Verse. 2518 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

كُلُّ نَفْسٍ ذَاۗىِٕقَۃُ الْمَوْتِ۝۰ۭ وَنَبْلُوْكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَۃً۝۰ۭ وَاِلَيْنَا تُرْجَعُوْنَ۝۳۵
Kullu nafsin thaiqatu almawti wanablookum bialshsharri waalkhayri fitnatan wailayna turjaAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كل نفس ذائقة الموت» في الدنيا «ونبلوكم» نختبركم «بالشر والخير» كفقر وغنى وسقم وصحة «فتنة» مفعول له، أي لننظر أتصبرون وتشكرون أم لا «وإلينا ترجعون» فنجازيكم.

35

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } في الدنيا {وَنَبْلُوكُم } نختبركم {بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ } كفقر وغنى وسقم وصحة {فِتْنَةً } مفعول له أي لننظر، أتصبرون وتشكرون، أو لا؟ {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالشَّرِّ} الشدة والرخاء، أو بالفقر والمرض {وَالْخَيْرِ} الغنى والصحة أو الشر: غلبة الهوى، والخير: العصمة من المعاصي، أو ما تحبون وما تكرهون لنعلم شكركم عى ما تحبون وصبركم على ما تكرهون {فِتْنَةً} ابتلاء واختباراً.

النسفي

تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم } ونختبركم سمي ابتلاء وإن كان عالماً بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم لأنه في صورة الاختبار {بِٱلشَّرّ } بالفقر والضر {وَٱلْخَيْرِ } الغني والنفع {فِتْنَةً } مصدر مؤكد لـــــ {نبلوكم} من غير لفظه {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر والشكر. وعن ابن ذكوان {ترجعون}. {وَإِذَا رَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ } ما يتخذونك {إِلاَّ هُزُواً } مفعول ثان لـــــ {يتخذونك} نزلت في أبي جهل مر به النبي صلى الله عليه وسلم فضحك وقال: هذا نبي بني عبد مناف {أَهَـٰذَا ٱلَّذِى يَذْكُرُ } يعيب {ءالِهَتَكُمْ } والذكر يكون بخير وبخلافه فإن كان الذاكر صديقاً فهو ثناء وإن كان عدواً فذم {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } أي بذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية {هُمْ كَـٰفِرُونَ } لا يصدقون به أصلاً فهم أحق أن يتخذوا هزواً منك فإنك محق وهم مبطلون. وقيل: بذكر الرحمن أي بما أنزل عليك من القرآن هم كافرون جاحدون، والجملة في موضع الحال أي يتخذونك هزواً وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بالله تعالى، وكرر {هُمْ } للتأكيد، أو لأن الصلة حالت بينه وبين الخبر فأعيد المبتدأ {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } فسر بالجنس. وقيل: نزلت حين كان النضر بن الحارث يستعجل بالعذاب. والعجل والعجلة مصدران، وهو تقديم الشيء على وقته، والظاهر أن المراد الجنس وأنه ركب فيه العجلة فكأنه خلق من العجل ولأنه يكثر منه، والعرب تقول لمن يكثر منه الكرم «خلق من الكرم» فقدم أولاً ذم الإنسان على إفراط العجلة وأنه مطبوع عليها ثم منعه وزجره كأنه قال: ليس ببدع منه أن يستعجل فإنه مجبول على ذلك وهو طبعه وسجيته فقد ركب فيه. وقيل: العجل الطين بلغه حمير قال شاعرهم شعر : والنخل ينبت بين الماء والعجل تفسير : وإنما منع عن الاستعجال وهو مطبوع عليه كما أمره بقمع الشهوة وقد ركبها فيه، لأنه أعطاه القوة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة و{من عجل} حال أي عجلاً {سأوريكم آياتي} نقماتي {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ } بالإتيان بها وهو بالياء عند يعقوب وافقه سهل وعياش في الوصل.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ونبلوكم بالشر والخير فتنة‏} ‏ قال‏:‏ نبتليكم بالشدة والرخاء والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة‏.‏ والله أعلم‏.

التستري

تفسير : قوله: {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً}[35] قال: الشر متابعة النفس والهوى بغير هدى، والخير العصمة من المعصية والمعونة على الطاعة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} [الآية: 35]. قال الجنيد رحمة الله عليه: من كان بين فناءين فهو فانى. وقال: من كانت حياته بنفسه، يكون مماته بذهاب روحه ومن كانت حياته بربه، فإنه ينقل من حياة الطبع إلى حياة الأصل، وهو الحياة على الحقيقة. قوله عز وجل: {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} [الآية: 35]. قال سهل: {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ} فهو متابعة النفس فى الهوى بغير هدى، {وَٱلْخَيْرِ} العصمة من المعصية، والمعونة على الطاعة. وقيل: {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ} وهو: الأمراض والمصائب والمحن. {وَٱلْخَيْرِ} وهو: الأمن والعافية والدعة، وكل هاذ فتنة لأنها تشغل عن الحق وتقطع عنه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً}. الموتُ به آفةُ قومٍ، وفيه راحة قوم؛ لقوم انتهاءُ مدة الاشتياق، والآخرين افتتاح باب الفراق، لقوم وقوع فتنتهم ولآخرين خلاصٌ من محنتهم، لقوم بلاء وقيامة ولآخرين شفاء وسلامة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} ذكر النفوس لا القلوب ولا الارواح لانها باقية يتجلى حيوة الحق لها فاذا انسخلت الارواح من الاشباح انهدمت جنابذ الهياكل ورجعت ارواح الى معادن الغيب لشهودها مشاهدة الرب قال الجنيد من كان بين طرفى فناء فهو فان وقال ايضا من كان حيوته بنفسه يكون مماته بذهاب روحه ومن كان حيوته بربه فانه ينقل من حيوة الطبع الى حيوة الاصل وهو الحيوة على حقيقة وافهم ان الموت بالحقيقة موت الفراق وفوت الوصال كما قيل الفوت اشد من الموت والموت موت الجهل والحياة حياة العلم والموت عبادة عن الفناء والحدثان وان كان موجود فهو بالحقيقة فان لان حقيقة البقاء لا تقع عليه لانه محدث والمحدث لا يستحق له حقيقة البقاء اذ بقاءه بالحق لا بنفسه والموت قهر غيره الازلى يطرى بالحدثان يدمّر وجودها حتى لا يبقى اسم المرسومات ونعت الموجودات الى ظهور الذات والصفات ثم ذكر ابتلاء الخلق بالخير والشر بقوله {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} بالقهر واللطف والفراق والوصال والاقبال والادبار والمحنة والعافية والجهل والعلم والنكرة والمعرفة قال اهل نبولكم بالشر وهو متابعة النفس فى الهوى بغير هدى والخير العصمة من العصمة والمعونة على الطاعة.

