Verse. 2519 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

وَاِذَا رَاٰكَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْۗا اِنْ يَّـتَّخِذُوْنَكَ اِلَّا ہُـزُوًا۝۰ۭ اَھٰذَا الَّذِيْ يَذْكُرُ اٰلِہَتَكُمْ۝۰ۚ وَہُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمٰنِ ہُمْ كٰفِرُوْنَ۝۳۶
Waitha raaka allatheena kafaroo in yattakhithoonaka illa huzuwan ahatha allathee yathkuru alihatakum wahum bithikri alrrahmani hum kafiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا رآك الذين كفروا إن» ما «يتخذونك إلا هزواً» أي مهزوءاً به يقولون «أهذا الذي يذكر آلهتكم» أي يعيبها «وهم بذكر الرحمن» لهم «هم» تأكيد «كافرون» به إذا قالوا ما نعرفه.

36

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} أي ما يتخذونك. والهزء السخرية؛ وقد تقدم. وهم المستهزئون المتقدمو الذكر في آخر سورة «الحجر» في قوله: {أية : إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ} تفسير : [الحجر: 95]. كانوا يعيبون من جَحَد إلهية أصنامهم وهم جاحدون لإلهية الرحمن؛ وهذا غاية الجهل. {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي} أي يقولون: أهذا الذي؟ فأضمر القول وهو جواب «إِذا» وقوله: {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} كلام معترض بين «إذا» وجوابه {يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} أي بالسوء والعيب. ومنه قول عَنْتَرَة:شعر : لا تَذْكُرِي مُهْري وما أطعمتُه فيكون جلدُكِ مثلَ جلدِ الأَجْربِ تفسير : أي لا تعيبي مهري. {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي بالقرآن. {هُمْ كَافِرُونَ } «هم» الثانية توكيد كفرهم، أي هم الكافرون مبالغة في وصفهم بالكفر.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: {وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} يعني: كفار قريش؛ كأبي جهل وأشباهه، {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} أي: يستهزئون بك، وينتقصونك، يقولون: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِى يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} يعنون: أهذا الذي يسب آلهتكم، ويسفه أحلامكم؟ قال تعالى: {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَـٰفِرُونَ} أي: وهم كافرون بالله، ومع هذا يستهزئون برسول الله؛ كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً } تفسير : [الفرقان: 41 ــــ 42]. وقوله: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11] أي: في الأمور. قال مجاهد: خلق الله آدم بعد كل شيء من آخر النهار من يوم خلق الخلائق، فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا محمد بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها مؤمن يصلي ــــ وقبض أصابعه يقللها ــــ فسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه» تفسير : قال أبو سلمة: فقال عبد الله بن سلام: قد عرفت تلك الساعة، هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة، وهي التي خلق الله فيها آدم، قال الله تعالى: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ ءَايَـٰتِى فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} والحكمة في ذكر عجلة الإنسان ههنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلوات الله وسلامه عليه، وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم، واستعجلت ذلك،فقال الله تعالى: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} لأنه تعالى يملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر، ولهذا قال: {سَأُوْرِيكُمْ ءَايَـٰتِى} أي: نقمي وحكمي واقتداري على من عصاني {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : { وَإِذَا رَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن } ما {يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً } أي مهزوءاً به، يقولون {أَهَٰذَا ٱلَّذِى يَذْكُرُ الِهَتَكُمْ } أي يعيبها {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَٰنِ } لهم {هُمْ } تأكيد {كَٰفِرُونَ } به إذ قالوا ما نعرفه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَإِذَا رَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } يعني المستهزئين من المشركين {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هزواً} أي ما يتخذونك إلا مهزوءاً بك، والهزؤ: السخرية، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: {أية : ٱلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءينَ } تفسير : [الحجر: 95] والمعنى: ما يفعلون بك إلا اتخذوك هزؤاً {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ } هو على تقدير القول، أي يقولون: أهذا الذي، فعلى هذا هو جواب إذا، ويكون قوله: {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هزواً} اعتراضاً بين الشرط وجوابه، ومعنى يذكرها: يعيبها. قال الزجاج: يقال فلان يذكر الناس، أي يغتابهم، ويذكرهم بالعيوب، وفلان يذكر الله، أي يصفه بالتعظيم ويثني عليه، وإنما يحذف مع الذكر ما عقل معناه، وعلى ما قالوا لا يكون الذكر في كلام العرب العيب، وحيث يراد به العيب يحذف منه السوء، قيل: ومن هذا قول عنترة:شعر : لا تذكري مهري وما أطعمته فيكون جلدك مثل جلد الأجرب تفسير : أي لا تعيبي مهري، وجملة {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } في محل نصب على الحال، أي وهم بالقرآن كافرون، أو هم بذكر الرحمٰن الذي خلقهم كافرون، والمعنى: أنهم يعيبون على النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يذكر آلهتهم التي لا تضرّ ولا تنفع بالسوء، والحال أنهم بذكر الله سبحانه بما يليق به من التوحيد، أو القرآن كافرون، فهم أحق بالعيب لهم والإنكار عليهم، فالضمير الأوّل مبتدأ خبره كافرون، وبذكر متعلق بالخبر، والضمير الثاني تأكيد. {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } أي جعل لفرط استعجاله كأنه مخلوق من العجل. قال الفراء: كأنه يقول: بنيته وخلقته من العجلة وعلى العجلة. وقال الزجاج: خوطبت العرب بما تعقل، والعرب تقول للذي يكثر منه الشيء: خلقت منه كما تقول: أنت من لعب، وخلقت من لعب، تريد المبالغة في وصفه بذلك. ويدل على هذا المعنى قوله: {أية : وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ عَجُولاً } تفسير : [الإسراء: 11]. والمراد بالإنسان: الجنس. وقيل: المراد بالإنسان: آدم، فإنه لما خلقه الله ونفخ فيه الروح صار الروح في رأسه، فذهب لينهض قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه فوقع، فقيل: خلق الإنسان من عجل، كذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والسديّ والكلبي ومجاهد وقال أبو عبيدة وكثير من أهل المعاني: العجل: الطين بلغة حمير. وأنشدوا: شعر : والنخل تنبت بين الماء والعجل تفسير : وقيل: إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث، وهو القائل: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ }تفسير : [الأنفال: 32]. وقيل: نزلت في قريش لأنهم استعجلوا العذاب. وقال الأخفش: معنى خلق الإنسان من عجل أنه قيل له كن فكان. وقيل: إن هذه الآية من المقلوب، أي خلق العجل من الإنسان وقد حكي هذا عن أبي عبيدة والنحاس، والقول الأوّل أولى {سأريكم آياتي} أي: سأريكم نقماتي منكم بعذاب النار {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ } أي لا تستعجلوني بالإتيان به، فإنه نازل بكم لا محالة، وقيل: المراد بالآيات ما دل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات وما جعله الله له من العاقبة المحمودة، والأوّل أولى، ويدل عليه قولهم: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أي متى حصول هذا الوعد، الذي تعدنا به من العذاب، قالوا ذلك على جهة الاستهزاء والسخرية. وقيل: المراد بالوعد هنا: القيامة، ومعنى {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }: إن كنتم يا معشر المسلمين صادقين في وعدكم، والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين الذين يتلون الآيات القرآنية المنذرة بمجيء الساعة وقرب حضور العذاب. وجملة: {لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وما بعدها مقرّرة لما قبلها، أي لو عرفوا ذلك الوقت، وجواب لو محذوف، والتقدير: لو علموا الوقت الذي {لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } لما استعجلوا الوعيد. وقال الزجاج: في تقدير الجواب لعلموا صدق الوعد. وقيل: لو علموه ما أقاموا على الكفر. وقال الكسائي: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة، أي لو علموه علم يقين لعلموا أن الساعة آتية، ويدلّ عليه قوله: {بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً } وتخصيص الوجوه والظهور بالذكر بمعنى الأمام والخلف لكونهما أشهر الجوانب الجوانب في استلزام الإحاطة بها للإحاطة بالكلّ، بحيث لا يقدرون على دفعها من جانب من جوانبهم، ومحل {حين لا يكفون} النصب على أنه مفعول العلم، وهو عبارة عن الوقت الموعود الذي كانوا يستعجلونه، ومعنى {ولا هم ينصرون}: ولا ينصرهم أحد من العباد فيدفع ذلك عنهم، وجملة {بل تأتيهم بغتة} معطوفة على {يكفون} أي لا يكفونها بل تأتيهم العدّة أو النار أو الساعة بغتة، أي فجأة {فَتَبْهَتُهُمْ } قال الجوهري: بهته بهتاً أخذه بغتة، وقال الفراء: فتبهتهم، أي تحيرهم. وقيل: فتفجؤهم {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا } أي صرفها عن وجوههم ولا عن ظهورهم، فالضمير راجع إلى النار. وقيل: راجع إلى الوعد بتأويله بالعدة. وقيل: راجع إلى الحين بتأويله بالساعة {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } أي يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار. وجملة {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِيء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ } مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزيته، كأنه قال: إن استهزأ بك هؤلاء فقد فعل ذلك بمن قبلك من الرسل على كثرة عددهم وخطر شأنهم {فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ } أي أحاط ودار بسبب ذلك بالذين سخروا من أولئك الرسل وهزئوا بهم {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ }: "ما" موصولة، أو مصدرية، أي فأحاط بهم الأمر الذي كانوا يستهزئون به، أو فأحاط بهم استهزاؤهم، أي جزاؤه على وضع السبب موضع المسبب، أو نفس الاستهزاء، إن أريد به العذاب الأخروي. {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ } أي يحرسكم ويحفظكم. والكلاءة: الحراسة والحفظ، يقال: كلأه الله كلاء بالكسر، أي حفظه وحرسه. قال ابن هرمة:شعر : إن سليمى والله يكلؤها ضنت بشيء ما كان يرزؤها تفسير : أي قل يا محمد لأولئك المستهزئين بطريق التقريع والتوبيخ: من يحرسكم ويحفظكم بالليل والنهار من بأس الرحمٰن وعذابه الذي تستحقون حلوله بكم ونزوله عليكم؟ وقال الزجاج: معناه: من يحفظكم من بأس الرحمٰن. وقال الفراء: المعنى: من يحفظكم مما يريد الرحمٰن إنزاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة. وحكى الكسائي والفراء: من يكلوكم بفتح اللام وإسكان الواو {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ } أي عن ذكره سبحانه فلا يذكرونه ولا يخطرونه ببالهم، بل يعرضون عنه، أو عن القرآن، أو عن مواعظ الله، أو عن معرفته. {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا }: "أم" هي المنقطعة التي بمعنى بل، والهمزة للإضراب والانتقال عن الكلام السابق المشتمل على بيان جهلهم بحفظه سبحانه إياهم إلى توبيخهم وتقريعهم باعتمادهم على من هو عاجز عن نفع نفسه، والدفع عنها. والمعنى: بل لهم آلهة تمنعهم من عذابنا. وقيل: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم. ثم وصف آلهتهم هذه التي زعموا أنها تنصرهم بما يدلّ على الضعف والعجز فقال: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ } أي هم عاجزون عن نصر أنفسهم فكيف يستطيعون أن ينصروا غيرهم {ولا هم منا يصحبون} أي ولا هم يجارون من عذابنا. قال ابن قتيبة: أي لا يجيرهم منا أحد، لأن المجير صاحب الجار، والعرب تقول: صحبك الله، أي حفظك وأجارك، ومنه قول الشاعر:شعر : ينادي بأعلى صوته متعوّذا ليصحب منا والرماح دواني تفسير : تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان، أي مجير منه. قال المازني: هو من أصحبت الرجل: إذا منعته. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السديّ قال: «حديث : مرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان وأبي جهل وهما يتحدثان، فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي سفيان: هذا نبيّ بني عبد مناف، فغضب أبو سفيان فقال: ما تنكرون أن يكون لبني عبد مناف نبيّ، فسمعها النبيّ صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى أبي جهل فوقع به وخوّفه وقال: ما أراك منتهياً حتى يصيبك ما أصاب عمك، وقال لأبي سفيان: أما إنك لم تقل ما قلت إلا حمية»تفسير : ، فنزلت هذه الآية: {وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }. قلت: ينظر من الذي روى عنه السديّ؟. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: لما نفخ في آدم الروح صار في رأسه فعطس فقال: الحمد لله، فقالت الملائكة: يرحمك الله، فذهب لينهض قبل أن تمور في رجليه فوقع، فقال الله: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ }. وقد أخرج نحو هذا ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. وأخرج نحوه أيضاً ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد، وكذا أخرج ابن المنذر عن ابن جريج. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم } قال: يحرسكم، وفي قوله: {وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ } قال: لا ينصرون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ } قال: لا يجارون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في الآية: قال لا يمنعون.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} فيه قولان: أحدهما: أن المعنيّ بالإِنسان آدم، فعلى هذا في قوله: {مِنْ عَجَلٍ} ثلاثة تأويلات: أحدها: أي معجل قبل غروب الشمس من يوم الجمعة وهو آخر الأيام الستة، قاله مجاهد والسدي. الثاني: أنه سأل ربه بعد إكمال صورته ونفخ الروح في عينيه ولسانه أن يعجل إتمام خلقه وإجراء الروح في جميع جسده، قاله الكلبي. الثالث: أن معنى {من عجل} أي من طين، ومنه قول الشاعر: شعر : والنبع في الصخرة الصماء منبته والنخل ينبت بين الماء والعجل تفسير : والقول الثاني: أن المعنى بالإِنسان الناس كلهم، فعلى هذا في قوله: {من عجل} ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني خلق الإِنسان عجولاً، قاله قتادة. الثاني: خلقت العجلة في الإِنسان قاله ابن قتيبة. الثالث: يعني أنه خلق على حُب العجلة. والعجلة تقديم الشيء قبل وقته، والسرعة تقديمه في أول أوقاته.

