٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
41
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية له. يقول: إن استهزأ بك هؤلاء، فقد استهزىء برسل من قبلك، فاصبر كما صبروا. ثم وعده النصر فقال: {فَحَاقَ} أي أحاط ودار {بِٱلَّذِينَ} كفروا و{سَخِرُواْ مِنْهُمْ} وهزءوا بهم {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي جزاء استهزائهم.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. {فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} وعد له بأن ما يفعلونه به يحيق بهم كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا يعني جزاءه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مسلياً لرسوله عما آذاه به المشركون من الاستهزاء والتكذيب: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} يعني: من العذاب الذي كانوا يستبعدون وقوعه؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَـٰهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الأنعام: 34] ثم ذكر تعالى نعمته على عبيده في حفظه لهم بالليل والنهار، وكلاءته وحراسته لهم بعينه التي لا تنام، فقال: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي: بدل الرحمن، يعني: غيره، كما قال الشاعر:شعر : جارِيَةٌ لَمْ تَلْبَسِ المُرَقَّقا ولَمْ تَذُقْ مِنَ البُقُولِ الفُسْتُقا تفسير : أي: لم تذق بدل البقول الفستق. وقوله تعالى: {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ} أي: لا يعترفون بنعمة الله عليهم وإحسانه إليهم، بل يعرضون عن آياته وآلائه، ثم قال: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا}؟ استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ، أي: ألهم آلهة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا، ولا كما زعموا، ولهذا قال: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ} إن هذه الآلهة التي استندوا إليها غير الله لا يستطيعون نصر أنفسهم. وقوله: {وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ} قال العوفي عن ابن عباس: ولا هم منا يصحبون، أي: يجارون. وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير. وقال غيره: ولا هم منا يصحبون: يمنعون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ } فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {فَحَاقَ } نزل {بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } وهو العذاب، فكذا يحيق بمن استهزأ بك.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ مَن يَكْلُؤُكُم...} الآية. أي يحفظكم، قال ابن هرمة: شعر : إن سليمى والله يكلؤها ضنت بشيء ما كان يرزؤها تفسير : ومخرج اللفظ مخرج الاستفهام، والمراد به النفي، تقديره: قل لا حافظ لكم بالليل والنهار من الرحمن. قوله تعالى: {.. وَلاَ هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يجارون، قاله ابن عباس، من قولهم: إن لك من فلان صاحباً، أي مجيراً، قال الشاعر: شعر : ينادي بأعلى صوته متعوذاً ليصحب منها والرماح دواني تفسير : الثاني: يحفظون، قاله مجاهد. الثالث: ينصرون، وهو مأثور. الرابع: ولا يصحبون من الله بخير، قاله قتادة.