اسماعيل حقي

تفسير : {كل نفس ذائقة الموت} برهان على ما يمكن من خلودهم والمراد النفس الناطقة الى هى الروح الانسانية وموتها عبارة عن مفارقتها جسدها اى ذائقة مرارة المفارقة والذوق هذا لا يمكن اجراؤه على ظاهره لان الموت ليس من المطعوم حتى يذاق بل الذوق ادراك خاص فيجوز جعله مجازا عن اصل الادراك والموت صفة وجودية خلقت ضدا للحياة وباصطلاح اهل الحق قمع هوى النفس فمن مات عن هواه فقد حيى. قال الراغب انواع الموت بحسب النواع الحياة الاول ما هو بازاء القوة النامية الموجودة فى الانسان والحيوانات والنبات نحو {أية : اعلموا ان الله يحيى الارض بعد موتها}تفسير : والثانى زوال القوة الحساسة نحو {أية : ويقول الانسان ائذا مامت لسوف اخرج حيا} تفسير : والثالث زوال القوة العاقلة وهى الجهالة نحو {أية : انك لا تسمع الموتى}تفسير : والرابع الحزن المكدر للحياة نحو {أية : ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت}تفسير : والخامس المنام فقيل النوم موت خفيف والموت نوم ثقيل وعلى هذا النحو سماه الله تعالى توفيا فقال {أية : وهو الذى يتوفاكم بالليل}تفسير : وقوله {كل نفس ذائقة الموت} عبارة عن زوال القوة الحيوانية وابانة الروح عن الجسد انتهى باجمال. وفى التعريفات النفس هى الجوهر البخارى اللطيف الحامل لقوة الحياة والحسن والحركة الارادية وسماه الحكيم الروح والحيوانى فهى جوهر مشرق للبدن فعند الموت ينقطع ضوؤه عن ظاهر البدن وباطنه فالنوم والموت من جنس واحد لان الموت هو الانقطاع الكلى والنوم هو الانقطاع الناقص. والحاصل انه ان لم ينقطع ضوء جوهر النفس عن ظاهر البدن وباطنه فهو اليقظة وان انقطع عن ظاهره دون باطنه فهو النوم او بالكلية فهو الموت. يقول الفقير يفهم منه ان الموت انقطاع ضوء الروح الحيوانى عن ظاهر البدن وباطنه وهذا الروح غير الروح الانسانى الذى يقال له النفس الناطقة اذ هو جوهر مجرد عن المادة فى ذاته مقارن لها فى فعلها ويؤيده ما فى انسان العيون من ان الروح عند اكثر اهل السنة جسم لطيف مغاير للاجسام ماهية وهيئة متصرف فى البدن حال فيه حلول الدهن فى الزيتون يعبر عنه بانا وانت واذا فارق البدن مات. وقول بعض الروحانيين ايضا ان الله تعالى جمع فى طينة الانسان الروح الملكى النورانى العلوى الباقى ليصير مسبحا ومقصدا كالملك باقيا بعد المفارقة والروح الحيوانى الظلالى السفلى الفانى ليقبل الفناء الذى يعبر عنه بالموت. وقول بعضهم ايضا ذكر النفوس لا القلوب والارواح لانها تتجلى حياة الحق لها فاذا انسلخت الارواح من الاشباح انهدمت جنابذ الهياكل ورجعت الارواح الى معادن الغيب ومشاهدة الرب. قال حضرة شيخى وسندى روح الله روحه فى بعض تحريراته اعلم ان الروح من حيث جوهريته وتجرده وكونه من عالم الارواح المجردة مغاير للبدن متعلق به تعلق التدبير والتصرف قائم بذاته غير محتاج اليه فى بقائه ودوامه ومن حيث ان البدن صورته ومظهر كمالاته وقواه فى عالم الشهادة محتاج اليه غير منفك عنه بل سارى فيه لا كسريان الحلول المشهور عند اهل النظر بل كسريان الوجود المطلق الحق فى جميع الموجودات فليس بينهما مغايرة من كل الوجوه بهذا الاعتبار ومن علم كيفية ظهور الحق فى الاشياء وان الاشياء من أى وجه عينه ومن اى وجه غيره يعلم كيفية ظهور الروح فى البدن وانه من أى وجه عينه ومن أى وجه غيره لان الروح رب بدنه ويتحقق له ما ذكرنا وهو الهادى الى العلم والفهم انتهى كلام الشيخ قدس سره وهو العمدة فى الباب فظهر ان اطلاق النفس على الروح الانسانى انما هو لتعينه بتعين الروح الحيوانى فهو المفارق فى الحقيقة فافهم جدا. قال الجنيد قدس سره من كان بين طرفى فناء فهو فان ومن كانت حياته بنفسه يكون مماته بذهاب روحه ومن كانت حياته بربه فان ينقل من حياة الطبع الى حياة الاصل وهى الحياة فى الحقيقة. قال بعضهم ظهور الكرامة من الاولياء انما هو بعد الموت الاختيارى اى بوجوده لا بفقده فالموت لا ينافى الكرامة فالاولياء يظهرونها بعد وفاقتهم الصورية ايضا كذا فى كشف النور: قال الصائب شعر : مشوبمرك زامداد اهل دل نوميد كه خواب مردم آكاه عين بيداريست تفسير : وفى عمدة الاعتقاد للنسفى كل مؤمن بعد موته مؤمن حقيقة كما فى حال نومه وكذا الرسل والانبياء عليهم السلام بعد وفاتهم رسل والانبياء حقيقة لان المتصف بالنبوة والايمان الروح وهو لا يتغير بالموت انتهى. واذ قد عرفت ان المراد بالنفس هى الروح لا معنى الذات فلا يرد أن الله نفسا كما قال {أية : تعلم ما فى نفسى ولا اعلم ما فى نفسك}تفسير : مع ان الموت لا يجوز عليه وكذا الجمادات لها نفس وهى لا تمون وفى الحديث "حديث : آجال البهائم كلها والخشاش والدواب كلها فى التسبيح فاذا انقضى تسبيحها اخذ الله ارواحها وليس الى ملك الموت من ذلك شئ"تفسير : وفى الحديث "حديث : لا تضربوا اماءكم على كسر انائكم فان لها آجالا كاجالكم تفسير : - روى" - عن عائشة رضى الله عنها