٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجوههم النار بسائر ما وصفهم به أتبعه بأنهم في الدنيا أيضاً لولا أن الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلامة فقال لرسوله: قل لهؤلاء الكفار الذين يستهزءون ويغترون بما هم عليه: {مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } وهذا كقول الرجل لمن حصل في قبضته ولا مخلص له منه إلى أين مفرّك منى! هل لك محيص عني! والكالىء الحافظ. وأما قوله: {مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في معناه وجوه: أحدها: {مَن يَكْلَؤُكُم مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ } أي مما يقدر على إنزاله بكم من عذاب تستحقونه. وثانيها: من بأس الله في الآخرة. وثالثها: من القتل والسبي وسائر ما أباحه الله لكفرهم فبين سبحانه أنه لا حافظ لهم ولا دافع عن هذه الأمور لو أنزلها بهم ولولا تفضله بحفظهم لما عاشوا ولما متعوا بالدنيا. المسألة الثانية: إنما خص ههنا اسم الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل: أنت الكالىء يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك، كما في قوله: { أية : مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ } تفسير : [الانفطار: 6] إنما خص اسم الكريم بالذكر تلقيناً للجواب. المسألة الثالثة: إنما ذكر الليل والنهار لأن لكل واحد من الوقتين آفات تختص به والمعنى من يحفظكم بالليل إذا نمتم وبالنهار إذا تصرفتم في معايشكم. أما قوله: {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ } فالمعنى أنه تعالى مع إنعامه عليهم ليلاً ونهاراً بالحفظ والحراسة فهم عن ذكر ربهم الذي هو الدلائل العقلية والنقلية ولطائف القرآن معرضون فلا يتأملون في شيء منها ليعرفوا أنه لا كالىء لهم سواه ويتركون عبادة الأصنام التي لا حظ لها في حفظهم ولا في الإنعام عليهم. أما قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ } فاعلم أن الميم صلة يعني ألهم آلهة تكلؤهم من دوننا، والتقدير ألهم آلهة من تمنعهم. وتم الكلام ثم وصف آلهتهم بالضعف فقال: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ } وهذا خبر مبتدأ محذوف أي فهذه الآلهة لا تستطيع حماية أنفسها عن الآفات، وحماية النفس أولى من حماية الغير. فإذا لم تقدر على حماية نفسها فكيف تقدر على حماية غيرها، وفي قوله: {وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ } قولان: الأول: قال المازني: أصحبت الرجل إذا منعته فقوله: {وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ } من ذلك لا من الصحبة. الثاني: أن الصحبة ههنا بمعنى النصرة والمعونة وكلها سواء في المعنى يقال: صحبك الله ونصرك الله ويقال للمسافر: في صحبة الله وفي حفظ الله فالمعنى ولا هم منا في نصرة ولا إعانة، والحاصل أن من لا يكون قادراً على دفع الآفات ولا يكون مصحوباً من الله بالإعانة، كيف يقدر على شيء ثم بين سبحانه تفضله عليهم مع كل ذلك بقوله: {بَلْ مَتَّعْنَا هَـؤُلاء وَءابَاءهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ } يعني ما حملهم على الإعراض إلا الإغترار بطول المهلة. يعني طالت أعمارهم في الغفلة فنسوا عهدنا وجهلوا موقع مواقع نعمتنا واغتروا بذلك. أما قوله تعالى: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا } فالمعنى أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في إتيان الأرض من جوانبها نأخذ الواحد بعد الواحد ونفتح البلاد والقرى مما حول مكة ونزيدها في ملك محمد صلى الله عليه وسلم ونميت رؤساء المشركين الممتعين بالدنيا وننقص من الشرك بإهلاك أهله أما كان لهم في ذلك عبرة فيؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلموا أنهم لا يقدرون على الامتناع من الله وإرادته فيهم ولا يقدرون على مغالبته ثم قال: {أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } أي فهؤلاء هم الغالبون أم نحن وهو استفهام بمعنى التقرير والتقريع والمعنى بل نحن الغالبون وهم المغلوبون وقد مضى الكلام في هذه الآية في سورة الرعد. وفي تفسير النقصان وجوه: أحدها: قال ابن عباس ومقاتل والكلبي رضي الله عنهم ننقصها بفتح البلدان. وثانيها: قال ابن عباس في رواية أخرى يريد نقصان أهلها وبركتها. وثالثها: قال عكرمة: تخريب القرى عند موت أهلها. ورابعها: بموت العلماء وهذه الرواية إن صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يعدل عنها وإلا فالأظهر من الأقاويل ما يتعلق بالغلبة فلذلك قال: {أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } والذي يليق بذلك أنه ينقصها عنهم ويزيدها في بلاد الإسلام، قال القفال: نزلت هذه الآية في كفار مكة فكيف يدخل فيها العلماء والفقهاء فبين تعالى أن كل ذلك من العبر التي لو استعملوا عقلهم فيها لأعرضوا عن جهلهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم} أي يحرسكم ويحفظكم. والكلاَءة الحراسة والحفظ؛ كلاه الله كِلاَء (بالكسر) أي حفظه وحرسه. يقال: اذهب في كِلاءة الله؛ واكتلأت منهم أي احترست، قال الشاعر هو ابن هَرْمة:شعر : إنّ سليمى واللَّهُ يَكلأُهَا ضنَّت بشيء ما كان يَرْزَأُها تفسير : وقال آخر:شعر : أَنَخْتُ بَعيرِي وَاكْتَلأْتُ بعَيْنِهِ تفسير : وحكى الكسائي والفراء «قُلْ مَنْ يَكْلَوْكُمْ» بفتح اللام وإسكان الواو. وحكيا «مَنْ يَكْلاَكُمْ» على تخفيف الهمزة في الوجهين، والمعروف تحقيق الهمزة وهي قراءة العامة. فأما «يَكْلاَكُمْ» فخطأ من وجهين فيما ذكره النحاس: أحدهما: أن بدل الهمزة إنما يكون في الشعر. والثاني: أنهما يقولان في الماضي كَلَيْتُه، فينقلب المعنى؛ لأن كَلَيته أوجعت كليته، ومن قال لرجل: كَلاَك الله فقد دعا عليه بأن يصيبه الله بالوجع في كُلْيته. ثم قيل: مخرج اللفظ مخرج الاستفهام والمراد به النفي. وتقديره: قل لا حافظ لكم {بِٱلْلَّيْلِ} إذا نمتم {و} بـ {بِالنَّهَارِ} إذا قمتم وتصرفتم في أموركم. {مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي من عذابه وبأسه؛ كقوله تعالى: {أية : فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ} تفسير : [هود: 63] أي من عذاب الله. والخطاب لمن اعترف منهم بالصانع؛ أي إذا أقررتم بأنه الخالق، فهو القادر على إحلال العذاب الذي تستعجلونه. {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ} أي عن القرآن. وقيل: عن مواعظ ربهم. وقيل: عن معرفته. {مُّعْرِضُونَ } لاهون غافلون. قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ} المعنى: ألهم والميم صلة. {تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا} أي من عذابنا. {لاَ يَسْتَطِيعُونَ} يعني الذين زعم هؤلاء الكفار أنهم ينصرونهم لا يستطيعون {نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ} فكيف ينصرون عابديهم. {وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ} قال ابن عباس: يُمنَعون. وعنه: يُجَارون؛ وهو اختيار الطبري. تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان؛ أي مجير منه؛ قال الشاعر:شعر : يُنادِي بأعلى صوتِه متعوِّذاً ليُصحَبَ منها والرِّماحُ دَوَانِي تفسير : وروى معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: «يُنْصَرُونَ» أي يحفظون. قتادة: أي لا يصحبهم الله بخير، ولا يجعل رحمته صاحباً لهم. قوله تعالى: {بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ} قال ابن عباس: يريد أهل مكة. أي بسطنا لهم ولآبائهم في نعيمها و{طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} في النعمة فظنوا أنها لا تزول عنهم، فاغتروا وأعرضوا عن تدبير حجج الله عز وجل. {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ} أي بالظهور عليها لك يا محمد أرضاً بعد أرض، وفتحها بلداً بعد بلدٍ مما حول مكة؛ قال معناه الحسن وغيره. وقيل: بالقتل والسبي؛ حكاه الكلبي. والمعنى واحد. وقد مضى في «الرعد» الكلام في هذا مستوفى. {أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} يعني كفار مكة بعد أن نقصنا من أطرافهم، بل أنت تغلبهم وتظهر عليهم.
