٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين بالدلائل الباهرة كونه منزهاً عن الشريك والضد والند أردف ذلك ببراءته عن اتخاذ الولد فقال: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً } نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله وأضافوا إلى ذلك أنه تعالى صاهر الجن على ما حكى الله تعالى عنهم فقال: { أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } تفسير : [الصافات: 158] ثم إنه سبحانه وتعالى نزه نفسه عن ذلك بقوله سبحانه لأن الولد لا بد وأن يكون شبيهاً بالوالد فلو كان لله ولد لأشبهه من بعض الوجوه، ثم لا بد وأن يخالفه من وجه آخر وما به المشاركة غير ما به الممايزة فيقع التركيب في ذات الله سبحانه وتعالى وكل مركب ممكن، فاتخاذه للولد يدل على كونه ممكناً غير واجب. وذلك يخرجه عن حد الإلهية ويدخله في حد العبودية، ولذلك نزه نفسه عنه. أما قوله: {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } فاعلم أنه سبحانه لما نزه نفسه عن الولد أخبر عنهم بأنهم عباد والعبودية تنافي الولادة إلا أنهم مكرمون مفضلون على سائر العباد وقرىء: {مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ } من سابقته فسبقته أسبقه. والمعنى أنهم يتبعونه في قوله ولا يقولون شيئاً حتى يقوله فلا يسبق قولهم قوله، وكما أن قولهم تابع لقوله فعملهم أيضاً كذلك مبني على أمره لا يعملون عملاً ما لم يؤمروا به. ثم إنه سبحانه ذكر ما يجري مجرى السبب لهذه الطاعة فقال: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } والمعنى أنهم لما علموا كونه سبحانه عالماً بجميع المعلومات علموا كونه عالماً بظواهرهم هم وبواطنهم، فكان ذلك داعياً لهم إلى نهاية الخضوع وكمال العبودية. وذكر المفسرون فيه وجوهاً. أحدها: قال ابن عباس: يعلم ما قدموا وما أخروا من أعمالهم. وثانيها: ما بين أيديهم الآخرة وما خلفهم الدنيا وقيل على عكس ذلك. وثالثها: قال مقاتل: يعلم ما كان قبل أن يخلقهم وما يكون بعد خلقهم. وحقيقة المعنى أنهم يتقلبون تحت قدرته في ملكوته وهو محيط بهم، وإذا كانت هذه حالتهم فكيف يستحقون العبادة وكيف يتقدمون بين يدي الله تعالى فيشفعون لمن لم يأذن الله تعالى له. ثم كشف عن هذا المعنى فقال: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } أي لمن هو عند الله مرضي: {وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } أي من خشيتهم منه، فأضيف المصدر إلى المفعول ومشفقون خائفون ولا يأمنون مكره وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أنه رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج ساقطاً كالحلس من خشية الله تعالى » تفسير : ونظيره قوله تعالى: { أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } تفسير : [النبأ: 38]. أما قوله تعالى: {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إِلَـٰهٌ مّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } فالمعنى أن كل من يقول من الملائكة ذلك القول فإنا نجازي ذلك القائل بهذا الجزاء، وهذا لا يدل على أنهم قالوا ذلك أو ما قالوه وهو قريب من قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } وههنا مسائل: المسألة الأولى: هذه الصفات تدل على العبودية وتنافي الولادة لوجوه. أحدها: أنهم لما بالغوا في الطاعة إلى حيث لا يقولون قولاً ولا يعملون عملاً إلا بأمره فهذه صفات للعبيد لا صفات الأولاد. وثانيها: أنه سبحانه لما كان عالماً بأسرار الملائكة وهم لا يعلمون أسرار الله تعالى وجب أن يكون الإله المستحق للعبادة هو لا هؤلاء الملائكة وهذه الدلالة هي نفس ما ذكره عيسى عليه السلام في قوله: { أية : تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } تفسير : [المائدة: 116]. وثالثها: أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى ومن يكن إلهاً أو ولداً للإله لا يكون كذلك. ورابعها: أنهم على نهاية الإشفاق والوجل وذلك ليس إلا من صفات العبيد. وخامسها: نبه تعالى بقوله: {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إِلَـٰهٌ مّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } على أن حالهم حال سائر العبيد المكلفين في الوعد والوعيد فكيف يصح كونهم آلهة. المسألة الثانية: احتجت المعتزلة بقوله تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } على أن الشفاعة في الآخرة لا تكون لأهل الكبائر لأنه لا يقال في أهل الكبائر إن الله يرتضيهم. والجواب: قال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك: {إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } أي لمن قال لا إله إلا الله. واعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر وتقريره هو أن من قال لا إله إلا الله فقد ارتضاه تعالى في ذلك ومتى صدق عليه أنه ارتضاه الله تعالى في ذلك فقد صدق عليه أنه ارتضاه الله لأن المركب متى صدق فقد صدق لا محالة كل واحد من أجزائه، وإذا ثبت أن الله قد ارتضاه وجب اندراجه تحت هذه الآية فثبت بالتقرير الذي ذكرناه أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على ما قرره ابن عباس رضي الله عنهما. المسألة الثالثة: هذه الآية تدل على أمور ثلاثة: أحدها: تدل على كون الملائكة مكلفين من حيث قال: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } {وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } ومن حيث الوعيد. وثانيها: تدل أيضاً على أن الملائكة معصومون لأنه قال: {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ }. وثالثها: قال القاضي عبد الجبار قوله: {كَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ } يدل على أن كل ظالم يجزيه الله جهنم كما توعد الملائكة به وذلك يوجب القطع على أنه تعالى لا يغفر لأهل الكبائر في الآخرة. والجواب: أقصى ما في الباب أن هذا العموم مشعر بالوعيد وهو معارض بعمومات الوعيد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ} نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وكانوا يعبدونهم طمعاً في شفاعتهم لهم. وروى معمر عن قتادة قال: قالت اليهود ـ قال معمر في روايته ـ أو طوائف من الناس: خَاتَن إلى الجن والملائكة من الجن، فقال الله عز وجل: «سبحانه» تنزيهاً له. {بَلْ عِبَادٌ} أي بل هم عباد {مُّكْرَمُونَ } أي ليس كما زعم هؤلاء الكفار. ويجوز النصب عند الزجاج على معنى بل اتخذ عباداً مكرمين. وأجازه الفراء على أن يرده على ولد، أي بل لم نتخذهم ولداً، بل اتخذناهم عباداً مكرمين. والولد هاهنا للجمع، وقد يكون الواحد والجمع ولداً. ويجوز أن يكون لفظ الولد للجنس، كما يقال لفلان مال. {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ} أي لا يقولون حتى يقول، ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} أي بطاعته وأوامره. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي يعلم ما عملوا وما هم عاملون؛ قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} الدنيا؛ ذكر الأول الثعلبي، والثاني القشيري. {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} قال ابن عباس: هم أهل شهادة أن لا إلٰه إلا الله. وقال مجاهد: هم كل من رضي الله عنه، والملائكة يشفعون غداً في الآخرة كما في صحيح مسلم وغيره، وفي الدنيا أيضاً؛ فإنهم يستغفرون للمؤمنين ولمن في الأرض، كما نص عليه التنزيل على ما يأتي. {وَهُمْ} يعني الملائكة {مِّنْ خَشْيَتِهِ} يعني من خوفه {مُشْفِقُونَ } أي خائفون لا يأمنون مكره. قوله تعالى: {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ} قال قتادة والضحاك وغيرهما: عنى بهذه الآية إبليس حيث ادعى الشركة، ودعا إلى عبادة نفسه وكان من الملائكة، ولم يقل أحد من الملائكة إني إلٰه غيره. وقيل: الإشارة إلى جميع الملائكة، أي فذلك القائل {نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ}. وهذا دليل على أنهم وإن أكرموا بالعصمة فهم متعبَّدون، وليسوا مضطرين إلى العبادة كما ظنه بعض الجهال. وقد استدل ابن عباس بهذه الآية على أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل أهل السماء. وقد تقدم في سورة «البقرة». {كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} أي كما جزينا هذا بالنار فكذلك نجزي الظالمين الواضعين الألوهية والعبادة في غير موضعهما.