ابن عطية

تفسير : روي أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المسجد فاستهزآ به فنزلت الآية بسببهما، وظاهر الآية أن كفار قريش وعظماءهم يعمهم هذا المعنى من أنهم ينكرون أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أمر آلهتهم وذكره لهم بفساد، و {إن} بمعنى ما وفي الكلام حذف تقديره يقولون {أهذا الذي} وقوله {يذكر} لفظة تعم المدح والذم لكن قرينة المقال أبداً تدل على المراد من الذكر وتم ما حكي عنهم في قوله تعالى: {آلهتكم}، ثم رد عليهم بأن قرن بإنكارهم ذكر الأصنام كفرهم بذكر الله أي فهم أحق وهم المخطئون. وقوله تعالى: {بذكر} أي بما يجب ان يذكر به ولا إله إلا الله منه. وقوله {بذكر الرحمن} روي أن الآية نزلت حين أنكروا هذه اللفظة وقالوا ما نعرف الرحمن إلا في اليمامة، وظاهر الكلام أن الرحمن قصد به العبارة عن الله تعالى كما لو قال {وهم بذكر} الله وهذا التأويل أغرق في ضلالهم وخطاهم. وقوله تعالى: {خلق الإنسان من عجل}، توطئة للرد عليهم في استعجالهم العذاب وطلبهم آية مقترحة وهي مقرونة بعذاب مجهز إن كفروا بعد ذلك، ووصف تعالى الإنسان الذي هو اسم الجنس بأنه "خلق من عجل" وهذا على جهة المبالغة كما تقول للرجل البطال أنت من لعب ولهو وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لست من دد ولا دد مني" تفسير : ، وهذا نحو قول الشاعر: شعر : وإنا لمما نضرب الكبش ضربة على رأسه تلقي اللسان على الفم تفسير : كأنه مما كانوا أهل ضرب الهام، وملازمة الضرب قال إنهم من الضرب ع وهذا التأويل يتم به معنى الآية المقصود في أن ذمت عجلتهم وقيل لهم على جهة الوعيد إن الآيات ستأتي {فلا تستعجلون} وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: {خلق الإنسان من عجل} إنه على المقلوب كأنه أراد خلق العجل من الإنسان على معنى أنه جعل طبيعة من طبائعه وجزءاً من أخلاقه ع وهذا التأويل ليس فيه مبالغة وإنما هو إخبار مجرد وإنما حمل قائليه عليه عدمهم وجه التجوز والاستعارة في أن يبقى الكلام على ترتيبه ونظير هذا القلب الذي قالوه قول العرب: إذا طلعت الشعرى استوى العود على الحرباء، وكما قالوا عرضت الناقة على الحوض وكما قال الشاعر: [البسيط] شعر : حسرت كفي على السربال آخذه فرداً يخر على أيدي المفدينا تفسير : وأما المعنى في تأويل من رأى الكلام من المقلوب فكالمعنى الذي قدمناه، وقالت فرقة من المفسرين قوله {خلق الإنسان من عجل} إنما أراد أن آدم عليه السلام خلقه الله تعالى في آخر ساعة من يوم الجمعة فتعجل به قبل مغيب الشمس، وروى بعضهم أن آدم عليه السلام قال يا رب أكمل خلقي فإن الشمس على الغروب أو غربت ع وهذا قول ضعيف ومعناه لا يناسب معنى الآية، وقالت فرقة العجل الطين والمعنى خلق آدم من طين. وأنشد النقاش: والنخل ينبت بين الماء والعجل. وهذا أيضاً ضعيف ومعناه مباين لمعنى الآية، وقالت فرقة معنى قوله {خلق الإنسان من عجل} أي بقوله كن فهو حال عجله وهذا أيضاً ضعيف وفيه تخصيص ابن آدم بشيء كل مخلوق يشاركه فيه، وليس في هذه الأقوال ما يصح معناه ويلتئم مع الآية إلا القول الأول، وقرأت فرقة "خُلق" على بناء الفعل للمفعول، وقرأت فرقة "خَلَق الإنسانَ" على معنى خلق الله الإنسان، فمعنى الآية بجملتها خلق الإنسان من عجل على معنى التعجب، من تعجل هؤلاء المقصودين بالرد، ثم توعدهم بقوله {سأوريكم آياتي} أي سآتي ما يسوءكم إذا دمتم على كفركم، يريد يوم بدر وغيره، ثم فسر استعجالهم بقولهم {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} وكأن استفهامهم على جهة الهزء والتكذيب، وقوله {إن كنتم صادقين} يريدون محمداً صلى الله عليه وسلم ومن آمن به لأن المؤمنين كانوا يتوعدونهم على لسان الشرع وموضع {متى} رفع عند البصريين وقال بعض الكوفيين موضعه نصب على الظرف والعامل فعل مقدر تقديره يكون أو يجيء والأول أصوب.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: كأبي جَهْلٍ وغيرِهِ، «وإن» بمعنى: «ما»، وفي الكلام حَذْفٌ تقديره: يقولون: أهذا الذي؟ وقال * ص *: «إنْ»: نافية، والظاهِرُ أَنَّها وما دَخَلَتْ عليه جَوَابُ إذَا، انتهى. قوله سبحانه: {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ} رُوِيَ: أَنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ أنكروا هذه اللَّفْظَةَ، وقالوا: ما نعرفُ الرَّحْمَـٰنَ إلاَّ في اليمامة، وظاهِرُ الكلامِ: أَنَّ {ٱلرَّحْمَـٰنِ} قُصِدَ به العبارة عنِ اللَّه عز وجل، وَوَصَفَ سبحانه الإنسانَ الذي هو اسمُ جنسٍ بأَنه خُلِقَ من عَجَلٍ، وهذا على جهة المُبَالَغَةِ؛ كما تقول للرجل البطال: أَنْتَ من لَعِبٍ وَلَهْوٍ.

