٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجَعَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ } جبالاً ثوابت لـ{أَن } لا {تَمِيدَ } تتحرك {بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا }أي الرواسي {فِجَاجاً } مسالك {سُبُلاً } بدل طرقاً نافذة واسعة {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } إلى مقاصدهم في الأسفار.
ابن عطية
تفسير : "الرواسي" جمع راسية أي ثابتة يقال رسا يرسو إذا ثبت واستقر ولا يستعمل إلا في الأجرام الكبار كالجبال والسفينة ونحوه، ويروى أن الأرض كانت تكفأ بأهلها حتى ثقلها الله تعالى بالجبال فاستقرت، و"الميد" التحرك، و"الفجاج" الطرق المتسعة في الجبال وغيرها، و {سبلاً} جمع سبيل، والضمير في قوله تعالى: {فيها} يحتمل أن يعود على الرواسي ويحتمل أن يعود على {الأرض} وهو أحسن، و {يهتدون} معناه في مسالكهم وتصرفهم، و"السقف" ما علا، و"الحفظ" هنا عام في الحفظ من الشياطين ومن الرمي وغير ذلك من الآفات، و {آياتها} كواكبها وأمطارها، والرعد والبرق والصواعق وغير ذلك مما يشبه، وقرأت فرقة "وهم عن آيتها" بالإفراد الذي يراد به الجنس، و"الفلك" الجسم الدائر دورة اليوم والليلة فالكل في ذلك سابح متصرف، وعن بعض المفسرين أن الكلام فيما هو الفلك فقال بعضهم كحديد الرحى، وقال بعضهم كالطاحونة، مما لا ينبغي التسور عليه، غير أنا نعرف أن الفلك جسم يستدير. و {يسبحون} معناه يتصرفون، وقالت فرقة "الفلك" موج مكفوف ورأوا قوله {يسبحون} من السباحة وهو العوم.
ابن عبد السلام
تفسير : {رَوَاسِىَ} لأنها رست في الأرض وثبتت أو لأن الأرض رست بها فالرواسي الثوابت، أو الثقال {تَمِيدَ} تزول، أو تضطرب {فِجَاجاً} أعلاماً يُهتدى بها، أو جمع فج وهو الطريق الواسع بين الجبلين {سُبُلاً} للاعتبار، أو مسالك للسابلة {يَهْتَدُونَ} بالاعتبار بها إلى دينهم، أو ليهتدوا طُرق بلادهم.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً} قال: بين الجبال. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {فجاجاً} أي أعلاماً {سبلاً} أي طرقاً. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً} قال: مرفوعاً {وهم عن آياتها معرضون} قال: الشمس والقمر والنجوم من آيات السماء. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة، "حديث : أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما يوم الجمعة؟ قال: خلق الله في ساعتين منه الليل والنهار ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {كل في فلك} قال: دوران {يسبحون} قال: يجرون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {كل في فلك} قال: فلكة كفلكة المغزل {يسبحون} قال: يدورون في أبواب السماء ما تدور الفلكة في المغزل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {كل في فلك} قال: هو فلك السماء. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حسان بن عطية قال: الشمس والقمر والنجوم مسخرة في فلك بين السماء والأرض. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: {كل في فلك} قال: الفلك الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر. وفي قوله: {يسبحون} قال: يجرون. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن الكلبي رضي الله عنه قال: كل شيء يدور فهو فلك. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {كل في فلك يسبحون} النجوم والشمس والقمر. قال: كفلكة المغزل، قال: هو مثل حسبان، قال: فلا يدور الغزل إلا بالفلكة، ولا تدور الفلكة إلا بالمغزل، ولا يدور الرحى إلا بالحسبان، ولا يدور الحسبان إلا بالرحى، كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدرن إلا به ولا يدور إلا بهن، قال: والحسبان والفلك يصيران إلى شيء واحد، غير أن الحسبان في الرحى كالفلكة في المغزل. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {كل في فلك} قال: الفلك كهيئة حديدة الرحى. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {كل في فلك يسبحون} قال: يجرون في فلك السماء كما رأيت. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه {كل في فلك يسبحون} قال: هو الدوران. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه {كل في فلك يسبحون} قال: المغزل قال كما تدور الفلكة في المغزل. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه {كل في فلك يسبحون} قال: وكان عبدالله يقرأ "كل في فلك يعملون". وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {كل في فلك يسبحون} قال: يجرون.