البيضاوي
تفسير : {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً } نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله {سُبْحَـٰنَهُ } تنزيه له عن ذلك. {بَلْ عِبَادٌ } بل هم عباد من حيث إنهم مخلوقون وليسوا بالأولاد. {مُّكْرَمُونَ } وفيه تنبيه على مدحض القوم، وقرىء بالتشديد.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى رداً على من زعم أن له تعالى وتقدس ولداً من الملائكة، كمن قال ذلك من العرب: إن الملائكة بنات الله، فقال: {سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} أي: الملائكة عباد الله، مكرمون عنده في منازل عالية ومقامات سامية، وهم له في غاية الطاعة قولاً وفعلاً، {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} أي: لا يتقدمون بين يديه بأمر، ولا يخالفونه فيما أمرهم به، بل يبادرون إلى فعله، وهو تعالى علمه محيط بهم، فلا يخفى عليه منهم خافية {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}. وقوله: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} كقوله: {مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة: 255]. وقوله: {أية : وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} تفسير : [سبأ: 23] في آيات كثيرة في معنى ذلك، {وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ} أي: خوفه ورهبته {مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ} أي: من ادعى منهم أنه إله من دون الله، أي: مع الله، {فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: كل من قال ذلك، وهذا شرط، والشرط لا يلزم وقوعه، كقوله: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } تفسير : [الزخرف: 81]، وقوله: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الزمر: 65].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَٰنُ وَلَداً } من الملائكة {سُبْحَانَهُ بَلْ } هم {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } عنده والعبودية تنافى الولادة.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً } هؤلاء القائلون هم خزاعة، فإنهم قالوا: الملائكة بنات الله، وقيل: هم اليهود، ويصح حمل الآية على كل من جعل لله ولدا. وقد قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت طائفة من العرب: الملائكة بنات الله. ثم نزه عزّ وجلّ نفسه. فقال: {سُبْحَـٰنَهُ } أي تنزيهاً له عن ذلك، وهو مقول على ألسنة العباد. ثم أضرب عن قولهم وأبطله فقال: {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } أي ليسوا كما قالوا، بل هم عباد لله سبحانه مكرمون بكرامته لهم، مقرّبون عنده. وقرىء: "مكرمون" بالتشديد، وأجاز الزجاج والفراء نصب عباد على معنى: بل اتخذ عباداً، ثم وصفهم بصفة أخرى فقال: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ } أي لا يقولون شيئاً حتى يقوله أو يأمرهم به. كذا قال ابن قتيبة وغيره، وفي هذا دليل على كمال طاعتهم وانقيادهم. وقرىء: "لا يسبقونه" بضم الباء من سبقته أسبقه {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } أي هم العاملون بما يأمرهم الله به، التابعون له المطيعون لربهم. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } هذه الجملة تعليل لما قبلها، أي يعلم ما عملوا وما هم عاملون، أو يعلم ما بين أيديهم وهو الآخرة، وما خلفهم وهو الدنيا، ووجه التعليل أنهم إذا علموا بأنه عالم بما قدّموا وأخروا، لم يعملوا عملاً ولم يقولوا قولاً إلا بأمره {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } أي: يشفع الشافعون له، وهو من رضي عنه، وقيل: هم أهل لا إله إلا الله، وقد ثبت في الصحيح أن الملائكة يشفعون في الدار الآخرة {وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } أي من خشيتهم منه فالمصدر مضاف إلى المفعول، والخشية: الخوف مع التعظيم، والإشفاق: الخوف مع التوقع والحذر، أي لا يأمنون مكر الله. {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّي إِلَـٰهٌ مّن دُونِهِ } أي من يقل من الملائكة إني إله من دون الله. قال المفسرون: عني بهذا إبليس؛ لأنه لم يقل أحد من الملائكة إني إلٰه إلا إبليس؛ وقيل: الإشارة إلى جميع الملائكة {فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } أي فذلك القائل على سبيل الفرض، والتقدير: نجزيه جهنم بسبب هذا القول الذي قاله، كما نجزي غيره من المجرمين {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي الظالمين، أو مثل ما جعلنا جزاء هذا القائل جهنم، فكذلك نجزي الظالمين الواضعين الألوهية والعبادة في غير موضعها، والمراد بالظالمين: المشركون. {أَوَ لَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدّر، والرؤية هي القلبية، أي ألم يتفكروا أو لم يعلموا {أن ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ * كَانَتَا رَتْقاً } قال الأخفش: إنما قال: {كانتا}، لأنهما صنفان أي جماعتا السمٰوات والأرضين كما قال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ } تفسير : [فاطر: 41] وقال الزجاج: إنما قال {كانتا} لأنه يعبر عن السمٰوات بلفظ الواحد، لأن السمٰوات كانت سماء واحدة، وكذلك الأرضون. والرتق. السد ضدّ الفتق، يقال: رتقت الفتق أرتقه فارتتق، أي التأم، ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج، يعني: أنهما كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما، وقال {رتقاً} ولم يقل "رتقين" لأنه مصدر، والتقدير: كانتا ذواتي رتق، ومعنى {فَفَتَقْنَـٰهُمَا } ففصلناهما، أي فصلنا بعضهما من بعض، فرفعنا السماء، وأبقينا الأرض مكانها {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَيْء حَيّ } أي أحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كل شيء، فيشمل الحيوان والنبات، والمعنى: أن الماء سبب حياة كل شيء. وقيل: المراد بالماء هنا: النطفة، وبه قال أكثر المفسرين، وهذا احتجاج على المشركين بقدرة الله سبحانه وبديع صنعه، وقد تقدم تفسير هذه الآية، والهمزة في {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } للإنكار عليهم، حيث لم يؤمنوا مع وجود ما يقتضيه من الآيات الربانية. {وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ} أي جبالاً ثوابت {أَن تَمِيدَ بِهِمْ } الميد التحرّك والدوران، أي لئلا تتحرك وتدور بهم، أو كراهة ذلك، وقد تقدم تفسير ذلك في النحل مستوفى {وَجَعَلْنَا فِيهَا } أي في الرواسي، أو في الأرض {فِجَاجاً } قال أبو عبيدة: هي المسالك. وقال الزجاج: كل مخترق بين جبلين فهو فج و {سُبُلاً } تفسير للفجاج، لأن الفج قد لا يكون طريقاً نافذاً مسلوكاً {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } إلى مصالح معاشهم، وما تدعو إليه حاجاتهم {وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً } عن أن يقع ويسقط على الأرض كقوله: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الحج: 65]. وقال الفراء: محفوظاً بالنجوم من الشيطان كقوله: {أية : وَحَفِظْنَـٰهَا مِن كُلّ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ } تفسير : [الحجر: 17]. وقيل: محفوظاً: لا يحتاج إلى عماد، وقيل: المراد بالمحفوظ هنا: المرفوع. وقيل: محفوظاً عن الشرك والمعاصي. وقيل: محفوظاً عن الهدم والنقض {وَهُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ } أضاف الآيات إلى السماء، لأنها مجعولة فيها، وذلك كالشمس والقمر