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير حاق بهم هذا باستهزائهم بك، تبعه ما يدل على أن الرسل في ذلك شرع واحد، تسلية له صلى الله عليه وسلم وتأسية، فقال عاطفاً على {وإذا رءاك}: {ولقد} مؤكداً له لمزيد التسلية بمساواة إخوانه من الرسل وبتعذيب أعدائه. ولما كان المخوف نفس الاستهزاء لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: {استهزئ برسل} أي كثيرين. ولما كان معنى التنكير عدم الاستغراق، أكده بالخافض فقال: {من قبلك فحاق} أي فأحاط {بالذين سخروا منهم} لكفرهم {ما كانوا} بما هو لهم كالجبلة {به يستهزءون*} من الوعود الصادقة كبعض من سألوه الإتيان بمثل آياتهم كقوم نوح ومن بعدهم. ولما هددهم بما مضى مما قام الدليل على قدرته عليه، وختمه - لوقوفهم مع المحسوسات - بما وقع لمن قبلهم، وكان الأمان عن مثل ذلك لا يكون إلا بشيء يوثق به، أمره أن يسألهم عن ذلك بقوله: {قل من يكلؤكم} أي يحفظكم ويؤخركم ويكثر رزقكم، وهو استفهام توبيخ. ولما استوى بالنسبة إلى قدرته حذرهم وغفلتهم، قال: {بالّيل} أي وأنتم نائمون. ولما كانت مدافعة عذابه سبحانه غير ممكنة لنائم ولا يقظان قال: {والنهار} أي وأنتم مستيقظون. ولما كان لا منعم بكلاية ولا غيرها سواه سبحانه، ذكرهم بذلك بصفة الرحمة فقال: {من الرحمن} الذي لا نعمة بحراسة ولا غيرها إلا منه حتى أمنتم مكره ولو بقطع إحسانه، فكيف إذا ضربتم بسوط جبروته وسطوة قهرة وعظموته. ولما كان الجواب قطعاً: ليس لهم من يكلؤهم منه وهو معنى الاستفهام الإنكاري، قال مضرباً عنه: {بل هم} أي في أمنهم من سطواته {عن ذكر ربهم} الذي لا يحسن إليهم غيره {معرضون*} فهم لا يذكرون أصلاً فضلاً عن أن يخشوا بأسه وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان. ولما أرشد السياق إلى أن التقدير: أصحيح هذا الذي أشرنا إليه من أنه لا مانع لهم منا، عادله بقوله إنكاراً عليهم: {أم لهم ءالهة} موصوفة بأنها {تمنعهم} نوبَ الدهر. ولما كانت جميع الرتب تحت رتبته سبحانه، أثبت حرف الابتداء فقال محقراً لهم: {من دوننا} أي من مكروه هو تحت إرادتنا ومن جهة غير جهتنا. ولما كان الجواب قطعاً: ليس لهم ذلك، وهو بمعنى الاستفهام، استأنف الإخبار بما يؤيد هذا الجواب، ويجوز أن يكون تعليلاً، فقال: {لا يستطيعون} أي الآلهة التي يزعمون أنها تنفعهم، أو هم - لأنهم لا مانع لهم من دوننا - {نصر أنفسهم} من دون إرادتنا فكيف بغيرهم، أو يكون ذلك صفة الآلهة على طريق التهكم {ولا هم} أي الكفار أو الآلهة {منا} أي بما لنا من العظمة {يصحبون*} بوجه من وجوه الصحبة حتى يصير لهم استطاعة بنا، فانسدت عليهم أبواب الاستطاعة أصلاً ورأساً. ولما لم يصلح هذا لأن يكون سبباً لاجترائهم، أضرب عنه قائلاً في مظهر العظمة، إشارة إلى أن اغترارهم به سبحانه - مع ما له من دلائل الجلال - من أعجب العجب، بانياً على نحو "لا كالىء لهم منه ولا مانع": {بل متعنا} أي بعظمتنا {هؤلاء} أي الكفار على حقارتهم، أو الإضراب عن عدم استطاعتهم للنصر، والمعنى أن ما هم فيه من الحفظ إنما هو منا لأجل تمتيعهم بما لا يتغير به إلا مغرور، لا من مانع يمنعهم {وءاباءهم} من قبلهم بالنصر وغيره {حتى طال عليهم العمر} فكان طول سلامتهم غاراً لهم بنا، فظنوا أنه لا يغلبهم على ذلك التمتيع شيء، ولا ينزع عنهم ثوب النعمة. ولما أقام الأدلة ونصب الحجج على أنه لا مانع لهم من الله، تسبب عن ذلك الإنكار عليهم في اعتقاد غيره فقال: {أفلا يرون} أي يعلمون علماً هو في وضوحه مثل الرؤية بالبصر {أنا} بما لنا من العظمة، وصور ما كان يجريه من عظمته على أيدي أوليائه فقال: {نأتي الأرض} أي التي أهلها كفار، إتيانَ غلبة لهم بتسليط أوليائنا عليهم. ولما كان الإتيان على ضروب شتى، بيّنه بقوله: {ننقصها من أطرافها} بقتل بعضهم وردّ من بقي عن دينه إلى الإسلام، فهم في نقص، وأولياؤنا في زيادة. ولما كانت مشاهدتهم لهذا مرة بعد مرة قاضية بأنهم المغلبون، تسبب عنه إنكار غير ذلك فقال: {أفهم} أي خاصة {الغالبون*} أي مع مشاهدتهم لذلك أم أولياؤنا.