انها قالت استأذن ابو بكر رضى الله عنه على رسول الله وقدمات وسجى عليه الثوب فكشف عن وجهه ووضع فمه بين عينيه ووضع يديه بين صدغيه وقال وانبياه واخليلاه واصفياه صدق الله ورسوله {أية : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفان مت فهم الخالدون كل نفس ذائقة الموت}تفسير : ثم خرج الى الناس فخطب وقال فى خطبته من كان يعبد محمد فان محمدا قد مات ومن كان يعبد ربه فان رب محمد حى لا يموت ثم قرأ {أية : وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم}تفسير : الآية. قال الكاشفى [هركه قدم از دروازه عدم بفضاى صحراى وجودنهاده بضرورت شربت فنا خواهد نوشيد ولباس ممات ووفات خواهد بوشيد] شعر : هركه آمد بجهان اهل فنا خواهد بود وانكه باينده وباقيست خدا خواهد بود تفسير : {ونبلوكم} اى نعاملكم ايها الناس معاملة من يبلوكم ويختبركم كما قال الامام انما سمى ابتلاء وهو عالم بما سيكون لانه فى صورة الاختبار {بالشر والخير} بالبلايا والنعم كالفقر والالم والشدة والغنى واللذة والسرور هل تصبرون وتشكرون اولا. وقال بعضهم بالقهر واللطف والفراق والوصال والاقبال والادبار والمحنة والعافية والجهل والعلم والنكرة والمعرفة. قال سهل نبلوكم بالشر وهو متابعة النفس والهوى بغير هدى والخير العصمة من المعصية والمعونة على الطاعة {فتنة} اى بلاء واختبارا فهو مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه واصل الفتن ادخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته. وعن ابى امامة رضى الله عنه قال قال النبى عليه السلام "حديث : ان الله يجرب احدكم بالبلاء كما يجرب احدكم ذهبه بالنار فمنه ما يخرج كالذهب فذاك الذى افتتن"تفسير : : قال الحافظ شعر : خوش بود كرمحك تجربه آيد بميان تاسيه روى شود هركه دروغش باشد تفسير : :قال الخجندى شعر : نقد قلب وسره عالم را عشق ضراب ومحبت محكست تفسير : قال الراغب يقال بلى الثوب بلى اى خلق وبلوته اختبرته كأنى اخلقته من كثرة اختبارى له وسمى الغم بلاء من حيث انه يبلى الجسم. ويسمى التكليف بلاء من اوجه. الاول ان التكاليف كلها مشاق على الابدان فصارت من هذا الوجه بلاء. والثانى انها اختبارات والثالث ان اختبار الله تعالى تارة بالمسار ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا فصارت المحنة والمحنة جميعا بلاء فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية للشكر والقيام بحقوق الصبر ايسر من القيام بحقوق الشكر فصارت المنحة اعظم البلاءين وبهذا النظر قال عمر رضى الله عنه "بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نشكر" ولهذا قال امير المؤمنين رضى الله عنه (من وسع عليه دنياه فلم يعلم انه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله) واذا قيل ابتلى فلانا بكذا وبلاه فذلك يتضمن امرين احدهما تعرف حاله والوقوف على ما يجهل من امره والثانى ظهور جودته ورداءته دون التعرف لحاله والوقوف على ما يجهل من امره اذ كان الله علام الغيوب {والينا ترجعون} لا الى غيرنا لا استقلالا ولا اشتراكا فنجازيكم على ما وجد منكم من الخير والشر فهو وعد ووعيد وفيه ايماء الى ان المقصود من هذه الحياة الدنيا الابتلاء والتعرض للثواب والعقاب. واعلم ان المجازاة لا تسعها دارالتكليف فلا بد من دار اخرى لا يصار اليها الا بالموت والنشور فلا بد لكل نفس من ان تموت ثم تبعث. قال بعضهم فائدة حالة المفارقة رفع الخبائث التى حصلت للروح بصحبة الاجسام وفائدة حالة الاعادة حصول التنعمات الاخروية التى اعدت لعباد الله الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وفى التأويلات النجمية يشير بقوله {ونبلوكم بالشر والخير} الى انا نبلوكم بالمكروهات التى تسمونها شرا وهى الخوف والجوع والنقص من الاموال والانفس والثمرات وان فيها موت النفس وحياة القلب ونبولكم بالمحبوبات التى تسمونها الخير وهى الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث وفيها حياة النفس وموت القلب وكلتا الحالتين ابتلاء فمن صبر على موت النفس عن صفاتها بالمكروهات وعن الشهوات فله البشارة بحياة القلب واطمئنان النفس وله استحقاق الرجوع الى ربه بجذبة ارجعى الى ربك باللطف كما قال {والينا ترجعون} فيصير ما يحسبه شرا خيرا كما قال له تعالى {أية : وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم}تفسير : ومن لم يصبر على المكروهات وعن الشهوات المحبوبات ولم يشكر عليها باداء حقوق الله فيها فله العذاب الشديد من كفران النعمة ويصير ما يحسبه خيرا شرا له كما قال تعالى {أية : وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم}تفسير : فيرجع الى الله بالقهر فى السلاسل والاغلال انتهى فعلى العاقل الصبر على الفقر ونحوه مما يعد مكروها عند النفس: قال الحافظ شعر : درين بازار كرسوديست بادرويش خرسندست الهى منعمم كردان بدرويشى وخر سندى