البقاعي

تفسير : ولما أخبر سبحانه عن إعراضهم عن الساعة تكذيباً، واستدل على كونها منزهة عن الغيب في خلق هذا العالم وتعاليه عن جميع صفات النقص واتصافه بأوصاف الكمال إلى أن ختم ذلك بمثل ما ابتدأ به على وجه أصرح، وكان فيه تنبيههم على الابتلاء وكان الابتلاء على قدر النعم، فكان صلى الله عليه وسلم أعظم شيء ابتلوا به لأنه لا نعمة أعظم من النعمة به، ولا شيء أظهر من آياته عطف على قوله "وأسروا النجوى" قوله: {وإذا رءاك} أي وأنت أشرف الخلق وكلك جد وجلال وعظمة وكمال {الذين كفروا} فأظهر منبهاً على أن ظلمهم الذي أوجب لهم ذلك هو الكفر وإن كان في أدنى رتبة، تبشيعاً له وتنبيهاً على أنه يطمس الفكر مطلقاً. ولما كان من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم في غاية البعد عن الهزء، قال منبهاً على أنهم أعرقوا في الكفر حتى بلغوا الذروة: {إن} أي ما {يتخذونك} أي حال الرؤية، وسيعلم من يبقى منهم عما قليل أنك جد كلك {إلا هزواً} أي جعلوك بحمل أنفسهم على ضد ما يعتقد عين ما ليس فيك شيء منه؛ ثم بين استزاءهم به بأنهم يقولون إنكاراً واستصغاراً: {أهَـٰذََا الذي يذكر} أي بالسوء {ءالهتكم} قال أبو حيان: والذكر يكون بالخير والشر، فإذا لم يذكر متعلقه فالقرينة تدل عليه - انتهى. فإذا دلت القرينة على أحدهما أطلق عليه {وهم} أي والحال أنهم على حال كانوا بها أصلاً في الهزء، وهي أنهم {بذكر الرحمن} الذي لا نعمة عليهم ولا على غيرهم إلا منه، وكرر الضمير تعظيماً بما أتوا به من القباحة فقال: {هم} أي بظواهرهم وبواطنهم {كافرون} أي ساترون لمعرفتهم به، فلا أعجب ممن هو محل للهزء لكونه أنكر ذكر من لا نعمة منه ولا نقمة أصلاً بالسوء، وهو يذكر من كل نعمة منه بالسوء ويهزأ به. ولما كان من آيات الأولين التي طلبوها العذاب بأنواع الهول، وكانوا هم أيضاً قد طلبوا ذلك واستعجلوا به أية : عجل لنا قطنا تفسير : [ص: 26] ونحو ذلك، وكان الذي جرأهم على هذا حلم الله عنهم بإمهاله لهم، قال معللاً لذلك: {خلق} وبناه للمفعول لأن المقصود بيان ما جبل عليه والخالق معروف {الإنسان} أي هذا النوع. ولما كان مطبوعاً على العجلة قال: {من عجل} فلذا يكفر، لأنه إذا خولف بادر إلى الانتقام عند القدرة فظن بجهله أن خالقه كذلك، وأن التأخير ما هو إلا عن عجز أو عن رضى؛ ثم قال تعالى مهدداً للمكذبين: {سأوريكم} حقاً {ءاياتي} القاصمة والعاصمة، بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومن عندكم من أتباعه المستضعفين وخلافتهم بين أيديكم وجعلهم شجاً في حلوقكم حتى يتلاشى ما أنتم عليه وغيره ذلك من العظائم {فلا تستعجلون*} أي تطلبوا أن أوجد العجلة بالعذاب أو غيره، فإني منزه عن العجلة التي هي من جملة نقائصكم. ولما ذم العجلة وهي إرادة الشيء قبل أوانه، ونهى عنها، قال دالاً عليها عاطفاً على عامل {هذا}: {ويقولون} أي في استهزائهم بأولياء الله: {متى هذا} وتهكموا بقولهم: {الوعد} أي بإتيان الآيات من الساعة ومقدماتها وغيرها، وزادوا في الإلهاب والتهييج تكذيباً فقالوا: {إن كنتم صادقين*} أي عريقين في هذا الوصف جداً - بما دل عليه الوصف وفعل الكون. ولما غلوا في الاستهزاء فكانوا أجهل الجهلة باستحالة الممكن، استأنف الجواب عن كلامهم بنفي العلم عنهم في الحال والمآل دون المعاينة على طريق التهكم والاستهزاء بهم: {لو يعلم الذين كفروا} وذكر المفعول به فقال: {حين} أي لو تجدد لهم علم ما بالوقت الذي يستعجلون به؛ وذكر ما أضيف إليه ذلك الوقت فقال: {لا يكفون} أي فيه بأنفسهم {عن وجوههم} التي هي أشرف أعضائهم {النار} استسلاماً وضعفاً وعجزاً {ولا عن ظهورهم} التي هي أشد أجسادهم، فعرف من هذا أنها قد أحاطت بهم وأنهم لا يكفون عن غير هذين من باب الأولى {ولا هم ينصرون*} أي ولا يتجدد لهم نصر ظاهراً ولا باطناً بأنفسهم ولا بغيرهم، لم يقولوا شيئاً من ذلك الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكنهم لا يعلمون ذلك بنوع من أنواع العلم إلا عند الوقوع لأنه لا أمارة لها قاطعة بتعيين وقتها ولا تأتي بالتدريج كغيرها، وهذا معنى {بل تأتيهم} أي الساعة التي هي ظرف لجميع تلك الأحوال وهي معلومة لكل أحد فهي مستحضرة في كل ذهن {بغتة فتبهتهم} أي تدعهم باهتين حائرين؛ ثم سبب عن بهتهم قوله: {فلا يستطيعون ردها} أي لا يطلبون طوع ذلك لهم في ذلك الوقت ليأسهم عنه {ولا هم ينظرون*} أي يمهلون من ممهل ما ليتداركوا ما أعد لهم فيها، فيا شدة أسفهم على التفريط في الأوقات التي أمهلوا فيها في هذه الدار، وصرفهم إياها في لذات أكثرها أكدار.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال‏:‏ ‏ ‏"‏حديث : مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان وأبي جهل وهما يتحدثان، فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي سفيان‏:‏ هذا نبي بني عبد مناف‏.‏ فغضب أبو سفيان فقال‏:‏ ما تنكرون أن يكون لبني عبد مناف نبي‏.‏ فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فرجع إلى أبي جهل فوقع به وخوّفه وقال‏: ما أراك منتهياً حتى يصيبك ما أصاب عمك‏.‏ وقال لأبي سفيان‏:‏ أما إنك لم تقل ما قلت إلا حمية‏"‏ تفسير : فنزلت هذه الآية ‏ {‏وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا‏ً} ‏ الآية‏.

