٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى شرع الآن في الدلائل الدالة على وجود الصانع، وهذه الدلائل أيضاً دالة على كونه منزهاً عن الشريك، لأنها دالة على حصول الترتيب العجيب في العالم، ووجود الإلهين يقتضي وقوع الفساد. فهذه الدلائل تدل من هذه الجهة على التوحيد فتكون كالتوكيد لما تقدم. وفيها أيضاً رد على عبدة الأوثان من حيث إن الإله القادر على مثل هذه المخلوقات الشريفة كيف يجوز في العقل أن يعدل عن عبادته إلى عبادة حجر لا يضر ولا ينفع. فهذا وجه تعلق هذه الآية بما قبلها، واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر ههنا ستة أنواع من الدلائل: النوع الأول: قوله: {أَوَ لَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَـٰهُمَا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ألم ير بغير الواو والباقون بالواو وإدخال الواو يدل على العطف لهذا القول على أمر تقدمه. قال صاحب «الكشاف»: قرىء رتقاً بفتح التاء، وكلاهما في معنى المفعول كالخلق والنفض أي كانتا مرتوقتين، فإن قلت الرتق صالح أن يقع موقع مرتوقتين لأنه مصدر فما بال الرتق؟ قلت: هو على تقدير موصوف أي كانتا شيئاً رتقاً. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: المراد من الرؤية في قوله تعالى: {أَوَ لَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }، إما الرؤية، وإما العلم والأول مشكل، أما أولاً فلأن القوم ما رأوهما كذلك ألبتة، وأما ثانياً فلقوله سبحانه وتعالى: { أية : مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الكهف: 51]، وأما العلم فمشكل لأن الأجسام، قابلة للفتق والرتق في أنفسها، فالحكم عليها بالرتق أولاً وبالفتق ثانياً لا سبيل إليه إلا السمع، والمناظرة مع الكفار الذين ينكرون الرسالة، فكيف يجوز التمسك بمثل هذا الاستدلال. والجواب: المراد من الرؤية هو العلم وما ذكروه من السؤال فدفعه من وجوه: أحدها: أنا نثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسائر المعجزات ثم نستدل بقوله: ثم نجعله دليلاً على حصول النظام في العالم وانتقاء الفساد عنه وذلك يؤكد الدلالة المذكورة في التوحيد. وثانياً: أن يحمل الرتق والفتق على إمكان الرتق والفتق والعقل، يدل عليه لأن الأجسام يصح عليها الاجتماع والافتراق فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصاً. وثالثها: أن اليهود والنصارى كانوا عالمين بذلك فإنه جاء في التوراة إن الله تعالى خلق جوهرة، ثم نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثم خلق السموات والأرض منها وفتق بينها، وكان بين عبدة الأوثان وبين اليهود نوع صداقة بسبب الاشتراك في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الحجة بناء على أنهم يقبلون قول اليهود في ذلك. المسألة الثالثة: إنما قال {كانتا رتقاً} ولم يقل كن رتقاً لأن السموات لفظ الجمع والمراد به الواحد الدال على الجنس، قال الأخفش: السموات نوع والأرض نوع، ومثله: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ } تفسير : [فاطر:41] ومن ذلك قولهم أصلحنا بين القومين، ومرت بنا غنمان أسودان، لأن هذا القطيع غنم وذلك غنم. المسألة الرابعة: الرتق في اللغة السد، يقال: رتقت الشيء فارتتق والفتق الفصل بين الشيئين الملتصقين. قال الزجاج: الرتق مصدر والمعنى كانتا ذواتي رتق، قال المفضل: إنما لم يقل كانتا رتقين كقوله: { أية : وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ } تفسير : [الأنبياء: 8] لأن كل واحد جسد كذلك فيما نحن فيه كل واحد رتق. المسألة الخامسة: اختلف المفسرون في المراد من الرتق والفتق على أقوال: أحدها: وهو قول الحسن وقتادة وسعيد بن جبير ورواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم أن المعنى كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض وهذا القول يوجب أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء لأنه تعالى لما فصل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الأجزاء السماوية، قال كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين ثم خلق ريحاً توسطتهما ففتقهما بها. وثانيها: وهو قول أبي صالح ومجاهد أن المعنى كانت السموات مرتتقة فجعلت سبع سموات وكذلك الأرضون. وثالثها: وهو قول ابن عباس والحسن وأكثر المفسرين أن السموات والأرض كانتا رتقاً بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلرَّجْعِ * وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ } تفسير : [الطارق: 11، 12] ورجحوا هذا الوجه على سائر الوجوه بقوله بعد ذلك: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ } وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم ولا يكون كذلك إلا إذا كان المراد ما ذكرنا. فإن قيل: هذا الوجه مرجوح لأن المطر لا ينزل من السموات بل من سماء واحدة وهي سماء الدنيا، قلنا: إنما أطلق عليه لفظ الجمع، لأن كل قطعة منها سماء، كما يقال: ثوب أخلاق وبرمة أعشار. واعلم أن هذا التأويل يجوز حمل الرؤية على الإبصار. ورابعها: قول أبي مسلم الأصفهاني: يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد والإظهار كقوله: { أية : فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الشورى: 11] وكقوله: { أية : قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ ٱلَّذِى فطَرَهُنَّ } تفسير : [الأنبياء: 56] فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق. أقول وتحقيقه أن العدم نفي محض، فليس فيه ذوات مميزة وأعيان متباينة، بل كأنه أمر واحد متصل متشابه، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكون يتميز بعضها عن بعض وينفصل بعضها عن بعض، فبهذا الطريق حسن جعل الرتق مجازاً عن العدم والفتق عن الوجود. وخامسها: أن الليل سابق على النهار، لقوله تعالى: { أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ } تفسير : [يس: 37] وكانت السموات والأرض مظلمة أولاً ففتقهما الله تعالى بإظهار النهار المبصر، فإن قيل: فأي الأقاويل أليق بالظاهر؟ قلنا: الظاهر يقتضي أن السماء على ما هي عليه، والأرض على ما هي عليه كانتا رتقاً، ولا يجوز كونهما كذلك إلا وهما موجودان، والرتق ضد الفتق فإذا كان الفتق هو المفارقة فالرتق يجب أن يكون هو الملازمة، وبهذا الطريق صار الوجه الرابع والخامس مرجوحاً، ويصير الوجه الأول أولى الوجوه ويتلوه الوجه الثاني. وهو أن كل واحد منهما كان رتقاً ففتقهما بأن جعل كل واحد منهما سبعاً، ويتلوه الثالث وهو أنهما كانا صلبين من غير فطور وفرج، ففتقهما لينزل المطر من السماء، ويظهر النبات على الأرض. المسألة السادسة: دلالة هذه الوجوه على إثبات الصانع وعلى وحدانيته ظاهرة، لأن أحداً لا يقدر على مثل ذلك، والأقرب أنه سبحانه خلقهما رتقاً لما فيه من المصلحة للملائكة، ثم لما أسكن الله الأرض أهلها جعلهما فتقاً لما فيه من منافع العباد. النوع الثاني من الدلائل: قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَىْء حَىّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» قوله: وجعلنا لا يخلو إما أن يتعدى إلى واحد أو اثنين، فإن تعدى إلى واحد فالمعنى خلقنا من الماء كل حيوان كقوله: { أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء } تفسير : [النور: 45] أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله: { أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } تفسير : [الأنبياء: 37] وإن تعدى إلى اثنين فالمعنى صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه، ومن هذا نحو من في قوله عليه السلام: « حديث : ما أنا من دد ولا الدد مني » تفسير : وقرىء حياً وهو المفعول الثاني. المسألة الثانية: لقائل أن يقول كيف قال: وخلقنا من الماء كل حيوان، وقد قال: { أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } تفسير : [الحجر: 27] وجاء في الأخبار أن الله تعالى خلق الملائكة من النور وقال تعالى في حق عيسى عليه السلام: { أية : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى } تفسير : [المائدة: 110] وقال في حق آدم: { أية : خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } تفسير : [آل عمران: 59] والجواب: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة المخصصة قائمة، فإن الدليل لا بد وأن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى عليهم السلام، لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك. المسألة الثالثة: اختلف المفسرون فقال بعضهم المراد من قوله: {كُلَّ شَىْء حَىّ } الحيوان فقط، وقال آخرون بل يدخل فيه النبات والشجر لأنه من الماء صار نامياً وصار فيه الرطوبة والخضرة والنور والثمر، وهذا القول أليق بالمعنى المقصود، كأنه تعالى قال: ففتقنا السماء لإنزال المطر وجعلنا منه كل شيء في الأرض من النبات وغيره حياً، حجة القول الأول أن النبات لا يسمى حياً، قلنا لا نسلم والدليل عليه قوله تعالى: { أية : كَيْفَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } تفسير : [الروم: 50] أما قوله تعالى: {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } فالمراد أفلا يؤمنون بأن يتدبروا هذه الأدلة فيعلموا بها الخالق الذي لا يشبه غيره ويتركوا طريقة الشرك. النوع الثالث: قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن تميد بهم كراهة أن تميد بهم أو لئلا تميد بهم فحذف لا واللام الأولى وإنما جاز حذف لا لعدم الالتباس كما ترى ذلك في قوله: {لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ }. المسألة الثانية: الرواسي الجبال، والراسي هو الداخل في الأرض. المسألة الثالثة: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الأرض بسطت على الماء فكانت تنكفىء بأهلها كما تنكفىء السفينة، لأنها بسطت على الماء فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال. النوع الرابع: قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: الفج الطريق الواسع، فإن قلت في الفجاج معنى الوصف فمالها قدمت على السبل ولم تؤخر كما في قوله تعالى: {لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً } قلت لم تقدم وهي صفة، ولكنها جعلت حالاً كقوله: شعر : لعزة موحشاً طلل قديمï تفسير : والفرق من جهة المعنى أن قوله سبلاً فجاجاً، إعلام بأنه سبحانه جعل فيها طرقاً واسعة، وأما قوله: {فِجَاجاً سُبُلاً } فهو إعلام بأنه سبحانه حين خلقها جعلها على تلك الصفة، فهذه الآية بيان لما أبهم في الآية الأولى. المسألة الثانية: في قوله {فِيهَا } قولان: أحدهما أنها عائدة إلى الجبال، أي وجعلنا في الجبال التي هي رواسي فجاجاً سبلاً، أي طرقاً واسعة وهو قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس وعن ابن عمر قال كانت الجبال منضمة فلما أغرق الله قوم نوح فرقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً. الثاني: أنها عائدة إلى الأرض، أي وجعلنا في الأرض فجاجاً وهي المسالك والطرق وهو قول الكلبي. المسألة الثالثة: قوله: {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } معناه لكي يهتدوا إذ الشك لا يجوز على الله تعالى. المسألة الرابعة: في يهتدون قولان: الأول: ليهتدوا إلى البلاد. والثاني: ليهتدوا إلى وحدانية الله تعالى بالاستدلال، قالت المعتزلة وهذا التأويل يدل على أنه تعالى أراد من جميع المكلفين الاهتداء. والكلام عليه قد تقدم، وفيه قول ثالث وهو أن الإهتداء إلى البلاد والاهتداء إلى وحدانية الله تعالى يشتركان في مفهوم واحد وهو أصل الاهتداء فيحمل اللفظ على ذلك المشترك وحينئذ تكون الآية متناولة للأمرين ولا يلزم منه كون اللفظ المشترك مستعملاً في مفهوميه معاً. النوع الخامس: قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ ءايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: سمى السماء سقفاً لأنها للأرض كالسقف للبيت. المسألة الثانية: في المحفوظ قولان: أحدهما: أن محفوظ من الوقوع والسقوط الذين يجري مثلهما على سائر السقوف كقوله: { أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تفسير : [الحج: 65] وقال: { أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ } تفسير : [الروم: 25] وقال تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ } تفسير : [فاطر: 41] وقال: { أية : وَلاَ يُؤُدهُ حِفْظُهُمَا } تفسير : [البقرة: 255]. الثاني: محفوظاً من الشياطين قال تعالى: { أية : وَحَفِظْنَـٰهَا مِن كُلّ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ } تفسير : [الحجر: 17] ثم ههنا قولان: أحدهما: أنه محفوظ بالملائكة من الشياطين. والثاني: أنه محفوظ بالنجوم من الشياطين، والقول الأول أقوى لأن حمل الآيات عليه مما يزيد هذه النعمة عظماً لأنه سبحانه كالمتكفل بحفظه وسقوطه على المكلفين بخلاف القول الثاني لأنه لا يخاف على السماء من استراق سمع الجن. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وَهُمْ عَنْ ءايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ } معناه عما وضع الله تعالى فيها من الأدلة والعبر في حركاتها وكيفية حركاتها وجهات حركاتها ومطالعها ومغاربها واتصالات بعضها ببعض وانفصالاتها على الحساب القويم والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة. المسألة الرابعة: قرىء عن آيتها على التوحيد والمراد الجنس أي هم متفطنون لما يرد عليهم من السماء من المنافع الدنيوية كالاستضاءة بقمرها والاهتداء بكواكبها، وحياة الأرض بأمطارها وهم عن كونها آية بينة على وجود الخالق ووحدانيته معرضون. النوع السادس: قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَـارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه سبحانه لما قال: {وَهُمْ عَنْ ءايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ } فصل تلك الآيات ههنا لأنه تعالى لو خلق السماء والأرض ولم يخلق الشمس والقمر ليظهر بهما الليل والنهار ويظهر بهما من المنافع بتعاقب الحر والبرد لم تتكامل نعم الله تعالى على عباده بل إنما يكون ذلك بسبب حركاتها في أفلاكها، فلهذا قال: {كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } وتقريره أن نقول قد ثبت بالأرصاد أن للكواكب حركات مختلفة فمنها حركة تشملها بأسرها آخذة من المشرق إلى المغرب وهي حركة الشمس اليومية، ثم قال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة، وههنا حركة أخرى من المغرب إلى المشرق قالوا وهي ظاهرة في السبعة السيارة خفية في الثابتة، واستدلوا عليها بأنا وجدنا الكواكب السيارة كلما كان منها أسرع حركة إذا قارن ما هو أبطأ حركة فإنه بعد ذلك يتقدمه نحو المشرق وهذا في القمر ظاهر جداً فإنه يظهر بعد الإجتماع بيوم أو يومين من ناحية المغرب على بعد من الشمس ثم يزداد كل ليلة بعداً منها إلى أن يقابلها على قريب من نصف الشهر وكل كوكب كان شرقياً منه على طريقته في ممر البروج يزداد كل ليلة قرباً منه ثم إذا أدركه ستره بطرفه الشرقي وتنكسف تلك الكواكب عنه بطرفه الغربي فعرفنا أن لهذه الكواكب السيارة حركة من المغرب إلى المشرق، وكذلك وجدنا للكواكب الثابتة حركة بطيئة على توالي البروج فعرفنا أن لها حركة من المغرب إلى المشرق. هذا ما قالوه ونحن خالفناهم فيه، وقلنا: إن ذلك محال لأن الشمس مثلاً لو كانت متحركة بذاتها من المغرب إلى المشرق حركة بطيئة ولا شك أنها متحركة بسبب الحركة اليومية من المغرب إلى المشرق لزم كون الجرم الواحد متحركاً حركتين إلى جهتين مختلفتين دفعة احدة وذلك محال لأن الحركة إلى الجهة تقتضي حصول المتحرك في الجهة المنتقل إليها فلو تحرك الجسم الواحد دفعة واحدة إلى جهتين لزم حصوله دفعة واحدة في مكانين وهو محال. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: الشمس حال حركتها إلى الجانب الشرقي تنقطع حركتها إلى الجانب الغربي وبالعكس، وأيضاً فما ذكرتموه ينتقض بحركة الرحى إلى جانب والنملة التي تكون عليها تتحرك إلى خلاف ذلك الجانب، قلنا: أما الأول فلا يستقيم على أصولكم لأن حركات الأفلاك مصونة عن الانقطاع عندكم، وأما الثاني فهو مثال محتمل وما ذكرناه برهان قاطع فلا يتعارضان، أما الذي احتجوا به على أن للكواكب حركة من المغرب إلى المشرق فهو ضعيف، فإنه يقال لم لا يجوز أن يقال إن جميع الكواكب متحركة من المشرق إلى المغرب إلا أن بعضها أبطأ من البعض فيتخلف بعضها عن بعض بسبب ذلك التخلف فيظن أنها تتحرك إلى خلاف تلك الجهة مثلاً الفلك الأعظم استدارته من أول اليوم الأول إلى أول اليوم الثاني دورة تامة وفلك الثوابت استدارته من أول اليوم الأولى إلى أول اليوم الثاني دورة تامة إلا مقدار ثانية فيظن أن فلك الثوابت تحرك من الجهة الأخرى مقدار ثانية ولا يكون كذلك بل ذلك لأنه تخلف بمقدار ثانية، وعلى هذا التقدير فجميع الجهات شرقية وأسرعها الحركة اليومية، ثم يليها في السرعة فلك الثوابت ثم يليها زحل وهكذا إلى أن ينتهي إلى فلك القمر فهو أبطأ الأفلاك حركة وهذا الذي قلناه مع ما يشهد له البرهان المذكور فهو أقرب إلى ترتيب الوجود، فإن على هذا التقدير تكون نهاية الحركة الفلك المحيط وهو الفلك الأعظم ونهاية السكون الجرم الذي هو في غاية البعد وهو الأرض، ثم إن كل ما كان أقرب إلى الفلك المحيط كان أسرع حركة وما كان منه أبعد كان أبطأ فهذا ما نقوله في حركات الأفلاك في أطوالها وأما حركاتها في عروضها فظاهرة وذلك بسبب اختلاف ميولها إلى الشمال والجنوب. إذا ثبت هذا فنقول لو لم يكن للكواكب حركة في الميل لكان التأثير مخصوصاً ببقعة واحدة، فكان سائر الجوانب تخلو عن المنافع الحاصلة منه، وكان الذي يقرب منه متشابه الأحوال وكانت القوة هناك لكيفية واحدة، فإن كانت حارة أفنت الرطوبات فأحالتها كلها إلى النارية، وبالجملة فيكون الموضع المحاذي لممر الكواكب على كيفية وخط ما لا يحاذيه على كيفية أخرى وخط المتوسط بينهما على كيفية أخرى فيكون في موضع شتاء دائم ويكون فيه الهواء والعجاجة وفي موضع آخر صيف دائم يوجب الاحتراق وفي موضع آخر ربيع أو خريف لا يتم فيه النضج ولو لم تكن عودات متتالية، وكان الكوكب يتحرك بطيئاً لكان الميل قليل المنفعة والتأثير شديد الإفراط، وكان يعرض قريباً مما لو لم يكن ميل ولو كانت الكواكب أسرع حركة من هذه لما كملت المنافع وما تمت، وأما إذا كان هناك ميل يحفظ الحركة في جهة مدة ثم ينتقل إلى جهة أخرى بمقدار الحاجة ويبقى في كل جهة برهة تم بذلك تأثيره بحيث يبقى مصوناً عن طرفي الإفراط والتفريط. وبالجملة، فالعقول لا تقف إلا على القليل من أسرار المخلوقات فسبحان الخالق المدبر بالحكمة البالغة والقدرة الغير المتناهية. المسألة الثانية: أنه لا يجوز أن يقول: {وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } إلا ويدخل في الكلام مع الشمس والقمر النجوم ليثبت معنى الجمع ومعنى الكل فصارت النجوم وإن لم تكن مذكورة أولاً فإنها مذكورة لعود هذا الضمير إليها والله أعلم. المسألة الثالثة: الفلك في كلام العرب كل شيء دائر وجمعه أفلاك، واختلف العقلاء فيه فقال بعضهم: الفلك ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم وهو قول الضحاك، وقال الأكثرون: بل هي أجسام تدور النجوم عليها، وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن، ثم اختلفوا في كيفيته فقال بعضهم: الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه، وقال الكلبي: ماء مجموع تجري فيه الكواكب واحتج بأن السباحة لا تكون إلا في الماء، قلنا؛ لا نسلم فإنه يقال في الفرس الذي يمد يديه في الجري سابح، وقال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة: إنها أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق والإلتئام والنمو والذبول، فأما الكلام على الفلاسفة فهو مذكور في الكتب اللائقة به، والحق أنه لا سبيل إلى معرفة صفات السموات إلا بالخبر. المسألة الرابعة: اختلف الناس في حركات الكواكب والوجوه الممكنة فيها ثلاثة فإنه إما أن يكون الفلك ساكناً والكواكب تتحرك فيه كحركة السمك في الماء الراكد، وإما أن يكون الفلك متحركاً والكواكب تتحرك فيه أيضاً إما مخالفاً لجهة حركته أو موافقاً لجهته إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء أو مخالفة، وإما أن يكون الفلك متحركاً والكوكب ساكناً، أما الرأي الأول فقالت الفلاسفة إنه باطل لأنه يوجب خرق الأفلاك وهو محال، وأما الرأي الثاني فحركة الكواكب إن فرضت مخالفة لحركة الفلك فذاك أيضاً يوجب الخرق وإن كانت حركتها إلى جهة الفلك فإن كانت مخالفة لها في السرعة والبطء لزم الانخراق وإن استويا في الجهة والسرعة والبطء فالخرق أيضاً لازم لأن الكواكب تتحرك بالعرض بسبب حركة الفلك فتبقى حركته الذاتية زائدة فيلزم الخرق فلم يبق إلا القسم الثالث وهو أن يكون الكوكب مغروزاً في الفلك واقفاً فيه والفلك يتحرك فيتحرك الكوكب بسبب حركة الفلك، واعلم أن مدار هذا الكلام على امتناع الخرق على الأفلاك وهو باطل بل الحق أن الأقسام الثلاثة ممكنة والله تعالى قادر على كل الممكنات والذي يدل عليه لفظ القرآن أن تكون الأفلاك واقفة والكواكب تكون جارية فيها كما تسبح السمكة في الماء. المسألة الخامسة: قال صاحب «الكشاف»: {كُلٌّ } التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي كلهم في فلك يسبحون والله أعلم. المسألة السادسة: احتج أبو علي بن سينا على كون الكواكب أحياء ناطقة بقوله: {يَسْبَحُونَ } قال والجمع بالواو والنون لا يكون إلا للعقلاء، وبقوله تعالى: { أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } تفسير : [يوسف: 4]، والجواب: إنما جعل واو الضمير للعقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة قال صاحب «الكشاف»: فإن قلت الجملة ما محلها قلت النصب على الحال من الشمس والقمر أو لا محل لها لاستئنافها، فإن قلت: لكل واحد من القمرين فلك على حدة فكيف قيل جميعهم يسبحون في فلك؟ قلت: هذا كقولهم كساهم الأمير حلة وقلدهم سيفاً أي كل واحد منهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} قراءة العامة «أَوَلَمْ» بالواو. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد «أَلَمْ يَرَ» بغير واو، وكذلك هو في مصحف مكة. «أَوَلَمْ يَرَ» بمعنى يعلم. {ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً} قال الأخفش: «كانتا» لأنهما صنفان، كما تقول العرب: هما لِقاحان أسودان، وكما قال الله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ} قال أبو إسحاق: «كانتا» لأنه يعبر عن السموات بلفظ الواحد بسماء؛ ولأن السموات كانت سماء واحدة، وكذلك الأرضون. وقال: «رتقاً» ولم يقل رتقين؛ لأنه مصدر؛ والمعنى كانتا ذواتي رتق. وقرأ الحسن «رَتَقاً» بفتح التاء. قال عيسى بن عمر: هو صواب وهي لغة. والرتق السد ضد الفتق، وقد رتقت الفتق أرتقه فارتتق أي التأم، ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج. قال ابن عباس والحسن وعطاء والضحاك وقتادة: يعني أنها كانت شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما بالهواء. وكذلك قال كعب: خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحاً بوسطها ففتحها بها، وجعل السموات سبعاً والأرضين سبعاً. وقول ثان قاله مجاهد والسدي وأبو صالح: كانت السموات مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سموات، وكذلك الأرضين كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبعاً. وحكاه القتبي في عيون الأخبار له، عن إسماعيل بن أبي خالد في قول الله عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} قال: كانت السماء مخلوقة وحدها والأرض مخلوقة وحدها، ففتق من هذه سبع سموات، ومن هذه سبع أرضين؛ خلق الأرض العليا فجعل سكانها الجن والإنس، وشق فيها الأنهار وأنبت فيها الأثمار، وجعل فيها البحار وسماها رعاء، عرضها مسيرة خمسمائة عام؛ ثم خلق الثانية مثلها في العرض والغلظ وجعل فيها أقواماً، أفواههم كأفواه الكلاب وأيديهم أيدي الناس؛ وآذانهم آذان البقر وشعورهم شعور الغنم، فإذا كان عند اقتراب الساعة ألقتهم الأرض إلى يأجوج ومأجوج، واسم تلك الأرض الدكماء، ثم خلق الأرض الثالثة غلظها مسيرة خمسمائة عام، ومنها هواء إلى الأرض. الرابعة خلق فيها ظلمة وعقارب لأهل النار مثل البغال السود، ولها أذناب مثل أذناب الخيل الطوال، يأكل بعضها بعضاً فتسلط على بني آدم. ثم خلق الله الخامسة (مثلها) في الغلظ والطول والعرض فيها سلاسل وأغلال وقيود لأهل النار. ثم خلق الله الأرض السادسة واسمها ماد، فيها حجارة سُود بُهْم، ومنها خلقت تربة آدم عليه السلام، تبعث تلك الحجارة يوم القيامة وكل حجر منها كالطود العظيم، وهي من كبريت تعلق في أعناق الكفار فتشتعل حتى تحرق وجوههم وأيديهم، فذلك قوله عز وجل: {أية : وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} تفسير : [البقرة: 24] ثم خلق الله الأرض السابعة واسمها عريبة وفيها جهنم، فيها بابان اسم الواحد سجين واسم الآخر الفلق، فأما سجين فهو مفتوح وإليه ينتهي كتاب الكفار، وعليه يعرض أصحاب المائدة وقوم فرعون، وأما الفلق فهو مغلق لا يفتح إلى يوم القيامة. وقد مضى في «البقرة» أنها سبع أرضين بين كل أرضَين مسيرة خمسمائة عام، وسيأتي له في آخر «الطلاق» زيادة بيان إن شاء الله تعالى. وقول ثالث قاله عكرمة وعطية وابن زيد وابن عباس أيضاً فيما ذكر المهدوي: إن السموات كانت رتقاً لا تمطر، والأرض كانت رتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات؛ نظيره قوله عز وجل: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ * وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ } تفسير : [الطارق: 11 ـ 12]. واختار هذا القول الطبري؛ لأن بعده {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ}. قلت: وبه يقع الاعتبار مشاهدة ومعاينة؛ ولذلك أخبر بذلك في غير ما آية؛ ليدل على كمال قدرته، وعلى البعث والجزاء. وقيل:شعر : يَهُونُ عليهم إذا يَغضبونَ سخطُ العداة وإرغامُها ورَتْق الفُتوق وفَتْق الرُّتوق ونَقْضُ الأمورِ وإبرامُها تفسير : وفي قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} ثلاث تأويلات: أحدها: أنه خلق كل شيء من الماء؛ قاله قتادة. الثاني؛ حفظ حياة كل شيء بالماء. الثالث: وجعلنا من ماء الصلب كل شيء حيّ؛ قاله قطرب. «وجعلنا» بمعنى خلقنا. وروى أبو حاتم البستي في المسند الصحيح له من حديث أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله! إذا رأيتك طابت نفسي، وقرّت عيني؛ أنبئني عن كل شيء؛ قال: «حديث : كل شيء خلق من الماء» تفسير : الحديث؛ قال أبو حاتم قول أبي هريرة: «أنبئني عن كل شيء» أراد به عن كل شيء خلق من الماء، والدليل على صحة هذا جواب المصطفى إياه حيث قال: «حديث : كل شيء خلق من الماء»تفسير : وإن لم يكن مخلوقاً. وهذا احتجاج آخر سوى ما تقدم من كون السموات والأرض رتقاً. وقيل: الكل قد يذكر بمعنى البعض كقوله: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النمل: 27] وقوله: «تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ» والصحيح العموم؛ لقوله عليه السلام: «حديث : كل شيء خلق من الماء» تفسير : والله أعلم.{أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} أي أفلا يصدقون بما يشاهدون، وأن ذلك لم يكن بنفسه، بل لمكوّن كوّنه، ومدبر أوجده، ولا يجوز أن يكون ذلك المكوّن محدثاً. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ} أي جبالاً ثوابت. {أَن تَمِيدَ بِهِمْ} أي لئلا تميد بهم، ولا تتحرك ليتم القرار عليها؛ قاله الكوفيون. وقال البصريون: المعنى كراهية أن تميد. والميد التحرك والدوران. يقال: ماد رأسه؛ أي دار. وقد مضى في «النحل» مستوفى. {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً} يعني في الرواسي؛ عن ابن عباس. والفجاج المسالك. والفجُّ الطريق الواسع بين الجبلين. وقيل: وجعلنا في الأرض فجاجاً أي مسالك؛ وهو اختيار الطبري؛ لقوله: {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي يهتدون إلى السير في الأرض. «سُبُلاً» تفسير الفجاج؛ لأن الفج قد يكون طريقاً نافذاً مسلوكاً وقد لا يكون. وقيل: ليهتدوا بالاعتبار بها إلى دينهم. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً} أي محفوظاً من أن يقع ويسقط على الأرض؛ دليله قوله تعالى: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [الحج: 65]. وقيل: محفوظاً بالنجوم من الشياطين؛ قاله الفرّاء. دليله قوله تعالى: {أية : وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} تفسير : [الحجر: 17]. وقيل: محفوظاً من الهدم والنقض، وعن أن يبلغه أحد بحيلة. وقيل: محفوظاً فلا يحتاج إلى عماد. وقال مجاهد: مرفوعاً. وقيل: محفوظاً من الشرك والمعاصي. {وَهُمْ} يعني الكفار {عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} قال مجاهد! يعني الشمس والقمر. وأضاف الآيات إلى السماء لأنها مجعولة فيها، وقد أضاف الآيات إلى نفسه في مواضع، لأنه الفاعل لها. بين أن المشركين غفلوا عن النظر في السموات وآياتها، من ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، وأفلاكها ورياحها وسحابها، وما فيها من قدرة الله تعالى، إذ لو نظروا واعتبروا لعلموا أن لها صانعاً قادراً واحداً فيستحيل أن يكون له شريك. قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} ذَكَّرهم نعمة أخرى: جعل لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليتصرفوا فيه لمعايشهم. {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أي وجعل الشمس آية النهار، والقمر آية الليل؛ لتعلم الشهور والسنون والحساب، كما تقدم في «سبحان» بيانه. {كُلٌّ} يعني من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار {فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء. قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: {أية : وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً} تفسير : [النازعات: 3] ويقال للفرس الذي يمد يده في الجري سابح. وفيه من النحو أنه لم يقل: يسبحْن ولا تسبح؛ فمذهب سيبويه: أنه لما أخبر عنهنّ بفعل من يعقل وجعلهنّ في الطاعة بمنزلة من يعقل، أخبر عنهن بالواو والنون. ونحوه قال الفرّاء. وقد تقدم هذا المعنى في «يوسف». وقال الكسائي: إنما قال: «يسبحون» لأنه رأس آية، كما قال الله تعالى: {أية : نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} تفسير : [القمر: 44] ولم يقل منتصرون. وقيل: الجري للفلك فنسب إليها. والأصح أن السيارة تجري في الفلك، وهي سبعة أفلاك دون السموات المطبقة، التي هي مجال الملائكة وأسباب الملكوت، فالقمر في الفلك الأدنى، ثُمَّ عُطَارِد، ثم الزُّهَرة، ثم الشمس، ثم المرِّيخ، ثم المُشْتَرِي، ثم زُحَل، والثامن فلك البروج، والتاسع الفلك الأعظم. والفلك واحد أفلاك النجوم. قال أبو عمرو: ويجوز أن يجمع على فُعْلٍ مثل أَسَدٍ وأُسْد وخَشَبٍ وخُشْب. وأصل الكلمة من الدوران، ومنه فَلْكة المِغزل؛ لاستدارتها. ومنه قيل: فَلَّك ثديُ المرأة تفليكاً، وتَفلَّك استدار. وفي حديث ابن مسعود: تركت فرسي كأنه يدور في فلك. كأنه لدورانه شبهه بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم. قال ابن زيد: الأفلاك مجاري النجوم والشمس والقمر. قال: وهي بين السماء والأرض. وقال قتادة: الفلك استدارة في السماء تدور بالنجوم مع ثبوت السماء. وقال مجاهد: الفلك كهيئة حديد الرحى وهو قطبها. وقال الضحاك: فلكها مجراها وسرعة مسيرها. وقيل: الفلك موج مكفوف ومجرى الشمس والقمر فيه؛ والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منبهاً على قدرته التامة، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء، وقهره لجميع المخلوقات، فقال: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أي: الجاحدون لإلهيته، العابدون معه غيره، ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق، المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد معه غيره، أو يشرك به ما سواه، ألم يروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً، أي: كان الجميع متصلاً بعضه ببعض، متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه، فجعل السموات سبعاً، والأرض سبعاً، وفصل بين السماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء، وأنبتت الأرض، ولهذا قال: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} أي: وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئاً فشيئاً عياناً، وذلك كله دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء.شعر : فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَة تَدُل عَلَى أَنَّهُ واحِدُتفسير : قال سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة قال: سئل ابن عباس: الليل كان قبل أو النهار؟ فقال: أرأيتم السموات والأرض حين كانتا رتقاً، هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار. وقال ابن ابي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا حاتم عن حمزة بن أبي محمد، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر: أن رجلاً أتاه يسأله عن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما. قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله، ثم تعال فأخبرني بما قال لك، قال: فذهب إلى ابن عباس فسأله، فقال ابن عباس: نعم، كانت السموات رتقاً لا تمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت، فلما خلق للأرض أهلاً، فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره، فقال ابن عمر: الآن قد علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علماً، صدق، هكذا كانت، قال ابن عمر: قد كنت أقول: ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن علمت أنه قد أوتي في القرآن علماً. وقال عطية العوفي: كانت هذه رتقاً لا تمطر، فأمطرت، وكانت هذه رتقاً لا تنبت، فأنبتت. وقال إسماعيل بن أبي خالد: سألت أبا صالح الحنفي عن قوله: {أَنَّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَـٰهُمَا} قال: كانت السماء واحدة، ففتق منها سبع سموات، وكانت الأرض واحدة، ففتق منها سبع أرضين، وهكذا قال مجاهد، وزاد: ولم تكن السماء والأرض متماستين. وقال سعيد بن جبير: بل كانت السماء والأرض ملتزقتين، فلما رفع السماء وأبرز منها الأرض، كان ذلك فتقهما الذي ذكر الله في كتابه. وقال الحسن وقتادة: كانتا جميعاً، ففصل بينهما بهذا الهواء. وقوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ} أي: أصل كل الأحياء منه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة أنه قال: يا نبي الله إذا رأيتك، قرت عيني، وطابت نفسي، فأخبرنا عن كل شيء، قال: «حديث : كل شيء خلق من ماء»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا همام عن قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتك، طابت نفسي، وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء، قال: «حديث : كل شيء خلق من ماء» تفسير : قال: قلت: أنبئني عن أمر إذا عملت به، دخلت الجنة، قال: «حديث : أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام»تفسير : ورواه أيضاً عن عبد الصمد وعفان وبهز عن همام، تفرد به أحمد، وهذا إسناد على شرط الصحيحين، إلا أن أبا ميمونة من رجال السنن، واسمه سليم، والترمذي يصحح له، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلاً، والله أعلم. وقوله: {وَجَعَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ} أي: جبالاً أرسى الأرض بها، وقررها وثقلها؛ لئلا تميد بالناس، أي: تضطرب وتتحرك، فلا يحصل لهم قرار عليها؛ لأنها غامرة في الماء إلا مقدار الربع؛ فإنه باد للهواء والشمس؛ ليشاهد أهلها السماء وما فيها من الآيات الباهرات، والحكم والدلالات، ولهذا قال: {أَن تَمِيدَ بِهِمْ} أي: لئلا تميد بهم. وقوله: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً} أي، ثغراً في الجبال يسلكون فيها طريقاً، من قطر إلى قطر، ومن إقليم إلى إقليم، كما هو المشاهد في الأرض يكون الجبل حائلاً بين هذه البلاد وهذه البلاد، فيجعل الله فيه فجوة ثغرة؛ ليسلك الناس فيها من ههنا إلى ههنا، ولهذا قال: {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}. وقوله: {وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً} أي: على الأرض، وهي كالقبة عليها، كما قال: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } تفسير : [الذاريات: 47] وقال: {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَـٰهَا} تفسير : [الشمس: 5] {أية : أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} تفسير : [ق: 6] والبناء هو نصب القبة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : بني الإسلام على خمس» تفسير : أي: خمسة دعائم، وهذا لا يكون إلا في الخيام كما تعهده العرب {مَّحْفُوظاً} أي: عالياً محروساً أن ينال. وقال مجاهد: مرفوعاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي عن أبيه عن أشعث، يعني: ابن إسحاق القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال رجل: يا رسول الله ما هذه السماء؟ قال: «حديث : موج مكفوف عنكم» تفسير : إسناده غريب. وقوله: {وَهُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ} كقوله: {أية : وَكَأَيِّن مِّن ءَايَةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105] أي: لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من الاتساع العظيم، والارتفاع الباهر، وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها ونهارها من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكامله في يوم وليلة، فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا الله الذي قدرها وسخرها وسيرها. وقد ذكر ابن أبي الدنيا رحمه الله في كتابه "التفكر والاعتبار": أن بعض عباد بني إسرائيل تعبد ثلاثين سنة، وكان الرجل منهم إذا تعبد ثلاثين سنة، أظلته غمامة، فلم ير ذلك الرجل شيئاً مما كان يحصل لغيره، فشكا ذلك إلى أمه، فقالت له: يا بني فلعلك أذنبت في مدة عبادتك هذه؟ فقال: لا، والله ما أعلمه، قالت: فلعلك هممت؟ قال: لا، ولا هممت، قالت: فلعلك رفعت بصرك إلى السماء ثم رددته بغير فكر؟ فقال: نعم كثيراً، قالت: فمن ههنا أتيت. ثم قال منبهاً على بعض آياته: {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَـٰرَ} أي: هذا في ظلامه وسكونه، وهذا بضيائه وأنسه، يطول هذا تارة، ثم يقصر أخرى، وعكسه الآخر {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} هذه لها نور يخصها، وفلك بذاته، وزمان على حدة، وحركة وسير خاص، وهذا بنور آخر، وفلك آخر، وسير آخر، وتقدير آخر {كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أي: يدورون. قال ابن عباس: يدورون كما يدور المغزل في الفلكة، قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة، ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدورون إلا به، ولا يدور إلا بهن؛ كما قال تعالى: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} تفسير : [الأنعام: 96].
