٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما استدل بالأشياء الستة التي شرحناها في الفصل المتقدم وكانت تلك الأشياء من أصول النعم الدنيوية أتبعه بما نبه به على أن هذه الدنيا جعلها كذلك لا لتبقى وتدوم أو يبقى فيها من خلقت الدنيا له، بل خلقها سبحانه وتعالى للإبتلاء والامتحان، ولكي يتوصل بها إلى الآخرة التي هي دار الخلود. فأما قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ } ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: قال مقاتل: أنا أناساً كانوا يقولون إن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يموت فنزلت هذه الآية. وثانيها: كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته فنفى الله تعالى عنه الشماتة بهذا أي قضى الله تعالى أن لا يخلد في الدنيا بشراً فلا أنت ولا هم إلا عرضة للموت أفائن مت أنت أيبقى هؤلاء لا وفي معناه قول القائل: شعر : فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا تفسير : وثالثها: يحتمل أنه لما ظهر أنه عليه السلام خاتم الأنبياء جاز أن يقدر مقدر أنه لا يموت إذ لو مات لتغير شرعه فنبه الله تعالى على أن حاله كحال غيره من الأنبياء عليهم السلام في الموت. أما قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } ففيه أبحاث: البحث الأول: أن هذا العموم مخصوص فإنه تعالى نفس لقوله: { أية : تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } تفسير : [المائدة: 116] مع أن الموت لا يجوز عليه وكذا الجمادات لها نفوس وهي لا تموت، والعام المخصوص حجة فيبقى معمولاً به فيما عدا هذه الأشياء، وذلك يبطل قول الفلاسفة في أن الأرواح البشرية والعقول المفارقة والنفوس الفلكية لا تموت. والثاني: الذوق ههنا لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأن الموت ليس من جنس المطعوم حتى يذاق بل الذوق إدراك خاص فيجوز جعله مجازاً عن أصل الإدراك، وأما الموت فالمراد منه ههنا مقدماته من الآلام العظيمة لأن الموت قبل دخوله في الوجود يمتنع إدراكه وحال وجوده يصير الشخص ميتاً ولا يدرك شيئاً. والثالث: الإضافة في ذائقة الموت في تقدير الإنفصال لأنه لما يستقبل كقوله: { أية : غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ } تفسير : [المائدة: 1]، و { أية : هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } تفسير : [المائدة: 95]. أما قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الابتلاء لا يتحقق إلا مع التكليف، فالآية دالة على حصول التكليف وتدل على أنه سبحانه وتعالى لم يقتصر بالمكلف على ما أمر ونهى وإن كان فيه صعوبة بل ابتلاه بأمرين: أحدهما: ما سماه خيراً وهو نعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور والتمكين من المرادات. والثاني: ما سماه شراً وهو المضار الدنيوية من الفقر والآلام وسائر الشدائد النازلة بالمكلفين، فبين تعالى أن العبد مع التكليف يتردد بين هاتين الحالتين، لكي يشكر على المنح ويصبر في المحن، فيعظم ثوابه إذا قام بما يلزم. المسألة الثانية: إنما سمي ذلك ابتلاء وهو عالم بما سيكون من أعمال العالمين قبل وجودهم لأنه في صورة الاختبار. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: {فِتْنَةً } مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه. المسألة الرابعة: احتجت التناسخية بقوله: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } فإن الرجوع إلى موضع مسبوق بالكون فيه. والجواب: أنه مذكور مجازاً. المسألة الخامسة: المراد من قوله: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } أنهم يرجعون إلى حكمه ومحاسبته ومجازاته، فبين بذلك بطلان قولهم في نفي البعث والمعاد، واستدلت التناسخية بهذه الآية، وقالوا: إن الرجوع إلى موضع مسبوق بالكون فيه، وقد كنا موجودين قبل دخولنا في هذا العالم واستدلت المجسمة بأنا أجسام، فرجوعنا إلى الله تعالى يقتضي كون الله تعالى جسماً. والجواب عنه قد تقدم في مواضع كثيرة. أما قوله تعالى: {وَإِذَا رَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هزؤاً} قال السدي ومقاتل: نزلت هذه الآية في أبي جهل مر به النبي صلى الله عليه وسلم وكان أبو سفيان مع أبي جهل، فقال أبو جهل لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف، فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف. فسمع النبي صلى الله عليه وسلم قولهما فقال لأبي جهل: «حديث : ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان: فإنما قلت ما قلت حمية» تفسير : فنزلت هذه الآية، ثم فسر الله تعالى ذلك بقوله: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ } والذكر يكون بخير وبخلافه، فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد كقولك للرجل سمعت فلاناً يذكرك، فإن كان الذاكر صديقاً فهو ثناء، وإن كان عدواً فهو ذم، ومنه قوله تعالى: { أية : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرٰهِيمُ } تفسير : [الأنبياء: 60] والمعنى أنه يبطل كونها معبودة ويقبح عبادتها. وأما قوله تعالى: {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } فالمعنى أنه يعيبون عليه ذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء، مع {أَنَّهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } الذي هو المنعم الخالق المحيي المميت {كَـٰفِرُونَ } ولا فعل أقبح من ذلك، فيكون الهزؤ واللعب والذم عليهم يعود من حيث لا يشعرون، ويحتمل أن يراد {بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } القرآن والكتب، والمعنى في أعادة(هم) أن الأولى إشارة إلى القوم الذين كانوا يفعلون ذلك الفعل، والثانية إبانة لاختصاصهم به، وأيضاً فإن في أعادتها تأكيداً وتعظيماً لفعلهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} أي دوام البقاء في الدنيا نزلت حين قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون. وذلك أن المشركين كانوا يدفعون نبوّته ويقولون: شاعر نتربص به ريب المنون، ولعله يموت كما مات شاعر بني فلان؛ فقال الله تعالى: قد مات الأنبياء من قبلك، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك. {أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} أي أفهم؛ مثل قول الشاعر: شعر : رَفَوْني وقالوا يا خُوَيلِدُ لا تُرَعْ فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ تفسير : أي أهم! فهو استفهام إنكار. وقال الفرّاء: جاء بالفاء ليدل على الشرط؛ لأنه جواب قولهم سيموت. ويجوز أن يكون جيء بها؛ لأن التقدير فيها: أفهم الخالدون إن مت! قال الفرّاء: ويجوز حذف الفاء وإضمارها؛ لأن «هم» لا يتبين فيها الإعراب. أي إن مت فهم يموتون أيضاً، فلا شماتة في الإماتة. وقرىء «مِتَّ» و«مُتَّ» بكسر الميم وضمها لغتان. قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} تقدم في «آل عمران» {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} «فِتْنَةً» مصدر على غير اللفظ. أي نختبركم بالشدّة والرخاء والحلال والحرام، فننظر كيف شكركم وصبركم. {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} أي للجزاء بالأعمال.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ} أي: يا محمد {ٱلْخُلْدَ} أي: في الدنيا، بل {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرحمن: 26 ــــ 27] وقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر عليه السلام مات وليس بحي إلى الآن؛ لأنه بشر، سواء كان ولياً أو نبياً أو رسولاً. وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ}. وقوله: {أَفَإِيْن مِّتَّ} أي: يا محمد {فَهُمُ ٱلْخَـٰلِدُونَ} أي: يؤملون أن يعيشوا بعدك؟ لا يكون هذا، بل كل إلى الفناء، ولهذا قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} وقد روي عن الشافعي رحمه الله أنه أنشد واستشهد بهذين البيتين:شعر : تَمَنَّى رِجالٌ أَنْ أَموتَ وَإِنْ أَمُتْ فَتِلْكَ سَبيلٌ لَسْتُ فيها بِأَوْحَدِ فَقُلْ لِلَّذي يَبْغِي خِلافَ الَّذِي مَضَى تَهَيَّأْ لِأُخْرى مِثْلِها فَكَأَنْ قَدِ تفسير : وقوله: {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} أي: نختبركم بالمصائب تارة، وبالنعم أخرى، فننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَنَبْلُوكُم} يقول: نبتليكم {بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال. وقوله: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} أي: فنجازيكم بأعمالكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما قال الكفار: إن محمداً صلى الله عليه وسلم سيموت {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ } البقاء في الدنيا {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن } فيها؟ لا، فالجملة الأخيرة محل الاستفهام الإِنكاري.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} فيها أربعة أوجه: أحدها: بالشدة والرخاء، قاله ابن عباس. الثاني: أن الشر: الفقر والمرض، والخير الغنى والصحة، قاله الضحاك. الثالث: أن الشر: غلبة الهوى على النفس، والخير: العصمة من المعاصي، قاله التستري. الرابع: ما تحبون وما تكرهون. لنعلم شكركم لما تحبون، وصبركم على ما تكرهون، قاله ابن زيد. {فِتْنَةً} فيه وجهان: أحدهما: اختباراً. الثاني: ابتلاء.