ونحوهما، ومعنى الإعراض: أنهم لا يتدبرون فيها، ولا يتفكرون فيما توجبه من الإيمان. {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَـٰرَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } هذا تذكير لهم بنعمة أخرى مما أنعم به عليهم، وذلك بأنه خلق لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليتصرفوا فيه في معايشهم، وخلق الشمس والقمر أي جعل الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، ليعلموا عدد الشهور والحساب كما تقدّم بيانه في سبحان {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } أي كل واحد من الشمس والقمر والنجوم في فلك يسبحون، أي يجرون في وسط الفلك، ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء، والجمع في الفعل باعتبار المطالع، قال سيبويه: إنه لما أخبر عنهنّ بفعل من يعقل، وجعلهنّ في الطاعة بمنزلة من يعقل، جعل الضمير عنهنّ ضمير العقلاء، ولم يقل يسبحن أو تسبح، وكذا قال الفراء. وقال الكسائي: إنما قال: {يسبحون} لأنه رأس آية. والفلك واحد أفلاك النجوم. وأصل الكلمة من الدوران، ومنه فلكة المغزل لاستدارتها. {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ } أي دوام البقاء في الدنيا {أَفَإِيْن مّتَّ } بأجلك المحتوم {فَهُمُ ٱلْخَـٰلِدُونَ } أي أفهم الخالدون؟ قال الفراء: جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم سيموت. قال: ويجوز حذف الفاء وإضمارها، والمعنى: إن متّ فهم يموتون أيضاً، فلا شماتة في الموت. وقرىء: "مت" بكسر الميم وضمها لغتان: وكان سبب نزول هذه الآية قول المشركين فيما حكاه الله عنهم: {أية : أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ } تفسير : [الطور: 30]. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } أي ذائقة مفارقة جسدها، فلا يبقى أحد من ذوات الأنفس المخلوقة كائناً ما كان. {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} أي نختبركم بالشدّة والرخاء، لننظر كيف شكركم وصبركم. والمراد: أنه سبحانه يعاملهم معاملة من يبلوهم، و{فتنة} مصدر {لنبلوكم} من غير لفظه {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } لا إلى غيرنا فنجازيكم بأعمالكم إن خيراً فخير، وإن شراً فشرّ. وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: قالت اليهود: إن الله عزّ وجلّ صاهر الجنّ فكانت بنيهم الملائكة، فقال الله تكذيباً لهم {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } أي الملائكة ليس كما قالوا، بل عباد أكرمهم بعبادته. {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ } يثني عليهم {وَلاَ يَشْفَعُونَ } قال: لا تشفع الملائكة يوم القيامة {إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } قال: لأهل التوحيد وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } قال: لأهل التوحيد لمن رضي عنه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية قال: قول لا إلٰه إلا الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في الآية قال: الذين ارتضاهم لشهادة أن لا إلٰه إلا الله. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن جابر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } قال: "حديث : إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»تفسير : . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء و الصفات عن ابن عباس في قوله: {كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَـٰهُمَا } قال: فتقت السماء بالغيث، وفتقت الأرض بالنبات. وأخرج ابن أبي حاتم عنه {كَانَتَا رَتْقاً } قال: لا يخرج منهما شيء، وذكر مثل ما تقدم. وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية عنه أيضاً من طريق أخرى. وأخرج ابن جرير عنه {كَانَتَا رَتْقاً } قال: ملتصقتين. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي العالية في قوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَيْء حَيّ} قال: نطفة الرجل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً } قال: بين الجبال. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ } قال: دوران {يَسْبَحُونَ } قال: يجرون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عنه: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ } قال: فلك كفلكة المغزل {يَسْبَحُونَ } قال: يدورون في أبواب السماء، كما تدور الفلكة في المغزل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: هو فلك السماء. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن عائشة قال: دخل أبو بكر على النبيّ صلى الله عليه وسلم وقد مات فقبّله وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه، ثم تلا: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ } الآية، وقوله: {أية : إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } تفسير : [الزمر: 30]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً } قال: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} الآية. لما بيَّن بالدلائل القاهرة كونه منزهاً عن الشريك والضد والند أردف ذلك ببراءته عن اتخاذ الولد. قال المفسرون: نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وقالوا: إنه تعالى صاهر الجن على ما حكى الله تعالى عنهم فقال: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} تفسير : [الصافات: 158]. ثم إنه تعالى نزه نفسه عن ذلك بقوله: "سبحانه"، لأن الولد لا بد وأن يكون شبيهاً بالوالد، فلو كان لله ما يشبهه من بعض الوجوه فلا بد وأن يخالفه من وجه آخر، وما به المشاركة غير ما به الممايزة فيقع التركيب في ذات الله تعالى، وكل مركب ممكن، فاتخاذه للولد يدل على كونه ممكناً غير واجب، وذلك يخرجه عن حد الإلهية ويدخله في حد العبودية، فلذلك نزه نفسه. قوله: "بَلْ عِبَادٌ" "عِبَاد" خبر مبتدأ مضمر، أي هم عباد، و "مُكْرَمُونَ" في قراءة العامة مخفف، وقراءة عكرمة مشدد و "لا يَسْبِقُونَهُ" جملة في محل رفع صفة لـ "عباد" والعامة على كسر الباء في "يَسْبِقُونَهُ" وقرىء بضمها وخرجت على أنه مضارع سَبَقَهُ، أي: غلبه في السبق، يقال: سابقه فَسَبقَه يَسْبُقُه أي: غلبه في السبق، ومضارع فعل في المغالبة مضموم العين مطلقاً إلا في يائيّ العين أو لامه والمراد لا يسبقونه بقوله، فعوض الألف واللام عن الضمير عند الكوفيين، والضمير محذوف عند البصريين أي: بالقول منه. فصل لما نزه تعالى نفسه أخبر عنهم بأنهم عباد، والعبودية تنافي الولادة إلا أنهم مكرمون مفضلون على سائر العباد لا يسبق قولهم قوله، وإن كان قولهم تابع لقوله فعملهم أيضاً مبني على أمره لا يعملون عملاً ما لم يؤمروا به ثم إنه تعالى ذكر ما يجري مجرى السبب لهذه الطاعة فقال: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} والمعنى أنهم لما علموا كونه سبحانه عالماً بجميع المعلومات علموا كونه عالماً بظواهرهم وبواطنهم، فكان ذلك داعياً لهم إلى نهاية الخضوع وكمال العبودية. قال ابن عباس: يعلم ما قدموا وأخروا من أعمالهم. وقال مقاتل: يعلم ما كان قبل أن يخلقهم، وما يكون بعد خلقهم. وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} الآخرة، "وَمَا خَلْفَهُمْ" الدنيا. وقيل بالعكس ثم قال: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} أي لمن هو عند الله مرضي. قاله مجاهد، وقال ابن عباس: لمن قال لا إله إلا