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَوَلَمْ } بواو وتركها {يَرَ } يعلم {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً } سدّاً بمعنى مسدودة {فَفَتَقْنَٰهُمَا } جعلنا السماء سبعاً والأرض سبعاً أوفتق السماء أن كانت لا تمطر فأمطرت، وفتقُ الأرض: إن كانت لا تُنبت فأنبتت {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ } النازل من السماء والنابع من الأرض {كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ } من نبات وغيره: أي فالماء سبب لحياته {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } بتوحيدي؟
الماوردي
تفسير : قوله عز جل: {أَنَّ السَّموَاتِ وَألأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين ففتق الله بينهما بالهواء، قاله ابن عباس. الثاني: أن السموات كانت مرتتقة مطبقة ففتقها الله سبع سموات وكانت الأرض كذلك ففتقها سبع أرضين، قاله مجاهد. الثالث: أن السموات كانت رتقاً لا تمطر، والأرض كانت رتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات، قاله عكرمة، وعطية، وابن زيد. والرتق سدُّ، والفتق شق، وهما ضدان، قال عبد الرحمن بن حسان: شعر : يهون عليهم إذا يغضبو ن سخط العداة وإرغامُها ورتق الفتوق وفتق الرتو ق ونقض الأمور وإبرامها تفسير : {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن خلق كل شيء من الماء، قاله قتادة. الثاني: حفظ حياة كل شيء حي بالماء، قاله قتادة. الثالث: وجعلنا من ماء الصلب كل شيء حي، قاله قطرب. {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} يعني أفلا يصدقون بما يشاهدون. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ} والرواسي الجبال، وفي تسميتها بذلك وجهان: أحدهما: لأنها رست في الأرض وثبتت، قال الشاعر: شعر : رسا أصله تحت الثرى وسما به إلى النجم فرعٌ لا يزال طويل تفسير : الثاني: لأن الأرض بها رست وثبتت. وفي الرواسي من الجبال قولان: أحدهما: أنها الثوابت: قاله قطرب. الثاني: أنها الثقال قاله الكلبي. {أَن تَمِيدَ بِهِم} فيه وجهان: أحدهما: لئلا تزول بهم. الثاني: لئلا تضطرب بهم. الميد الاضطراب. {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً} في الفجاج وجهان: أحدهما: أنها الأعلام التي يهتدى بها. الثاني: الفجاج جمع فج وهو الطريق الواسع بين جبلين. قال الكميت: شعر : تضيق بنا النجاح وهنّ فج ونجهل ماءها السلم الدفينا تفسير : {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} فيه وجهان: أحدهما: سبل الاعتبار ليهتدوا بالاعتبار بها إلى دينهم. الثاني: مسالك ليهتدوا بها إلى طرق بلادهم. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: محفوظاً من أن تسقط على الأرض. الثاني: محفوظاً من الشياطين، قاله الفراء. الثالث: بمعنى مرفوعاً، قاله مجاهد. ويحتمل رابعاً: محفوظاً من الشرك والمعاصي. قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} فيه قولان: أحدهما: أن الفلك السماء، قاله السدي. الثاني: أن القطب المستدير الدائر بما فيه من الشمس والقمر والنجوم ومنه سميت فلكة المغزل لاستدارتها، قال الشاعر: شعر : باتت تقاسي الفلك الدّوار حتى الصباح تعمل الأقتار تفسير : وفي استدارة الفلك قولان: أحدهما: أنه كدوران الأكرة. الثاني: كدوران الرحى قاله الحسن، وابن جريج. واختلف في الفلك على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه السماء تدور بالشمس والقمر والنجوم. الثاني: أنه استدارة في السماء تدور فيها النجوم مع ثبوت السماء، قاله قتادة. الثالث: أنها استدارة بين السماء والأرض تدور فيها النجوم، قاله زيد بن أسلم. {يَسْبَحُونَ} وجهان: أحدهما: يجرون، قاله مجاهد. الثاني: يدورون قاله ابن عباس، فعلى الوجه الأول يكون الفلك مديرها، وعلى الثاني تكون هي الدائرة في الفلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {رَتْقاً} ملتصقتين ففتق الله ـ تعالى ـ عنهما بالهواء "ع" أو كانت السموات مرتتقة مُطبقة ففتقها سبعاً وكذلك الأرض، أو السماءَ رتقاً لا تُمطر ففتقها بالمطر، والأرض لا تنبت ففقتها بالنبات، الرَتقُ: السد، والفتقُ: الشق. {كُلَّ شَىْءٍ} خلق كل شيء من الماء، أو حفظ حياة كل حي بالماء، أو أراد ماء الصلب.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} الآيات. اعلم أنه تعالى شرع الآن في الدلائل الدالة على وجود الصانع، وعلى كونه منزهاً عن الشريك، وعلى التوحيد، فتكون كالتوكيد لما تقدم، لأنها دالة على حصول الترتيب العجيب في العالم، ووجود إلهين يقتضي وقوع الفساد. وفيه رَدٌّ على عبدة الأوثان من حيث إن الإله القادر على مثل هذه المخلوقات العظيمة، كيف يجوز في العقل أن يعدل عن عبادته إلى عبادة حجر لا يضر ولا ينفع؟ فهذا وجه النظم. قرأ ابن كثير "أَلَمْ يَرَ" من غير واو، والباقون بالواو. ونظير حذف الواو وإثباتها هنا ما تقدم في البقرة وآل عمران في قوله: {أية : قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} تفسير : [البقرة: 116] {أية : سَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ} تفسير : [آل عمران: 133]، وقد تقدم حكمه، وإدخال الواو يدل على العطف على آخر تقدمه. والرؤية هنا يجوز أن تكون قلبية، وأن تكون بصرية. فـ "أَنَّ" وخبرها سادة مسد مفعولين عند الجمهور على الأول، ومسد واحد والثاني محذوف عند الأخفش. وسادة مسد واحد قط على الثاني. فإن قيل: إن كان المراد بالرؤية البصرية فمشكل، لأن القوم ما رأوهم كذلك ألبتة، ولقوله تعالى: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الكهف: 51]. وإن كان المراد بالرؤية العلم فمشكل، لأن الأجسام قابلة للفتق والرتق في أنفسها فالحكم عليها بالرتق أولاً وبالفتق ثانياً لا سبيل إليه إلا بالسمع والمناظرة مع الكفار المنكرين للرسالة، فكيف يجوز مثل هذا الاستدلال. فالجواب: المراد من الرؤية العلم، وما ذكروه من السؤال فدفعه من وجوه: أحدها: أنا نثبت نبوة محمد - عليه السلام - بسائر المعجزات، ثم نستدل بقوله، ثم نجعله دليلاً على حصول النظام في العالم، وانتفاء الفساد عنه، وذلك يؤكد الدلالة المذكورة في التوحيد. وثانيها: أن يحمل الرتق والفتق على إمكان الرتق والفتق، والعقل يدل عليه لأن الأجسام يصح عليها الاجتماع والافتراق فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصاً. وثالثها: أن اليهود والنصارى كانوا عالمين بذلك، فإنه جاء في التوراة أن الله تعالى خلق جوهرة، ثم نظر إليها بعين إلهية، فصارت ماء، ثم خلق السموات والأرض منها، وفتق بينهما، وكان بين اليهود وعبدة الأوثان نوع صداقة بسبب الاشتراك في عداوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فاحتج الله عليهم بهذه الحجة على أنهم يقبلون قول اليهود في ذلك. قوله: "كَانَتَا" الضمير يعود على "السَّمواتِ والأَرضِ" بلفظ التثنية والمتقدم جمع وفي ذلك أوجه: أحدها: ما ذكره الزمخشري فقال: وإنما قال "كَانَتَا" دون كُنَّ، لأن المراد جماعة السموات وجماعة الأرضين، ومنه قولهم: لقاحان سوداوان، أي: جماعتان، فعل في المضمر ما فعل في المظهر. الثاني: قال أبو البقاء: الضمير يعود على الجنسين. الثالث: قال الحوفي: "كَانَتَا رَتْقَاً"، و "السَّمواتِ" جمع، لأنه أراد الصنفين. قال الأسود بن يعفر: شعر : 3709- إِنَّ المَنِيَّةَ وَالحُتُوفَ كِلاَهُمَا يُوفِي المخَارِمَ يَرْقُبَان سَوَادِي تفسير : لأنه أراد النوعين. وتبعه ابن عطية في هذا فقال: وقال: "كَانَتَا" من حيث هما نوعان ونحوه قول عمرو بن شُيَيْم: شعر : 3710- أَلَمْ يَحْزُنْكَ أن حِبَالَ قَيْسٍ وتَغْلِبَ قَدْ تَبَايَنَتَا انْقِطَاعَا تفسير : قال الأخفش: "السَّموات" نوع، والأرض نوع، ومثله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ} تفسير : [فاطر: 41]. ومن ذلك: أصلحنا بين القومين، ومرت بنا غنمان أسودان، لأن هذا القطيع غنم، وذاك غنم. و "رَتْقَاً" خبر، ولم يثن لأنه في الأصل مصدر، ثم لك أن تجعله قائماً مقام المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق أو تجعله على حذف مضاف أي: ذواتي رتق. وهذه قراءة الجمهور. وقرأ الحسن وزيد بن علي وأبو حيوة وعيسى "رَتَقاً" بفتح التاء وفيه وجهان: أحدهما: أنه مصدر أيضاً، ففيه الوجهان المتقدمان في الساكن التاء. والثاني: أنه فعل بمعنى مفعول كالقَبض والنَّفَض بمعنى المقبوض والمنفوض، وعلى هذا فكان ينبغي أن يطابق مخبره في التثنية. وأجاب الزمخشري عن ذلك فقال: هو تقدير موصوف، أي: كانتا شيئاً رتقاً. وقال المفضل: لم يقل: كانتا رتقين كقوله: {أية : وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ} تفسير : [الأنبياء: 8] وحدّ "جسداً" كذلك ما نحن فيه كل واحد رتق. ورجح بعضهم المصدرية بعدم المطابقة في التثنية، وقد عرف جوابه وله أن يقول: الأصل عدم حذف الموصوف، فلا يصار إليه دون ضرورة والرتق: الانضمام، ارتتق حلقه أي: انضم، وامرأة رتقاء أي: منسدة الفرج فلم يمكن جماعها من ذلك. والفتق: فصل ذلك المرتتق. وهو من أحسن البديع هنا حيث قابل الرتق بالفتق. فصل قال ابن عبَّاس في رواية عكرمة والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: كانتا شيئاً واحداً ملتزمين ففصل الله بينهما، ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض. وهذا القول يوجب أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء، لأنه تعالى لما فصل بينهما جعل الأرض حيث هي، وأصعد الأجزاء السماوية. قال كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين، ثم خلق ريحاً توسطتهما ففتقتهما. وقال مجاهد والسدي: كانت السموات مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سموات، وكذلك الأرض مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع أرضين. وقال ابن عباس في رواية عطاء وأكثر المفسرين: إن السموات كانت رتقاً مستوية صلبة لا تمطر، والأرض رتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} تفسير : [الطارق: 11، 12] ورجحوا ذلك الوجه بقوله بعد ذلك: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}، وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم، وهو ما ذكرنا فإن قيل: هذا الوجه مرجوح، لأن المطر لا ينزل من السموات بل من سماء واحدة، وهي سماء الدنيا. فالجواب: إنما أطلق عليه لفظ الجمع، لأن كل قطعة منها سماء، كما يقال: ثوب أخلاق، وبُرْمَة أَعْشَار. وعلى هذا التأويل فتحمل الرؤية على الإبصار. وقال أبو مسلم: يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد والإظهار كقوله: {أية : فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام:14] [الشورى:11]، وكقوله: {أية : بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ} تفسير : [الأنبياء: 56] فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق، وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق. وتحقيقه أن العدم نفي محض، فليس فيه ذوات وأعيان متباينة بل كأنه أمر واحد متصل متشابه، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكوين يتميز بعضها من بعض، وينفصل بعضها عن بعض. فبهذا الطريق يحسن جعل الرتق مجازاً عن العدم، والفتق عن الوجود. وقيل: إن الليل سابق النهار لقوله: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ} تفسير : [يس: 37] فكانت السمٰوات والأرض مظلمة أولاً ففتقها الله بإظهار النهار المبصر. واعلم أن دلالة هذه الوجوه على إثبات الصانع ووحدانيته ظاهرة لأن أحداً لا يقدر على مثل ذلك. قوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلمَاءِ كُلَّ شيءٍ حَيٍّ} يجوز في "جَعَلَ" هذه أن يكون بمعنى "خَلَقَ" فيتعدى لواحد، وهو {كُلَّ شيءٍ حَيٍّ} و "من الماء" متعلق بالفعل قبله، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه من "كُلَّ شَيءٍ" لأنه في الأصل يجوز أن يكون وصفاً له فلما قدم عليه نصب على الحال. ومعنى خلقه من الماء: أحد شيئين: إما شدة احتياج كل حيوان للماء فلا يعيش بدونه، وإما لأنه مخلوق من النطفة التي تسمى ماء. ويجوز أن يكون (جَعَلَ) بمعنى (صَيَّر) فيتعدى لاثنين ثانيهما الجار بمعنى أنا صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه. والعامة على خفض "حَيٍّ" صفة لشيء. وقرأ حميد بنصبه على أنه مفعول ثان لـ "جعلنا" والظرف لغو، ويبعد على هذه القراءة أن يكون "جَعَلَ" بمعنى (خلق)، وأن ينتصب "حياً" على الحال. قال الزمخشري: و "مِنْ" في هذا نحو "مِنْ" في قوله عليه السلام "حديث : ما أنا مِنْ دَدٍ وَلاَ الدَّدُ مِنَّي ". تفسير : فإن قيل: كيف قال: خلقنا من الماء كل حيوان، وقد قال: {أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} تفسير : [الحجر: 27]، وقال عليه السلام: "حديث : إن الله تعالى خلق الملائكة من النور"تفسير : ، وقال في عيسى: {أية : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي} تفسير : [المائدة: 110]، وقال في حق آدم: {أية : خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران: 59] فالجواب: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة المخصصة قائمة، فإن الدليل لا بد وأن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك. فصل قال بعض المفسرين: المراد بقوله: {كُلَّ شيءٍ حيٍّ} الحيوان فقط. وقال آخرون: بل يدخل فيه النبات، لأنه من الماء صار نامياً، وصار فيه الرطوبة والخضرة والنور والثمر. وهذا القول أليق بالمقصود، لأن المعنى كأنه قال: ففتقنا السماء لإنزال المطر وجعلنا منه كل شيء في الأرض من النبات وغيره حياً. فإن قيل: النبات لا يسمى حياً. فالجواب: لا نسلم، ويدل عليه قوله تعالى {أية : كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} تفسير : [الروم: 50]. ثم قال {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} والمعنى أفلا يؤمنون بأن يتدبروا هذه الأدلة فيعملوا بها ويتركوا طريقة الشرك. قوله: {وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ} الرواسي الجبال، والراسي: هو الداخل في الأرض. قوله: "أن تَمِيدَ" مفعول من أجله، أي: أن لا تميد، فحذفت "لا" لفهم المعنى كما زيدت في {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الحديد: 29]، أو كراهة أن تميد وقدره أبو البقاء فقال: مخافة أن تميد وفيه نظر، لأنا إن جعلنا المخافة مسندة إلى المخاطبين اختل شرط من شروط النصب في المفعول وهو اتحاد الفاعل. وإن جعلناها مسندة لفاعل الجعل استحال ذلك، لأنه تعالى لا يسند إليه الخوف. وقد يقال يختار أن يسند المخافة إلى المخاطبين، وقولكم يختل شرط من شروط النصب جوابه: أنه ليس بمنصوب بل مجرور بحرف الجر المقدر، وحذف حرف الجر مطرد مع أنَّ وأَنْ بشرطه. فصل قال ابن عباس: إن الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ بأهلها كما تكفأ السفينة فأرساها الله بالجبال الثقال. قوله: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً} وجهان: أحدهما: أنه (مفعول به) و "سُبُلاً" بدل منه. والثاني: أنه منصوب على الحال من "سُبُلاً"، لأنه في الأصل صفة له فلما قدم انتصب كقوله: شعر : 3711- لِمَيَّةَ مُوحِشاً طَلَلُ يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ تفسير : ويدل على ذلك مجيئه صفة في قوله تعالى {أية : لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} تفسير : [نوح: 20]. وقال الزمخشري: فإن قلت: في الفجاج معنى الوصف فما لها قدمت على السبل ولم تؤخر كقوله تعالى: {أية : لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} تفسير : [نوح: 20]، قلت: لم تقدم وهي صفة، ولكن جعلت حالاً كقوله: شعر : 3712- لعزَّةَ مُوحِشاً طَلَلٌ قَدِيمُ تفسير : فإن قلت: ما الفرق بينهما من جهة المعنى؟ قُلْتُ: أحدهما: إعلام بأنه جعل فيها طرقاً واسعة، والثاني: أنه حين خلقها على تلك الصفة فهو بيان لما أبهم ثمة. قال أبو حيان: يعني بالإبهام أن الوصف لا يلزم أن يكون الموصوف متصفاً به حالة الإخبار عنه، وإن كان الأكثر قيامه به حالة الإخبار عنه، ألا ترى أنه يقال: مررت بوحشيّ القاتل حمزة، وحالة المرور لم يكن قائماً به قتل حمزة. والفَجُّ الطَّرِيقُ الوَاسِعُ، والجمع الفِجَاج. والضمير في "فيها" يجوز أن يعود على الأرض وهو الظاهر كقوله {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} تفسير : [نوح: 19، 20]. وأن يعود على الرواسي، يعني أنه جعل في الجبال طرقاً واسعة وهو قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس وعن ابن عمر قال: كانت الجبال منضمة فلما أغرق الله قوم نوح فرّقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً. وقوله {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي لكي يهتدوا إذ الشك لا يجوز على الله. والمعنى: ليهتدوا إلى البلاد. وقيل: ليهتدوا إلى وحدانية الله بالاستدلال قالت المعتزلة: وهذا يدل على أنه تعالى أراد من جميع المكلفين الاهتداء وقد تقدم. وقيل: الاهتداء إلى البلاد والاهتداء إلى وحدانية الله تعالى يشتركان في أصل الاهتداء، فيحمل اللفظ على ذلك المشترك مستعملاً في مفهوميه معاً. قوله: {وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً} سميت سقفاً، لأنها كالسقف للبيت، ومعنى "محفوظاً" أي: محفوظاً من الوقوع كقوله: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ} تفسير : [الحج: 65]. وقيل: محفوظاً من الشياطين. قوله: {وَهُمْ عَنْ ءَايَاتِهَا} جملة استئنافية، ويضعف جعلها حالاً مقدرة. وقرأ مجاهد وحميد "عَنْ آيَتِهَا" بلفظ الإفراد. دعا الخلق آية وهي مشتملة على آيات، أو أطلق الواحد وأراد به الجنس والمعنى: أن الكفار معرضون عما خلق في السماء من الشمس والقمر والاستيضاء بنوريهما، والنجوم والاهتداء بها، وحياة الأرض بأمطارها، وعن كونها آية بينة على وجود الصانع ووحدانيته لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أي: كل منهما من الشمس والقمر أو منها أي من الليل والنهار والشمس والقمر. و "يَسْبَحُون" يجوز أن يكون خبر "كُلٌّ" على المعنى، و "في فَلَكٍ" متعلق به. ويجوز أن يكون حالاً والخبر "في فَلَكٍ". وكون المضاف إليه يجوز أن يقدر بالأربعة الأشياء المذكورة ذكره أبو البقاء ولم يذكر غيره، إلا أن المضاف إليه (الشَّمْس والقَمَر) وهو الظاهر، لأن السباحة من صفتهما دون (اللَّيلِ والنَّهَارِ)، وعلى هذا فيتعذر عن الإتيان بضمير الجمع، وعن كونه جمع من يعقل، أما الأول فقيل: إنما جمع، لأن ثم معطوفاً محذوفاً تقديره: والنجوم كما دلت عليه آيات أخر، فصارت النجوم وإن لم تكن مذكورة يعود هذا الضمير إليها. وقال الزمخشري: الضمير للشمس والقمر، والمراد بهما جنس الطوالع كل يوم وليلة جعلوها متكاثرة لتكاثر مطالعها، وهو السبب في جمعها بالشموس والأقمار. انتهى. والذي حسن ذلك كونه رأس آية. وقال أبو البقاء: و "يَسْبَحُونَ" خبر "كُلٌّ" على المعنى، لأن كل واحد إذا سبح فكلها تَسْبَح. وقيل: "يسبحون" على هذا الوجه حال، والخبر "في فَلَكٍ". وقيل: التقدير: وكلها، والخبر "يَسْبَحُونَ" وأتى بضمير الجمع على معنى "كل". وفي هذا الكلام نظر من حيث أنه لما جوز أن يكون المضاف إليه شيئين جعل الخبر الجار و "يَسْبَحُونَ" حالاً فراراً من عدم مطابقة الخبر للمبتدأ، فوقع في تخالف الحال وصاحبها. وأما الثاني فلأنه لمَّا أسند إليها السباحة التي هي من أفعال العقلاء جمعها جمع العقلاء كقوله: {أية : رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} تفسير : [يوسف: 4] و {أية : أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11]. قال الزمخشري: والتنوين في "كل" عوض عن المضاف إليه أي: كلهم. {فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} وهذه الجملة يجوز أن تكون لا محل لها من الإعراب لاستئنافها ويجوز أن يكون محلها النصب على الحال من "الشَّمْسِ والقَمَرِ". فإن قلنا: إن السباحة تنسب إلى الليل والنهار كما نقل عن أبي البقاء في أحد الوجهين فيكون حالاً من الجميع، وإن كان لا يصح نسبتها إليهما كانت حالاً من "الشَّمْسِ والقمر" وتأويل الجمع قد تقدم. قال أبو حيان: أو محلها النصب على الحال من "الشمس والقمر" لأن الليل والنهار لا يتصفان بأنهما يجريان في فَلَكٍ فهو كقولك: رأيت هنداً وزيداً (متبرجة). انتهى. وسبقه إلى هذا الزمخشري، يعني أنه قد دل على أن الحال من بعض ما تقدم كما في المثال المذكور، قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: لكل واحد من القمرين فَلَكٌ على حدة فكيف قال: {فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}. قُلْت: هذا كقولهم: كساهم الأمير حلة وقلدهم سيفاً أي: كل واحد منهم. والسباحة العوم في الماء، وقد يعبر به عن مطلق الذهاب وقد تقدم اشتقاقه في "سُبْحَانَكَ". ومعنى "يَسْبَحُونَ" يسيرون بسرعة كالسابح في الماء. فصل اعلم أن للكواكب حركتين الأولى: مجمع عليها وهي حركتها من المشرق إلى المغرب. والحركة الثانية: قالت الفلاسفة وأصحاب الهيئة: إن للكواكب حركة أخرى من المغرب إلى المشرق، قالوا: وهي ظاهرة في السبعة السيارة خفية في الثابتة، واستدلوا بأنا وجدنا الكواكب السيارة كل ما كان منها أسرع حركة إذا قارن ما هو أبطأ حركة منه تقدمه نحو المشرق. وهذا في القمر ظاهر جداً، فإنه يظهر بعد الاجتماع بيوم أو يومين من ناحية المغرب على بعد من الشمس، ثم يزداد كل ليلة بعداً منها إلى أن يقابلها وكل كوكب كان شرقياً منه على طريقه على ممر البروج يزداد كل ليلة قرباً منه، ثم إذا أدركه ستره بطرفه الشرقي، وينكشف ذلك الكوكب بطرفه الغربي. فعلمنا أن لهذه الكواكب السيارة حركة من المغرب إلى المشرق. وأجيبوا: بأن ذلك محال، لأن الشمس مثلاً إذا كانت متحركة بذاتها من المغرب إلى المشرق حركة بطيئة، وهي متحركة بسبب الحركة اليومية من المشرق إلى المغرب لزم كون الجرم الواحد متحركاً حركتين إلى جهتين مختلفتين دفعة واحدة، وذلك محال، لأن التحرك إلى جهة يقتضي حصول المتحرك في الجهة المنتقل إليها، فلو تحرك الجسم الواحد دفعة واحدة إلى جهتين لزم حصوله دفعة واحدة في مكانين، وهو محال. قالوا: ما ذكرتموه ينتقض بما إذا دارت الرحى إلى جانب والنملة التي تكون عليها متحركة على خلاف ذلك الجانب. وللكلام في هذه المسألة مكان غير هذا. فصل والفَلَكُ مدار النجوم، والفَلَكُ في كلام العرب كل مستدير وجمعه أَفْلاَك، ومنه فلك المغزل. قال الضحاك: الفلك ليس بجسم، وإنما هو مدار هذه النجوم. وقال الكلبي: الفلك استدارة السماء. وقال بعضهم: الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقيل: ماء مجموع تجري فيه الكواكب. واحتجوا بأن السباحة لا تكون إلا في الماء. وأجيبوا بالمنع، فإنه يقال في الفرس الذي يمدّ يديه في الجري: سابح. وقال الحسن: الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل. وقال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة: الأفلاك أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق والالتئام والنمو والذبول. واختلف الناس في حركات الكواكب، فقال بعضهم: الفلك ساكن والكواكب تتحرك فيه كحركة السمكة في الماء، وقال آخرون: الفلك متحرك، والكواكب تتحرك فيه أيضاً إما مخالفاً لجهة حركته، أو موافقاً لجهته إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء أو مخالفة. وقيل: الفلك متحرك والكواكب مغروزة فيه. أما الأول فقالت الفلاسفة إنه باطل، لأنه يوجب خرق الفلك وهو محال. وأما الثاني فحركة الكواكب إن كانت مخالفة لحركة الفلك فذلك أيضاً يوجب الخرق، وإن كانت حركتها إلى جهة حركة الفلك فإن كانت مخالفة لها في السرعة والبطء لزم الانخراق، وإن استويا في الجهة والسرعة والبطء فالخرق أيضاً لازم، لأن الكوكب يتحرك بالعرض بسبب حركة الفلك فتبقى حركته الذاتية زائدة فيلزم الخرق. فلم يبق إلا القسم الثالث، وهو أن يكون الكوكب مغروزاً في الفلك، والفلك يتحرك، فيتحرك الكوكب بسبب حركة الفلك. واعلم أن مدار هذا الكلام على أن امتناع الخرق على الأفلاك باطل، بل الحق أن الأقسام الثلاثة ممكنة، والله تعالى قادر على كل الممكنات والذي دل عليه لفظ القرآن أن الأفلاك ثابتة والكواكب جارية كما تسبح السمكة في الماء. فصل احتج ابن سينا على كون الكواكب أحياء ناطقة بقوله "يَسْبَحُونَ" قال: والجمع بالواو والنون لا يكون إلا للعقلاء، وبقوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} تفسير : [يوسف: 4]. والجواب إنما أتى بضمير العقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا}. داخَلَتْهُم الشبهةُ في إعادة الخلْقِ والقيامةِ والنَّشْرِ، فأقام الله الحجةَ عليهم بأن قال: أليسوا قد عَلِمُوا أنه خلق السموات والأرض؛ سَمَكَ السماء وبَسَط الأرض.. فإذا قدر على ذلك فكيف لا يقدر على الإعادة بعد الإبادة؟ قوله جل ذكره: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ}. كُلُّ شيءٍ مخلوقٍ حيِّ فَمِنَ الماء خَلْقُه، فإنَّ أصلَ الحيوان الذي حَصَلَ بالتناسل النطفةُ، وهي من جملة الماء. وحياة النفوس بماء السماء من حيث الغذاء، وحياة القلوب بماء الرحمة، وحياة الأسرار بماء التعظيم. وأقوام حياتُهم بماءِ الحياء.. وعزيزٌ هُمْ.