ابن عطية
تفسير : قيل إن سبب هذه الآيةأن بعض المسلمين قال إن محمداً لن يموت وإنما مخلد فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأنكره ونزلت هذه الآية والمعنى لم نخلد أحداً ولا أنت لا نخلدك وينبغي ان لا ينتقم أحد من المشركين عليك في هذا أهم مخلدون إن مت أنت فيصح لهم انتقام، وقيل إن سبب الآية أن كفار مكة طعنوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم، بأنه بشر وأنه يأكل الطعام ويموت فكيف يصحّ إرساله فنزلت الآية رادة عليهم، وألف الأستفهام داخلة في المعنى على جواب الشرط وقدمت في أول الجملة لأن الاستفهام له صدر الكلام والتقدير أفهم {الخالدون} إن مت، والفاء في قوله "فإن" عاطفة جملة على جملة، وقرأت فرقة "مُت" بضم الميم، وفرقة "مِت" بكسرها، وقوله {كل نفس} عموم يراد به الخصوص، والمراد كل نفس مخلوقة، و"الذوق" ها هنا مستعار، {ونبلوكم} معناه نختبركم وقدم الشر لأن الابتداء به أكثر ولأن العرب من عادتها أن تقدم الأقل والأردى فمنه قوله تعالى: {أية : لا يغادر صغيرة ولا كبيرة} تفسير : [الكهف: 49] ومنه قوله تعالى: {أية : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} تفسير : [فاطر: 32] فبدأ في تقسيم أُمة محمد بالظلم وقال الطبري عن ابن عباس أنه جعل {الخير} و"الشر" هنا عاماً في الغنى والفقر والصحة والمرض والطاعة والمعصية والهدى والضلالة. قال القاضي أبو محمد: إن المراد من {الخير} و"الشر" هنا ما يصح أن يكون فتنة وابتلاء وذلك خير المال وشره وخير الدنيا في الحياة وشرها، وأما الهدى والضلال فغير داخل في هذا ولا الطاعة ولا المعصية لأن من هدى فليس نفس هداه اختبار بل قد تبين خبره، فعلى هذا ففي الخير والشر ما ليس فيه اختبار، كما يوجد أيضاً اختبار بالأوامر والنواهي، وليس بداخل في هذه الآية. و {فتنة} معناه امتحاناً وكشفاً، ثم أخبر عز وجل عن الرجعة إليه والقيام من القبور، وفي قوله {وإلينا ترجعون} وعيد، وقرأت فرقة "تُرجعون" بضم التاء، وقرأت فرقة "تَرجعون" بفتحها، وقرأت فرقة "يُرجعون" بالياء مضمومة على الخروج من الخطاب إلى الغيبة.
الخازن
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} يعني الدوام والبقاء في الدنيا {أفإن مت فهم الخالدون} نزلت هذه الآية حين قالوا نتربص بمحمد ريب المنون نشمت بموته، فنفى الله الشماتة عنه بهذا والمعنى أن الله تعالى قضى أن لا يخلد في الدنيا بشراً لا أنت ولا هم فإن مت أنت أفيبقى هؤلاء وفي معناه قول القائل: شعر : فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا تفسير : {كل نفس ذائقة الموت} هذا العموم مخصوص بقوله تعالى: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك فإن الله تعالى حي لا يموت ولا يجوز عليه الموت. والذوق هاهنا عبارة عن مقدمات الموت وآلامه العظيمة قبل حلوله {ونبلوكم} أي نختبركم {بالشر والخير} أي بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر، وقيل مما تحبون وما تكرهون {فتنة} أي ابتلاء لننظر كيف شكركم فيما تحبون وصبركم فيما تكرهون {وإلينا ترجعون} أي للحساب والجزاء. قوله عزّ وجلّ {وإذا رآك الذين كفروا إن} أي ما {يتخذونك إلا هزواً} أي سخرياً قيل نزلت في أبي جهل مر به النبي صلى الله عليه وسلم فضحك وقال هذا نبي بني عبد مناف {أهذا الذي يذكر آلهتكم} أي يقول بعضهم لبعض أهذا الذي يعيب ألهتكم والذكر يطلق على المدح والذم مع القرينة {وهم بذكر الرحمن هم كافرون} وذلك أنهم كانوا يقولون لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة وهو مسيلمة الكذاب قوله تعالى {خلق الإنسان من عجل}, قيل معناه أن بنيته وخلقته من العجلة وعليها طبع، وقيل لما دخل الروح في رأس آدم وعينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلاً إلى ثمار الجنة، فوقع فقيل خلق الإنسان من عجل وأورث بنيه العجلة وقيل معناه خلق الإنسان من تعجيل في خلق الله إياه، لأن خلقه كان بعد كل شيء في آخر النهار يوم الجمعة، فأسرع في خلقه قبل مغيب الشمس فلما أحيا الروح رأسه قال يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس، وقيل خلق بسرعة وتعجيل على غير قياس خلق بنيه لأنهم خلقوا من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة أطواراً أطواراً طوراً بعد طور وقيل خلق الإنسان من عجل أي من طين قال الشاعر: شعر : والنخل ينبت بين الماء والعجل تفسير : أي بين الماء والطين. وقيل أراد بالإنسان النوع الإنساني يدل عليه قوله {سأريكم آياتي فلا تستعجلون} وذلك أن المشركين كانوا يستعجلون العذاب، وقيل نزلت في النضر بن الحرث، ومعنى سأريكم آياتي أي مواعيدي فلا تطلبوا العذاب قبل وقته فأراهم يوم بدر، وقيل كانوا يستعجلون القيامة فلذلك قال تعالى {ويقولون} يعني المشركين {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} وهذا هو الاستعجال المذموم المذكور على سبيل الاستهزاء فبين تعالى أنهم إنما يقولون ذلك لجهلهم وغفلتهم، بين ما لهؤلاء المستهزئين فقال تعالى: {لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون} يعني لا يدفعون {عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم} قيل السياط {ولا هم ينصرون} أي لا يمنعون من العذاب والمعنى لو علموا لما أقاموا على كفرهم ولما استعجلوا بالعذاب ولما قالوا متى هذا الوعد إن كنتم صادقين {بل تأتيهم} يعني الساعة {بغتة} أي فجأة {فتبهتهم} أي تحيرهم {فلا يستطيعون ردها} أي صرفها ودفعها عنهم {ولا هم ينظرون} أي لا يمهلون للتوبة والمعذرة {وقد استهزىء برسل من قبلك} أي يا محمد كما استهزأ بك قومك {فحاق} أي نزل وأحاط {بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} أي عقوبة استهزائهم وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي فكذلك يحيق بهؤلاء وبال استهزائهم. قوله تعالى {قل من يكلؤكم} أي يحفظكم {بالليل} إذ نمتم {والنهار} إذا انصرفتم في معايشكم {من الرحمن} قال ابن عباس معناه من يمنعكم من عذاب الرحمن {بل هم عن ذكر ربهم} أي عن القرآن ومواعظه {معرضون} أي لا يتأملون في شيء منها {أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا} معناه ألهم آلهة من دوننا تمنعهم ثم وصف آلهتهم بالضعف فقال {لا يستطيعون نصر أنفسهم} أي لايقدرون على نصر أنفسهم فكيف ينصرون من عبدهم {ولا هم منا يصحبون} قال ابن عباس يمنعون وقيل يجارون وقيل ينصرون وقيل معناه لا يصبحون من الله بخير.