الله. {وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ} أي: من خشيتهم منه، فأضيف المصدر إلى مفعوله. "مُشْفِقُونَ" خائفون لا يأمنون من مكره، ونظيره قوله تعالى {أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [النبأ: 38]. حديث : وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أنه رأى جبريل - عليه السلام - ليلة المعراج ساقطاً كالحلس من خشية الله" . تفسير : قوله: {وَمَن يَقُلْ مِنْهُم إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ}. قال قتادة: عنى إبليس حيث دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعة نفسه فإن أحداً من الملائكة لم يقل إني إلهٌ من دون الله. والآية لا تدل على أنهم قالوا ذلك أو ما قالوه، وهذا قريب من قوله: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65] قوله: "فذلك نجزيه" يجوز في "ذلك" وجهان: أحدهما: أنه مرفوع بالابتداء، وهذا وجه حسن. والثاني: أنه منصوب بفعل مقدر يفسره هذا الظاهر، والمسألة من باب الاشتغال، وفي هذا الوجه إضمار عامل مع الاستغناء عنه، فهو مرجوح. والفاء وما في حيزها في موضع جزم جواباً للشرط. و "كذلك" نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر أي جزاء مثل ذلك الجزاء، أو نجزي الجزاء حال كونه مثل ذلك. وقرأ العامة "نَجْزِيه" بفتح النون، وأبو عبد الرحمن المقرىء بضمها، ووجهها أنه من أجزأ بالهمز من أجزائي كذا، أي: كفاني، ثم خففت الهمزة فانقلبت إلى الياء. فصل احتجت المعتزلة بقوله: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَن ٱرْتَضَىٰ} على أن الشفاعة في الآخرة لا تكون لأهل الكبائر، لأنه لا يقال في أهل الكبائر: إن الله يرتضيهم. والجواب: قول ابن عباس والضحاك: أن معنى {إِلاَّ لِمَن ٱرْتَضَىٰ} أي لمن قال: لا إله إلا الله. وهذه الآية من أقوى الدلائل في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، وهو أن من قال لا إله إلا الله فقد ارتضاه الله في ذلك، ومتى صدق عليه أنه ارتضاه الله في ذلك (فقد صدق عليه أنه ارتضاه الله) لأن المركب متى صدق عليه أنه ارتضاه فقد صدق لا محالة كل واحد من أجزائه، وإذا ثبت الله سبحانه قد ارتضاه وجب اندراجه تحت هذه الآية، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على ما قرره ابن عباس. فصل دلَّت الآية على أن الملائكة مكلفون لقوله: {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}، وعلى أن الملائكة معصومون. قوله: {كَذَٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} قال القاضي عبد الجبار: هذا يدل على أن كل ظالم يجزيه الله جهنم، كما توعد الملائكة به، وذلك يوجب القطع بأنه تعالى لا يغفر الكبائر في الآخرة. وأجيب بأن أقصى ما فيه أن هذا العموم مشعر بالوعيد، وهو معارض بعمومات الوعد. والمراد بـ "الظَّالِمينَ" الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: قالت اليهود: إن الله عز وجل صاهر الجن فكانت بينهم الملائكة. فقال الله تكذيباً لهم {بل عباد مكرمون} أي الملائكة ليس كما قالوا، بل هم عباد أكرمهم الله بعبادته {لا يسبقونه بالقول} يثني عليهم {ولا يشفعون} قال: لا تشفع الملائكة يوم القيامة {إلا لمن ارتضى} قال: لأهل التوحيد. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {إلا لمن ارتضى} قال: لمن رضي عنه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {إلا لمن ارتضى} قال: قول لا إله إلا الله. واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إلا لمن ارتضى} قال: الذين ارتضاهم لشهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في البعث، عن جابر رضي الله عنه: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول الله {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} فقال: "إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليلة أسري بي مررت بجبريل، وهو بالملأ الأعلى ملقى كالحلس البالي من خشية الله ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: {ومن يقل منهم} يعني من الملائكة {إني إله من دونه} قال: ولم يقل ذلك أحد من الملائكة إلا إبليس، دعا إلى عبادة نفسه وشرع الكفر. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {ومن يقل منهم إني إله من دونه...} الآية. قال: إنما كانت هذه خاصة لإبليس. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {كانتا رتقاً ففتقناهما} قال: فتقت السماء بالغيث، وفتقت الأرض بالنبات. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {كانتا رتقاً} قال: لا يخرج منهما شيء {ففتقناهما} قال: فتقت السماء بالمطر وفتقت الأرض بالنبات. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية من طريق عبدالله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلاً أتاه فسأله عن {السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما} قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله ثم تعالَ فأخبرني ما قال. فذهب إلى ابن عباس فسأله قال: نعم، كانت السماء رتقاء لا تمطر وكانت الأرض رتقاء لا تنبت، فلما خلق الله الأرض فتق هذه بالمطر وفتق هذه بالنبات. فرجع الرجل على ابن عمر فأخبره فقال ابن عمر: الآن علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علماً، صدق ابن عباس هكذا كانت. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {كانتا رتقاً} قال: ملتصقتين. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد حميد وابن المنذر وأبو الشيخ، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن الليل، كان قبل أم النهار؟ قال: الليل. ثم قرأ {إن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما} فهل تعلمون كان بينهما إلا ظلمة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {كانتا رتقاً ففتقناهما} قال: فتق من الأرض ست أرضين معها، فتلك سبع أرضين بعضهن تحت بعض، ومن السماء سبع سموات منها معها، فتلك سبع سموات بعضهن فوق بعض ولم تكن الأرض والسماء مماستين. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: {كانتا رتقاً ففتقناهما} قال: كانت السماء واحدة ففتق منها سبع سموات، وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة في قوله: {كانتا رتقاً ففتقناهما} قال: كانتا جمعاً ففصل الله بينهما بهذا الهواء. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كانت السموات والأرضون ملتزقتين، فلما رفع الله السماء وابتزها من الأرض، فكان فتقها الذي ذكر الله. وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، حديث : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قلت: يا رسول الله، إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء، قال: كل شيء خلق من الماء" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} قال: نطفة الرجل. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} قال: خلق كل شيء من الماء، وهو حياة كل شيء.
القشيري
