Verse. 2520 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

خُلِقَ الْاِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ۝۰ۭ سَاُورِيْكُمْ اٰيٰتِيْ فَلَا تَسْتَعْجِلُوْنِ۝۳۷
Khuliqa alinsanu min AAajalin saoreekum ayatee fala tastaAAjiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل في استعجالهم العذاب «خلق الإنسان من عجل» أي أنه لكثرة عجله في أحواله كأنه خلق منه «سأريكم آياتي» مواعيدي بالعذاب «فلا تستعجلون» فيه فأراهم القتل ببدر.

37

Tafseer

الرازي

تفسير : أما قوله تعالى: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في المراد من الإنسان قولان: أحدهما: أنه النوع، والثاني: أنه شخص معين. أما القول الأول فتقريره أنهم كانوا يستعجلون عذاب الله تعالى وآياته الملجئة إلى العلم والإقرار: { أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } تفسير : [الملك: 25] فأراد زجرهم عن ذلك، فقدم أولاً ذم الإنسان على إفراط العجلة ثم نهاهم وزجرهم كأنه قال: لا يبعد منكم أن تستعجلوا فإنكم مجبولون على ذلك وهو طبعكم وسجيتكم، فإن قيل: مقدمة الكلام لا بد وأن تكون مناسبة للكلام، وكون الإنسان مخلوقاً من العجل يناسب كونه معذوراً فيه فلم رتب على هذه المقدمة قوله: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ } قلنا: لأن العائق كلما كان أشد، كانت القدرة عليه مخالفته أكمل، فكأنه سبحانه نبه بهذا على أن ترك الاستعجال حالة شريفة عالية مرغوب فيها. أما القول الثاني: وهو أن المراد شخص معين فهذا فيه وجهان: أحدهما: أن المراد آدم عليه السلام، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والكلبي ومقاتل والضحاك، وروى ابن جريج وليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: خلق الله آدم عليه السلام بعد كل شيء من آخر نهار الجمعة، فلما دخل الروح رأسه ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب استعجل خلقي قبل غروب الشمس، قال ليث: فذلك قوله تعالى: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } وعن السدي لما نفخ فيه الروح فدخل في رأسه عطس، فقالت له الملائكة: قل الحمد لله، فقال ذلك: فقال الله له: يرحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، ولما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه إلى ثمار الجنة. وهذا هو الذي أورث أولاده العجلة. وثانيهما: قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث والمراد بالإنسان هو، واعلم أن القول الأول أولى لأن الغرض ذم القوم، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا لفظ الإنسان على النوع. المسألة الثانية: من المفسرين من أجرى هذه الآية على ظاهرها ومنهم من قلبها، أما الأولون فلهم فيها أقوال: أحدها: قول المحققين وهو أن قوله: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } أي خلق عجولاً، وذلك على المبالغة كما قيل للرجل الذكي: هو نار تشتعل، والعرب قد تسمي المرء بما يكثر منه فتقول: ما أنت إلا أكل ونوم، وما هو إلا إقبال وإدبار، قال الشاعر: شعر : أما إذا ذكرت حتى إذا غفلت فإنما هي إقبال وإدبار تفسير : وهذا الوجه متأكد بقوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ عَجُولاً } تفسير : [الإسراء: 11] قال المبرد: {أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}تفسير : أي من شأنه العجلة كقوله: {خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ } [الروم: 54] أي ضعفاء. وثانيها: قال أبو عبيد: العجل الطين بلغة حمير وأنشدوا: شعر : والنخل يثبت بين الماء والعجل تفسير : وثالثها: قال الأخفش: (من عجل) أي من تعجيل من الأمر وهو قوله كن. ورابعها: من عجل، أي من ضعف عن الحسن. أما الذين قلبوها فقالوا المعنى: خلق العجل من الإنسان، كقوله: { أية : وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } تفسير : [الأحقاف: 20] أي تعرض النار عليهم والقول الأول أقرب إلى الصواب وأبعد الأقوال هذا القلب لأنه إذا أمكن حمل الكلام على معنى صحيح وهو على ترتيبه فهو أولى من أن يحمل على أنه مقلوب، وأيضاً فإن قوله: خلقت العجلة من الإنسان فيه وجوه من المجاز. فما الفائدة في تغيير النظم إلى ما يجري مجراه في المجاز. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: القوم استعجلوا الوعد على وجه التكذيب ومن هذا حاله لا يكون مستعجلاً على الحقيقة. قلنا: استعجالهم على هذا الوجه أدخل في الذم لأنه إذا ذم المرء استعجال الأمر المعلوم فبأن يذم على استعجال ما لا يكون معلوماً له كان أولى، وأيضاً فإن استعجالهم بما توعدهم من عقاب الآخرة أو هلاك الدنيا يتضمن استعجال الموت وهم عالمون بذلك فكانوا مستعجلين في الحقيقة. أما قوله تعالى: {سأريكم ءايَـٰتِى فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ } فقد اختلفوا في المراد بالآيات على أقوال: أحدها: أنها هي الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة، ولذلك قال: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ } أي أنها ستأتي لا محالة في وقتها. وثانيها: أنها أدلة التوحيد وصدق الرسول. وثالثها: أنها آثار القرون الماضية بالشام واليمن والأول أقرب إلى النظم. أما قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } فاعلم أن هذا هو الاستعجال المذموم المذكور على سبيل الاستهزاء وهو كقوله: { أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَاءهُمُ ٱلْعَذَابُ } تفسير : [العنكبوت: 53] فبين تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم وغفلتهم، ثم إنه سبحانه ذكر في رفع هذا الحزن عن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهين: الأول: بأن بين ما لصاحب هذا الاستهزاء من العقاب الشديد فقال: {لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } قال صاحب «الكشاف»: جواب لو محذوف وحين مفعول به ليعلم أي لو يعلمون الوقت الذي يسألون عنه بقولهم: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من قدام ومن خلف فلا يقدرون على دفعها عن أنفسهم ولا يجدون أيضاً ناصراً ينصرهم لقوله تعالى: { أية : فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَاءنَا } تفسير : [غافر: 29] لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ولكن جهلهم به هو الذي هونه عليهم وإنما حسن حذف الجواب لأن ما تقدم يدل عليه. وهذا أبلغ ومثله: { أية : وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } تفسير : [البقرة: 165]، { أية : وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الأنفال: 50]، { أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } تفسير : [الرعد: 31] وإنما خص الوجوه والظهور لأن مس العذاب لهما أعظم موقعاً ولكثرة ما يستعمل ذكرهما في دفع المضرة عن النفس ثم إنه تعالى لما بين شدة هذا العذاب بين أن وقت مجيئه غير معلوم لهم بل تأتيهم الساعة بغتة وهم لها غير محتسبين ولا لأمرها مستعدين فتبهتهم أي تدعهم حائرين واقفين لا يستطيعون حيلة في ردها ولا عما يأتيهم منها مصرفاً ولا هم ينظرون أي لا يمهلون لتوبة ولا معذرة، واعلم أن الله تعالى إنما لم يعلم المكلفين وقت الموت والقيامة لما فيه من المصلحة لأن المرء مع كتمان ذلك أشد حذراً وأقرب إلى التلافي، ثم إنه سبحانه ذكر الوجه الثاني في دفع الحزن عن قلب رسوله فقال: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون} والمعنى ولقد استهزئ برسل من قبلك يا محمد كما استهزأ بك قومك {فَحَاقَ } أي نزل وأحاط {بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } أي عقوبة استهزائهم وحاق وحق بمعنى كزال وزل وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى فكذلك يحيق بهؤلاء وبال استهزائهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} أي رُكِّب على العَجَلة فخلق عَجُولاً؛ كما قال الله تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} تفسير : [الروم: 54] أي خلق الإنسان ضعيفاً. ويقال: خلق الإنسان من الشر أي شريراً إذا بالغت في وصفه به. ويقال: إنما أنت ذهاب ومجيء. أي ذاهب جائي. أي طبع الإنسان العجلة، فيستعجل كثيراً من الأشياء وإن كانت مضرة. ثم قيل: المراد بالإنسان آدم عليه السلام. قال سعيد بن جبير والسدي: لما دخل الروح في عيني آدم عليه السلام نظر في ثمار الجنة، فلما دخل جوفه اشتهى الطعام، فوثب من قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة. فذلك قوله: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}. وقيل: خلق آدم يوم الجمعة في آخر النهار، فلما أحيا الله رأسه استعجل، وطلب تتميم نفخ الروح فيه قبل غروب الشمس؛ قاله الكلبي ومجاهد وغيرهما. وقال أبو عبيدة وكثير من أهل المعاني: العَجَل الطين بلغة حِميْر. وأنشدوا:شعر : والنخـلُ يَنـبـتُ بيـن المـاءِ والعَـجَـلِ تفسير : وقيل: المراد بالإنسان الناس كلهم. وقيل المراد: النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار في تفسير ابن عباس؛ أي لا ينبغي لمن خلق من الطين الحقير أن يستهزىء بآيات الله ورسله. وقيل: إنه من المقلوب؛ أي خلق العجل من الإنسان. وهو مذهب أبي عبيدة. النحاس: وهذا القول لا ينبغي أن يجاب به في كتاب الله؛ لأن القلب إنما يقع في الشعر اضطرارا كما قال:شعر : كان الزِّناءُ فَرِيضةَ الرَّجْمِ تفسير : ونظيره هذه الآية: «وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولاً» وقد مضى في «سبحان». {سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} هذا يقوي القول الأول، وأن طبع الإنسان العَجَلة، وأنه خلق خلقاً لا يتمالك، كما قال عليه السلام، حسب ما تقدم في «سبحان». والمراد بالآيات ما دل على صدق محمد عليه السلام من المعجزات، وما جعله له من العاقبة المحمودة. وقيل: ما طلبوه من العذاب فأرادوا الاستعجال وقالوا: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ}؟ وما علموا أن لكل شيء أجلاً مضروباً. نزلت في النضر بن الحرث. وقوله: {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ} تفسير : [الأنفال: 32]. وقال الأخفش سعيد: معنى {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} أي قيل له كن فكان، فمعنى {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} على هذا القول أنه من يقول للشيء كن فيكون، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} أي الموعود، كما يقال: الله رجاؤنا أي مرجوّنا. وقيل: معنى «الوعد» هنا الوعيد، أي الذي يعدنا من العذاب. وقيل: القيامة. {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} يا معشر المؤمنين. قوله تعالى: {لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} العلم هنا بمعنى المعرفة فلا يقتضي مفعولاً ثانياً مثل {أية : لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} تفسير : [الأنفال: 60]. وجواب «لو» محذوف، أي لو علموا الوقت الذي {لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} وعرفوه لما استعجلوا الوعيد. وقال الزجاج: أي لعلموا صدق الوعد. وقيل: المعنى لو علموه لما أقاموا على الكفر ولآمنوا. وقال الكسائي: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة، أي لو علموه علم يقين لعلموا أن الساعة آتية. ودل عليه {بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً} أي فجأة يعني القيامة. وقيل: العقوبة. وقيل: النار فلا يتمكنون من حيلة {فَتَبْهَتُهُمْ}. قال الجوهري: بَهَته بَهْتاً أخذه بغتة، قال الله تعالى: {بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ}. وقال الفراء: «فتبهتهم» أي تحيرهم، يقال: بهته يبهته إذا واجهه بشيء يحيره. وقيل: فتفجأهم. {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا} أي صرفها عن ظهورهم. {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي لا يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار.