القشيري

تفسير : لو شهدوا بما هو به نم أوصاف التخصيص وما رقَّاه إليه من المنزلة لظلوا له خاضعين، ولكنهم حُجِبُوا عن معانية وسريرته، وعاينوا منه جسمه وصورته.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا رءاك الذين كفروا} اى المشركون نزلت حين مر النبى عليه السلام بابى جهل فضحك وقال لمن معه من صناديد العرب هذا نبى عبد مناف كالمستهزئ به {ان يتخذونك الا هزوا} الهزؤ مزح فى خفية اى لا يفعلون بك الا اتخاذك مهزوا به: يعنى [كسى كه با او استهزاء كنند مراد آنست كه ايشان ترا با استهزاء بيغمبر خوانند] على معنى قصر معاملتهم معه على اتخاذهم اياه هزؤا لا على معنى قصر اتخاذهم على كونه هزؤا كما هو المتبادر {اهذا الذى} على ارادة القول: يعنى [بايكديكر كفئند اين كس است كه بيوسته]{يذكر آلهتكم} اصنامكم بسوء اى يبطل كونها معنودة ويقبح عبادتها يقال فلان يذكر الناس اى يغتابهم ويذكرهم بالعيوب كما قال فى بحر العلوم وانما اطلق الذكر لدلالة الحال فان ذكر العدو لا يكون الا بذم وسوء {وهم بذكر الرحمن هم كافرون} حال والضمير الاول خبره كافرون والثانى تأكيد لفظى له وبذكر متعلق بالخبر وهو من اضافة المصدر الى مفعوله اى يعيبون ان يذكر عليه السلام آلهتهم التى لا تضر ولا تنفع بالسوء والحال انهم كافرون بان يذكروا الرحمن المنعم عليهم بما يجب ان يذكر به من الوحدانية فهم احقاء بالعيب والانكار. وفى الآية اشارة الى ان كل من كان محجوبا عن الله بالكفر لا ينظر الى خواص الحق الا بعين الانكار والاستهزاء لان خواص الحق من الانبياء والاولياء يقبحون فى اعينهم اذ ما اتخذوا لهم آلهة من شهوات الدنيا من جاهها وما لها وغير ذلك مما اتخذوه آلهة كما قال تعالى {أية : أفرأيت من اتخذ الهه هواه}تفسير : وكل محب يغار على محبوبه ولذا يذكرونهم بعيب ونقصان والحال ان العيب والنقصان فيهم لا فى اضدادهم: وفى المثنوى شعر : آن دهان كزكرد واز تسخر بخواند مر محمدرا دهانش كز بماند باز آمد كاى محمد عفو كن اى ترا الطاف علم من لدن من ترا افسوس ميكردم ز جهل من بدم افسوس را منسوب واهل جون خدا خواهدكه برده كس درد ميلش اندر طعنه باكان برد ورخدا خواهدكه بوشد عيب كس كم زند درعيب معيوبان نفس تفسير : فعلى العقال ان يصون لسانه عن ذكر العيوب ويشتغل فى جمع الاوقات بذكر علام الغيوب فانه الذى افاض سجال الرحمة والشكر لازم لولى النعمة وفى الحديث "حديث : من ذكر الله مطيعا ذكره الله بالرحمة ومن ذكر الله عاصيا ذكره الله باللعنة وافضل الذكر لا اله الا الله"تفسير : لانه اعراض عما سوى الله واقبال بالكلية على الله. يقال النصف الاول اشارة الى قوله {أية : ففروا الى الله}تفسير : والثانى الى قوله {أية : قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون } تفسير : ويقال ان سائر العبادات والاذكار تصل الى الله تعالى بواسطة الملك اما هذه االكلمة فتصل الى الله بلا واسطة الملك من قالها مرة خالصا غفرت ذنوبه وان كانت مثل زبد البحر وانه تعالى امر جميع الانبياء ان يدعو اممهم الى هذا الذكر فما نزلت كلمة اجل من لا اله الا الله بها قامت السموات والارضون وهى كلمة الاسلام وكلمة النجاة وكلمة النور اذ بها يستنير الباطن بأنوار الخلوص والصدق والصفاء واليقين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أهذا الذي}: مقول لحال محذوفة، أي: قائلين: أهذا الذي، وحذف الحال، إذا كان قولاً، مطردٌ. {وهم بذكر الرحمن}: حال، و {بل تأتيهم}: عطف على {لا يكُفُّون} أي: لا يكفونها، بل تأتيهم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإِذا رآك الذين كفروا} أي: المشركون {إِن يتخذونك}؛ ما يتخذونك {إِلا هُزُوًا}؛ مهزوءًا بك؛ على معنى قصر معاملتهم معه - عليه الصلاة والسلام - على اتخاذهم إياه هزوًا، كأنه قيل: ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزوًا. نزلت في أبي جهل - لعنه الله -، مرّ به النبي صلى الله عليه وسلم، فضحك وقال: هذا نبيُّ بني عبد مناف. قال القشيري: (لو شاهدوه على ما هو عليه من أوصاف التخصيص، وما رقَّاه الله من المنزلة، لظلوا له خاضعين، ولكنهم حُجِبُوا عن معانيه وسريرته، وعاينوا فيه جسمه وصورته). فاستهزؤوا بما لم يُحيطوا بعلمه، حَال كونهم يقولون: {أهذا الذي يَذْكُرُ} أي: يعيب {آلهتكم}، فالذكر يكون بخير وبضده، فإنْ كان الذاكر صديقًا للمذكور فهو ثناء. وإن كان عدوًا فهو ذم. {وهم بذكر الرحمن} أي: بذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، {هم كافرون }؛ لا يصدقون به أصلاً، فهم أحق بالهزء والسخرية منك؛ لأنك مُحق وهم مُبطلون. والمعنى أنهم يعيبون - عليه الصلاة والسلام - أن يذكر آلهتهم، التي لا تضر ولا تنفع، بالسوء، والحال: أنهم بذكر الرحمن، المنعم عليهم بأنواع النعم، التي هي من مقتضيات رحمانيته، كافرون، لا يذكرونه بما يليق به من التوحيد وأوصاف الكمال، أو: بما أنزل من القرآن؛ لأنه ذكر الرحمن، {هم كافرون}؛ جاحدون، فهم أحقاء بالعيب والإنكار. وكرر لفظ "هُم" للتأكيد، أو لأن الصلة حالت بينه وبين الخبر، فأعيد المبتدأ. ثم قال تعالى: {خُلِقَ الإنْسانُ من عَجَل}، العَجَل والعَجَلة مصدران، وهو تقديم الشيء على وقته. والمراد بالإنسان: الجنس، جُعل لفرط استعجاله، وقلة صبره، كأنه خُلق من العَجَلة، والعرب تقول لمن يكثر منه الشيء: خُلق منه، تقول لمن يكثر منه الكرم: خُلق من الكرم. ومن عجلته: مبادرته إلى الكفر واستعجاله بالوعيد. رُوي أنها نزلت في النضر بن الحارث، حين استعجل العذاب بقوله: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا...} تفسير : [الأنفَال: 32] الآية، كأنه قال: ليس ببدع منه أن يستعجل، فإنه مجبول على ذلك، وطبعُه، وسجيته. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المراد بالإنسان آدم عليه السلام، فإنه حين بلغ الروح صدره أراد أن يقوم. ورُوي: أنه لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، ولمَّا وصل جوفه اشتهى الطعام، فكانت العجلة من سجيته، وسرت في أولاده. وإنما منعَ الإنسان من الاستعجال وهو مطبوع عليه، ليتكمل بعد النقص، كما أمره بقطع الشهوة وقد رَكّبها فيه؛ لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العَجَلة. قال القشيري: العَجَلةُ مذمومةٌ، والمُسَارَعَةُ محمودةٌ. والفرق بينهما: أن المسارعة: البِدارُ إلى الشيء في أول وقته، والعَجَلة: استقباله قبل وقته، والعَجَلةُ سمة وسوسة الشيطان، والمسارعةُ قضية التوفيق. هـ. وقال الورتجبي: خلقهم من العَجَلة، وزجرَهم عن التعجيل؛ إظهارًا لقهاريته على كل مخلوق، وعجزهم عن الخروج عن ملكه وسلطانه. وحقيقة العَجَلة متولدة من الجهل بالمقادير السابقة. هـ. قلت: ما زالت الطمأنينة والرَّزانَةُ من شأن العارفين، وبها عُرفوا، والعَجَل والقلق من شأن الجاهلين، وبها وصفوا. وقيل: العَجَل الطين، بلغة حِمْير، ولا مناسبة له هنا. قال تعالى، صارفًا للخطاب عن الرسول إلى المستعجلين: {سأُوريكم آياتي}: نَقَماتي، كعذاب النار وغيره، {فلا تستعجلون} بالإتيان بها، وهو نهي عما جُبلت عليه نفوسهم؛ ليقهروها عن مرادها من الاستعجال. {ويقولون متى هذا الوعد}: إتيان العذاب، أو القيامة، {إِن كنتم صادقين} في وعدكم بأنه يأتينا، قالوه استعجالاً بطريق الاستهزاء، والإنكار، لا طلبًا لتعيين وقته، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين يتلون الآيات الكريمة المنبئة عن مجيء الساعة. قال تعالى: {لو يعلمُ الذين كفروا}، هذا استئناف مسوق لبيان شدة هول ما يستعجلونه، وفظاعة ما فيه من العذاب، وأنهم يستعجلونه لجهلهم بشأنه. وقوله تعالى: {حين لا يَكُفُّون عن وجوههم النارَ ولا عن ظهورهم ولا هم يُنصرون}: مفعول {يعلم}، وهو عبارة عن الوقت الموعود، الذي كانوا يستعجلونه. وقوله: {لو يعلمُ الذين كفروا} أي: حين يرون ويعلمون حقيقة الحال، وهو معاينة العذاب. وجواب "لو": محذوف، أي: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه بقولهم: متى هذا الوعد؟ وهو الوقت الذي تحيط بهم النار من ورائهم وقدامهم، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرًا ينصرهم، لَمَا كانوا بهذه الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هوّنه عندهم. {بل تأتيهم بغتة} أي: بل تأتيهم النار أو الساعة فجأة، {فتَبهتُهُم}: فتُحيِّرهم أو تغلبهم، {فلا يستطيعون ردَّها}؛ فلا يقدرون على دفعها عنهم، أي: النار أو الساعة، {ولا هم يُنظرون}: يُمهلون؛ ليستريحوا طرفة عين. ثم سلّى رسوله عن استهزائهم، فقال: {ولقد استُهزئ برسل من قبلك فحاقَ}: نزل أو أحاط أو حلّ {بالذين سخروا منهم} أي: من أولئك الرّسل - عليهم السلام - جزاء {ما كانوا به يستهزئون}، وهو العذاب الدائم. نسأل الله العافية. الإشارة: كل من خرق عوائد نفسه، وخرج عن عوائد الناس، أو أمر بالخروج عن العوائد، رفضه الناس واتخذوه هُزوًا، سنة الله التي قد خلت من قبل، لم يأت أحد بذلك إلا عُودي، فإن ظهر عليه أثر الخصوصية؛ من علم لدني، أو هداية خلق على يده، استعجلوه بإظهار الكرامة، كما هو شأن الإنسان، خُلق من عَجَل، فيقول: سأوريكم آياتي، فإن الأمر إذا كان مؤسسًا على الحق لا بد أن تظهر أنواره وأسراره، فلو يعلم الذين كفروا بطريق الخصوص، حين ترهقهم الحسرة، وتُحيط بهم الندامة، إذا رأوا أهل الصفاء يسرحَون في أعلى عليين حيث شاؤوا، وجوههم كالشموس الضاحية، لبادروا إلى الانقياد لهم، وتقبيل التراب تحت أقدامهم، ولكنهم اليوم في غفلة ساهون. ويقال لمن أنكر عليه أهلُ زمانه طريقَ التجريد وخرقَ العوائد: ولقد استُهزئ بمن كان قبلك ممن سلك هذه الطريق، فأُوذوا، وضُربوا، وأُخرجوا من بلادهم، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون، إما في الدنيا أو في الآخرة. فإذا أنزل بأسه فلا حافظ منه إلاَّ الرحمن

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) إنه {إذا رآك الذين كفروا} وجحدوا وحدانية الله، ولم يقروا بنبوتك {إن يتخذونك} اي ليس يتخذونك {إلا هزواً} يعني سخرية، جهلا منهم وسخفاً وفي ذلك تسلية لكل محق يلحقه أذى من جاهل مبطل. والهزؤ إظهار خلاف الابطان، لايهام النقص عن فهم القصد. يقال: هزئ منه يهزؤ هزؤاً، فهو هازئ، ومثله السخرية {أهذا الذي يذكر آلهتكم} حكاية، أي يقولون ذلك، ومعناه إنهم يعيبون من جحد إلهية من لا نعمة له، وهم يجحدون إلهية من كل نعمة، فهي منه، وهذا نهاية الجهل. والمعنى أهذا الذي يعيب آلهتكم، تقول العرب، فلان يذكر فلاناً أي يعيبه، قال عنتره: شعر : لا تذكري مهري وما أطعمته فيكون جلدك مثل جلد الاجراب تفسير : وقوله {وهم بذكر الرحمن} معناه وهم بذكر توحيد الرحمن {هم كافرون}. وقوله {خلق الإنسان من عجل} قال قتادة: معناه خلق الانسان عجولا. والمراد به جنس الانسان. وقال السدي: المعني به آدم (ع). وقال مجاهد: خلق الانسان على تعجيل، قبل غروب الشمس يوم الجمعة. وقال ابو عبيدة: معناه خلقت العجلة من الانسان، على القلب. وهو ضعيف، لأنه لا وجه لحمله على القلب. وقال قوم: معناه على حب العجلة، لانه لم يخلقه من نطفة ومن علقة بل خلقه دفعة واحدة. والذي قاله قتادة، أقوى الوجوه. وقيل خلق الانسان من عجل مبالغة، كأنه قيل هو عجلة، كما يقال: انما هو إقبال وادبار. وقال المبرد: خلق على صفة من شأنه ان يعجل فى الامور. وقال الحسن: معناه خلق الانسان من ضعف، وهو النطفة. وقال قوم: العجل هو الطين الذي خلق آدم منه، قال الشاعر: شعر : والنبع ينبت بين الصخر ضاحيه والنخل ينبت بين الماء والعجل تفسير : يعني الطين. والاستعجال طلب الشيء قبل وقته الذي حقه أن يكون فيه دون غيره. والعجول الكثير الطلب للشيء قبل وقته. والعجلة تقديم الشيء قبل وقته، وهو مذموم. والسرعة تقديم الشيء فى أقرب أوقاته، وهو محمود. وقوله {سأوريكم آياتي فلا تستعجلون} أي سأظهر بيناتي وعلاماتي، فلا تطلبوه قبل وقته. ثم أخبر تعالى عن الكفار أنهم {يقولون متى هذا الوعد} يريدون ما توعّد الله به من الجزاء والعقاب على المعاصي بالنيران وانواع العذاب {إن كنتم صادقين} يعني يقولون {إن كنتم صادقين} ومحقين فيما تقولون متى يكون ما وعدتموه، فقال الله تعالى {لو يعلم الذين كفروا} الوقت الذي {لا يكفون فيه} أي لا يمنعون فيه {عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم} يعني إن النار تحيط بهم من جميع وجوههم {ولا هم ينصرون} أي لا يدفع عنهم العذاب بوجه من الوجوه. وجواب (لو) محذوف، وتقديره: لعلموا صدق ما وعدوا به من الساعة. ثم قال {بل تأتيهم} يعني الساعة، والقيامة {بغتة} أي فجأة {فتبهتهم} أي تحيرهم والمبهوت المتحير {فلا يستطيعون ردها} ومعناه: لا يقدرون على دفعها {ولا هم ينظرون} أي لا يؤخرون الى وقت آخر. وقال البلخي: ويجوز أن تكون العجلة من فعل الله وهو ما طبع الله عليه الخلق من طلب سرعة الاشياء. وهو كما خلقهم يشتهون أشياء ويميلون اليها، ويحسن أمرهم بالتأني عنها، والتوقف عند ذلك، فلأجل ذلك قال {فلا تستعجلون} كما حسن نهيهم عن ارتكاب الزنا الذي تدعوهم اليه الشهوة.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} بالله او بك او بعلىّ (ع) {إِن يَتَّخِذُونَكَ} هو جواب لاذا ولم يأت بالفاء فى الجواب مع لزوم الفاء فى الجواب المنفىّ بان امّا لتقدير الفاء او لحذف الجواب بقرينة هذه الجملة والتّقدير اتّخذوك هزءً ان يتّخذونك {إِلاَّ هُزُواً} مهزّواً به وهو مصدر بمعنى اسم المفعول {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} حال بتقدير القول اى قائلين: اهذا الّذى كان بيننا وكان ضعيفاً فينا هو الّذى يذكر آلهتكم بسوءٍ ويعيبهم؟! والحال انّهم اولى بالاستهزاء لانّهم معرضون عن الله وعن خلفائه {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ} تكرار المسند اليه بالضّمير للتّأكيد وللحصر الادّعائىّ كأنّهم لا كافر سواهم، وتقديم الظّرف على عامله لشرافته بالاضافة الى الرّحمن وللحصر ايضاً يعنى انّ للاشياء جهتين؛ جهة ذكر الرّحمن وجهة ذكر الشّيطان وهوى النّفس وانت تعيب عليهم الهتهم بجهتها الشّيطانيّة لا بجهتها الرّحمانيّة فانت اولى بالتّصديق و التّبجيل وهم كافرون من الاشياء جهة ذكرها للرّحمن ناظرون الى جهة ذكرها للشّيطان، فهم اولى بالاستهزاء واحقّ بالتّوهين، او المراد بالذّكر القرآن او الرّسالة او الولاية فانّ الكلّ ذكر لله، والباء فى قوله بذكر الرّحمن سببيّة او صلة كافرون.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ} ما {يَتَّخِذُونَكَ إلاّ هُزُوًا} أى ذا هزو يستهزئون به - أو مهزوءًا به - أو حكم بأَنه عندهم نفس الهزؤ مبالغة. قيل: نزلت فى أبى جهل مرّ به صلى الله عليه وسلم فضحك وقال: هذا نبى بنى عبد مناف {أهذَا الَّذِى يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} مفعول لمحذوف، أى يقولون على جهة الإنكار والهزؤ، هذا الذى الخ، أو مفعول للهزؤ؛ فإنه سخرية باللسان. والمراد بالذكر: الذكر بالغيب، لدلالة الحال أن العدو إنما يذكر عدوه بالسوء. ومثله: "سمعنا فتًى يذكرهم" تقول العرب: سمعت فلانًا يذكرك. فإن كان صديقا فالذكر بخير، أو عدوًّا فبشر أورد المسند إليه اسم إشارة للتقريب تحقيراً له. {وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} هم الثانى تأكيد للأول. والذكر: القرآن، أو التوحيد، أو إنزال الكتب وإرسال الرسل، أى منكرون لذلك، وهم أحق بالهزؤ، حيث عكفت هممهم، وقصرت على ذكر آلهتهم بما لا يجوز ذكرها به، من كونها شائعة، ويسوؤهم أن يذكرها ذاكر بغير ما يذكرونها، وكفروا بالرحمن جل وعلا، بل بذكره. أو المعنى أنه غاظهم ذكرك آلهتهم بالسوء، والله قد ذكرهم أنفسهم أعينهم بالسوء لإشراكهم، وهم لا يصدقون بذكره لهم بالسوء غافلون. والجملة حال من واو يتخذونك. وقيل: أنكروا تسمية الله جل وعلا بالرحمن وقالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، وهو مسيلمة. فنزل ذلك. وإن قلت: إذا كان هم الثانى تأكيداً للأول، فهلاّ اتصل به؟ قلت: مجافاة عن تكرير لفظ فى محل واحد، وكثيرا ما يكون التكرير للفصل نحو: فيك زيد راغب فيك.