اسماعيل حقي
تفسير : {أولم ير الذين كفروا} الهمزة لانكار نفى الرؤية وانكار النفى نفى له ونفى النفى اثبات والواو للعطف على مقدر والرؤية قلبية لا بصرية حتى لا يناقض قوله تعالى {أية : ما اشهدتهم خلق السموات والارض}تفسير : والمعنى ألم يتفكروا او ألم يستفسروا من العلماء او ألم يطالعوا الكتب او ألم يسمعوا الوحى ولم يعلموا {ان السموات والارض كانتا} ثنى الضمير الراجع الى الجمع باعتبار ان المرجع اليه جماعتان {رتقا} على حذف المضاف اى ذواتى رتق بمعنى ملتزقتين ومنضمتين لافضاء بينهما ولا فرج فان الرتق هو الضم والالتحام خلقة كان او صنعه {ففتقناهما} الفتق الفصل بين المتصلين وهو ضد الرتق اى ففصلنا وفرقنا احداهما عن الاخرى بالريح وفى الحديث المشهور"حديث : اول ما خلق الله جوهرة فنظر اليها بنظر الهيبة فذابت وارتعدت من خوف ربها فصارت ماء ثم نظر اليها نظر الرحمة فجمد نصفها فخلق منه العرش وارتعد العرش فكتب عليه لا اله الا الله محمد رسول الله فسكن العرش فترى الماء يرتعد الى يوم القيامة"تفسير : وذلك قوله تعالى {أية : وكان عرشه على الماء} تفسير : اى العذب (ثم حصل من تلاطم الماء ادخنة متراكمة بعضها على بعض وزبد فخلق منها السموات والارض طباقا وكانتا رتقا وخلق الريح فيها ففتق بين طباق السماوات وطباق الارض) كما اخبر بقوله {أية : ثم استوى الى السماء وهى دخان} تفسير : وانما خلقها من دخان ولم يخلقها من بخار لان الدخان خلق متماسك الاجزاء يستقر عند منتهاه والبخار يتراجع وذلك من كمال علمه وحكمته (ثم بعد ذلك مد الزبد على وجه الماء ودحاه فصار ارضا بقدرته) وذلك قوله تعالى {أية : والارض بعد ذلك دحاها}تفسير : [وكفته اند آسمان بسته بود ازوى باران نمى آمد وزمين بستة بود ازو كياه نمى رست ما آن را بباران واين را بكياه كشاديم] يعنى فتق السماء وهى اشد الاشياء واصلبها بألين الاشياء وهو الماء وكذلك فتق الارض بألين الاشياء وهو النبات مع شدتها وصلابتها. فان قيل المفتوقة بالمطرهى سماء الدنيا فما معنى الجمع. قلنا جمع السموات لان لها مدخلا فى الامطار اذا لتأثير انما يحصل من جهة العلو. واعلم ان الفتق صفة الله تعالى كالعلم والقدرة وغيرهما فهو ازلى والمفتوق حادث بحدوث التعلق كما فى العلم وغيره من الصفات التى لا يلزم من قدمها قدم متعلقاتها فتكون تعلقاتها حادثة. فقول البيضاوى ان الفتق عارضا خطأ كما فى بحر العلوم {وجعلنا} خلقنا {من الماء} الماء جسم سيال قد احاط حول الارض {كل شئ حى} اى كل حيوان عرف الماء باللام قصدا الى الجنس اى جعلنا مبدأ كل شئ حى من هذا الجنس اى جنس الماء وهو النطفة كما فى قوله تعالى {أية : والله خلق كل دابة من ماء}تفسير : اى كل فرد من افراد الدواب من نطفة معينة هى نطفة ابيه المختصة به او كل نوع من انواع الدواب من نوع من انواع المياه وهو نوع النطفة التى تختص بذلك النوع من الدواب. يقول الفقير قدفرقوا بين الحى والحيوان بان كل حيوان حى وليس كل حى حيوانا كالملك فالظاهر ما جاء فى بعض الروايات من (ان الله تعالى خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء وآدم من تراب خلقه منه والجن من نار خلقها منه). وقال بعضهم يدخل فى الآية النبات والشجر لنمائهما بالماء والحياة قد تطلق على القوة النامية الموجودة فى النبات والحيوان كما فى المفردات ويدل على حياتهما قوله تعالى {أية : يحيى الارض بعد موتها}تفسير : كما فى الكبير {أفلا يؤمنون}[آيا نمى كردند مشركان باوجود اين آيات واضحه}. وفى التأويلات النجمية يشير {بقوله أولم ير الى ففتقناهما} الى ان ارواح المؤمنين والكافرين خلقت قبل السماوات والارض كما قال عليه السلام "حديث : ان الله خلق الارواح قبل الاجساد بالفى الف عام"تفسير : وفى رواية "حديث : باربعة آلاف سنة وكان خلق السموات والارض بمشهد من الارواح وكانتا شيئا واحدا"تفسير : كما جاء فى الحديث المشهور"حديث : اول ما خالق الله جوهرة"تفسير : ويشير بقوله {وجعلنا من الماء كل شئ حى} الى انه تعالى خلق حياة كل ذى حياة من الحيوانات من الماء الذى عليه عرشه وذلك ان الجوهرة التى هى مبدأ الموجودات وهى الروح الاعظم خلقت ارواح الانسان والملك من اعلاها وخلقت ارواح الحيوانات والدواب من اسفلها وهى الماء كما قال (والله خلق كل دابة من ماء) وكان ذلك كله بمشهد الارواح فلذلك قال {أفلا يؤمنون} اى أفلا يؤمنون بما خلقنا بمشهد من ارواحهم انتهى. واعلم ان المراد من رؤية الآيات الانتقال منها الى رؤية صانعها رؤية قلبية هى حقيقة الايمان - روى - ان عليا رضى الله عنه صعد المنبر يوما وقال سلونى عما دون العرش فان ما بين الجوانح علم جم هذا لعاب رسول الله فى فمى هذا ما رزقنى رسول الله رزقا فوالذى نفسى بيده لو اذن للتوراة والانجيل ان يتكلما فاخبرت بما فيهما لصدّقانى على ذلك وكان فى المجلس رجل يمانى فقال ادعى هذا الرجل دعوى عريضة لأفضحنه فقام وقال اسأل قال سل تفقها ولا تسأل تعنتا فقال انت حملتنى على ذلك هل رأيت ربك يا علىّ قال ما كنت اعبد ربا لم اره فقال كيف رأيت قال لم تره العيون بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقيقة الايمان ربى احد واحد لا شريك له احد لا ثانى له فرد لا مثل له لا يحويه مكان ولا يداوله زمان ولا يدرك بالحواس ولا يقاس بالقياس فسقط اليمانى مغشيا عليه فلما افاق قال عاهدت الله ان لا اسأل تعنتا: قال الشيخ المغربى قدس سره شعر : نخست ديده طلب كن بس آنكهى ديدار ازانكه يار كند جلوه بر اولو الابصار تفسير : وقال الخجندى قدس سره شعر : بيدارشو آنكه طب آن روى كه هركز درخواب جنين دولت بيدار نيابى تفسير : ازال الله عنا الغين والغفلة والحجاب وفتح بصائرنا الى جناب جمال المهيمن الوهاب انه رب الارباب ومسبب الاسباب.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {فِجَاجًا} : حال من "سُبل"، وأصله: وصف له، فلما تقدم أُعرب حالاً. وقيل {سُبُلاً}: بدل من {فجاجًا}. وفي إتيانه: إيذان أن تلك الفجاج نافذة؛ لأن الفج قد يكون نافذًا وقد لا. قاله المحشي. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أوَ لَمْ يَر الذين كفروا} رؤية اعتبار {أنّ السماواتِ والأرضَ} أي: جماعة السماوات وجماعة الأرض {كانتا}، ولذلك لم يقل كُنَّ، {رَتْقًا} أي: ملتصقة بعضها ببعض. والرتق: الضم والالتصاق. وهو مصدر بمعنى المفعول، أي: كانتا مرتوقتين، أي: ملتصقتين، {ففتقناهما}؛ فشققناهما، فالفتق ضد الرتق. قال ابن عباس رضي الله عنه: "كانتا شيئًا واحدًا متصلتين، ففصل الله بينهما، فرفع السماء إلى حيث هي، وأقرّ الأرض". وفي رواية عنه: أرسل ريحًا فتوسطتهما ففتقتهما. وقال السدي: (كانت السماوات مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها، فجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض، كانت طبقة واحدة، ففتقها، فجعلها سبع أرضين). فإِن قيل: متى رأوهما رتقًا حتى جاء تقريرهم بذلك؟ قلنا: مصب الكلام والتقرير هو فتق السماوات ورفعها، وهو مشاهد بالأبصار، وهم متمكنون من النظر والاعتبار، فيعلمون أن لها مدبرًا حكيمًا، فَتَقَهَا ورفعها، وهو الحق جلّ جلاله، وذكر الرتق زيادة إخبار، فكأنه قال: ألم يروا إلى فتق السماوات ورفعها؟ وقال الكواشي: لَمّا كان القرآن معجزًا، كان وروده برتقهما كالمشاهد المرئي، أو: لمّا كان تلاصق السماوات والأرضين، وما بينهما، وتباينهما، جائزًا عقلاً، وجب تخصيص التلاصق من التباين، وليس ذلك إلا لله تعالى. هـ. وقيل: كانت السماوات صلبة لا تمطر، والأرض رتقًا لا تنبت، ففتق السماء بالأمطار، والأرض بالنبات. ورُوي هذا عن ابن عباس أيضًا، وعليه أكثر المفسرين، وعِلْمُ الكفرةِ الرتقِ والفتق، بهذا المعنى، مما لا خفاء فيه. والرؤية على الأول رؤية علم، وعلى الثاني رؤية عين. {وجعلنا من الماء كل شيءٍ حيٍّ} أي: خلقنا من الماء كل حيوان، كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ} تفسير : [النُّور: 45]، وذلك لأنه من أعظم مواده، أو لفرط احتياجه إليه، وحبه له، وعدم صبره عنه، وانتفاعه به، ويدخل في ذلك: النبات؛ مجازًا دون الملائكة، فأَلْ فيه للحقيقة والماهية، إلا أنه صرفه عن ذلك إلى العهد الذهني قرينةُ الجعل، كما في آية: { أية : فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ} تفسير : [يُوسُف: 17]، فإن القرينة تخلص ذلك للبعضية وإرادة الأشخاص. وقيل المراد به: المَنِيُّ. فأَلْ فيه، حينئذ، للعهد الذهني فقط. قال القشيري: كُلُّ مخلوقٍ حيٍّ فَمِنَ الماء خَلْقُه، فإنَّ أصلَ الحيوان الذي يحصل بالتناسل النطفةُ، وهي من جملة الماء. هـ. وتقدم أن الملائكة لا تناسل فيها. {أفلا يؤمنون} بالله وحده، وهو إنكار لعدم إيمانهم، مع ظهور ما يُوجبه حتمًا من الآيات الآفاقية والأنفُسية، الدالة على تفرده تعالى بالألوهية. {وجعلنا في الأرض رواسِيَ} أي: جبالاً ثوابت، من رسا الشيءُ؛ إذا ثبت ورسخ، {أن تميد بهم} أي: كراهية أن تتحرك وتضطرب بهم، أو لئلا تميد بهم - بحذف اللام -، و "لا"؛ لعدم الإلباس. {وجعلنا فيها} أي: في الأرض، وتكرير الجعل؛ لاختلاف المجعولين، ولتوفية مقام الامتنان حقه، أو في الرواسي؛ لأنها المحتاجة إلى الطرق، {فِجاجًا}: جمع فج، وهو الطريق الواسع، نفذ أم لا، أي: جعلنا في الأرض مسالك واسعة، و {سُبُلاً} نافذة: فالسبل هي الفجاج مع قيد النفوذ. فإن قيل: أيّ فرق بين هذا وبين قوله: {أية : لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} تفسير : [نُوح: 20]؟ فالجواب: أنه هُنا بيَّن أنه خلقها على هذه الصفة، وهناك بيَّن أنه جعل فيها طُرقًا واسعة، وليس فيه بيان أنه خلقها كذلك، فما هنا تفسير لما هناك. انظر النسفي. وقوله تعالى: {لعلهم يهتدون} أي: إلى البلاد المقصودة بتلك السبل، أو إلى مصالحهم ومهماتهم. {وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا} من السقوط، كقوله: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [الحَجّ: 65]، أو من الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم، أو من استراق السمع بالشهب، كما قال: {أية : وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ} تفسير : [الصَّافات: 7] . {وهم} أي: الكفار {عن آياتها} أي: عن الأدلة التي فيها، كالشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك مما فيها من العجائب الدالة على وحدانيته تعالى وقدرته وحكمته، التي بعضها محسوس، وبعضها معلوم بالبحث في علمي الطبيعة والهيئة، {مُعْرِضُون} لا يتدبرون فيها، فيقفون على ما هم عليه من الكفر والضلال، فيؤمنون. {وهو الذي خلق الليلَ} لتسكنوا فيه، {والنهارَ} لتتصرفوا فيه، {والشمسَ} لتكون سراجَ النهار، {والقمرَ} ليكون سراج الليل، وهذا بيان لبعض تلك الآيات التي هم عنها معرضون. وقوله: {كلٌّ} أي: كلهم، والمراد: جنس الطوالع، {في فَلكٍ يَسْبَحُون} أي: يسيرون سير العائم في الماء. عن ابن عباس رضي الله عنه: الفلك السماء، وقيل: موج مكفوف تحت السماء، يجري فيه الشمس والقمر والنجوم. وجمهور أهل الهيئة أن الفلك: جسم مستدير، وأنهن تسعة، وهل هي السماوات السبع، فيكون الكرسي ثامنًا، والعرش تاسعًا، أو غيرهن، فتكون تحت السماوات أو فوقها؟ قولان لهم. والمراد هنا: الجنس، كقولك: كَسَاهُمُ الأميرُ حلةٌ، أي: حُلة حُلةً، وجعل الضمير واو العقلاء؛ لأن السباحة حالُهم. قال في المستخرج من كتاب الغزنوني: "كلٌّ" أي: كل واحد من الشمس والقمر وسائر السيارة، وإن لم تُذْكرون؛ لأنه جمعَ قوله: {يَسْبَحُون} والمعنى: يجرون كالسابح أو يدورون، والسيارة تجري في الفلك على عكس جري الفلك، ولها تسعة أفلاك، فالقمر في الفلك الأدنى، ثم عطارد، ثم الزهرة، ثم الشمس، ثم المريخ، ثم المشتري، ثم زُحل، والثامن: فلك البروج، والتاسع: الفلك الأعظم. هـ. وقال في سورة يس: خص الشمس والقمر هنا، وفي سورة الأنبياء؛ لأن سيرهما أبدًا على عكس دور الفلك، وسَيْر الخمسة قد يكون موافقًا لسيره عند رجوعها. هـ. والله تعالى أعلم. الإشارة: أوَ لَم ير الذين كفروا بوجود التربية أن سماوات الأرواح وأرض النفوس كانتا رتقًا صلبة، ميتة بالجهل، ففتقناهما بالعلوم وأسرار التوحيد؟ والمعنى: أن بعض الأرواح والنفوس تكون ميتة صلبة، فإذا صَحِبَتْ أهل التربية، انفتقت بالعلوم والأسرار، فهذا شاهد بوجود أهل التربية، ومن قال بانقطاعها فقوله مردود بالمشاهدة. وجعلنا من ماء الغيب - وهي الخمرة الأزلية - كلَّ شيء حي، أفلا يؤمنون بوجود هذا الماء عند أربابه؟ وجعلنا في أرض النفوس جبالاً من العقول؛ لئلا تميل إلى الهوى فتموت، وجعلنا فيها طُرقًا يسلك منها إلى الحضرة، وهي كيفية الرياضة وأنواع المجاهدة، وهي طرق كثيرة، والمقصد واحد، وهو الوصول إلى الفناء والبقاء، التي هي معرفة الحق بالعيان، وهو قوله تعالى: {لعلهم يهتدون} إلى الوصول إلى حضرتنا. وجعلنا السماء، أي: سماء القلوب الصافية، سقفًا محفوظًا من الخواطر والوساوس والشكوك والأوهام والشياطين، قال بعضهم: "إذا كان الحق تعالى قد حفظ السماء بالشهب من الشياطين، فقلوب أوليائه أولى بالحفظ). وهم عن آياتها، أي: عن دلائل حفظها وصيانتها معرضون؛ لانهماكهم في الغفلة. وهو الذي خلق ليل القبض ونهار البسط وشمس العرفان وقمر توحيد الدليل والبرهان، كلٌّ في موضعه، لا يتعدى أحد على صاحبه، ولكل واحد سير معلوم وأدب محتوم. وبالله التوفيق. ولمّا قامت الحجة على الكفرة بما ذكرَ من الآيات والدلائل القاطعة، وانقطعوا، قالوا: ننتظر به ريب المنون، فنستريح منه. فأنزل الله تعالى
الجنابذي
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} التّقدير الم ينظر الّذين كفروا ولم يروا {أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} يعنى انّ السّماوات والارض الطّبيعيّتين كانتا منضمّتين مجتمعتين فى وجودٍ واحدٍ جمعىّ فى مقام المشيّة، ثمّ فى مقام العقول، ثمّ فى مقام النّفوس ففتقناهما فى مقام الطّبع وفصّلناهما، او سماوات الارواح واراضى الاشباح كانتا رتقاً فى مقام المشيّة والعقول والنّفوس ففصّلناهما، او السّماوات والارض الواقعتين فى العالم الصّغير كانتا رتقاً فى النّطفة والجنين ففتقناهما، او السّماوات والاراضى كانتا رتقاً غير ممطرةٍ وغير منبتةً ففتقناهما بالمطر والنّبات، وعلى بعض التّفاسير استعمال الرّؤية امّا بجعلها بمعنى العلم، او بادّعاء انّ الرّتق والفتق من الحسّيّات او كالحسّيّات، وعدم الرّؤية من عدم الالتفات {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} عطف على فتقنا والتّقدير جعلنا من مائها كلّ شيءٍ حىٍّ بالحيٰوة الحيوانيّة او بالحيٰوة النّباتيّة والحيوانيّة وخلق الحيوان من الماء الّذى هو النّطفة الّتى هى مادّة له وخلق النّبات من الماء الّذى هو سبب لخلقه وانباته، او التّقدير جعلنا بعد الفتق من الماء كلّ شيءٍ حىٍّ {أَ} يعرضون عن تلك الآيات الّتى هى آيات علمه وحكمته وقدرته وتصرّفه تعالى فى الجليل والحقير {فَلاَ يُؤْمِنُونَ} ولا يذعنون به.
الأعقم
تفسير : {أولم يرَ الذين كفروا} استفهام، والمراد به التقريع، يعني هو الذي يفعل هذه الأشياء لا يقدر غيره عليها فهو الإِله المستحق للعبادة دون غيره {إن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما} تقديره كانتا ذات رتق فجعلناهما ذات فتق، ومعنى ذلك أن السماء كانت لاصقة بالأرض لا فضاء بينهما، أو كانت السماوات متلاصقات، فكذلك الأرضون لا فرج بينهما ففتقهما وفرج بينهما، وقيل: فتقهما بالمطر والنبات بعدما كانت مصمتة، وقيل: خلقهما بعضهما على بعض ثم خلق ريحاً ففتحتهما، وقيل: كانت طبقة واحدة ففتقهما سبع سماوات وسبع أرضين {وجعلنا من الماء كل شيء حي}، قيل: خلقنا كل شيء حي من نطفة نحو قوله: {أية : والله خلق كل دابة من ماءٍ}تفسير : [النور: 45]، وقيل: أراد به الماء في الحقيقة، وقيل: جعلنا الماء حياة كل ذي روح ونماء كل نامي فيدخل فيه الحيوان والنبات والأشجار {وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجاً} طرقاً واسعة من الجبال لولا ذلك لما أمكن السلوك {سبلاً} طرقاً لعلكم تهتدون {وجعلنا السماء سقفاً} يعني كالسقف {محفوظاً} من أن يسقط على الأرض، وقيل: محفوظاً من الشياطين بالشهب {وهم عن آياتها} أعني حجج السماء وما جعل فيها من دلالات الحدث والشمس والقمر وسائر النيران {معرضون} يعني أعرضوا عن التفكر فيها والاستدلال بها، وإنما قال آيات لأن في السماء آيات كثير {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كلٌّ يجري في فلك يسبحون}، قيل: الفلك هو جسم تدور عليه الكواكب كفلكة المغزل، وقيل: كهيئة حديد الرَحَى عن مجاهد، ويحتمل أن يكون عبارة عن مجرى الكواكب، قال: ويحتمل أن يكون جسماً عليه الكواكب وهو قول أكثر المتكلمين، أعني الوجهين كلاهما وإنما أضاف الفعل إليهما توسعاً فإنه تعالى هو المجري {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} الآية نزلت في الذين قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون، يعني ما جعلنا البقاء لآدم في الدنيا {أفإن متّ فهم الخالدون} {كل نفس} يعني جميع البشر، أي كل حي ذائق الموت {ونبلوكم} نعاملكم معاملة المختبر بالشدة والرخاء {ثم إلينا ترجعون} أي إلى حكمه وجزائه {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلاَّ هزواً} وهكذا حال الجاهل يعني يتخذونك هزواً وسخريةً، يعني يقول بعضهم لبعض: {أهذا الذي يذكر آلهتكم}، قيل: يعيبها بأنها لا تنفع ولا تضر {وهم بذكر الرحمان هم كافرون}، قولهم: ما نعرف الرحمان إلا مسيلمة {خلق الإنسان من عجل} أي على عجلة في أمره، قال أبو علي: يستعجل في كل شيء يشتهيه، والإِنسان لا يخلو من العجلة ولكن ذكره ها هنا مبالغة في وصفه بالعَجَلة، وعن ابن عباس: أنه أراد بذلك آدم وأنه حين بلغ الروح صدره ولم يتبالغ فيه الروح أراد أن يقوم، روي لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ولما دخل جوفه اشتهى الطعام، وقيل: المراد به النضر بن الحرث استعجل العذاب تكذيباً، والظاهر أن الآية عامة في جميع الإِنسان، وقيل: العجل الطين أي خلق الإِنسان من الطين {سأريكم آياتي} حججي في التوحيد والعدل والنبوة {فلا تستعجلون} بطلب الآيات، وقيل: سأريكم عذابي إذا نزل إليكم فلا تستعجلوه، فهو نازل بهم يوم بدر وغيره من الأيام من القتل والأسر في الدنيا، وقيل: أراد يوم بدر وغيره، وقيل: عذاب الآخرة {ويقولون متى هذا الوعد} الذي تعدنا من العذاب قبل القيامة {إن كنتم صادقين} في ذلك.