البيضاوي

تفسير : {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} كأنه خلق منه لفرط استعجاله وقلة ثباته كقولك: خلق زيد من الكرم، جعل ما طبع عليه بمنزلة المطبوع وهو منه مبالغة في لزومه له ولذلك قيل: إِنه على القلب ومن عجلته مبادرته إلى الكفر واستعجال الوعيد. روي أنها نزلت في النضر بن الحارث حين استعجل العذاب. {سَأُوْرِيكُمْ ءايَـٰتِي } نقماتي في الدنيا كوقعة بدر وفي الآخرة عذاب النار. {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ } بالإِتيان بها، والنهي عما جبلت عليه نفوسهم ليقعدوها عن مرادها.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل في استعجالهم العذاب {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } أي إنه لكثرة عَجَله في أحواله كأنه خُلِق منه {عَنْ ءَايَٰتِي } مواعيدي بالعذاب {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ } فيه، فأراهم القتل ببدر.

ابن عبد السلام

تفسير : {الإِنسَانُ} آدم خلق بعجل يوم الجمعة آخر الأيام الستة قبل غروب الشمس أو لما نفخ الروح في عينيه ولسانه بعد إكمال صورته سأل ربه أن يعجل تمام خلقه وإجراء الروح في جسده قبل الغروب، أو العجل الطين. قال: شعر : والنبع في الصخرة الصماء منبتهُ والنخل ينبت بين الماء والعجل تفسير : أو الإِنسان الناس كلهم فخلق الإنسان عجولاً، أو خلق على حب العجلة، أو خلقت العجلة فيه، والعجلة تقديم الشيء قبل وقته، والسرعة تقديمه في أول أوقاته.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {خُلِقَ ٱلإنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} الآية. في المراد بالإنسان قولان: أحدهما: أنه النوع، وذلك أنهم كانوا يستعجلون العذاب {ويقولون متى هذا الوعد}. (والمعنى أن بنيته من العجلة وعليها طبع كما قال: {أية : وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11]). فإن قيل: مقدمة الكلام لا بد وأن تكون مناسبة للكلام وكون الإنسان مخلوقاً من العجل يناسب كونه معذوراً فيه فلم رتب على هذه المقدمة قوله: "فَلاَ تَسْتَعْجِلُون"؟ فالجواب أنه تعالى نبه بهذا على أن ترك الاستعجال حالة مرغوب فيها. القول الثاني: أن المراد بالإنسان شخص معين، فقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث. وقال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والكلبي ومقاتل والضحاك: المراد آدم عليه السلام. وروى ابن جريج وليث بن أبي سليم قال: خلق آدم بعد كل شيء من آخر نهار يوم الجمعة، فلما دخل الروح رأسه ولم يبلغ أسفله نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل الروح جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح إلى رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فوقع فقيل {خُلِقَ ٱلإنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} والقول الأول أولى، لأن الغرض ذم القوم، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا لفظ الإنسان على النوع. قوله: "من عجل" فيه قولان: أحدهما: أنه من باب القلب، والأصل: خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسَانِ لشدة صدوره منه وملازمته له وإلى هذا ذهب أبو عمرو، ويؤيده قراءة عبد الله: "خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسَانِ". والقلب موجود في كلامهم قال الشاعر: شعر : 3714- حَسَرْتُ كَفِّي عَنِ السِّرْبَالِ آخذُهُ تفسير : يريد: حسرت السربال عن كفي. ومثله في الكلام: إذا طلعت الشِّعرى استوى العود على الحِرْباء وقالوا: عرضت الناقة على الحوض، وتقدم منه أمثلة إلا أن بعضهم يخصه بالضرورة وتقدم فيه ثلاثة مذاهب. والثاني: أنه لا قلب فيه، وفيه ثلاثة تأويلات أحسنها أن ذلك على المبالغة جعل ذات الإنسان كأنها خلقت من نفس العجلة دلالة على شدة اتصاف الإنسان بها، وأنها مادته التي أخذ منها كما قيل للرجل الذي هو حاد: نار تشعل والعرب قد تسمي المرء بما يكثر منه، فتقول: ما أنت إلا أكل ونوم، وما هو إلا إقبال وإدبار، قال الشاعر: شعر : 3715- تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حتى إذَا ادَّكرَتْ فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ تفسير : ويتأكد هذا بقوله: {أية : وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11]. قال المبرد: {خُلِقَ ٱلإنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} أي من شأنه العجلة كقوله {أية : خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} تفسير : [الروم: 54] أي: ضُعَفاء. ومثله في المبالغة من جانب النفي قوله عليه السلام: "حديث : لست من الدَّدِ وَلاَ الدَّدُ مِنِّي"تفسير : ، والدُّدُ: اللعب، وفيه لغات: دَدٌ محذوف اللام ودَدَا مقصوراً كعصا، ودَدَنٌ بالنون. وألفه في إحدى لغاته مجهولة الأصل لا يدري أهي عن ياء أو واو. وقيل: {خُلِقَ ٱلإنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} أي بسرعة، وتعجيل من غير ترتيب خلق سائر الآدميين من النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم العظام ثم أنشأناه خلقاً آخر. وقال أبو عبيدة: العَجَل الطين بلغة حمير قال شاعرهم: شعر : 3716- والنَّبْعُ في الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ مَنْبِتُهُ والنَّخْلُ يَنْبُتُ بَيْنَ المَاءِ وَالعَجَلِ تفسير : قال الزمخشري بعد إنشاده عجز هذا البيت: والله أعلم بصحته. قال شهاب الدين: وهو معذور. وهذا الجار يحتمل تعلقه بـ "خُلِقَ" على المجاز أو الحقيقة المتقدمتين. وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال كأنه قال: خلق الإنسان عجلاً. قاله أبو البقاء. وقرأ العامة "خُلِقَ" مبنياً للمفعول "الإنسان" مرفوعاً لقيامه مقام الفاعل. وقرأ مجاهد وحميد وابن مقسم "خَلَقَ" مبنياً للفاعل "الإنسان" نصباً مفعولاً به. فإن قيل: القوم استعجلوا الوعيد على وجه التكذيب، ومن هذا حاله لا يكون مستعجلاً على الحقيقة. فالجواب: أن استعجالهم بما توعدهم من عقاب الآخرة أو هلاك الدنيا يتضمن استعجال الموت، وهم عالمون بذلك فكانوا مستعجلين حقيقة. قوله: "سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي" مواعيدي؛ قيل: هي الهلاك المعجل في الدنيا والآخرة، ولذلك قال "فَلاَ تَسْتَعْجِلُون" أي أنه سيأتي لا محالة في وقته، فلا تطلبوا العذاب قبل وقته، فأراهم يوم بدر. وقيل: كانوا يستعجلون القيامة. وقيل: الآيات: أدلة التوحيد وصدق الرسول. وقيل: الآيات آثار القرون الماضية بالشام واليمن. قوله: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} هذا هو الاستعجال المذموم على سبيل الاستهزاء، وهو كقوله: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [العنكبوت: 53] فبين تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم وغفلتهم. قوله: "مَتَى هَذَا" "مَتَى" خبر مقدم، فهي في محل رفع. وزعم بعض الكوفيين أنها في محل نصب على الظرف، والعامل فيها فعل مقدر رافع لـ "هَذَا" التقدير: متى يجيء هذا الوعد، أو متى يأتي ونحوه والأول أشهر. قوله: "لو يعلم" جوابها مقدر، لأنه أبلغ في الوعيد فقدره الزمخشري: لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ولكن جهلهم هو الذي هونه عندهم وقدره ابن عطية: لما استعجلوا. وقدره الحوفي: لسارعوا. وقدره غيره: لعلموا صحة البعث. وقال البغوي: لما أقاموا على كفرهم، ولما استعجلوا بقولهم {مَتَى هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ}. و "حين" مفعول به لعلموا، و ليس منصوباً على الظرف، أي: لو يعلمون وقت عدم كف النار. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون "يعلم" متروكاً بلا تعدية بمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين، و "حين" منصوب بمضمر أي حين {لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ} يعلمون أنهم كانوا على الباطل. وعلى هذا فـ "حين" منصوب على الظرف، لأنه جعل مفعول العلم أنهم كانوا. وقال أبو حيان: والظاهر أن مفعول (يَعْلَمُ) محذوف لدلالة ما قبله، أي: لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعد الذي سألوا عنه واستبطأوه، و "حِينَ" منصوب بالمفعول الذي هو مجيء، ويجوز أن يكون من باب الإعمال على حذف مضاف، وأعمل الثاني، والمعنى: لو يعلمون مباشرة النار حيت لا يكفونها عن وجوههم. فصل ثم إنه تعالى ذكر في رفع هذا الحزن عن قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجهين: الأول: أنه بيَّن ما لصاحب هذا الاستهزاء من العقاب الشديد فقال {لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي: لو يعلمون الوقت الذي يسألون عنه بقولهم {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلوَعْدُ} وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من قدّام ومن خلف، فلا يقدرون على دفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصراً ينصرهم كقوله: {أية : فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا} تفسير : [غافر: 29]. وإنما خص الوجوه والظهور، لأن مس العذاب لها أعظم موقعاً. قال بعضهم: {وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ} السياط. قوله" بَغْتَةً" نصب على الحال، أي: مباغتة. والضمير في "تَأتيهم" يعود على النار، وقيل: على الحين، لأنه في معنى الساعة. وقيل: على الساعة التي تضطرهم فيها إلى العذاب. وقيل: على الوعد، لأنه في معنى النار التي وعدوها قاله الزمخشري. وفيه تكلّف. وقرأ الأعمش: "بَلْ يَأْتِيهِمْ" بياء الغيبة "بَغْتَةً" بفتح الغين "فَيَبْهَتَهُمْ" بالياء أيضاً. فأما الياء فأعاد الضمير على الحين أو على الوعد، وقيل: على "النَّار" وإنما ذكر ضميرها، لأنها في معنى العذاب، ثم راعى لفظ "النَّارِ" فأنث في قوله: "رَدَّهَا". وقوله "بَلْ تَأتِيهِمْ" إضراب انتقال. وقال ابن عطية: "بَلْ" استدراك مُقَدَّرٌ قبله نفيٌّ تقديره: إنَّ الآيات لا تأتي على حسب اقتراحهم. وفيه نظر، لأنه يصير التقدير: لا تأتيهم الآيات على حسب اقتراحهم بل تأتيهم بغتة، فيكون الظاهر أن الآيات تأتي بغتة، وليس ذلك مراداً قطعاً. وإن أراد أن يكون التقدير: بل تأتيهم الساعة أو النار، فليس مطابقاً لقاعدة الإضراب. فصل لما بين شدة هذا العقاب بين أن وقت مجيئه غير معلوم لهم {بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً} وهم غير محتسبين ولا مستعدين "فَتَبْهَتهُمْ" أي: تدعهم حيارى واقفين {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} في ردها، {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي لا يمهلون لتوبة أو معذرة. وإنما لم يعلم المكلفين وقت الموت (والقيامة لما) فيه من المصلحة، لأن المرء مع كتمان ذلك أشد حذراً وأقرب إلى التلافي. ثم ذكر الوجه الثاني في دفع الحزن عن قلب الرسول - عليه السلام - فقال: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي: عقوبة استهزائهم. و "حَاقَ" وحَقّ بمعنى كزَالَ وزَلَّ، والمعنى: فكذلك يحيق بهؤلاء وبال استهزائهم.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن عكرمة قال‏:‏ لما نفخ في آدم الروح ماد في رأسه فعطس فقال‏:‏ الحمد لله‏.‏ فقالت الملائكة‏:‏ يرحمك الله، فذهب لينهض قبل أن تمور في رجليه فوقع فقال الله‏:‏ ‏ {‏خلق الإنسان من عجل‏}‏‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال‏:‏ أول ما نفخ فيه الروح نفخ في رأسه ثم في ركبتيه، فذهب ليقوم قال‏:‏ ‏{‏خلق الإنسان من عجل‏}‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏خلق الإنسان من عجل‏} ‏ قال‏:‏ آدم حين خلق بعد كل شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق، فلما أجرى الروح في عينيه ولسانه ورأسه ولم يبلغ أسفله، قال‏:‏ يا رب، استعجل بخلقي قبل غروب الشمس‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال‏:‏ نفخ الرب تبارك وتعإلى الروح في نافوخ آدم، فأبصر ولم يعقل حتى إذا بلغ الروح قلبه ونظر فرأى الجنة، فعرف أنه إن قام دخلها ولم يبلغ الروح أسفله فتحرك، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خلق الإنسان من عجل‏} ‏‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏خلق الإنسان من عجل‏} ‏ قال‏:‏ خلق عجولا‏ً.‏ والله أعلم‏.