تفسير : في الآية رخصةٌُ في ذِكْر أقاويل أهل الضلال والبدع على وجه الردِّ عليهم، وكَشْفِ عوراتهم، والتنبيه على مواضع خطاياهم، وأنَّه إنْ وَسْوَسَ الشيطان إلى أحدٍ بشيء منه كان في ذلك حجةٌ للانفصال عنه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالوا} اى حى من خزاعة {اتخذ الرحمن ولدا} من الملائكة وادعوا انهم بنات الله وانه تعالى صاهر سروات الجن فولدت له الملائكة. قال الراغب الاخذ وضع الشئ وتحصيله وذلك تارة بالتناول نحو {أية : معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده}تفسير : وتارة بالقهر نحو قوله تعالى {أية : لا تأخذه سنة ولا نوم}تفسير : ويقال اخذته الحمى ويعبر عن الاسير بالمأخوذ والاخيذ والاتخاذ افتعال منه فيتعدى الى مفعلوين ويجرى مجرى الجعل {سبحانه} اى تنزه بالذات تنزهه اللائق به على ان السبحان مصدر من سبح اى بعد او اسبحه تسبيحه على انه علم للتسبيح وهو مقول على السنة العباد او سبحوه تسبيحه. قال فى بحر العلوم ويجوز ان نكون تعجبا من كلمتهم الحمقاء اى ما ابعد من ينعم بجلائل النعم ودقائقها وما اعلاه عما يضاف اليه من اتخاذ الولد والصاحبة والشريك انتهى. وقال فى الكشف التنزيه لا ينافى التعجب {بل} ليست الملائكة كما قالوا بل هم {عباد} مخلوقون له تعالى {مكرمون} مقربون عنده مفضلون على كثير من العباد لاعلى كلهم والمخلوقية تنافى الولادة لانها تقتضى المناسبة فليسوا باولاد واكرامهم لا يقتضى كونهم اولادا كما زعموا.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا}، حكى الله تعالى جناية أخرى لبعض المشركين، جيء بها؛ لبيان بطلانها. والقائل بهذه المقالة حيٌ من خزاعة، وقيل: قريش وجهينة وبنو سلمة وبنو مليح، يقولون: الملائكة بنات الله، وأمهاتهم سروات الجن، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. والتعرض لعنوان الرحمانية المنبئة عن كون جميع ما سواه مربوباً له تعالى، نعمة أو منعمًا عليه؛ لإبراز كمال شناعة مقالتهم الباطلة، {سبحانه} أي: تنزه تنزيهًا يليق بكمال ذاته، وتقدَّس عن الصاحبة والولد، {بل} هم {عبادٌ} لله تعالى، و "بل" إبطال لما قالوا، أي: ليست الملائكة كما قالوا، {بل عبادٌ مكرمون}؛ مقربون عنده، {لا يسبقونه} أي: لا يتقدمونه {بالقول}، ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم به. وهذه صفة أخرى لهم، منبهة على كمال طاعتهم وانقيادهم لأمره تعالى، أي: لا يقولون شيئًا حتى يقوله تعالى أو يأمرهم به. وأصله: لا يسبق قولُهم قولَه، ثم أسند السبق إليهم؛ لمزيد تنزههم عن ذلك، {وهم بأمره يعملون} أي: لا يعملون إلا ما أمرهم به، وهو بيان لتبعيتهم له تعالى في الأفعال، إثر بيان تبعيتهم له في الأقوال، فإن نفي سبقيتهم له تعالى بالقول: عبارة عن تبعيتهم له تعالى فيه، كأنه قيل: هم بأمره يقولون وبأمره يعملون، لا بغير أمره أصلاً. {يعلمُ ما بين أيديهم وما خلْفَهم} أي: ما عملوا وما هم عاملون، وقيل: ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم. وهو تقرير لتحقق عبوديتهم؛ لأنهم إذا كانوا مقهورين تحت علمه تعالى وإحاطته انتفت عنهم أوصاف الربوبية المكتَسبَة من مجانسة البنوة، {ولا يشفعون إِلا لمن ارتضى} أن يشفع له، مهابة منه تعالى. قال ابن عباس: "هم أهل لا إله إلا الله"، {وهم من خشيته} عزّ وجلّ {مشفقون}: خائفون مرتعدون. قال بعضهم: أصل الخشية: الخوف مع التعظيم، ولذلك خص بها العلماء، وأصل الإشفاق: الخوف مع الاعتناء، فعند تعديته بمن: يكون معنى الخوف فيه أظهر، وعند تعديته بعلى: ينعكس الأمر؛ فيكون معنى الإشفاق فيه أظهر. {ومن يَقُلْ منهم} أي: من الملائكة؛ إذ الكلام فيهم، {إِني إِلهٌ من دونه} أي: متجاوزًا إياه تعالى، {فذلك} الذي فرض أنه قال ذلك فرض المحال، {نَجْزِيه جهنم} كسائر المجرمين، ولا ينفي هذا عنهم ما ذكر قبلُ من صفاتهم السنية وأفعالهم المرضية؛ لأنه فرض تقدير، وفيه من الدلالة على قوة ملكوته تعالى، وعزة جبروته، واستحالة كون الملائكة بحيث يتوهم في حقهم ما توهمه أولئك الكفرة، ما لا يخفى، {كذلك نجزي الظالمين} أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي الظالمين، الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها، ويتعدون أطوارهم. قال الكواشي: هذا القول وارد على سبيل التهديد والوعيد الشديد على ارتكاب الشرك، كقوله: {أية : وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنعَام: 88]. هـ. فالقصد: تفظيع أمر الشرك، وأنه لو صدر ممن صدر لأحبط عمله، وكان جزاء صاحبه جهنم، ومثل ذلك الجزاء نجزي الظالمين، وهم الكافرون، والحاصل: أنه على سبيل الفرض، مع علمه تعالى أنه لا يكون من الملائكة، فهو من إخباره عما لا يكون كيف يكون، لعلمه بما لا يكون، مما جاز أن يكون، كيف يكون. هـ. من الحاشية الفاسية ببعض اختصار. فالكاف من "كذلك": في محل مصدر تشبيهي، مؤكد لمضمون ما قبله. والقصر، المستفاد من التقديم للمصدر، معتبر بالنسبة إلى النقصان دون الزيادة، أي: لا جزاء أنقص منه. والله تعالى أعلم. الإشارة: أنوار الملكوت متدفقة من بحر أسرار الجبروت، من غير تفريع، ولا تولد، ولا علاج، ولا امتزاج، بل: كن فيكون، لكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأشياء وتفريع بعضها من بعض، ليبقى السر مصونًا والكنز مدفونًا. فأسرار الذات العلية منزّهة عن اتخاذ الصاحبة والولد، بل القدرة تُبرز الأشياء بلا علاج ولا أسباب، والحكمة تسترها بوجود العلاج والأسباب. فكل ما ظهر في عالم التكوين قد عَمَّتْهُ قهرية العبودية، وانتفت عنه نسبة البُنوة لأسرار الربوبية، فأهل الملأ الأعلى عباد مكرمون، مقدّسون من دنس الحس، مستغرقون في هَيَمَان القرب والأنس، وأهل الملأ الأسفل مختلفون، فمن غلب عقلُه على شهوته، ومعناه على حسه، وروحانيته على بشريته، فهو كالملائكة أو أفضل. ومن غلبت شهوته على عقله، وحسه على معناه، وبشريته على روحانيته، كان كالبهائم أو أضل. ومن التحق بالملأ الأعلى، من الأولياء المقربين، انسحب عليه ما مدحهم به تعالى من قوله: {يُسبحون الليل والنهار لا يَفْتُرون}، ومن قوله: {لا يسبقونه بالقول}، بأن يدبروا معه شيئًا قبل ظهور تدبيره، وهم بطاعته يعملون، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشية هيبته مشفقون، {ومَن يقل منهم إني إله من دونه}؛ بأن يدّعي شيئًا من أوصاف الربوبية، كالكبرياء، والعظمة على عباده، فذلك نجزيه جهنم، وهي نار القطيعة، كذلك نجزي الظالمين. وفي الحِكَم: "منعك أن تدّعي ما ليس لك مما للمخلوقين، أفيبيح لك أن تدّعي وصفه وهو رب العالمين"؟ ثمَّ برهن على وحدانيته
الطوسي
تفسير : حكى الله تعالى عن الكفار الذين تقدم ذكرهم أنهم {قالوا اتخذ الرحمن ولداً} أي تبنا الملائكة بناتاً، فنزه الله تعالى نفسه عن ذلك بأن قال {سبحانه بل عباد مكرمون} أي هؤلاء الذين جعلوهم أولاد الله هم عبيد لله مكرمون لديه، و {عباد} رفع بأنه خبر ابتداء وتقديره هم عباد، ولا يجوز عليه تعالى التبني، لأن التبني إقامة المتخذ لولد غيره مقام ولده لو كان له، فاذا استحال أن يكون له تعالى ولد على الحقيقة استحال أن يقوم ولد غيره مقام ولده، ولذلك لا يجوز أن يشبه بخلقه على وجه المجاز، لما لم يكن مشبهاً به على الحقيقة. والفرق بين الخلة والنبوة أن الخلة إخلاص المودة بما يوجب الاخلاص والاختصاص بتخلل الاسرار، فلما جاز أن يطلع الله ابراهيم على أسرار لا يطلع عليها غيره تشريفاً له اتخذه خليلا على هذا الوجه، والبنوة ولادة ابن أو إقامته مقام ابن لو كان للمتخذ له. وهذا المعنى لا يجوز عليه تعالى كما يستحيل أن يتخذ إلهاً تعالى الله عن ذلك. ثم وصف تعالى الملائكة بأنهم {لا يسبقونه بالقول} ومعناه لا يخرجون بقولهم عن حد ما أمرهم به، طاعة لربهم، وناهيك بهذا إجلالا لهم وتعظيماً لشأنهم {وهم بأمره يعملون} أي لا يعملون القبائح وإنما يعملون الطاعات التي أمرهم بها. وقوله {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} قال ابن عباس: معناه يعلم ما قدموا وما أخروا من أعمالهم. وقال الكلبي {ما بين