اطفيش

تفسير : {وإذا رآك الَّذين كَفَروا} أشركوا وقوله: {إنْ} أى من {يتَّخذُونكَ إلاَّ هُزُواً} حال من الذين أو الكاف وهزء مفعول ثان بمعنى ذا هزء، أو نفس الهزء، أو بمعنى مهزوء به، حصر اتخاذهم إياه على الهزو أى لا يجاوز اتخاذهم إياك الهزء، وقيل: المعنى ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزءاً، وهو تفسير معنى لا صناعة، وجواب إذا قول محذوف عامل فى قوله: {أهذا الذى يذْكُر آلهتَكُم} تقديره قالوا: اهذا الذى، وليس الجواب أن يتخذونك إلا هزءاً لأنه لا يصلح شرطاً فلا بد فيه من الفاء لو كان جواباً كسائر أجوبة، إذا فى القرآن وغيره على الأصل، ومتى لم يقرن ما يتوهم أنه جواب، قدر جرياً على الوارد كقوله تعالى: {أية : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم}تفسير : [الجاثية: 25] كسائر أدوات الشرط، فلا تخص إذا بجواز عدم الفاء كما قال بعض، مع أنه لو جعل {إن يتخذونك إلأ هزواً} جوابا لم يجز على معنى القول فى قوله: {أهذا الذى} بل لا بد أن يقدر قول معطوف على أن يتخذونك أى، ويقولون أو حال أى قائلين إن يتخذونك، أو ضمن هزءاً معنى القول، فينصب أهذا الذى إلخ. وإذا كان كذلك فتقديره جوابا، أولى لسلامته من شذوذ ترك الفاء، ومن حذف العاطف والمعطوف، والاستفهام إنكار وتعجب عاملهم الله بعدله، والمراد يذكر آلهتكم بالسوء، ولم يذكر بالسوء لأنه معروف إذا هو صلى الله عليه وسلم عدوّ لها ولهم، أو ضمن الذكر معنى العيب، أى أهذا الذى يعيبها، وكذا يقال فى قوله عز وجل: "أية : سمعنا فتى يذكرهم"تفسير : [الأنبياء: 60] وحذفوا السوء أو ضمنوه هزواً تأدباً مع آلهتهم. {وهُم بذكْر الرَّحْمن هُم كافرون} حال من ضمير القول المقدر، والمعنى أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم بالسوء، مع أنها لا تنفع ولا تضر، والحال أنهم يذكرون الله بالجحود أو بالشركة، مع أنه لا نفع ولا ضر إلا منه، وأنه المعروف بغاية الرحمة، أو حال من واو يتخذونك، وكرر قوله هم تأكيدا بإشهارهم فى السوء، وهو توكيد لفظى للأول، وكافرون خبر للأول وقيل ذكر بمعنى القرآن أو التوحيد أو الوعظ والإرشاد بالرسل والكتب، أو ذكر رحمن ذكر لفظ الرحمن إذ قالوا ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، وفيه ضعف، والأولى ما تقدم أولاً. مَرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبى سفيان وأبى جهل بتحدثان، وضحك أبو جهل وقال: هذا نبى بنى عبد مناف فغضب أبو سفيان فقال: ما إنكارك أن يكون لبنى عبد مناف نبى، فوقع صلى الله عليه وسلم فى أبى جهل وشتمه وخوفه، وقال: "حديث : ما أراك منتهياً حتى يصيبك ما أصاب عمك الوليد بن المغيرة" تفسير : وقال لأبى سفيان: " حديث : ما قلت ذلك إلا حمية" تفسير : نزلت الآية فى ذلك على ما قيل.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أي المشركون {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} أي ما يتخذونك إلا مهزوأ به على معنى قصر معاملتهم معه صلى الله عليه وسلم على اتخاذهم إياه - عاملهم الله تعالى بعدله - هزواً لا على معنى قصر اتخاذهم على كونه هزواً كما هو المتبادر كأنه قيل ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزواً. والظاهر أن جملة {إِن يَتَّخِذُونَكَ} الخ جواب {إِذَا} ولم يحتج إلى الفاء كما لم يحتج جوابها المقترن بما إليها في قوله تعالى: { أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيّنَـٰتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ } تفسير : [الجاثية: 25] وهذا بخلاف جواب غير إذا من أدوات الشرط المقترن بما فإنه يلزم فيه الاقتران بالفاء نحو إن تزرنا فما نسيء إليك، وقيل الجواب محذوف وهو يقولون المحكى به قوله تعالى: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِى يَذْكُرُ ءالِهَتَكُمْ} وقوله سبحانه {إِن يَتَّخِذُونَكَ} الخ اعتراض وليس بذاك، نعم لا بد من تقدير القول فيما ذكر وهو إما معطوف على جملة {إِن يَتَّخِذُونَكَ} أو حال أي ويقولون أو قائلين والاستفهام للإنكار والتعجب ويفيدان أن المراد يذكر آلهتكم بسوء؛ وقد يكتفى بدلالة الحال عليه كما في قوله تعالى: { أية : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ } تفسير : [الأنبياء: 60] فإن ذكر العدو لا يكون إلا بسوء وقد تحاشوا عن التصريح أدباً مع آلهتهم. وفي «مجمع البيان» تقول العرب ذكرت فلاناً أي عبته، وعليه قوله عنترة: شعر : لا تذكري مهري وما أطعمته فيكون جلدك مثل جلد الأجرب تفسير : / انتهى؛ والإشارة مثلها في قوله: شعر : هذا أبو الصقر فرداً في محاسنه من نسل شيبان بين الضال والسلم تفسير : فيكون في ذلك نوع بيان للاتخاذ هزواً. وقوله تعالى: {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَـٰفِرُونَ} في حيز النصب على الحالية من ضمير القول المقدر؛ والمعنى أنهم يعيبون عليه عليه الصلاة والسلام أن يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء والحال أنهم بالقرآن الذي أنزل رحمة كافرون فهم أحقاء بالعيب والإنكار، فالضمير الأول مبتدأ خبره {كَـٰفِرُونَ} وبه يتعلق {بِذِكْرِ} وقدم رعاية للفاصلة وإضافته لامية، والضمير الثاني تأكيد لفظي للأول، والفصل بين العامل والمعمول بالمؤكد وبين المؤكد والمؤكد بالمعمول جائز، ويجوز أن يراد {بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} توحيده على أن ذكر مصدر مضاف إلى المفعول أي وهم كافرون بتوحيد الرحمن المنعم عليهم بما يستدعي توحيده والإيمان به سبحانه، وأن يراد به عظته تعالى وإرشاده الخلق بإرسال الرسل وإنزال الكتب على أنه مصدر مضاف إلى الفاعل، وقيل المراد بذكر الرحمن ذكره صلى الله عليه وسلم هذا اللفظ وإطلاقه عليه تعالى، والمراد بكفرهم به قولهم ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمانة فهو مصدر مضاف إلى المفعول لا غير وليس بشيء كما لا يخفى. وجعل الزمخشري الجملة حالاً من ضمير {يَتَّخِذُونَكَ} أي يتخذونك هزواً وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بذكر الرحمن. وسبب نزول الآية على ما أخرج ابن أبـي حاتم عن السدي أنه صلى الله عليه وسلم مر على أبـي سفيان وأبـي جهل وهما يتحدثان فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبـي سفيان: هذا نبـي بني عبد مناف فغضب أبو سفيان فقال: ما تنكر أن يكون لبني عبد مناف نبـي فسمعها النبـي صلى الله عليه وسلم فرجع إلى أبـي جهل فوقع به وخوفه وقال: ما أراك منتهياً حتى يصيبك ما أصاب عمك الوليد بن المغيرة وقال لأبـي سفيان: أما أنك لم تقل ما قلت إلا حمية، وأنا أرى أن القلب لا يثلج لكون هذا سبباً للنزول والله تعالى أعلم.