ابو السعود
تفسير : {وَجَعَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ} أي جبالاً ثوابتَ جمعُ راسية من رسا الشيءُ إذا ثبت ورسَخ، ووصفُ جمعِ المذكر بجمع المؤنثِ في غير العقلاءِ مما لا ريب في صحته كقوله تعالى: { أية : أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ} تفسير : [البقرة: 197] و { أية : أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ} تفسير : [البقرة: 184] {أَن تَمِيدَ بِهِمْ} أي كراهةَ أن تتحرك وتضطربَ بهم أو لئلا تميدَ بهم بحذف اللام ولا، لعدم الإلباس {وَجَعَلْنَا فِيهَا} أي في الأرض وتكريرُ الفعل لاختلاف المجعولين ولتوفية مقام الامتنان حقَّه أو في الرواسي لأنها المحتاجةُ إلى الطرق {فِجَاجاً} مسالكَ واسعةً وإنما قدم على قوله تعالى: {سُبُلاً} وهى وصفٌ له ليصير حالاً فيفيد أنه تعالى حين خلقها خلقَها كذلك، أو ليبدل منها سبلاً فيدل ضمناً على أنه تعالى خلقها ووسّعها للسابلة مع ما فيه من التوكيد {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي إلى مصالحهم ومَهمّاتهم. {وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً} من الوقوع بقدرتنا القاهرةِ أو من الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم بمشيئتنا أو من استراق السمعِ بالشُهُب {وَهُمْ عَنْ ءايَـٰتِهَا} الدالةِ على وحدانيته تعالى وعلمِه وحكمتِه وقدرتِه وإرادتِه التي بعضُها محسوسٌ وبعضُها معلومٌ بالبحث عنه في علمَي الطبـيعة والهيئة {مُّعْرِضُونَ} لا يتدبرون فيها فيبقَون على ما هم عليه من الكفر والضلال. وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَـٰرَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} اللذين هما آيتاهما بـيانٌ لبعض تلك الآياتِ التي هم عنها معرضون بطريق الالتفاتِ الموجب لتأكيد الاعتناءِ بفحوى الكلام، أي هو الذي خلقهن وحده {كُلٌّ} أي كلُّ واحد منهما على أن التنوينَ عوضٌ عن المضاف إليه {فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أي يجْرون في سطح الفلك كالسبْح في الماء، والمرادُ بالفَلَك الجنسُ كقولك: كساهم الخليفةُ حُلّةً، والجملة حالٌ من الشمس والقمر وجاز انفرادُهما بها لعدم اللَّبْس، والضميرُ لهما والجمعُ باعتبار المطالعِ، وجُعل الضميرُ واوَ العقلاء لأن السباحة حالُهم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ}. الأولياء هم الرواسي في الأرض وبهم يُرْزَقُون، وبهم يُدْفع عنهم البلاء، وبهم يُوفَى عليهم العطاءُ. وكما أنه لولا الجبالُ الرواسي لم تكن للأرض أوتادٌ.. فكذلك الشيوخ الذين هم أوتادُ الأرضِ (فلولاهم) لنَزَلَتْ بهم الشدة. قوله جل ذكره: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}. كما أن في الأرض سُبُلاً يسلكونها ليَصِلُوا إلى مقاصدهم كذلك جعل السُبُلَ إليه مسلوكة بما بيَّن على ألسنتهم من هداية المريدين، وقيادة السالكين، كما يَسَّر بهداهم الاقتداء بهم في سيرهم إلى الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {وجعلنا فى الارض} الارض جسم غليظ اغلظ ما يكون من الاجسام واقف على مركز العالم مبين لكيفية الجهات الست فالشرق حيث تطلع الشمس والقمر والغرب حيث تغيب والشمال حيث مدار الجدى والجنوب حيث مدار سهيل والفوق ما يلى المحيط والاسفل مايلى مركز الارض {رواسى} جبالا ثوابت جمع راسى من رسا اذا ثبت ورسخ {ان تميد بهم} الميد اضطراب الشئ العظيم كاضطراب الارض يقال ماد يميد ميدا اذا تحرك ومنه سميت المائدة وهى الطعام والخوان عليه الطعام كما قال الراغب المائدة الطبق الذى عليه الطعام ويقال لكل واحد منها مائدة. والمعنى كراهة ان تميل بهم الارض وتضطرب والظاهر ان الباء للتعدية كما يفهم من قول بعضهم بالفارسية [تابجنباند زمين آدميانرا]. قال ابن عباس رضى الله عنهما ان الارض بسطت على وجه الماء فكانت تميد باهلها كما تميد السفينة على الماء فارسلها الله بالجبال الثوابت كما ترسى السفينة بالمرساة وسئل علىّ رضى الله عنه أى الخلق اشد قال اشد الخلق الجبال الرواسى والحديد اشد منها يبحث به الجبل والنار تغلب الحديد والماء يطفى النار والسحاب يحمل الماء والريح يحمل السحاب والانسان يغلب الريح بالثبات والنوم يغلب الانسان والهم يغلب النوم والموت يغلب كلها: يقول الفقير شعر : نباشد درجهان جون مرك جزيى كه غالب شد ترا هرجند عزيزى تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى الابدال الذين هم اوتاد الارض واطوادها فاهل الارض بهم يرزقون وبهم يمطرون والابدال قوم بهم يقيم الله الارض وهم سبعون اربعون بالشام وثلاثون بغيرها لا يموت احدهم الا يقام مكانه آخر من سائر الناس وفى الحديث "حديث : لن تخلو الارض من اربعين رجلا مثل خليل الرحمن فبهم تسقون وبهم تنصرون ما مات منهم احد الا ابدل الله مكانه آخر"تفسير : {وجعلنا فيها} فى الارض او فى الرواسى وعله اقتصر فى الجلالين لانها المحتاجة الى الطرق {فجاجا سبلا} اى طرقا مسلوكة لان السبيل من الطرق ما هو معتاد السلوك والفج الشق بين الجبلين {لعلهم يهتدون} ارادة ان يهتدوا الى مصالحهم ومهماتهم التى جعلت لهم فى البلاد البعيدة.