القشيري
تفسير : تسليةٌ له، وتعريفٌ بوشك الانتصار على الذين كانوا يؤذونه من أعداء الدين؛ أي عن قريب ستجدون وَبالَ ما استوجبوه من العقوبة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد استهزئ برسل من قبلك} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزائهم به اى بالله لقد استهزئ برسل اولى شأن خطير وذوى عدد كثير كائنين من زمان قبل زمانك كما استهزأ بك قومك فصبروا ففيه حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه {فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} يقال حاق به يحيق حيقا احاط به وحاق بهم الامر لزمهم ووجب عليهم وحاق نزل ولا يكاد يستعمل الا فى الشر والحيق ما يشمل الانسان من مكروه فعل وبالذين متعلق بحاق وضمير منهم للرسل والموصول فاعل حاق. والمعنى فاحاط بهم عقيب ذلك العذاب الذى كانوا به يستعجلون ووضع يستهزئون موضع يستعجلون لان استعجالهم كان على جهة الاستهزاء وهو وعد له بان ما يفعلون به يحيق بهم كما خاق بالمستهزئين بالانبياء ما فعلوا يعنى جزاءه.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر {ولا تسمع} بالتاء وضمها وكسر الميم {الصم} بالنصب. الباقون - بالياء - مفتوحة، وبفتح الميم، وضم {الصم}. فوجه قراءة ابن عامر، أنه وجّه الخطاب الى النبي (صلى الله عليه وسلم) فكأنه قال {ولا تسمع} أنت يا محمد {الصم} كما قال {أية : وما أنت بمسمع من في القبور} تفسير : لأن الله تعالى، لما خاطبهم، فلم يلتفتوا إلى ما دعاهم اليه، صاروا بمنزلة الميت الذي لا يسمع ولا يعقل. ووجه قراءة الباقين أنهم جعلوا الفعل لهم، ويقويه قوله {إذا ما ينذرون} قال أبو علي: ولو كان على قراءة ابن عامر، لقال: إذا ينذرون. و {الصم} وزنه (فعل) جمع أصم. وأصله (أصمم) فادغموا الميم فى الميم وتصغير (أصم) (أصيمم). و (الصمم) ثقل في الأذن، فاذا كان لا يسمع شيئاً قيل أصلج. وقال ابن زيد: (أصم) أصلج بالجيم. والوقر المثقل في الأذن. لما قال الله تعالى لنبيه محمد: إن الكفار اذا ما رأوك اتخذوك هزواً وسخرية علم ان ذلك يغمه فسلاه عن ذلك بأن اقسم بأن الكفار فيما سلف استهزؤا بالرسل الذين بعث الله فيهم. وسخروا منه {فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن} أي حل بهم عقوبة ما كانوا يسخرون منهم، وحاق معناه حل، حاق يحق حيقاً. ومنه قوله {أية : ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله} تفسير : أي يحل وبال القبيح بأهله الذين يفعلونه، فكان كما أرادوه بالداعي لهم الى الله حل بهم. والفرق بين الهزء والسخرية، أن فى السخرية معنى الذلة، لأن التسخير التذليل والهزء يقتضي طلب صغر القدر مما يظهر فى القول. ثم أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) بأن يقول لهؤلاء الكفار {من يكلؤكم