٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَٰرَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ } تنوينه عوض عن المضاف إليه من الشمس والقمر وتابعه وهو النجوم {فِى فَلَكٍ } مستدير كالطاحونة في السماء {يَسْبَحُونَ } يسيرون بسرعة كالسّابح في الماء، وللتشبيه به أتى بضمير جمع من يعقل.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَلَكٍ} الفلك السماء، أو القطب المستدير الدائر بما فيه من القمرين والنجوم ومنه فَلكة المغزل لاستدارتها ودورانها. واستدارة الفلك كدور الكرة، أو كدور الرحى والفلك السماء تدور بالقمرين والنجوم، أو استدارة في السماء تدور بالنجوم مع ثبوت السماء، أو استدارة بين السماء والأرض تدور فيها النجوم. {يَسْبَحُونَ} يجرون، أو يدورون "ع".
القشيري
تفسير : كما أن الحق - سبحانه - في الظاهر يكوِّر الليل على النهار، ويكور النهار على الليل فكذلك يُدْخِلُ في نهارِ البسط ليلَ القبض.. والبسط في الزيادة والنقصان. فكما أنَّ الشمس أبداً في برجها لا تزيد ولا تنقص، والقمرَ مرةً في المحاق، ومرةً في الإشراق.. فصاحبُ التوحيدِ بنعت التمكين - يرتقي عن حَدِّ تأمُّلِ البرهان إلى رَوْحِ البيان، ثم هو متحققٌ بما هو كالعيان. وصاحبُ العِلْم مرةً يُرَدُّ إلى تجديد نَظَرِه وتَذَكُّرِه، ومرةً يغشاه غَيْرٌ في حال غفلته فهو صاحب تلوين.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو} وحده {الذى خلق الليل} الذى هو ظل الارض {والنهار} الذى هو ضوء الشمس {والشمس} الذى هو كوكب مضيئ نهارى {والقمر} الذى هو كوكب مضئ ليلى اى الله تعالى اوجد هذه الاشياء واخرجها من العدم الى الوجود دون غيره فله القدرة الكاملة والحكمة الباهرة {كل} اى كل واحد من الشمس والقمر وهو مبتدأ خبره قوله {فى فلك} على حدة كما يشهده وقوله {يسبحون} حال اى يجرون فى سطح الفلك كالسبح فى الماء فان السبح المرّ السريع فى الماء او فى الهواء واستعير لمر النجوم فى الفلك كما فى المفردات ويفهم منه ان الكواكب مرتكزة فى الافلاك ارتكاز فص الخاتم. فى الخاتم قال فى شرح التقويم كل واحد من الكواكب مركوز فى فلك مغرق فيه كالكرة المنغمسة فى الماء لا كالمسك فيه والافلاك متحركة بالارادة والكواكب بالعرض. وقال بعضهم اخذا بظاهر الآية ان الفلك موج مكفوف من السيلان دون السماء تجرى فيه الشمس والقمر كما تسبح السمكة فى الماء والفلك جسم شفاف محيط بالعالم. قال الراغب الفلك مجرى الكواكب وتسميته بذنب لكونه كالفلك. وقال محيى السنة الفلك فى كلام العرب كل شئ مستدير جمعه افلاك ومنه فلكه المغزل. قال ابن الشيخ اختلف الناس فى حركات الكواكب والوجوه الممكنة فيها ثلاثة فانه اما ان يكون الفلك ساكنا والكواكب تتحرك فيه كحركة السابح فى الماء الراكد واما ان يكون الفلك متحركا والكواكب تتحرك فيه ايضا مخالفة لجهة حركته او موافقة لها مساوية لحركته فى السرعة والبطيء اولا واما ان يكون الفلك متحركا ساكنة. قال الفلاسفة الرأى الاول باطل لانه يوجب خرق الفلك وهو محال وكذا الرأى الثانى فانه ايضا باطل لانه يوجب خرق الفلك وهو محال وكذا الرأى الثانى فانه ايضا باطل لعين ما ذكر فلم يبق الا الاحتمال الثالث وهو ان تكون الكواكب مغروزة فى الفلك واقفة فيه والفلك يتحرك فتتحرك الكواكب تبعا لحركة الفلك. قال الامام واعلم ان مدار هذا الكلام على امتناع الحرق على الافلاك وهو باطل بل الحق ان الاحتمالات الثلاثة كلها ممكنة والله تعالى قادر على كل الممكنات والذى يدل عليه لفظ القرآن ان تكون الافلاك واقفة والكواكب تكون جارية فيها كما تسبيح السمكة فى الماء. واعلم انه لو خلق السماء ولم يخلق الشمس والقمر ليظهر بهما الليل والنهار وسائر المنافع بتعاقب الحر والبرد لم يتكامل نعمه على عباده وانما تتكامل بحركاتها فى افلاكها ولهذا {قال كل فى فلك يسبحون}. واحتج ابو على بن سينا على كون الكواكب احياء ناطقة بقوله {يسبحون} وبقوله{أية : انى رأيت احد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين}تفسير : قال الجمع بالواو والنون لا يكون الا للاحياء العاقلين والجواب انه لم اسند اليهن ما هو من افعال العقلاء وهو السباحة والسجود نزلن منزلة العقلاء فعبر عنهن بضمير العقلاء ومثله {أية : ادخلوا مساكنكم } تفسير : قال بعض اهل الحقيقة الاجرام الفلكية هى الاجسام فوق العناصر من الافلاك والواكب ومحركاتها اى مبادى حركاتها بالحركة الارادية على الاستدارة جواهر مجردة عن مواد الافلاك فىذواتها وانفسها متعلقة بالافلاك فى حركاتها لتكون تلك الجواهر مبادى تحريكاتها ويقال تلك الجواهر المجردة النفوس الناطقة الفلكية. فان قلت فعلى هذا لا يكون الناطق فصلا للانسان. قلت المراد بالنطق ما يجرى على اللسان وفيه نظر لانه