الطوسي
تفسير : قال المبرد: معنى {أن تميد} أي منع الأرض {أن تميد} أي لهذا خلقت الجبال. ومثله قوله {أية : أن تضل إحداهما} تفسير : والمعنى عدة أن تضل أحداهما، كقول القائل: أعددت الخشبة أن يميل الحائل فأدعمه. وهو لم يعدها ليميل الحائط، وانما جعلها عدة، لأن يميل، فيدعم بها. يقول الله تعالى انا {جعلنا في الأرض رواسي} وهي الجبال، واحدها راسية يقال: رست ترسو رسوّاً إذا ثبتت بثقلها، وهي راسية. كما ترسو السفينة إذا وقفت متمكنة في وقوفها {أن تميد بكم} معناه ألا تميد بكم، كما قال {أية : يبين الله لكم أن تضلوا} تفسير : والمعنى ألا تضلوا. وقال الزجاج: معناه كراهة أن تميد بكم. والميد الاضطراب، بالذهاب فى الجهات، يقال: ماد يميد ميداً، فهو مائد. وقيل: إن الأرض كانت تميد وترجف، رجوف السفينة بالوطئ، فثقلها الله تعالى بالجبال الرواسي - لتمتنع من رجوفها. والوجه فى تثقيل الله تعالى الأرض بالرواسي مع قدرته على امساك الارض أن تميد، ما فيه من المصلحة والاعتبار، وكان ابن الاخشاذ يقول: لو لم يثقل الله الأرض بالرواسي لأمكن العباد أن يحركوها بما معهم من القدر، فجعلت على صفة ما لا يمكنهم تحريكها. وقال قتادة: تميد بهم معناه تمور، ولا تستقرّ بهم. وقوله {وجعلنا فيها فجاجاً} يعني فى الارض طرقاً، والفج الطريق الواسع بين الجبلين. وقوله {لعلكم تهتدون} أي لكي تهتدوا فيه الى حوائجكم ومواطنكم، وبلوغ أغراضكم. ويحتمل أن يكون المراد لتهتدوا، فتستدلوا بذلك على توحيد الله وحكمته. وقال ابن زيد: معناه ليظهر شكركم، فيما تحبون، وصبركم فيما تكرهون. وقوله {وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً} وانما ذكرها، لأنه أراد السقف، ولو أنث كان جائزاً. وقيل: حفظها الله من أن تسقط على الارض. وقيل: حفظها من أن يطمع احد ان يتعرض لها بنقض، ومن ان يلحقها ما يلحق غيرها من الهدم او الشعث، على طول الدهر. وقيل: هي محفوظة من الشياطين بالشهب التي يرجمون بها. وقوله {وهم عن آياتها معرضون} اي هم عن الاستدلال بحججها وادلتها، على توحيد الله معرضون. ثم قال تعالى مخبراً، بأنه {هو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر} واخبر ان جميع ذلك {في فلك يسبحون} فالفلك هو المجرى الذي تجري فيه الشمس والقمر، بدورانها عليه - فى قول الضحاك - وقال قوم: هو برج مكفوف تجريان فيه. وقال الحسن: الفلك طاحونة كهيئة فلك المغزل. والفلك في اللغة كل شيء دائر، وجمعه افلاك قال الراجز: شعر : باتت تناصي الفلك الدوارا حتى الصباح تعمل الاقتارا تفسير : ومعنى {يسبحون} يجرون - في قول ابن جريج - وقال ابن عباس {يسبحون} بالخير والشر، والشدة والرخاء. وانما قال {يسبحون} على فعل ما يعقل، لأنه أضاف اليها الفعل الذي يقع من العقلاء، كما قال {أية : والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} تفسير : وقال {أية : لقد علمت ما هؤلاء ينطقون}،تفسير : وقال النابغة الجعدي: شعر : تمززتها والديك يدعو صباحه إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا تفسير : وقوله {كل في فلك يسبحون} أراد الشمس والقمر والنجوم، لأن قوله "الليل" دل على النجوم. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) و {ما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} أي البقاء دائماً فى الدنيا {أفإن مت فهم الخالدون} اي لم يجعل لهم الخلود، حتى لو مت أنت لبقوا أولئك مخلدين، بل ما أولئك مخلدين. ثم أكد ذلك، وبين بأن قال {كل نفس ذائقة الموت} والمعنى لا بد لكل نفس حية بحياة أن يدخل عليها الموت، وتخرج عن كونها حية. وانما قال {ذائقة} لان العرب تصف كل أمر شاق على النفس بالذوق كما قال {أية : ذق إنك أنت العزيز الكريم}. تفسير : وقال الفراء: إذا كان اسم الفاعل لما مضى جازت الاضافة، وإذا كان للمستقبل، فالاختيار التنوين، ونصب ما بعده. ثم قال تعالى {ونبلوكم} اي نختبركم معاشر العقلاء بالشر والخير، يعني بالمرض والصحة. والرخص والغلاء، وغير ذلك من انواع الخير والشر {فتنة} أي اختباراً مني لكم، وتكليفاً لكم. ثم قال {وإلينا ترجعون} يوم القيامة، فيجازى كل انسان على قدر عمله. ودخلت الفاء في قوله "أفإن" وهي جزاء، وفى جوابه، لان الجزاء متصل بكلام قبله. ودخلت في {فهم} لانه جواب الجزاء، ولو لم يكن فى {فهم} الفاء، كان جائزاً على وجهين: احدهما - ان تكون مرادة، وقد حذفت. والآخرى - أن تكون قد قدمت على الجزاء، وتقديره {أفهم الخالدون} إن مت.