البيضاوي
تفسير : { قُلْ} يا محمد للمستهزئين. {مَن يَكْلَؤُكُمْ } يحفظكم. {بِٱلَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحمَنِ } من بأسه إن أراد بكم، وفي لفظ {ٱلرَّحْمَـٰنُ } تنبيه على أن لا كالئ غير رحمته العامة وأن اندفاعه بمهلته {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ} لا يخطرونه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه حتى إذا كلؤا منه عرفوا الكالي. وصلحوا للسؤال عنه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } لهم {مَن يَكْلَؤُكُم } يحفظكم { بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ} من عذابه إن نزل بكم، أي:لا أحد يفعل ذلك، والمخاطبون لا يخافون عذاب الله لإِنكارهم له {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ } أي القرآن {مُّعْرِضُونَ } لا يتفكرون فيه.
ابن عطية
تفسير : المعنى {قل} يا محمد لهؤلاء الكفرة المستهزئين بك وبما جئت به الكافرين بذكر الرحمن الجاهلين به قل لهم على جهة التوبيخ والتقريع من يحفظكم، و"كلأ" معناه حفظ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال "حديث : اكلأ لنا الفجر" تفسير : وفي آخر الكلام تقدير محذوف كأنه قال ليس لهم مانع ولا كالئ وعلى هذا النفي تركبت {بل} في قوله {بل هم عن ذكر ربهم معرضون} ثم يقضي عليهم التقدير في أنه لا مانع لهم من الله بأن كشف أمر آلهتهم والمعنى أيظنون أن آلهتهم التي هي بهذه الصفة {تمنعهم من دوننا} بل ما يمنعهم أحد إلا نحن، وقوله تعالى: {ولا هم يصحبون} يحتمل تأويلين أحدهما يجارون ويمنعون، والآخر {ولا هم منا يصحبون} بخير ولا تزكية ونحو هذا، وفي الكلام تقدير بعد محذوف كأنه قال ليس ثم شيء من هذا كله بل ضل هؤلاء لأنا متعناهم ومتعنا آباءهم فنسوا عقاب الله وظنوا أن حالهم لا تبيد والمعنى {طال العمر} في رخاء ثم وقفهم الله تعالى على مواضع العبر في الأمم وفي البشر بحسب الخلاف والأطراف، والرؤية في قوله {يرون} رؤية العين تتبعها رؤية القلب، و {نأتي} معناه بالقدرة والبأس، و {الأرض} عامة في الجنس. وقوله {من أطرافها} إما أن يريد فيما يخرب من المعمور فذلك نقص للأرض وإما أن يريد موت البشر فهو تنقص للقرون ويكون المراد حينئذ نأتي أهل الأرض، وقال قوم النقص من الأطراف موت العلماء ثم وقفهم على جهة التوبيخ أهم يعلمون من غلب أهل الأرض قهر الكل بسلطانه وعظمته أي إن ذلك محال بين بل هم مغلوبون مقهورون.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَكْلَؤُكُم} يحفظكم استفهام نفي.
النسفي
تفسير : {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم } يحفظكم {بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمٰنِ} أي من عذابه إن أتاكم ليلاً أو نهاراً {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ } أي بل هم معرضون عن ذكره ولا يخطورنه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه حتى إذا رزقوا الكلاءة منه عرفوا من الكاليء فصلحوا للسؤال عنه، والمعنى أنه أمر رسوله بسؤالهم عن الكاليء، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم. ثم أضرب عن ذلك بقوله {أَمْ لَهُمْ الِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا } لما في «أم» من معنى «بل» فقال: ألهم الهة تمنعهم من العذاب تتجاوز منعنا وحفظنا. ثم استأنف بقوله {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ } فبين أن ما ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره. ثم قال {بَلْ مَتَّعْنَا هَـؤُلاء وَءابَاءهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ } أي ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا لا من مانع يمنعهم من إهلاكنا، وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعاً لهم بالحياة الدنيا وإمهالاً كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وظنوا أنهم دائمون على ذلك وهو أمل كاذب {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } أي نقص أرض الكفر ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها وردها دار إسلام، وذكر {نَأْتِى } يشير بأن الله يجريه على أيدي المسلمين وإن عساكرهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها {أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } أفكفار مكة يغلبون بعد أن نقصنا من أطراف أرضهم أي ليس كذاك بل يغلبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنصرنا. {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْىِ } أخوفكم من العذاب القرآن {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَاء } بفتح الياء والميم ورفع الصم، {ولا تسمع الصم} شامي على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم {إِذَا مَا يُنذَرُونَ } يخوفون. واللام في {الصم} للمعهد وهو إشارة إلى هؤلاء المنذرين، والأصل ولا يسمعون إذا ما ينذرون فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم إذا ما أنذروا .
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ} الآية لما بين أن الكفار في الآخرة {أية : لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِم ٱلنَّارَ} تفسير : [الأنبياء:39] بسائر ما وصفهم به أتبعه بأنهم في الدنيا أيضاً لولا أن الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلامة، فقال لرسوله: "قُلْ" لهؤلاء الكفار الذين يستهزئون ويغترون بما هم عليه {مَن يَكْلَؤُكُم بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} وهذا كقول الرجل لمن حصل في قبضته ولا مخلص له منه: من ينصرك مني؟ وهل لك مخلص؟ والكلاءة: الحفظ، أي يحفظكم بالليل والنهار "مِنَ الرَّحْمَـنِ" إن نزل بكم عذابه. يقال: كَلأَهُ الله يَكْلَؤُهُ كِلاَءَةً بالكسر كذا ضبطه الجوهري فهو كالىء ومكلوء. قال ابن هرْمة: شعر : 3717- إنَّ سُلَيْمَى وَاللهُ يَكْلَؤُهَا ضَنَّتْ بِشَيءٍ مَا كَانَ يَزْرَؤُهَا تفسير : واكْتَلأْتُ منه: احترست، ومنه سُمِّيَ النبات كلأ، لأنَّ به تقوم بنية البهائم وتحرس. ويقال: بلغ الله بك أكلأ العمر. والمُكَلأُ موضع يحفظ فيه السفن. وفي الحديث: "حديث : نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِىء بَالكَالِىء" تفسير : أي: بيع الدين بالدين كأنَّ كُلاًّ من رب الدينين يكلأ الآخر أي: يراقبه. (وقال ابن عباس: المعنى: مَنْ يمنعكم من عذاب الرحمن. وقرأ الزهري وابن القعقاع "يَكْلُوكُمْ" بضمة خفية دون همز. وحكى الكسائي والفراء "يَكْلَوْكُمْ" بفتح اللام وسكون الواو. قال شهاب الدين: ولم أعرفها قراءة. وهو قريب من لغة من يخفف أكلت الكلأ على الكلو وقفاً إلا أنه أجرى الوصل مجرى الوقف). قوله: "مِنَ الرَّحمنِ" متعلق بـ "يَكْلَؤُكُم" على حذف مضاف أي من أمر الرحمن أو بأسه كقوله: {أية : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد: 11]. "وبِاللَّيْلِ" بمعنى في الليل، وإنما ذكر الليل والنهار، لأن كل واحد من الوقتين آفات تختص به، والمعنى: من يحفظكم بالليل إذا نمتم وبالنهار إذا تصرفتم في معاشكم. وخص هاهنا اسم الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل أنت الكالىء يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك كما في قوله: {أية : مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} تفسير : [الانفطار: 6]. فخص اسم الكريم تلقيناً. قوله: "بَلْ هُمْ" إضراب عما تضمنه الكلام الأول من النفي، إذ التقدير: ليس لهم كالىء ولا مانع غير الرحمن. والمراد بـ "ذِكْرِ رَبِّهِمْ" القرآن ومواعظ الله "مُعْرِضُونَ" لا يتأملون في شيء منها ليعرفوا أنه لا كالىء لهم سواه، ويتركوا عبادة الأصنام التي لا تحفظهم ولا تنعم عليهم. قوله: {أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ} "أَمْ" منقطعة، أي بل ألهم؟ فالميم صلة والمعنى: ألهم آلهة تمنعهم، وقد تقدم ما فيها. وقوله: "من دُونِنَا" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بـ "تَمْنَعُهُمْ" قبل، والمعنى: ألهم آلهة تجعلهم في منعة وعز، وإلى هذا ذهب الحوفي. والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه صفة لـ "آلهة"، أي آلهة من دوننا تمنعهم، ولذلك قال ابن عباس إن في الكلام تقديماً وتأخيراً. ثم وصف الآلهة بالضعف فقال: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ} وهذا مستأنف لا محل له، ويجوز أن يكون صفة لـ "آلهة"، وفيه بعد من حيث المعنى. قال ابن الخطيب: "لا يستطيعون" خبر مبتدأ محذوف، أي فهذه الآلهة لا تستطيع حماية أنفسها عن الآفات، وحماية النفس أولى من حماية الغير، فإذا لم تقدر على حماية نفسها فكيف تقدر على حماية غيرها. قوله: {وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ}. قال ابن عباس: يجاورون، تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان، أي مجير عنه. وقال مجاهد: يُنْصَرُونَ. وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير. {بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاَءِ} الكفار "وَءَابَاءَهُمْ" في الدنيا، أي أمهلناهم. وقيل: أعطيناهم النعمة. {حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} أي امتد بهم الزمان فاغتروا. {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِن أَطْرَافِهَا} أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في أنا ننقص الأرض من جوانبها نأخذ الواحد بعد الواحد من المشركين ونفتح البلاد والقرى من حول مكة، ونزيدها في ملك محمد، أما كان لهم عبرة في ذلك فيؤمنوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. "أَفَهُمُ الغَالِبُونَ" أم نحن، وهو استفهام تقريع. قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: "نَنقُصُهَا" بفتح البلدان. وروي عن ابن عباس رواية أخرى: المراد نقصان أهلها. وقال عكرمة: تخريب القرى وموت أهلها. وقيل: موت العلماء، وهذه الرواية إن صحت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يعدل عنها وإلا فالأظهر هاهنا ما يتعلق بالغلبة، ولذلك قال: "أَفَهُمُ الغَالِبُونَ". قال القفال: نزلت هذه الآية في كفار مكة، فكيف يدخل فيها العلماء والفقهاء.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {قل من يكلؤكم} قال: يحرسكم. وفي قوله: {ولا هم منا يصحبون} قال: لا ينصرون. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ولا هم منا يصحبون} قال: لا ينصرون. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {قل من يكلؤكم} قال: يحفظكم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ولا هم منا يصحبون} قال: لا يجارون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {ولا هم منا يصحبون} قال: لا يمنعون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم} يعني الآلهة {ولا هم منا يصحبون} يقول: لا يصحبون من الله بخير. وفي قوله: {أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} قال: كان الحسن يقول: ظهور النبي صلى الله عليه وسلم على من قاتله أرضاً أرضاً وقوماً قوماً، وقوله: {أفهم الغالبون} أي ليسوا بغالبين، ولكن الرسول هو الغالب. وفي قوله: {قل إنما أنذركم بالوحي} أي بهذا القرآن {ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون} يقول: إن الكافر أصم عن كتاب الله، لا يسمعه ولا ينتفع به ولا يعقله كما يسمعه أهل الإيمان. وفي قوله: {ولئن مستهم نفحة} يقول: لئن أصابتهم عقوبة.
ابو السعود
تفسير : {قُلْ} خطابٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إثرَ تسليته بما ذكر من مصير أمرِهم إلى الهلاك وأمرٌ له عليه السلام بأن يقول لأولئك المستهزئين بطريق التقريع والتبكيت: {مَن يَكْلَؤُكُم} أي يحفظكم {بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهار مِنَ ٱلرَّحْمَنِ} أي من بأسه الذي تستحقون نزولَه ليلاً أو نهاراً، وتقديمُ الليل لما أن الدواهيَ أكثرُ فيه وقوعاً وأشدُّ وقعاً، وفي التعرض لعنوان الرحمانيةِ إيذانٌ بأن كالِئَهم ليس إلا رحمتُه العامةُ، وبعد ما أُمر عليه السلام بما ذكر من السؤال على الوجه المذكور حسبما تقتضيه حالُهم لأنهم بحيث لولا أن الله تعالى يحفظهم في المَلَوَيْن لحل بهم فنون الآفاتِ، فهم أحقّاءُ بأن يكلفوا الاعترافَ بذلك فيوبخوا على ما هم عليه من الإشراك، أُضرب عن ذلك بقوله تعالى: {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ} ببـيان أن لهم حالاً أخرى مقتضيةً لصرف الخطابِ عنهم هي أنهم لا يُخطِرون ذكرَه تعالى ببالهم، فضلاً أن يخافوا بأسَه ويعدّوا ما كانوا عليه من الأمن والدعَةِ حفظاً وكَلاءةً حتى يسألوا عن الكالِىءِ على طريقة قول من قال: [البسيط] شعر : عُوجوا فحيُّوا لنُعمىٰ دِمنةَ الدار ماذا تُحيُّون من نُؤْيٍ وأحجارِ تفسير : وفي تعليق الإعراض بذكره تعالى وإيرادِ اسمِ الرب المضافِ إلى ضميرهم المنبىء عن كونهم تحت ملكوتِه وتدبـيره وتربـيتِه تعالى من الدلالة على كونهم في الغاية القاصيةِ من الضلالة والغيّ ما لا يخفى، وكلمةُ أم في قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ الِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا} منقطعةٌ وما فيها من معنى بل للإضراب والانتقالِ عما قبله من بـيان أن جهلَهم بحفظه تعالى إياهم لعدم خوفِهم الناشىءِ عن إعراضهم عن ذكر ربهم بالكلية إلى توبـيخهم باعتمادهم على آلهتهم وإسنادِهم الحفظَ إليها، والهمزةُ لإنكار أن يكون لهم آلهةٌ تقدر على ذلك والمعنى بل ألهم آلهةٌ تمنعهم من العذاب تتجاوز منْعنا أو حفظَنا، أو من عذاب كائنٍ من عندنا فهم معوّلون عليها واثقون بحفظها، وفي توجيه الإنكارِ والنفي إلى وجود الآلهةِ الموصوفة بما ذكر من المنع لا إلى نفس الصفةِ بأن يقال: أم تمنعهم آلهتُهم الخ، من الدِلالة على سقوطها عن مرتبة الوجود فضلاً عن رتبة المنع ما لا يخفى، وقوله عز وعلا: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ} استئنافٌ مقرّر لما قبله من الإنكار وموضِّحٌ لبُطلان اعتقادِهم أي هم لا يستطيعون أن ينصُروا أنفسهم ولا يُصحَبون بالنصر من جهتنا، فكيف يتوهم أن ينصُروا غيرهم؟ وقوله تعالى: {بَلْ مَتَّعْنَا هَـؤُلاء وَءابَاءهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} إضرابٌ عما توهموا ببـيان أن الداعيَ إلى حفظهم تمتيعُنا إياهم بما قدّر لهم من الأعمار أو عن الدِلالة على بطلانه ببـيان ما أوهمهم ذلك، وهو أنه تعالى متعهم بالحياة الدنيا وأمهلهم حتى طالت أعمارُهم فحسِبوا أن لا يزالوا كذلك وأنه بسبب ما هم عليه، ولذلك عقّب بما يدل على أنه طمعٌ فارغٌ وأمل كاذبٌ حيث قيل: {أَفَلاَ يَرَوْنَ} أي ألا ينظرون فلا يرَون {أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ} أي أرضَ الكفرة {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} فكيف يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا، وهو تمثيلٌ وتصويرٌ لما يُخْرِبه الله عز وجل من ديارهم على أيدي المسلمين ويُضيفها إلى دار الإسلام {أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، والفاء لإنكار ترتيب الغالبـيةِ على ما ذكر من نفس أرضِ الكفرةِ بتسليط المسلمين عليها، كأنه قيل: أبعد ظهورِ ما ذكر ورؤيتِهم له يتوهم غلَبتُهم؟ كما مر في قوله تعالى: { أية : أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ} تفسير : [هود: 17] وقولِه تعالى: { أية : قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء} تفسير : [الرعد: 16] وفي التعريف تعريضٌ بأن المسلمين هم المتعيِّنون للغلَبة المعروفون بها.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} [الآية: 42]. قال الواسطى رحمة الله عليه: أى من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن، ومن يظهر عليكم ما سبق فيكم. {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ}: أى ذكره إيّاهم فى الأزلية بالنجاة والهلاك. وقيل فى هذه الآية: من يأخذهم ويمنعهم من تصريف ما صرفهم، وتسيير ما سيَّرهم، وتدبير ما دَبّر لهم، فسائر يسير بأنوار رحمته، وآخر يسير بميزان سخطه. وقال ابن عطاء: من يكلؤكم من أمر الرحمن سوى الرحمن وهل يقدر أحد على الكلاءة سواه؟ وقال الحسين: أى من يأخذهم عن تصاريف القدرة، ومن يحجبهم عن سوابق المقضى. قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا}. قال الواسطى رحمة الله عليه: من أصحبه الله أنواره فهو متبوع بآثاره وأنواره، وآثاره وأنواره تسير إلى العبد فى أوقاته، لأن العبد يصحب ويتبع آثار أنواره بذاته، وفرق بين أن يقول: أصحبه الله أنواره، وبين أن يقول: صحب العبد أنواره بذاته.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ}. تقرير عليهم بأن ليس بتداخل المخلوقين نجاتهم، وقد جرَّبوا ذلك في أحوال محنتهم، فكيف لا يتبرءون ممن ليس لهم شيء، ومما ليس منه نَفْعٌ ولا ضرٌّ؟ وفي ذلك تنبيه للمؤمنين بأن مآربهم إلى الخيرات من نوعي النفع والدفع من الله عز وجل، فالواجبُ دوامُ اعتكافِهم بقلوبهم بقوة كَرمِه وجُوده.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} اخبر عن كمال احاطته بكل مخلوق وتنزيهه عن العجلة بمواخذتهم اى انا بذاتى تعاليت ادفع بالطف القديم عنكم قهر القديم ولولا فضله السابق ---- القدرية بالرحمة عليكم من يدفعه بالعلة الحدثانية وهذا من كمال لطفى عليكم وانتم بعدم معرضون عنى يا اهل الجفاء وذلك {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ} قال الواسطى اى يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن ايظهر عليكم ما سبق فيكم بل هم عن ذكر ربهم معرضون اى ذكرهم اياه فى الازلية بالنجاة والهلاك قال ابن عطا من يكلؤكم من امر الرحمن سوى الرحمن وهل يقدر احد على الكلاية سواه.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} يامحمد للمستهزئين بطريق التقريع والتبكيت {من} استفهام {يكلؤكم} الكلأ حفظ الشئ وتبقيته والكالئ الذى يحفظ اى يحفظكم {بالليل والنهار} اى فيهما {من الرحمن} اى من بأسه الذى يستحقون نزوله ليلا او نهارا ان اراد بكم اى لا يمنعكم من عذابه الا هو وفى ذكر الرحمن تنبيه على انه لا كالئ غير رحمته العامة وان اندفاعه بمهلته وتقديم الليل لما ان الدواهى اكثر فيها وقوعا واشد وقعا {بل هم عن ذكر ربهم معرضون} لا يخطرون ذكره تعالى ببالهم فضلا عن ان يخافوا الله ويعدّوا ما كانوا عليه من الامن والدعة حفظا وكلاءة حتى يسألوا عن الكالئ اى دعهم عن هذا السؤال لانهم لا يصلحون له لاعراضهم عن ذكر الله تعالى. وفى التأويلات النجمية المحجوبون بحجب البشرية ارجى صلاحا من المحجوبين بحجب الروحانية لانهم مقرون بجهالتهم وهؤلاء مغرورون بمقالتهم واهل الحجب البشرية معرضون عن ذكر ربهم وطلبه لاشتغالهم بلوازم البشرية واهل الحجب الروحانية معرضون عن ذكر ربهم ومعرفته بحسبانهم بمعارف المعقولات: قال الكمال الخجندى شعر : بشكن بت غروركه دردين عاشقان يك بت كه يشكنندبه از صد عبادتست تفسير : وقال الصاائب شعر : بفكر نيستى هركزنمى افتند مغروران اكرجه صورت مقراض لا دارد كريبانها
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {قلْ} لهم يا محمد: {مَن يكلؤكُم}: يحفظكم {بالليل والنهار من} بأس {الرحمنِ} الذي تستحقونه، إذا نزل بكم ليلاً أو نهارًا. قال الواسطي: من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن أن يظهر عليكم ما سبق فيكم؟ وقال ابن عطاء: من يكلؤكم من أمر الرحمن سوى الرحمن، وهل يقدر أحد على الكلاءة سواه؟ وتقديم الليل؛ لأن الدواهي فيه أكثر وقوعًا وأشد وقعًا. وفي التعرض لعنوان الرحمانية إيذان بأن كلاءتهم ليس إلا برحمته العامة. {بل هم عن ذِكْرِ ربهم معرضون} أي: بل هم معرضون عن ذكره، ولا يُخطِرونه ببالهم، فضلاً أن يخافوا بأسه، حتى إذا رزقوا الكلاءة عرفوا مَن الكالئ، وصلحوا للسؤال عنه. والمعنى: أنه أمر رسوله - عليه الصلاة والسلام - بسؤالهم عن الكالئ، ثم أضرب عنه، وبيَّن أنهم لا يصلحون لذلك، لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم. هكذا للزمخشري ومن تبعه. وقال ابن جزي: والمعنى: أنه تهديد وإقامة حجة عليهم؛ لأنهم لو أجابوا عن هذا السؤال لاعترفوا بأنه ليس لهم مانع ولا حافظ غيره تعالى - يعني لِمَا جربوه في أحوال محنتهم - ثم قال: وجاء قوله: {بل هم عن ذكر ربهم معرضون}، بمعنى أنهم، إذا سُئلوا ذلك السؤال، لم يجيبوا عنه، لأنهم تقوم عليهم الحجة إن أجابوا، ولكنهم يعرضون عن ذكر الله. هـ. أي: يعرضون عن أن يقولوا: كالأنا الله عتوًا وعنادًا. وهو معنى قوله: {بل هم عن ذكر ربهم مُعرِضون}، كأنه قال: لو سُئلوا، لم يجدوا جوابًا، إلا أن يقولوا: هو الله، لكنهم يعرضون عن ذكره؛ مكابرة. قلت: وما قاله ابن جزي أحسن مما قاله الزمخشري ومن تبعه، وأقرب. ثم قال تعالى: {أم لهم آلهةٌ تمنعُهم من دوننا}، هذا انتقال من بيان جهلهم بحفظه تعالى، أو إعراضهم عن ذكره، إلى توبيخهم باعتمادهم على آلهتهم. والمعنى: ألهم آلهة تمنعهم من العذاب تجاوز منعنا وحفظنا، فهم يعولون عليها واثقون بحفظها؟ وفي توجيه الإنكار والنفي إلى وجود الآلهة بما ذكر من المنع، لا إلى نفس الصفة، بأن يقال: أم تمنعهم آلهتهم... الخ. من الدلالة على سقوطها عن مرتبة الوجود، فضلاً عن رتبة المنع، ما لا يخفى. ثم قال تعالى: {لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منّا يُصْحَبُون} أي: يُجَارون. والصاحب: المُجِير الوافي، يعني: أن الأصنام لا تُجير نفسها، ولا نُجيرهم نحن، أو لا يصحبُهم نصر من جهتنا، فهم لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم، ولا يُصحبون بالنصر والتأييد من جهتنا، فكيف يتوهم أن ينصروا غيرهم؟ {بل متّعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العُمُرُ}، إضراب عما توهموه من منع آلهتهم وحفظها لهم، أي: ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا، لا من مانع يمنعهم من إهلاكنا، وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعًا لهم بالحياة الدنيا وإمهالاً، كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وظنوا أنهم دائمون على ذلك، وهو أمل كاذب. {أفلا يَرَوْن أنَّا نأتي الأرضَ ننقُصُها من أطرافها} أي: ألا ينظرون فيرون أنَّا نأتي أرض الكفرة فننقصها من أطرافها؛ بإدخالها في أيدي المسلمين، فكيف يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا. وهو تمثيل وتصوير لما يخربه الله من ديارهم على أيدي المسلمين، ويضيفها إلى دار الإسلام. وفي التعبير بنأتي: إشارة إلى أن الله تعالى يجريه على أيدي المسلمين، وأن عساكرهم كانت تأتيهم لغزوهم غالبة عليهم، ناقصة من أطراف أرضهم. {أفهم الغالبون} على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أي: أفكفار مكة يغلبون بعد أن نقصنا من أطراف أرضهم؟ أي: ليس كذلك، بل يغلبهم الرسول - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه الكرام، وقد تحقق ذلك وأنجز الله وعده، والله غالب على أمره. الإشارة: قل من يكلؤ قلوبكم وأسراركم من الرحمن، أن يذهب بما أودع فيها من المعارف وأنوار الإحسان؟ فلا أحد يحفظها إلا من رحمها بما أودع فيها، ولهذا كان العارفون لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، لا يعتمدون على عمل ولا حال، ولا على علم ولا مقال، وفي الحكم: "إلهي، حكمك النافذ، ومشيئتك القاهرة، لم يتركا لذي حال حالاً، ولا لذي مقال مقالاً". وقال أيضًا: "إلهي كم من طاعة بنيتُها وحالة شيدتُها، هدم اعتمادي عليها عدلك، بل أقالني منها فضلك". وكثير من الناس غافلون عن هذا المعنى، بل هم عن ذكر ربهم مُعرِضون. قال الورتجبي: قوله تعالى: {قل من يكلؤكم...} الآية، أخبر عن كمال إحاطته بكل مخلوق، وتنزيهه عن العَجَلة بمؤاخذتهم، كأنه يقول: أنا بذاتي تعاليت، أدفع بلطفي القديم عنكم قهري القديم، ولولا فضلي السابق وعنايتي القديمة بالرحمة عليكم، من يدفعه بالعلة الحدثانية؟ وهذا من كمال لطفي عليكم وأنتم بعد معرضون عني يا أهل الجفا، وذلك قوله: {بل هم عن ذكر ربهم مُعرِضون}. هـ. بلفظه مع تصحيف في النسخة. وقوله تعالى: {بل متعنا هؤلاء...} الآية، تمتيع العبد بطول الحياة، إن كان ذلك في طاعة الله، وازدياد في معرفته، فهو من النعم العظيمة. وفي الحديث: "حديث : خَيرُكُم مَنْ طَال عُمُرهُ وحَسُنَ عَمَلُهُ"تفسير : . لكن عند الصوفية: أنه لا ينبغي للمريد أن ينظر إلى ما مضى من عمره في طريق القوم، فقد كان بعض الشيوخ يقول: لا يكن أحدكم عبد الدهور وعبد العدد. قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: معنى كلامه: أنه لا ينبغي للفقير أن يعدكم له في طريق القوم، ليقول: أنا لي كذا وكذا من السنين في طريق القوم. هـ. بالمعنى. ولعل علة النهي؛ لئلا يرى للأيام تأثيرًا في الفتح، فقد قالوا: هي لمن صدق لا لمن سبق. وقوله تعالى: {أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} قال القشيري: فيه إشارة إلى سقوط قوى العبد بمرور السنين، وتطاول العمر، فإن آخر الأمر كما قيل: شعر : آخِرُ الأمر ما تَرَى القبرُ واللَّحدُ والثرى تفسير : وكما قيل: شعر : طَوَى العَصْرانِ ما نَشَرَاهُ مني فأبلى جِدَّتِي نَشْرٌ وطيُّ أراني كلَّ يوم في انتقاصٍ ولا يبقى مع النقصان شيُّ تفسير : وكأنه فسر الأرض بأرض النفوس من باب الإشارة. والله تعالى أعلم.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ} ردّاً عليهم فى اتّخاذ الآلهة {مَن يَكْلَؤُكُم} اى يحفظكم {بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} اى من عقوبته او من قبله ان اراد بكم سوءً والمقصود حملهم على الاقرار بعجز الآلهة، وهذه الآية مثل سوابقها تعريض بمن اتّخذ من دون علىٍّ (ع) اولياء {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ} تذكّر ربّهم المطلق او ربّهم المضاف او عمّا يذكّرهم به ربّهم من الآيات الآفاقيّة والانفسيّة والآيات العظمى الّتى أعظمها علىّ (ع)، او المراد بذكر ربّهم القرآن او محمّد (ص) او علىّ (ع) ابتداء {مُّعْرِضُونَ} ولهذا لا يتذكّرون انّ آلهتهم عاجزون وان ليس الحافظ من سخط الله الاّ الله.
اطفيش
تفسير : {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ} يحفظكم {بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ} أى من عذابه. والاستفهام إنكارى، أى لا أحد يكلؤكم من عذابه لو نزل. والمخاطبون لم يخافوا العذاب أصلا لإنكارهم له ولفظ الرحمن للدلالة على أن تأخير العذاب من رحمته العامة، ومَن متعلق بيكاؤكم. ويجوز أن يكون المبنى على التقرير، أى مَن هؤلاء الذين هم من الرحمن يحفظونكم مما لم يقدر عليكم؟ الجواب: إنهم ملائكة. والكفرة ولو لم يكن عندهم علم بذلك لكن من شأنهم أن يعلموه ويصدقوا به، لكثرة الإخبار به. وعن مجاهد: ما من آدمى إلا ومعه مَلَكان يحفظانه فى ليله ونهاره، ونومه ويقظته؛ من الجن والإنس والدواب والسباع والهوام والطير، كلما أراده بشئ قالا: إليك حتى يأتى القدر. {بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} وذكره: أمره ونهيه، وثوابه وعقابه فى القرآن والسنة، لا يخطر ذلك ببالهم، فضلا عن أن يخافوا عقابه.
اطفيش
تفسير : {قُلْ} يا محمد سائلا سؤال تفريع عن الاغترار بالنعم التى بين أيديهم {مَنْ يكلَؤُكُمْ} يحفظكم {بالليل والنَّهار} قدم الليل لأن الدواهى فيه أكثر وأشد، ولأنه أسبق {مِن الرَّحْمن} اختار لفظ الرحمة، إيذاناً بأنه لا حفظ لهم إلا برحمته، وتلقينا بأن يجيبوا، تكلؤنا برحمتك، وإعلاماً بشدة البأس إن لم يؤمنوا، كما يقال: أعوذ بالله من غضب الحليم، وتقبيحا لهم بشدة خبثهم حتى لم تنلهم رحمته مع سعتها. {بل هُمْ عَنْ ذكْرِ ربِّهِم مُعْرضون} انتقال الى ذكر أنهم ليسوا من أهل السماع، وأنهم يستمرون علىالإعراض اشتغالاً بآلهتهم ونعمهم عن ذكر المنعم عليهم، المربى لهم، والمقام لتقبيح حالهم، فلا يصح ما قيل: إن المعنى أنهم لمن يغفلوا عن الله البتة، لأنهم يعبدون الآلهة لتشفع لهم عند الله، ولكن أعرضوا عن ذكره، وعن التذكر بتذكير المذكر لهم.