اطفيش

تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ} ولا يبقى إلا الحى الدائم. والذوق عبارة عن مقدمات الموت، أى ذائقة مرارة الموت. وفى ذلك موعظة بليغة. وكان الثورى إذا ذكر الموت لا يُنتفع به أياما. وكثرة ذكره تردُّ عن المعاصى، وتلين القلب القاسى. قال الحسن: ما رأيت عاقلا قط إلا وجدته حَذِرًا من الموت، حزينا من أجله وطول الأمل بكسل عن العمل، ويورث التوانى، ويُميل إلى الهوى. وهذا مشاهد بالعيان، لا يحتاج إلى بيان، يطالَب صاحبه ببرهان. ولما دنا الموت من معاوية قال: الموت لا مَنْجَى من الموت. والذى يحاذَر بعد الموت أدعى وأفظع. ثم قال: اللهم أَقِل العَثرة، واعف عن الزَّلة وعد على مَن لم يرج غيرك، ولا يثق إلا بك، فإنك واسع المغفرة، وليس لذى خطيئة مهرب منك. وقيل لأعرابى: إنك تموت. فقال: إلى أين يُذهب بى؟ قالوا: إلى الله تعالى. قال: ما أكره أن أذهب إلى مَن لا أرى الخير إلا منه. وأوصى علىّ أبا ذر - رضى الله عنه -: زُر القبور، وتذكر بها الآخرة، ولا تزرها بالليل، واغسل الموتى، وصلِّ على الجنائز، لعل ذلك يحزنك، فإن الحزين فى ظل الله. ودخل ملَك الموت على داود فقال: مَن أنت؟ قال: الذى لا يهاب الملوك ولا تمنع منه القصور ولا يقبل الرشا. قال: فأنت إذًا ملَك الموت، ولم أستعد بعدُ. قال: يا داود أين جارك فلان، وابن فلان قريبك؟ قال: ماتا. قال: أما كان فيهما عبرة لتستعد! وأجمعت الأمة أن الموت ليس له زمان معلوم ولا مرض معلوم فليكن المرء على أُهبة من ذلك. فبينما حسان جالس وفى حجره صبى يطعمه الزبد بالعسل إذ شرق الصبى بهما فمات فقال: شعر : اعمل وأنت صحيح مطلق فرِح ما دمت - ويحك يا مغرور - فى مهَل ترجو حياةَ صحيحٍ ربما كمنتْ له المنية بين الزبد والعسل تفسير : وسمع أبو الدرداء رجلا يقول فى جنازة: مَن هذا؟ قال: أنت فإن كرهت فأنا. وكان يزيد الرقاشى يقول: أخبرونى مَن كان الموت موعده، والقبر بيته. والثرى مسكنه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر، كيف يكون حالهَ! ثم يبكى حتى يغشى عليه. {وَنَبْلُوكُمْ} نعاملكم معاملة المختبر {بِالشَّرِّ} ما تكرهه النفس، كالفقر والذل. {وَالْخَيْرِ} كالغنى والعز، هل تصبرون وتشكرون أم لا؟ وقدم الشر لأن العرب كما تقدم الخير تقدم الشر وذلك من عادتها، ولأن الشر يتبادر إلى النفس أن الابتلاء به أشد. {فِتْنَةٌ} مفعول مطلق، كقعدت جلوسا. وقيل: مفعول لأجله. وفيه أن الشئ لا يعلل بنفسه إلا إن أريد بالفتنة والإيقاع فى الضر لا الاختبار. {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} للجزاء الذى هو المقصود بالابتلاء فى هذه الدنيا.