الجنابذي
تفسير : {وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ} بعد فتقهما {أَن تَمِيدَ بِهِمْ} قد سبق الآية بتنزيلها وتأويلها {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً} جمع الفجّ الطّريق الواسع بين الجبلين، او مطلقاً كالفجاج بالضّمّ ويستفاد من تنزيل الآية السّابقة وتأويلها بيان هذه {سُبُلاً} بدلٌ من فجاجاً {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} الى معايشهم ومصالحهم ومنافعهم ودفع مضارّهم والى بلادهم الصّوريّة ومواطنهم الحقيقيّة.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ} يعني الجبال {أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} أي لئلا تحرك بهم. {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً} أي: أعلاماً طرقاً {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي: لكي يهتدوا. قوله عز وجل: {وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً} [على من تحتها] محفوظاً من كل شيطان رجيم؛ كقوله: (أية : وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ) تفسير : [الحجر: 17] وإنما كانت ها هنا محفوظاً لأنه قال عز وجل: سقفاً محفوظاً، فوقع الحفظ فيها على السقف. وفي الآية الأخرى على السماء. قال بعضهم: سقف محفوظ، وموج مكفوف. قوله عز وجل {وَهُمْ عَنْ ءَايَاتِهَا} أي: الشمس والقمر والنجوم {مُعْرِضُونَ} لا يتفكرون فيما يرون فيها فيعرفون أن لهم معاداً فيؤمنوا. وقد قال عز وجلّ في آية أخرى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الأَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}. قوله عز وجل: {وَهُوَ الذِي خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}. ذكروا أن السماء خلقت مثل القبّة، وأن الشمس والقمر والنجوم ليس منها شيء لازق بالسماء، وأنها تجري في فلك دون السماء، وأن أقرب الأرض إلى السماء بيت المقدس باثني عشر ميلاً، وأن أبعد الأرض من السماء الأُبلّة. ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال: الشمس والقمر وجوههما إلى السماء واقفاؤهما إلى الأرض يضيئان في السماء كما يضيئان في الأرض. ثم تلا هذه الآية: (أية : أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً}تفسير : [نوح: 15-16]. ذكروا أنه قيل لعبد الله بن عمرو: ما بال الشمس تصلانا أحياناً وتبرد أحياناً؟ قال: أما في الشتاء فهي في السماء الخامسة، وأما في الصيف فهي في السماء السابعة، قيل له: فما كنا نراها إلا في هذه السماء الدنيا، قال: لو كانت في هذه السماء الدنيا لم يقم لها شيء. ذكر بعضهم قال: إن الشمس أدنيت من أهل الأرض في الشتاء لينتفعوا بها، ورفعت في الصيف لئلا يؤذيهم حرها. قوله: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} قال مجاهد: يدورون كما يدور فلك المغزل. وقال بعضهم: يجرون كهيئة حديد الرحى. وقال الحسن: إن الشمس والقمر والنجوم في طاحونة بين السماء والأرض كهيئة فلكة المغزل يدورون فيها؛ ولو كانت ملتزقة بالسماء لم تجر. وقال الكلبي: (يَسْبَحُونَ): يجرون. وقال مجاهد في قوله عز وجل: (أية : الشَّمْسُ وَالقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) تفسير : [الرحمن: 5] قال: حسبان كحسبان الرحى، يعني قطب الرحى الذي تدور عليه الرحى.
اطفيش
تفسير : {وَجَعَلْنَا فِى الأَرْضِ رَوَاسِىَ} جبالا ثابتات، مِن رسا يعنى ثبت. {أن تَمِيدَ} مفعول لأجله، على حذف مضاف، أى كراهة أن تميد، أو حَذَر أن تميد. ومعنى حذر الله: اتبع. واشتهر فى كتب التوحيد أن الله لا يوصف بالحذر، ولعله بالمعنى الذى فى المخلوق، للإبهام. فافهم، أو تقدر لا النافية، بعد أن ولام التعليل قبلها أى لئلا تميد، لعدم لإلباس، كما زيدت لعدم الإلباس فى لئلا يعلم، على أحد وجوه وفيه قال ابن هشام: تعسف، لحذف شيئين. والحق أنه لا تعسف بذلك. أما اللام فجمعها شائع كثير جدا، وأما لا فحذفها لدليل كسائر المحذوفات لدليل والأول قول البصريين. قال: وقيل: أنْ بمعنى اللام ولا وهو خطأ. والمَيَد: التحرك قيل: إن الأرض بُسطت على الماء، وكانت تتحرك كالسفينة فى الماء، فأَرساها بالجبال. {بِهِمْ} فلو كانت تميد بهم لم يستنقموا منها، ولم يتمكنوا فيها. {وَجَعَلْنَا فِيهَا} فى الأرض، أو فى الرواسى، أو فى الجميع، إما لأن الرواسى لما جعلت فيها كانت منها، وإما لذكرها كما ذكرت الأرض. {فِجَاجًا} مسالك واسعة، ففيه معنى الوصف. والمفرد فج، ولا يختص بالجبل، خلافًا لبعضهم، وهو مفعول جعلنا. {سُبُلاً} بدل منه أى طرقا نافذة. وفائدة هذا الإبدال تضمين الدلالة على أنه تعالى جعل فيها المسالك واسعة للمسائلة، أعنى لمن يمشى فى السبيل، أى لمن يريد المشى فى السبيل. وفيه بعض توكيد، أو فجاجا حال من سُبُلا ولو كان سُبُلا نكرة، لتقدم الحال. وإنما لم تؤخر فتكون صفة. قيل: ليدل التقديم على أنه حين خلقها، خلقها واسعة، على صفتها الآن. {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} إلى مقاصدهم فى الأسفار وغيرها. ولعل للتعليل، فى الأظهر.