يرد النقض بالملك والجن والببغاء والجواب الحق هو ما يجرى على الجنان ما لا يجرى على اللسان وليس لهم جنان حتى يجرى عليه الشئ. قال الكاشفى [در كشف الاسرار آورده كه نزد اهل اشارة شب وروز نشان قبض وبسط عارفانست كاه يكى را بقبضه قبض كيرد تاسلطان جلال دمار ازنهاد اوبر آرد وكاه يكى را بر بساط بسط فشاند تامزبان جمال اورا ازخوان نوال نواله اقبلال دهد وآفتاب نشأنه صاحب توحيداست بنعمة تمكين در حضرت شهود آراسته نه فزايد ونه كاهد لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا وقمر نشانه اهل تلوين است كاه دركاهش بود وكاه در افزايش زمانى بظهور نور برق وحدت در محاق نيستى افتد وساعتى ببروز رموز جامعيت بمرتبه بدريت رند كوبيا در كلام حقائق انجام حضرت قاسم الانوار قدس سره اشارتى بدين معنى هست شعر : زبيم سوز هجرانت زموا باريكتر كردم جوروزوصل ياد آرم شوم در حال ازان فربه تفسير : وحضرت بيررومى قدس سره ميفرمايد شعر : جون روى برتابى زمن كردم هلالى ممتهن ورروئ سوئ من كنى جون بدربى نقصان شوم تو آفتابى من جومه كردتوكردم روز وشب كه در محاق افتم زتوكه شمع نور افشان شوم
الجنابذي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} الّذين هما من آياتها وبها يناط اكثر الآثار السّفليّة، والجملة عطف على قوله: هم عن آياتها معرضون، او حال عن الفاعل المستتر فى معرضون او عن آياتها، كما انّ قوله وهم عن آياتها معرضون حال عمّا سبق والمعنى جعلنا السّماء سقفاً محفوظاً كثير الآيات والحال انّهم معرضون عن آياتها غير ناظرين اليها والحال انّا خلقنا اللّيل والنّهار اللّذين هما مشهودان لهم وهما من آيات السّماء ويترتّب عليهما حكم ومصالح كثيرة ولا ينبغى الغفلة والاعراض عنهما {وَ} خلقنا {ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} اللّذين هما من اعظم آياتها ولا يتكوّن متكوّن الاّ بتأثيرهما، وكلّ من نظر اليهما بالتّأمّل الّذى هو من شأن الانسان يدرك انّهما اعظم قدراً واكثر اثراً واشدّ ظهوراً من ان يغفل عنهما او لا يدرك منهما دلالتهما على مبدءٍ عليمٍ حكيمٍ قدير {كُلٌّ} من الشّمس والقمر {فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} كان الظّاهر ان يقول: كلّ فى فلكٍ يسبح ان قدّر كلّ منهما او يسبحان او يسبح ان قدّر كلّهما بمعنى كليهما لكنّه تعالى للاشعار بكثرة افراد كلّ من الشّمس والقمر طولاً كما ورد: انّ وراء عين شمسكم هذه تسعاً وثلاثين عين شمس، ووراء قمركم هذا تسعة وثلاثين قمراً، وبكثرة افرادهما عرضاً كما شاع فى زماننا من حكماء الافرنج انّ الكواكب بعضها شموس منيرة بذاتها، وبعضها اقمار مستنيرة من غيرها، اتى بالعبارة هكذا ليكون المعنى كلّ جماعة من افراد الشّمس وافراد القمر فى نوعٍ من الفلك روحانىٍّ او جسمانىٍّ يسبحون فانّ الافلاك كالكواكب كما تكون طبيعيّة تكون روحانيّة كما قيل: شعر : آسما نهاست در ولايت جان كارفرماى آسمان جهان تفسير : والاتيان بضمير ذوى العقول للاشارة الى انّها ذوو شعورٍ وعلم كما قيل: شعر : خر مكَس خُنفسا حمار قبان همه باجان ومهرومه بى جان تفسير : واستعمال السّباحة لتشبيه الفلك بالبحر والنّهر وتشبيه الكواكب بالسّابح.
اطفيش
تفسير : {وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} بعضٌ من تلك الآيات. قدم الليل لسبق الظلمة على النور. وقدم الشمس لأن نور القمر منها وأقرب الأرض إلى السماء بيت المقدس، بينهما اثنا عشر ميلا. وأبعد الأرض منها أجله. والسماء كالقبة، والشمس والقمر لم يلزقا بسمائهما، بل كل فى فلك دون سمائه؛ لقوله: {كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يمشون بسرعة، كما يسبح الإنسان فى الماء، وجوههما إلى السماء، يضيئان فى السماء، كما يضيئان فى الأرض، قيل: الشمس فى الصيف فى الخامسة، وفى الشتاء فى السابعة. وتكلمت فى غير هذا الموضع. قال مجاهد: السباحة: الدوران كفلكة المغزل. وعن بعض: كالطاحونة. وعن بعض: يجرون. وعن بعض: يسبحون فى طاحونة. وعن بعض: إن الفلك: الجسم الدائر دورة اليوم والليلة. وقيل: موج مكفوف. وعن بعض: الفلك: هو السماء. وقيل: جسم مستدير دون السماء. والجدى كحديدة الرحى. وزعم بعض أن الفلك جرم صلب لا ثقيل ولا خفيف، لا يقبل الخرق والالتئام والسمو والدنو، وهو قول باطل. والمراد لكل الشمس والقمر. وذلك جنس. و {فى} متعلقة بيسبحون. ويسبحون خير، أو بمحذوف خبر. ويسبحون خبر ثان، أو حال من ضمير الاستقرار. وإنما عبر عن الشمس والقمر بضمير الجماعة، باعتبار تعدد طلوعهما، وكان الضمير واو العقلاء؛ لأن السباحة من فعلهم، فكأنه شبههما بالعاقل، فعبر بالواو والسباحة. وجملة المبتدأ والخبر مستأنفة، أو حال من الشمس والقمر فقط، لأنهما السابحان لا الليل والنهار.