سيد قطب

تفسير : بعد ذلك الشوط البعيد المديد في أرجاء الكون، وفي نواميس الوجود، وفي سنن الدعوات، وفي مصائر البشر، وفي مصارع الغابرين.. يرتد السياق إلى مثل ما بدأ به في مطلع السورة عن استقبال المشركين للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما معه من الوحي؛ واستهزائهم به وإصرارهم على الشرك.. ثم يتحدث عن طبيعة الإنسان العجول، واستعجالهم بالعذاب. فيحذرهم ما يستعجلون به. وينذرهم عاقبة الاستهزاء بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويعرض لهم مشهداً من تقلص ظلال الغالبين المسيطرين في الدنيا. ومشهداً من عذاب المكذبين في الآخرة. ويختم الشوط بدقة الحساب والجزاء في يوم القيامة. فيربط الحساب والجزاء بنواميس الكون وفطرة الإنسان وسنة الله في حياة البشر وفي الدعوات.. {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً. أهـذا الذي يذكر آلهتكم؛ وهم بذكر الرحمـن هم كافرون}. إن هؤلاء الكفار يكفرون بالرحمن، خالق الكون ومدبره، ليستنكرون على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يذكر آلهتهم الأصنام بالسوء، بينما هم يكفرون بالرحمن دون أن يتحرجوا أو يتلوموا.. وهو أمر عجيب جد عجيب! وإنهم ليلقون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالهزء، يستكثرون عليه أن ينال من أصنامهم تلك: {أهذا الذي يذكر آلهتكم؟} ولا يستكثرون على أنفسهم ـ وهم عبيد من عبيد الله ـ أن يكفروا به، ويعرضوا عما أنزل لهم من قرآن.. وهي مفارقة عجيبة تكشف عن مدى الفساد الذي أصاب فطرتهم وتقديرهم للأمور! ثم هم يستعجلون بما ينذرهم به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عذاب؛ ويحذرهم من عاقبته. والإنسان بطبعه عجول: {خلق الإنسان من عجل. سأريكم آياتي فلا تستعجلون. ويقولون: متى هـذا الوعد إن كنتم صادقين!}.. {خلق الإنسان من عجل}.. فالعجلة في طبعه وتكوينه. وهو يمد ببصره دائماً إلى ما وراء اللحظة الحاضرة يريد ليتناوله بيده، ويريد ليحقق كل ما يخطر له بمجرد أن يخطر بباله، ويريد ان يستحضر كل ما يوعد به ولو كان في ذلك ضرره وإيذاؤه. ذلك إلا أن يتصل بالله فيثبت ويطمئن، ويكل الأمر لله فلا يتعجل قضاءه. والإيمان ثقة وصبر واطمئنان. وهؤلاء المشركون كانوا يستعجلون بالعذاب، ويسألون متى هذا الوعد. الوعد بعذاب الآخرة وعذاب الدنيا.. فها هو ذا القرآن يرسم لهم مشهداً من عذاب الآخرة، ويحذرهم ما أصاب المستهزئين قبلهم من عذاب الدنيا: {لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون. بل تأتيهم بغتة فتبهتهم، فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون.. ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون}. لو يعلمون ما سيكون لكان لهم شأن غير شأنهم، ولكفوا عن استهزائهم واستعجالهم.. فلينظروا ماذا سيكون. ها هم أولاء تنوشهم النار من كل جانب، فيحاولون في حركة مخبلة ـ يرسمها التعبير من وراء السطور ـ أن يكفوا النار عن وجوههم وعن ظهورهم، ولكنهم لا يستطيعون. وكأنما تلقفتهم النار من كل جانب، فلا هم يستطيعون ردها، ولا هم يؤخرون عنها، ولا هم يمهلون إلى أجل قريب. وهذه المباغتة جزاء الاستعجال. فلقد كانوا يقولون: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} فكان الرد هو هذه البغتة التي تذهل العقول، وتشل الإرادة، وتعجزهم عن التفكير والعمل، وتحرمهم مهلة الإنظار والتأجيل. ذلك عذاب الآخرة. فأما عذاب الدنيا فقد حل بالمستهزئين قبلهم. فإذا كانوا هم لم يقدر عليهم عذاب الاستئصال، فعذاب القتل والأسر والغلب غير ممنوع. وليحذروا الاستهزاء برسولهم. وإلا فمصير المستهزئين بالرسل معروف، جرت به السنة التي لا تتخلف وشهدت به مصارع المستهزئين. أم إن لهم من يرعاهم بالليل والنهار غير الرحمن، ويمنعهم من العذاب في الدنيا أو الآخرة من دون الله؟ {قل: من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمـن؟ بل هم عن ذكر ربهم معرضون. أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا؟ لا يستطيعون نصر أنفسهم، ولا هم منا يصبحون}. إن الله هو الحارس على كل نفس بالليل والنهار. وصفته هي الرحمة الكبرى، وليس من دونه راع ولا حام. فاسألهم: هل لهم حارس سواه؟ وهو سؤال للإنكار، وللتوبيخ على غفلتهم عن ذكر الله، وهو الذي يكلؤهم بالليل والنهار، ولا راعي لهم سواه: {بل هم عن ذكر ربهم معرضون}. ثم يعيد عليهم السؤال في صورة أخرى: {أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا؟} فتكون هي التي تحرسهم إذن وتحفظهم؟ كلا فهؤلاء الآلهة {لا يستطيعون نصر أنفسهم} فهم من باب أولى لا يستطيعون نصر سواهم. {ولا هم منا يصحبون} فيستمدوا القوة من صحبة القدرة لهم ـ كما استمدها هارون وموسى وربهما يقول لهما: {أية : إنني معكما أسمع وأرى }.. تفسير : إن هذه الآلهة مجردة من القوة بذاتها؛ وليس لها مدد من الله تستمد منه القوة. فهي عاجزة عاجزة. وبعد هذا الجدل التهكمي الذي يكشف عن سخف ما يعتقده المشركون وخوائه من المنطق والدليل.. يضرب السياق عن مجادلتهم؛ ويكشف عن علة لجاجتهم؛ ثم يلمس وجدانهم لمسة تهز القلوب، وهو يواجهها إلى تأمل يد القدرة، وهي تطوي رقعة الأرض تحت أقدام الغالبين، وتقص أطرافها فتردهم إلى حيز منها منزو صغير، بعد السعة والمنعة والسلطان! {بل متعنا هـؤلاء وآبآءهم حتى طال عليهم العمر. أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ؟ أفهم الغالبون؟}.. فهو المتاع الطويل الموروث الذي أفسد فطرتهم. والمتاع ترف. والترف يفسد القلب ويبلد الحس. وينتهي إلى ضعف الحساسية بالله، وانطماس البصيرة دون تأمل آياته. وهذا هو الابتلاء بالنعمة حين لا يستيقظ الإنسان لنفسه ويراقبها، ويصلها دائماً بالله، فلا تنساه. ومن ثم يلمس السياق وجدانهم بعرض المشهد الذي يقع كل يوم في جانب من جنبات الأرض حيث تطوى رقعة الدول المتغلبة وتنحسر وتتقلص. فإذا هي دويلات صغيرة وكانت امبراطوريات. وإذا هي مغلوبة على أمرها وكانت غالبة. وإذا هي قليلة العدد وكانت كثيرة. قليلة الخيرات وكانت فائضة بالخيرات.. والتعبير يرسم يد القدرة وهي تطوي الرقعة وتنقص الأطراف وتزوي الأبعاد.. فإذا هو مشهد ساحر فيه الحركة اللطيفة، وفيه الرهبة المخيفة! {أفهم الغالبون}؟ فلا يجري عليهم ما يجري على الآخرين؟ وفي ظل هذا المشهد الذي ترتعش له القلوب يؤمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يلقي كلمة الإنذار: {قل إنمآ أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعآء إذا ما ينذرون}.. فليحذروا أن يكونوا هم الصم الذين لا يسمعون! فتطوى رقعة الأرض تحت أقدامهم، وتقص يد القدرة أطرافهم، وتتحيفهم وما هم فيه من متاع!! ويتابع السياق إيقاعه المؤثر في القلوب، فيصورهم لأنفسهم حين يسمهم العذاب: {ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن: يا ويلنآ إنا كنا ظالمين}.. والنفحة تطلق غالباً في الرحمة. ولكنها هنا تطلق في العذاب. كأنما ليقال: إن أخف مسة من عذاب ربك تطلقهم يجأرون بالاعتراف. ولكن حيث لا يجدي الاعتراف. فلقد سبق في سياق السورة مشهد القرى التي أخذها بأس الله، فنادى أهلها: {أية : قالوا يا ويلنآ إنا كنا ظالمين. فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين }.. تفسير : وإذن فهو الاعتراف بعد فوات الأوان. ولخير منه أن يسمعوا نذير الوحي وفي الوقت متسع، قبل أن تمسهم نفحة من العذاب! ويختم الشوط بالإيقاع الأخير من مشاهد يوم الحساب: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً. وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها. وكفى بنا حاسبين}.. والحبة من خردل تصور أصغر ما تراه العيون وأخفه في الميزان، وهي لا تترك يوم الحساب ولا تضيع. والميزان الدقيق يشيل بها أو يميل! فلتنظر نفس ما قدمت لغد. وليصغ قلب إلى النذير. وليبادر الغافلون المعرضون المستهزئون قبل أن يحق النذير في الدنيا أو في الآخرة. فإنهم إن نجوا من عذاب الدنيا فهناك عذاب الآخرة الذي تعد موازينه، فلا تظلم نفس شيئاً، ولا يهمل مثقال حبة من خردل. وهكذا ترتبط موازين الآخرة الدقيقة، بنواميس الكون الدقيقة، بسنن الدعوات، وطبائع الحياة والناس. وتلتقي كلها متناسقة موحدة في يد الإرادة الواحدة مما يشهد لقضية التوحيد وهي محور السورة الأصيل.