ابو السعود

تفسير : {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} جُعل لفرْطِ استعجالِه وقلة صبره كأنه مخلوقٌ منه تنزيلاً لما طُبع عليه من الأخلاق منزلةَ ما طبع منه من الأركان إيذاناً بغاية لزومِه له وعدم انفكاكه عنه، ومن عجلته مبادرتُه إلى الكفر واستعجالُه بالوعيد، روي أنها نزلت في النضْر بن الحارثِ حين استعجل العذابَ بقوله: { أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ} تفسير : [الأنفال: 32] الآية، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المراد بالإنسان آدمُ عليه السلام وأنه حين بلغ الروحُ صدرَه ولم يتبالغْ فيه أراد أن يقوم، وروي أنه لما دخل الروحُ في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ولما دخل جوفَه اشتهى الطعامَ، وقيل: خلقه الله تعالى في آخر النهار يومَ الجمعة قبل غروبِ الشمس فأسرعَ في خلقه قبل غيبتِها، فالمعنى خُلق الإنسان خلقاً ناشئاً من عجل فذكرُه لبـيان أنه من دواعي عجلته في الأمور، والأظهر أن المرادَ به الجنسُ وإن كان خلقُه عليه السلام سارياً إلى أولاده، وقيل: العجلُ الطينُ بلغة حِمْير، ولا تقريبَ له هٰهنا وقوله تعالى: {سَأَريكُمْ ءايَـٰتِي} تلوينٌ للخطاب وصرفٌ له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المستعجِلين بطريق التهديدِ والوعيد، أي سأريكم نقِماتي في الآخرة كعذاب النار وغيره {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} بالإتيان بها والنهي عما جُبلت عليه نفوسُهم ليُقعِدوها عن مرادها. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} أي وقت مجيء الساعة التي كانوا يوعدون وإنما كانوا يقولونه استعجالاً لمجيئه بطريق الاستهزاء والإنكار كما يرشد إليه الجوابُ لا طلباً لتعيـين وقتِه بطريق الإلزام كما في سورة الملك {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي في وعدكم بأنه يأتينا، والخطابُ للنبـيّ عليه الصلاة والسلام والمؤمنين الذين يتلون الآياتِ الكريمةَ المنبئةَ عن مجيء الساعة، وجوابُ الشرط محذوفٌ ثقةً بدِلالة ما قبله عليه حسبما حُذف في مثل قوله تعالى: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } تفسير : [الأعراف: 70] فإن قولهم: متى هذا الوعدِ استبطاءٌ للموعود وطلبٌ لإتيانه بطريق العجَلة فإن ذلك في قوة الأمرِ بالإتيان عجلةً، كأنه قيل: فليأتنا بسرعة إن كنتم صادقين. {لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} استئنافٌ مَسوقٌ لبـيان شدةِ هول ما يستعجلونه وفظاعةِ ما فيه من العذاب وأنهم إنما يستعجلونه لجهلهم بشأنه، وإيثارُ صيغة المضارعِ في الشرط وإن كان المعنى المُضِيَّ لإفادة استمرارِ عدم العلم فإن المضارعَ المنفيَّ الواقعَ موقعَ الماضي ليس بنص في إفادة انتفاءِ استمرار الفعل بل يفيد استمرارَ انتفائه أيضاً بحسب المقام، كما في قولك: لو تحسن إلي لشكرتك، فإن المعنى أن انتفاءَ الشكر لاستمرار انتفاءِ الإحسان لا لانتفاء استمرارِ الإحسان ووضعُ الموصولِ موضعَ الضمير للتنبـيه بما في حيز الصلة على علّة استعجالِهم، وقوله تعالى: {حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ} مفعول يعلم وهو عبارةٌ عن الوقت الموعودِ الذي كانوا يستعجلونه وإضافتُه إلى الجملة الجارية مَجرى الصفة التي حقُّها أن تكون معلومةَ الانتساب إلى الموصوف عند المخاطب أيضاً مع إنكار الكفرةِ لذلك للإيذان بأنه من الظهور بحيث لا حاجة له إلى الإخبار به وإنما حقُّه الانتظامُ في سلك المسلّمات المفروغ عنها، وجوابُ لو محذوفٌ أي لو لم يستمِرَّ علمهم بالوقت الذي يستعجلونه بقولهم: متى هذا الوعد من الحين الذي تحيط بهم النار فيه من كل جانب، وتخصيصُ الوجوه والظهور بالذكر بمعنى القُدّام والخَلْف لكونهما أشهرَ الجوانب واستلزامِ الإحاطة بهما الإحاطةَ بالكمال بحيث يقدرون على دفعها بأنفسهم من جانب من جوانبهم. {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} من جهة الغير في دفعها الخ، لما فعلوا ما فعلوا من الاستعجال ويجوز أن يكون (يعلم) متروكَ المفعول مُنزّلاً منزلةَ اللازم، أي لو كان لهم علم لما فعلوه وقوله تعالى: {حِين} الخ، استئنافٌ مقرر لجهلهم ومبـينٌ لاستمراره إلى ذلك الوقت كأنه قيل: حين يرون ما يرَوْن يعلمون حقيقةَ الحال.