أيديهم} يعني القيامة وأحوالها {وما خلفهم} من أمر الدنيا {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} قال أهل الوعيد: معناه لا يشفع هؤلاء الملائكة الا لمن ارتضى الله جميع عمله. قالوا: وذلك يدل على أن اهل الكبائر لا يشفع فيهم، لان أعمالهم ليست رضاً لله. وقال مجاهد: معناه الا لمن رضي عنه. وهذا الذي ذكروه ليس فى الظاهر، بل لا يمتنع ان يكون المراد لا يشفعون الا لمن رضي الله ان يشفع فيه، كما قال تعالى {أية : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} تفسير : والمراد أنهم لا يشفعون الا من بعد اذن الله لهم، فيمن يشفعون فيه، ولو سلمنا أن المراد الا لمن رضي عمله، لجاز لنا أن نحمل على أنه رضي ايمانه، وكثيراً من طاعاته. فمن أين أنه أراد: الا لمن رضي جميع اعماله؟! ومعنى - رضا الله - عن العبد إرادته لفعله الذي عرض به للثواب. وقوله {وهم من خشيته مشفقون} يخافون من عقاب الله من مواقعة المعاصي. ثم هدد الملائكة بقوله {ومن يقل منهم اني إله} تحق لي العبادة من دون الله {فذلك نجزيه جهنم} معناه إن ادعى منهم مدع ذلك فانا نجزيه بعذاب جهنم، كما نجازي الظالمين بها. وقال ابن جريج، وقتادة: عنى بالآية ابليس، لانه الذي ادعى الالهية من الملائكة دون غيره، وذلك يدل على ان الملائكة ليسوا مطبوعين على الطاعات، كما يقول الجهال. وقوله {كذلك نجزي الظالمين} معناه مثل ما جازينا هؤلاء نجزي الظالمين أنفسهم بفعل المعاصي. ثم قال {أولم ير الذين كفروا} أي اولم يعلموا {أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما} وقيل في معناه اقوال: قال الحسن وقتادة {كانتا رتقاً} اي ملتصقتين ففصل الله بينهما بهذا الهواء. وقيل {كانتا رتقاً} السماء لا تمطروا الارض لا تنبت، ففتق الله السماء بالمطر والارض بالنبات، ذكره ابن زيد وعكرمة. وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقيل معناه: كانتا منسدتين لا فرج فيهما فصدعهما عما يخرج منهما. وانما قال: السموات، والمطر والغيث ينزل من سماء الدنيا، لأن كل قطعة منها سماء، كما يقال: ثوب أخلاق، وقميص اسمال. وقيل الرتق الظلمة ففتقهما بالضياء. وانما قال "كانتا" والسموات جمع، لانهما صنفان، كما قال الاسود بن يعفر النهشلي: شعر : إن المنية والحتوف كلاهما يوقي المحارم يرقبان سوادي تفسير : لانه على النوعين، وقال القطامي: شعر : ألم يحزنك أن جبال قيس وتغ ـلب قد تباينتا انقطاعا تفسير : فثنى الجمع لما قسمه صنفين صنف لقيس وصنف لتغلب، و {الرتق} السد رتق فلا الفتق رتقاً إذا سده، ومنه الرتقاء: المرأة التي فرجها ملتحم. ووحد لانه مصدر وصف به. وقوله {وجعلنا من الماء كل شيء حي} والمعنى إن كل شيء صار حياً، فهو مجعول من الماء. ويدخل فيه الشجر والنبات على التبع. وقال بعضهم: اراد بالماء النطف التى خلق الله منها الحيوان. والاول أصح. وقوله {أفلا يؤمنون} معناه أفلا يصدقون بما أخبرتهم. وقيل: معناه أفلا يصدقون بما يشاهدونه، من أفعال الله الدالة على أنه المستحق للعبادة لا غير والمختص بها، وانه لا يجوز عليه اتخاذ الصاحبة والولد. وقرأ ابن كثير وحده {ألم ير الذين كفروا} بغير واو. الباقون "أولم" بالواو. والألف التي قبل الواو، الف توبيخ وتقرير.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالُواْ} عطف باعتبار المعنى كأنّه قال: قالوا اتّخذنا آلهةً، او جعل الله لنا آلهة وقالوا {ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} يعنى القائلين بانّ الملائكة بنات الله والقائلين بانّ عُزيراً ابن الله، والمسيح ابن الله {سُبْحَانَهُ} تنزّه تنزّهاً عن الصّاحبة والولد {بَلْ} الملائكة والمسيح وعُزير {عِبَادٌ} لله {مُّكْرَمُونَ}. اعلم، انّ الاشياء كما سبق مكرّراً حقائقها وذواتها عبارة عن فعليّاتها الاخيرة، واسماؤها واحكامها جارية عن تلك الفعليّات، وانّ الانسان اذا بايع البيعة الخاصّة الولويّة يحصل له فعليّة هى فعليّته الاخيرة، وتلك الفعليّة تنعقد بالولاية كانعقاد اللّبن بالانفحة، وبذلك الانعقاد يحصل له نسبة الى صاحب الولاية والبيعة ويعبّر عن تلك النّسبة بالبنوّة والابوّة وبحكم المنطوق الصّريح من قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح:10]، يصدق على تلك النّسبة انّها نسبة بين العبد وبين الله، وبهذا الاعتبار قالت اليهود: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة:18]، وبهذا الاعتبار وباعتبار انّ النّسبة الجسمانيّة والاضافة المعبّر عنها بالابوّة والبنوّة كانت منتفية عن المسيح، وباعتبار انّ بدنه صار محكوماً بحكم روحه قالت النّصارى: المسيح ابن الله ولم يقولوا فى غيره ذلك، وهكذا الحال فى عُزير، ولمّا كان الاتباع تفوّهوا بهذا القول من غير تحقيقٍ وتحصيلٍ ولم يدركوا من الولادة الاّ الولادة الجسمانيّة المستلزمة لمفاسد كثيرة فى حقّه تعالى ردّ الله تعالى عليهم واثبت العبديّة لهم لا الولادة والسّنخيّة.
اطفيش
تفسير : {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} نزلت فى خزاعة قالوا: إن الملائكة بنات الله. وقيل فى طائفة من اليهود قالوا: إنه تعالى صهر الجن فكانت منهم الملائكة. وقالت اليهود: عزير ابن الله. وقالت النصارى المسيح ابنه. {سُبْحَانَهُ} تنزيه عن الولادة ومقدماتها. {بَلْ عِبَادٌ} أى بل هم عباد. وإنما جمع لأن الولد يطلق على الثلاثة فأكثر كما يطلق على أقل. {مُكْرَمُونَ} مفضَّلون على غيرهم لما فيهم من أحوال وصفات ليست فى غيرهم، لا لأنهم أولادى وإنما هم خلق خلقتهم بقدرتى للعبودية والخدمة، والولادة تنافى العبودية. وقرئ بفتح الكاف وتشديد الراء.
اطفيش
تفسير : {وقالُوا اتخذَ الرَّحمن ولداً} الواو للمشركين إجمالا، والمراد طائفة، أو طوائف منهم، وهم حى من خزاعة، قالوا: الملائكة بنات الله سبحانه، وقيل: قال بذلك خزاعة وبنو المليح وبنو سلامة وجهينة وقريش، وروى عن قتادة أن اليهود قالوا: صاهر الله الجن فكانت الملائكة أولاده منهم، وشملت الآية قول النصارى المسيح ابن الله، وقول اليهود عزير ابن الله، والآية نزلت رداً عليهم جميعاً. {سبُحْانه} نزه الله تعالى نفسه عن ذلك، أو نزهوه تنزيهه اللائق به، وقيل هو علم للتسبيح الذى هو قول من الله مقول على ألسنة العباد، والأصل على هذا إخبار من الله أى سبح الله نفسه تسبيحاً، ثم كان الحذف والتأخير والنيابة الى سبحان الله، ونذكره على الإنشاء، ويدل على أن المراد بالولد الملائكة قوله تعالى: {بل عبادٌ مكْرمُون} أى بل هم عباد له بخلقه إياهم مكرمون، والولد لا يكون عبداً لوالده، وعلى أن المراد بالولد عموم ما مر، خص منهم بالذكر هنا الملائكة ليصفهم بأنهم مكرمون، أى مقربون عنده، وبأنهم لا يسبقونه بالقول، وأنهم لا يعملون إلا بأمره، ويصفهم بالخشية والاشفاق كما قال: {لا يسْبقُونه بالقَوْل} الخ لا يقولن شيئاً حتى يقوله، أو يأمرهم به، وذلك شأن أدباء العبيد، والأصل لا يسبقون قوله بقولهم، أو بالقول المعلوم لهم، قال نائبة عن الضمير أو للعهد، أعنى ظهور أن القول لهم، وحذف المضاف وهو قول، واتصل الهاء يسبقون ليكون اللفظ نفياً لسبقهم وجود الله استهجاناً لقول من يقول ما لا يجوز فى وصفه تعالى، حتى كأنه قول بالتقدم لهم على وجود الله عز وجل، وأوضح بعد ذلك أن التقدم بالقول فى الآية، وإن شئت فقل الأصل لا يسبق قولهم قوله، ثم عاد اللفظ الى لفظ الآية تشنيعاً بلزوم أنهم بمنزلة من ادعى سبق وجوده وجوده تعالى {وهُمْ بأمره} لا بغير أمره، وغير أمره شامل لأمرهم وأمر غيرهم من الخلق، قدم على قوله {يعْمَلُون} للحصر والفاصلة.