اطفيش
تفسير : {وهُو الذَّى خَلق اللَّيل والنَّهار والشَّمسَ والقَمَر} اللذين هما آيتا الليل والنهار، والأربعة بيان لبعض تلك الآيات التى أعرضوا عنها، على طريق الالتفات من التكلم الى الغيبة، لتأكيد الاعتناء بالفجوى، وذكر إيجاد الحيوانات الرواسى، والسماء والطرق بالجعل، وهذا الأربع الخلق، لأن ذلك ليس على نمط واحد، فما هنا محض خلق، وما هنالك جعل فى الأرض، وجعل من الماء، والتكوين سقفاً {كُل} كل واحد من الشمس والقمر {فى فلكٍ} ثابت فى فلك بالإفراد على سبيل البدلية، ولو قدر ثابتان نظراً للمجموع لا للبدلية لصح، كما قال أبو حيان لا كما قال ابن هشام، يجب إفراد الضمير، ولو قدر ما أضيف إليه كل فإنا نرى جوار كل رجل قائمون، كما جاز قائم، وإذا قال كلهم أو قدر الجمع، وجبت المطابقة. وما قاله ابن هشام حسن لكن لا يجب، والمراد فى فلكين بالتثنية، لكن أفرد نظراً الى أن الكلام على سبيل البدلية، وكذا لو قدر كلهم، فالمراد فى أفلاك، وأفرد لإرادة الجنس، على أن لكل واحد فلكاً وحده، ووجه الجمع مع أن الشمس والقمر اثنان، أنهما معظمان، كأنهما جماعة، وكذا جمعا في قوله تعالى: {يسبحون}، أو جمعا باعتبار طلوعهما فى كل ليل، وكل نهار كما يقال بهذا الاعتبار شموس وأقمار، أو بتغليبهما على النجوم، وباستحضار النجوم عند ذكرهما، وقد قيل الواو للنجوم، ولو لم تذكر لدلالة ما ذكر عليها، وقيل للشمس والقمر، والليل والنهار، وفيه أن اليل والنهار لا يوصفان بالسباحة إلا مجازاً عن السير، فلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو الحمل على عموم المجاز، وهو هنا مطلق التحول، وفيه أن السباحة مجاز، ولو فى القمرين، وإنما هى حقيقة للحيوان والإنسان فى الماء، وعلى كل اختير الجمع للفاصلة، والواو لغير العقلاء تعظيماً، ولو صفهما يوصف العقال وهو السباحة، ولو كانت تكون أيضاً للحيون مطلقاً. وقيل: في الشمس والقمر ولانجوم عقول كما قال به بعض المسلمين كالفلاسفة، ويسبحون حال، وإن جعل خبراً علق به فى فلك، وهو جسم مستدير، وكل مستدير فلك مثل فلكة الغزل، وعن ابن عباس أنه السماء فهى مستديرة، وأكثر المفسرين على أن الفلك موج مكفوف تحت السماء تجرى فيه الشمس والقمر، وقال الضحاك ليس جسما بل مدار النجوم والقمرين، وزعم الفلاسفة أن الفلك السماء، وأنه حى علام متحرك بالإرادة حركة مستديرة، لا يقل السكون والذبول، والخرق الالتئام، وشهر أن الأفلاك تسعة: سبعة للسيارة الدرارى السبعة، الثامن للثواب، والتاسع يدور بالكل دورة يوم وليلة، ولعلها أكثر أو أقل. وقد قيل: إن القمرين والنجوم بأيدى ملائكة تحت سماء الدنيا، تجرى بها الملائكة حيث شاء الله، كما نرى، ونسبة السباحة إليها ظاهر فى أنها تتحرك حركة ذاتية، واختار بعض أنها تتحرك حركة عارضة، أعنى أنها يتحرك ما هى فيه، كمن هو فى سفينة تتحرك، والأولى أولى، إذ لا يقال لمن فى زورق أو سفينة أو صندوق أو على جذع فى الماء إنه يسبح، فهى تتحرك تحرك الحوت فى الماء.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} اللذين هما آيتاهما ولذا لم يعد الفعل بياناً لبعض تلك الآيات التي هم عنها معرضون بطريق الالتفات الموجب لتأكيد الاعتناء بفحوى الكلام، ولما كان إيجاد الليل والنهار ليس على نمط إيجاد الحيوانات وإيجاد الرواسي لم يتحد اللفظ الدال على ذلك بل جيء بالجعل هناك وبالخلق هنا كذا قيل وهو كما ترى. وقوله تعالى: {كُلٌّ} مبتدأ وتنوينه عوض عن المضاف إليه، واعتبره صاحب «الكشاف» مفرداً نكرة أي كل واحد من الشمس والقمر. واعترض بأنه قد صرح ابن هشام في «المغني» بأن المقدر إذا كان مفرداً يجب الإفراد في الضمير العائد على (كل) كما لو صرح به وهنا قد جمع فيجب على هذا اعتباره جمعاً معرفاً أي كلهم ومتى اعتبر كذلك وجب عند ابن هشام جمع العائد وإن كان لو ذكر لم يجب، ووجوب الإفراد في المسألة الأولى والجمع في الثانية للتنبيه على حال المحذوف. وأبو حيان يجوز الإفراد والجمع مطلقاً فيجوز هنا اعتبار المضاف إليه مفرداً نكرة مع جمع الضمير بعد كما فعل الزمخشري وهو من تعلم علو شأنه في العربية، وقوله سبحانه: {فِى فَلَكٍ} خبره، ووجه إفراده ظاهر لأن النكرة المقدرة للعموم البدلي لا الشمولي، ومن قدر جمعاً معرفاً قال: المراد به الجنس الكلي المؤل بالجمع نحو كساهم حلة بناءاً على أن المجموع ليس في فلك واحد. وقوله عز وجل: {يَسْبَحُونَ} حال؛ ويجوز أن يكون الخبر و {فِى فَلَكٍ} حالاً أو متعلقاً به وجملة {كُلٌّ} الخ حال من (الشمس والقمر) والرابط الضمير دون واو بناء على جواز ذلك من غير قبح، ومن استقبحه جعلها مستأنفة وكان ضميرهما جمعاً اعتباراً للتكثير بتكاثر المطالع فيكون لهما نظراً إلى مفهومهما الوضعي أفراد خارجية بهذا الاعتبار لا حقيقة، ولهذا السبب يقال شموس وأقمار وإن لم يكن في الخارج إلا شمس واحد وقمر واحد والذي حسن ذلك هنا توافق الفواصل، وزعم بعضهم أنه غلب القمران لشرفهما على سائر الكواكب فجمع الضمير لذلك. وقيل: الضمير للنجوم وإن لم تذكر لدلالة ما ذكر عليها. / وقيل: الضمير للشمس والقمر والليل والنهار، وفيه أن الليل والنهار لا يحسن وصفهما بالسباحة وإن كانت مجازاً عن السير، واختيار ضمير العقلاء إما لأنهما عقلاء حقيقة كما ذهب إليه بعض المسلمين كالفلاسفة، وإما لأنهما عقلاء ادعاء وتنزيلاً حيث نسب إليهما السباحة وهي من صنائع العقلاء. والفلك في الأصل كل شيء دائر