اطفيش

تفسير : {كُلُّ نفسٍ ذائقةُ المَوْت} تلابسه على وجه تتألم به على اختلاف الناس فى شدته، فهوعلى بعض أشد منه على آخر، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن للموت سكرات" تفسير : وأما ما جاء من أن بعض الناس ما أحسوا للموت إلهاً فشاذ، والذوق مجاز عن أهل لإدراك، وحقيقته فى الطعم، والموت لا يؤكل، وبعد حصوله لا يدرك لعدم وجود الروح فى البدن، فذوقه ذوق مقدماته من الآلام العظام، وزعم بعض أن الروح تتألم بالموت بعد مفارقة البدن، والموت زوال الحياة عن الحى، فهو أمر عدمى كزوال البصر عمن يبصر، والسمع عمن يسمع، والنطق عمن ينطلق، والحس عمن يحس، فالجنين قبل نفخ الروح فيه ليس ميتاً لعدم تقدم الحياة فيه، هذا مذهب الجمهور، وقيل هو عدم الحياة عما من شأنه أن يحيا حيى أو لم يحى، فاجنين ميت على هذا لقوله تعالى: "أية : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم" تفسير : [البقرة: 28]. وقال أبوالحسن الأشعرى:الموت أمر وجودى يضاد الحياة، لقوله تعالى: " أية : خلق الموت والحياة" تفسير : [الملك: 2] والخلق الإيجاد ولأنه جائز، والجائز لا بد له من فاعل، وأجيب بأن الخلق بمعنى التقدير أو بأن خلق الموت خلق أسبابه على تقدير مضاف، وأن الفاعل يريد العدم، كما يريد الحياة، فالفاعل يعدم الحياة كما يعدم البصر مثلا، وإذا كان أمراً عدمياً فهو عرض، وتوقف بعض القائلين بأنه وجودى، أجوهر أوعرض، ويدل لعرضيته ما روى فى بعض الأحاديث: أنه أمر خلقه الله فى كف ملك الموت، وعلى أنه جوهر ما فى بعضها، أنه خلقه الله على صورة كبش أملح لا يمر بشىء يجد ريحه إلا مات، وجل عبارات العلماء اما أنه عرض يعقب الحياة، واعترض بأنه غير مانع لشموله العمى بعد البصر ونحو ذلك. وأجيب ببقاء حياة العين مثلا، وأما أنه فساد بنية الحيى، وهو تعريف بالعارض، ومثله قول بعض أنه تعطل القوى لانطفاء الحرارة الغريزة التى هى آلتها، فإن كان ذلك لانطفاء الرطوبة الغريز فالموت الطبيعى، وإلا فقير الطبعى. وعن ابن عباس فى قوله تعالى: "أية : خلق الموت والحياة" تفسير : [الملك: 2] ان الموت الآخرة، والحياة الدينا، والآية تقضى بموت الإنساء والجن والملائكة، والحيوانات والحور والولدان، والأرواح ويعبر عنها بالنفوس، ثم يبعثرن كل شىء هالك إلا وجهه وزعم بعض أن الأرواح لا تموت، وبعض أن الحور والولدان لا يموتون، وبعض أن بعض الملائكة لا يموتون كالملائكة الأربعة، وأن أرواح الأفلاك والقمرين والنجوم لا تموت على زعم أن لها أرواحاً قال أحمد بن الحسين: شعر : تنازع الناس حتى لا اتفاق لهم إلا على شجب والخلق في شجب فقيل تخلص نفس المرء سالمة وقيل تشرك جسم المرء في العطب تفسير : {ونُبْلوَكم} نعاملكم معاملة المختبر، ولا يخفى عنا شىء، والخطاب للناس كلهم، أو للكفرة على طريق الالفتات من الغيبة الى الخطاب {بالشرِّ} ما تكرهون فيكم، وفيمن يليكم مطلقا كالشدة والفقر، والمرض والجنون وغير ذلك، هل تصبرون عليه {والخَيْر} ما تحبون فيكم، وفيمن يليكم مطلقا كالرخاء، وصحة البدن، والغنى والعقل، وغير ذلك، هل تشكرونه؟ وقدم ما يكرهون وهو الشر، لأنه أليق بهم لكفرهم، ولو أريد بالخطاب الناس مطلقا، ولأنه أنسب بالموت المذكور قبله، ولأن الخير أيضا شر لميل النفس به الى البطر {فتْنَة} ابتلاء، فهو مفعول مطلق، أو مفعول من أجله أى لإظهار جودتكم بالشكر والصبر، ورداءتكم بالجزع، والكفر والأول أولى لعدم احتياجه الى تأويل بالإظهار، وزعم بعض أنه يجوز أن يكون حالا بمعنى مظهرين، وهو خطأ لأن اللفظ تسمية لله عز وجل بلفظ الفتنة مع تأويل بالمشتق، والفسير بالإظهار، وكل من المحنة والمنحة ابتلاء، هل يصبرون ويشكرون، والنفس تميل بالطبع الى البطر، فالقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر، قال عمر: بلينا بالضراء فصبرنا، وبالسراء فلم نصبر، قال: على من وسع عليه دنياه، ولم يعلم أنه لعله مكر به، فهو مخدوع عن عقله. {وإلينا} وحدنا {ترجعون} للجزاء بما فعلتم من خير أو شر، على أن الخطاب بالكاف للناس، فذلك وعد ووعيد، أو للعقاب على أنه للكفار فهو وعيد، وإنما خلق المكلفون للابتلاء.