اطفيش
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أوَ لم يعلموا. وقرأ ابن كثير بإِسقاط الواو. {أَنَّ السَّمَٰوَاتِ} أى هذه الجملة التى هى سماوات، ولذا قال: كانتا ولم يقل: كنَّ. {وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا} ذاتَىْ رتقٍ، أو مرتوقتين، أو أخبر بالمصدر مبالغة. والرتق: الضم. كانت السماواتُ شيئا واحداً والأرض شيئا واحداً. {فَفَتَقْنَاهُمَا} سماواتٍ وأرَضينَ، أو كانت السماوات متصلات، كورقة على ورقة، والأرضون كذلك، فرفعت كل عن الأخرى، أو كانت السماوات ملقاة على الأرض، فرفعت وفتقت، أو كانت السماوات والأرضون شيئًا، ففتق سماوات وأرضين، وهو قول ابن عباس. وعن كعب: كانتا ملتزقتين، فخلق ريحًا بوسطها ففتحها. وقيل: معنى كون السماوات رتقا لا تمطر، بناء على أن السماوات كلها لها مدخل فى الإمطار، أو المراد السماء الدنيا، وجمعت باعتبار الآفاق. ومعنى كون الأرض رتقا لا تنبت، ففتقهما بالإمطار والإنبات، وهو قول الكلبى. ولم أبحث عن أصحاب الأقوال السابقة. وعن الزجاج: السماوات جمع أريد به الواحد ولذا قال: كانتا بناء على قول الكلبى، وفتقت بعد الرفع قبل ويناسب قول الكلبى: وجعلنا من الماء كل شئ حى. وقالت فرقة: كانتا رتقا بالظلمة، ففتقهما بالضوء. قيل: والرؤية على هذين القولين: قول الكلبى وقول الفرقة: رؤية عين. قلت: لا تكون بالعين بل بالقلب، فإنهم لم يكونوا موجودين فى حال كونهما ظَلْماوَيْنِ، ولا فى حال كون السماء لا تمطر، والأرض لا تنبت. والمراد: ألم يعلموا أن الأمر قد كان كذلك؟ وإن قلت: من أين عَلِم الكفرة ذلك حتى قال: {أو لم ير الذين كفروا}؟ قلت: ما قال ذلك إلا بُعيْد إنزال ما يعلمون عنه ذلك فى القرآن. والقرآن معجزة يوجب العلم، أو بعدما علموا ذلك من الكتب السابقة، كالتوراة والإنجيل بواسطة علمائها، أو قال ذلك لأن لهم نظراً يوصلهم إلى ذلك لو استعملوه؛ فإن العقل كون السماوات والأرض متصلتين، وكونهما منفصلتين، فلا بد من كونهما على أحد الشقين، وهو الانفصال من مختار مخصّص. هذا. ولك أن تجعل الرؤية مطلقا رؤية بصر، جُعل ذلك كأنه شئ محسوس لقوة الدلالة. وقرئ رتقا، بالفتح للراء والتاء معا، أى شيئا مرتوقا كالرفض بمعنى المرفوض. {وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَئٍ حَىٍّ} الجعل بمعنى الخلق، فله مفعول واحد أى خلقنا من الماء كل شئ حى. معنى خلقه منه: أنه جعل الماء أعظم ما بنى عليه؛ فإنه مخلوق من النطفة. والنطفة إنما هى من ماء وطعام، و الطعام إنما هو من الماء، وبعد خلقه يحتاج إلى ما يتقوت به، ولا قوت إلا من الماء ويحتاج إلى الماء نفسه للشرب وغيره، احتياجا شديداً، ولا يكاد يصبر عنه، فكأَنه مخلوق منه بعينه لذلك، ولكونه لا يحيى إلا به، كقوله: {خُلق الإنسان من عجل} ودخل فى الشجر والنبات، فإنها خلقت بالماء، وبه تحيى. وأيضا خُلق أبونا وتراب. وقيل: والنخل بقية من طينته فالحيوان كله من الماء ولو اختلقت خلقته منه. وقيل: الماء: النطفة فالحى: الحيوان: إلإنس والدواب إلا آدم وعيسى. قيل: والجن، وإبليس - أبعده الله. والحق أن الجن منهم مَن يُخلق من النطفة، بل هو غالبهم. والملائكة أحياء لا من ماء، ولا بماء، ولا من نطفة. وقرائن الخروج ما أخرجناه من العموم واضحة. وعن أبى هريرة: حديث : أتيت النبى صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إذا رأيتك طابت نفسى، وقرت عينى، فأنبئنى عن كل شئ. فقال: كل شئ خُلق من الماء. فقلت: نبئنى بما إذا أخذتُ به دخلتُ الجنة. فقال: "أفشِ السّلامَ، وأطِبِ الكلام، وصِلِ الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، تدخل الجنة بسلام ". تفسير : ويصح كون جَعَل تصييرية، فمِن الماء مفعول ثان، وحىّ نعت كل شئ، أو كل على كل حال. وقرئ بنصب حى نعتا لكل، أو مفعولا ثانيا للجعل التصييرى، فيكون من الماء متعلقا بجعل. ويصح أيضا تعليقه بحيًّا إذا جعل مفعولا ثانيا. ويبعد كون حى بالجر نعتا لكل وجر للمجاورة. وإن قلت: إذا كان حيا مفعولا ثانيا عم الشئُ الحيوانَ وغيره. قلت: لا يعم إلا ما هو حى، فإن ما هو كالحجر لا يتوهم أنه مجعول حيا. قال ابن هشام: أل فى الآية للحقيقة، لا تخلفها كل، لا حقيقة ولا مجازا. وبعضهم يقول فى أل التى للحقيقة: إنها لتعريف العهد؛ لأن الأجناس أمور معهودة فى الأذهان متميز بعضها عن بعض اهـ. {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} مع ظهور الآيات، ماء أبيض. أو أصفر يكون منه أبيض وأصفر وأسود وغير ذلك، وماء ينزل من السماء أو يخرج من الأرض شفاف، ولا لون له تكون به ألوان وأجسام كثيفة وفى ذلك توبيخ وإنكار عدم صلاح أمرهم. قيل: يكتب {أية : أو لم ير الذين كفروا} تفسير : - إلى - {أية : أفلا يؤمنون} تفسير : مريم ولدت عيسى سيجعل الله بعد عسر يسرا اللهم كما فتقت الأرض بالنبات، والسماء بالمطر، فكذلك يسِّر بفلانة بنت فلانة الوضع. {أية : فلينظر الإنسان} تفسير : - إلى قوله - {أية : شفّا}، تفسير : لتسهيل الولادة، أو يقرأ الآية على بطنها أو أسفل ظهرها. وإن ذلك مجرب صحيح.
اطفيش
تفسير : {أو لَمْ ير الذين كَفَروا} تجهيل لهم وتوبيخ على عبادة ما لا يملك ولا نفعاً، ولا يضر ولا ينفع، وترك الإيمان والإخلاص بمالك كل شىء من أجسام وأعراض، ومنافع ومضار، وخالق ذلك، والتقدير، ألم يتفكر الذين كفروا ولم يروا، ولما حذف ذلك أظهر الذين كفروا، والرؤية رؤية علم، والمراد أن يخبرهم الله بالرتق والفتق، فيدركوهما لا الأمر باستعمال النظر استعمالا يدركونهما به، لأنه لا يدركونهما به، ولو كان ممكناً، أو أراد ألم يعلموا من أهل الكتاب {أنَّ السماوات والأرض كانتا رتقاً} ثنى لاعتبار أن السموات كمفرد بمعنى فريق أو طائفة، كقوله عزوجل: "أية : السماوات والأرض وما بينهما" تفسير : [الأنبياء: 16] وقوله عز وجل: " أية : إن الله يمسك السماوات والأرض" تفسير : [فاطر: 41] الخ وقول الشاعر: شعر : إن المنية والحتوف كلاهما دون المحارم يرقبان سوادى تفسير : وأفرد رتقاً لأنه فى الأصل مصدر بمعنى الضم، فيأول مرتوقتين بمضمومتين، أو ذاتى رتق، أو مبالغة كأنهما نفس الضم، أو كانتا شيئاً واحداً مضموماً. {ففتقناهما} الى سبع سماوات، وجعلناهن حيث كن الآن، والى سبع أرضين جعناهن حيث هن الآن بين كل من ذلك وآخرى خمسمائة عام، سمى كل ما يكون سماء أو أرضا من ذلك المجموع، والمضموم سماء وأرضاً على مجاز الأول، والممكن قبل وجوده متميز فى نفس الأمر، لأنه متصور، ولا يمكن تصور الشىء إلا بتمييزه عَن غيره، وإلا لم يكن بتصوره أولى من غيره، ولأن بعض المعدومات قد يكون مراداً دون بعض، ولولا التمييز بينهما لما عقل، لأن القصد لإيجاد غير المتعين ممتنع، لأن ما ليس متعيناً لا يتميز القصد اليه، عن القصد الى غيره، وعن الحسن خلق الله الأرض كالفهر فى موضع بيت المقدس، عليها دخان ملتصق به، فصيَّره سماوات، والفهر أرضين والفتق بقدرته تعالى. وعن كعب الأحبار: بريح توسطها، أو خلقهن كالواح متطابقة وسمى تماسهما رتقاً، وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن السماوات والأرضين فى محالهن من حين خلقهن الله، وأن الرتق هو عدم نزول الماء، ونبت الأرض، والفتق إنزال الماء وإنبات الأرض بعد أن خلق الله للأرض من يسكنها، وللسماوات مدخل فى نزول الماء بقدرة الله عز وجل، وشهر أن الماء من السماء الدنيا، وشهر أنه من السحاب. {وجَعَلنا} خلقنا أو صيرنا {من الماء كُل شَىءٍ حىّ} عطف على فتقنا لا على أن السماوات الخ، لأن يرى لا يتسلط على جعلنا بلا حرف مصدر، ولا معلق كالاستفهام، والمعنى خلقنا كل حيوان من الماء كقوله: "أية : والله خلق كل دابة من ماء" تفسير : [النور: 45] ومن للابتداء، ولو قدرنا ثابتاً من الماء، ومعنى كونه من الماء أن الإنسان من طين، الطين ماء تراب، وهو والدواب من نبات وثمار، من تولدة من الماء، والماء أعظم ما يحتاج اليه أيضاً، وخصت الملائكة والجن، فليست من الماء ويجوز أن يكون المعنى لا ينفك عن الماء، فتدخل الجن لأنها تأكل وتشرب، ويجوز أن تكون من للتجريد مبالغة فى شدة الاحتياج الى الماء، كقولك: رأيت من زيد البحر والأسد، فالمعنى جرد من الماء الحى، أو الماء النطفة، فلا تدخل الملائكة أيضاً، ولا ما يتولد بدونها {أفَلا يُؤمنُون} أيعلمون ذلك، فد يؤمنون، أنكر لياقة انتقاء إيمانهم مع مشاهدتهم موجبة.
الالوسي
تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تجهيل لهم بتقصيرهم عن التدبر في الآيات التكوينية الدالة على عظيم قدرته وتصرفه وكون جميع ما سواه مقهوراً تحت ملكوته على وجه ينتفعون به ويعلمون أن من كان كذلك لا ينبغي أن يعدل عن عبادته إلى عبادة حجر أو نحوه مما لا يضر ولا ينفع، والهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر. وقرأ ابن كثير وحميد وابن محيصن بغير واو، والرؤية قلبية أي ألم يتفكروا ولم يعلموا {أَن ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا} الضمير للسماوات والأرض، والمراد من السماوات طائفتها ولذا ثنى الضمير ولم يجمع، ومثل ذلك قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ } تفسير : [فاطر: 40] وكذا قول الأسود بن يعفر: شعر : إن المنية والحتوف كلاهما دون المحارم يرقبان سوادي تفسير : وأفرد الخبر أعني قوله تعالى: {رَتْقاً} ولم يثن لأنه مصدر، والحمل إما بتأويله بمشتق أو لقصد المبالغة أو بتقدير مضاف أي ذاتي رتق، وهو في الأصل الضم والالتحام خلقة كان أم صنعة، ومنه الرتقاء الملتحمة محل الجماع. وقرأ الحسن وزيد بن علي وأبو حيوة وعيسى {رَتْقاً} بفتح التاء وهو اسم المرتوق كالنقض والنقض فكان قياسه أن يثني هنا ليطابق الاسم فقال الزمخشري: هو على تقدير موصوف أي كانتا شيئاً رتقاً وشيء اسم جنس شامل للقليل والكثير فيصح الإخبار به عن المثنى كالجمع، ويحسنه أنه في حالة الرتقية لا تعدد فيه. وقال أبو الفضل الرازي: الأكثر في هذا الباب أن يكون المتحرك منه اسماً بمعنى المفعول والساكن مصدراً وقد يكونان مصدرين، والأولى هنا كونهما كذلك وحينئذ لا حاجة إلى ما قاله الزمخشري في توجيه الإخبار، وقد أريد بالرتق على ما نقل عن أبـي مسلم الأصفهاني حالة العدم إذ ليس فيه ذوات متميزة فكان السماوات والأرض أمر واحد متصل متشابه وأريد بالفتق وأصله الفصل في قوله تعالى: {فَفَتَقْنَـٰهُمَا} الإيجاد لحصول التمييز وانفصال بعض الحقائق عن البعض به فيكون كقوله تعالى: { أية : فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الأنعام: 14] بناء على أن الفطر الشق وظاهره نفي تمايز المعدومات، والذي حققه مولانا الكوراني في «جلاء الفهوم» وذب عنه حسب جهده أن المعدوم الممكن متميز في نفس الأمر لأنه متصور ولا يمكن تصور الشيء إلا بتميزه عن غيره وإلا لم يكن بكونه متصوراً أولى من غيره ولأن بعض المعدومات قد يكون مراداً دون بعض ولولا التميز بينها لما عقل ذلك إن القصد إلى إيجاد غير المتعين ممتنع لأن ما ليس بمتعين في نفسه لم يتميز القصد إليه عن القصد إلى غيره، وقد يقال على هذا: يكفي في تلك الإرادة عدم تمايز السماوات والأرض في حالة العدم نظراً إلى الخارج المشاهد، وأياً ما كان فمعنى الآية ألم يعلموا أن السماوات والأرض كانتا معدومتين فأوجدناهما، ومعنى علمهم بذلك تمكنهم من العلم به بأدنى نظر لأنهما ممكنان والممكن باعتبار ذاته وحدها يكون معدوماً واتصافه بالوجود لا يكون إلا من واجب الوجود. قال ابن سينا في المقالة الثامنة من إلهيات «الشفاء»: سائر الأشياء غير واجب الوجود لا تستحق الوجود بل / هي في أنفسها ومع قطع إضافتها إلى الواجب تستحق العدم ولا يعقل أن يكون وجود السماوات والأرض مع أمكانهما الضروري عن غير علة. وأما ما ذهب إليه ذيمقرطيس من أن وجود العالم إنما كان بالاتفاق - وذلك لأن مباديه أجرام صغار لا تتجزأ لصلابتها وهي مبثوثة في خلاء غير متناه وهي متشاكلة الطبائع مختلفة الأشكال دائمة الحركة فاتفق أن تضامت جملة منها واجتمعت على هيئة مخصوصة فتكون منها هذا العالم فضرب من الهذيان، ووافقه عليه على ما قيل أبناذقلس لكن الأول زعم أن تكون الحيوان والنبات ليس بالاتفاق وهذا زعم أن تكون الأجرام الأسطقسية بالاتفاق أيضاً إلا أن ما اتفق إن كان ذا هيئة اجتماعية على وجه يصلح للبقاء والنسل بقي، وما اتفق إن لم يكن كذلك لم يبق، وهذا الهذيان بعيد من هذا الرجل فإنهم ذكروا أنه من رؤساء يونان كان في زمن داود عليه السلام وتلقى العلم منه واختلف إلى لقمان الحكيم واقتبس منه الحكمة، ثم ان وجودهما عن العلة حادث بل العالم المحسوس منه وغيره حادث حدوثاً زمانياً بإجماع المسلمين وما يتوهم من بعض عبارات بعض الصوفية من أنه حادث بالذات قديم بالزمان مصروف عن ظاهره إذ هم أجل من أن يقولوا به لما أنه كفر. والفلاسفة في هذه المسألة على ثلاثة آراء فجماعة من الأوائل الذين هم أساطين [الحكمة] من الملطية وسامياً صاروا إلى القول بحدوث موجودات العالم مباديها وبسائطها ومركباتها وطائفة من الأتينينية وأصحاب الرواق صاروا إلى قدم مباديها من العقل والنفس والمفارقات والبسائط دون المتوسطات والمركبات فإن المبادي عندهم فوق الدهر والزمان فلا يتحقق فيها حدوث زماني بخلاف المركبات التي هي تحت الدهر والزمان ومنعوا كون الحركات سرمدية، ومذهب أرسطو ومن تابعه من تلامذته أن العالم قديم وأن الحركات الدورية سرمدية، وهذا بناء على المشهور عنه وإلا فقد ذكر في «الأسفار» أن أساطين الحكمة المعتبرين عند الطائفة ثمانية ثلاثة من الملطيين ثالس وانكسيمائس واغاثاذيمون، وخمسة من اليونانيين أنباذقلس وفيثاغورس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وكلهم قائلون بما قال به الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم من حدوث العالم بجميع جواهره وأعراضه وأفلاكه وأملاكه وبسائطه ومركباته، ونقل عن كل كلمات تؤيد ذلك، وكذا نقل عن غير أولئك من الفلاسفة وأطال الكلام في هذا المقام، ولولا مخافة السآمة لنقلت ذلك ولعلي أنقل شيئاً منه في محله الأليق به إن شاء الله تعالى. وجاء عن ابن عباس في رواية عكرمة والحسن وقتادة وابن جبير أن السماوات والأرض كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله تعالى بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض. وقال كعب: خلق الله تعالى السماوات والأرض ملتصقتين ثم خلق ريحاً فتوسطهما ففتقهما. وعن الحسن خلق الله تعالى الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة القهر عليها دخان ملتصق بها ثم أصعد الدخان وخلق منه السماوات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض وذلك قوله تعالى: {كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَـٰهُمَا} فجعل سبع سماوات، وكذلك الأرض كانت مرتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع أرضين، والمراد من العلم على هذه الأقوال التمكن منه أيضاً إلا أن ذلك ليس بطريق النظر بل بالاستفسار من علماء أهل الكتاب الذين كانوا يخالطونهم ويقبلون أقوالهم؛ وقيل بذلك أو بمطالعة الكتب السماوية ويدخل فيها القرآن وإن لم يقبلوه لكونه معجزة في نفسه وفي ذلك دغدغة لا تخفى. وأخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم وأبو نعيم في «الحلية» من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رجلاً أتاه فسأله عن الآية فقال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله ثم تعال فأخبرني وكان ابن عباس فذهب إليه فسأله / فقال: نعم كانت السماوات رتقاً لا تمطر وكانت الأرض رَتْقاً لا تنبت فلما خلق الله تعالى للأرض أهلاً فتق هذه بالمطر وفتق هذه بالنبات فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره فقال ابن عمر: الآن علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علماً صدق ابن عباس هكذا كانت، وروي عنه ما هو بمعنى ذلك جماعة منهم الحاكم وصححه وإليه ذهب أكثر المفسرين. وقال ابن عطية: هو قول حسن يجمع العبرة والحجة وتعديد النعمة ويناسب ما يذكر بعد. والرتق والفتق مجازيان عليه كما هما كذلك على الوجه الأول، والمراد بالسماوات جهة العلو أو سماء الدنيا، والجمع باعتبار الآفاق أو من باب ثوب أخلاق، وقيل هو على ظاهره ولكل من السماوات مدخل في المطر، والمراد بالرؤية العلم أيضاً وعلم الكفرة بذلك ظاهر. وجوز أن تكون الرؤية بصرية وجعلها علمية أولى، ومن البعيد ما نقل عن بعض علماء الإسلام أن الرتق انطباق منطقتي الحركتين الأولى والثانية الموجب لبطلان العمارات وفصول السنة والفتق افتراقهما المقتضي لا مكان العمارة وتميز الفصول بل لا يكاد يصح على الأصول الإسلامية التي أصلها السلف الصالح كما لا يخفى. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَىْء حَىّ} عطف على {أن ٱلسَّمَـٰوَاتِ} الخ ولا حاجة إلى تكلف عطفه على فتقنا، والجعل بمعنى الخلق المتعدي لمفعول واحد، و(من) ابتدائية والماء هو المعروف أي خلقنا من الماء كل حيوان أي متصف بالحياة الحقيقية. ونقل ذلك عن الكلبـي. وجماعة ويؤيده قوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء } تفسير : [النور: 45] ووجه كون الماء مبدأ ومادة للحيوان وتخصيصه بذلك أنه أعظم مواده أو فرط احتياجه إليه وانتفاعه به بعينه ولا بد من تخصيص العام لأن الملائكة عليهم السلام وكذا الجن أحياء وليسوا مخلوقين من الماء ولا محتاجين إليه على الصحيح. وقال قتادة: المعنى خلقنا كل نام من الماء فيدخل النبات ويراد بالحياة النمو أو نحوه، ولعل من زعم أن في النبات حسا وشعوراً أبقى الحياة على ظاهرها، وقال قطرب وجماعة: المراد بالماء النطفة ولا بد من التخصيص بما سوى الملائكة عليهم السلام والجن أيضاً بل بما سوى ذلك والحيوانات المخلوقة من غير نطفة كأكثر الحشرات الأرضية. ويجوز أن يكون الجعل بمعنى التصيير المتعدي لمفعولين وهما هنا {كُلٌّ} و{مِنْ ٱلْمَاء}. وتقديم المفعول الثاني للاهتمام به و(من) اتصالية كما قيل في قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما أنا من دد ولا الدد مني » تفسير : والمعنى صيرنا كل شيء حي متصلاً بالماء أي مخالطاً له غير منفك عنه، والمراد أنه لا يحيا دونه، وجوز أبو البقاء على الوجه الأول أن يكون الجار والمجرور في موضع الحال من {كُلٌّ} وجعل الطيبـي (من) على هذا بيانية تجريدية فيكون قد جرد من الماء الحي مبالغة كأنه هو، وقرأ حميد {حَياً} بالنصب على أنه صفة {كُلٌّ} أو مفعول ثان لجعل، والظرف متعلق بما عنده لا بحيا. والشيء مخصوص بالحيوان لأنه الموصوف بالحياة، وجوز تعميمه للنبات. وأنت تعلم أن من الناس من يقول: إن كل شيء من العلويات والسفليات حي حياة لائقة به وهم الذين ذهبوا إلى أن تسبيح الأشياء المفاد بقوله تعالى: { أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } تفسير : [الإسراء: 44] قالى لا حالي، وإذا قيل بذلك فلا بد من تخصيص الشيء أيضاً إذ لم يجعل من الماء كل شيء حيا؛ ولم أقف على مخالف في ذلك منا، نعم نقل عن ثالس الملطي وهو أول من تفلسف بملطية أن أصل الموجودات الماء حيث قال: الماء قابل كل صورة ومنه أبدعت الجواهر كلها من السماء والأرض انتهى. / ويمكن تخريجه على مشرب صوفي بأن يقال إنه أراد بالماء الوجود الانبساطي المعبر عنه في اصطلاح الصوفية بالنفس الرحماني، وحينئذ لو جعلت الإشارة في الآية إلى ذلك عندهم لم يبعد. {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} إنكار لعدم إيمانهم بالله تعالى وحده مع ظهور ما يوجبه حتماً من الآيات، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الإنكار أي أيعلمون ذلك فلا يؤمنون.