ابن عاشور

تفسير : هذا وصف آخر لما يؤذي به المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يرونه فهو أخص من أذاهم إياه في مغيبه، فإذا رأوه يقول بعضهم لبعض: {أهذا الذي يذكر آلهتكم}. والهُزُؤُ ــــ بضم الهاء وضم الزاي ــــ مصدر هَزَأ به، إذا جعله للعبث والتفكه. ومعنى اتِّخاذه هُزْؤاً أنهم يجعلونه مستهزأ به فهذا من الإخبار بالمصدر للمبالغة، أو هو مصدر بمعنى المفعول كالخَلق بمعنى المخلوق. وتقدم في سورة [الكهف: 106] قوله تعالى: {أية : واتخذوا آياتي ورسلي هزؤاً}.تفسير : وجملة {أهذا الذي يذكر آلهتكم} مبيّنة لجملة {إن يتخذونك إلا هزؤاً} فهي في معنى قول محذوف دل عليه {إن يتخذونك إلا هزؤاً} لأن الاستهزاء يكون بالكلام. وقد انحصر اتخاذُهم إياه عند رؤيته في الاستهزاء به دون أن يخلطوه بحديث آخر في شأنه. والاستفهام مستعمل في التعجيب، واسم الإشارة مستعمل في التحقير، بقرينة الاستهزاء. ومعنى {يذكر آلهتكم} يذكرهم بسوء، بقرينة المقام، لأنهم يعلمون ما يذكر به آلهتهم مما يسوءهم، فإن الذكر يكون بخير وبشرَ فإذا لم يصرح بمتعلقه يصار إلى القرينة كما هنا وكما في قوله تعالى الآتي: {أية : قالوا سمعنا فتى يذكرهم}تفسير : [الأنبياء: 60]. وكلامهم مسوق مساق الغيظ والغضب، ولذلك أعْقبه الله بجملة الحال وهي {وهم بذكر الرحمن هم كافرون}، أي يغضَبون من أن تذكر آلهتهم بما هو كشف لكُنْهِها المطابق للواقع في حال غفلتهم عن ذكر الرحمان الذي هو الحقيق بأن يذكروه. فالذكر الثاني مستعمل في الذكر بالثناء والتمجيد بقرينة المقام. والأظهر أن المراد بذكر الرحمان هنا القرآن، أي الذكر الوارد من الرحمان. والمناسبة الانتقال من ذكر إلى ذكر. ومعنى كفرهم بذكر الرحمان إنكارهم أن يكون القرآن آية دالة على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: {أية : فليأتنا بآية كما أرسل الأولون}تفسير : [الأنبياء: 5]. وأيضاً كفرهم بما جاء به القرآن من إثبات البعث. وعبر عن الله تعالى باسم {الرحمان} تَورُّكاً عليهم إذ كانوا يأبون أن يكون الرحمان اسماً لله تعالى: {أية : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا} تفسير : في سورة [الفرقان: 60]. وضمير الفصل في قوله تعالى: {هم كافرون} يجوز أن يفيد الحصر، أي هم كافرون بالقرآن دون غيرهم ممن أسلم من أهل مكة وغيرهم من العرب لإفادة أنّ هؤلاء باقون على كفرهم مع توفر الآيات والنذر. ويجوز أن يكون الفصل لمجرد التأكيد تحقيقاً لدوام كفرهم مع ظهور ما شأنه أن يقلعهم عن الكفر.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار إذا رأوا النَّبي صلى الله عليه وسلم ما يتخذونه إلا هزواً، أي مُستهزأً به مستخفاً به. والهزؤ: السخرية، فهو مصدر وصف به. ويقولون: أهذا الذي يذكر آلهتكم أي يعيبها وينفي أنها تشفع لكم وتقربكم إلى الله زلفى، ويقول: إنها لا تنفع من عبدها، ولا تضر من لم يعبدها، وهم مع هذا كله كافرون بذكر الرحم. فالخطاب في قوله {وَإِذَا رَآكَ} للنبي صلى الله عليه وسلم. و"إن" في قوله {إِن يَتَّخِذُونَكَ} نافية. والاستفهام في قوله {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} قال فيه أبو حيان في البحر: إنه للإنكار والتعجيب. والذي يظهر لي أنهم يريدون بالاستفهام المذكور التحقير بالنَّبي صلى الله عليه وسلم، كما تدلّ عليه قرينة قوله {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً}. وقد تقرر في فن المعاني: أن من الأغراض التي تؤدي بالاستفهام التحقير. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: إن جواب "إِذَا" هو القول المحذوف، وتقديره: وإذا رآك الذين كَفَروا يقولون أهذا الذي يذكر آلهتكم. وقال: إن جملة {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} جملة معترضة بين إذا وجوابها. واختار أبو حيان في البحر أن جواب "إِذَا" هو جملة {إِن يَتَّخِذُونَكَ} وقال: إن جواب إذا بجملة مصدرة بـ "إن" أو ما النافيتين لا يحتاج إلى الاقتران بالفاء. وقوله {يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} أي يعيبها. ومن إطلاق الذكر بمعنى العَيْب قوله تعالى: {أية : قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} تفسير : [الأنبياء: 60] أي يعيبهم. وقول عنترة: شعر : لا تَذْكُرِي مُهْري وما أَطْعَمْتُه فيكون جلدُكِ مثلَ جلدِ الأَجْرَبِ تفسير : أي لا تعيبي مهري، قاله القرطبي. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: الذِّكر يكون بخير وبخلافِه. فإذا دلت الحال على أحدهما أُطلق ولم يقيد، كقولك للرجل: سمعت فلاناً يذكرك، فإن كان الذاكر صديقاً فهو ثناء. وإن كان عدواً فَذم، ومنه قوله تعالى: {أية : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} تفسير : [الأنبياء: 60]، وقوله: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء:36] انتهى محل الغرض منه. والجملة في قوله: {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ} حالية. وقال بعض أهل العلم: معنى كفرهم بذكر الرحمن هو الموضح في قوله تعالى {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً} تفسير : [الفرقان: 60]، وقولهم: ما نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب. وقد بين ابن جرير الطبري وغيره: أن إنكارهم لمعرفتهم الرحمن تجاهل منهم ومعاندة مع أنهم يعرفون أن الرحمن من أسماء الله تعالى. قال: وقال بعض شعراء الجاهلية الجهلاء: شعر : ألا ضربت تلك الفتاة هجينها ألا قطع الرحمن ربي يمينها تفسير : وقال سلامة بن جندل الطهوي: شعر : عجلتم علينا عجلتينا عليكم وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق تفسير : وفي هذه الآية الكريمة دلالة واضحة على سخافة عقول الكفار. لأنهم عاكفون على ذكر أصنام لا تنفع ولا تضر، ويسوءهم أن تذكر بسوء، أو يقال إنها لا تشفع ولا تقرب إلى الله. وأما ذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية فهم به كافرون لا يصدقون به، فهم أحق بأن يتخذوا هزؤا من النَّبي صلى الله عليه وسلم الذي اتخذوه هزؤا، فإنه محق وهم مبطلون. فإذا عرفت معنى هذه الآية الكريمة فاعلم ـ أن هذا المعنى الذي دلت عليه جاء أيضاً مبيناً في سورة "الفرقان" في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} تفسير : [الفرقان: 41-42] فتحقيرهم لعنهم الله له صلى الله عليه وسلم المذكور في قوله في "الأنبياء" في قوله: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} هو المذكور في "الفرقان" في قوله: {أية : إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا} تفسير : [الفرقان: 42] أي لما يبين من معائبها، وعدم فائدتها، وعظم ضرر عبادتها.