السلمي

تفسير : قال الواسطى رحمة الله عليه فى هذه الآية: قال ذلك إظهارًا لعجزهم، وتعريفًا لقدرته قال: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ}. قال الحسن: زجرهم عما جبلهم عليه.

القشيري

تفسير : العَجلَةُ مذمومةٌ والمُسَارَعَةُ محمودةٌ؛ فالمسارعة البِدارُ إلى الشيء في أول وقته، والعَجَلَةُ استقباله قبل وقته، والعجلةُ نتيجةُ وسوسة الشيطان، والمسارعةُ قضية التوفيق.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} هذا والله امر عجيب خلقهم من العجلة وزجرهم عن التعجيل اظهار القهاريته على كل مخلوق وعجزهم عن الخروج من ملكه وسلطانه وحقيقة العجلة يتولد من الجهل برؤية المنام السابقة قال الواسطى فى قوله خلق الانسان من عجل ثم قال لا يستعجلون اظهار العجز هم وتعريفا لقدره.

اسماعيل حقي

تفسير : {خلق الانسان} اى جنسه {من عجل} العجلة طلب الشئ وتحريه قبل اوانه وهو من مقتضى الشهوة فلذلك صارت مذمومة حتى قيل العجلة من الشيطان جعل الانسان لفرط استعجاله وقلة صبره كأنه مخلوق منه كما يقال خلق زيد من الكرم تنزيلا لما طبع عليه من الاخلاق منزلة ما طبع منه من الاركان ايذانا بغاية لزومه وعدم انفكاكه عنه ومن عجلته مبادرته الى الكفر واستعجاله بالوعيد قال النضر بن الحارث (اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب اليم) وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان المراد بالانسان آدم وانه حين بلغ الروح صدره اراد ان يقوم اى استعجل فى القيام قبل ان يبلغ الروح اسفله {سأوريكم} ايها المستعجلون {آياتى}[نشانهاى قدرت خود دردنيا بواسطه واقعه بدر ودر آخرت عذاب دوزخ]{فلا تستعجلون} بالاتيان بها: وبالفارسية [بس شتاب مكنيد مر جواستن آن] والنهى عما جبلت عليه نفوسهم ليقمعوها عن مرادها فان لهم الارادة والاختيار فطبعهم على العجل لا ينافى النهى كما قال تعالى {أية : واحضرت الانفس الشح}تفسير : فخلق فى الانسان الشح وامر بالانفاق وخلق فيه الضعف وامر بالجهاد وخلق فيه الشهوة وامر بمخالفتها فهذا ليس من قبيل تكاليف ما لا يطاق. وفى التأويلات النجمية فيه اشارة الى معان. ومنها انتم تستعجلون فى طلب العذاب من جهلكم وضلالكم وذلك لانكم تؤذون حبيبى ونبيى بطريق الاستهزاء والعداوة من عادى لى وليا فقد بارزنى فى الحرب فقد استعجل فى طلب العذاب لانى اغضب لاوليائى كما يغضب الليث ذو الجرو لجروه فكيف بمن يعادى حبيبى ونبيى عليه السلام ويدل على صح ةهذا التأويل قوله {سأوريكم آياتى} اى عذابى {فلا تستعجلون} فى طلبه بطريق ايذاء نبيى والاستهزاء به. ومنها ان الروح الانسانى خلق من عجل لانه اول شئ تعلقت به القدرة. ومنها ان الله تعالى خلق السموات والارض وما بينهما فى ستة ايام وخمر طينة آدم بيده اربعين صباحا وقد روى ان كل يوم من ايام التخمير كان مقداره الف سنة مما تعدون فتكون اربعين الف سنة فالمعنى ان الاسنان مع هذا خلق من عجل بالنسبة الى خلق السموات والارض فى ستة ايام لما خلق فيه عند تخمير طينته من انموذجات ما فى السماوات والارض وما بينهما واستعداده لقبوله سر الخلافة المختصة به وقابليته تجلى ذواته وصفاته وللمرآتية التى تكون مظهره للكنز الخفى الى خلق الخلق لاظهاره ومعرفته لاستعداد حمل الامانة التى عرضت على السماوات والارض والجبال واهاليها فابين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان وتمام الآية يدل على هذا المعنى وهو قوله {سأريكم آياتى فلا تستعجلون} اى سأريكم صفات كمالى فى مظاهر الآفاق ومرآة انفسكم بالتربية فى كل قرن بواسطة نبى او ولى فلا تستعجلون فى طلب هذا المقام من انفسكم فانه قيل حد طلبه من المهد الى اللحد بل اقول من الازل الى الابد وهذا منطق الطير لا يعلمه الا سليمان الوقت قال تعالى {أية : سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق}تفسير : انتهى: قيل شعر : لا تعجلن لامر انت طالبه فقلما يدرك المطلوب ذو العجل فذو التأنى مصيب فى مقاصده وذو التعجل لا يخلو عن الزلل تفسير : قال اعرابى اياكم والعجلة فان العرب تكنيها ام الندامات قال آدم عليه السلام لاولاده "كل عمل تريدون ان تعملوه فقفوا له ساعة فانى لو وقفت ساعة لم يكن اصابنى ما اصابنى" فلا بد من التأنى فى الامور الدنيوية والمقاصد المعنوية شعر : جو صبح وصل او خواهد دميدن عاقبت جامى مخور غم كر شب هجران بيايان دير مى آيد

الجنابذي

تفسير : {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} جملة منقطعة عن سابقها لفظاً ومعنىً، او مرتبطة معنىً جوابٌ لسؤال كان مذكوراً او مقدّراً كأنّه (ص) قال: او امّته قالوا مستبطئين لمؤاخذته الى مَ تمهلهم؟- فقال: خلق الانسان من عجل وهذه عبارة دائرة فى العرب والعجم اذا أرادوا المبالغة فى امرٍ يقولون: انّه خلق من هذا الامر كأنّه جعل ذلك الامر مادّة خلقته، وفى الخبرانْ آدم (ع) لمّا نفخ فيه الرّوح اراد ان يقوم قبل اتمام النّفخ فقال تعالى: خلق الانسان من عجلٍ {سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي} فى مؤاخذة المستهزئين {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} فى حلول العذاب بهم، وهذه الآية بهذا التّفسير تدلّ على انّ قوله {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} مرتبط معنىً بسابقها.