ومنه فلكة المغزل والمراد به هنا على ما روي عن ابن عباس والسدي رضي الله تعالى عنهم السماء. وقال أكثر المفسرين: هو موج مكفوف تحت السماء يجري فيه الشمس والقمر. وقال الضحاك: هو ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم، والمشهور ما روي عن ابن عباس والسدى وفيه القول باستدارة السماء وفي {كُلٌّ فِى فَلَكٍ} رمز خفي إليه فإنه لا يستحيل بالانقلاب وعليه أدلة جمة وكونها سقفاً لا يأبـى ذلك، وقد وقع في كلام الفلاسفة إطلاق الفلك على السماء ووصفوه بأنه حي عالم متحرك بالإرادة حركة مستديرة لا غير ولا يقبل الكون والفساد والنمو والذبول والخرق والالتئام ونوعه منحصر في شخصه وأنه لا حار ولا بارد ولا رطب ولا يابس ولا خفيف ولا ثقيل، وأكثر هذه الأوصاف متفرع على أنه ليس في طباعه ميل مستقيم، وقد رد ذلك في «الكتب الكلامية» وبنوا على امتناع الخرق والالتئام أن الكوكب لا يتحرك إلا بحركة الفلك ولما رأوا حركات مختلفة قالوا بتعدد الأفلاك، والمشهور أن الأفلاك الكلية تسعة سبعة للسبع السيارة وواحد للثوابت وآخر لتحريك الجميع الحركة اليومية، والحق أنه لا قاطع على نفي ما عدا ذلك ألا ترى أن الشيخ الرئيس لم يظهر له أن الثوابت في كرة واحدة أو في كرات منطو بعضها على بعض، وقولهم إن حركات الثوابت متشابهة ومتى كانت كذلك كانت مركوزة في فلك واحد غير يقيني أما صغراه فلأن حركاتها وإن كانت في الحس متشابهة لكن لعلها لا تكون في الحقيقة كذلك لأنا لو قدرنا أن الواحدة منها تتمم الدورة في ست وثلاثين ألف سنة والأخرى تتممها في هذا الزمان لكن بنقصان عاشرة أو أقل فالذي يخص الدرجة الواحدة من هذا القدر من التفاوت يقل جداً بحيث لا تفي أعمارنا بضبطه وإذا احتمل ذلك سقط القطع بالتشابه، ومما يزيد ذلك سقوطاً والاحتمال قوة وجدان المتأخرين من أهل الأرصاد كوكباً أسرع حركة من الثوابت وأبطأ من السيارة سموه بهرشل ولم يظفر به أحد من المتقدمين في الدهور الماضية، وأما كبراه فلاحتمال اشتراك الأشياء المختلفة في كثير من اللوازم فيجوز أن لكل فلكاً على حدة وتكون تلك الأفلاك متوافقة في حركاتها جهة وقطباً ومنطقة وبطناً، ثم إن الاحتمال غير مختص لفلك الثوابت بل حاصل في كل الأفلاك فيجوز أن يكون بين أفلاك السيارة أفلاك أخر، وما يقال في إبطاله من أن أقرب قرب كل كوكب يساوي أبعد بعد كل الكواكب التي فرضت تحته ليس بشيء لأن بين أبعد بعد القمر وأقرب قرب عطارد ثخن فلك جوزهر القمر، وقد ذكر المحققون من أصحاب الهيئة أن لفلك التدوير لكل من العلوية ثلاث أكر محيط بعضها ببعض وجرم الكوكب مركوز في الكرة الداخلة فيكون مقدار ثخن أربع كرات من تلك التداوير من كل واحد من السافل والعالي ثخن كرتين حائلاً بين أقرب قرب العالي وأبعد بعد السافل، وأثبتوا للسفلية خمسة تداوير فيكون بين أقرب قرب الزهرة وأبعد بعد عطارد ثخن ثمان كرات على أنهم إنما اعتقدوا أن أقرب قرب العالي مساو لأبعد بعد السافل لاعتقادهم أولاً أنه ليس بين هذه الأفلاك ما يتخللها فليس يمكنهم بناء ذلك عليه وإلا لزم الدور بل لا بد فيه من دليل آخر، وقولهم لا فضل في الفلكيات مع أنه كما ترى يبطله ما قالوا في عظم ثخن المحدد؛ ويجوز أيضاً أن يكون فوق التاسع من الأفلاك ما لا يعلمه إلا الله تعالى بل يحتمل أن يكون / هذا الفلك التاسع بما فيه من الكرات مركوزاً في ثخن كرة أخرى عظيمة ويكون في ثخن تلك الكرة ألف ألف كرة مثل هذه الكرات وليس ذلك مستبعداً فإن تدوير المريخ أعظم من ممثل الشمس فإذا عقل ذلك فأي بأس بأن يفرض مثله مما هو أعظم منه ويجوز أيضاً كما قيل أن تكون الأفلاك الكلية ثمانية لإمكان كون جميع الثوابت مركوزة في محدب ممثل زحل أي في متممه الحاوي على أن يتحرك بالحركة البطيئة والفلك الثامن يتحرك بالحركة السريعة بل قيل من الجائز أن تكون سبعة بأن تفرض الثوابت ودوائر البروج على محدب ممثل زحل ونفسان تتصل إحداهما بمجموع السبعة وتحركها إحدى الحركتين السريعة والبطيئة والأخرى بالفلك السابع وتحركه الأخرى فلا قاطع أيضاً على نفي أن تكون الأفلاك أقل من تسعة. ثم الظاهر من الآية أن كلاً من الشمس والقمر يجري في ثخن فلكه ولا مانع منه عقلاً ودليل امتناع الخرق والالتئام وهو أنه لو كان الفلك قابلاً لذلك لكان قابلاً للحركة المستقيمة وهي محال عليه غير تام وعلى فرض تمامه إنما يتم في المحدد على أنه يجوز أن يحصل الخرق في الفلك من جهة بعض أجزائه على الاستدارة فلا مانع من أن يقال: الكواكب مطلقاً متحركة في أفلاكها حركة الحيتان في الماء ولا يبطل به علم الهيئة لأن حركاتها يلزم أن تكون متشابهة حول مراكز أفلاكها أي لا تسرع ولا تبطىء ولا تقف ولا ترجع ولا تنعطف، وقول السهروردي في «المطارحات»: لو كانت الأفلاك قابلة للخرق وقد برهن على كونها ذات حياة فعند حصول الخرق فيها وتبدد الأجزاء فإن لم تحس فليس جزؤها المنخرق له نسبة إلى الآخر بجامع إدراكي ولا خبر لها عن أجزائها وما سرى لنفسها قوة في بدنها جامعة لتلك الأجزاء فلا علاقة لنفسها مع بدنها، وقد قيل إنها ذات حياة وإن كانت تحس فلا بد من التألم بتبديد الأجزاء فإنه شعور بالمنافي وكل شعور بالمنافي إما ألم أو موجب لألم وإذا كان كذا وكانت الكواكب تخرقها بجريها كانت في عذاب دائم، وسنبرهن على أن الأمور الدائمة غير الممكن الأشرف لا يتصور عليها لا يخفى أنه من الخطابيات بل مما هو أدون منها. وزعم بعضهم أنه من البراهين