الواحدي

تفسير : {وإذا رآك الذين كفروا} يعني: المستهزئين {إن يتخذونك} ما يتَّخذونك {إلاَّ هزواً} مهزوءاً به، قالوا: {أهذا الذي يذكر آلهتكم} يعيب أصنامكم {وهم بذكر الرحمن هم كافرون} جاحدون إلهيَّته، يريد أنَّهم يعيبون مَنْ جحد إلهيَّة أصنامهم وهم جاحدون إلهية الرَّحمن، وهذا غاية الجهل. {خلق الإنسانُ من عجل} يريد: إنَّ خلقته على العجلة، وعليها طُبع {سَأُرِيكم آياتي} يعني: ما توعدون به من العذاب {فلا تستعجلون}. {ويقولون متى هذا الوعد} وعد القيامة. {لو يعلم الذين كفروا...} الآية. وجواب " لو " محذوف، على تقدير: لآمنوا ولما أقاموا على الكفر. {بل تأتيهم} القيامة {بغتة} فجأةً {فتبهتهم} تُحيِّرهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {رَآكَْ} {آلِهَتَكُمْ } {كَافِرُونَ} (36) - إِنَّ الكُفَّارَ مِنْ قُرَيْشٍ يَسْتَهزِئونَ بِكَ يَا مُحَمَّدُ، وَيَتَنَقَّصُونَكَ حِينَما يَرَوْنَكَ، وَيَقُولُ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ اسْتِنْكَاراً، أَهَذَا الذِي يَسُبُّ آلِهَتَكُمْ، وَيُسَفِّهُ أَحْلاَمَكُمْ؟ وَكَيْفَ يَعْجَبُونَ مِنْ ذَلِكَ وَهُمْ كَافِرُون باللهِ الذِي خَلَقَهُمْ، وأَنْعَمَ عَلَيْهِم، وَإِلَيْهِ مَرْجِعُهُمْ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن واقعٍ حدثَ له مع الكفار: {وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً ..} [الأنبياء: 36] و (إنْ) هنا ليست شرطية، إنما للنفي كما في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ..} تفسير : [المجادلة: 2] أي: ما أمهاتهم إلا اللائي ولَدْنهم. فالمعنى: إذا رآك الذين كفروا لا يتخذونك إلا هُزُواً، أي: يهزأون بك، لكن ما وَجْه الهُزْو هنا؟ قولهم: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ..} [الأنبياء: 36] أي: يعيبها ويسبُّها، ويقول عنها: إنها باطلة ومعنى {أَهَـٰذَا ..} [الأنبياء: 36] كأنهم يستقلّونه، ويستقلّون أنْ يقول هذا عن آلهتهم. والذكر قد يكون بالخير، وقد يكون بالشر، فإنْ ذكرك صديق تتوقع أنْ يذكرك بخير، وإنْ ذكرك عدو تتوقع أنْ يذكرك بشرٍّ، وطالما أن محمداً سيذكر آلهتهم، فلا بُدَّ أنه سيذكرها بشرٍّ، والشر الذي ذكره محمد عن آلهتكم أنها أصنام وحجارة لا تضرُّ ولا تنفع. {أية : إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ ..} تفسير : [فاطر: 14]. ثم يقول تعالى: {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ} [الأنبياء: 36] فكيف تتعجبون وتغضبون أنْ يسُبّ محمد آلهتكم الباطلة، وأنتم تسبُّون الإله الحق، وتكفرون به، ونلحظ أن السياق ذكر الضمير العائد عليهم مرتين: {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَافِرُونَ} [الأنبياء: 36] ليؤكد أن ذلك حدث منهم. ثم يقول الحق سبحانه: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ...}.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه امتناناً لحبيبه صلى الله عليه وسلم: {وَ} اذكر {إِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} حين اشتغالك بقراءة القرآن أو بتذكير الأصحاب وعظة أولي الألباب، المشمرين نحو الحق أذيال همَّهم، المستفيدين المسترشدين منك قصارى مقاصدهم هي التوحيد الإلهي {إِن يَتَّخِذُونَكَ} أي: ما يتخذونك حين التفاتهم نحوك {إِلاَّ هُزُواً} أي: محل اسهتزاء وسخرية قائلين حين بعضهم لبعض مستحقرين شأنك: {أَهَـٰذَا} الرجل الحقير الفقير الملحق بالأراذل والضعفاء {ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} بالسوء، وينكر على شفعائكم ويسيء الأدب مع غاية حقارتهم وضعفهم، وهم من غاية عمههم وسكرتهم، ونهاية غيهم وغفلتهم {وَهُمْ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} المنزَّه عن شوب الشك وريب التردد {هُمْ كَافِرُونَ} [الأنبياء: 36] منكرون وجوده وتحققه مع كما ظهوره واستحقاقه بالألوهية والربوبية بالأصالة بخلاف معبوداتهم الباطلة الزائغة؛ إذ هم مقهورون تحت قدرته، مجبورون جنب إرادته واختياره، لا قدرة لهم من أنفسهم أصلاً، فهم بالاستهزاء أحق، وبالاستهانة والسخرية أحرى وأليق. ثم لما استعجل المنهمكون في بحر الضلال والإنكار، التائهون في تيه العتو والاستكبار نزولَ العذاب وقيام الساعة وجميع الوعيدات الواردة فيها على سبيل الاستهزاء والتهكم، ردَّ الله عليهم إنكارهم واستعجالهم بأبلغ وجه فقال: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ} أي: هذا النوع من الحيوان {مِنْ عَجَلٍ} يعني: من غاية استعجاله ف يالخير والشر كأنه مصنوع منه، قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنَّا: إلى متى تستعجلون أيها المسرفون المغرورون {سَأُوْرِيكُمْ} عن قريب في هذه النشأة {آيَاتِي} أي: بعضها من نقماتي التي هي من مقدمات عذاب الآخرة، قيل هي وقعة بدر، إذ المستعجلون هم قريش، وسيأتي عذاب الساعة، وعذابها بعدما {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37] أيها الضالون المسرفون. {وَ} بعدما سمعوا من الرسول وأصحابه ما سمعا {يَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} الموعود، والوقت المعهود، عينوا لنا وقت نزول العذاب وقيام الساعة {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأنبياء: 38] في دعواكم. ثم قال سبحانه تفظيعاً لهم وتهويلاً عليهم: {لَوْ يَعْلَمُ} ويطلع {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} كيفية ما استعجلوا من العذاب وكميته {حِينَ لاَ يَكُفُّونَ} أي: حين نزل عليهم حتماً، ولا يمكنهم حينئذٍ أن يدفعوا {عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ} لأنهم محاطون بها، مغمورون فيها بحيث لا يسع لهم دفعها بأنفسهم {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [الأنبياء: 39] من الغير. إذ كل نفس رهينةُ بما كسبت؛ يعني: لو علموا فظاتها وهولها، لما استعجلوا، لكنه لا يعلمون لذلك استعجلوا اغتراراً واستكباراً. {بَلْ تَأْتِيهِم} العذاب والساعة حتى تأتيهم {بَغْتَةً} فجأة ودفع {فَتَبْهَتُهُمْ} أي: تحيرهم وتدهشهم وقت ظهورها، فصاروا حينئذ حيارى سكارى مدهوشين {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} ردها إذ لا راد لقضاء الله ولا معقب لحكمه، سيما بعد نزوله {رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} [الأنبياء: 40] ويمهلون حينئذ أن استمهلوا. {وَ} لا تبال بهم يا أكمل الرسل، ولا تحزن عن استهزائهم وسخريتهم؛ إذ {لَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ} كثيرٍ مضوا {مِّن قَبْلِكَ} استهزءوا معهم أممهم مثل ما استهزءوا معك قريش {فَحَاقَ} وأحاط بالآخرة {بِٱلَّذِينَ} أي: بالمستهزئين الذين {سَخِرُواْ مِنْهُمْ} أي: من الرسل وبآل {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنبياء: 41] ويستسخرون، وبأضعاف ما لحق لهم المعاندين المكابرين فلا تحزن عليه ولا تك في ضيق مما يستهزئون.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وفي قوله تعالى: {وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} [الأنبياء: 36] إشارة إلى أن من كان محجوباً من الله تعالى بالكفر لا ينظر إلى خواص الخلق إلا بعين الإنكار والاستهزاء؛ لأن خواص الخلق من الأنبياء والأولياء يقبحون في أعينهم إذ ما اتخذوا لهم آلهة من شهوات الدنيا من جاهها ومالها وغير ذلك كما قال الله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تفسير : [الجاثية: 23] وكل محب يغار على محبوبه ويقولون: {أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء: 36] أي: يذكركم بعيب ونقصان. ثم قوله تعالى عقب هذا: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37] يشير إلى معان: * منها: أي: أنتم تستعجلون من جهلكم وضلالتكم؛ وذلك لأنهم يؤذون حبيبي ونبيي بطريق الاستهزاء والعداوة، "ومن عاد لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة" فقد استعجل العذاب؛ لأني أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لجروه، فكيف بمن يعادي حبيبي ونبيي! ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى في سياق الآية: {سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي} [الأنبياء: 37] أي: عذابي {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37] في طلبه بطريق إيذاء نبيي والاستهزاء بها. * ومنها: أن الروح الإنساني خلق من عجل؛ لأنه أول شيء تعلقت به القدرة. * ومنها: أن الله تعالى {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} تفسير : [الفرقان: 59] وخمر طينة آدم بيده أربعين صباحاً، وقد روي أن كل يوم من أيام التخمير {أية : كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تفسير : [السجدة: 5] فيكون أربعين ألف سنة؛ فالمعنى: أن الإنسان مع هذا خلق من عجل بالنسبة إلى خلق السماوات والأرض في ستة أيام لما خلق فيه بتخمير طينته أنموذجات ما في السماوات والأرض وما بينهما، واستعداد سر الخلافة المختصة، وقابليته تجلي ذاته وصفاته، والمرتبة التي تكون مظهرة للكنز المخفي الذي خلق الخلق لإظهاره ومعرفته، ولاستعداد حمل الأمانة التي عرضنا على السماوات والأرض والجبال وأهاليها {أية : فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ} تفسير : [الأحزاب: 72]. وتمام الآية يدل على هذا المعنى وهو قوله تعالى: {سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37] أي: سأريكم صفات كمالي في مظاهر الأفاق ومرآة أنفسكم بالتربية في كل قرن بواسطة نبي أو ولي، فلا تستعجلون في هذا المقام من أنفسكم، فإنه قبل من المهد إلى اللحد، أقول: من الأزل إلى الأبد، وهذا منطق الطير لا يعلمه إلا سليمان الوقت، قال الله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]. {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} تفسير : [الملك: 25] أي: وعد إرادة الآيات {أية : إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [الملك: 25] في النبوة والرسالة. {لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الأنبياء: 39] أي: ستروا الحق بالباطل {حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [الأنبياء: 39] في وقع العذاب؛ أي: لو علم أهل الإنكار والجحود قبل أن يكافئهم الله على إنكارهم نار القطيعة والحسرة والبعد والطرد لمَّا أقاموا على كفرهم وإنكارهم، ولتابوا ورجعوا إلى طلب الحق.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا من شدة كفرهم، فإن المشركين إذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، استهزأوا به وقالوا: {أية : أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ } تفسير : أي: هذا المحتقر بزعمهم، الذي يسب آلهتكم ويذمها، ويقع فيها، أي: فلا تبالوا به، ولا تحتفلوا به. هذا استهزاؤهم واحتقارهم له، بما هو من كماله، فإنه الأكمل الأفضل الذي من فضائله ومكارمه، إخلاص العبادة لله، وذم كل ما يعبد من دونه وتنقصه، وذكر محله ومكانته، ولكن محل الازدراء والاستهزاء، هؤلاء الكفار، الذين جمعوا كل خلق ذميم، ولو لم يكن إلا كفرهم بالرب وجحدهم لرسله فصاروا بذلك، من أخس الخلق وأرذلهم، ومع هذا، فذكرهم للرحمن، الذي هو أعلى حالاتهم، كافرون بها، لأنهم لا يذكرونه ولا يؤمنون به إلا وهم مشركون فذكرهم كفر وشرك، فكيف بأحوالهم بعد ذلك؟ ولهذا قال: { وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ } وفي ذكر اسمه { الرَّحْمَنِ } هنا، بيان لقباحة حالهم، وأنهم كيف قابلوا الرحمن - مسدي النعم كلها، ودافع النقم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع السوء إلا إياه - بالكفر والشرك. { خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } أي: خلق عجولا يبادر الأشياء، ويستعجل بوقوعها، فالمؤمنون، يستعجلون عقوبة الله للكافرين، ويتباطئونها، والكافرون يتولون ويستعجلون بالعذاب، تكذيبا وعنادا، ويقولون: { مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } والله تعالى، يمهل ولا يهمل ويحلم، ويجعل لهم أجلا مؤقتا {أية : إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ } تفسير : ولهذا قال: { سَأُرِيكُمْ آيَاتِي } أي: في انتقامي ممن كفر بي وعصاني { فَلا تَسْتَعْجِلُونِ } ذلك، وكذلك الذين كفروا يقولون: { مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } قالوا هذا القول، اغترارا، ولما يحق عليهم العقاب، وينزل بهم العذاب. فـ { لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } حالهم الشنيعة حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم، إذ قد أحاط بهم من كل جانب وغشيهم من كل مكان { وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } أي: لا ينصرهم غيرهم، فلا نصروا ولا انتصروا. { بَلْ تَأْتِيهِمْ } النار { بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ } من الانزعاج والذعر والخوف العظيم. { فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا } إذ هم أذل وأضعف من ذلك. { وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ } أي: يمهلون، فيؤخر عنهم العذاب. فلو علموا هذه الحالة حق المعرفة، لما استعجلوا بالعذاب، ولخافوه أشد الخوف، ولكن لما ترحل عنهم هذا العلم، قالوا ما قالوا، ولما ذكر استهزاءهم برسوله بقولهم: {أية : أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ } تفسير : سلاه بأن هذا دأب الأمم السالفة مع رسلهم فقال: { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ } أي: نزل بهم { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي: نزل بهم العذاب، وتقطعت عنهم الأسباب، فليحذر هؤلاء، أن يصيبهم ما أصاب أولئك المكذبين.