٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
44
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {بَلْ مَتَّعْنَا هَـؤُلآءِ وَءَابَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} إضراب عما توهموا ببيان ما هو الداعي إلى حفظهم وهو الاستدراج والتمتع بما قدر لهم من الأعمار، أو عن الدلالة على بطلانه ببيان ما أوهمهم ذلك، وهو أنه تعالى متعهم بالحياة الدنيا وأمهلهم حتى طالت أعمارهم فحسبوا أن لا يزالوا كذلك وأنه بسبب ما هم عليه ولذلك عقبه بما يدل على أنه أمل كاذب فقال: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ} أرض الكفرة. {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} بتسليط المسلمين عليها، وهو تصوير لما يجريه الله تعالى على أيدي المسلمين. {أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} رسول الله والمؤمنين.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المشركين: إنما غرهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال أنهم متعوا في الحياة الدنيا، ونعموا، وطال عليهم العمر فيما هم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء، ثم قال واعظاً لهم: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ} اختلف المفسرون في معناه، وقد أسلفنا في سورة الرعد، وأحسن ما فسر بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلأَيَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } تفسير : [الأحقاف: 27] وقال الحسن البصري: يعني بذلك ظهور الإسلام على الكفر، والمعنى: أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه، وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة، وإنجائه لعباده المؤمنين؟ ولهذا قال: {أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ}؟ يعني: بل هم المغلوبون الأسفلون، الأخسرون الأرذلون. وقوله: {قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْىِ} أي: إنما أنا مبلغ عن الله ما أنذرتكم به من العذاب والنكال، ليس ذلك إلا عما أوحاه الله إلي، ولكن لا يجدي هذا عمن أعمى الله بصيرته، وختم على سمعه وقلبه، ولهذا قال: {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ} وقوله: {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ} أي: ولئن مس هؤلاء المكذبين أدنى شيء من عذاب الله، ليعترفن بذنوبهم، وأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدنيا. وقوله: {وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} أي: ونضع الموازين العدل ليوم القيامة، الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه. وقوله: {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ} كما قال تعالى: {أية : وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} تفسير : [الكهف: 46] وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40] وقال لقمان: {أية : يٰبُنَىَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ أَوْ فِى ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } تفسير : [لقمان: 16] وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك عن ليث بن سعد عن عامر بن يحيى عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله عز وجل يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شئياً؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يارب، قال: أفلك عذر أو حسنة؟ قال: فيبهت الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، قال: ولا يثقل شيء مع بسم الله الرحمن الرحيم» تفسير : ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث الليث بن سعد، وقال الترمذي: حسن غريب. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن يحيى عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل، فيوضع في كفة، ويوضع ما أحصي عليه، فيمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار، قال: فإذا أدبر به، إذا صائح من عند الرحمن عز وجل يقول: لا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها: لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان» تفسير : وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو نوح مراراً، أنبأنا ليث بن سعد عن مالك بن أنس عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس بين يديه، فقال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأضربهم وأشتمهم، فكيف أنا منهم؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم، كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم، كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم، اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلكتفسير : ، فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهتف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ماله لا يقرأ كتاب الله: {وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ}؟» تفسير : فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد شيئاً خيراً من فراق هؤلاء ــــ يعني: عبيده ــــ إني أشهدك أنهم أحرار كلهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلآءِ وَءَابآءَهُمْ } بما أنعمنا عليهم {حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ } فاغترّوا بذلك {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَْضَ } نقصد أرضهم {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } بالفتح على النبي صلى الله عليه وسلم {أَفَهُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ }؟لا، بل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
الشوكاني
تفسير : لما أبطل كون الأصنام نافعة أضرب عن ذلك منتقلاً إلى بيان أن ما هم فيه من الخير والتمتع بالحياة العاجلة هو من الله، لا من مانع يمنعهم من الهلاك، ولا من ناصر ينصرهم على أسباب التمتع فقال: {بَلْ مَتَّعْنَا هَـؤُلاء وَءَابَاءهُمْ } يعني: أهل مكة متعهّم الله بما أنعم عليهم {حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ } فاغترّوا بذلك وظنوا أنهم لا يزالون كذلك، فرد سبحانه عليهم قائلاً: {أَفَلاَ يَرَوْنَ } أي أفلا ينظرون فيرون {أَنَّا نَأْتِي ٱلأرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } أي أرض الكفر ننقصها بالظهور عليها من أطرافها فنفتحها بلداً بعد بلد وأرضاً بعد أرض، وقيل: ننقصها بالقتل والسبي، وقد مضى في الرعد الكلام على هذا مستوفى، والاستفهام في قوله: {أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر كنظائره، أي كيف يكونون غالبين بعد نقصنا لأرضهم من أطرافها؟ وفي هذا إشارة إلى أن الغالبين هم المسلمون. {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْي} أي أخوّفكم وأحذركم بالقرآن، وذلك شأني وما أمرني الله به، وقوله: {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَاء } إما من تتمة الكلام الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم، أو من جهة الله تعالى. والمعنى: أن من أصمّ الله سمعه وختم على قلبه وجعل على بصره غشاوة لا يسمع الدعاء. قرأ أبو عبد الرحمٰن السلمي ومحمد بن السميفع "ولا يسمع" بضم الياء وفتح الميم على ما لم يسم فاعله. وقرأ ابن عامر وأبو حيوة ويحيـى بن الحارث بالتاء الفوقية مضمومة وكسر الميم، أي إنك يا محمد لا تسمع هؤلاء. قال أبو علي الفارسي: ولو كان كما قال ابن عامر لكان: إذا ما تنذرهم، فيحسن نظم الكلام، فأما {إِذَا مَا يُنذَرُونَ } فحسن أن يتبع قراءة العامة. وقرأ الباقون بفتح الياء وفتح الميم ورفع الصم على أنه الفاعل. {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مّنْ عَذَابِ رَبّكَ } المراد بالنفحة: القليل، مأخوذ من نفح المسك قاله ابن كيسان، ومنه قول الشاعر:شعر : وعمرة من سروات النساء تنفَّحُ بالمسك أردانها تفسير : وقال المبرد: النفحة: الدفعة من الشيء التي دون معظمه، يقال: نفحه نفحة بالسيف إذا ضربه ضربة خفيفة. وقيل: هي النصيب، وقيل هي الطرف. والمعنى متقارب، أي ولئن مسهم أقلّ شيء من العذاب {لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } أي ليدعون على أنفسهم بالويل والهلاك ويعترفون عليها بالظلم. {وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } الموازين جمع ميزان، وهو يدل على أن هناك موازين، ويمكن أن يراد ميزان واحد، عبر عنه بلفظ الجمع، وقد ورد في السنة في صفة الميزان ما فيه كفاية، وقد مضى في الأعراف، وفي الكهف في هذا ما يغني عن الإعادة. والقسط: صفة للموازين. قال الزجاج: قسط: مصدر يوصف به، تقول: ميزان قسط وموازين قسط، والمعنى: ذوات