القوية مما لا برهان عليه من البراهين الضعيفة، وادعى الإمام أنها كما تدل على جري الكوكب تدل على سكون الفلك، والحق أنها مجملة بالنسبة إلى السكون غير ظاهرة فيه، وإلى حركته وسكون الفلك بأسره ذهب بعض المسلمين ويحكى عن الشيخ الأكبر قدس سره، ويجوز أن يكون الفلك متحركاً والكوكب يتحرك فيه إما مخالفاً لجهة حركته أو موافقاً لها إما بحركة مساوية في السرعة والبطء لحركة الفلك أو مخالفة، ويجوز أيضاً أن يكون الكوكب مغروزاً في الفلك ساكناً فيه كما هو عند أكثر الفلاسفة أو متحركاً على نفسه كما هو عند محققيهم والفلك بأسره متحركاً وهو الذي أوجبه الفلاسفة لما لا يسلم لهم ولا يتم عليه برهان منهم. ويجوز أيضاً أن يكون الكوكب في جسم منفصل عن ثحن الفلك شبيه بحلقة قطره مساو لقطر الكوكب وهو الذي يتحرك به ويكون الفلك ساكناً، ويجوز أيضاً أن يكون في ثخن الفلك خلاء يدور الكوكب فيه مع سكون الفلك أو حركته وليس في هذا قول بالخرق والالتئام بل فيه القول بالخلاء وهو عندنا وعند أكثر الفلاسفة جائزة خلافاً لأرسطاطاليس وأتباعه، ودليل الجواز أقوى من صخرة ملساء، والقول بأن الفلك بسيط فبساطته مانعة من أن يكون في ثخنه ذلك ليس بشيء فما ذكروه من الدليل على البساطة على ضعفه لا يتأتى إلا في المحدد دون سائر الأفلاك، وأيضاً متى جاز أن يكون الفلك مجوفاً مع بساطته فليجز ما ذكر معها ولا يكاد يتم لهم / التفصي عن ذلك، وجاء في بعض الآثار أن الكواكب جميعها معلقة بسلاسل من نور تحت سماء الدنيا بأيدي ملائكة يجرونها حيث شاء الله تعالى، ولا يكاد يصح وإن كان الله عز وجل على كل شيء قديراً. والذي عليه معظم الفلاسفة والهيئيين أن الحركة الخاصة بالكوكب الثابتة لفلكه أولاً وبالذات آخذة من المغرب إلى المشرق وهي الحركة على توالي البروج وتسمى الحركة الثانية والحركة البطيئة وهي ظاهرة في السيارات وفي القمر منها في غاية الظهور وفي الثوابت خفية ولهذا لم يثبتها المتقدمون منهم، وغير الخاصة به الثابتة لفلكه ثانياً وبالعرض آخذة من المشرق إلى المغرب وتسمى الحركة الأولى والحركة السريعة وهي بواسطة حركة المحدد وبها يكون الليل والنهار في سائر المعمورة، وأما في عرض تسعين ونحوه ففي الحركة الثانية فعندهم للكوكب حركتان مختلفتان جهة وبطأ ومثلوهما بحركة رحى إلى جهة سريعاً وحركة نملة عليها إلى خلاف تلك الجهة بطيئاً. وذهب بعض الأوائل إلى أنه لا حركة في الأجرام العلوية من المغرب إلى المشرق بل حركاتها كلها من المشرق إلى المغرب لأنها أولى بهذه الأجرام لكونها أقل مخالفة ولأن غاية الحركة للجرم الأقصى وغاية السكون للأرض فيجب أن يكون ما هو أقرب إلى الأقصى أسرع مما هو أبعد ولأنه لو كان بعضها من المشرق وبعضها من المغرب يلزم أن يتحرك الكوكب بحركتين مختلفتين جهة وذلك محال لأن الحركة إلى جهة تقتضي حصول المتحرك في الجهة المنتقل إليها فلو تحرك الجسم الواحد دفعة واحدة إلى جهتين لزم حصوله دفعة واحدة في مكانين وهو محال ولا فرق في ذلك بين أن تكون الحركتان طبيعيتين أو قسريتين أو إحداهما طبيعية والأخرى قسرية. ولا يدفع هذا بما يشاهد من حركة النملة على الرحى إلى جهة حال حركة الرحى إلى خلافها لأنه مثال والمثال لا يقدح في البرهان ولأن القطع على مثل هذه الحركات جائز أما على الحركات الفلكية فمحال، وما استدل به على أن غير الحركة السريعة من المغرب إلى المشرق لا يدل عليه لجواز أن تكون من المشرق ويظن أنها من المغرب وبيانه أن المتحركين إلى جهة واحدة حركة دورية متى كان أحدهما أسرع من حركة الآخر فإنهما إذا تحركا إلى تلك الجهة رؤي الأبطأ منهما متخلفاً فيظن أنه متحرك إلى خلاف تلك الجهة لأنهما إذا اقترنا ثم تحركا في الجهة بما لهما من الحركة فسار السريع دورة تامة وسار البطيء دورة إلا قوساً يرى البطىء متخلفاً عن السريع في الجهة المخالفة لجهة حركتهما بتلك القوس، وقالوا: يجب المصير إلى ذلك لما أن البرهان يقتضيه ولا يبطله شيء من الأعمال النجومية. وقد أورد الإمام في «الملخص» ما ذكر في الاستدلال على محالية الحركتين المختلفتي الجهة للجسم الواحد إشكالاً على القائلين بهما ثم قال: ولقوة هذا الكلام أثبت بعضهم الحركة اليومية لكرة الأرض لا لكرة السماء وإن كان ذلك باطلاً وأورده في «التفسير» وسماه برهاناً قاطعاً وذهب فيه إلى ما ذهب إليه هذا البعض من أن الحركات كلها من المشرق إلى المغرب لكنها مختلفة سرعة وبطأً وفيما ذكروه نظر لأن الشبهتين الأوليين إقناعيتان والثالثة وإن كانت برهانية لكن فسادها أظهر من أن يخفى، وأما أن شيئاً من الأعمال النجومية لا يبطله فباطل لأن هذه الحركة الخاصة للكوكب أعني حركة القمر من المشرق إلى المغرب مثلاً دورة إلا قوساً لا يجوز أن تكون على قطبي البروج لأنها توجد موازية لمعدل النهار ولا على قطبـي المعدل وإلا لما زالت عن موازاته ولما انتظمت من القسي التي تتأخر فيها كل يوم دائرة عظيمة مقاطعة للمعدل كدائرة البروج من القسي التي تأخرت الشمس فيها بل انتظمت صغيرة موازية له اللهم إلا إذا كان الكوكب على المعدل مقدار ما يتمم بحركته دورة فإن المنتظمة حينئذ تكون نفس المعدل لكن هذا غير موجود في / الكواكب التي نعرفها ولا على قطبين غير قطبيهما وإلا لكان يرى سميره فوق الأرض على دائرة مقاطعة للدوائر المتوازية ولم تكن دائرة نصف النهار تفصل الزمان الذي من حين يطلع إلى حين يغرب بنصفين لأن قطبـي فلكه المائل