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ} برهان على ما أنكر من خلودهم وفيه تأكيد لقوله سبحانه: { أية : وَمَا جَعَلْنَا } تفسير : [الأنبياء: 34] الخ، والموت عند الشيخ الأشعري كيفية وجودية تضاد الحياة، وعند الإسفرايني وعزي للأكثرين أنه عدم الحياة عما من شأنه الحياة بالفعل فيكون عدم تلك الحياة كما في العمى الطارىء على البصر لا مطلق العمى فلا يلزم كون عدم الحياة عن الجنين عند استعداده للحياة موتاً، وقيل عدم الحياة عما من شأنه الحياة مطلقاً فيلزم ذلك ولا ضير لقوله تعالى: { أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } تفسير : [البقرة: 28] واستدل الأشعري على كونه وجودياً بقوله تعالى: { أية : ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَٰوةَ } تفسير : [الملك: 2] فإن الخلق هو الإيجاد والإخراج من العدم وبأنه جائز والجائز لا بد له من فاعل والعدم لا يفعل. وأجيب عن الأول بأنه يجوز أن يكون بمعنى التقدير وهو أعم من الإيجاد ولو سلم كونه بمعنى الإيجاد فيجوز أن يراد بخلق الموت إيجاد أسبابه أو يقدر المضاف وهو غير عزيز في الكلام، وعن الأستاذ أن المراد بالموت الآخرة والحياة الدنيا لما روي عن ابن عباس تفسيرهما بذلك، وعن الثاني بأن الفاعل قد يريد العدم كما يريد الحياة فالفاعل يعدم الحياة كما يعدم البصر مثلاً. وقال اللقاني: الظاهر قاض بما عليه الأشعري والعدول عن الظاهر من غير داع غير مرضي عند العدول، وكلامه صريح في أنه عرض. وتوقف بعض العلماء القائلين بأنه وجودي في أنه جوهر أو عرض لما أن في بعض الأحاديث أنه معنى خلقه الله تعالى في كف ملك الموت، وفي بعضها أن الله تعالى خلقه على صورة كبش لا يمر بشيء يجد ريحه إلا مات، وجل عبارات العلماء أنه عرض يعقب الحياة أو فساد بنية الحيوان، والأول غير مانع والثاني رسم بالثمرة، وقريب منه ما قاله بعض الأفاضل: إنه تعطل القوى لانطفاء الحرارة الغريزية التي هي آلتها فإن كان ذلك لانطفاء الرطوبة الغريزية فهو الموت الطبيعي وإلا فهو الغير الطبيعي، والناس لا يعرفون من الموت إلا انقطاع تعلق الروح بالبدن التعلق المخصوص ومفارقتها إياه. والمراد بالنفس النفس الحيوانية وهي مطلقاً أعم من النفس الإنسانية كما أن الحيوان مطلقاً أعم من الإنسان. والنفوس عند الفلاسفة ومن حذا حذوهم ثلاثة: النباتية والحيوانية والفلكية والنفس مقولة على الثلاثة بالاشتراك اللفظي على ما حكاه الإمام في «الملخص» عن المحققين، وبالاشتراك المعنوي على ما يقتضيه كلام الشيخ في «الشفاء»، وتحقيق ذلك في محله، وإرادة ما يشمل الجميع هنا مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، وقال بعضم: المراد بها النفس الإنسانية لأن الكلام مسوق لنفي خلود البشر، واختير عمومها لتشمل نفوس البشر والجن وسائر أنواع الحيوان ولا يضر ذلك بالسوق بل هو أنفع فيه، ولا شك في موت كل من أفراد تلك الأنواع، نعم اختلف في أنه هل يصح إرادة عمومها بحيث تشمل نفس كل حي كالملك وغيره أم لا بناء على الاختلاف في موت / الملائكة عليهم السلام والحور العين فقال بعضهم: إن الكل يموتون ولو لحظة لقوله تعالى: { أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] وقال بعضهم: إنهم لا يموتون لدلالة بعض الأخبار على ذلك، والمراد من كل نفس النفوس الأرضية والآية التي استدل بها مؤولة بما ستعلمه إن شاء الله تعالى وهم داخلون في المستثنى في قوله تعالى: { أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الزمر: 68] أو لا يسلم أن كل صعق موت، وقال بعضهم: إن الملائكة يموتون والحور لا تموت، وقال آخرون: إن بعض الملائكة عليهم السلام يموتون وبعضهم لا يموت كجبريل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام ورجح قول البعض، ولا يرد أن الموت يقتضي مفارقة الروح البدن والملائكة عليهم السلام لا أبدان لهم لأن القائل بموتهم يقول بأن لهم أبداناً لكنها لطيفة كما هو الحق الذي دلت عليه النصوص، وربما يمنع اقتضاء الموت البدن. وبالغ بعضهم فادعى أن النفوس أنفسها تموت بعد مفارقتها للبدن وإن لم تكن بعد المفارقة ذات بدن، وكأنه يلتزم تفسير الموت بالعدم والاضمحلال، والحق أنها لا تموت سواء فسر الموت بما ذكر أم لا، وقد أشار أحمد بن الحسين الكندي إلى هذا الاختلاف بقوله: شعر : تنازع الناس حتى لا اتفاق لهم إلا على شجب والخلف في شجب فقيل تخلص نفس المرء