اطفيش
تفسير : {وجَعَلنا فى الأرض رَوَاسِى} جبالا ثوابت راسخة على وجه الأرض وداخلها، وفواعل جمع لمذكر غير عاقل، على وزن فاعل كما يجمع عليه المؤنث مطلقاً {أنْ تميدَ بِهِم} تميل بتحرك، إذ كانت على الماء وحذف المضاف تقديره كراهة أن تميد، أولى من تقدير لام الجر، ولا النافية،لأن قلة الحذف، أولى، نعم يجوز أن تقدر لام الجر بدون لا، أى جعلناها لأن تميد، أى أعددناها، لأن تميد، كقولك: أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط، والأولان أولى لاقتضائهما أنها لا تميد، وما يوجد من ميدها فى بعض الأزمان، ليس من كونها على الماء، والباء للتعدية أى أن تيمدهم بضم التاء. {وجَعَلْنا فيها} فى الأرض، وكرر الجعل لما فيه من كمال الامتنان، ولأن المجهول هناك الرواسى، وهنا الفجاج أو الضمير للرواسى، كما روى عن ابن عباس، ويناسبه أنها أشد احتياجاً للسبل ولأول أولى، لأن سبل الأرض أكثر وأشد احتياجاً إليها من الجبال {فجاجاً} جمع فج وهو طريق بين، أو مطلق الواسع طريقا، أو غيره فى الجبل، أو الأرض {سُبُلا} بيان على جوازه فى النكرات، أو بدل من فجاجاً وهذا أولى من جلعه مفعولا وفجاجاً حال منه، وأن أصله نعت، لأن فى جعله حالا مأخوذة من نعت تقديماً وتاخيراً، ووقوع النعت والحال غير مشتقين إلا بتأويل بواسع، فهو ينعت كسائر الجوامد، كما نعت فى قوله تعالى: "أية : من كل فج عميق" تفسير : [الحج: 27] وفى البدلية التأكيد بنية تكرار العامل، ونزيد أن المبدل منه ليس فى نية السقوط، وأخَّر فجاجاً فى نوح للفاصلة والامتنان، وقدم هنا للحث على التفكر {لعلَّهم يهْتدُونَ} الى الاستدلال على التوحيد، وكمال القدرة والحكمة، وقيل الى مصالحهم ومهماتهم، ويرده أنه لا ترجية فى الاهتداء إليهما، لأنهم قد اهتدوا إليها.
الالوسي
تفسير : {وَجَعَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ} أي جبالاً ثوابت جمع راسية من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ، ووصف جمع المذكر بجمع المؤنث في غير العقلاء مما لا ريب في صحته {أَن تَمِيدَ بِهِمْ} أي كراهة أن تتحرك وتضطرب بهم أو لئلا تميد بهم فحذف اللام ولا لعدم الإلباس، وهذا مذهب الكوفيين والأول أولى، وفي «الانتصاف» أولى من هذين الوجهين أن يكون مثل قولك أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط على ما قال سيبويه من أن معناه أعددتها أن أدعم الحائط بها إذا مال، وقدم ذكر الميد عناية بأمره ولأنه السبب في الإدعام والإدعام سبب إعداد الخشبة فعومل سبب السبب معاملة السبب فكذا فيما نحن فيه يكون الأصل وجعلنا في الأرض رواسي أن نثبتها إذا مادت بهم فجعل الميد هو السبب كما جعل الميل في المثال سبباً وصار الكلام وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم فنثبتها ثم حذف فنثبتها لأمن الإلباس إيجازاً، وهذا أقرب إلى الواقع مما ذكر أولاً فإن مقتضاه أن لا تميد الأرض بأهلها لأن الله تعالى كره ذلك ومحال أن يقع ما يكرهه سبحانه والمشاهدة بخلافه فكم من زلزلة أمادت الأرض حتى كادت تنقلب وعلى ما ذكرنا يكون المراد أن الله تعالى يثبت الأرض بالجبال إذا مادت، وهذا لا يأبـى وقوع الميد لكنه ميد يستعقبه التثبيت، وكذلك الواقع من الزلزال إنما هو كاللمحة ثم يثبتها الله تعالى انتهى. وفي «الكشف» أن قولهم كراهة أن تميد بيان للمعنى لا أن هناك إضمار البتة ولهذا كان مذهب الكوفيين خليقاً بالرد، وما في «الانتصاف» من أن الأولى أن يكون من باب أعددت الخشبة أن يميل الحائط على ما قرر راجع إلى ما ذكرناه ولا مخالف له، أما ما ذكره من الرد بمخالفة الواقع المشاهد فليس بالوجه لأن ميدودة الأرض غير كائنة البتة وليست هذه الزلازل منها في شيء انتهى، وهو كلام رصين كما لا يخفى. وقد طعن بعض الكفرة المعاصرين فيما دلت عليه الآية الكريمة بأن الأرض لطلبها المركز طبعاً ساكنة لا يتصور فيها الميد ولو لم يكن فيها الجبال. وأجيب أولاً بعد الإغماض عما في دعوى طلبها المركز طبعاً وسكونها عنده من القيل والقال يجوز أن يكون الله تعالى قد خلق الأرض يوم خلقها عرية عن الجبال مختلفة الأجزاء ثقلاً وخفة اختلافاً تاماً أو عرض لها الاختلاف المذكور ومع هذا لم يجعل سبحانه لمجموعها من الثقل ما لا يظهر بالنسبة إليه ثقل ما علم جل وعلا أنه يتحرك عليها من الأجسام الثقيلة فيكون