ابن عاشور
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَـٰهُمَا} قرأ الجمهور {أوَلم} ــــ بواو بعد الهمزة ــــ وهي واو العطف، فالجملة معطوفة عطف الاستدلال على الخلق الثاني بالخلق الأول وما فيه من العجائب. وقرأ ابن كثير {ألم يَر} بدون واو عطف. قال أبو شامة: ولم تثبت الواو في مصاحف أهل مكة. قلت: معناه أنها لم تثبت في المصحف الذي أرسل به عثمان إلى مكة فالتزمَ قراء مكة رِواية عدم الواو إلى أن قرأ بها ابن كثير، وأهملت غير قراءته. والاستفهام على كِلتا القراءتين إنكاري، توجه الإنكار على إهمالهم للنظر. والرؤيةُ تحتمل أن تكون بصرية وأن تكون علمية. والاستفهام صالح لأن يتوجه إلى كلتيهما لأن إهمال النظر في المشاهدات الدالة على علم ما ينقذ علمه من التورط في العقائد الضالة حقيق بالإنكار، وإنكار أعمال الفكر في دلالة الأشياء على لوازمها حتى لا يقع أحد في الضلال جديرٌ أيضاً بالإنكار أو بالتقرير المشوب بإنكار كما سنفصله. والرَّتق: الاتصال والتلاصق بين أجزاء الشيء. والفَتق: ضده، وهو الانفصال والتباعد بين الأجزاء. والإخبار عن السماوات والأرض بأنهما رَتق إخبار بالمصدر للمبالغة في حصول الصفة. ثم إن قوله تعالى {كانتا} يحتمل أن تكونا معاً رتقاً واحداً بأن تكون السماوات والأرض جسماً ملتئماً متصلاً. ويحتمل أن تكون كل سماء رتقاً على حدتها، والأرض رتقاً على حدتها وكذلك الاحتمال في قوله تعالى {ففتقناهما}. وإنما لم يقل نحو: فصارتا فتقاً، لأن الرتق متمكن منهما أشدّ تمكن كما قلنا ليستدل به على عظيم القدرة في فتقهما، ولدلالة الفعل على حدثان الفتق إيماء إلى حدوث الموجودات كلها وأن ليس منها أزلي. والرتق يحتمل أن يراد به معانٍ تنشأ على محتملاتها معانٍ في الفتق، فإن اعتبرنا الرؤية بصرية فالرتقُ المشاهد هو ما يشاهده الرائي من عدم تخلل شيء بين أجزاء السماوات وبين أجزاء الأرض، والفتقُ هو ما يشاهده الرائي من ضد ذلك حين يرى المطر نازلاً من السماء ويرى البرْق يلعج منها والصواعق تسقط منها فذلك فتقها، وحين يرى انشقاق الأرض بماء المطر وانبثاق النبات والشجر منها بعد جفافها، وكل ذلك مشاهد مرئي دال على تصرف الخالق، وفي هذا المعنى جمع بين العبرة والمنة، كما قال ابن عطية أي هو عبرة دلالةٍ على عظم القدرة وتقريب لكيفية إحياء الموتى كما قال تعالى: {أية : فأحيينا به الأرض بعد موتها} تفسير : في سورة فاطر (9). وإن اعتبرنا الرؤية علمية احتمل أن يراد بالرتق مثل ما أريد به على اعتبار كون الرؤية بصرية، وكان الاستفهام أيضاً إنكارياً متوجهاً إلى إهمالهم التدبر في المشاهدات. واحتمل أن يراد بالرتق معاننٍ غيرُ مشاهدةٍ ولكنها مما ينبغي طلب العلم به لما فيه من الدلائل على عظم القدرة وعلى الوحدانية، فيحتمل أن يراد بالرتق والفتق حقيقتاهما، أي الاتصال والانفصال. ثم هذا الاحتمال يجوز أن يكون على معنى الجملة، أي كانت السماوات والأرض رتقاً واحداً، أي كانتا كُتلة واحدة ثم انفصلتْ السماوات عن الأرض كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء} تفسير : في سورة هود (7). ويجوز على هذا الاحتمال أن يكون الرتق والفتق على التوزيع، أي كانت السماوات رتقاً في حد ذاتها وكانت الأرض رتقاً في حد ذاتها ثم فتق الله السماوات وفتق الله الأرض، وهذا كقوله تعالى: {أية : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم} تفسير : في سورة فصّلت (9 - 12). وعلى هذين الاحتمالين يكون الاستفهام تقريرياً عن إعراضهم عن استماع الآيات التي وصفت بدء الخلق ومشوباً بالإنكار على ذلك. وعلى جميع التقادير فالمقصود من ذلك أيضاً الاستدلال على أن الذي خلق السماوات والأرض وأنشأهما بعد العدم قادر على أن يخلق الخلق بعد انعدامه قال تعالى: {أية : أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم}تفسير : [الإسراء: 99]. ويحتمل أن يراد بالرتق العدم وبالفتق الإيجاد. وإطلاق الرؤية على العلم على هذا الاحتمال ظاهر لأن الرتق والفتق بهذا المعنى محقق أمرهما عندهم قال تعالى: {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله}تفسير : [لقمان: 25]. ويحتمل أن يراد بالرتق الظلمة وبالفتق النور، فالموجودات وجدت في ظلمة ثم أفاض الله عليها النور بأن أوجد في بعض الأجسام نوراً أضاء الموجودات. ويحتمل أن يراد بالرتق اتحاد الموجودات حين كانت مادة واحدة أو كانت أثيراً أو عَمَاء كما جاء في الحديث: «حديث : كان في عماء»،تفسير : فكانت جنساً عالياً متحداً ينبغي أن يطلق عليه اسم مخلوق، وهو حينئذ كلي انحصر في فرد. ثم خلق الله من ذلك الجنس أبْعاضاً وجعل لكل بَعض مميزات ذاتيةً فصيّر كل متميز بحقيقة جنساً فصارتْ أجناساً. ثم خلق في الأجناس مميزات بالعوارض لحقائقها فصارت أنواعاً. وهذا الاحتمال أسعد بطريقة الحكماء وقد اصطلحوا على تسمية هذا التمييز بالرتق والفتق، وبعض من الصوفية وهو صاحب «مرآة العارفين» جعل الرتق عَلَماً على العنصر الأعظم يعني الجسمَ الكل، والجسم الكل هو الفلك الأعظم المعبر عنه بالعرش. ذكر ذلك الحكيمُ الصوفي لطف الله الأرضرومي صاحب «مَعارج النور في أسماء الله الحسنى» المتوفى في أواخر القرن الثاني عشر الذي دخل تونس عام 1185هــــ في مقدمات كتابه «معارج النور» وفي رسالة له سماها «رسالة الفتق والرتق». والظاهر أن الآية تشمل جميع ما يتحقق فيه معاني الرتق والفتق إذ لا مانع من اعتبار معنى عام يجمعها جميعاً، فتكون الآية قد اشتملت على عبرة تعم كل الناس وكل عبرة خاصة بأهل النظر والعلم فتكون من معجزات القرآن العلمية التي أشرنا إليها في مقدمات هذا التفسير. {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} زيادة استدلال بما هو أظهر لرؤية الأبصار وفيه عبرة للناس في أكثر أحواله. وهو عبرة للمتأملين في دقائقه في تكوين الحيوان من الرطوبات. وهي تكوين التناسل وتكوين جميع الحيوان فإنه لا يتكون إلا من الرطوبة ولا يعيش إلا ملابساً لها فإذا انعدمت منه الرطوبة فقد الحياة، ولذلك كان استمرار الحمى مفضياً إلى الهزال ثم إلى الموت. و {جَعَل} هنا بمعنى خَلق، متعدية إلى مفعول واحد لأنها غير مراد منها التحول من حال إلى حال. و {من الماء} متعلق بــــ {جعلنا}. و(مِن) ابتدائية. وفرع عليه {أفلا يؤمنون} إنكاراً عليهم عدم إيمانهم الإيمان الذي دعاهم إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو الإيمان بوحدانية الله
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا}. قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن كثير "أو لم ير" بواو بعد الهمزة: وقرأه ابن كثير "ألم ير الذين كفروا" بدون واو، وكذلك هو في مصحف مكة. والاستفهام لتوبيخ الكفار وتقريعهم، حيث يشاهدون غرائب صنع الله وعجائبه، ومع هذا يعبدون من دونه ما لا ينفع من عَبَده، ولا يضر من عَصَاه، ولا يقدر على شيء. وقوله {كَانَتَا} التثنية باعتبار النوعين اللذَين هما نوع السماء، ونوع الأرض. كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ} تفسير : [فاطر: 41] ونظيره قول عمر بن شيبم: شعر : ألم يحزنك أن جبال قيس وتغلب قد تباينتا انقطاعا تفسير : والرتق مصدر رَتَقه رتْقاً: إذا سده. ومنه الرتقاء. وهي التي انسد فرجها، ولكن المصدر وصف به هنا ولذا أفرده ولم يقل كانتا رتقين. والفتق: الفصل بين الشيئين المتَّصلين. فهو ضد الرتق. ومنه قول الشاعر: شعر : يهوون عليهم إذا يغضبو ن سخط العداة وإرغامها ورتق الفتوق وفتق الرتو ق ونقض الأمور وإبرامها تفسير : واعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالرتق والفتق في هذه الآية على خمسة أقوال، بعضها في غاية السقوط، وواحد منها تدل له قرائن من القرآن العظيم: الأول ـ أن معنى {كَانَتَا رَتْقاً} أي كانت السموات والأرض متلاصقة بعضها مع بعض، ففتقها الله وفصل بين السموات والأرض، فرفع السماء إلى مكانها، وأقر الأرض في مكانها، وفصل بينهما بالهواء الذي بينهما كما ترى. القول الثاني ـ أن السموات السبع كانت رتقاً. أي متلاصقة بعضها ببعض، ففتقها الله وجعلها سبع سموات، كل اثنتين منها بينهما فصل، والأرضون كذلك كانت رتقاً ففتقها، وجعلها سبعاً بعضها منفصل عن بعض. القول الثالث ـ أن معنى {كَانَتَا رَتْقاً} أن السماء كانت لا ينزل منها مطر، والأرض كانت لا ينبت فيها نبات، ففتق الله السماء بالمطر، والأرض بالنبات. الرابع ـ أنها {كَانَتَا رَتْقاً} أي في ظلمة لا يرى من شدتها شيء ففتقهما الله بالنور. وهذا القول في الحقيقة يرجع إلى القول الأول، والثاني. الخامس ـ وهو أبعدها لظهور سقوطه. أن الرتق يراد به العدم. والفتق يراد به الإيجاد. أي كانتا عدماً فأوجدناهما. وهذا القول كما ترى. فإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه الآية، فاعلم أن القول الثالث منها وهو كونهما كانتا رتقاً بمعنى أن السماء لا ينزل منها مطر، والأرض لا تنبت شيئاً ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات ـ قد دلت عليه قرائن من كتاب الله تعالى. الأولى ـ أن قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} يدل على أنهم رأوا ذلك. لأن الأظهر في رأيي أنها بصرية، والذي يرونه بأبصارهم هو أن السماء تكون لا ينزل منها مطر، والأرض ميتة هامدة لا نبات فيها. فيشاهدون بأبصارهم إنزال الله المطر، وإنباته به أنواع النبات. القرينة الثانية ـ أنه أتبع ذلك بقوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30]. والظاهر اتصال هذا الكلام بما قبله. أي وجعلنا من الماء الذي أنزلناه بفتقنا السماء، وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا الأرض كل شيء حي. القرينة الثالثة ـ أن هذا المعنى جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ}تفسير : [الطارق: 11-12] لأن المراد بالرَّجْع نزول المطر منها تارة بعد أخرى، والمراد بالصَّدْع: انشقاق الأرض عن النبات. وكقوله تعالى: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً}تفسير : [عبس: 24-26] الآية. واختار هذا القول ابن جرير وابن عطية وغيرهما للقرائن التي ذكرنا. ويؤيد ذلك كثرة ورود الاستدلال بإنزال المطر، وإنبات النبات في القرآن العظيم على كمال قدرة الله تعالى، وعظم منته على خلقه، وقدرته على البعث. والذين قالوا: إن المراد بالرتق والفتق أنهما كانتا متلاصقتين ففتقهما الله وفصل بعضهما عن بعض قالوا في قوله {أَوَلَمْ يَرَ} أنها من رأي العلمية لا البصرية، وقالوا: وجه تقريرهم بذلك أنه جاء في القرآن، وما جاء في القرآن فهو أمر قطعي لا سبيل للشك فيه. والعلم عند الله تعالى. وأقرب الأقوال في ذلك ـ هو ما ذكرنا دلالة القرائن القرآنية عليه، وقد قال فيه الفخر الرازي في تفسيره: ورجَّحوا هذا الوجه على سائر الوجوه بقوله بعد ذلك: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم، ولا يكون كذلك إلاَّ إذا كان المراد ما ذكرنا. فإن قيل: هذا الوجه مرجوح. لأن المطر لا ينزل من السموات بل من سماء واحدة وهي سماء الدنيا. قلنا: إنما أطلق عليه لفظ الجمع لأن كل قطعة منها سماء. كما يقال ثوب أخلاق، وبرمة أعشارا هـ منه. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ}. الظاهر أن "جَعل" هنا بمعنى خَلَق. لأنها متعدية لمفعول واحد. ويدل لذلك قوله تعالى في سورة "النور": {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ} تفسير : [النور: 45]. واختلف العلماء في معنى خلق كل شيء من الماء. قال بعض العلماء: الماء الذي خلق منه كل شيء هو النطفة. لأن الله خلق جميع الحيوانات التي تولد عن طريق التناسل من النطف، وعلى هذا فهو من العام المخصوص. وقال بعض العلماء: هو الماء المعروف، لأن الحيوانات إما مخلوقة منه مباشرة كبعض الحيوانات التي تتخلق من الماء. وإما غير مباشرة لأن النطف من الأغذية، والأغذية كلَّها ناشئة عن الماء، وذلك في الحبوب والثمار ونحوها ظاهر، وكذلك هو في اللحوم والألبان والأسمان ونحوها: لأنه كله ناشئ بسبب الماء. وقال بعض أهل العلم: معنى خَلْقه كل حيوان من ماء: أنه كأنما خلقه من الماء لفرط احتياجه إليه، وقلّة صبره عنه. كقوله: {أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}تفسير : [الأنبياء: 37] إلى غير ذلك من الأقوال. وقد قدمنا المعاني الأربعة التي تأتي لها لفظة "جعل" وما جاء منها في القرآن وما لم يجئ فيه في سورة "النحل". وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: لقائل أن يقول: كيف قال وخلقنا من الماء كل حيوان؟ وقد قال {أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ}تفسير : [الحجر: 27] وجاء في الأخبار: أن الله تعالى خلق الملائكة من النور، وقال تعالى في حق عيسى عليه السلام: {أية : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي} تفسير : [المائدة: 110]، وقال في حق آدم {أية : خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران: 59]. والجواب: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة المخصصة قائمة، فإن الدليل لا بد وأن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود. وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى عليهم السلام، لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك ا هـ منه. ثم قال الرازي أيضاً: اختلف المفسِّرون، فقال بعضهم: المراد من قوله {كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} الحيوان فقط. وقال آخرون: بل يدخل فيه النبات والشجر، لأنه من الماء صار نامياً، وصار فيه الرطوبة والخضرة، والنور والثمر. وهذا القول أليق بالمعنى المقصود، كأنه تعالى قال: ففتقنا السماء لإنزال المطر، وجعلنا منه كل شيء في الأرض من النبات وغيره حياً. حجة القول الأول: أن النبات لا يسمى حياً. قلنا: لا نسلم، والدليل عليه قوله تعالى {أية : يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} تفسير : [الروم: 50] انتهى منه أيضاً.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 30- أَعَمِىَ الذين كفروا ولم يبصروا أن السموات والأرض كانتا فى بدء خلقهما ملتصقتين، فبقدرتنا فَصَلَنا كلا منهما عن الأخرى، وجعلنا من الماء الذى لا حياة فيه كل شئ حى؟! فهل بعد كل هذا يُعرضون، فلا يؤمنون بأنه لا إله غيرنا؟
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كانتا رتقا: أي كتلة واحدة منسدة لا انفتاح فيها. ففتقناهما: أي جعلنا السماء سبع سماوات والأرض سبع أرضين. رواسي: أي جبالاً ثابتة. أي تميد بهم: أي تتحرك فتميل بهم. فجاجا سبلا: أي طرقاً واسعة يسلكونها تصل بهم إلى حيث يريدون. لعلهم يهتدون: إلى مقاصدهم في أسفارهم. وهم عن آياتها: من الشمس والقمر والليل والنهار معرضون. كل في فلك يسبحون: الفلك كل شيء دائر. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد ووجوب تنزيه الله تعالى عن صفات النقص والعجز فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أي الكافرون بتوحيد الله وقدرته وعلمه ووجوب عبادته إلى مظاهر قدرته وعلمه وحكمته في هذه المخلوقات العلوية والسفلية فالسماوات والأرض كانتا كتلة واحدة من سديم فخلق الله تعالى منها السماوات والأرضين كما أن السماء تتفتق بإذنه تعالى عن الأمطار، والأرض تتفتق عن النباتات المختلفة الألوان والروائح والطعوم والمنافع، وأن كل شيء حيّ في هذه الأرض من إنسان وحيوان ونبات هو من الماء أليست هذه كلها دالة على وجود الله ووجوب عبادته وتوحيده فيها؟ فماللناس لا يؤمنون؟ هذا ما دل عليه قوله تعالى في الآية الأولى [30] {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ}؟ وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ} أي جبالاً ثوابت كيلا تميد أي تتحرك وتضطرب بسكانها، {وَجَعَلْنَا فِيهَا} أي في الأرض {فِجَاجاً سُبُلاً} أي طرقاً سابلة للسير فيها {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي كي يهتدوا إلى مقاصدهم في أسفارهم، وقوله: {وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً} من السقوط ومن الشياطين. وقوله: {وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا} من الشمس والقمر والليل والنهار إذ هذه آيات قائمة بها {مُعْرِضُونَ} أي لا يفكرون فيها فيهتدوا إلى معرفة الحق عز وجل ومعرفة ما يجب له من العبادة والتوحيد فيها، وقوله: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أي كل من الشمس والقمر في فلك خاص به يسبح الدهر كله، والفلك عبارة عن دائرة كفلكة المغزل يدور فيها الكوكب من شمس وقمر ونجم يسبح فيها لا يخرج عنها إذ لو خرج يحصل الدمار الشامل للعوالم كلها، فسبحان العليم الحكيم، هذه كلها مظاهر القدرة والعلم والحكمة الإِلهية وهي موجبة للتوحيد مقررة له، ولكن المشركين عنها معرضون لا يفكرون ولا يهتدون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته الموجبة لتوحيده والإِيمان به وطاعته. 2- بيان الحكمة من خلق الجبال الرواسي. 3- بيان دقة النظام الإِلهي، وعظيم العلم والحكمة له سبحانه وتعالى. 4- إعراض أكثر الناس عن آيات الله في الآفاق كإعراضهم عن آياته القرآنية هو سبب جهلهم وشركهم وشرهم وفسادهم.