الثعالبي
تفسير : وقوله عزَّ وجل: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ...} الآية، وتقديرُ الكلام: أَفَهُمُ الخالدون إنْ مِتَّ؟! وقوله سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ...} الآية: موعظةٌ بليغةٌ لِمَنْ وُفِّقَ؛ قال أَبو نُعَيْم: كان الثَّوْرِيُّ (رضي اللّه عنه) إذَا ذَكَرَ الموتَ لا يُنْتَفَعُ به أَيَّاماً. انتهى. من «التذكرة» للقرطبيِّ. قال عبدُ الحقِّ في «العاقبة»، وقد أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بذكر الموتِ، وأَعَادَ القولَ فيه؛ تهويلاً لأَمرهِ، وتعظيماً لشأْنِهِ، ثم قال: واعلم أَنّ كثرةَ ذِكْرِ الموت يُرْدِعُ عن المعاصي، ويلين القلب القاسي. قال الحسن ما رأيت عاملاً قطُّ إلا وجدته حَذِراً من الموت, حزيناً من أَجْلِهِ، ثم قال: واعلم: أَنَّ طُولَ الأَمَلِ يكسل عن العمل، ويُورِثُ التواني، ويخلد إلى الأرض، ويُمِيلُ إلى الهوى، وهذا أَمرٌ قد شُوهِدَ بالعيان؛ فلا يحتاج إلى بيان، ولا يُطَالَبُ صَاحِبُهُ بالبرهان؛ كما أَنَّ قِصَرَهُ يبعث على العَمَلِ، وَيَحْمِلُ على المُبَادَرَةِ، ويَحُثُّ على المسابقة؛ قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا النَّذِيرُ والمَوْتُ المُغِيرُ، والسَّاعَةَ المَوْعِدُ»تفسير : ذكره القاضي أبو الحسن بنُ صَخْرٍ في الفوائد. انتهى. {وَنَبْلُوكُم} معناه: نَخْتَبِرُكُم، وقَدَّمَ {الشَّرّ} على لَفْظَةِ {ٱلْخَيْرِ}؛ لأَنَّ العَرَبَ من عادتها أَنْ تقَدِّمَ الأَقَلَّ والأَزْدَى؛ ومنه قوله تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [فاطر:32]. فبدأ تعالى في تقسيم أُمَّةِ سَيِّدِنا محمد صلى الله عليه وسلم بالظالم. و {فِتْنَةً} معناه: امتحاناً.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} الآية. لما استدل بالأشياء المذكورة، وهي من أصول النعم الدنيوية أتبعه بما يدل على أن هذه الدنيا أمرها كذلك يبقى ولا يدوم، وإنما خلقها سبحانه وتعالى للابتلاء والامتحان، وليتوصل بها إلى دار الخلود فقال: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ}. قال مقاتل: إن ناساً كانوا يقولون: إن محمداً لا يموت فنزلت هذه الآية. وقيل: كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون به في قولهم: نتربص بمحمد ريب المنون، فنفى الله عنه الشماتة بهذه الآية فقال: {أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} قضى الله تعالى أن لا يخلد في الدنيا بشراً لا أنت ولا هم، وفي هذا المعنى قول القائل: شعر : 3713- فَقُلْ للشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا سيلقى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا تفسير : وقيل: يحتمل أنه لما أظهر أنه عليه السلام خاتم الأنبياء، وجاز أن يقدم مقدر أنه لا يموت إذ لو مات لتغير شرعه، فنبه الله تعالى على أن حاله كحال غيره من الأنبياء عليهم السلام في الموت. قوله: {أَفَإِيْن مِتَّ} تقدم نظيره في آل عمران عند قوله: {أية : أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} تفسير : [آل عمران: 144] وفي هذه الآية دليل لمذهب سيبويه، وهو أنه إذا اجتمع شرط واستفهام أجيب الشرط، فتكون الآية قد دخلت فيها همزة الاستفهام على جملة الشرط والجملة المقترنة بالفاء جواب الشرط، وليست مصبًّا للاستفهام، وزعم يونس أن الاستفهام منصب على الجملة المقترنة بالفاء، وأن الشرط معترض بين الاستفهام وبينها، وجوابه محذوف. وليس بشيء إذ لو كان كما قال لكان التركيب: أفإن مت هم الخالدون بغير فاء. وكان ابن عطية ينحى منحى يونس فإنه قال: وألف الاستفهام داخلة في المعنى على جواب الشرط. قوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} هذا العموم مخصوص فإن له تعالى نفساً لقوله تعالى: {أية : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} تفسير : [المائدة: 116] مع أن الموت لا يجوز عليه. قال ابن الخطيب: وكذا الجمادات لها نفوس، وهي لا تموت، والعام المخصوص حجة فيبقى معمولاً به فيما عدا هذه الأشياء، وذلك يبطل قول الفلاسفة في أن الأرواح البشرية والعقول والنفوس الفلكية لا تموت. واعلم أن الذوق ها هنا لا يمكن إجراؤه على ظاهره، لأن الموت ليس من جنس المطعوم حتى يذاق، بل الذوق إذ ذاك خاص، فيجوز جعله مجازاً عن أصل الإدراك. وأما الموت فالمراد منه هنا مقدماته من الآلام العظيمة، لأن الموت قبل دخوله في الوجود يمتنع إدراكه، وحال وجوده يصير الشخص ميتاً، والميت لا يدرك شيئاً والإضافة في "ذَائِقَةُ المَوْتِ" في تقدير الانفصال، لأنه لما يستقبل، كقوله: {أية : غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ} تفسير : [المائدة: 1] و {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} تفسير : [المائدة: 95]. قوله: {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ} "نَبْلُوكُم" نختبركم "بالشَّر والخَيْرِ" بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى والفقر. وقيل: بما تحبون وما تكرهون لكي يشكر على المنح ويصبر على المحن، فيعظم ثوابه إذا قام بما يلزم. وإنما سمي ذلك ابتلاء وهو عالم بما يكون من أعمال العالمين قبل وجودهم لأنه في صورة الاختبار. قوله: "فِتْنَةً" في نصبه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مفعول من أجله. الثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي فاتنين. الثالث: أنه مصدر من معنى العامل لا من لفظه، لأن الابتلاء فتنة، فكأنه قيل: نفتنكم فتنة. ثم قال: "وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" أي: إلى حكمه ومحاسبته ومجازاته بيّن بذلك بطلان قولهم في نفي البعث والمعاد. وقرأ العامة "ترجعون" بتاء الخطاب مبنياً للمفعول. وغيرهم بياء الغيبة على الالتفات. قوله: {وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} المعنى: ما يتخذونك إلا هزواً، وهذا رجوع إلى تهجين كفرهم. قال السدي ومقاتل: حديث : نزلت في أبي جهل قربه النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو سفيان مع أبي جهل، فقال أبو جهل لأبي سفيان: هذا نبيّ عبد مناف، فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف. فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولهما فقال لأبي جهل "ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلته رحمة"تفسير : . فنزلت هذه الآية. قوله: "إِن يَتَّخِذونَك" "إن" هنا نافية، وهي وما في حيزها جواب الشرط بإذا. و "إذا" مخالفة لأدوات الشرط في ذلك، فإن أدوات الشرط متى أجيبت بـ (إن) النافية أو بـ (ما) النافية وجب الإتيان بالفاء تقول: إن أتيتني فإن أهنتك، أو فما أهنتك، وتقول: إذا أتيتني ما أهنتك بغير فاء يدل له قوله تعالى: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} تفسير : [الجاثية: 25] و "اتخذ" هنا متعد لاثنين و "هُزُواً" هو الثاني إما على حذف مضاف، وإما على الوصف بالمصدر مبالغة، وإما على وقوعه موقع اسم المفعول. وفي جواب "إذَا" قولان: أحدهما: أنه "إِن" النافية وقد تقدم. والثاني: أنه محذوف، وهو القول الذي قد حكي به الجملة الاستفهامية في قوله {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ} إذ التقدير: وإذا رآك الذين كفروا يقولون أهذا الذي، وتكون الجملة المنفية معترضة بين الشرط وبين جوابه المقدر. قوله: {وَهُم بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَٰنِ هُمْ كَافِرُونَ} "هُم" الأولى مبتدأ مخبر عنه بـ "كَافِرُونَ"، و"بِذِكْرِ" متعلق بالخبر، والتقدير: وهم كافرون بذكر، و"هُمْ" الثانية تأكيد للأول تأكيداً لفظياً، فوقع الفصل بين العامل ومعموله بالمؤكد، وبين المؤكد والمؤكد بالمعمول. وفي هذه الجملة قولان: أحدهما: أنها في محل نصب على الحال من فاعل القول المقدر، أي: يقولون ذلك وهم على هذه الحالة. والثاني: أنها حال من فاعل "يتخذونك"، وإليه نحا الزمخشري فإنه قال: والجملة في موضع الحال، أي يتخذونك هزواً وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بالله. فصل والمعنى: أنهم يعيبون عليه كونه يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء مع أنهم بذكر الرحمن المنعم عليهم الخالق المحيي المميت كافرون، ولا فعل أقبح من ذلك فيكون الهزؤ واللعن والذم عليهم من حيث لا يشعرون. ويحتمل أن يراد "بذكر الرحمن" القرآن. ومعنى إعادة "وهم" أن الأولى إشارة إلى القوم الذين كانوا يفعلون ذلك الفعل، والثانية إبانة لاختصاصهم به، وأيضاً فإن في إعادتها تأكيداً وتعظيماً لفعلهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن جريج قال: لما نعى جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم نفسه قال: يا رب، فمن لأمتي فنزلت {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد...} الآية. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنه قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر رضي الله عنه في ناحية المدينة، فجاء فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى فوضع فاه على جبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يقبله ويبكي ويقول: بأبي وأمي طبت حياً وطبت ميتاً، فلما خرج مرّ بعمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقول: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يموت حتى يقتل الله المنافقين وحتى يخزي الله المنافقين. قال: وكانوا قد استبشروا بموت النبي صلى الله عليه وسلم فرفعوا رؤوسهم فقال: أيها الرجل، أربع على نفسك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات... ألم تسمع الله يقول: {أية : إنك ميت وإنهم ميتون} تفسير : [الزمر: 30] وقال: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون} قال: ثم أتى المنبر فصعده فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن كان محمد صلى الله عليه وسلم إلهكم الذي تعبدون، فإن محمداً قد مات؛ وإن كان إلهكم الذي في السماء، فإن إلهكم لم يمت ثم تلا {أية : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} تفسير : [آل عمران: 144] حتى ختم الآية. ثم نزل وقد استبشر المسلمون بذلك واشتد فرحهم وأخذت المنافقين الكآبة. قال عبدالله بن عمر: فوالذي نفسي بيده، لكأنما كانت على وجوهنا أغطية فكشفت. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن عائشة قالت: دخل أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم وقد مات، فقبله وقال: وانبياه!... واخليلاه!... واصفياه!... ثم تلا {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} الآية. وقوله: {إنك ميت وإنهم ميتون}.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} أي في الدنيا لكونه مخالفاً للحكمة التكوينيةِ والتشريعية {أفَإن مِتَ} بمقتضى حكمتِنا {فَهُمُ ٱلْخَـٰلِدُونَ} نزلت حين قالوا: نتربّص به ريبَ المَنون، والفاءُ لتعليق الشرطيةِ بما قبلها والهمزةُ لإنكار مضمونِها بعد تقرّر القاعدةِ الكلية النافية لذلك بالمرة، والمرادُ بإنكار خلودِهم ونفيه إنكارُ ما هو مدارٌ له وجوداً وعدماً من شماتتهم بموته عليه السلام، فإن الشماتةَ بما يعتريه أيضاً مما لا ينبغي أن يصدُرَ عن العاقل كأنه قيل: أفإن متَّ فهم الخالدون حتى يشمتوا بموتك وقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ} أي ذائقةٌ مرارةَ مفارقتِها جسدَها، برهانٌ على ما أُنكِرَ من خلودهم. {وَنَبْلُوكُم} الخطابُ إما للناس كافة بطريق التلوينِ أو للكفرة بطريق الالتفات أي نعاملكم معاملة من يبلوكم {بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ} بالبلايا والنعم هل تصبرون وتشكرون أو لا {فِتْنَةً} مصدرٌ مؤكد لنبلوَكم من غير لفظِه {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} لا إلى غيرنا لا استقلالاً ولا اشتراكاً فنجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال، فهو على الأول وعد ووعيدٌ وعلى الثاني وعيدٌ محضٌ وفيه إيماءٌ إلى أن المقصود من هذه الحياة الدنيا الابتلاءُ والتعريضُ للثواب والعقاب، وقرىء يُرجعون بالياء على الالتفات. {وَإِذَا رَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي المشركون {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} أي ما يتخذونك إلا مهزوءاً به على معنى قصرِ معاملتهم معه عليه السلام على اتخاذهم إياه هُزواً، لا على معنى قصرِ اتخاذهم على كونه هزواً كما هو المتبادرُ، كأنه قيل: ما يفعلون بك إلا اتخاذَك هزواً وقد مر تحقيقه في قوله تعالى: {أية : إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ }تفسير : [سورة الأنعام: 50] في سورة الأنعام {أَهَـٰذَا ٱلَّذِى يَذْكُرُ الِهَتَكُمْ} على إرادة القولِ أي ويقولون أو قائلين ذلك أي يذكرهم الخ، وقوله تعالى: {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَـٰفِرُونَ} في حيز النصبِ على الحالية من ضمير القول المقدرِ والمعنى أنهم يَعيبون عليه عليه الصلاة والسلام أن يذكُرَ آلهتَهم التي لا تضُرّ ولا تنفع بالسوء، والحالُ أنهم بذكر الرحمٰنِ المنْعِم عليهم بما يليق به من التوحيد أو بإرشاد الخلق بإرسال الرسلِ وإنزالِ الكتب أو بالقرآن كافرون بذكر الرحمٰن، والضمير الثاني تأكيدٌ لفظيٌّ للأول فوقع الفصلُ بـين العامل ومعمولِه بالمؤكد، وبـين المؤكِّد والمؤكَّد بالمعمول.
القشيري
تفسير : إنك في هذه الدنيا عابرُ سبيلٍ، لكننا لم نتركك فرداً في الدنيا، ولذلك قال عليه السلام لصاحبه في الغار: "حديث : ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! ".