بالليل والنهار} أي من يحفظكم من بأس الرحمن وعذابه. وقيل: من عوارض الآفات، يقال: كلأه يكلؤه، فهو كالئ قال ابن هرمة: شعر : إن سليمى والله يكلؤها ضنت بشيء ما كان يرزؤها تفسير : ومعنى {يكلؤكم... من الرحمن} اي من يحفظكم من أن يحل بكم عذابه وقوله {بل هم عن ذكر ربهم معرضون} معناه كأنه قال: ما يلتفتون الى شيء من الحجج والمواعظ، بل هم عن ذكر ربهم معرضون. وقيل: من يحفظكم مما يريد الله إحلاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة. ثم قال على وجه التوبيخ لهم والتقريع {أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا} أي من عذابنا وعقوباتنا. ثم أخبر أنهم {لا يستطيعون نصر أنفسهم}. وقيل: ان المعنى إن آلهتهم لا يقدرون على نصر أنفسهم، فكيف يقدرون على نصر غيرهم؟! وقيل ان الكفار {لا يستطيعون نصر أنفسهم} وهو الاشبه اي لا يقدرون على دفع ما ينزل بهم عن نفوسهم {ولا هم منا يصحبون} معناه لا يصحبهم صاحب يمنعهم منا. وقيل ولا هم منا يصحبون بأن يجيرهم مجير علينا. وقال ابن عباس: معناه ولا الكفار منا يجارون، كما يقولون: ان لك من فلان صاحباً، أي من يجيرك ويمنعك. وقال قتادة: معناه {ولا هم منا يصحبون} بخير ثم قال تعالى {بل متعنا هؤلاء وآباءهم} فلم نعاجلهم بالعقوبة حتى طالت اعمارهم. ثم قال موبّخاً لهم {أفلا يرون} اي ألا يعلمون {أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} قيل: بخرابها. وقيل: بموت اهلها. وقيل: بموت العلماء. وقوله {أفهم الغالبون} قال قتادة: افهم الغالبون رسول الله مع ما يشاهدونه من نصر الله له في مقام بعد مقام، توبيخاً لهم، فكأنه قال: ما حملهم على الاعراض الا الاغترار بطول الامهال حيث لم يعاجلوا بالعقوبة. ثم قال لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) {قل} لهم {إنما أنذركم بالوحي} اي اعلمكم واخوفكم بما اوحى الله الي. ثم شبههم بالصم الذين لا يسمعون النداء اذا نودوا، فقال {ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون} اي يخوفون، من حيث لم ينتفعوا بدعاء من دعاهم، ولم يلتفتوا اليه، فسماهم صماً مجازاً وتوسعاً.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} تسلية له (ص) عن استهزاء قومه {فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} اى القول والعمل الّذى كانوا به يستهزؤن، او العذاب الّذى كانوا به يستهزؤن.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} كما استهزئ بك، فاصبر كصبرهم، {فَحَاقَ} فأنزل وأحاط {بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئونَ} وهو العذاب. ويجوز وقوع {ما} على الأقوال التى يستهزئون بها على الأنبياء المرسلين، على حذف مضاف أى جزاء ما كانوا الخ فسيحيق يا محمد بقومك المستهزئين ما حاق بهؤلاء.