سالمة وقيل تشرك جسم المرء في العطب تفسير : وذهب الإمام إلى العموم في الآية إلا أنه قال: هو مخصوص فإن له تعالى نفساً كما قال سبحانه حكاية عن عيسى عليه السلام { أية : تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } تفسير : [المائدة: 116] مع أن الموت مستحيل عليه سبحانه، وكذا الجمادات لها نفوس وهي لا تموت، ثم قال: والعام المخصوص حجة فيبقى معمولاً به (على ظاهره) فيما عدا ما أخرج منه، وذلك يبطل قول الفلاسفة في [أن] الأرواح البشرية والعقول المفارقة والنفوس الفلكية أنها لا تموت اهـ، وفيه أنه إن أراد بالنفس الجوهر المتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصريف كما قاله الفلاسفة ومن وافقهم أو الجسم النوراني الخفيف الحي المتحرك النافذ في الأعضاء الساري فيها سريان ماء الورد في الورد كما عليه جمهور المحدثين وذكر له ابن القيم مائة دليل فالله تعالى منزه عن ذلك أصلاً. وكذا الجمادات لا تتصف بها على الشائع، وأيضاً ليس للأرواح البشرية والعقول المفارقة عند الفلاسفة نفساً بأحد ذينك المعنيين فكيف يبطل بالآية الكريمة قولهم، وإن أراد بها الذات كما هو أحد معانيها جاز أن تثبت لله تعالى وقد قيل به في الآية التي ذكرها، وكذا هي ثابتة للجمادات لكن يرد عليه أنه إن أراد بالموت مفارقة الروح للبدن أو نحو ذلك يبطل قوله وذلك يبطل الخ لأن الأرواح والعقول المذكورة لا أبدان لها عند الفلاسفة فلا يتصور فيها الموت بذلك المعنى، وإن أراد به العدم والاضمحلال يرد عليه أن الجمادات تتصف به فلا يصح قوله وهي لا تموت، وبالجملة لا يخفى على المتذكر أن الإمام سها في هذا المقام. ثم إن معنى كون النفس ذائقة الموت أنها تلابسه على وجه تتألم به أو تلتذ من حيث إنها تخلص به من مضيق الدنيا الدنيئة إلى عالم الملكوت وحظائر القدس كذا قيل. والظاهر أن كل نفس تتألم بالموت لكن ذلك مختلف شدة وضعفاً، وفي الحديث « حديث : إن للموت سكرات » تفسير : ولا يلزم من التخلص المذكور لبعض الناس عدم التألم، ولعل في اختيار الذوق إيماء إلى ذلك لمن له ذوق / فإن أكثر ما جاء في العذاب، وقال الإمام: إن الذوق إدراك خاص وهو هٰهنا مجاز عن أصل الإدراك ولا يمكن إجراؤه على ظاهره لأن الموت ليس من جنس الطعام حتى يذاق، وذكر أن المراد من الموت مقدماته من الآلام العظيمة لأنه قبل دخوله في الوجود ممتنع الإدراك وحال وجوده يصير الشخص ميتاً والميت لا يدرك. وتعقب بأن المدرك النفس المفارقة وتدرك ألم مفارقتها البدن. {وَنَبْلُوكُم} الخطاب إما للناس كافة بطريق التلوين أو للكفرة بطريق الالتفات أي نعاملكم معاملة من يختبركم {بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ} بالمكروه والمحبوب هل تصبرون وتشكرون أولا. وتفسير الشر والخير بما ذكر مروي عن ابن زيد، وروي عن ابن عباس أنهما الشدة والرخاء، وقال الضحاك: الفقر والمرض والغنى والصحة، والتعميم أولى، وقدم الشر لأنه اللائق بالمنكر عليهم أو لأنه ألصق بالموت المذكور قبله. وذكر الراغب أن اختبار الله تعالى للعباد تارة بالمسار ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا فالمنحة والمحنة جميعاً بلاء فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية للشكر والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر فالمنحة أعظم البلاءين، وبهذا النظر قال عمر رضي الله تعالى عنه: بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نصبر، ولهذا قال علي كرم الله تعالى وجهه: من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله اهـ، ولعله يعلم منه وجه لتقديم الشر. {فِتْنَةً} أي ابتلاء فهو مصدر مؤكد لنبلوكم على غير لفظه. وجوز أن يكون مفعولاً له أو حالاً على معنى نبلوكم بالشر والخير لأجل إظهار جودتكم ورداءتكم أو مظهرين ذلك فتأمل ولا تغفل {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} لا إلى غيرنا لا استقلالاً ولا اشتراكاً فنجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال، فهو على الأول من وجهي الخطاب وعد ووعيد وعلى الثاني منهما وعيد محض. وفي الآية إيماء إلى أن المراد من هذه الحياة الدنيا الابتلاء والتعريض للثواب والعقاب. وقرىء {يَرْجِعُونَ} بياء الغيبة على الالتفات.