لا يكون دائماً على طائرة نصف النهار فلا تنفصل قسي مداراته الظاهرة بنصفين، ولأنه لو كان الأمر كما توهموا لكانت الشمس تصل إلى أوجها وحضيضها وبعديها الأوسطين بل إلى الشمال والجنوب فيجب أن تحصل جميع الأظلال اللائقة بكون الشمس في هذه المواضع في اليوم الواحد والوجود بخلافه. وقول من قال يجوز أن يكون حركة الشمس في دائرة البروج إلى المغرب ظاهر الفساد لأنه لو كان كذلك لكان اليوم الواحد بليلته ينقص عن دور معدل النهار بقدر القوس التي قطعتها الشمس بالتقريب بخلاف ما هو الواقع لأنه يزيد على دور المعدل بذلك القدر ولكان يرى قطعها البروج على خلاف التوالي وليس كذلك لتأخرها عن الجزء الذي يتوسط معها من المعدل في كل يوم نحو المشرق، فإذاً حركات الأفلاك الشاملة للأرض ثنتان حركة إلى التوالي وأخرى إلى خلافه، وأما حركات التداوير فخارجة عن القسمين لأن حركات أعاليها مخالفة لحركات أسافلها لا محالة لكونها غير شاملة للأرض، فإن كانت حركة الأعلى من المغرب إلى المشرق فحركة الأسفل بالعكس كما في المتحيرة، وإن كانت حركة الأعلى من المشرق إلى المغرب كانت حركة الأسفل بالعكس كما في القمر. هذا وقصارى ما نقول في هذا المقام: إن ما ذكره الفلاسفة في أمر الأفلاك الكلية والجزئية وكيفية حركاتها وأوضاعها أمر ممكن في نفسه ولا دليل على أنه هو الواقع لا غير، وقد ذهب إلى خلافه أهل لندن وغيرهم من أصحاب الأرصاد اليوم، وكذا أصحاب الأرصاد القلبية والمعارج المعنوية كالشيخ الأكبر قدس سره وقد أطال الكلام في ذلك في «الفتوحات المكية». وأما السلف الصالح فلم يصح عنهم تفصيل الكلام في ذلك لما أنه قليل الجدوى ووقفوا حيث صح الخبر وقالوا: إن اختلاف الحركات ونحوه بتقدير العزيز العليم وتشبثوا فيما صح وخفي سببه بأذيال التسليم، والذي أميل إليه أن السمٰوات على طبق ما صحت به الأخبار النبوية في أمر الثخن وما بين كل سماء وسماء ولا أخرى عن دائرة هذا الميل، وأقول يجوز أن يكون ثخن كل سماء فلك لكل واحدة من السيارات على نحو الفلك الذي أثبته الفلاسفة لها وحركته الذاتية على نحو حركته عندهم وحركته العرضية بواسطة حركة سمائه إلى المغرب الحركة اليومية فتكون حركات السمٰوات متساوية، وإن أبيت تحرك السماء بجميع ما فيها لإباء بعض الأخبار عنه مع عدم دليل قطعي يوجبه قلت: يجوز أن يكون هناك محرك في ثخن السماء أيضاً ويبقى ما يبقى منها ساكناً بقدرة الله تعالى على سطحه الأعلى ملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون. وللفلاسفة في تحقيق أن المحيط كيف يحرك المحاط به كلام تعقبه الإمام ثم قال: الصحيح أن المحرك للكل هو الله تعالى باختياره وإن ثبت على قانون قولهم كون الحاوي محركاً للمحوي فإنه يكون محركاً بقوة نفسه لا بالمماسة. وأما الثوابت فيحتمل أن تكون في فلك فوق السمٰوات السبع ويحتمل أن يكون في ثخن السماء السابعة فوق فلك زحل بل إذا قيل بأن جميع الكواكب الثوابت والسيارات في ثخن السماء الدنيا تتحرك على أفلام مماثلة للأفلاك التي أثبتها لها الفلاسفة ويكون لها حركتان على نحو ما يقولون لم يبعد، وفيه حفظ لظاهر قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ} تفسير : [الملك: 5] وما ذكروه في علم الأجرام والأبعاد على اضطرابه لا يلزمنا تسليمه فلا يرد أنهم قالوا بعد / الثوابت عن مركز الأرض خمسة وعشرون ألف وأربعمائة واثنا عشر ألفاً وثمانمائة وتسع وتسعون فرسخاً، وما ورد في الخبر من أن بين السماء والأرض خمسمائة عام وسمك السماء كذلك يقتضي أن يكون بين وجه الأرض والثوابت على هذا التقدير ألف عام وفراسخ مسيرة ذلك مع فراسخ نصف قطر الأرض وهي ألف ومائتان وثلاثة وسبعون تقريباً على ما قيل دون ما ذكر بكثير. ولا حاجة إلى أن يقال: العدد لا مفهوم له واختيار خمسمائة لما أن الخمسة عدد دائر فيكون في ذلك رمز خفي إلى الاستدارة كما قيل في كل فلك، ويشير إلى صحة احتمال أن يكون الفلك في ثخن السماء ما أخرجه ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: الشمس بمنزلة الساقية تجري في السماء في فلكها فإذا غربت جرت الليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها وكذلك القمر، والأخبار المرفوعة والموقوفة في أمر الكواكب والسمٰوات والأرض كثيرة. وقد ذكر الجلال السيوطي منها ما ذكر في رسالة ألفها في بيان «الهيئة السنية»، وإذا رصدتها رأيت أكثرها مائلاً عن دائرة بروج القبول، وفيها ما يشعر بأن للكوكب حركة قسرية نحو ما أخرجه ابن المنذر عن عكرمة ما طلعت الشمس حتى يوتر لها كما توتر القوس، ثم الظاهر أن يراد بالسباحة الحركة الذاتية ويجوز أن يراد بها الحركة العرضية بل قيل هذا أولى لأن تلك غير مشاهدة مشاهدة هذه بل عوام الناس لا يعرفونها، وقيل يجوز أن يراد بها ما يعم الحركتين، واستنبط بعضهم من نسبة السباحة إلى الكواكب أن ليس هناك حامل له يتحرك بحركته مطلقاً بل هو متحرك بنفسه في الملك تحرك السمكة في الماء إذ لا يقال للجالس في صندوق أو على جذع يجري في الماء إنه يسبح، واختار أنه يجري في مجرى قابل للخرق والالتئام كالماء ودون إثبات استحالة ذلك العروج إلى السماء السابعة، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال وهو سبحانه ولي التوفيق وعلى محور هدايته تدور كرة التحقيق، وهذه نبذة مما رأينا إيراده مناسباً لهذا المقام، وسيأتي إن شاء الله تعالى نبذة أخرى مما يتعلق بذلك من الكلام.