اطفيش
تفسير : {ولَقَد اسْتُهزىء برُسلٍ مِنْ قبَلكَ} شروع بعد وعظ المشركين، والاحتجاج عليهم والجواب عما قالوا فى تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزائهم، بأنه قد استهزىء برسل كثيرين عظام، أقوامهم وصبروا، وتلويح بأنك قد بلغت، ولك عاقبة الخير كما لهم ولقومك السوء كما لأقوامهم كما قال: {فحاق بالَّذين سَخرُوا مِنْهُم ما كانُوا به يَسْتَهزئون} من قبلك نعت لرسل، أو متعلق باستهزىء، وعليه فالمعنى على إجمال أن يراد قبل زمانك كالأول، أو قبل الاستهزاء بك، ويقال بالصناعة قبل استهزائك، أى الاستهزاء المنسوب إليك، الصادر منهم، ومعنى حاق نزل محيطاً بهم، ولا يستعمل إلا فى الشر، والذين سخروا كفار امم هؤلاء الرسل، والهاء فى منهم للرسل، وما اسم، وهاء به إما أى عذاب عظيم كانوا يستهزئون به، أو العذاب الذى كانوا يستهزئون به، أو كلام يستزئون به، أو الكلام الذى يستهزئون، سمى الله به العذاب، لأنه سبب العذاب، أو يقدر مضاف أى جزاء ما كانوا الخ، ويبعد جعلها مصدرية، وهاء به للرسل إفراداً لهم باعتبار أن كل واحد لقومه عذاب على حدة.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ} الخ تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم عن استهزائهم بعد أن قضى الوطر من ذكر الأجوبة الحكمية عن مطاعنهم في النبوة وما أدمج فيها من المعاني التي هي لباب المقاصد وفيه أنه عليه الصلاة والسلام قضى ما عليه من عهدة الإبلاغ وأنه المنصور في العاقبة ولهذا بدىء بذكر أجلة الأنبياء عليهم السلام للتأسي وختم بقوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ } تفسير : [الأنبياء: 105] الخ، وتصدير ذلك بالقسم لزيادة تحقيق مضمونه. وتنوين الرسل للتفخيم والتكثير. و(من) متعلقة بمحذوف هو صفة له أي وبالله لقد استهزىء برسل أولي شأن خطير وذوي عدد كثير كائنين من زمان قبل زمانك على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه {فَحَاقَ} أي أحاط عقيب ذلك أو نزل أو حل أو نحو ذلك فإن معناه يدور على الشمول واللزوم ولا يكاد يستعمل إلا في الشر. والحيق ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله. وقيل: أصل حاق حق كزال / وزل وذام وذم. وقوله تعالى: {بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ} أي من أولئك الرسل عليهم السلام متعلق بحاق. وتقديمه على فاعله الذي هو قوله تعالى: {مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} للمسارعة إلى بيان لحوق الشر بهم. و {مَا} إما موصولة مفيدة للتهويل والضمير المجرور عائد عليها والجار متعلق بالفعل بعده وتقديمه لرعاية الفواصل أي فأحاط بهم الذي كانوا يستهزئون به حيث أهلكوا لأجله. وإما مصدرية فالضمير راجع إلى جنس الرسول المدلول عليه بالجمع كما قالوا. ولعل إيثار الإفراد على الجمع للتنبيه على أنه يحيق بهم جزاء استهزائهم بكل واحد منهم عليهم السلام لاجزاء استهزائهم بكلهم من حيث هو [كل] فقط أي فنزل بهم جزاء استهزائهم على وضع السبب موضع المسبب إيذاناً بكمال الملابسة بينهما أو عين استهزائهم إن أريد بذلك العذاب الأخروي بناءً على ظهور الأعمال في النشأة الأخروية بصور مناسبة لها في الحسن والقبح.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : سأريكم آياتي} تفسير : [الأنبياء: 37] تطمين للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتسلية له. ومناسبة عطفها على جملة {أية : لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار}تفسير : [الأنبياء: 39] إلى آخرها ظاهرة. وقد تقدم نظير هذه الآية في أوائل سورة الأنعام.