الالوسي
تفسير : {قُلْ} أمر له صلى الله عليه وسلم أن يسأل أولئك المستهزئين سؤال تقريع وتنبيه كيلا يغتروا بما غشيهم من نعم الله تعالى ويقول: {مَن يَكْلَؤُكُم} أي يحفظكم {بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي من بأسه بقرينة الحفظ، وتقديم الليل لما أن الدواهي فيه أكثر وقوعاً وأشد وقعاً. وفي التعرض لعنوان الرحمانية تنبيه على أنه لا حفظ لهم إلا برحمته تعالى وتلقين للجواب كما قيل في قوله تعالى: { أية : مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ } تفسير : [الانفطار: 6] وقيل إن ذلك إيماء إلى أن بأسه تعالى إذا أراد شديد أليم ولذا يقال نعوذ بالله عز وجل من غضب الحليم وتنديم لهم حيث عذبهم من غلبت رحمته ودلالة على شدة خبثهم. وقرأ أبو جعفر والزهري وشيبة {يكلوكم} بضمة خفيفة من غير همز، وحكى الكسائي والفراء {يكلوكم} بفتح اللام وإسكان الواو. وقوله تعالى: {ٱلرَّحْمَـٰنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ} إضراب عن ذلك تسجيلاً عليهم بأنهم ليسوا من أهل السماع وأنهم قوم ألهتهم النعم عن المنعم فلا يذكرونه عز وجل حتى يخافوا بأسه أو يعدوا ما كانوا فيه من الأمن والدعة حفظاً وكلاءة ليسألوا عن الكالىء على طريقة قوله: شعر : عوجوا فحيوا لنعمى دمنة الدار ماذا تحيون من نؤَى وأحجار تفسير : وفيه أنهم مستمرون على الإعراض ذكروا ونبهوا أولاً، وفي تعليق الإعراض بذكره تعالى وإيراد اسم الرب المضاف إلى ضميرهم المنبـىء عن كونهم تحت ملكوته وتدبيره وتربيته تعالى من الدلالة على كونهم في الغاية القاصية من الضلالة والغي ما لا يخفى، وقيل إنه إضراب عن مقدر أي انهم غير غافلين عن الله تعالى حتى لا يجدي السؤال عنه سبحانه كيف وهم إنما اتخذوا الآلهة وعبدوها لتشفع لهم عنده تعالى وتقربهم إليه زلفى بل هم معرضون عن ذكره عز وجل فالتذكير يناسبهم، وهذا مع ظهوره من مساق الكلام ووضوح انطباقه على مقتضى المقام قد خفي عن الناظرين وغفلوا عنه أجمعين اهـ. وتعقب بأن السياق لتجهيلهم والتسجيل عليهم بأنهم إذا ذكروا لا يذكرون ألا يرى قوله تعالى: { أية : وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَاء } تفسير : [الأنبياء: 45] وما ذكر يقتضي العكس لتضمنه وصفهم بإجداء الإنذار والدعاء مع أن قوله غير غافلين مناف لما يدل عليه النظم الكريم فالحق ما تقدم.
ابن عاشور
تفسير : {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ * بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وءابَاءهم حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ العُمُرُ} بعد أن سُلِّيَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - على استهزائهم بالوعيد أُمر أن يذكرهم بأن غرورهم بالإمهال من قِبل الله رحمة منه بهم كشأنه في الرحمة بمخلوقاته بأنهم إذا نزل بهم عذابه لا يجدون حافظاً لهم من العذاب غيره ولا تمنعهم منه آلهتهم. والاستفهام إنكار وتقريع، أي لا يكلؤُهم منه أحد فكيف تجهلون ذلك، تنبيهاً لهم إذ نسوا نعمه. وذكر الليل والنهار لاستيعاب الأزمنة كأنه قيل: من يكلؤكم في جميع الأوقات. وقدم الليل لأنه زمن المخاوف لأن الظلام يُعين أسباب الضر على الوصول إلى مبتغاها من إنسان وحيوان وعلل الأجسام. وذكر النهار بعده للاستيعاب. ومعنى {من الرحمان} من بأسه وعذابه. وجيء بعد هذا التفريع بإضرابات ثلاثة انتقالية على سبيل التدريج الذي هو شأن الإضراب. فالإضراب الأول قوله تعالى: {بل هم عن ذكر ربهم معرضون}، وهو ارتقاء من التقريع المجعول للإصلاح إلى التأييس من صلاحهم بأنهم عن ذكر ربهم معرضون فلا يُرجَى منهم الانتفاع بالقوارع، أي أخِّرْ السؤال والتقريع واتركهم حتى إذا تورّطوا في العذاب عرفوا أن لا كالىء لهم. ثم أضرب إضراباً ثانياً بــــ (أم) المنقطعة التي هي أخت (بل) مع دلالتها على الاستفهام لقصد التقريع فقال: {أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا}، أي بل ألهم آلهة. والاستفهام إنكار وتقريع، أي ما لهم آلهة مانعة لهم من دوننا. وهذا إبطال لمعتقدهم أنهم اتخذوا الأصنام شفعاء. وجملة {لا يستطيعون نصر أنفسهم} مستأنفة معترضة. وضمير {يستطيعون}عائد إلى آلهة أجري عليهم ضمير العقلاء مجاراة لما يجريه العرب في كلامهم. والمعنى: كيف ينصرونهم وهم لا يستطيعون نصر أنفسهم، ولا هم مؤيدون من الله بالقبول. ثم أضرب إضراباً ثالثاً انتقل به إلى كشف سبب غرورهم الذي من جهلهم به حسبوا أنفسهم آمنين من أخَذ الله إياهم بالعذاب فجرّأهم ذلك على الاستهزاء بالوعيد، وهو قوله تعالى: {بل متعنا هؤلاء وآباءهم}، أي فما هم مستمرون فيه من النعمة إنما هو تمتيع وإمهال كما متعنا آباءهم من قبل، وكما كان لآبائهم آجال انتهوا إليها كذلك يكون لهؤلاء، ولكن الآجال تختلف بحسب ما علم الله من الحكمة في مَداها حتى طالت أعمار آبائهم. وهذا تعريض بأن أعمار هؤلاء لا تبلغ أعمار آبائهم، وأن الله يحل بهم الهلاك لتكذيبهم إلى أمدٍ عَلِمَه. وقد وُجه الخطاب إليهم ابتداء بقوله تعالى: {قل من يكلؤكم}، ثم أُعرض عنهم من طريق الخطاب إلى طريق الغيبة لأن ما وجه إليهم من إنكار أن يكلأهم أحد من عذاب الله جعلهم أحرياء بالإعراض عنهم كما في قوله تعالى: {أية : هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها} تفسير : الآية في سورة [يونس: 22]. و {يصحبون} إما مضارع صحبهُ إذا خالطه ولازمه، والصحبة تقتضي النصر والتأييد، فيجوز أن يكون الفاعل الذي ناب عنه من أسند إليه الفعلُ المبنيّ للنائب مراداً به الله تعالى، أي لا يصحبهم الله، أي لا يؤيدهم؛ فيكون قوله تعالى: {منا} متعلقاً بــــ {يصحبون} على معنى (مِن) الاتصالية، أي صحبة متصلةً بنا بمعنى صحبة متينة. وهذا نفي لما اعتقده المشركون بقولهم {أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}تفسير : [الزمر: 3]. ويجوز أن يكون الفاعل المحذوف محذوفاً لقصد العموم، أي لا يصحبهم صاحب، أي لا يجيرهم جار فإن الجوار يقتضي حِماية الجار فيكون قوله تعالى: {منا} متعلقاً بــــ {يصحبون}على معنى (مِن) التي بمعنى (على) كقوله تعالى: {أية : فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا}تفسير : [غافر: 29]. وإما مضارع أصحبه المهموز بمعنى حفظه ومنعه، أي من السوء. والإشارة بــــ {هؤلاء} لحَاضرين في الأذهان وهم كفار قريش. وقد استقريْت أن القرآن إذا ذكرت فيه هذه الإشارة دون وجود مشار إليه في الكلام فهو يعني بها كفارَ قريش. {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} تفريع على إحالتهم نصر المسلمين وعدّهم تأخير الوعد به دليلاً على تكذيب وقوعه حتى قالوا: {أية : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}تفسير : [الأنبياء: 38] تهكماً وتكذيباً. فلما أنذرهم بما سيحل بهم في قوله تعالى: {أية : لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفّون عن وجوههم النار} تفسير : [الأنبياء: 39] إلى قوله تعالى: {أية : ما كانوا به يستهزئون}تفسير : [الأنبياء: 41] فرّع على ذلك كله استفهاماً تعجيبياً من عدم اهتدائهم إلى أمارات اقتران الوعد بالموعود استدلالاً على قربه بحصول أماراته. والرؤية علمية، وسَدت الجملة مسَدّ المفعولين لأنها في تأويل مصدر، أي أعجبوا من عدم اهتدائهم إلى نقصان أرضهم من أطرافها، وأن ذلك من صنع الله تعالى بتوجه عناية خاصة، لكونه غير جار على مقتضى الغالب المعتاد، فمَن تأمّل علم أنه من عجيب صنع الله تعالى، وكفى بذلك