اطفيش

تفسير : {خُلِقَ الإِنْسَانُ} الجنس: آدم ومن دونه. {مِنْ عَجَلٍ} هو كثير العَجلة، فَرِطٌ فيها، حتى كان مخلوقا منها، كما تقول فى مبالغة كرم زيد: إنه مخلوق من الكرم ومن عجلته مبادرته إلى الكفر، واستعجال العذاب. وقد قيل: إنها نزلت فى النضر بن الحارث، حين استعجل. وقيل: الإنسان: آدم: خلق عجولا. وكانت ذريته كذلك. وعن مجاهد: خُلق آخرَ الساعة من يوم الجمعة، فلما دخلت الروح عينيه ورأسه ولم تبلغ أسفله، قال: ربى استعجل بخلقى قد غربت الشمس. وكان خلقه بعد سائر الأشياء. وروى أنه لما دخل الروح عينيه نظر إلى ثمار الجنة، ولما دخل جوفَه اشتهى الطعام، فأراد القيام قبل أن تبلغ إلى رجليه عجلا إلى ثمار الجنة فوقع. وعن ابن عباس: بلعت الروح صدره فأراد القيام. وقيل: المعنى: أنه خلق بمرة على غير قياس بنيه، فإنهم نطفة فعلقة فمضغة وهكذا. وعن بعض: أن فى الآية قلبا، أى خلق العَجَل من الإنسان، كما قرئ به. وقيل: العَجَل: الطين بلغة حمير قال الشاعر: شعر : والماء فى الصخرة الصماء مثبتة والنخل ينبت بين الماء والعَجَل تفسير : قلت: الظاهر أن البيت مصنوع ولكن فى القاموس: العجل - بالحركة أو بالسكون-: الطين أو الحَمَأ. والعَجَلة ولو خلق عليها الإنسان لكنه قد أُعطى قوة يستطيع بها ترك العجلة، فليس تكلفا بما لا يطيق. وقرئ: خَلَق الإنسانَ، بالبناء للفاعل والنصب. {سَأُورِيكُمْ آيَاتِى} مواعدى بالعذاب، كوقعة بدر، ويوم القيامة، وعذاب النار. وكانوا يقولون: متى هذا العذاب الذى توعدنا به فى الدنيا؟ متى يوم القيامة وعذابها؟ {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونَ} بالإتيان بها.

اطفيش

تفسير : {خُلق الإنسان} الجنس على الصحيح {من عجلٍ} طلب الشىء قبل أوانه لقلة الصبر، حتى كأنه خلق من نفس العجل، فهو ملازم له لا ينفعك كما يقال لملازم اللعب: أنت من اللعب، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لست من الداد ولا الداد منى" تفسير : وذلك هو الصحيح، وقيل المراد النضر بن الحارث، إذ قال: {أية : اللهم إن كان هذا}تفسير : [الأنفال: 32] الخ وقيل: آدم إذ هم بالقيام قبل وصول الروح الى رجليه، أو إذ خلق آخر يوم الجمعة، ولما جرت الروح فى عينيه ولسانه، ولمن تبلغ أسفله حين وصلت الروح بطنه، واشتهى الطعام، وقد رأى ثمار الجنة وأشجارها، وقام إليها، فسقط فقال: يا رب عجل خلقى قبل غروبها، أو إذ خلق بمرة لا تدريجاً كذريته، وعلى كل حال صارت العجلة فى ذريته على نمط ذلك، وقيل: العَجَل الطين بلغة حمير، كما قال شاعرهم: شعر : النبع فى الصخرة الصماء منبته والنخل منبته فى الماء والعجل تفسير : ووجهه تحقير شأن الإنسان تتميماً للتمهيد فى قوله: {سأريكم آياتى فلا تَسْتعجلُون} والخطاب للكفرة المستعجلين عموماً، وآياته نقماته واراءتهم اياهم إحضار مالهم فى الدنيا والآخرة، أو فى الآخرة لقوله تعالى: {ويقُولُون متَى هذا الوَعْد إن كُنْتم صادقين * لو يعْلُم الَّذين كَفَروا حَين لا يكفُّونَ عن وُجُوهِهِم النَّار ولا عَنْ ظُهُورهم} بأنفسهم {ولا هُمْ يْنصَرُون} بغيرهم.

الالوسي

تفسير : {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} هو طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، والمراد بالإنسان جنسه، جعل لفرط استعجاله وقلة صبره كأنه مخلوق من نفس العجل تنزيلاً لما طبع عليه من الأخلاق منزلة ما طبع منه من الأركان إيذاناً بغاية لزومه له وعدم انفكاكه عنه، وقال أبو عمرو وأبو عبيدة وقطرب: في ذلك قلب والتقدير خلق العجل من الإنسان على معنى أنه جعل من طبائعه وأخلاقه للزومه له، وبذلك قرأ عبد الله وهو قلب غير مقبول، وقد شاع في كلامهم مثل ذلك عند إرادة المبالغة فيقولون لمن لازم اللعب أنت من لعب، ومنه قوله: شعر : وإنا لمما يضرب الكبش ضربة على رأسه يلقى اللسان من الفم تفسير : وقيل المراد بالإنسان النضر بن الحرث لأن الآية نزلت فيه حين استعجل العذاب بقوله: { أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ } تفسير : [الأنفال: 32] الخ، وقال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والضحاك ومقاتل والكلبـي: المراد به آدم عليه السلام أراد أن يقوم قبل أن يتم نفخ الروح فيه وتصل إلى رجليه، وقيل خلقه الله تعالى في آخر النهار يوم الجمعة فلما أجرى الروح في عينيه ولسانه ولم يبلغ أسفله قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس وروي ذلك عن مجاهد، وقيل: المراد أنه خلق بسرعة على غير ترتيب خلق بنيه / حيث تدرج في خلقهم، وذكر ذلك لبيان أن خلقه كذلك من دواعي عجلته في الأمور، والأظهر إرادة الجنس وإن كان خلقه عليه السلام وما يقتضيه سارياً إلى أولاده وما تقدم في سبب النزول لا يأباه كما لا يخفى، وقيل العجل الطين بلغة حمير، وأنشد أبو عبيدة لبعضهم: شعر : النبع في الصخرة الصماء منبته والنخل منبته في الماء والعجل تفسير : واعترض بأنه لا تقريب لهذا المعنى هٰهنا. وقال الطيبـي: يكون القصد عليه تحقير شأن جنس الإنسان تتميماً لمعنى التهديد في قوله تعالى: {سَأُوْرِيكُمْ ءايَـٰتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} والمعول عليه المعنى الأول، والخطاب للكفرة المستعجلين، والمراد بآياته تعالى نقماته عز وجل، والمراد بإراءتهم إياها إصابته تعالى إياهم بها، وتلك الإراءة في الآخرة على ما يشير إليه ما بعد، وقيل فيها وفي الدنيا، والنهي عن استعجالهم إياه تعالى بالإتيان بها مع أن نفوسهم جبلت على العجلة ليمنعوها عما تريده وليس هذا من التكليف بما لا يطاق لأن الله تعالى أعطاهم من الأسباب ما يستطيعون به كف النفس عن مقتضاها ويرجع هذا النهي إلى الأمر بالصبر. وقرأ مجاهد وحميد وابن مقسم {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ} ببناء {خُلِقَ} للفاعل ونصب {ٱلإِنسَـٰنَ}.