ابن عاشور

تفسير : جمل معترضات بين الجملتين المتعاطفتين. ومضمون الجملة الأولى مؤكد لمضمون الجملة المعطوف عليها، وهي {أية : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد}تفسير : [الأنبياء: 34]. ووجه إعادتها اختلاف القصد فإن الأولى للرد على المشركين وهذه لتعليم المؤمنين. واستعير الذوق لمطلق الإحساس الباطني لأن الذوق إحساس باللسان يقارنه ازدراد إلى بالباطن. وذوقُ الموت ذوق آلامِ مقدماته وأما بعد حصوله فلا إحساس للجسد. والمراد بالنفس النفوس الحالّة في الأجساد كالإنسان والحيوان. ولا يدخل فيه الملائكة لأن إطلاق النفوس عليهم غير متعارف في العربية بل هو اصطلاح الحكماء وهو لا يطلق عندهم إلا مقيّداً بوصف المجرداتِ، أي التي لا تحل في الأجساد ولا تلابس المادة. وأما إطلاق النفس على الله تعالى فمشاكلة: إما لفظية كما في قوله تعالى {أية : تَعْلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} تفسير : في سورة المائدة (116). وإما تقديرية كما في قوله تعالى {أية : ويحذركم الله نفسه} تفسير : في آل عمران (28). وجملة {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} عطف على الجملة المعترضة بمناسبة أن ذوق الموت يقتضي سبق الحياة، والحياة مدة يعتري فيها الخير والشرّ جميع الأحياء، فعلّم الله تعالى المسلمين أن الموت مكتوب على كل نفس حتى لا يحسبوا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مخلد. وقد عرض لبعض المسلمين عارض من ذلك، ومنهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقد قال يوم انتقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى: «ليرجعَنّ رسولُ الله فيُقطِّع أيدي قوم وأرجلَهم» حتى حضر أبو بكر - رضي الله عنه - وثبته الله في ذلك الهول فكشف عن وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبّله وقال: «طبت حياً وميتاً والله لا يجمع الله عليك موتتين». وقد قال عبد بني الحسحاس وأجاد:شعر : رأيت المنايا لمَ يدَعْنَ مُحمداً ولا باقياً إلاّ لَه الموتُ مرصدا تفسير : وأعقب الله ذلك بتعليمهم أن الحياة مشتملة على خير وشرّ وأن الدنيا دار ابتلاء. والبلوى: الاختبار. وتقدم غير مرة. وإطلاق البلوى على ما يبدو من الناس من تجلد ووهن وشكر وكفر، على ما ينالهم من اللذات والآلام مما بنى الله تعالى عليه نظام الحياة، إطلاقٌ مجازي، لأن ابتناء النظام عليه دَل على اختلاف أحوال الناس في تصرفهم فيه وتلقيهم إياه. أشبَه اختبارَ المختبِر ليعلم أحوال من يختبرهم. و {فتنةً} منصوب على المفعولية المطلقة توكيداً لفعل {نبْلوكم} لأن الفتنة ترادف البَلْوَى. وجملة {وإلينا تُرجعون} إثبات للبعث، فجمعت الآية الموت والحياة والنشر. وتقديم المجرور للرعاية على الفاصلة وإفادة تقوي الخبر. وأمّا احتمال القصر فلا يقوم هنا إذ ليس ذلك باعتقاد للمخاطبين كيفما افترضتَهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ذَآئِقَةُ} (35) - كُلُّ النَّاسِ سَيَمُوتُونَ لاَ مَحَالَةَ، وَلَنْ يَخْلُدَ أَحَدٌ مِنَ الخَلْقِ. وَيَخْتَبِرُ اللهُ النَّاسَ بِالمَصَائِبِ تَارَةً، وَبِالنِّعمِ تَارَةً أُخْرَى، فَيَنْظُرُ مَنْ يَشْكُرُ مِنْهُم وَمَنْ يَكْفُرُ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى اللهِ فَيُجَازِيهِم عَلَى أعْمَالِهِمْ. نَبْلُوكُمْ - نَخْتَبِرُكُمْ مَعَ عِلْمِنَا بِحَالِكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن: فالموت قضية كونية عامة، وهي في حقيقتها خَيْر، فإنْ كانوا أخياراً نُعجِّل لهم جزاءهم عند الله، وإنْ كانوا أشراراً فقد أراحَ اللهُ منهم البلاد والعباد. لكن، كيف يُذَاق الموت؟ الذَّوْق هنا يعني إحساسَ الإنسان بالألم من الموت، فإنْ مات فعلاً يستحيل أن يذوق، أما قبل أن يموت فيذوق مقدمات الموت، والشاعر يقول: شعر : وَالأَسَى بَعْد فُرْقَةِ الرُّوحِ عَجْزٌ وَالأسَى لاَ يكُونُ قَبْل الفِرَاقِ تفسير : فعلى أيِّ شيء يحزن الإنسان بعد أن يموت؟ ولماذا الحزن قبل أن يموت؟ فالمراد - إذن - ذائقةٌ مقدمات الموت، التي يعرف بها أنه ميت، فالإنسان مهما كان صحيحاً لا بُدّ أنْ يأتي عليه وقت يدرك أنه لا محالةَ ميت، ذلك إذا بلغت الروح الحلقوم، كما قال تعالى: {أية : كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ} تفسير : [القيامة: 26-28] فالموت في هذه الحالة أمر مقطوع به. ثم يقول سبحانه: {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ..} [الأنبياء: 35] أي: نختبركم، والإبتلاء لا يُذَمُّ في ذاته، إنما تذم غاية الابتلاء: أينجح فيه أم يفشل؟ كما نختبر الطلاب، فهل الاختبار في آخر العام شَرٌّ؟ لكن هل الحق سبحانه في حاجة لأنْ يختبر عباده ليعلم حالهم؟ الحق يختبر الخَلْق لا ليعلم، ولكن ليقيم عليهم الحجة. والمخاطب في {وَنَبْلُوكُم ..} [الأنبياء: 35] الجميع: الغني والفقير، والصحيح والسقيم، والحاكم والمحكوم .. إلخ. إذن: كلنا فتنة، بعضنا لبعض: فالغنيّ فتنة للفقير، والفقير فتنة للغني، كيف؟ الفقير: هل يصبر على فقره ويرضى به؟ هل سيحقد على الغني ويحسده، أم يقول: بسم الله ما شاء الله، اللهم بارك له، وأعطني من خَيْرك؟ والغني: هل يسير في ماله سَيْراً حسناً، فيؤدي حقَّه وينفق منه على المحتاجين؟ وهكذا، يمكنك أنْ تُجري مثل هذه المقابلات لتعلم أن الشر والخير كلاهما فتنة واختبار، ينتهي إما بالنجاح وإما بالفشل؛ لذلك يقول بعدها: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35] لنجازي كُلاّ على عمله، فإنْ حالفك التوفيق فَلَكَ الأجر والمكافأة، وإنْ أخفقت فَلَكَ العقوبة، فلا بُدَّ أن تنتهي المسألة بالرجوع إلى الله. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ ...}.