اسماعيل حقي
تفسير : {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} البشر والبشرة ظاهر الجلد وعبر عن الانسان بالبشر اعتبار بظهور جلده بخلاف الحيوانات التى عليها الصوف او الشعر او الوابر والخلد تبرى الشئ من اعتراض الفساد وبقاؤه على الحالة التى عليها نزلت حين قال المشركون نتربص به ريب المنون: يعنى [انتظار مى بريم كرد باد حوادث برآمد وياران حضرت محمد عليه السلام متفرق ساخته اورا در ورطه هلاك اندازد] والريب والريب ما يريبك من المكاره والمنون الموت اى ننتظر به ان تصيبه مكاره وحوادث تؤديه الى الموت فريب المنون الحوادث المهلكة من حوادث الدهر. والمعنى وما جعلنا لفرد من افراد الانسان من قبلك يا محمد داوم البقاء فى الدنيا اى ليس من سنتنا ان نخلد آدميا فى الدنيا وان كنا قادرين على تخليده فلا احد الا وهو عرضه للموت فاذا كان الامر كذلك {أفان مت فهم الخالدون} فى الدنيا بقدرتنا لابل انت وهم ميتون كما هو من سنتنا دليله قوله تعالى {أية : انك ميت وانهم ميتون} تفسير : وبالفارسية [بس ايشان يعنى منتظران مرك تو بابندكان خواهند بودى] والهمزة فى المعنى داخلة على الخلود كأنه قيل فاذا مت انت أيبقى هؤلاء المشركون حتى يشمتون بموتك كما قال الشاعر شعر : فقل للشامتين بنا افيقوا سيلق الشامتون كما لقينا تفسير : وقال الشيخ سعدى قدس سره شعر : مكن شاد مانى بمرك كسى كه دوران بس ازوى نماند بسى تفسير : فالمراد بانكار الخلود ونفيه انكار الشماتة التى كان الخلود مدارا لها وجودا وعدما. قال فى بحر العلوم المراد بالخلود المكث الطويل. سواء كان معه دوام ام لا وجيىء بالشرطية التى لا تقتضى تحقق الطرفين فلم يوصف عليه السلام بالموت قبلهم بل فرض موته قبلهم كما يفرض المحال وذلك لما علم الله تعالى انهم يموتون قبله وانه يبقى بعدهم بمدة مديدة كما يشهده وقعة بدر. يقول الفقير ان الوزير مصطفى الشهير بابن كوبريلى اقصى حضرة شيخى وسندى قدس سره الى جزيرة قبرس لما عليه العوام من الاغراض الفاسدة فحين زيارتى له سمعته عند السحر وهو يكرر هذه الآية فمات الوزير قبله. قال الامام ويحتمل انه لما كان خاتم الانبياء قدر انه لا يموت اذ لو مات لتغير شرعه فنبه على ان حاله كحال غيره فى الموت واستدل بالآية من قال بان الخضر مات وليس بحى فى الدنيا مع ان المشايخ باسرهم وكثيرا من العلماء قائلون بانه حى حتى اخبر بعضهم برؤيته اياه ومكالمته معه والله اعلم وان صح ذلك فيكون من العام المخصوص. واعلم ان ما يدل على ان الخضر كان حيا فى عهد النبى عليه السلام ما ذكر فى صحيح المستدرك من انه عليه السلام لما توفى عزتهم الملائكة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ان فى الله عزاء فى كل مصيبة وخلفا من كل فائت فبالله فثقوا واياه فارجوا فانما المحروم من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ودخل رجل اشهب اللحية جسيم صبيح فتخطى رقابهم فبكى ثم التفت الى الصحابة فقال ان فى الله عزاء فى كل مصيبة وعوضا عن كل فائت وخلفا من كل هالك فالى الله فانيبوا والى الله فارغبوا ونظره اليكم فى البلاء فانظروا فانما المصاب من لم يجبر وانصرف فقال ابو بكر وعلى رضى الله عنهما هذا الخصر عليه السلام.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: {وما جعلنا لبشرٍ من قبلكَ الخُلدَ} أي: البقاء الدائم؛ لكونه مخالفًا للحكمة التكوينية والتشريعية، {أَفإِن مِّتَّ} بمقتضى حكمتنا {فهُم الخالدون} بعدك؟ نزلت حين قالوا: نتربص به رب المنون، فنفى عنه الشماتة بموته، فإن الشماتة بالموت مما لا ينبغي أن يصدر من عاقل، أي: قضى الله ألا يخلد في الدنيا بشرًا، فإن مِّتَّ - يا محمد - أيبقى هؤلاء الكفرة؟ كلا؛ {كلُّ نَفْسٍ ذائقةُ الموت} أي: ذائقة مرارة مفارقتها جسدها، فتستوي أنت وهم فيها، فلا تتصور الشماتة بأمر عام. {ونبلُوكم}، الخطاب: إما للناس كافة بطريق التلوين، أو للكفرة بطريق الالتفات، وسمي ابتلاء، وإن كان عالمًا بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم؛ لأنه في صورة الاختبار، أي: نختبركم {بالشر والخير}، أي: بالفقر والغنى، أو بالضر والنفع، أو بالعطاء والمنع، أو بالذل والعز، أو بالبلاء والعافية، {فتنةً}؛ اختبارًا، هل تصبرون وتشكرون، أو تجزعون وتكفرون. و {فتنة}: مصدر مؤكد {لنبلوكم}، من غير لفظه. {وإِلينا تُرجعون} لا إلى غيرنا، فنجازيكم على حسب ما يُؤخذ منكم؛ من الصبر والشكر، أو الجزع والكفران. وفيه إيماء إلى أن المقصود من هذه الدنيا: الابتلاء والتعرض للثواب والعقاب. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا بد لهذا الوجود بما فيه أن تنهد دعائمه، وتُسلَب كرائمه، ولا بد من الانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن دار التعب إلى دار الهناء، ومن دار العمل إلى دار الجزاء. فالعاقل من أعرض بكليته عن هذه الدار، وصرف وجهته إلى دار القرار، فاشتغل بالتزود للرحيل، وبالتأهب للمسير، فلا مطمع للخلود في هذه الدار، وقد رحل منها الأنبياء والصالحون والأبرار، وتأمل قول الشاعر: شعر : صبرًا في مجال الموت صبرًا فما نيل الخلود بمستطاع تفسير : وقوله تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}، اعلم أن تخالف الآثار وتنقلات الأطوار على العبد من أفضل المنن عليه، إن صَحِبَتْه اليقظة، فيرجع إلى الله تعالى في كل حال تنزل به، إن أصابته ضراء رجع إلى الله بالصبر والرضا، وإن أصابته سراء رجع إليه بالحمد والشكر، فيكون دائمًا في السير والترقي، وهذا معنى قوله تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإِلينا تُرجعون} أي: بهما. فالرجوع إلى الله في السراء والضراء من أركان الطريق، والرجوع إلى الله في الضراء بالصبر والرضا، وفي السراء بالحمد والشكر، ورؤية ذلك من الله بلا واسطة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ابتلي فَصَبَرَ، وأُعطِي فَشَكَرَ، وظُلِم فغفر أو ظلَم فاسْتَغْفَرْ"تفسير : ، ثم سكت - عليه الصلاة والسلام - فقالوا: ما له يا رسول الله؟ قال: "أية : أولئك لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : عجبًا لأمرِ الْمُؤْمِن، إِنَّ أمرهُ كُلَّهُ خيرٌ، ولَيْسَ ذلِكَ لأحَد إلاَّ للمُؤْمنِ، إن أصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَر، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فكَانَ خَيرًا لَهُ ". تفسير : والرجوع إلى الله في الضراء أصعب، والسير به أقوى؛ لِمَا فيه من التصفية والتطهير من أوصاف البشرية، ولذلك قدَّمه الحق تعالى. وفي الحديث: "حديث : إذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا ابْتَلاَهُ، فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه"تفسير : . وفي الخبر عن الله تعالى: "حديث : الفقر سجني، والمرض قيدي، أحبس بذلك من أحببتُ من عبادي"تفسير : . وبه يحصل على عمل القلوب؛ الذي هو الصبر والرضا والزهد والتوكل، وغير ذلك من المقامات، وذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح، ومن أعمال القلوب يُفضي إلى أعمال الأرواح والأسرار، كفكرة الشهود والاستبصار. وفكرة ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة، بل من أَلْفِ سنة، كما قال الشاعر: شعر : كُلُّ وَقتٍ مِنْ حَبيبيِ قَدْرُهُ كَأَلْفِ حَجَّهْ تفسير : لأن المقصود من الطاعات وأنواع العبادات: هو الوصول إلى مشاهدة الحق ومعرفته، فالفكرة والنظرة لا جَزاء لها إلا زيادة كشف الذات وأنوار الصفات، منحنا الله من ذلك، الحظ الأوفر. آمين. ومن جملة الشر الذي ابتلى الله به عباده: إذابة الخلق كما قال نبيه عليه الصلاة والسلام
الجنابذي