الشنقيطي
تفسير : في هذه الآية الكريمة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأن إخوانه من الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم استهزأ بهم الكفار، كما استهزءوا به صلى الله عليه وسلم. يعني: فاصبر كما صبروا، ولك العاقبة الحميدة، والنصر النهائي كما كان لهم. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من ذلك جاء موضحاً في مواضع من كتاب الله. كقوله تعالى: {أية : مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} تفسير : [فصلت: 43]، وقوله تعالى: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} تفسير : [هود: 120] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الأنعام: 34]، وقوله تعالى: {أية : وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} تفسير : [فاطر: 25-26]، وقوله تعالى: {أية : وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ}تفسير : [فاطر: 4] والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقوله في هذه الآية الكريمة: {فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ} أي أحاط بهم. ومادة حاق يائية العين. بدليل قوله في المضارع: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} تفسير : [فاطر: 43] ولا تستعمل هذه المادة إلا في إحاطة المكروه خاصة. فلا تقول: حاق به الخير بمعنى أحاط به. والأظهر في معنى الآية: أن المراد: وحاق بهم العذاب الذي كانوا يكذبون به في الدنيا ويستهزؤون به، وعلى هذا اقتصر ابن كثير. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: {فَحَاقَ} أي أحاط ودار {بِٱلَّذِينَ} كفروا و {سَخِرُواْ مِنْهُمْ} وهزءوا بهم {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي جزاء استهزائهم. والأول أظهر، والعلم عند الله تعالى. والآية تدل على أن السخرية من الاستهزاء وهو معروف.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَسْتَهْزِئُونَ} (41) - وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم مُسَلِّياً عَمَّا يُلاَقِيهِ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ الاسْتِهْزَاءِ وَالتَّكْذِيبِ: لَقَدْ اسْتَهزَأَتِ الأُمَمُ السَّابِقَةُ بالرُّسُلِ الذِينَ جَاؤُوهُم، فَنَزَلَ بِالذِّينَ سَخِرُوا مِنْهُمُ العَذَابُ الذِي كَانُوا يَسْتَبْعِدُون وُقُوعَهُ، وَلَنْ يَكُونَ حَالُ المُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ بِأَفْضَلَ مِنْ حَالِ الكُفَّارِ السَّابِقِينَ، الذِينَ كَانُوا يَسْخَرُونَ مِنَ الرُّسُلِ حِينَما كَانُوا يُحَذِّرُونَهُمْ سَوءَ العَذَابِ. حَاقَ - أَحَاطَ وَنَزَلَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبق أنْ خاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً ..} تفسير : [الأنبياء: 36] لذلك يُسلِّيه هنا: لست بدعاً من الرسل، فَخُذْ هذه المسألة بصدر رَحْب، فلقد استهزئ بالرسل من قبلك فلا تحزن، فسوف يحيق بهم ما صنعوا، ويجدون عاقبة هذا الاستهزاء. كما جاء في قصة نوح عليه السلام: {أية : وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ ..} تفسير : [هود: 38] فيردُّ نوح: {أية : إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} تفسير : [هود: 38] أي: انتظروا النهاية، وسوف ترون!!. ومعنى: {فَحَاقَ ..} [الأنبياء: 41] أي: حَلَّ ونزل بقسوة {بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنبياء: 41]. وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ} تفسير : [المطففين: 29-31] أي: مسرورين فرحين، وهذا دليل على لُؤْمهم ورذالة طباعهم، فلم يكتفوا بالاستهزاء، وإنما يحكونه وينبجحون به. {أية : وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المطففين: 32-36]. هل استطعنا أنْ نُجازيهم بما عملوا؟ نعم يا ربّ. ولا ننسى أن استهزاء الكفار بأهل الحق استهزاء موقوت بوقته في الدنيا، أمّا استهزاء الله بهم فاستهزاء أبديّ لا نهايةَ له. ويجب هنا أن نتنبه لهذه المسألة، فكثيراً ما يتعرض أهل الإيمان للاستهزاء وللسخرية من أهل الباطل، وهؤلاء الذين يسخرون منهم لأجلهم يصون الله لهم الحياة ويدفع عنهم العذاب، كما جاء في الحديث القدسي: "حديث : فلولا أطفال رُضَّع، وشيوخ رُكّع، وبهائم رُتَّع لصببتُ عليكم العذاب صباً ". تفسير : فحين ترى تقياً، فإذا لم تشكره على تقواه وتقتدي به فلا أقلَّ من أنْ تدعَه لحاله، لا تهزأ به، ولا تسخر منه؛ لأن في وجوده استبقاءً لحياتك وأَمْنِكَ، وأقل ما يمكنك أنْ تُقيِّم به التقى: يكفيك منه أن أمنتَ شرَّه، فلن يعتدي عليك، ولن ترى منه شيئاً يسؤوك. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):