الالوسي
تفسير : {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} حكاية لجناية فريق من المشركين لإظهار بطلانها وبيان تنزهه سبحانه عن ذلك إثر بيانه تنزهه جل وعلا عن الشركاء على الإطلاق وهم حي من خزاعة قالوا الملائكة بنات الله سبحانه. ونقل الواحدي أن قريشاً وبعض العرب جهينة وبني سلامة. وخزاعة. وبني مليح قالوا ذلك. وأخرج ابن المنذر. وابن أبـي حاتم عن قتادة قال: قالت اليهود إن الله عز وجل صاهر الجن فكانت بينهم الملائكة فنزلت والمشهور الأول. والآية مشنعة على كل من نسب إليه سبحانه ذلك كالنصارى القائلين عيسى ابن الله واليهود القائلين عزير ابن الله تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، والتعرض لعنوان الرحمانية المنبئة عن جميع ما سواه تعالى مربوباً له تعالى لإبراز كمال شناعة مقالتهم الباطلة. {سُبْحَـٰنَهُ} أي تنزهه بالذات تنزهه اللائق به على أن السبحان مصدر سبح أي بَعُدَ أو أسبحه تسبيحه على أنه علم للتسبيح وهو مقول على ألسنة العباد أو سبحوه تسبيحه. وقوله تعالى: {بَلْ عِبَادٌ} إضراب وإبطال لما قالوا كأنه قيل: ليست الملائكة كما قالوا بل هم عباد من حيث أنهم مخلوقون له تعالى فهم ملكه سبحانه والولد لا يصح تملكه، وفي قوله تعالى: {مُّكْرَمُونَ} أي مقربون عندهم تعالى تنبيه على منشأ غلطهم وقرأ عكرمة مكرمون بالتشديد.
ابن عاشور
تفسير : عطف قصة من أقوالهم الباطلة على قصة أخرى. فلما فرغ من بيان باطلهم فيما اتخذوا من دون الله آلهة انتقل إلى بيان باطل آخر وهو اعتقادهم أن الله اتخذ ولداً. وقد كانت خُزاعة من سكان ضواحي مكة يزعمون أن الملائكة بنات الله من سَرَوات الجن وشاركهم في هذا الزعم بعضٌ من قريش وغيرِهم من العرب. وقد تقدم عند قوله تعالى {أية : ويجعلون لله البنات سبحانه} تفسير : في سورة النحل (57). والولَد اسم جمع مفردُه مثلُه، أي اتخذ أولاداً، والولد يشمل الذكر والأنثى، والذين قالوا اتخذ الله ولداً أرادوا أنه اتخذ بناتٍ، قال تعالى: {أية : ويجعلون لله البنات سبحانه}تفسير : [النحل: 57]. ولما كان اتخاذ الولد نقصاً في جانب واجب الوجود أعقب مقالتهم بكلمة {سبحانه} تنزيهاً له عن ذلك فإن اتخاذ الولد إنما ينشأ عن الافتقار إلى إكمال النقص العارض بفقد الولد كما قال تعالى في سورة يونس (68) {أية : قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغني}.تفسير : ولما كان المراد من قوله تعالى: {أية : وقالوا اتخذ الله ولداً}تفسير : [البقرة: 116] أنهم زعموا الملائكة بناتِ الله تعالى أعقب حرف الإضراب عن قولهم بالإخبار بأنهم عبادٌ دون ذِكرِ المبتدأ للعلم به. والتقدير: بل الملائكة عباد مكرمون، أي أكرمهم الله برضاه عنهم وجعلهم من عباده المقربين وفضلهم على كثير من خلقه الصالحين. والسبْق، حقيقته: التقدم في السير على سائر آخر. وقد شاع إطلاقه مجازاً على التقدم في كل عمل. ومنه السبق في القول، أي التكلم قبل الغَير كما في هذه الآية. ونفيه هنا كناية عن عدم المساواة، أي كناية عن التعظيم والتوقير. ونظيره في ذلك النهيُ عن التقدم في قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}تفسير : [الحجرات: 1] فإن التقدم في معنى السبق. فقوله تعالى: {لا يسبقونه بالقول} معناه لا يصدر منهم قول قبل قوله، أي لا يقولون إلاّ ما أذن لهم أن يقولون. وهذا عام يدخل فيه الردّ على زعم المشركين أن معبوداتهم تشفع لهم عند الله إذا أراد الله عقابهم على أعمالهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله كما سيصرح بنفيه. وتقديم {بأمره}على {يعملون} لإفادة القصر، أي لا يعملون عملاً إلا عن أمر الله تعالى فكما أنهم لا يقولون قولاً لم يأذن فيه كذلك لا يعملون عملاً إلا بأمره. وقوله تعالى {أية : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} تفسير : تقدم نظيره في سورة البقرة (255). وقوله تعالى {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} تخصيص بالذكر لبعض ما شمله قوله تعالى {لا يسبقونه بالقول} اهتماماً بشأنه لأنه مما كفروا بسببه إذ جعلوا الآلهة شفعاء لهم عند الله. وحذف مفعول {ارتضى} لأنه عائد صلة منصوب بفعل، والتقدير: لمن ارتضاه، أي ارتضى الشفاعة له بأن يأذن الملائكة أن يشفعوا له إظهاراً لكرامتهم عند الله أو استجابةً لاستغفارهم لمن في الأرض، كما قال تعالى {أية : والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض} تفسير : في سورة الشورى (5). وذلك الاستغفار من جملة ما خلقوا لأجله فليس هو من التقدم بالقول. ثم زاد تعظيمهم ربهم تقريراً بقوله تعالى: {وهم من خشيته مشفقون}، أي هم يعظمونه تعظيم من يخاف بطشته ويحذر مخالفة أمره. و {مِن} في قوله تعالى {من خشيته} للتعليل، والمجرور ظرف مستقر، وهو حال من المبتدأ. و {مشفقون} خبر، أي وهم لأجل خشيته، أي خشيتهم إياه. والإشفاق: توقع المكروه والحذر منه. والشرط الذي في قوله تعالى: {ومن يَقُل منهم إني إله من دونه} الخ... شرط على سبيل الفرض، أي لو قاله واحد منهم مع العلم بأنهم لا يقولونه لأجل ما تقرر من شدة خشيتهم. فالمقصود من هذا الشرط التعريض بالذين ادَّعوا لهم الإلهية بأنهم ادعوا لهم ما لا يرضَونه ولا يقولونه، وأنهم ادعوا ما يوجب لقائله نار جهنم على حد {أية : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك}تفسير : [الزمر: 65]. وعدل عن (إن) الشرطية إلى (مَن) الشرطيّة للدلالة على العموم مع الإيجاز. وأدخل اسم الإشارة في جواب الشرط لتحقيق التعليق بنسبته الشرط لأداته للدلالة على جدارة مضمون الجزاء بمن ثبت له مضمون الشرط، وفي هذا إبطال لدعوى عامة النصارى إلهية عيسى عليه السلام وأنهم يقولون عليه ما لم يقله. ثم صرح بما اقتضاه التعريض فقال تعالى {كذلك نجزي الظالمين} أي مثل ذلك الجزاء وهو جهنم يجزي المثبتين لله شريكاً. والظلم: الشرك.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار لعنهم الله قالوا عليه إنه اتخذ ولداً. وقد بينا ذلك فيما مضى بياناً شافياً في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وبين هنا بُطلان ما ادعوه على ربهم من اتخاذ الأولاد وهم في زعمهم الملائكة ـ بحرف الإضراب الإبطالي الذي هو "بل" مبيناً: أنهم عباده المكرمون، والعبد لا يمكن أن يكون ولداً لسيِّده. ثم أثنى على ملائكته بأنهم عباد مكرمون، لا يسبقون ربهم بالقول أي لا يقولون إلا ما أمرهم أن يقولوه لشدة طاعتهم له {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}. وما أشار إليه في هذه الآية الكريمة من أن الملائكة عبيده وملكه، والعبد لا يمكن أن يكون ولداً لسيده ـ أشار له في غير هذا الموضع. كقوله في "البقرة": {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} تفسير : [البقرة: 116]، وقوله في "النساء": {أية : إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ وما فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} تفسير : [النساء: 171] أي والمالك بكل شيء لا يمكن أن يكون له ولد. لأن الملك ينافي الولدية، ولا يمكن أن يوجد شيء سواه إلا وهو ملك له جل وعلا. وما