دليلاً على تصديق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى صدق ما وعدهم به وعنايةِ ربه به كما دلّ عليه فعل {نأتي}. فالإتيان تمثيل بِحال الغازي الذي يسعى إلى أرض قوم فيقتُل ويأسِرُ كما تقدم في قوله تعالى: {أية : فأتى الله بنيانهم من القواعد}تفسير : [النحل: 26]. والتعريف في {الأرض} تعريف العهد، أي أرض العرب كما في قوله تعالى في [سورة يوسف: 80] {أية : فلن أبرح الأرض} تفسير : أي أرضَ مصر. والنقصان: تقليل كمية شيء. والأطراف: جمع طَرف ــــ بفتح الطاء والراء ــــ. وهو ما ينتهي به الجسم من جهة من جهاته، وضده الوسط. والمراد بنقصان الأرض: نقصان مَن عليها من الناس لا نقصان مساحتها لأن هذه السورة مكية فلم يكن ساعتئذ شيء من أرض المشركين في حوزة المسلمين، والقرينة المشاهدة. والمراد: نقصان عدد المشركين بدخول كثير منهم في الإسلام ممن أسلم من أهل مكة، ومن هاجر منهم إلى الحبشة، ومَن أسلم من أهل المدينة إن كانت الآية نزلت بعد إسلام أهل العقبة الأولى أو الثانية، فكان عدد المسلمين يومئذ يتجاوز المائتين. وتقدم نظير هذه الجملة في ختام سورة الرعد. وجملة {أفَهمُ الغالبون} مفرعة على جملة التعجيب من عدم اهتدائهم إلى هذه الحالة. والاستفهام إنكاري، أي فكيف يحسبون أنهم غلَبوا المسلمين وتمكنوا من الحجة عليهم. واختيار الجملة الاسمية في قوله تعالى: {أفهم الغالبون} دون الفعلية لدلالتها بتعريف جُزْأيْهَا على القصر، أي ما هم الغالبون بل المسلمون الغالبون، إذ لو كان المشركون الغالبين لما كان عددهم في تناقص، ولَمَا خلت بلدتهم من عدد كثير منهم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ}. أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن يقول للمعرضين عن ذكر ربهم: {مَن يَكْلَؤُكُم} أي من هو الذي يحفظكم ويحرسكم {بِٱلْلَّيْلِ} في حال نومكم {وَٱلنَّهَارِ} في حال تصرفكم في أموركم. والكِلاءة بالكسر: الحفظ والحِراسة. يقال: اذهب في كِلاءة الله. أي في حفظه، واكتلأت منهم: احترست. ومنه قول ابن هرمة: شعر : إنَّ سُلَيمى والله يكلؤها ضنَّت بشيء ما كان يَرْزَؤُها تفسير : وقول كعب بن زهير: شعر : أَنَخْت بَعيري واكْتَلأَت بِعَيْنِهِ وآمرت نفسي أي أمري أفعلُ تفسير : و "من" في قوله {مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} فيها للعلماء وجهان معروفان: أحدهما ـ وعليه اقتصر ابن كثير ـ: أن "من" هي التي بمعنى بدل. وعليه فقوله {مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي بدل الرحمن، يعني غيره. وأنشد ابن كثير لذلك قول الراجز: شعر : جارية لم تلبس المرققا ولم تذق من البقول الفستقا تفسير : أي لم تذق بدل البقول الفستق. وعلى هذا القول فالآية كقوله تعالى: {أية : أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ} تفسير : [التوبة: 38] أي بدلها ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر. شعر : أخذوا المخاض من الفصيل غلبة ظلما ويكتب للأمير أفيلا تفسير : يعني أخذوا في الزكاة المخاض بدل الفصيل. والوجه الثاني ـ أن المعنى {مَن يَكْلَؤُكُم} قال أبو حيان في البحر: هو استفهام تقريع وتوبيخ. وهو عندي يحتمل الإنكار والتقرير. فوجه كونه إنكارياً أن المعنى: لا كالئ لكم يحفظكم من عذاب الله البتَّة إلاَّ الله تعالى. أي فكيف تعبدون غيره. ووجه كونه تقريريّاً أنهم إذا قيل لهم: من يكلؤكم؟ اضطروا إلى أن يقروا بأن الذي يكلؤهم هو الله. لأنهم يعلمون أنه لا نافع ولا ضار إلا هو تعالى، ولذلك يخلصون له الدعاء عند الشدائد والكروب، ولا يدعون معه غيره، كما قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة "الإسراء" وغيرها. فإذا أقروا بذلك توجه إليهم التوبيخ والتقريع، كيف يصرفون حقوق الذي يحفظهم باللَّيل والنهار إلى ما لا ينفع ولا يضر. وهذا المعنى الذي أشارت إليه هذه الآية الكريمة: أنه لا أحد يمنع أحداً من عذاب الله، ولا يحفظه ولا يحرسه من الله، وأن الحافظ لكل شيء هو الله وحده ـ جاء مبيناً في مواضع أخر. كقوله تعالى:{أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد: 11] على أظهر التفسيرات، وقوله تعالى: {أية : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً}تفسير : [الفتح: 11] الآية، وقوله تعالى: {أية : قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}تفسير : [الأحزاب: 17]، وقوله تعالى: {أية : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}تفسير : [المائدة: 17]، وقوله تعالى: {أية : وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [المؤمنون: 88] إلى غير ذلك من الآيات.
الواحدي
تفسير : {قل مَنْ يَكْلَؤُكُمْ} يحفظكم {بالليل والنهار من الرحمن} إن أنزل بكم عذابه {بل هم عن ذكر ربهم} كتاب ربِّهم {معرضون}. {أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم} فيكف تنصرتهم وتمنعهم؟! {ولا هم منا يصحبون} لا يُجارون من عذابنا.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِٱلْلَّيْلِ} (42) - سَلْ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلاَءِ المُسْتَهْزِئِينَ: مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْفَظَهُمْ مِنَ الرَّحْمَنِ إنْ أرَادَ أَنْ يُنْزِلَ بِهِمْ عَذَابَهُ فِي اللَّيْلِ أَثْنَاءَ نَوْمِهِمْ، وَفِي النَّهَارِ أَثْنَاءَ سَعْيِهِمْ فِي أُمُورِ مَعَاشِهِم؟ إِنَّهُ لاَ أَحَدَ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ هَؤُلاَءِ قَدْ أَلْهَتْهُمُ النِّعَمُ عَنْ مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ وشُكْرِهِ، فَلاَ يَذْكُرونَ اللهَ حَتَّى يَخَافُوا بَأسَهُ. يَكْلَؤُكُمْ - يَحْفَظُكُمْ وَيَحْرُسُكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: يرعاكم ويحفظكم، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يُجري مقارنة بين إنعامه سبحانه على عباده وما يقابلونه به من جحود ونكران وكفران، أنتم تكفرون بالله وتُؤذُون الصالحين من عباده وتسخرون منهم، وهو سبحانه الذي {يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ..} [الأنبياء: 42] أي: كلاءة صادرة من الله الرحمن. كما في قوله تعالى: {أية : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الرعد: 11] فليس المراد أنهم يحفظونه من أمر الله الذي أراده الله فيه؛ لأن الحِفْظَ صادر من الله، والحفَظة مكلّفون من قبله تعالى بحفظكم، وليس تطوُّعاً منهم. وكلاءة الله لك وحِفْظه إياك في النهار وفي الليل وأنت نائم عليك حَفَظة يحفظونك، ويدفَعون عنك الأذى. وكثيراً ما نسمع أن بعض الناس قام من نومه فوجد ثعباناً في فراشه، ولم يُصِبْه بسوء، وربما فزع لرؤيته فأصابه مكروه بسبب هذا الخوف، وهو لا يعلم أن الثعبان لا يؤذيه طالما أنه لم يتعرَّض له، وهذا من عجائب هذه المخلوقات أنها لا تؤذيك طالما لا تؤذيها. إذن: لا أحدَ يرقبك ويحفظك في نومك مِمَّا يُؤذيك إلا الحق سبحانه. وكلاءة الله لكم لا تقتصر على الحِفْظ من المعاطب، فمن كلاءته سبحانه أن يمدّكم بمقوّمات الحياةَ، فالشمس بضوئها، والقمر بنوره، والأرض بنباتها، والسماء بمائها. ومع هذا تكفرون به، وتسخرون من رسله وأهل طاعته؛ لذلك يقول بعدها: {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ} [الأنبياء: 42] وما كان يصحّ أنْ يغيبَ ذِكْره تعالى عنهم. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم} معناه يَحفَظُكمْ.
