدى والضلال نوراً وضياءً وتذكيراً للمؤمنين المتقين {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} أي هم الذين يخافون الله ولم يروه لأنهم عرفوا بالنظر والاستدلال أن لهم رباً عظيماً قادراً يجازي على الأعمال فهم يخشونه وإِن لم يروه {وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} أي وهم من أهوال القيامة وشدائدها خائفون وجلون {وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} أي وهذا القرآن العظيم كتاب عظيم الشأن فيه ذكرٌ لمن تذكّر، وعظة لمن اتعظ، كثير الخير أنزلناه عليكم بلغتكم {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} أي أفأنتم يا معشر العرب منكرون له وهو في غاية الجلاء والظهور؟ قال الكرخي: الاستفهام للتوبيخ والخطابُ لأهل مكة فإِنهم من أهل اللسان يدركون مزايا الكلام ولطائفه، ويفهمون من بلاغة القرآن ما لا يدركه غيرهم مع أن فيه شرفهم وصيتَهم فلو أنكره غيرهم لكان لهم مناصبته وعداؤه. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- جناس الاشتقاق {أَرْسَلْنَا.. رَّسُولٍ}. 2- الاستفهام الذي معناه التعجب والإِنكار {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ}. 3- الطباق بين الرتق والفتق في قوله {كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا}. 4- التنكير للتعميم {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ}. 5- الالتفات من المتكلم إِلى الغائب {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} بعد قوله {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ} وذلك لتأكيد الاعتناء بالنعم الجليلة التي أنعم بها على العباد. 6- الطباق بين الشر والخير {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ}. 7- المبالغة {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} جعل لفرط استعجاله كأنه مخلوق من نفس العجل كقول العرب لمن لازم اللعب: هو من لعب وكوصف بعضهم قوماً بقوله "نساؤهم لُعُب ورجالهم طرب". 8- الاستعارة {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ} استعار الصُمَّ للكفار لأنهم كالبهائم التي لا تسمع الدعاء ولا تفقه النداء. 9- الكناية {حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} كناية عن العمل ولو كان في غاية القلة والحقارة. 10- السجع اللطيف {يَهْتَدُونَ}، {يَسْبَحُونَ}، {يُنصَرُونَ} الخ. تنبيه: سئل ابن عباس: هل الليل كان قبل أو النهار؟ فقال: أرأيتم إلى السماوات والأرض حين كانتا رتقاً هل كان بينهما إِلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار. لطيفَة: عن ابن عمر أن رجلاً أتاه يسأله عن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما فقال له: إِذهب إِلى ذلك الشيخ فاسأله ثم تعال فأخبرني بما قال لك - يريد ابن عباس - فذهب إِليه فسأله فقال ابن عباس: كانت السماوات رتقاً لا تُمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تُنبت، فلما خلق للأرض أهلاً فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجل الى ابن عمر فأخبره فقال ابن عمر: قد كنت أقول: ما يعجبني جراءة ابن عباس في تفسير القرآن، فالآن علمتُ بأنه قد أُوتي في القرآن علماً.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه كلاماً جلياً مثبتاً للتوحيد خالياً عن سمة التقليد: {وَمَآ أَرْسَلْنَا} من مقام جودنا وفضلنا {مِن قَبْلِكَ} يا أكمل الرسل من الرسل {مِن رَّسُولٍ} من الرسل الماضين {إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ} أولاً {أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ} يُعبَد بالحق ويستحق للعبادة والإطاعة {إِلاَّ أَنَاْ} المتفرد برداء العظمة والكبرياء، المنفرد بكمال الجلال، ودوام البقاء {فَٱعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] أيها الأظلال الهالكة والعكوس المضمحلة الباطلة، وتذللوا نحوي خاضعين خاشعين، إذ لا مرجع لكم غيري. وادّعا الشركة {وَقَالُواْ} مستدلين عليها: نحن نجد في التوراة والإنجيل أنه {ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ} الملائكةَ وعزيراً وعيسى {وَلَداً} والولد شريكُ لأبيه، إذ هو سرُّه {سُبْحَانَهُ} وتعالى عن أمثال هذه الهذيانات الباطلة {بَلْ} هم {عِبَادٌ} لله {مُّكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26] محبوبون لديه. لذلك {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ} أي: لا يبادرون إلى القول قبل قوله سبحانه، ولا يبدلون، ولا يغيرون قوله وحكمه، كما هو دأب العبيد مع المولى {وَ} كيف يسبقونه بالقول {هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 27] جميعَ ما عملوا من خيرٍ وشرٍ والمأمور لا يكون شريكاً للآمر. وكيف لا يعملون بأمره إذ هو {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري منهم ومن أحوالهم {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي: ما هو حاضرٌ عندهم، معلومٌ دونهم من أحوالهم وأفعالهم {وَمَا خَلْفَهُمْ} أي: ما هو غائبُ عنهم ومجهولُ لديهم {وَ} إن خرجوا عن مقتضى أمره سبحانه {لاَ يَشْفَعُونَ} أي: لا تقبل شفاعتهم لغيرهم، أو لا يُشفع لهم عند الله بعدما خرجوا عن مقتضى حكمه {إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} سبحانه، ورضي بشفاعة من يشفع لهم وأَذِن {وَ} كيف يشفع عنده سبحانه بغير إذنه ورضاه؟ إذ {هُمْ} أي: الشفعاء {مِّنْ} كمال {خَشْيَتِهِ} سبحانه ومن غاية سطوته وهيبته وقهره {مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28] خائفون مرعوبون وَجلون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):