تفسير : {وَمَا جَعَلْنَا} التفات من الغيبة الى التّكلّم كما كان ما قبله التفاتاً من التّكلّم الى الغيبة وهو عطف او حال عن سابقه وانكارٌ لما قالوا من انّا نتربّص به ريب المنون كأنّه قال: وخلقنا اللّيل والنّهار المفنيين بتعاقبهما كما هو مشهود لك وللجميع جميع النّفوس والمواليد وما جعلنا {لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} خارجاً من سنّة افناء اللّيل والنّهار حتّى تترقّب ويترقّبوا لك الخلود {أَ} ينتظرون موتك دون موتهم {فَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} تعليل لانكار الخلود {وَنَبْلُوكُم} عطف على كلّ نفسٍ ذائقة الموت، او على ما جعلنا والاختلاف بالاسميّة والفعليّة او بالمضىّ والاستقبال للاشعار بانّ الاختبار مستمرّ من الماضى الى الاستقبال {بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ}. اعلم، انّ الانسان ذو مراتب ولكلّ مرتبةٍ منها شرّ وخير خاصّان بها فانّ المرتبة الحيوانيّة خيراتها ملائمات شهواته وغضباته، والمرتبة البشريّة خيراتها ملائمات هذه لكن مع عدم الخروج عن انقياد العقل، والمرتبة القلبيّة ملائماتها العلوم والاوصاف الجميلة، وشرور كلٍّ منافراته؛ وهكذا، وقد يكون خير مرتبة شرّاً لمرتبةٍ اخرى، وقد يكون خيراً وقد لا يكون شرّاً ولا خيراً، ومعنى الابتلاء الاختبار والخلاص ممّا لا ينبغى ان يكون مع الانسان، والاختبار بشرّ المراتب واضح والاختبار بخيرها بان ينظر هل يشكر ويتوجّه فى الخبر الى مفيض الخير او يطغى ويلهو عنه، فانّ فى الشّكر خلاصاً للطّيفة الانسانيّة من الشّوائب وللنّفس من الرّذائل، وفى الطّغيان خلاصاً للطّيفة السّجينيّة من شوائب العلّيّين وللنّفس من شوب الخصائل {فِتْنَةً} مصدر من غير لفظ الفعل {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} وعد ووعيد وهو عطف على كلّ نفسٍ ذائقة الموت، ومفيد للتّعليل لانكار الخلود مثل سابقه، روى انّ امير المؤمنين (ع) مرض فعاده اخوانه فقالوا: كيف نجدك يا أمير المؤمنين (ع)؟- قال: بشرّ، قالوا: ما هذا كلام مثلك! قال (ع) انّ الله تعالى يقول ونبلوكم بالشّرّ والخير فتنة؛ فالخير الصّحّة والغنى، والشّرّ المرض والفقر.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ} على الاستفهام، أي: لا يخلدون. قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُم بالشَّرِّ وَالخَيْرِ} أي: بالشّدة والرّخاء {فِتْنَةً} أي: بلاء واختباراً. {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} أي يوم القيامة. قوله تعالى: {وَإِذَا رَءَاكَ الذِينَ كَفَرُوا} يقوله للنبي عليه السلام {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الذِي يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ} يقولها بعضهم لبعض، أي: يعيبها ويشتمها. قال الله تعالى: {وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كَافِرُونَ}. قوله: {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} يعني آدم، خلق آخر ساعات النهار من يوم الجمعة بعدما خلق الخلق، فلما دخل الرّوح عينيه ورأسه ولم يبلغ أسفله قال: رب استعجل بخلقي قد غربت الشمس. هذا تفسير مجاهد. وقال بعضهم: (مِنْ عَجَلٍ) أي: خلق عجولاً. قال الله تعالى: {سَأُوريكُمْ ءَايَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} وذلك لما كانوا يستعجلون به النبي عليه السلام من العذاب لما خوفهم به. وذلك منهم استهزاء وتكذيب. قال الحسن: يعني الموعد الذي وعده الله في الدنيا: القتل لهم والنُّصرة عليهم، والعذاب في الآخرة. قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} هذا قول المشركين للنبي عليه السلام، متى هذا الوعد الذي تعدنا به من أمر القيامة. قال الله تعالى: {لَوْ يَعْلَمُ الذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} وفيها تقديم؛ أي: إن الوعد الذي كانوا يستعجلون به في الدنيا هو يوم لا يكفّون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون.
اطفيش
تفسير : {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} فى الدنيا ولا أنت ولا هم إلا عرضة للموت. فكيف يتربصون موتك ويتمنونه؟! نزلت حين قالوا: نتربص به ريب المنون قال الشاعر: شعر : فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا تفسير : قال كعب: شعر : كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوما على آلة حدباء محمول تفسير : وروى أن ركان الأعمى قد انقطع إلى آل برمك، ولما أمر الرشيد بقتل يحيى بن جعفر، ودخل عليه القاتل، فوجد عنده ركان الأعمى يغنيه: شعر : فلا تحزن فكل فتى سيأتى عليه الموت بطرق أو بنادى تفسير : فقال: فى هذا، والله أتيناك. ثم أمسك بيد جعفر فأَقامه، وضرب عنقه. فقال أبو ركان: ناشدتك الله إلا ألحقتنى به. فقال له: ما الذى حملك على هذا؟دقال: أغنانى عن الناس. فقال: حتى أستأمر أمير المؤمنين، وأخبره بخبره فقال: هذا رجل فيه مطمع اضمه إليك. وانظر ما كان جعفر يجزيه عليه فأَجْرِه عليه. {أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ} الهمزة لإنكار الخلود، وهى مما بعد الفاء العاطفة.
اطفيش
تفسير : {وما جَعَلنا لِبَشَر مِن قَبْلك الخْلدَ} البقاء فى الدنيا لمخالفته الحكمة أو المكث الطويل، والأول أولى لطول مكث الخضر وإلياس، واستدل بعض على موتهما بالآية، وليست كذلك، فإن المراد بالخلد البقاء بلا موت، وهما يموتان عند رفع القرآن والكعبة، بل لو كانا لا يموتان إلا عند قيام الساعة لكفى {أفإنْ} أطَمِعُوا فى الخلد فإن {مِتَّ فهُم الخالدونَ} الاستفهام توبيخ وإنكار منسحب على مجموع الشرط والجزاء، كقولك: أإن قام زيد قمت، ومحطه بالذات الجواب، أى أهم خالدون إن مت نزلت حين قالوا: "أية : نتربص به ريب المنون" تفسير : [الطور: 30] وفى ذلك بيان عجزهم عن المعارضة الصحيحة، فإن الخصم إذا لم يبق له متمسك تمنى موت خصمه، أو سعى فى إهلاكه.
الالوسي
تفسير : {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ} كائناً من كان {مّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} أي الخلود والبقاء في الدنيا لكونه مخالفاً للحكمة التكوينية والتشريعية، وقيل الخلد المكث الطويل ومنه قولهم للأثافي: خوالد، واستدل بذلك على عدم حياة الخضر عليه السلام، وفيه نظر {أَفَإِيْن مّتَّ} بمقتضى حكمتنا {فَهُمُ ٱلْخَـٰلِدُونَ} نزلت حين قالوا { أية : نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ } تفسير : [الطور: 30] والفاء الأولى لتعليق الجملة الشرطية بما قبلها والهمزة لإنكار مضمونها وهي في الحقيقة لإنكار جزائها أعني ما بعد الفاء الثانية. وزعم يونس أن تلك الجملة مصب الإنكار والشرط معترض بينهما وجوابه محذوف تدل عليه تلك الجملة وليس بذاك، ويتضمن إنكار ما ذكر إنكار ما هو مدار له وجوداً وعدماً من شماتتهم بموته صلى الله عليه وسلم كأنه قيل أفإن مت فهم الخالدون حتى يشمتوا بموتك، وفي معنى ذلك قول الإمام الشافعي عليه الرحمة: شعر : تمني رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى تزود لأخرى مثلها فكأن قد تفسير : وقول ذي الأصبع العدواني: شعر : إذا ما الدهر جر على أناس كلاكله أناخ بآخرينا / فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا تفسير : وذكر العلامة الطيبـي ونقله صاحب «الكشف» بأدنى زيادة أن هذا رجوع إلى ما سيق له السورة الكريمة من حيث النبوة ليتخلص منه إلى تقرير مشرع آخر، وذلك لأنه تعالى لما أفحم القائلين باتخاذ الولد والمتخذين له سبحانه شركاء وبكتهم ذكر ما يدل على إفحامهم وهو قوله تعالى: {أَفإِيْن} الخ لأن الخصم إذا لم يبق له متشبث تمنى هلاك خصمه.