الجيلاني
تفسير : وإن أنكروا إلمام العذاب وإنزاله عليهم{قُلْ} لهم يا أكمل الرسل نيابة عنَّا: {مَن يَكْلَؤُكُم} ويحفظكم {بِٱلْلَّيْلِ} وقت فراغكم ومنامكم {وَٱلنَّهَارِ} وقت شغلكم وترددكم {مِنَ} نزول العذاب عذاب {ٱلرَّحْمَـٰنِ} القادر على أنواع القهر والانتقام بمقتضى جلاله، لو لم يرحم عليكم بمقتضى لطفه وجماله، لكن يرحم عليكم، فلم يعذبكم رجاء أن تنتبهوا وتواظبوا على شكر نعمه، وأداء حقوق كرمه {بَلْ هُمْ} من شدة غفلتهم وسكرتهم {عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ} الذي يحفظهم عن أنواع المكروهات والمؤذيات {مُّعْرِضُونَ} [الأنبياء: 42] لا يتوجهون نحوه ولا يلازمون عبادته ولا يداومون شكره. {أَمْ} يزعمون أولئك المصرون المسرفون أن يدفعوا عذابنا النازل لهم بقوة نفوسهم {لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ} أي: تمنع عنهم العذاب مع أهم {مِّن دُونِنَا} شركاء لنا في الألوهية والربوبية كما زعموا، وتشفعه لهم عندنا، كلا وحاشا أن يسع لآلهتهم هذا؛ إذ {لاَ يَسْتَطِيعُونَ} أولئك التماثل الهلكى {نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ} لا يقدرون لدفع ما لحقهم ونزلَ عليهم من المكروهات فكيف عن غيره؟ {وَلاَ هُمْ} أي: آلهتهم {مِّنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء: 43] ويقربون حتى يشفعوا لهم، ويدفعوا عذابنا عنهم بواسطة قربتهم وصبحتهم معنا، وإن خيلوا أن إمهالنا إياهم وآباءهم متنعمين مترفهين طول أعمارهم أمارة عدم أخذنا إياهم وانتقامنا منهم، إنما هو خيال باطل، ووهم زائغ زائل مما سولت لهم أنفسهم بتغرير إبليس عليهم. {بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ} المسرفين المعاندين {وَآبَآءَهُمْ} الضالين المستكبرين {حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} فارتكبوا أنواع المعاصي والآثام مدة حياتهم فظنوا أنهم مصونون عن الأخذ والانتقام، ونزول العذاب والنكال {أَ} يتوهمون من إمهالنا إيام هذا الموهوم {فَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا} من مقام قهرنا وانتقامنا إياهم {نَأْتِي ٱلأَرْضَ} أي: نبعث ونغلب جنود المسلمين على أرض الكفرة بحيث {نَنقُصُهَا} ونخربها مبتدئين {مِنْ أَطْرَافِهَآ} إلى أن وصل إلى أقاصيها {أَ} يزعمون ويتوهمون بعد أخذنا في تخريبه أطراف بلادهم وتنقيصها {فَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} [الأنبياء: 44] على جنودنا وجنود أنبيائنا ورسلنا، ما هو إلا زعم فاسد، فإن ادعوا أنا وآباؤنا دائماً مستمراً في كنف حفظ الله وجوار صونه من أعمارنا، فمن أين تخوفنا وتنذرنا أنت من إنزال الله العذاب علينا بغتة مع أنه لم يعهد لنا ولا لآبائنا منه تعالى أمثال هذا. {قُلْ} يا أكمل الرسل في جوابهم: {إِنَّمَآ أُنذِرُكُم} أي: ما أنذركم وأخوفكم من تلقاء نفسي بل {بِٱلْوَحْيِ} المنزل عليّ من عند الله، المشتمل على إنذاركم وتخويلكم. ثم قال سبحانه توبيخاً عليهم وتقريعاً: {وَ} كيف يرشدكم ويهديكم الرسول المنزل إليكم، المؤيد بالآيات والمعجزات أيها المقصرون على الصمم الحقيقي والإعراض الفطري الجبلي إذ {لاَ يَسْمَعُ} الرسولُ {ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ} والذكرَ المتضمنَ لأنواع الهداية والرشاد، ولا يسع له إسماعكم {إِذَا مَا يُنذَرُونَ} [الأنبياء: 45] أي: إلا وقت قابليتكم والتفاتكم إلى الإنذار والتخويف، وأنتم من شدة صممكم وقسوتكم خارجون عن قابلية الإنذار والإرشاد والوعد والوعيد. {وَ} اللهِ يا أكمل الرسل {لَئِن مَّسَّتْهُمْ} وظهرت عليهم {نَفْحَةٌ} واحدة مني ورائحة قليلة {مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ} نازلة على سبيل المقدمة والأنموذج {لَيَقُولُنَّ} مصرخين صائحين متضرعين معترفين بذنوبهم قائلين: {يٰويْلَنَآ} وهلاكنا تعالى {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 46] خارجين عن حدود الله مستوجبين للمقت والهلاك، أدركنا فقد حان حينك وقرب أوانك.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى - ذاكرا عجز هؤلاء، الذين اتخذوا من دونه آلهة، وأنهم محتاجون مضطرون إلى ربهم الرحمن، الذي رحمته، شملت البر والفاجر، في ليلهم ونهارهم - فقال: { قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ } أي: يحرسكم ويحفظكم { بِاللَّيْلِ } إذ كنتم نائمين على فرشكم، وذهبت حواسكم { وَالنَّهَارِ } وقت انتشاركم وغفلتكم { مِنَ الرَّحْمَنِ } أي: بدله غيره، أي: هل يحفظكم أحد غيره؟ لا حافظ إلا هو. { بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ } فلهذا أشركوا به، وإلا فلو أقبلوا على ذكر ربهم، وتلقوا نصائحه، لهدوا لرشدهم، ووفقوا في أمرهم. { أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا } أي: إذا أردناهم بسوء هل من آلهتهم، من يقدر على منعهم من ذلك السوء، والشر النازل بهم؟؟ { لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ } أي: لا يعانون على أمورهم من جهتنا، وإذا لم يعانوا من الله، فهم مخذولون في أمورهم، لا يستطيعون جلب منفعة، ولا دفع مضرة. والذي أوجب لهم استمرارهم على كفرهم وشركهم قوله: { بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ } أي: أمددناهم بالأموال والبنين، وأطلنا أعمارهم، فاشتغلوا بالتمتع بها، ولهوا بها، عما له خلقوا، وطال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وعظم طغيانهم، وتغلظ كفرانهم، فلو لفتوا أنظارهم إلى من عن يمينهم، وعن يسارهم من الأرض، لم يجدوا إلا هالكا ولم يسمعوا إلا صوت ناعية، ولم يحسوا إلا بقرون متتابعة على الهلاك، وقد نصب الموت في كل طريق لاقتناص النفوس الأشراك، ولهذا قال: { أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } أي: بموت أهلها وفنائهم، شيئا فشيئا، حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، فلو رأوا هذه الحالة لم يغتروا ويستمروا على ما هم عليه. { أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ } الذين بوسعهم، الخروج عن قدر الله؟ وبطاقتهم الامتناع عن الموت؟ فهل هذا وصفهم حتى يغتروا بطول البقاء؟ أم إذا جاءهم رسول ربهم لقبض أرواحهم، أذعنوا، وذلوا، ولم يظهر منهم أدنى ممانعة؟
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 636 : 11 : 17 - سفين عن عيسى عن مجاهد في قوله {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} قال، من يحفظكم بالليل والنهار؟ [الآية 42].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):