ابن عاشور
تفسير : لما كانت في إيجاد هذه الأشياء المعدودة هنا منافع للناس سيقت في معرض المنة بصوغها في صيغة الجملة الاسمية المعرّفة الجزأيْن لإفادة القصر، وهو قصر إفراد إضافي بتنزيل المخاطبين من المشركين منزلة من يعتقد أن أصنامهم مشاركة لله في خلق تلك الأشياء، لأنهم لما عبدوا الأصنام، والعبادة شكر، لزمهم أنهم يشكرونها وقد جعلوها شركاء لله فلزمهم أنهم يزعمون أنها شريكة لله في خلق ما خلق لينتقل من ذلك إلى إبطال إشراكهم إياها في الإلهية. ولكون المنة والعبرة في إيجاد نفس الليل والنهار، ونفس الشمس والقمر، لا في إيجادها على حالة خاصة، جيء هنا بفعل الخلق لا بفعل الجعل. وخلق الليل هو جزئي من جزئيات خلق الظلمة التي أوجد الله الكائنات فيها قبل خلق الأجسام التي تُفيض النور على الموجودات، فإن الظلمة عدم والنور وجودي وهو ضد الظلمة، والعدم سابق للوجود فالحالة السابقة لوجود الأجرام النيرة هي الظلمة، والليل ظلمة ترجع لجرم الأرض عند انصراف الأشعة عن الأرض. وأما خلق النهار فهو بخلق الشمس ومن توجُّه أشعتها إلى النصف المقابل للأشعة من الكرة الأرضية، فخلْق النهار تبع لخلق الشمس وخلقِ الأرض ومقابلةِ الأرض لأشعة الشمس، ولذلك كان لذكر خلق الشمس عقب ذكر خلق النهار مناسبة قوية للتنبيه على منشأ خلق النهار كما هو معلوم. وأما ذكر خلق القمر فلمناسبة خلق الشمس، وللتذكير بمنة إيجاد ما ينير على الناس بعض النور في بعض أوقات الظلمة. وكل ذلك من المنن.{كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنه لما ذكر الأشياء المتضادة بالحقائق أو بالأوقات ذكراً مجملاً في بعضها الذي هو آيات السماء، ومفصلاً في بعض آخر وهو الشمس والقمر، كان المقامُ مثيراً في نفوس السامعين سؤالاً عن كيفية سيرها وكيف لا يقع لها اصطدام أو يقع منها تخلف عن الظهور في وقته المعلوم، فأجيب بأن كل المذكورات له فضاء يسير فيه لا يلاقي فضاء سير غيره. وضمير {يسبحون}عائد إلى عموم آيات السماء وخصوص الشمس والقمر. وأجري عليها ضمير جماعة الذكور باعتبار تذكير أسماء بعضها مثل القَمر والكوكب. وقال في «الكشاف»: «إنه روعي فيه وصفُها بالسباحة التي هي من أفعال العقلاء فأجري عليها أيضاً ضمير العقلاء، يعني فيكون ذلك ترشيحاً للاستعارة». وقوله تعالى {في فلك} ظرف مستقر خبر عن {كلّ}، و{كل} مبتدأ وتنوينه عوض عن المضاف إليه، أي كل تلك، فهو معرِفة تقديراً. وهو المقصود من الاستئناف بأن يفاد أن كلاً من المذكورات مستقر في فلَك لا يصادم فلَك غيره، وقد علم من لفظ (كل) ومن ظرفية (في) أن لفظ {فلك}عام، أي لكل منها فلكُه فهي أفلاك كثيرة. وجملة {يسْبحون} في موضع الحال. والسبح: مستعار للسير في متسع لا طرائق فيه متلاقية كطرائق الأرض، وهو تقريب لسير الكواكب في الفضاء العظيم. والفلك فسره أهل اللغة بأنه مدار النجوم، وكذلك فسره المفسرون لهذه الآية ولم يذكروا أنه مستعمل في هذا المعنى في كلام العرب. ويغلِب على ظني أنه من مصطلحات القرآن ومنه أخذه علماء الإسلام وهو أحسن ما يعبر عنه عن الدوائر المفروضة التي يضبط بها سير كوكب من الكواكب وخاصة سير الشمس وسير القمر. والأظهر أن القرآن نقله من فلك البحر وهو الموج المستدير بتنزيل اسم الجمع منزلة المفرد. والأصل الأصيل في ذلك كله فَلْكة المَغْزِل ــــ بفتح الفاء وسكون اللام ــــ وهي خشبة مستديرة في أعلاها مِسمار مثني يدخل فيه الغزل ويدار لينفتل الغَزْل. ومن بدائع الإعجاز في هذه الآية أن قوله تعالى: {كل في فلك} فيه محسّن بديعي فإن حروفه تُقرأ من آخرها على الترتيب كما تُقرأ من أولها مع خفة التركيب ووفرة الفائدة وجريانه مجرى المثل من غير تنافر ولا غرابة، ومثله قوله تعالى: {أية : ربك فكبِّر}تفسير : [المدّثر: 3] بطرح واو العطف، وكلتا الآيتين بني على سبعة أحرف، وهذا النوع سمّاه السكاكي «المقلوبَ المستوي» وجعله من أصناف نوع سمّاه القَلب. وخص هذا الصنف بما يتأتى القلب في حروف كلماته. وسمّاه الحريري في «المقامات» «ما لا يستحيل بالانعكاس» وبنَى عليه المقامة السادسة عشَرة ووضح أمثلة نثراً ونظماً، وفي معظم ما وضعه من الأمثلة تكلف وتنافر وغرابة، وكذلك ما وضعه غيره على تفاوتها في ذلك والشواهد مذكورة في كتب البديع فعليك بتتبعها، وكلما زادت طولاً زادت ثقلاً. قال العلامة الشيرازي في «شرح المفتاح»: وهو نوع صعب المسلك قليل الاستعمال. قلت: ولم يذكروا منه شيئاً وقع في كلام العرب فهو من مبتكرات القرآن. ذكر أهل الأدب أن القاضي الفاضل البيساني زارَ العمادَ الكاتب فلما ركب لينصرف من عنده قال له العماد: «سِرْ فلا كبَا بك الفرس» ففطن القاضي أن فيه محسن القلب فأجابه على البديهة: «دَام عُلا العماد» وفيه محسن القلب.