ابن عاشور

تفسير : جملة {خُلِق الإنسان من عَجَل} معترضة بين جملة {أية : وإذا رآك الذين كفروا}تفسير : [الأنبياء: 36] وبين جملة {سأُريكم آياتي}، جعلت مقدمة لجملة {سَأُريكم آياتي}. أمّا جملة {سَأُريكم آياتي} فهي معترضة بين جملة {أية : وإذا رآك الذين كفروا إن يتخِذونك إلاّ هزُؤاً}تفسير : [الأنبياء: 36] وبين جملة {أية : ويقولون متى هذا الوعد}تفسير : [الأنبياء: 38]، لأن قوله تعالى: {أية : وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزؤاً} تفسير : [الأنبياء: 36] يثير في نفوس المسلمين تساؤلاً عن مدى إمهال المشركين، فكان قوله تعالى: {سأريكم آياتي فلا تستعجلون} استئنافاً بيانياً جاء معترضاً بين الجُمل التي تحكي أقوال المشركين وما تفرع عليها. فالخطاب إلى المسلمين الذين كانوا يستبطئون حلول الوعيد الذي توعد الله تعالى به المكذبين. ومناسبة موقع الجملتين أن ذكر استهزاء المشركين بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يُهيج حنق المسلمين عليهم فيوَدُّوا أن ينزِل بالمكذبين الوعيد عاجلاً فخوطبوا بالتريث وأن لا يستعجلوا ربهم لأنه أعلم بمقتضى الحكمة في توقيت حلول الوعيد وما في تأخير نزوله من المصالح للدين. وأهمها مصلحة إمهال القوم حتى يدخل منهم كثير في الإسلام. والوجه أن تكون الجملة الأولى تمهيداً للثانية. والعَجَل: السرعة. وخَلْق الإنسان منه استعارة لتمكن هذا الوصف من جِبلّة الإنسانية. شبهت شدة ملازمة الوصف بكونه مادة لتكوين موصوفه، لأن ضعف صفة الصبر في الإنسان من مقتضى التفكير في المحبة والكراهية. فإذا فَكر العقل في شيء محبوب استعجل حصوله بداعي المحبة، وإذا فكر في شيء مكروه استعجل إزالته بداعي الكراهية، ولا تخلو أحوال الإنسان عن هذين، فلا جرَم كان الإنسان عَجولاً بالطبع فكأنه مخلوق من العَجْلة. ونحوه قوله تعالى: {أية : وكان الإنسان عَجولاً}تفسير : [الإسراء: 11] وقوله تعالى:{أية : إن الإنسان خلق هلوعاً}تفسير : [المعارج: 19]. ثم إن أفراد الناس متفاوتون في هذا الاستعجال على حسب تفاوتهم في غور النظر والفكر ولكنهم مع ذلك لا يخلون عنه. وأما من فسر العَجل بالطين وزعم أنها كلمة حميرية فقد أبعد وما أسعد. وجملة {سأُريكم آياتي} هي المقصود من الاعتراض. وهي مستأنفة. والمعنى: وعد بأنهم سيرون آيات الله في نصر الدين، وذلك بما حصل يوم بدر من النصر وهلك أيمة الشرك وما حصل بعده من أيام الإسلام التي كان النصر فيها عاقبة المسلمين. وتفرع على هذا الوعد نهي عن طلب التعجيل، أي عليكم أن تكلوا ذلك إلى ما يوقته الله ويؤجله، ولكل أجل كتاب. فهو نهي عن التوغل في هذه الصفة وعن لوازم ذلك التي تفضي إلى الشك في الوعيد. وحذفت ياء المتكلم من كلمة {تستعجلونِ} تخفيفاً مع بقاء حركتها فإذا وُقف عليه حذفت الحركة من النونِ.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر بعض العلماء في الآية قولاً ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول. فإذا علمت ذلك فاعلم ـ أن في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {مِنْ عَجَلٍ} فيه للعلماء قولان معروفان، وفي نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة أحدهما. أما القول الذي دلت القرينة المذكورة على عدم صحته: فهو قول من قال: العجل الطين وهي لغة حميرية. كما قال شاعرهم: شعر : البيع في الصخرة الصماء منبته والنخل ينبت بين الماء والعَجَل تفسير : يعني: بين الماء والطين. وعلى هذا القول فمعنى الآية: خلق الإنسان من طين، كقوله تعالى {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء: 61]، وقوله: {أية : وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ} تفسير : [السجدة: 7]. والقرينة المذكورة الدالة على أن المراد بالعجل في الآية ليس الطين قوله بعده: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37]، وقوله: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِين} تفسير : [الأنبياء: 38]. فهذا يدل على أن المراد بالعجل هو العجلة التي هي خلاف التأني والتثبت. والعرب تقول: خلق من كذا. يعنون بذلك المبالغة في الإنصاف. كقولهم: خلق فلان من كرم، وخلقت فلانة من الجمال. ومن هذا المعنى قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ}تفسير : [الروم: 54] على الأظهر. ويوضح هذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً}تفسير : [الإسراء: 11] أي ومن عجلته دعاؤه على نفسه أو ولده بالشر. قال بعض العلماء: كانوا يستعجلون عذاب الله وآياته الملجئة إلى العلم والإقرار، ويقولون متى هذا الوعد. فنزل قوله: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} للزجر عن ذلك. كأنه يقول لهم: ليس ببدع منكم أن تستعجلوا. فإنكم مجبولون على ذلك، وهو طبعكم وسجيتكم. ثم وعدهم بأنه سيريهم آياته، ونهاهم أن يستعجلوا بقوله: {سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ}. كما قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]. وقال بعض أهل العلم: المراد بالإنسان في قوله: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} آدم. وعن سعيد بن جبير والسدي: لما دخل الروح في عَيني آدم نظر في ثمار الجن، فلما دخل جوفه اشتهى الطعام، فوثب من قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة. فذلك قوله: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}. وعن مجاهد والكلبي وغيرهما: خلق آدم يوم الجمعة في آخر النهار.، فلما أحيا الله رأسه استعجل وطلب تتميم نفخ الروح فيه قبل غروب الشمس. والظاهر أن هذه الأقوال ونحوها من الإسرائيليات. وأظهر الأقوال إن معنى الآية: أن جنس الإنسان من طبعه العجل وعدم التأني كما بينا، والعلم عند الله تعالى. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة: والحكمة في ذكر عجلة الإنسان ها هنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلى الله عليه وسلم، وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم، واستعجلت ذلك. فقال الله تعالى: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} لأنَّه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر. ولهذا قال: {سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي} أي نقمي وحكمي، واقتداري على من عصاني فلا تستعجلون. انتهى منه.