ابن عاشور
تفسير : عُنيت الآيات من أول السورة باستقصاء مطاعن المشركين في القرآن ومن جاء به بقولهم {أية : أفتأتون السحر وأنتم تُبصرون}تفسير : [الأنبياء: 3]، وقولهم: {أية : أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر}تفسير : [الأنبياء: 5] وكان من جملة أمانيهم لما أعياهم اختلاق المطاعن أن كانوا يتمنون موت محمد - صلى الله عليه وسلم - أو يرجونه أو يُدبرونه قال تعالى: {أية : أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} تفسير : في سورة الطور (30)، وقال تعالى: {أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك}تفسير : [الأنفال: 30]. وقد دلّ على أن هؤلاء هم المقصود من الآية قوله تعالى: {أفإن مت فهم الخالدون} فلما كان تمنيهم موته وتربصهم به ريبَ المنون يقتضي أن الذين تمنوا ذلك وتربصوا به كأنهم واثقون بأنهم يموتون بعده فتتمّ شماتتهم، أو كأنهم لا يموتون أبداً فلا يشمت بهم أحد، وجه إليهم استفهام الإنكار على طريقة التعريض بتنزيلهم منزلة من يزعم أنهم خالدون. وفي الآية إيماء إلى أن الذين لم يقدر الله لهم الإسلام ممن قالوا ذلك القول سيموتون قبل موت النبي - عليه الصلاة والسلام - فلا يشمتون به فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يمت حتى أهلك الله رؤوس الذين عاندوه وهدى بقيتهم إلى الإسلام. ففي قوله تعالى: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} طريقةُ القول بالموجَب، أي أنك تموت كما قالوا ولكنهم لا يرون ذلك وهم بحال من يزعمون أنهم مخلدون فأيقنوا بأنهم يتربصون بك ريب المنون من فرط غرورهم، فالتفريع كان على ما في الجملة الأولى من القول بالموجَب، أي ما هم بخالدين حتى يُوقنوا أنهم يرون موتك. وفي الإنكار الذي هو في معنى النفي إنذارٌ لهم بأنهم لا يرى موتَه منهم أحد.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ}. قال بعض أهل العلم: كان المشركون ينكرون نبوته صلى الله عليه وسلم ويقولون: هو شاعر يتربَّص به ريب المنون، ولعله يموت كما مات شاعر بني فلان. فقال الله تعالى: قد مات الأنبياء من قبلك، وتولى الله دنيه بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك. وقال بعض أهل العلم: حديث : لما نعى جبريل إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم نفسه قال: "فَمَنْ لأُمتي""تفسير : ؟ فنزلت {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} والأول أظهر. لأن السورة مكية: ومعنى الآية: أن الله لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد. أي دوام البقاء في الدنيا، بل كلهم يموت. وقوله: {أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} استفهام، إنكاري معناه النفي. والمعنى: أنك إن مت لهم فهم لن يخلدوا بعدك، بل سيموتون. ولذلك أتبعه بقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ}. وما أشار إليه جل وعلا في هذه الآية من أنه صلى الله عليه وسلم سيموت، وأنهم سيموتون، وأن الموت ستذوقه كل نفس ـ أوضحه في غير هذا الموضع. كقوله تعالى: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30]، كقوله: {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} تفسير : [آل عمران: 185]، وقوله في سورة "العنكبوت": {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} تفسير : [العنكبوت: 56-57]، وقوله تعالى في سورة "النساء": {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} تفسير : [النساء: 78] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في سورة "الكهف" استدلال بعض أهل العلم بهذه الآية الكريمة على موت الخضر عليه السلام. وقال بعض أهل العلم في قوله: {فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ}: هو استفهام حذفت أداته. أي أفهم الخالدون. وقد تقرر في علم النحو أن حذف همزة الاستفهام إذا دل المقام عليها جائز، وهو قياسي عند الأخفش مع "أم" ودونها ذكر الجواب أم لا: فمن أمثلته دون "أم" ودون ذكر الجواب قول الكميت: شعر : طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب ولا لعباً مني وذو الشيب يلعب تفسير : يعني: أو ذو الشيب يلعب. وقول أبي خراش الهذلي واسمه خويلد: شعر : وَفَوني وقالوا يا خُوَيْلِدُ لم تُرَعْ فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ همُ همُ تفسير : يعني: أهم هم على التحقيق. ومن أمثلته دون "أم" مع ذكر الجواب قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: شعر : ثم قالوا تحبها قلت بهراً عدد النجم والحصى والتراب تفسير : يعني: أتحبها على الصحيح. وهو مع "أم" كثير جداً، وأنشد له سيبويه قول الأسود يعفر التميمي: شعر : لعمرك ما أدري وإن كنت دارياً شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر تفسير : يعني: أشعيث بن سهم، ومنه قول ابن أبي ربيعة المخزومي: شعر : بدا لي منها معصم يوم جمرت وكف خضيب زينت ببنان فوالله ما أدري وإني لحاسب بسبعٍ رَمَيْتُ الجمرَ أم بثمان تفسير : يعني: أبسبع. وقول الأخطل: شعر : كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا تفسير : يعني: أكذبتك عينك. كما نص سيبويه في كتابه على جواز ذلك في بيت الأخطل هذا، وإن خالف في ذلك الخليل قائلاً: إن "كذبتك" صيغة خبرية ليس فيها استفهام محذوف، وإن "أم" بمعنى بل. ففي البيت على قول الخليل نوع من أنواع البديع المعنوي يسمى "الرجوع". وقد أوضحنا هذه المسألة وأكثرنا من شواهدها العربية في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة "آل عمران" وذكرنا أن قوله تعالى في آية "الأنبياء" هذه {فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} من أمثلة ذلك. والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أَفَإِنْ مِّتَّ} قرأه نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي "مِتَّ" بكسر الميم. والباقون بضم الميم. وقد أوضحنا في سورة "مريم" وجه كسر الميم. وقوله في هذه الآية الكريمة {أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} يُفهم منه أنه لا ينبغي للإنسان أن يفرح بموت أحد لأجل أمر دنيوي يناله بسبب موته. لأنه هو ليس مخلداً بعده. وروي عن الشافعي رحمه الله أنه أنشد هذين البيتين مستشهداً بهما: شعر : تمنَّى رجالٌ أن أموتَ وإِن أمُت فتلك سبيلٌ لست فيها بأوحد فقل لِلذي يَبْقَى خِلاَف الذي مضى تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد تفسير : ونظير هذا قول الآخر: شعر : فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا تفسير : قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}. المعنى: ونختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب فيه الشكر من النعم، وإلينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر، وقوله {فِتْنَةً} مصدر مؤكد لـ {وَنَبْلُوكُم} من غير لفظة. وما ذكره جل وعلا: من أنه يبتلي خلقه أي يختبرهم بالشر والخير قد بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى:{أية : وَبَلَونَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [الأعراف: 168]، وقوله تعالى:{أية : وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنعام: 42-45]، وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرِّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْاْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} تفسير : [الأعراف: 94-95] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآيات الكريمة: {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ} يدل على أن بلا يبلو تستعمل في الاختبار بالنِّعم، وبالمصائب والبلايا. وقال بعض العلماء: أكثر ما يستعمل في الشرِّ بلا يبلو، وفي الخبر أبلى يبلى. وقد جمع اللغتين في الخير قول زهير بن أبي سلمى: شعر : جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ} قال: أي نبتليكم بالشر والخير فتنة بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 34- وما جعلنا لأحد من البشر قبلك - أيها النبى - الخلود فى هذه الحياة حتى يتربص بك الكفار الموت. فكيف ينتظرون موتك ليشمتوا بك وهم سيموتون كما تموت؟! أفإن مت يبقى هؤلاء أحياء دون غيرهم من سائر البشر؟. 