ذكره في هذه الآية الكريمة: من الثناء على ملائكته عليهم صلوات الله وسلامه ـ بينه في غير هذا الموضع. كقوله تعالى. {أية : عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التحريم: 6]، وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}تفسير : [الانفطار: 10-12]، وقوله تعالى: {أية : وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 19-20] إلى غير ذلك من الآيات. مسألة: أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن: أن الأب إذا ملك ابنه عتق عليه بالملك. ووجه ذلك واضح. لأن الكافر زعموا أن الملائكة بنات الله. فنفى الله تلك الدعوى بأنهم عباده وملكه. فدل ذلك على منافاة الملك للولدية، وأنهما لا يصح اجتماعهما. والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولداً: أي من الملائكة حيث قالوا الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. سبحانه: تنزيه له تعالى عن اتخاذ الولد. بل عباد مكرمون: هم الملائكة، ومن كان عبداً لا يكون ابناً ولا بنتاً. لا يسبقونه بالقول: أي لا يقولون حتى يقول هو وهذا شأن العبد لا يتقدم سيده بشيء. وهم بأمره يعملون: أي فهم مطيعون متأدبون لا يعملون إلا بإذنه لهم. ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى: أي إلاّ لمن رضي تعالى أن يشفع له. مشفقون: أي خائفون. من دونه: أي من دون الله كإبليس عليه لعائن الله. كذلك نجزي الظالمين: أي لأنفسهم بالشرك والمعاصي. معنى الآيات: بعد أن أبطلت الآيات السابقة الشرك ونددت بالمشركين جاءت هذه الآيات في إبطال باطل آخر للمشركين وهو نسبتهم الولد لله تعالى فقال تعالى عنهم {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} وهو زعمهم أن الملائكة بنات الله فنزه تعالى نفسه عن هذا النقص فقال {سُبْحَانَهُ} وأبطل دعواهم وأضرب عنها فقال {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} أي فمن نسبوهم لله بنات له هم عباد له مكرمون عنده ووصفهم تعالى تعالى بقوله: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ} فهم لكمال عبوديتهم لا يقولون حتى يقول هو سبحانه وتعالى، وهم يعملون بأمره فلا يقولون ولا يعملون إلا بعد إذنه لهم، وأخبر تعالى أنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم فعلمه عز وجل محيط بهم ولا يشفعون لأحد من خلقه إلا لمن ارتضى أن يشفع له فقال تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} وزيادة على ذلك أنهم {مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} خائفون، وعلى فرض أن أحداً منهم قال إني إله من دون الله فإن الله تعالى يجزيه بذلك القول جهنم وكذلك الجزاء نجزي الظالمين أي أنفسهم بالشرك والمعاصي، وبهذا بطلت فرية المشركين في جعلهم الملائكة بنات لله وفي عبادتهم ليشفعوا لهم عنده تعالى. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إبطال نسبة الولد إلى الله تعالى من قبل المشركين وكذا اليهود والنصارى. 2- بيان كمال عبودية الملائكة لله تعالى وكمال أدبهم وطاعتهم لربهم سبحانه وتعالى. 3- بطلان دعوى المشركين في شفاعة الملائكة لهم، إذ الملائكة لا يشفعون إلا لمن رضي الله تعالى أن يشفعوا له. 4- تقرير وجود شفاعة يوم القيامة ولكن بشروطها وهي أن يكون الشافع قد أذن له بالشفاعة، وأن يكون المشفوع له من أهل التوحيد فأهل الشرك لا تنفعهم شفاعة الشافعين.
د. أسعد حومد
تفسير : {سُبْحَانَهُ} (26) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعالى عَلَى زَعْمِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِلَّهِ وَلَداً مِنَ المَلاَئِكَةِ، فَنَزَّهَ اللهُ تَعَالى نَفْسَهُ الكَريمَةَ عَنْ شِرْكِهِم وقَالَ: المَلاَئِكَةُ عِبَادٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ، مُكْرَمُونَ عِنْدَهُ فِي مَنَازِلَ عَالِيَةٍ، وَمَقَامَاتٍ سَامِيَةٍ، وَهُمْ لَهُ فِي غَايَةِ الطَّاعَةِ قَوْلاً وَفِعْلاً. (كَانَ بعضُ مُشْرِكِي العَرَبِ يَقُولُونَ المَلاَئِكَةُ بَنَاتُ اللهِ تَعَالَى).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله: {سُبْحَانَهُ ..} [الأنبياء: 26] أي: تنزيهاً له أنْ يكون له ولد، فقُلْ: إنْ كان له، فله عباد مكرمون وهم الملائكة. ومن صفات هؤلاء العباد المكرمين الذين هم الملائكة أنهم: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن سفاهة المشركين المكذبين للرسول، وأنهم زعموا - قبحهم الله - أن الله اتخذ ولدا فقالوا: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم، وأخبر عن وصف الملائكة، بأنهم عبيد مربوبون مدبرون، ليس لهم من الأمر شيء، وإنما هم مكرمون عند الله، قد أكرمهم الله، وصيرهم من عبيد كرامته ورحمته، وذلك لما خصهم به من الفضائل والتطهير عن الرذائل، وأنهم في غاية الأدب مع الله، والامتثال لأوامره. فـ { لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ } أي: لا يقولون قولا مما يتعلق بتدبير المملكة، حتى يقول الله، لكمال أدبهم، وعلمهم بكمال حكمته وعلمه. { وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } أي: مهما أمرهم، امتثلوا لأمره، ومهما دبرهم عليه، فعلوه، فلا يعصونه طرفة عين، ولا يكون لهم عمل بأهواء أنفسهم من دون أمر الله، ومع هذا، فالله قد أحاط بهم علمه، فعلم { مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } أي: أمورهم الماضية والمستقبلة، فلا خروج لهم عن علمه، كما لا خروج لهم عن أمره وتدبيره. ومن جزئيات وصفهم، بأنهم لا يسبقونه بالقول، أنهم لا يشفعون لأحد بدون إذنه ورضاه، فإذا أذن لهم، وارتضى من يشفعون فيه، شفعوا فيه، ولكنه تعالى لا يرضى من القول والعمل، إلا ما كان خالصا لوجهه، متبعا فيه الرسول، وهذه الآية من أدلة إثبات الشفاعة، وأن الملائكة يشفعون. { وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } أي: خائفون وجلون، قد خضعوا لجلاله، وعنت وجوههم لعزه وجماله. فلما بين أنه لا حق لهم في الألوهية، ولا يستحقون شيئا من العبودية بما وصفهم به من الصفات المقتضية لذلك، ذكر أيضا أنه لا حظ لهم، ولا بمجرد الدعوى، وأن من قال منهم: { إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ } على سبيل الفرض والتنزل { فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } وأي ظلم أعظم من ادعاء المخلوق الناقص، الفقير إلى الله من جميع الوجوه مشاركة الله في خصائص الإلهية والربوبية؟!
همام الصنعاني
تفسير : 1856- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} [الآية: 26]، قالت اليَهُود وطوائف من الناس: إنَّ الله خاتن إلى الجنن فالملائكة مِنَ الجنَ، قال الله سبحانه: {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} حتى بلغ {وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}: [الآيات: 26-27-28]. قال: {وَلاَ يَشْفَعُونَ} يَوْمَ القيامة، {إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ}: [الآية: 29]، قَال هي خاصَّةٌ لإبليس.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):