لها مركزان متغايران مركز حجم ومركز ثقل وهي إنما تطلب بطبعها عندهم أن ينطبق مركز ثقلها على مركز العالم وذلك وإن اقتضى سكونها إلا أنه يلزم أن تتحرك بتحرك هاتيك الأجسام فخلق جل جلاله الجبال فيها ليحصل لها من الثقل ما لا يظهر معهم ثقل المتحرك فلا تتحرك بتحركه أصلاً، وكون نسبة ارتفاع أعظم الجبال إلى قطرها كنسبة سبع عرض شعيرة إلى ذراع إنما ينفع في أمر الكرية الحسية وأما أنه يلزم منه أن لا يكون لمجموع الجبال ثقل معتد به بالنسبة إلى ثقل الأرض فلا. ثم ليس خلق الجبال لهذه الحكمة فقط بل لحكم لا تحصى ومنافع لا تستقصى فلا يقال إنه يغني عن الجبال / خلقها بحيث لا يظهر للأجسام الثقيلة المتحركة عليها أثر بالنسبة إلى ثقلها. وثانياً: أنها بحسب طبعها تقتضي أن تكون مغمورة بالماء بحيث تكون الخطوط الخارجة من مركزها المنطبق على مركز العالم إلى محدب الماء متساوية من جميع الجوانب فبروز هذا المقدار المعمور منها قسري، ويجوز أن يكون للجبال مدخل في القسر باحتباس الأبخرة فيها وصيرورة الأرض بسبب ذلك كزق في الماء نفخ نفخاً ظهر به شيء منه على وجه الماء ولولا ذلك لم يكن القسر قوياً بحيث لا يعارضه ما يكون فوق الأرض من الحيوانات وغيرها وذلك يوجب الميد الذي قد يقضي بها إلى الانغمار فتأمل، وقد مر لك ما يتعلق بهذا المطلق فتذكر. {وَجَعَلْنَا فِيهَا} أي في الأرض، وتكرير الفعل لاختلاف المجعولين مع ما فيه من الإشارة إلى كمال الامتنان أو في الرواسي على ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ويؤيده أنها المحتاجة لأن يجعل سبحانه فيها {فِجَاجاً} جمع فج قال الراغب: هو شقة يكتنفها جبلان، وقال الزجاج: كل مخترق بين جبلين فهو فج، وقال بعضهم: هو مطلق الواسع سواء كان طريقاً بين جبلين أم لا ولذا يقال جرح فج، والظاهر أن {فِجَاجاً} نصب على المفعولية لجعل، وقوله سبحانه {سُبُلاً} بدل منه فيدل ضمناً على أنه تعالى خلقها ووسعها للسابلة مع ما فيه من التأكيد لأن البدل كالتكرار وعلى نية تكرار العامل والمبدل منه ليس في حكم السقوط مطلقاً، وقال في «الكشاف»: هو حال من {سُبُلاً} ولو تأخر لكان صفة كما في قوله تعالى في سورة نوح [20] { أية : لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً } تفسير : وإنما لم يؤت به كذلك بل قدم فصار حالاً ليدل على أنه في حال جعلها سبلاً كانت واسعة ولو أتى به صفة لم يدل على ذلك. وأوجب بعضهم كونه مفعولاً وكون {سُبُلاً } بدلاً منه وكذا أوجب في قوله تعالى: { أية : لّتَسْلُكُواْ } تفسير : [نوح: 20] الخ كون {سُبُلاً} مفعولاً وكون {فِجَاجاً} بدلاً قائلاً إن الفج اسم لا صفة لدلالته على ذات معينة وهو الطريق الواسع والاسم يوصف ولا يوصف به ولذا وقع موصوفاً في قوله تعالى: { أية : مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ } تفسير : [الحج: 27] والحمل على تجريده عن دلالته على ذات معينة لا قرينة عليه. وتعقب بأنا لا نسلم أن معناه ذلك بل معناه مطلق الواسع وتخصيصه بالطريق عارض وهو لا يمنع الوصفية ولو سلم فمراد من قال إنه وصف أنه في معنى الوصف بالنسبة إلى السبيل لأن السبيل الطريق وهو الطريق الواسع فإذا قدم عليه يكون ذكره بعد لغواً لو لم يكن حالاً، وظاهر كلام الفاضل اليمني في «المطلع» أن {سُبُلاً} عطف بيان وهو سائغ في النكرات حيث قال: هو تفسير للفجاج وبيان أن تلك الفجاج نافذة فقد يكون الفج غير نافذ وقدم هنا وأخر في آية سورة نوح لأن تلك الآية واردة للامتنان على سبيل الإجمال وهذه للاعتبار والحث على إمعان النظر وذلك يقتضي التفصيل، ومن ثم ذكرت عقب قوله تعالى { أية : كَانَتَا رَتْقاً } تفسير : [الأنبياء: 30] الخ انتهى، وأنت تعلم أن الأظهر نصب {فِجَاجاً} هنا على المفعولية لجعل ووجه التغاير بين الآيتين لا يخفى فتأمل. {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} إلى الاستدلال على التوحيد وكمال القدرة والحكمة، وقيل: إلى مصالحهم ومهماتهم. ورد على ما تقدم بأنه يغني عن ذلك قوله تعالى فيما بعد { أية : وَهُمْ عَنْ ءايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ } تفسير : [الأنبياء: 32] وبأن خلق السبل لا تظهر دلالته على ما ذكر انتهى، وفيه ما فيه، وجوز أن يكون المراد ما هو أعم من الاهتداء إلى الاستدلال والاهتداء إلى المصالح.