قسط، والقسط: العدل. وقرىء "القصط" بالصاد والطاء، ومعنى {لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } لأهل يوم القيامة. وقيل: اللام بمعنى في، أي في يوم القيامة {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً } أي لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيء {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ } قرأ نافع وشيبة وأبو جعفر برفع مثقال على أن كان تامة، أي إن وقع أو وجد مثقال حبة. وقرأ الباقون بنصب المثقال على تقدير: وإن كان العمل المدلول عليه بوضع الموازين مثقال حبة، كذا قال الزجاج. وقال أبو عليّ الفارسي: وإن كان الظلامة مثقال حبة. قال الواحدي: وهذا أحسن لتقدّم قوله: {فلا تظلم نفس شيئاً}، ومثقال الشيء ميزانه، أي وإن كان في غاية الخفة والحقارة، فإن حبة الخردل مثل في الصغر {أَتَيْنَا بِهَا } قرأ الجمهور بالقصر، أي أحضرناها وجئنا بها للمجازاة عليها، و{بها} أي بحبة الخردل. وقرأ مجاهد وعكرمة: "آتينا" بالمدّ على معنى: جازينا بها، يقال: آتى يؤاتي مؤاتاة جازى {وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ } أي كفى بنا محصين. والحسب في الأصل معناه: العدّ؛ وقيل: كفى بنا عالمين، لأن من حسب شيئاً علمه وحفظه، وقيل: كفى بنا مجازين على ما قدّموه من خير وشرّ. ثم شرع سبحانه في تفصيل ما أجمله سابقاً بقوله: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمُ } تفسير : [الأنبياء: 7] فقال: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ } المراد بالفرقان: هنا: التوراة، لأن فيها الفرق بين الحلال والحرام، وقيل: الفرقان هنا هو: النصر على الأعداء كما في قوله: {أية : وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } تفسير : [الأنفال: 41]. قال الثعلبي: وهذا القول أشبه بظاهر الآية، ومعنى {وضياء}: أنهم استضاؤوا بها في ظلمات الجهل والغواية، ومعنى {وذكرا} الموعظة، أي أنهم يتعظون بما فيها، وخصّ المتقين لأنهم الذين ينتفعون بذلك، ووصفهم بقوله: {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ } لأن هذه الخشية تلازم التقوى. ويجوز أن يكون الموصول بدلاً من المتقين أو بياناً له، ومحل {بالغيب} النصب على الحال، أي يخشون عذابه وهو غائب عنهم، أو هم غائبون عنه لأنهم في الدنيا، والعذاب في الآخرة. وقرأ ابن عباس وعكرمة: {ضياء} بغير واو. قال الفراء: حذف الواو والمجيء بها واحد، واعترضه الزجاج بأن الواو تجيء لمعنى فلا تزاد {وَهُمْ مّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ } أي وهم من القيامة خائفون وجلون، والإشارة بقوله: {وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ } إلى القرآن. قال الزجاج: المعنى: وهذا القرآن ذكر لمن تذكر به وموعظة لمن اتعظ به، والمبارك كثير البركة والخير. وقوله: {أَنزَلْنَـٰهُ } صفة ثانية للذكر، أو خبر بعد خبر، والاستفهام في قوله: {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } للإنكار لما وقع منهم من الإنكار، أي كيف تنكرون كونه منزلاً من عند الله مع اعترافكم بأن التوراة منزلة من عنده. {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرٰهِيمَ رُشْدَهُ } أي الرشد اللائق به وأمثاله من الرسل، ومعنى {مِن قَبْلُ }: أنه أعطى رشده قبل إيتاء موسى وهٰرون التوراة. وقال الفراء: المعنى: أعطيناه هداه من قبل النبوّة، أي وفقناه للنظر والاستدلال لما جنّ عليه الليل فرأى الشمس والقمر والنجم، وعلى هذا أكثر المفسرين، وبالأوّل قال أقلهم {وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ } أنه موضع لإيتاء الرشد، وأنه يصلح لذلك، والظرف في قوله: {إِذْ قَالَ لأبِيهِ } متعلق بآتينا أو بمحذوف، أي اذكر حين قال، وأبوه هو آزر {وَقَوْمِهِ } نمروذ ومن اتبعه، والتماثيل: الأصنام. وأصل التمثال: الشيء المصنوع مشابهاً لشيء من مخلوقات الله سبحانه، يقال: مثلت الشيء بالشيء: إذا جعلته مشابهاً له، واسم ذلك الممثل تمثال، أنكر عليهم عبادتها بقوله: {مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَـٰثِيلُ ٱلَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ } والعكوف عبارة عن اللزوم والاستمرار على الشيء، واللام في {لها} للاختصاص، ولو كانت للتعدية لجيء بكلمة على، أي ما هذه الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها؟ وقيل: إن العكوف مضمن معنى العبادة. {قَالُواْ وَجَدْنَا ءابَاءنَا لَهَا عَـٰبِدِينَ } أجابوه بهذا الجواب الذي هو العصا التي يتوكأ عليها كل عاجز، والحبل الذي يتشبث به كل غريق، وهو التمسك بمجرد تقليد الآباء، أي وجدنا آباءنا يعبدونها فعبدناها اقتداء بهم ومشياً على طريقتهم، وهكذا يجيب هؤلاء المقلدة من أهل هذه الملة الإسلامية، وإن العالم بالكتاب والسنّة إذا أنكر عليهم العمل بمحض الرأي المدفوع بالدليل قالوا: هذا قد قال به إمامنا الذي وجدنا آباءنا له مقلدين وبرأيه آخذين، وجوابهم: هو ما أجاب به الخليل ها هنا {قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } أي في خسران واضح ظاهر لا يخفى على أحد ولا يلتبس على ذي عقل، فإن قوم إبراهيم عبدوا الأصنام التي لا تضرّ ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر، وليس بعد هذا الضلال ضلال، ولا يساوي هذا الخسران خسران، وهؤلاء المقلدة من أهل الإسلام استبدلوا بكتاب الله وبسنّة رسوله كتاباً قد دوّنت فيه اجتهادات عالم من علماء الإسلام زعم أنه لم يقف على دليل يخالفها، إما لقصور منه أو لتقصير في البحث فوجد ذلك الدليل من وجده وأبرزه واضح المنار:شعر : كأنه علم في رأسه نار تفسير : وقال: هذا كتاب الله أو هذه سنّة رسوله، وأنشدهم:شعر : دعوا كل قول عند قول محمد فما آمن في دينه كمخاطر تفسير : فقالوا كما قال الأوّل:شعر : ما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وأن ترشد غزية أرشد تفسير : وقد أحسن من قال:شعر : يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ومنهج الحقّ له واضح تفسير : ثم لما سمع أولئك مقالة الخليل قالوا: {أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللَّـٰعِبِينَ } أي أجادّ أنت فيما تقول أم أنت لاعب مازح؟ قال: مضرباً عما بنوا عليه مقالتهم من التقليد: {بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ *ٱلَّذِى فطَرَهُنَّ } أي خلقهنّ وأبدعهنّ {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ } الذي ذكرته لكم من كون ربكم هو ربّ السمٰوات والأرض دون ما عداه {مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } أي العالمين به المبرهنين عليه، فإن الشاهد على الشيء هو من كان عالماً به مبرهناً عليه مبيناً له. وقد أخرج أحمد والترمذي، وابن جرير في تهذيبه، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن عائشة أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا عليك ولا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتصّ لهم منك الفضل"تفسير : ، فجعل الرجل يبكي ويهنف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أما تقرأ كتاب الله: {وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حاسبين}" تفسير : فقال له الرجل: يا رسول الله، ما أجد لي ولهم خيراً من مفارقتهم أشهدك أنهم أحرار. رواه أحمد هكذا: حدّثنا أبو نوح قراد، أخبرنا ليث بن سعد عن مالك بن أنس عن الزهري عن عروة، عن عائشة فذكره، وفي معناه أحاديث. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَاء }. وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ } قال: التوراة. وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: {ٱلْفُرْقَانَ}: الحقّ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة: {وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ } أي القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إِبْرٰهِيمَ رُشْدَهُ } قال: هديناه صغيراً، وفي قوله: {مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَـٰثِيلُ } قال: الأصنام.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {نأَتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} فيه أربعة أوجه: أحدها: ننقصها من أطرافها عند الظهور عليها أرضاً بعد أرض وفتحها بلداً بعد بلد، قاله الحسن. الثاني: بنقصان أهلها وقلة بركتها، قاله ابن أبي طلحة. الثالث: بالقتل والسبي، حكاه الكلبي. الرابع: بموت فقهائها وعلمائها، قاله عطاء، والضحاك. ويحتمل خامساً: بجور ولاتها وأمرائها.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَنقُصُهَا} بالظهور عليها وفتحها بلداً بعد بلد "ح" أو بنقصان أهلها وقلة بركتها، أو بالقتل والسبي أو بموت فقهائها وعلمائها.