القطان

تفسير : خلق الانسان من عَجَل: خلق الله الانسانَ عجولا، يطلب الشيء قبل أوانه، والعجلة مذمومة. لا يكفّون عن وجوههم: لا يدفعون، لا يمنعون. بغتة: فجأة. فتبهتهم: تحيرهم، تدهشهم. وهم لا ينظرون: لا يُمهلون، لا يؤخَّرون. ولا هم منا يصحبون: ولا هم منا يجارون، من الجوار، ويقال في الدّعاء، صحبك الله: حفظك وأجارك، وأصحبَ الرجلَ: حفظه، وأجاره. {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ}. خلق الله الإنسانَ وفي طبيعته العجلة، فهو دائماً يستعجل الأمور لأنه طُبع على العجلة، فيريد ان يجد كل ما يجول في خاطره حاضرا. والعَجَلة مذمومة، وفي المثل: ان في العجلة الندامة، والعجلة من الشيطان. فتمهلوا أيها المشركون ولا تستعجِلوا طلب العذاب، سأُريكم آياتي الدالّةَ على صحة رسالة النبي محمد، وما ينذركم به من عذاب في الدنيا والآخرة. وهم في كل اوقاتهم وحالاتهم مستعجلون. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. فهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين: متى يجيئنا هذا الوعدُ بعذاب الدنيا والآخرة الذي تَعِدوننا به ان كنتم صادقين فيما تقولون؟ لذا بيّن الله شدةَ جهلهم بما يستعجلون، وعظيمَ حماقتهم لهذا الطلب فقال: {لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}. لو يعلم هؤلاء الكفار ما سيكون حالُهم في النار، يوم لا يستطيعون دَفْعَ النار عن ان تلفح وجوههم وتشوي ظهورهم، ولا يجدون من ينصرهم وينقذهم - لو يعلمون كل هذا ما قالوا ذلك، ولا استعجلوا العذاب. وهذا هو الجواب وهو محذوف... ثم بيّن أن هذا الذي يستعجلونه غيرُ معلوم ولا يأتي الا فجأة فقال: {بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ}. ان الساعة لا تأتي إلا بغتةً، تفاجئهم فتحيّرهم وتدهشهم، ولا يستطيعون ردَّها، او تأخيرعها، ولا هم يُمهَلون حتى يتوبوا ويعتذروا فقد فات الأوان. ثم سلّى رسولَه الكريم على استهزائهم به فقال: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}. إن ما حَدَثَ لك من استهزاء قد حدث لرسل قبلك: فحلّ بالّذين سخِروا من رسلهم العذابُ والبلاء، فلْيعلموا أن مصير المستهزئين بالرسل معروف، وعاقبتَهم وخيمةٌ، وسيكون لك النصر المبين، وفي سورة الانعام {أية : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا}تفسير : [الآية:35]. وقد نصره الله وصدق وعده. {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ}. سَلْهُم أيها الرسول: من يحفظكم في الليل والنهار من عذابِ الرحمن إن نزل بكم؟ ان الله هو الحارس وصفتُه الرحمةُ الكبرى، بل هم عن القرآن الذي يذكّرهم بما ينفعهم، ويدفع العذاب عنهم - منصرفون. وانظر أيها القارىء كيف يصف الله نفسه بالرحمة دائما. ثم يعيد السؤال في صورة اخرى وهو سؤال للأَنكار والتوبيخ: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا} كلاّ فهؤلاء الآلهة لا يستطيعون أن يُعِينوا أنفسهم حتى يعينوا غيرهم. {وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ}. ولا هم يُجارون ويُحفظون منا. ثم بين الله تفضُّله عليهم مع سوء ما أتوا به من الاعمال فقال: {بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}. إننا لم نعجِّل لهم العذابَ بل استدرجناهم ومتعناهم حتى طالت أعمارهم وهم في الغفلة فنسوا عهدَنا، وجهِلوا مواقع نعمتنا، فاغترّوا بذلك. أفلا يرى هؤلاء المشركون أنّا نقصد الأرض فننقصها من اطرافها بالفَتْح ونصرِ المؤمنين، ونقتَطعُها من أيدي المشركين. افهم الغالبون، ام المؤمنون الذين وعدهم الله بالنصر والتأييد؟

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإنْسَانُ} {سَأُوْرِيكُمْ} {آيَاتِي} (37) - لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى المُسْتَهْزِئِينَ بالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَلاَمُ، وَقَعَ فِي بَعْضِ النُفُوسِ سُرْعَةُ الانْتِقَامِ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، وَاسْتَعْجَلَتْ ذَلِكَ. واللهُ تَعَالَى يُمْلِي للظَّالِمِينَ، وَيُمْهِلُهُمْ وَيَمُدُّ لَهُمْ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُمْ لَمْ يُفْلِتْهُمْ، إِنَّهُ تَعَالَى يُؤَجِّلُ ثُمَّ يُعَجِّلُ، وَيُنْظِرُ ثُمَّ لاَ يُؤَخِّرُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: سَأُرِيكُمْ نِقَمِي وَحِكَمِي وقُدْرَتِي عَلَى مَنْ عَصَانِي (آياتي)، فَلاَ تَسْتَعْجِلُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى: {مِنْ عَجَلٍ ..} [الأنبياء: 37] أي: مُتعجِّلاً كأن في طينته عجلة، والعجلة أن تريد الشيء قبل نُضْجه، وقبل أوانه، وقد يتعجَّل الإنسان الخير، وهذا أمر جائز، أما أنْ يتعجّل الشر فهذا هو الحمق بعينه والغباء، ألم يقولوا لرسول الله: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [الأنبياء: 38]. ألم يقولوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32]. إذن: تعجَّل هؤلاء العذاب؛ لأنهم غير مؤمنين به، لا يُصدِّقون أن شيئاً من هذا سيحدث؛ لذلك يردُّ عليهم: {سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37] وخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77]. أي: سنريك فيهم آياتنا، وسترى ما وعدناهم من العذاب، فإنْ قبضناك إلينا فسترى ما ينزل بهم في الآخرة. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} معناه خُلِقَتْ العَجلةُ من الإِنسانِ كقولِهِ تعالى: {أية : مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ} تفسير : [القصص: 76] والعُصبة: هي التي تَنوء بالمفاتيح. وتَنوءُ: أي تَنهضُ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 635 : 10 : 32 - سفين قال {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} قال، آدم، [الآية 37].

همام الصنعاني

تفسير : 1862- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}: [الآية: 37]، قال: خلق عَجُولاً.