القطان
تفسير : رتقا: ملتئمتين. ففتقناهما: ففصلناهما. رواسي: جبالا ثابتة. تميد: تضطرب وتتحرك. فجاجا سبلا: الفجاج واحدها فج: المكان المنفرج، والسُبل واحدها سبيل: وهو الطريق الواسع. في فلك: في دائرة بهذا الكون الواسع. نبلوكم: نختبركم. لقد ذكر الله هنا ستة أدلة تثبت وجودَ الخالق الواحد القادر، ولو تدبَّرها المنصِفون، وعقَلَها الجاحدون، لم يجدوا مجالاً للإنكار. الأول: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا}. أولم يعلم الذين كفروا ولم يبصروا الحق، أن السماواتِ والأرضَ كانتا في بدء خَلْقِهما ملتصقتين في صورة كتلة واحدة ففصلناهما حتى صارتا في هذا النظام! وهو ما يسمونه: النظام الشمسي، ويتكون من الشمس، يدور حولها تسعة كواكب سيارة هي: عطارد، والزُّهرة، والأرض، والمريخ، والمشتري، وزحَل، وأورانوس، ونبتون، وبلوتو، وعدد من الأقمار يدور حول كل من هذه الكواكب. ويدخل ضمن هذه الأسرة عدد من الاجسام الصغيرة تقع بين مداري المريخ والمشتري، وتدور حول الشمس كسربٍ من الطير، ومن بينهما المذنّبات، والشُهُب التي نرى الكثير منها يتهاوى في الليل نحو الأرض، ويتمزّق عند احتكاكه بالغلاف الجوي المحيط بها. أما بقية الأجرام التي نراها في السماء ليلاً تزين سطح القبة السماوية فهي النجوم، وهي شموس لا حصر لها، والكثيرُ منها يَكْبُرُ شمسَنا. وهي بعيدة جدا لا نستطيع الوصول اليها بكل ما لدينا من وسائل حديثة، والبحث فيها يطول. ولعلماء الفلك نظريات عديدة في كيفية انفصال هذه الأجرام عن بعضها البعض، لكن هذا الموضع ليس موضع بحثه. والقرآن الكريم كتاب يهدي الانسان الى سعادته في دنياه وآخرته وليس كتاب نظريات في الفلسفة والعلم والفلك وغيره، وان كان ما يرِدُ فيه لا يخالف أحدث نظريات العلم والفلك، واكبر دليل على ذلك هذه الآية العظيمة. الثاني: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ}. وخلقنا من الماء كلَّ ما في هذا العالَم من حياة، فالماء مصدر الحياة لكل نامٍ، إنساناً كان او حيواناً او نباتا، فهل بعد كل هذا يعرضون، فلا يؤمنون بانه لا اله الا الله! وتقرر هذه الآية حقيقةً علمية ثابتة، وهي ان الماء هو المكوِّن الهام في تركيب مادة الخلية، وهي وَحْدة البناء في كل كائن حيّ. ولقد اثبت علم الكيمياء الحيوية ان الماء لازم لحدوث التفاعلات والتحولات التي تتم داخل اجسام الأحياء. وأثبت علم وظائف الاعضاء ان الماء ضروري لقيام كل عضو بوظائفه التي بدونها لا تتوافر له مظاهر الحياة ومقوماتها. الثالث: {وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ}. وجعلنا في الأرض جبالاً ثوابت لئلا تضطرب بمن عليها من الخلق، وجعلنا فيها طرقاً فسيحة، ومسالكَ واسعة، لكي يهتدوا بها في سيرهم الى أغراضهم. وقد ثبت ان توزيع اليابس والماء على الأرض، ووجودَ سلاسل الجبال عليها - يحقق الوضع الذي عليه الأرض من التوازن، فالجبالُ ذات الجذور الممتدة في داخل القشرة الارضية الى اعماق كبيرة تتناسب مع ارتفاعها، فهي كأنّها أوتاد. وبهذا الترتيب تتوزع الأوزان على مختلف جوانب الكرة الارضية. وهذه المعلومات معجزة في الآية ترشِد الى ان القرآن وحيٌ يوحى، لأن احداً لم يكن يعلم عن هذه المعلومات شيئا في العصر الذي نزلت فيه. ولما ارتفعت الجبال حدثت السهول والأودية والممرات بين الجبال وشواطىء البحار والمحيطات والهضاب، وكانت سُبلاً وطرقا. وهذا هو الدليل الرابع حيث يقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}. وجعلنا في الارض طرقاً بين جبالها يسلكها الناس من قُطر الى قطر ومن إقليم الى آخر، ليهتدوا بذلك الى مصالحهم وأمورهم في هذه الحياة الدنيا. الخامس: {وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ}. وجعلنا السماءَ فوقهم كالسقف المرفوع، وحفظناها من أن تقع كما في الآية الاخرى: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : [الحج:66]. او يقع ما فيها عليهم، وهم مع ذلك منصرفون عن النظر في آياتنا الدالَّة على قدرتنا وحكمتنا. فالآية تقرر أن السماواتِ وما فيها من أجرام محفوظةُ بكيانها متماسكةٌ لا خلل فيها، وفق نظام بديع لا يتخلف ولا يتبدل. وقد جعل الله لهذه الأرض غلافاً جوياً يحفظها ويمنع الاشعاعات الضارة من أن تصل إليها، وجعل فوق الغلاف الجوي أجرام السماء على أبعاد مختلفة تحتفظ بنظام دورانها وكيانها منذ القدم وإلى ما شاء الله. والدليل السادس قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}. والله خلق لكم الليلَ والنهار نعمةً منه عليكم فهما يختلفان عليكم لصلاح معايشكم وأمور دنياكم، وخلَقَ الأرض والشمس والقمر تجري في افلاكها، لكل جرم سماوي مدارُه الخاص يسبح فيه. وأجرام السماء كلها لا تعرض السكون، وتتحرك في مدارات خاصة. بعد ذكر هذه الأدلة على وجود الخالق الواحد القادر، بيّن سبحانه وتعالى في كتابه للناسِ أن هذه الدنيا لم تُخلَق للخلود والدوام، وانما للابتلاء والامتحان، ولتكون وسيلةً الى الآخرة التي هي دار الخلود فقال: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ}. وما جعلنا لأحدٍ من البشر قبلك ايها النبي الخلود في هذه الدنيا، فكل من على هذه الأرض ميت، كما قال تعالى ايضا: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} إفإنْ متَّ فهم يخلُدون في هذه الحياة!!. نزلت هذه الآية لما تضايق كبراء قريش من الرسول الكريم فقالوا: نتربّص به الموتَ فنستريح منه. ثم اكد الله الأمرَ وبيّن انه لا يَبقى أحد في هذه الدنيا فقال: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}. كل نفس لا بد ان تذوق الموت، إنما نعاملكم في هذه الحياة معاملة المختبِر بما يصيبكم من شر او خير، ونعلم الشاكر للخير والصابر على البلاء.. إلينا مرجعُكم فنحاسبكم على أعمالكم. والكثيرُ من الناس يصبرون على الابتلاء بالشرّ من مرضٍ او فقر او غير ذلك، لكن القليل القليل منهم يصمد أمام الابتلاء بالخير، ولا تبطره النعمة، ويقوم بحقها خير قيام، ويصبر على الإغراء بالمناصب والمتاع والثراء. روى مسلم في صحيحه ان الرسول الكريم قال: "حديث : عجباً لأمر المؤمن إنّ أَمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمنين، إن اصابتْه سرّاء شَكَرَ فكان خيراً له، وان اصابته ضرّاء صَبَرَ فكان خيرا له " تفسير : {وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ}. واذا رآك المشركون ايها النبي يسخرون منك ويستهزئون، لأنك سفّهت أحلامهم وأتيتهم بالدِّين القويم، ويقول بعضهم لبعض: اهذا الذي يذكر آلهتكم بالعيب! وكيف يعجبون من ذلك وهم كافرون بالله الذي خلقهم وأنعم عليهم!
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {فَفَتَقْنَاهُمَا} (30) - أَلَمْ يَعْلَمِ الكَافِرُونَ باللهِ وَكُتُبه وَرُسُلِهِ، والعَابِدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ أنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ المُسْتَقِلُّ بالخَلْقِ، المُسْتَبِدُّ بالتَّدْبِيرِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ أَنْ يُعْبَدَ مَعَهُ غَيْرُه، أوْ يُشْرَكَ بِهِ مَا سِوَاهُ؟ فَقَدْ كَانَتِ السَّمَاوَاتُ والأرْضُ وَحْدَةً مُتَّصِلَةً فِي ابتداءِ أَمْرِ الخليقَةِ (كَانَتا رَتْقاً) فَفتَقَهُمَا اللهُ تَعَالى، وفَصَلَ بَيْنَ السماءِ والأرْضِ بالهوَاءِ فأمْطَرَتِ السَّمَاءُ وأَنْبَتَتِ الأرْضُ وَجَعَلَ اللهُ المَاءَ أَصْلَ الحَيَاةِ، فَكَيْفَ لاَ يُؤمِنُ هَؤُلاَءِ الكَافِرُونَ، وهُم يَرَوْنَ كُلَّ ذَلِكَ؟ كَانَتَا رَتْقاً - كَانَتَا مُلْتَصِقَتَيْنَِ بِلاَ فَصْلٍ. فَفَتَقْنَاهُمَا - فَفَصَلْنَا بَيْنَهُمَا.
الثعلبي
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَ} قرأه العامّة بالواو، وقر ابن كثير ألم وكذلك هو في مصاحفهم. «ير» يعلم { ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا}. قال ابن عباس والضحاك وعطاء وقتادة: يعني كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله سبحانه بينهما بالهواء. قال كعب: خلق الله سبحانه السماوات والأرضين بعضها على بعض ثمّ خلق ريحاً توسّطتها ففتحها بها. وقال مجاهد وأبو صالح والسدُّي: كانت السماوات مرتقة طبقة واحدة، ففتقها فجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرضون كانت مرتقة طبقاً واحداً ففتقها فجعلها سبع أرضين. عكرمة وعطية وابن زيد: كانت السماء رتقاً لا تمطر، والأرض رتقاً لا تنبت ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات، نظيره قوله سبحانه {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ * وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} تفسير : [الطارق: 11ـ12] وأصل الرتق السدّ ومنه قيل للمرأة التي فرجها ملتحم رتقاً، وأصل الفتق الفتح، وإنّما وحّد الرتق وهو من نعت السموات والأرض لأنّه مصدر، وضع موضع الاسم مثل الزور والصوم والفطر والعدل ونحوها. {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} يعني أنّ كلّ شيء حىّ فإنّه خُلق من الماء، نظيره قوله سبحانه {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ} تفسير : [النور: 45]. {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا} أي في الرواسي {فِجَاجاً} طرقاً ومسالك واحدها فج ثمَّ، فسّر فقال {سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً} من أن تسقط، دليله قوله سبحانه {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [الحج: 65] وقيل: محفوظاً من الشياطين، دليله قوله سبحانه {أية : وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} تفسير : [الحجر: 17]. {وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} فلا يتفكّرون فيها ولا يعتبرون بها يعني الكفار. {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يجرون ويسيرون، والفلك مدار النجوم الذي يضمّها، ومنه فلكة المغزل. قال مجاهد: كهيئة حديدة الرّحا، الضحّاك: فلكها: مجراها وسرعة سيرها. وقال آخرون: الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقال بعضهم: الفلك السماء الذي فيه ذلك الكوكب، وكلّ كوكب يجري في السّماء الذي قدّر فيه وهو بمعنى قول قتادة. {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} دوام البقاء في الدنيا {أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} أي أفهم الخالدون؟ كقول الشاعر: شعر : رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع فقلت وأنكرت الوجوه هُمُ هُمُ تفسير : أي أهمُ؟ نزلت هذه الآية حين قالوا: نتربّص بمحمد ريب المنون. {كُلُّ نَفْسٍ} منفوسة {ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم} نختبركم {بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} ابتلاء لننظر كيف شكركم فيما تحبّون، وكيف صبركم فيما تكرهون. {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ} ما يتّخذونك {إِلاَّ هُزُواً} سخرّياً ويقول بعضهم لبعض {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} بسوء ويعيبها، قال عنترة: شعر : لا تذكري فرسي وما أطعمته فيكون جلدك مثل جلد الأجرب تفسير : أي لا تعيبي مهري. {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ} يعني آدم، قرأ العامّة: بضم الخاء وكسر اللام على غير تسمية الفاعل، وقرأ حميد والأعرج بفتح الخاء واللام يعني خلق الله الانسان {مِنْ عَجَلٍ} اختلفوا فيه فقال بعضهم: يعني أنّ بنيته وخلقته من العجلة وعليها طُبع، نظيره قوله {أية : وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11]. قال سعيد بن جبير والسدي: لمّا دخل الروح في عيني آدم نظر إلى ثمار الجنّة، فلمّا دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}. وقال آخرون: معناه خلق الإنسان من تعجيل في خلق الله إيّاه، وقالوا: خلقه في آخر النهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس فأسرع في خلقه قبل مغيبها. قال مجاهد: خلق الله آدم بعد كلّ شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق، فلمّا أحيا الروح رأسه ولم يبلغ أسفله قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس. وقال بعضهم: هذا من المقلوب مجازه: خُلق العجل من الإنسان كقول العرب: "عرضت الناقة على الحوض" يريدون: عرضت الحوض على الناقة وكقولهم: إذا طعلت الشمس الشعرى، واستوى العود على الحربا أي استوى الحربا على العود. وقال ابن مقبل: شعر : حسرتُ كفّي عن السربالِ آخذه فرداً يجرّ على أيدي المفدينا تفسير : يريد حسرت السربال عن كفّي، ونحوها كثير. وقال أبو عبيد: وكثير من أهل المعاني يقولون: العجل الطين بلغة حمير، وانشدوا: شعر : النبع تنبت بين الصخر ضاحية والنخل ينبت بين الماء والعجل تفسير : أي الطين. {سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} بالعذاب وسؤال الآيات {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} الذي تعدنا من العذاب، وقيل: القيامة، وتقديره الموعود {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. قال الله سبحانه {لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ} يمنعون {عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ} السياط {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} وفي الآية اختصار يعني لمّا أقاموا على كفرهم ولم يتوبوا. {بَلْ تَأْتِيهِم} يعني الساعة {بَغْتَةً} فجأةً {فَتَبْهَتُهُمْ} قال ابن عباس: تفجأهم، وقال الفرّاء: تحيّرهم. {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم} يحفظكم ويحرسكم {بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} إذا انزل بكم عذابه، ومعنى الآية: من أمر الرَّحْمن وعذابه. ثم قال سبحانه {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ} كتاب ربّهم {مُّعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ} الميم صلة فيه وفي أمثاله {آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ} فكيف ينصرون عابديهم. {وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ} قال ابن عباس: يمنعون، عطية عنه: يُجارون، يقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان أي مجير عنه. مجاهد: ينصرون ويحفظون، قتادة: لا يصحبون من الله بخير. {بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ} الكفّار {وَآبَآءَهُمْ} في الدنيا {حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ} يعني ما ننقص من أطراف المشركين ونزيد في أطراف المؤمنين. {أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} أم نحن {قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ} بالقرآن {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ} قرأ أبو عبد الرَّحْمن السلمي بضم الياء وفتح الميم، الضم رفع بمعنى أنّه لا يفعل بهم ذلك على مذهب ما لم يبين فاعله. وقرأ ابن عامر «تُسمع» بتاء مضمومة وكسر الميم والصُمَّ نصباً، جعل الخطاب للنبي (عليه السلام)، وقرأ الآخرون: «يسمع» بياء مفتوحة وفتح الميم الصمُّ رفع على أنّ الفعل لهم {إِذَا مَا يُنذَرُونَ} يخوّفون ويحذّرون. {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ} أصابتهم {نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ} قال ابن عباس: طرف، مقاتل وقتادة: عقوبة، ابن كيسان: قليل، ابن جريج: نصيب، من قولهم: نفح فلان لفلان إذا أعطاه قسماً وحظّاً منه، بعضهم: ضربة، من قول العرب: نفحت الدابة برجلها إذا ضربت بها. قال الشاعر: شعر : وعمرة من سروات النساء تنفح بالمسك أردانها تفسير : {لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ} العذاب وإنّما وحدّ القسط وهو جمع الموازين لأنّه في مذهب عدل ورضىً. قال مجاهد: هذا مَثَل، وإنّما أراد بالميزان العدل. {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} لا ينقص من حسناته ولا يزاد على سيّئاته. يروى أنّ داود (عليه السلام) سأل ربّه أن يريه الميزان فأراه، فلمّا رآه غشي عليه ثم أفاق، فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفّته حسنات؟ فقال: يا داود إنّي إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة. فان قيل: كيف وجه الجمع بين هذه الآية وبين قوله سبحانه {أية : فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً} تفسير : [الكهف: 105]؟ فالجواب: إن المعنى فيه: لا نقوّمها ولا تستقيم على الحقّ، [من ناقصه سائله] لأنها باطلة. {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} رفع أهل المدينة المثقال بمعنى: وان وقع، وحينئذ لا خبر له ونصبها الباقون على معنى: وإن كان ذلك الشيء مثقال، ومثله في سورة لقمان {أَتَيْنَا بِهَا} أحضرناها، وقرأ مجاهد: آتينا بالمدّ أي جازينا بها. {وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ} يعني الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل وهو التوراة. وقال ابن زيد: النصر على الأعداء، دليله قوله {أية : وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} تفسير : [الأنفال: 41] يعني يوم بدر، وهذا القول أشبه بظاهر الآية لدخول الواو في الضياء والذكر للمتّقين، وعلى هذا التأويل تكون الواو مقحمة زائدة كقوله سبحانه وتعالى {أية : بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً} تفسير : [الصافات: 6-7]. ويروى أنّ عكرمة كان يقول في هذه الآية: معناها: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء، ويقول: انقلوا هذه الواو إلى قوله سبحانه وتعالى {أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} تفسير : [غافر: 7]. {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} أي يخافونه ولم يروه {وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ * وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ} يعني القرآن {أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} جاحدون.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ..} [الأنبياء: 30] يعني: أعميتْ أبصارهم، فلم ينظروا إلى هذا الكون البديع الصنع المحكم الهندسة والنظام، فيكفروا بسبب أنهم عَمُوا عن رؤية آيات الله. وهكذا كما رأيت الهمزة بعد الواو والفعل المنفي. لكن كيف يقول الحق سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ..} [الأنبياء: 30] والحديث هنا عن السماء والأرض، وقد قال تعالى: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]؟ فهذه مسألة لم يشهدها أحد، ولم يخبرهم أحد بها، فكيف يروْنَها؟ سبق أن تكلمنا عن الرؤية في القرآن، وأن لها استعمالات مختلفة: فتارة تأتي بمعنى: نظر أي: بصرية. وتأتي بمعنى: علم، ففي قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1]. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يَرَ هذه الحادثة ولم يشهدها؛ لأنه وُلِد في نفس عامها، فالمعنى: ألم تعلم، فلماذا عَدلَ السياق عن الرؤية البصرية إلى الرؤية العلمية، مع أن رؤية العين هي آكد الرُّؤى، حتى أنهم يقولون: ليس مع العَيْن أيْن؟ قالوا: لأن الله تعالى يريد أن ينبه رسوله صلى الله عليه وسلم: أنت صحيح لم ترهَا بعينيك، لكن ربك أخبرك بها، وإخبار الله أصدق من رؤية عينيك، فإذا أخبرك الله بشيء فإخبار الله أصدقُ من رؤية العين، فالعين يمكن أنْ تخدعك، أو ترى بها دون أنْ تتأمل. أما إخبار الله لك فصادقٌ لا خداعَ فيه. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} تفسير : [مريم: 83]. لكن، كيف تمَّتْ الرؤية العلمية لهم في مسألة خَلْق السماوات والأرض؟ قالوا: لأن الإنسانَ حين يرى هذا الكون البديع كان يجب عليه ولو بغريزة الفضول أنْ يتساءلَ: من أين جاء هذا الكون العجيب؟ والإنسان بطبعه يلتفت إلى الشيء العجيب، ويسأل عنه، وهو لا يعنيه ولا ينتفع به، فما بالُكَ إنْ كان شيئاً نافعاً له؟ إذن: كان عليهم أن ينظروا: مَنِ الذي نبَّأَ رسول الله بهذه المسألة؟ خاصة وقد كانوا يسألون عنها، وقد جاءهم رسول الله بمعجزة تُثبِت صدقه في البلاغ عن الله، وتُخبرهم بما كانوا يبحثون عنه، وما دام الكلام من الله فهو صدق: {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً} تفسير : [النساء: 122]. وقد نزل القرآن وفي جزيرة العرب كفار عُبَّاد أصنام، وفيها اليهود وبعض النصارى، وهما أهل الكتاب يؤمنون بإله وبرُسُل وبكتب، حتى إنهم كانوا يجادلون الكفار الوثنيين يقولون لهم: لقد أطلّ زمان نبي سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. ومع ذلك، لما جاءهم ما عرفوا من الحق كفروا به، والتحموا بالكفار، وكوَّنوا معهم جبهة واحدة، وحزباً واحداً، ما جمعهم إلا كراهية النبي، وما جاء به من الدين الحق، وما أشبهَ هذا بما يفعله الآن كُلٌّ من المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي من اتحاد ضد الإسلام. إذن: بعد أنْ جاء الإسلام أصبح أهلُ الكتاب والكفار ضد الإسلام في خندق واحد، وكان الكفار يسمعون من أهل الكتاب، وفي التوراة كلام عن خَلْق السماء والأرض يقول: إن الله أول ما خلق الخَلْق خلق جوهرة، ثم نظر إليها نظرَ الهيبة فحصل فيها تفاعل وبخار ودخان، فالدخان صعد إلى أعلى فكوَّنَ السماء، والبقية ظلتْ فكوَّنت الأرض. وهكذا كان لديهم طرف من العلم عن مسألة الخَلْقِ؛ لذلك قال الله عنهم: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ..} [الأنبياء: 30]. وقد كان للمستشرقين كلام حول قوله تعالى: {كَانَتَا رَتْقاً ..} [الأنبياء: 30] قالوا: السماوات جمع، والأرض كذلك جنس لها جمع، فالقاعدة تقتضي أنْ نقول: كُنَّ رتقاً بضمير الجمع. وصاحب هذا الاعتراض لم يَدْر أن الله سبحانه وتعالى نظر إلى السماء كنوع والأرض كنوع، فالمراد هنا السماوية والأرضية وهما مُثنَّى. وفي القرآن نظائر كثيرة لهذه المسألة؛ لأن القرآن جاء بالأسلوب العربي المبنيّ على الفِطنة والذكاء ومُرونة الفهم. فخُذْ مثلاً قوله تعالى: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ..} تفسير : [الحجرات: 9]. فلم يقُلْ حسْب الظاهر: اقتتلتَا؛ لأن الطائفة وإنْ كانت مفرداً إلا أنها تحوي جماعة، والقتال لا يكون بين طائفة وطائفة، إنما بين أفراد هذه وأفراد هذه، فالقتال ملحوظ فيه الجمع {أية : ٱقْتَتَلُواْ ..} تفسير : [الحجرات: 9] فإذا ما جِئْنا للصُّلْح نرى أن الصُّلْحَ لا يتم بين هؤلاء الأفراد، وإنما بين ممثل عن كل طائفة، فالصُّلْح قائم بين طرفين؛ لذلك يعود السياق للتثنية. {أية : فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ ..} تفسير : [الحجرات: 9]. والرَّتْق: الشيء الملتحم الملتصق، ومعنى {فَفَتَقْنَاهُمَا..} [الأنبياء: 30] أي: فَصلَنْاهما وأزَحْنَا هذا الالتحام، وما ذُكِر في التوراة من أن الله تعالى خلق جوهرة، ثم نظر إليها في هَيْبة، فحصل لها كذا وكذا في القرآن له ما يؤيده في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ..} تفسير : [فصلت: 11]. والعلماء ساعةَ يستقبلون الآية الكونية لهم فيها مذاهب اجتهادية مختلفة؛ لأنها تتعرَّض لحقيقة الكون، وهذا أمر قابل للخلاف، فكلُّ واحد منهم يأخذ منه على قَدْر ثقافته وعِلْمه. فالعربي القديم لم يكُنْ يعرف كثيراً عن الظواهر الكونية، لا يعرف الجاذبية، ولا يعرف كُروية الأرض ولا حركتها، فلو أن القرآن تعرَّض لمثل هذه الأمور التي لا يتسع لها مداركه وثقافته فلربما صرفه هذا الكلام الذي لا يفهمه، ولك أنْ تتصوَّر لو قلتَ له مثلاً: إن الأرض كرة تدور بنا بما عليها من بحار وجبال الخ. والقرآن بالدرجة الأولى كتاب منهج "افعل كذا" و "لا تفعل كذا" لذلك كلُّ ما يتعلق بهذا المنهج جاء واضحاً لا غموض فيه، أمَّا الأمور الكونية التي تخضع لثقافات البشر وارتقاءاتهم الحضارية فقد جاءت مُجْملةً تنتظر العقول المفكرة التي تكشف عن هذه الظواهر واحدةً بعد الأخرى، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعطينا مجرد إشارة، وعلى العقول المتأمّلة أنْ تُكمِلَ هذه المنظومة. وقد كان لعلماء الإسلام موقفان في هذه المسألة، كلاهما ينطلق من الحب لدين الله، والغرام بكتابه، والرغبة الصادقة في إثبات صدْق ما جاء به القرآن من آيات كونية جاء العلم الحديث ليقول بها الآن، وقد نزل بها القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان. الموقف الأول: وكان أصحابه مُولعين بأنْ يجدوا لكل اكتشاف جديداً شاهداً من القرآن ليقولوا: إن القرآن سبق إليه وأن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق في بلاغه عن الله. الموقف الثاني: أما أصحاب الموقف الآخر فكانوا يتهيَّبون من هذه المسألة خشية أن يقولوا بنظرية لم تثبت بَعْد، ويلتمسون لها شاهداً من كتاب الله، ثم يثبُت بطلانها بعد أنْ ربطوها بالقرآن. والموقف الحق أن هناك فرقاً بين نظرية علمية، وحقيقة علمية، فالنظرية مسألة محلّ بحث ومحلّ دراسة لم تثبت بَعْد؛ لذلك يقولون: هذا كلام نظري أي: يحتاج إلى ما يؤيده من الواقع، أمّا الحقيقة العلمية فمسألة وقعتْ تحت التجربة، وثبت صدقها عملياً ووثقنا أنها لا تتغير. فعلينا - إذن - أَلاَّ نربط القرآن بالنظرية التي تحتمل الصدق أو الكذب، حتى لا يتذبذب الناس في فَهْم القرآن، ويتهمونا أننا نُفسِّر القرآن حَسْب أهوائنا. أمّا الحقيقة العلمية الثابتة فإذا جاءت بحيث لا تُدفَع فلا مانعَ من ربطها بالقرآن. من ذلك مسألة كروية الأرض، فعندما قال بها العلماء اعترض كثيرون وأثاروها ضجة وألَّفوا فيها كتباً، ومنهم مَنْ حكم بكفر مَنْ يقول بذلك؛ لأن هذه المسألة لم ينص عليها القرآن. فلما تقدم العلم، وتوفرتْ له الأدلة الكافية لإثبات هذه النظرية، فوجدوا الكواكب الأخرى مُدوَّرة كالشمس والقمر، فلماذا لا تكون الأرض كذلك؟! كذلك إذا وقفتَ مثلاً على شاطئ البحر، ونظرتَ إلى مركب قادم من بعيد لا ترى منها إلا طرفَ شراعها، ولا ترى باقي المركب إلا إذا اقتربتْ منك، عَلامَ يدلُّ ذلك؟ هذا يدل على أن سطح الأرض ليس مستوياً، إنما فيه تقوُّس وانحناء يدل على كُرويتها. فلما جاء عصر الفضاء، وصعد العلماء للفضاء الخارجي، وجاءوا للأرض بصور، فإذا بها كُروية فعلاً، وهكذا تحولتْ النظرية إلى حقيقة علمية لا تُدفع، ولا جدال حولها، ومَنْ خالفها حينما كانت نظرية لا يسعه الآن إلاّ قبولها والقول بها. وما قلناه عن كُروية الأرض نقوله عن دورانها، ومَنْ كان يصدق قديماً أن الأرض هي التي تدور حول الشمس بما عليها من مياه ومَبانٍ وغيره؟ ولك أن تأخذَ كوزاً ممتلئاً بالماء، واربطه بخيط من أعلى، ثم أَدِرْه بسرعة من أسفل إلى أعلى، تلاحظ أن فوهة الكوز إلى أسفل دون أنْ ينسكب الماء، لماذا؟ لأن سرعة الدوران تفوق جاذبية الأرض التي تجذب الماء إليها، بدليل أنك إذا تهاونتَ في دوران الكوز يقع الماء من فُوهته، ولا بُد من وجود تأثير للجاذبية، فجاذبية الأرض هي التي تحتفظ بالماء عليها أثناء دورانها. أما أن نلتقط نظرية وليدة في طََوْر البحث والدراسة، ثم نفرح بربطها بالقرآن كما حدث أوائل العصر الحديث والنهضة العلمية، حين اكتشف العلماءُ المجموعةَ الشمسية، وكانت في بدايتها سبعة كواكب فقط مُرتّبة حسب قُرْبها من الشمس في المركز: عطارد، فالزهرة، فالأرض، فالمريخ، فالمشتري، فزُحَل، فأورانوس. وهنا أسرع بعض علمائنا الكبار - منهم الشيخ المراغي - بالقول بأنها السماوات السبع، وكتبوا في ذلك بحوثاً، وفي القرآن الذي سبق إلى هذا. ومرَّتْ الأيام، واكتشف العلماء الكواكب الثامن (نبتون)، ثم التاسع. إذن: رَبْط النظرية التي لم تتأكد بَعْد علمياً بالقرآن خطأ كبير، ومن الممكن إذا توفَّر لهم أجهزةٌ أحدث ومجاهر أكبر - كما يقول بعض علماء الفضاء - لاكتشفوا كواكب أخرى كثيرة، لأن مجموعتنا الشمسية هذه واحدة من مائة مليون مجموعة في المجرة التي نسميها (سكة التبَّانة)، والإغريق يسمونها (الطريق اللبني). وهذه الكواكب التي نراها كبيرة وعظيمة، لدرجة تفوق تصورات الناس، فالشمس التي نراها هذه أكبر من الأرض بمليون وربع مليون مرة، وهناك من الكواكب ما يمكنه ابتلاع مليون شمس في جوفه. والمسافة بيننا وبين الشمس ثماني دقائق ضوئية، وتُحسب الدقيقة الضوئية بأن تُضرب في ستين ثانية، الثانية الواحدة السرعة فيها 186 ألف ميل يعني: ثلاثمائة ألف كيلومتر. أما المسافة بين الأرض والمرأة المسلسلة فقد حسبوها بالسنين الضوئية لا الدقائق، فوجدوها مائة سنة ضوئية، أما الشِّعْرى الذي امتنَّ الله به في قوله {أية : وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ} تفسير : [النجم: 49] فهو أبعد من ذلك. وهذه الكواكب والأفلاك كلها في السماء الدنيا فقط، فما دَخْل هذا بالسماوات السبع التي تحدثوا عنها؟! لذلك حاول كثيرون من عُشَّاق هؤلاء العلماء أن يمحوا هذه المسألة من كتبهم، حتى لا تكون سُبَّة في حقِّهم وزلّة في طريقهم العلمي. كذلك من النظريات التي قالوا بها وجانبتْ الصواب قولهم: إن المجموعة الشمسية ومنها الأرض تكوَّنت نتيجة دوران الشمس وهي كتلة ملتهبة، فانفصل عنها بعض (طراطيش)، وخرج منها بعض الأجزاء التي بردتْ بمرور الوقت، ومنها تكونت الأرض، ولما بردتْ الأرض أصبحتْ صالحة لحياة النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان بدليل أن باطن الأرض ما يزال ملتهباً حتى الآن. وتتفجر منه براكين كبركان (فيزوف) مثلاً. والقياس العقلي يقتضي أن نقول: إذا كانت الأرض قطعة من الشمس وانفصلت عنها، فمن الطبيعي أن تبرد مع مرور الزمن وتقلّ حرارتها حتى تنتهي بالاستطراق الحراري، إذن: فهذه نظرية غير سليمة، وقولكم بها يقتضي أنكم عرفتم شيئاً عن خَلْقِ السماواتِ والأرضِ ما أخبر الله به، وقد قال تعالى: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الكهف: 51]. ثم يقول في آية جامعة {أية : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. والمضلّ هو الذي يأخذ بيدك عن الحقيقة إلى الباطل، وكأن الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى ما سيكون من أقوال مُضلِّلة في هذه المسألة تقول: حدث في الخلق كيت وكيت. والواجب علينا أن نأخذ هذه التفاصيل من الخالق - عز وجل - وأن نقف عند هذا الحد، لأن معرفتك بكيفية الشيء ليست شرطاً لانتفاعك به، فأنت تنتفع بمخلوقات الله وإن لم تفهم كيف خُلِقَتْ؟ وكيف كانت؟ انتفعنا بكروية الأرض وبالشمس وبالقمر دون أن نعرف شيئاً عنها، ووضع العلماء حسابات للكسوف وللخسوف والأوقات قبل أن تكتشف كروية الأرض. فالرجل الأميّ الذي لا يعلم شيئاً يشتري مثلاً "التليفزيون" ويتعلم كيفية تشغيله والانتفاع به، دون أنْ يعلم شيئاً عن تكوينه أو كيفية عمله ونَقْله للصورة وللصوت.. إلخ. فخُذْ ما في الكون من جمال وانتفع به كما خلقه الله لك دون أن نخوض في أصل خَلْقه وكيفية تكوينه، كما لو قُدِّم لك طعام شهيّ أتبحثُ قبل أن تأكل: كيف طُهِي هذا الطعام؟! وقد تباينتْ آراء العلماء حول هذه الآية ومعنى الرَّتْق والفَتْق، فمنهم مَنْ قال بالرأي الذي قالتْه التوراة، وأنها كانت جوهرة نظر الله إليها نظرة المهابة، وحدث لها كذا وكذا، وتكوَّنت السماء والأرض. ومنهم مَنْ رأى أن المعنى خاصٌّ بكل من الأرض والسماء، كل على حِدَة، وأنهما لم يكونا أبداً ملتحمتين، واعتمدوا على بعض الآيات مثل قوله تعالى: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً} تفسير : [عبس: 24-28]. وفي موضع آخر قال: {أية : فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} تفسير : [القمر: 11-12]. فالمراد - إذن - أن الأرض وحدها كانت رَتْقاً، فتفجرت بالنبات، وأن السماء كانت رتْقاً فتفجرت بالمطر، فشقَّ الله السماء بالمطر، وشَقّ الأرض بالنبات الذي يصدعها: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ * وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} تفسير : [الطارق: 11-12]. وقال عن السماء: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ ..} تفسير : [الفرقان: 25] على اعتبار أن السماء كُلُّ ما علاك فأظلّك، فيكون السحاب من السماء. نفهم من هذا الرأي أن الفَتْق ليس فَتْقَ السماء عن الأرض، إنما فتق كل منهما على حِدَة، وعلى كل حال هو فَهْم لا يُعطي حكماً جديداً، واجتهاد على قَدْر عطاء العقول قد تُثبته الأيام، وقد تأتي بشيء آخر، المهم أن القوليْن لا يمنع أحدُهما الآخر. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ..} [الأنبياء: 30] قال أصحاب التأويل الثاني: ما دام ذكر هنا الماء، فلا بُدَّ أن له صلة بالرَّتْق والفَتْق في كل من الأرض والسماء. ونلحظ أن الآية لم تَقُلْ: كل شيء حيَّا، إنما {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ..} [الأنبياء: 30] وقد استدلوا بها على أن الحيَّ المراد به الحياة الإنسانية التي نحياها، ولم يفطنوا إلى أن الماء داخلٌ في تكوين كل شيء، فالحيوان والنبات يحيا على الماء فإنْ فَقَد الماء مات وانتهى، وكذلك الأدنى من الحيوان والنبات فيه مائية أيضاً، فكُلُّ ما فيه لمعة أو طراوة أو ليونة فيه ماء. فالمعنى {كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ..} [الأنبياء: 30] أي: كل شيء مذكور موجود. والتحقيق العلمي أن لكل شيء حياةً تناسبه، وكل شيء فيه ماء، بدليل قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 24]. والحق سبحانه يخاطبهم وهم أحياء، إذن: يحييكم أي: حياة أخرى لها قيمة؛ لأن حياتكم هذه قصاراها الدنيا، إنما استجيبوا لحياة أخرى خالدة هي حياة الآخرة. وسُمِّي الشيء الذي يتصل بالمادة، فتدبّ فيها الحياة روحاً، فقال: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ..} تفسير : [الحجر: 29]. وسُمِّي المنهج الذي ينزل من السماء لهداية الأرض روحاً، وسُمّي الملَك الذي ينزل به روحاً؛ لأنه يعطينا حياة دائمة باقية، لا فناء لها، وهكذا يتم الارتقاء بالحياة. فإذا نزلنا أدنى من ذلك وجدنا للحيوان حياة، وللنبات حياة، فالحيوان يَنْفَق ويموت، والنبات إنْ منعتَه الماء جَفَّ وذَبُل وانتهى. أما الجماد فله حياة أيضاً، بدليل قوله تعالى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ..} تفسير : [القصص: 88]. فوَصَف كل ما يقال له شيء بأنه هالك، والهلاك ضد الحياة، فلا بُدَّ أن تكون له حياة، ألم تقرأ قوله تعالى: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ..} تفسير : [الأنفال: 42] فالحياة ضِدُّها الهلاك. إذن: فكل شيء في المخلوقات حتى الجماد له حياة، وفي تكوينه مائية، كما قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ..} [الأنبياء: 30]. ويختتم سبحانه هذه الآية بقوله: {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] يعني: أعَمُوا عن هذه الآيات التي نُبِّهوا إليها، وامتنعوا عن الإيمان؟ فكان يجب عليهم أنْ يلتفتوا إلى هذه الآيات العجيبة والنافعة لهم، كيف والبشر الآن يقفون أمام مخترع أو آله حديثة أو حتى لُعبة تبهرهم فيقولون: مَنْ فعل هذه؟ ويُؤرِّخون له ولحياته، وتخرَّج في كلية كذا ... إلخ. فمن الأَوْلى أنْ نلتفتَ إلى الخالق العظيم الذي أبدع لنا هذا الكون، فالانصراف - إذن - عن آيات الله والإعراض عنها حالة غير طبيعية لا تليق بأصحاب العقول. يقول الحق سبحانه: {وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} معناه كانتْ السّمواتُ والأرضُ واحِدةً فَفَتَق من الأَرضِ سَبعَ أرضينَ. ويقال: فَتقَ السَّماءَ بالمطرِ والأَرضَ بالنَّباتِ. والرَّتقُ: التي لا ثَقبَ فيهَا. تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} معناهُ من النُّطفةِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الآيات مما في الأرض والسماوات بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30] يشير إلى أن أرواح المؤمنين والكافرين خلقت قبل السماوات والأرض كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه تعالى خلق الأرواح وكانت شيئاً قبل الأجساد بألفي عام"تفسير : ، وفي نهاية رواية: "حديث : بأربعة آلاف سنة" تفسير : وكان خلق السماوات والأرض بمشهد من الأرواح وكانت شيئاً واحداً كما جاء في الحديث المشهور: "حديث : أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بنظر الرحمة، فبحمد نصفها فخلق منه العرش فارتعد العرش، فكتب الله تعالى: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فسكن العرش وترك الماء على حالته يرتعد إلى يوم القيامة، وذلك قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} [هود: 7]" تفسير : وفي رواية ابن عمران بن حصين: "حديث : وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض" تفسير : أي: ثم من تلاطم أمواجه صعدت أدخنة، وارتفع بعضها متراكماً على بعض، وكان لها زبد فخلق منها السماوات والأرض طباقاً، وكانتا رتقاً فخلق الريح منها فتق بين أطباق السماء وأطباق الأرض. كما أخبر بقوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} تفسير : [فصلت: 11] وإنما خلقها من دخان ولم يخلقها من بخار؛ لأن الدخان خلق متماسك الأجزاء يستقر في منتهاه، والبخار كم كمال عمله وحكمته، ثم بعد ذلك مدَّ الزبد على وجه الماء ودحاه فصار أرضاً بقدرته، وذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات: 30] ثم نظر إليها بعين الرحمة فجمدت كما جاء في الحديث قوله: "حديث : فبحمد بعضها" تفسير : وهو التذلل في قوله تعالى: {أية : جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً} تفسير : [الملك: 15] وأشار إلى هذه الجملة بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} [الأنبياء: 30] في قوله تعالى: {أية : جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ} تفسير : [الملك: 15] {كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30]. وبقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] يشير إلى أنه خلق حياة كل ذي حياة من الحيوانات من الماء الذي عرشه، وذلك أن الجوهرة التي هي مبدأ الموجودات هو الروح الأعظم خلقت أرواح الإنسان والملك من أعلاها، وخلقت أرواح الحيوان والدواب من أسفلها، وهو الماء كما قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ} تفسير : [النور: 45] وكان ذلك كله بمشهد من الأرواح ولذلك قال تعالى: {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] أي: أفلا يؤمنون بما خلقنا بمشهد من أرواحهم. وبقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ} [الأنبياء: 31] يشير إلى: الأبدال الذين هم أوتاد الأرض وأطوارها، فأهل الأرض بهم يرزقون وبهم يمطرون {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً} [الأنبياء: 31] أي: وجعلنا في إرشادهم الفجاج والسبل إلى الله تعالى {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء: 31] بهم إلى الله تعالى. {وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ} [الأنبياء: 32] سماء القلب {سَقْفاً مَّحْفُوظاً} [الأنبياء: 32] من وساوس شياطين الجن والإنس {وَهُمْ} [الأنبياء: 32] أي كافر النعمة {عَنْ آيَاتِهَا} [الأنبياء: 32] عن رؤية آياتها التي أودعنا فيها من الدلائل والبرهان والأسرار والحكم البالغة التي بها يهتدي وعن التفكر فيها {مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 32]؛ لأنهم أقبلوا بكليتهم إلى الدنيا، وطلب زخارفها والتلذذ بشهواتها، وأعرضوا عن الله وشكر نعمه، والقيام بعبوديته. {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ} [الأنبياء: 33] ليل النفس الظلمانية {وَٱلنَّهَارَ} [الأنبياء: 32] نهار القلب المضيء {وَٱلشَّمْسَ} [الأنبياء: 32] وهي شمس نور الله الذي نور الله به قلوب أوليائه {وَٱلْقَمَرَ} [الأنبياء: 33] وهو نور الإسلام الذي شرح الله به صدور المؤمنين، وجعل بضوئه نفوسهم قرأ {كُلٌّ} [الأنبياء: 33] من أهل الإسلام، وأهل الإيمان، وأهل الولاية {فِي فَلَكٍ} [الأنبياء: 33] أفلاك أطوار القلب {يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] يبحرون ويسلكون. ثم أخبر عن الرحلة من دار الفناء إلى دار البقاء بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} [الأنبياء: 34] يشير إلى أنه ليس من شأنه أن يخلد آدمياً في الدنيا، وإن كانا قادرين على تخليده {أَفَإِنْ مِّتَّ} [الأنبياء: 34] يا محمد كما هو من سنتنا {فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34] في الدنيا بقدرتنا، بل أنت ميت وهم ميتون كما هو من سنتنا دليله قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30]. وبقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} [الأنبياء: 35] يشير إلى أن من الحكمة البالغة والنعمة السابغة أنه جمع في طينة الإنسان ما أفرد به الملائكة بروح نوراني علوي باق أبدي، وأفرد الحيوانات بروح حيواني سفلي فانٍ، فأفرد الإنسان بتركيب الروحين فيه فانٍ حيوانيٍ وباقٍ ملكي، فالحكمة في ذلك: أن الروح الملكي غير متغذ، وإنما بقاؤه بالتسبيح والتقديس وهو بمثابة النفس للحيوان، ولهذا ليس للملك الترقي من مقامه والروح الحيواني قابل للترقي؛ لأنه متغذ، فجعل الله الإنسان مركباً من الروحين؛ لينقطع روحه الملكي بطبع روحه الحيواني المتغذي، وقبول الفناء الذي يعبر عنه بالموت؛ ليصير مترقياً كالحيوان، وينطبع روحه الحيواني بطبع روحي الملكي؛ ليصير مسبحاً ومقدساً كالملك باقياً بعد المفارقة بخلاف الحيوانات؛ ولكن من اختصاص الروح الحيواني في التغذي: أن يجعل الغذاء جنس المتغذي، ويلونه بلونه، وصفته الروح الإنساني أن يكون متلوناً بلون الغذاء ومتصفاً بصفته؛ وذلك لأن غذاء الروح الحيواني الطعام الشراب، وهي من الجماد والنبات والحيوان المذبوح المطبوخ فيهما الرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة مركوزة بالطبع، والروح الحيواني غالب عليها ومتصرف فيها بالطبع فيجعلها من جنس المتغذي، وغذاء الروح الإنساني ذكر الله وطاعته، والشوق والمحبة إلى لقائه الكريم، وفيه النور والجذبة الإلهية وهي غالباً على الروح؛ فالروح يتجوهر بجوهرها، وفي الجوهرة بجوهر النور الرباني نوع من الفتاء عن وجوده والبقاء بنور ربه، فهو بمثابة ميت ذاق الموت، ثم أحيي بنور ربه، كما قال الله تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأنعام: 122] فهذا الموت الذي استحق به الروح الإحياء بنور الله إنما استقاه من النفس الحيوانية التي هي ذائقة الموت، فافهم جيداً. وبقوله تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35] يشير إلى أنا نبلوكم بالمكروهات التي تسمونها شراً وهي: الخوف والجوع والنقص من الأموال والأنفس والثمرات، وأنه فيها موت النفس وحياة القلب، ونبلوكم بالمحبوبات التي يسمونها الخير وهي: {أية : ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ} تفسير : [آل عمران: 14] وفيها حياة النفس وموت القلب، وكلتا الحالتين ابتلاه، فمن صبر على موت النفس على صفاتها بالمكروهات وعن الشهوات فله البشارة بحياة القلب واطمئنان النفس، وله استحقاق الرجوع إلى ربه بجذبة: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 28] للطف، كما قال الله تعالى: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35] فيصير ما يحسبه الشر خيراً، كما قال تعالى: {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 216] ومن لم يصبر على المكروهات وعن الشهوات المحبوبات، ولم يشكر عليها بأداء حقوق الله تعالى فله العذاب الشديد من كفران النعمة، ويصير ما يحسبه الخير شراً كما قال تعالى: {أية : وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 216] فيرجع إلى الله بالقهر في السلاسل والأغلال.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: أولم ينظر هؤلاء الذين كفروا بربهم، وجحدوا الإخلاص له في العبودية، ما يدلهم دلالة مشاهدة، على أنه الرب المحمود الكريم المعبود، فيشاهدون السماء والأرض فيجدونهما رتقا، هذه ليس فيها سحاب ولا مطر، وهذه هامدة ميتة، لا نبات فيها، ففتقناهما: السماء بالمطر، والأرض بالنبات، أليس الذي أوجد في السماء السحاب، بعد أن كان الجو صافيا لا قزعة فيه، وأودع فيه الماء الغزير، ثم ساقه إلى بلد ميت; قد اغبرت أرجاؤه، وقحط عنه ماؤه، فأمطره فيها، فاهتزت، وتحركت، وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، مختلف الأنواع، متعدد المنافع، [أليس ذلك] دليلا على أنه الحق، وما سواه باطل، وأنه محيي الموتى، وأنه الرحمن الرحيم؟ ولهذا قال: { أَفَلا يُؤْمِنُونَ } أي: إيمانا صحيحا، ما فيه شك ولا شرك. ثم عدد تعالى الأدلة الأفقية فقال: { وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 531 : 6 : 4 - سفين عن سعيد بن مسروق عن عكرمة قال، سئل بن عباس "أكان الليل قبل أو النهار"؟ فقرأ {أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} ثم قال، هل كان بينهما إلا ظلمة. ذلك ليعلموا إن الليل قبل النهار. [الآية 30]. 632 : 7 : 5 - سفين عن خصيف عن مجاهد في قول الله {فَفَتَقْنَاهُمَا} قال، فتقت هذه بالماء وهذه بالنبات. 633 : 8 : 36 - سفين عن الضحاك في قوله {كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} قال، كن سبعا ملتزقات. ففتق بعضهن من بعض. [الآية 30].
همام الصنعاني
تفسير : 1857- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}: [الآية: 30]، قال: كل شيء حَيٌّ خُلق من المَاءِ. 1858- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: {رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا}: [الآية: 30]، قال: فتق سبع سماوات بَعْضَهُنَّ فوق بعض، وسبع أرضين، بعضهنَّ تحت بعض. 1859- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا}: [الآية: 30]، قال فتق السَّماء عن الماء والأرض عن النبات. 1860- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبيه، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: خلق الله الليل (قبل) النهار. ثم قرأ: {كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):