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْلَّيْلَ} (33) - واللهُ تَعَالَى هُوَ الذي خَلَقَ اللَّيْلَ بِظَلاَمِهِ وَسُكُونِهِ، والنَّهَارَ بِضِيَائِهِ وأُنْسِهِ، يَطُولُ هَذَا ثُمَّ يَقْصُرُ، وَيَتَنَاوَبَانِ ذَلِكَ، وَخَلَق الشَّمْسَ والقَمَرَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَهُ مسَارٌ، وَفَلَكٌ يَخْتَصُّ بِهِ، وَيَسْبَحُ فِيهِ وَيَتَحَرَّكُ، وتَدُورُ الكَوَاكِبُ فِي مَدَارَاتِها كَمَا يَدُورُ المِغْزَلُ فِي الفُلْكَةِ. كُلٌّ فِي فَلَكٍ - أي الشَّمْسُ والقَمَرُ. يَسْبحُونَ - يَجْرُون في السَّمَاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - سبحانه وتعالى - يمتنّ ببعض خَلْقه، ولا يمتن الله إلا بشيء عظيم ونعمة من نعمه على عباده، ومن ذلك الليل والنهار، وقد أقسم سبحانه بهما في قوله تعالى: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} تفسير : [الليل: 1-2]. وقال: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}تفسير : [الضحى: 1-2] فالليل والنهار آيتان متكاملتان، ليستا متضادتين، فالأرض خلقها الله ليعمرها خليفته فيها: {أية : هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ..} تفسير : [هود: 61]. أي: طلب منكم عمارتها بما أعطاكم الله من مُقوِّمات الحياة، فالعقل المدبر، والجوارح الفاعلة، والقوة، والمادة كلها مخلوقة لله تعالى، وما عليك إلا أنْ تستخدم نِعَم الله هذه في عمارة أرضه، فإذا ما تَمَّتْ الحركة في النهار احتاج الجسم بعدها إلى الراحة في الليل. لذلك كان النوم آية عُظْمى من آيات الله للإنسان تدلّ على أن الخالق - عز وجل - أمين على النفس أكثر من صاحب النفس. لذلك نرى البعض مِنّا يُرهِق نفسه في العمل، ولا يعطي لجسده راحته الطبيعية، إلى أنْ يصيرَ غير قادر على العمل والعطاء، وهنا يأتي النوم كأنه رادع ذاتيٌّ فيك يُجبرك على الراحة، ويدقُّ لك ناقوس الخطر: أنت لست صالحاً الآن للعمل، ارحم نفسك وأعطها حقَّها من الراحة، فإنْ حاولتَ أنت أنْ تنام قبل وقت النوم يتأبَّى عليك ولا يطاوعك، أما هو فإنْ جاء أخذك من أعتى المؤثرات. وغلبك على كل شيء فتنام حتى على الحصى. وفي المثل العربي: (فراش المتعبَ وطيء، وطعام الجائع هَنِيء) أي: حين ينام الإنسان المتعَب المجهد ينام، ولو على الحصى، ولو دون أيِّ وسائل للراحة، ومع ذلك ينام نَوْمة مريحة. وفي المثَل أيضاً: (النوم ضيف، إنْ طلبتَه أعْنَتَكَ، وإنْ طلبك أراحك) والحق سبحانه يُحدِّثنا عن آية النوم في موضع آخر: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ..} تفسير : [الروم: 23]. وهنا احتياط ومَلْحظ، فإنْ كان النوم بالليل للسكن وللراحة، فهناك مَنْ يعملون بالليل، فينامون بالنهار كالحرّاس ورجال الشرطة والخبازين وغيرهم، وهؤلاء لا مانعَ أن يناموا بالنهار ليسايروا حركة الحياة. ثم يقول تعالى: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ..} [الأنبياء: 33] نعم هناك آيات أخرى كثيرة في كَوْن الله، لكن أوضحها وأشهرها: الشمس والقمر فهما تحت المشاهدة {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] فالليل والنهار والشمس والقمر يدور كُلٌّ منهم خَلْف الآخر ويخلفه، كما قال سبحانه: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً ..} تفسير : [الفرقان: 62]. وكلمة {يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] تعبير قرآني دقيق للأداء الحركي، وهي مأخوذة من سبحة السمك في الماء حيث يسبح السمك في ليونة الماء بحركة انسيابية سهلة؛ لأن الحركة لقطع المسافات إما حركة إنسيابية، وإما حركة قفزية. وتلاحظ هاتين الحركتين في عقارب الساعة، فلو لاحظت عقرب الثواني مثلاً لوجدّتَه يتحرّك حركة قفزية، يعني: ينطلق من الثبات إلى الحركة إلى الثبات، فالزمن فيه جزء للحركة وجزء للسكون. أما عقرب الدقائق فيسير بحركة انسيابية مستمرة، كل جزء من الزمن فيه جزء من الحركة، وهكذا تكون سُبْحة السمك، ومنها قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً}تفسير : [النازعات: 3]. وكذلك تكون حركة الظل: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ ..} تفسير : [الفرقان: 45] وأيضاً حركة نمو الطفل، فلو أدَمَْتَ النظر إلى طفلك الصغير لا تكاد تلاحظ عليه مظاهر النمو، وكأنه لا يكبر أمام عينيك، أمّا لو غِبْتَ عنه مثلاً عدة شهور يمكن أن تلاحظ نُموه؛ ذلك لأن النمو حركة مُوزّعة على كل ثانية في الزمن؛ لا أن النمو يتجمع ثم يظهر فجأة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} معناه يَجرُون. والفَلكُ: القُطبُ الذي تَدورُ بهِ النجومُ. وقال: الفَلكُ: السَّماءُ!.
همام الصنعاني
تفسير : 1861- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}: [الآية: 33]، قال: يجرون في فلك السماء كما رأيت، قال معمر، وقال الكلبي: كل شيء يدور فهُوَ فَلَكٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):