الخازن
تفسير : {بل متعنا هؤلاء} يعني الكفار {وآباءهم} أي في الدنيا بأن أنعمنا عليهم وأمهلناهم {حتى طال عليهم العمر} أي امتد بهم الزمان فاغتروا {أفلا يرون} يعني هؤلاء المشركين {أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} يعني ننقص من أطراف المشركين، ونزيد من أطراف المؤمنين يريد بذلك ظهور النبي صلى الله عليه وسلم وفتحه ديار الشرك أرضاً فأرضاً وقرية فقرية، والمعنى أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في إتيان الأرض من جوانبها بأخذ الواحد، بعد الواحد وفتح البلاد والقرى مما حول مكة وإدخالها في ملك محمد صلى الله عليه وسلم، وموت رؤوس المشركين المتنعمين بالدنيا. أما كان لهم عبرة في ذلك فيؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويعلموا أنهم لا يقدرون على الامتناع منا ومن إرادتنا فيهم ثم قال {أفهم الغالبون} استفهام بمعنى التقريع معناه بل نحن الغالبون وهم المغلوبون {قل} يا محمد {إنما أنذركم بالوحي} أي أخوفكم بالقرآن {ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون} أي يخوفون {ولئن مستهم} أي أصابتهم {نفحة من عذاب ربك} قال ابن عباس طرف وقيل شيء قليل {ليقولن يا ويلنا إن كنا ظالمين} دعوا على أنفسهم بالويل بعد ما أقروا على أنفسهم بالظلم والشرك. وقوله عزّ وجلّ {ونضع الموازين القسط} أي ذوات العدل ومعنى وصفها بذلك لأن الميزان قد يكون مستقيماً وقد يكون بخلافه فبين أن تلك الموازين تجري على حد العدل ومعنى وضعها إحضارها {ليوم القيامة} أي لأهل يوم القيامة قيل المراد بالميزان العدل والقسط بينهم في الأعمال، فمن أحاطت حسناته بسيئاته فاز ونجا وبالعكس ذل وخسر، والصحيح الذي عليه أئمة السلف أن الله سبحانه وتعالى يضع الموازين الحقيقية ويزن بها أعمال العباد، وقال الحسن هو ميزان له كفتان ولسان وأكثر الأقوال أنه ميزان واحد وإنما جمع لاعتبار تعدد الأعمال الموزونة به. وروي أن داود عليه الصلاة والسلام سأل ربه عزّ وجلّ أن يريه الميزان فأراه كل كفته ما بين المشرق والمغرب فلما رآه غشي عليه، ثم فاق فقال إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ قال يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة. فعلى هذا ففي كيفية وزن الأعمال مع أنها أعراض طريقان: أحدهما: أن توضع صحائف الأعمال فتوضع صحائف الحسنات في كفة، وصحائف السيئات في كفة. والثاني: أن يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة. فإن قلت كيف تصنع بقوله ونضع الموازين القسط مع قوله فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً. قلت هذه في حق الكفار لأنهم ليس لهم أعمال توزن مع الكفر. وقوله تعالى {فلا تظلم نفس شيئاً} يعني لا تبخس مما لها وما عليها من خير وشر شيئاً {وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها} معناه أنه لا ينقص من إحسان محسن، ولا يزاد في إساءة مسيء، وأراد بالحبة الجزء اليسير من الخردل، ومعنى أتينا بها يعني أحضرناها لنجازي بها. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مد البصر، ثم يقول أتنكر من هذا شيئاً، أظلمك كتبتي الحافظون، فيقول لا يارب، فيقول أفلك عذر، فيقول لا يا رب. فيقول الله تعالى بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول أحضر وزنك فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقال إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء"تفسير : أخرجه الترمذي. السجل الكتاب الكبير، وأصله من التسجيل لأنه يجمع أحكاماً, والبطاقة ورقة صغيرة تجعل في طي الثوب يكتب فيها ثمنه، والطيش الخفة، قلت في الحديث دليل على أن صحائف الأعمال هي التي توزن, لا أن الأعمال تتجسد جواهر فتوزن والله أعلم. قوله تعالى {وكفى بنا حاسبين} قال ابن عباس معناه كفى بنا عالمين حافظين لأن من حسب شيئاً فقد علمه وحفظه، والغرض منه التحذير فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون بأشد الخوف منه ويروى عن الشبلي أنه رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال: شعر : حاسبونا فدققوا ثم منوا فأعتقوا هكذا سيمة الملو ك بالمماليك يرفقوا تفسير : قوله عزّ وجلّ {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان} يعني الكتاب المفرق بين الحق والباطل وهو التوراة، وقيل الفرقان النصر على الأعداء فعلى هذا يكون {وضياء} يعني التوراة ومن قال الفرقان هو التوراة جعل الواو زائدة في وضياء والمعنى آتينا موسى التوراة ضياء {وذكراً للمتقين} يعني يتذكرون بمواعظها ويعملون بما فيها {الذين يخشون ربهم بالغيب} أي يخافونه ولم يروه، وقيل يخافونه في الخلوات إذا غابوا عن أعين الناس {وهم من الساعة مشفقون} أي خائفون {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} أي كما آتينا موسى التوراة، فكذلك أنزلنا القرآن ذكراً مباركاً، أي هو ذكر لمن آمن به مبارك يتبرك به ويطلب منه الخير {أفأنتم} يا أهل مكة {له منكرون} أي جاحدون. قوله تعالى {ولقد آتينا إبراهيم رشده} أي صلاحه وهداه {من قبل} أي من قبل موسى وهرون، وقيل من قبل البلوغ وهو حين خرج من السرب وهو صغير {وكنا به عالمين} أي إنه من أهل الهداية والنبوة {إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل} يعني الصور والأصنام {التي أنتم لها عاكفون} أي مقيمون على عبادتها {قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} أي فاقتدينا بهم {قال} يعني إبراهيم {لقد كنتم أنتم وآباءكم في ضلال مبين} أي في خطأ بين بعبادتكم إياها {قالوا أجئتنا بالحق} أي بالصدق {أم أنت من اللاعبين} يعنون أجاد أنت فيما تقول أم أنت لاعب {قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن} أي خلقهن {وأنا على ذلكم من الشاهدين} أي على أنه الإله الذي يستحق العبادة، وقيل شاهد على أنه خالق السموات والأرض {وتالله لأكيدن أصنامكم} أي لأمكرن بها {بعد أن تولوا مدبرين} أي منطلقين إلى عيدكم، قيل إنما قال إبراهيم هذا القول سراً في نفسه، ولم يسمع ذلك إلا رجل واحد من قومه فأفشاه عليه، وهو القائل إنا سمعنا فتى يذكرهم، وقيل كان لهم في كل سنة مجمع وعيد فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم رجعوا إلى منازلهم فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا فخرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض وقال إني سقيم أشتكي رجلي فتركوه ومضوا، فنادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس تالله لأكيدن أصنامكم فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة وهن في بهو عظيم، ومستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه صنم أصغر منه والأصنام جنبها إلى جنب بعض كل صنم الذي يليه أصغر منه وهكذا إلى باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً بين يدي الآلهة وقالوا إذا رجعنا وقد بركت الآلهة عليه أكلنا منه، فلما نظر إبراهيم إليهم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال لهم على طريق الاستهزاء {أية : ألا تأكلون}تفسير : [الصافات: 91] فلما لم يجيبوه {أية : ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضرباً باليمين}تفسير : [الصافات: 92-93] وجعل يكسرهن بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلا الصنم العظيم، علق الفأس في عنقه، وقيل في يده ثم خرج.
القشيري
تفسير : طولُ الإمتاع إذا لم يكن مقروناً بالتوفيق، مشفوعاً بالعصمة كان مكراً واستدراجاً، وزيادةً في العقوبة. والحقُّ كما يعاقِبُ بالآلام والأهوال يعاقِب بالإملاء والإمهال. وقال: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ} تتوالى القسوة حتى لا يَبْقَى أثرٌ، للصفوة؛ فيتعاقبُ الخذلانُ حتى يتواتر العصيان، ويتأدى ذلك إلى الحرمان الذي فيه ذهاب الإيمان. ويقال تنقص بذهاب الأكابر ويبقى الأراذل ويتعرض الأفاضل.. وفي هذا أيضاً إشارة إلى سقوط قوى العبد بمرور السنين وتطاول العمر، فإن آخر الأمر كما قيل: شعر : آخِـــــــرُ الأمر ما تــــــرَى القبرُ واللَّحدُ والثرى تفسير : وكما قيل: شعر : طوى العصران ما نَشْرَاه مني وأبلى جدتي نَشْرٌ وطيُّ أراني كلَّ يومٍ في انتقاص ولا يبقى - مع النقصان - شيُّ