35- كل نفس لا بد أن تذوق الموت، ونعاملكم فى هذه الحياة معاملة المختَبر بما يصيبكم من نفع وضر، ليتميز الشاكر للخير والصابر على البلاء من الجاحد للنعم والجازع عند المصيبة. وإلينا ترجعون فنحاسبكم على أعمالكم. 36- وإذا رآك - أيها النبى - الذين كفروا بالله وبما جئت به لا يضعونك إلا فى موضع السخرية والاستهزاء. يقول بعضهم لبعض: أهذا الذى يذكر آلهتكم بالعيب؟ وهم بذكر الله الذى يَعُمُّهم برحمته لا يصدقون. 37- وإذا كانوا يطلبون التعجيل بالعذاب فإن طبيعة الإنسان التعجل، سأريكم - أيها المستعجلون - نعمتى فى الدنيا، وعذابى فى الآخرة فلا تشغلوا أنفسكم باستعجال ما لابد منه. 38- ويقول الكافرون مستعجلين العذاب مستبعدين وقوعه: متى يقع هذا الذى تَتوعدُوننا به - أيها المؤمنون - إن كنتم صادقين فيما تقولون؟.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الخلد: أي البقاء في الدنيا. ذائقة الموت: أي مرارة مفارقة الجسد. ونبلوكم: أي نختبركم. بالشر والخير: فالشر كالفقر والمرض، والخير كالغنى والصحة. فتنة: أي لأجل الفتنة لننظر أتصبرون وتشكرون أم تجزعون وتكفرون. إن يتخذونك إلا هزواً: أي ما يتخذونك إلا هزواً أي مهزوءاً بك. يذكر آلهتكم: أي يعيبها. بذكر الرحمن هم كافرون: حيث أنكروا اسم الرحمن لله تعالى وقالوا: ما الرحمن؟ خلق الإنسان من عجل: حيث خلق الله آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة على عجل، فورث بنوه طبع العجلة عنه. سأوريكم آياتي: أي سأريكم ما حملته آياتي من وعيد لكم بالعذاب في الدنيا والآخرة. معنى الآيات: كأنَّ المشركين قالوا شامتين إن محمداً سيموت، وقالوا نتربص به ريب المنون فأخبر تعالى أنه لم يجعل لبشر من قبل نبيّه ولا من بعده الخلد حتى يخلد هو صلى الله عليه وسلم فكل نفس ذائقة الموت، ولكن إن مات رسوله فهل المشركون يخلدون والجواب لا، إذاً فلا وجه للشماتة بالموت لو كانوا يعقلون. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [34] {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} وقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} أي كل نفس منفوسة ذائقة مرارة الموت بمفارقة الروح للبدن، والحكمة في ذلك أن يتلقى العبد بعد الموت جزاء عمله خيراً كان أو شراً، دل عليه قوله بعد: {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ} من غِنى وفقر ومرض وصحة وشدة ورخاء {فِتْنَةً} أي لأجل فتنتكم أي اختباركم ليرى الصابر الشاكر والجزع الكافر. وقوله تعالى: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} أي بعد الموت للحساب والجزاء على كسبكم خيره وشره. وقوله تعالى: {وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} يخبر تعالى رسوله بأن المشركين إذا رأوه ما يتخذونه إلا هزواً وذلك لجهلهم بمقامه وعدم معرفتهم فضله عليهم وهو حامل الهدى لهم، وبين وجه استهزائهم به صلى الله عليه وسلم بقوله: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} أي بعيبها وانتقاصها، قال تعالى: {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ} أي عجباً لهم يتألمون لذكر ألهتم بسوء وهي محط السوء فعلاً، ولا يتألمون لكفرهم بالرحمن ربهم إلا رحمن اليمامة. وقوله تعالى: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} قال تعالى هذا لما استعجل المشركون العذاب وقالوا للرسول والمؤمنين: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فأخبر تعالى أن الاستعجال من طبع الإِنسان الذي خلق عليه، وأخبرهم أنه سيريهم آياته فيهم بإِنزال العذاب بهم وأراهم ذلك في بدر الكبرى وذلك في قوله {سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} أي فلا داعي إلى الاستعجال وقوله تعالى {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أخبر تعالى عن قيلهم للرسول والمؤمنين وهم يستعجلون العذاب: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ وهذا عائد إلى ما فطر عليه الإِنسان من العجلة من جهة، وإلى جهلهم وكفرهم من جهة أخرى وإلا فالعاقل لا يطالب بالعذاب بل يطالب بالرحمة والخير، لا بالعذاب والشر. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إبطال ما شاع من أن الخضر حيَّ مخلد لا يموت لنفيه تعالى ذلك عن كل البشر. 2- بيان العلة من وجود خير وشر في هذه الدنيا وهي الاختبار. 3- بيان ما كان عليه المشركون من الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم. 4- تقرير حقيقة أن الإِنسان مطبوع على العجلة فلذا من غير طبعه بالتربية فأصبح ذا أناة وتؤدة كان من أكمل الناس وأشرفهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَفَإِنْ} {ٱلْخَالِدُونَ} (34) - وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ أَحَداً مِن البَشَرِ خَالِداً فِي الدُّنْيَا، لأَِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُجْعَل دَارَ خُلُودٍ، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ دَارَ ابْتِلاَءٍ وامْتِحَانٍ، وَلِتَكُونَ وَسِيلَةً وَطَريقاً إِلَى الآخِرَةِ، وَقَدْ قَدَّرَ اللهُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تَمُوتَ كَمَا مَاتَ غَيْرُكَ، وَلَكِنْ إِذَا مِتَّ أَنْتَ فَهَلْ يُؤَمِّلُ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ أَنْ يَكُونُوا هُمْ خَالِدِين بَعْدَكَ؟ إِنَّ الجَمِيعَ إِلَى فَنَاءٍ وَزَوَالٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ذلك لأن الكفار حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم بإلقاء حجر عليه من مكان عالٍ وهكذا يتخلَّصون منه صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتمنون ذلك، فيخاطبه ربه: يا محمد لست بدعاً من الرسل {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30]. وهذه سُنَّة الله في خَلْقه، بل موتك يا محمد لنسرع لك بالجزاء على ما تحمّلْته من مشاقِّ الدعوة، وعناء الحياة الدنيا. لذلك حديث : لما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموت قال: "بل الرفيق الأعلى" تفسير : أما نحن فنتشبث بالحياة، ونطلب امتدادها. فقوله: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ ..} [الأنبياء: 34] فأنت كغيرك من البشر قبلك، أما مَنْ بعدك فلن يخلدوا بعد موت {أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34] فلا يفرحوا بموتك؛ لأنهم ليسوا خالدين من بعدك.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما كان أعداء الرسول يقولون تربصوا به ريب المنون. قال الله تعالى: هذا طريق مسلوك، ومعبد منهوك، فلم نجعل لبشر { مِنْ قَبْلِكَ } يا محمد { الْخُلْدَ } في الدنيا، فإذا مت، فسبيل أمثالك، من الرسل والأنبياء، والأولياء، وغيرهم. { أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ } أي: فهل إذا مت خلدوا بعدك، فليهنهم الخلود إذًا إن كان، وليس الأمر كذلك، بل كل من عليها فان، ولهذا قال: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } وهذا يشمل سائر نفوس الخلائق، وإن هذا كأس لا بد من شربه وإن طال بالعبد المدى، وعمّر سنين، ولكن الله تعالى أوجد عباده في الدنيا، وأمرهم، ونهاهم، وابتلاهم بالخير والشر، بالغنى والفقر، والعز والذل والحياة والموت، فتنة منه تعالى ليبلوهم أيهم أحسن عملا ومن يفتتن عند مواقع الفتن ومن ينجو، { وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } فنجازيكم بأعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ } تفسير : وهذه الآية، تدل على بطلان قول من يقول ببقاء الخضر، وأنه مخلد في الدنيا، فهو قول، لا دليل عليه، ومناقض للأدلة الشرعية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):