ابن عاشور
تفسير : هذا من آثار فتق الأرض في حد ذاتها إذْ أخرج الله منها الجبال وذلك فتق تكوين، وجعل فيها الطّرق، أي الأرضين السهلة التي يتمكن الإنسان من المشي فيها عكس الجبال. والرواسي: الجبال، لأنها رست في الأرض، أي رسخت فيها. والميْد: الاضطراب. وقد تقدم في أول سورة النحل. وتقدم في أول سورة النحل أن معنى {أن تَميد} أن لا تميد، أو لكراهة أن تميد. والمعنى: وجعلنا في الأرض فجاجاً. ولما كان {فجاجاً}معناه واسعة كان في المعنى وصفاً للسبيل، فلما قُدم على موصوفه انتصب على الحال. والمقصود إتمام المنة بتسخير سطح الأرض ليسلكوا منها طرقاً واسعة ولو شاء لجعل مسالك ضيقة بين الجبال كأنها الأودية. والفجاج: جمع فَجّ. والفج: الطريق الواسع. والسُبُل: جمع سبيل، وهو: الطريق مطلقاً. وجملة {لعلهم يهتدون} مستأنفة إنشاء رجاءِ اهتداء المشركين إلى وحدانية الله فإن هذه الدلائل مشاهدة لهم واضحة الدلالة. ويجوز أن يراد بالاهتداء الاهتداء في السير، أي جعلنا سبلاً واضحة غير محجوبة بالضيق إرادة اهتدائهم في سيرهم، فتكون هذه منة أخرى وهو تدبير الله الأشياء على نحو ما يلائم الإنسان ويصلح أحواله. فقوله تعالى {لعلهم يهتدون} من الكلام الموجه.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة "النحل" فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 31- ومن دلائل قدرتنا أنا جعلنا فى الأرض جبالا ثوابت، لئلا تضطرب بهم، وجعلنا فيها طرقاً فسيحة، ومسالك واسعة، لكى يهتدوا بها فى سيرهم إلى أغراضهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَوَاسِيَ} (31) - وَمِنْ دَلاَئِلِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ فِي الأَرْضِ جِبَالاً أَرْسَاهَا بِهَا، وَثَقَّلَها لِكَيْلاَ تَمِيدَ بِالنَّاسِ، وَتَضْطَرِبَ، فَلاَ يَبْقَى لَهُمْ عَلَيْهَا قَرَارٌ، وَأَنَّه جَعَلَ فِي الجِبَالِ ثَغَرَاتٍ وَفَجَواتٍ {فِجَاجاً} لِيَسْلُكَ النَّاسُ فِيهَا طُرُقاً فِي انْتِقَالِهِمْ مِنْ قُطْرٍ إِلى قُطْرٍ، وَلِيَهْتَدُوا بِهَا فِي أَسْفَارِهِم. رَوَاسِيَ - جِبَالاً ثَوَابِتَ. أَنْ تَمِيدَ بِهِم - لِكَيْلاَ تَضْطَرِبَ بِمَنْ عَلَيْهَا فَلاَ تَسْتَقِرَّ. فِجَاجَاً سُبُلاً - طُرُقاً وَاسِعَةً مَسْلُوكَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الرواسي: الجبال جمع رَاس يعني: ثابت، وقد عبر عنها أيضاً بالأوتاد، فقال: {أية : وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً} تفسير : [النبأ: 7] شبّه الجبال بالنسبة للأرض بالأوتاد بالنسبة للخيمة. ثم يذكر عِلَّة ذلك: {أَن تَمِيدَ بِهِمْ ...} [الأنبياء: 31] أي: مخافة أن تميل وتضطرب وتتحرك بهم، ولو أنها مخلوقة على هيئة الثبوت ما كانت لتميد أو تتحرك، وما احتاجت لأن يُثبِّتها بالجبال؛ لذلك قال تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ..} تفسير : [النمل: 88]. فليس غريباً الآن أن نعرف أن للجبال حركة، وإنْ كنا لا نراها؛ لأنها ثابتة بالنسبة لموقعك منها؛ لأنك تسير بنفس حركة سيرها، كما لو أنك وصاحبك في مركب، والمركب تسير بكما، فأنت لا تدرك حركة صاحبك لأنك تتحرك بنفس حركته. وقد شبَّه الله حركة الجبال بمرِّ السحاب، فالسحاب لا يمرُّ بحركة ذاتية فيه، إنما يمرُّ بدفْع الرياح، كذلك الجبال لا تمرُّ بحركة ذاتية إنما بحركة الأرض كلها، وهذا دليل واضح على حركة الأرض. ثم يقول تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً ...} [الأنبياء: 31] أي من حكمة الله أنْ جعل لنا في الأرض سُبُلاً نسير فيها، فلو أن الجبال كانت كتلة تملأ وجه الأرض ما صَلُحَتْ لحياة البشر وحركتهم فيها، فقال {فِجَاجاً سُبُلاً ..} [الأنبياء: 31] أي: طرقاً واسعة في الوديان، والأماكن السهلة. وفي موضع آخر قال: {أية : لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} تفسير : [نوح: 20]. ومعنى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا ..} [الأنبياء: 31] يصح في الجبال أو في الأرض، ففي كل منهما طرق يسلكها الناس، وهي في الجبال على شكل شِعَاب ووديان. ثم يذكر سبحانه عِلَّة ذلك، فيقول: {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء: 31] والهداية هنا تحتَمل معنيين: يهتدون لخالقها ومكوِّنها، ويستدلون بها على الصانع المبدع سبحانه، أو يهتدون إلى البلاد والأماكن والاتجاهات، وقديماً كانوا يتخذون من الجبال دلائل وإشارات ويجعلونها علامات، فيصفون الأشياء بمواقعها من الجبال، فيقولون: المكان الفلاني قريب من جبل كذا، وعلى يمين جبل كذا، وقد قال شاعرهم: شعر : خُذَا بَطْنَ هِرْشَى أو قَفَاهَا فَإنَّهُ كِلاَ جَانِبَي هَرْشَى لَهُنَّ طَريقُ تفسير : فالهداية هنا تشمل هذا وذاك، كما في قوله تعالى: {أية : وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [النحل: 16] أي: يهتدون إلى الطرق والاتجاهات، وكان العربي يقول مثلاً: اجعل الثُّريَا عن يمينك أو النجم القطبي، أو سهيل أو غيرها، فكانوا على علم بمواقع هذه النجوم ويسيرون على هَدْيها. أو: يهتدون إلى أن للنجوم علاقة بحياة الإنسان الحيِّ، وقديماً كانوا يقولون: فلان هَوَى نَجْمه، كأن لكل واحد منا نجماً في السماء له علاقة ما به، وهذه يعرفها بعض المختصين، وربما اهتدوا من خلالها إلى شيء، شريطة أن يكونوا صادقين أمناء لا يخدعون خَلْق الله. ويُؤيِّد هذا قوله تعالى: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [الواقعة: 75-76] أي: لو كنتم على معرفة بها لعلمتُم أن للنجوم دوراً كبيراً وعظيماً في الخَلْق. ثم يقول الحق سبحانه: {وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ} فالرَّواسيُ: الجبالُ الثَوابتُ. وتَمِيدَ بِهِم: معناه تَميلَ بِهِم. تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً} معناه مَسالِكٌ. واحدُها فجٌّ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ومن الأدلة على قدرته وكماله ووحدانيته ورحمته، أنه لما كانت الأرض لا تستقر إلا بالجبال، أرساها بها وأوتدها، لئلا تميد بالعباد، أي: لئلا تضطرب، فلا يتمكن العباد من السكون فيها، ولا حرثها، ولا الاستقرار بها، فأرساها بالجبال، فحصل بسبب ذلك، من المصالح والمنافع، ما حصل، ولما كانت الجبال المتصل بعضها ببعض، قد تتصل اتصالا كثيرا جدا، فلو بقيت بحالها، جبالا شامخات، وقللا باذخات، لتعطل الاتصال بين كثير من البلدان. فمن حكمة الله ورحمته، أن جعل بين تلك الجبال فجاجا سبلا أي: طرقا سهلة لا حزنة، لعلهم يهتدون إلى الوصول، إلى مطالبهم من البلدان، ولعلهم يهتدون بالاستدلال بذلك على وحدانية المنان. { وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا } للأرض التي أنتم عليها { مَحْفُوظًا } من السقوط { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا } محفوظا أيضا من استراق الشياطين للسمع. { وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ } أي: غافلون لاهون، وهذا عام في جميع آيات السماء، من علوها، وسعتها، وعظمتها، ولونها الحسن، وإتقانها العجيب، وغير ذلك من المشاهد فيها، من الكواكب الثوابت والسيارات، وشمسها، وقمرها النيرات، المتولد عنهما، الليل والنهار، وكونهما دائما في فلكهما سابحين، وكذلك النجوم، فتقوم بسبب ذلك منافع العباد من الحر والبرد، والفصول، ويعرفون حساب عباداتهم ومعاملاتهم، ويستريحون في ليلهم، ويهدأون ويسكنون وينتشرون في نهارهم، ويسعون في معايشهم، كل هذه الأمور إذا تدبرها اللبيب، وأمعن فيها النظر، جزم حزما لا شك فيه، أن الله جعلها مؤقتة في وقت معلوم، إلى أجل محتوم، يقضي العباد منها مآربهم، وتقوم بها منافعهم، وليستمتعوا وينتفعوا، ثم بعد هذا، ستزول وتضمحل، ويفنيها الذي أوجدها، ويسكنها الذي حركها، وينتقل المكلفون إلى دار غير هذه الدار، يجدون فيها جزاء أعمالهم، كاملا موفرا ويعلم أن المقصود من هذه الدار أن تكون مزرعة لدار القرار، وأنها منزل سفر، لا محل إقامة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 634 : 9 : 31 - سفين (في) قوله {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً} قال، الطرق. [الآية 31].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):