اسماعيل حقي
تفسير : {بل متعنا هؤلاء وآباءهم} المتاع انتفاع ممتد الوقت يقال متعه الله بكذا وامتعه وتمتع به: يعنى [بلكه ما برخورداى رى داديم آن كروه را بجهت سعت معيشت وايمنى وسلامتى وبدر ايشانرا]{حتى طال عليهم العمر} بضم الميم وسكونها اسم لمدة عمارة البدن بالحياة اى طال عليهم الاجل فى التمتع فاغتروا وحسبوا انهم ما زالوا على ذلك لا يغلبون [وندانستندكه دست اجل برهم زنداين بناكه افراشته]{أفلا يرون} اى ألا ينظرون فلا يرون {انانأتى الارض} ارض الكفرة التى هى دار الحرب {ننقصها من اطرافها} بتسليط المؤمنين عليها فكيف يتوهمون انهم ناجون من بأسنا والجملة خبر بعد خبر او حال او بدل والاطراف جمع طرف بالتحريك وهوناحية من النواحى وطائفة من الشئ قالوا هذا تمثيل وتصوير لما يخربه الله من ديارهم على ايدى المسلمين ويضيفه الى دار الاسلام وذلك ان الله لا يأتى بل العساكر تغزوا ارض الكفرة وتأتى غلبة عليها ناقصة من نواحيها. قال الكاشفى يعنى [ميكشاييم آنرابر مسلمانان كه تاهرروزقلعه ميكيرند ومنزلى بحوزه تصرف درمى آرند] وقد سبق فى آخر سورة الرعد {أفهم الغالبون} القاهرون على رسول الله والمؤمنين اى أبعد ظهور ما ذكر ورؤيتهم له يتوهم غلبتهم اى الغالب هو الله وهم المغلبون وفى الحديث "حديث : فضلت على الناس باربع بالسماحة والشجاعة وكثرة الجماع وشدة البطش"تفسير : قيل للاسكندر فى عسكر دارا الف الف مقاتل فقال ان القصان الحاذق لا يهوله كثرة الاغنام: وفى المثنوى شعر : تيشه را زانبوهى شاخ درخت كى هراس آيد ببرد لخت لخت شعله را زانبوهى هيزم جه غم كى رمد قصاب زانبوه غنم خر نشايد كشت از بهر صلاح جون شودوحشى سود خونش مباح لا جرم كفاررا شد خون مباح همجو وحشى بيش نشاب ورماح جفت وفرزندان شان جمله سبيل زانكه بى عقلند ومردود وذليل تفسير : واعلم ان الغلبة والنصرة منصب شريف فهو بجند الله تعالى وهم الانبياء والاولياء وصالحوا المؤمنين كما قال تعالى {أية : وان جندنا لهم الغالبون}تفسير : اى وان رؤى انهم مغلوبون لان الغالبية له ألا ترى ان الله تعالى اظهر المؤمنين على العرب كلهم وافتتحوا بلاد الشرق والغرب ومزقوا ملك الا كاسرة وملكوا خزائنهم واستولوا على الدنيا وما وقع فى بعض الاوقات من صورة الانهزام فهو من باب تشديد المحنة والبلاء الحسن. فعلى المؤمن ان يثق بوعد الله تعالى ولا يضعف عن الجهاد فان بالهمة تنقلع الجبال عن اماكنها. وعن امير المؤمنين على رضى الله عنه انى ما قعلت خيبر بقوة جسمانية ولا بحركة غذائية لكنى ايدت بقوة ملكوتية ونفس بنور ربها مضيئة عن جابر رضى الله عنه ان عليا رضى الله عنه لما انتهى الى الحصن اخذ احد ابوابه فالقاه فى الارض فاجتمع عليه بعد سبعون رجلا فكان جهدهم ان اعادوا الباب قالوا "كل طائر يطير بجناحيه والعاقل بهمته" شعر : فللمزيد رجال وللحروب رجال
الجنابذي
تفسير : {بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ} يعنى ليس لهم آلهة بل متّعنا هؤلآء {وَآبَآءَهُمْ} بالاموال والاولاد والاعمار والصّحّة والامن {حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} فاغترّوا بتمتيعنا واتّبعوا اهواءهم {أَ} اغترّوا بتمتيعنا وغفلوا عن الرّجوع الينا {فَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ} برسلنا {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ} باذهاب النّفوس النّازلة من عالم الارواح اليها المثقّلة لها الّتى تزيدها عن قدرها، ولمّا كان النّفوس السّفليّة الشّيطانيّة كأنّها لا تنقل من الارض بالموت فسّر نقصان الارض بموت العلماء فى اخبارنا، وقيل: انّ المعنى ننقصها من اطرافها بظهور المسلمين على الكافرين بنقصان ديار المقاتلين واراضيهم وازدياد ديار المسلمين واراضيهم لكن هذا لا يناسب سوق العبارة فى المقام {أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} على امرنا وحكمنا وقد مرّت الآية فى سورة الرّعد.
الهواري
تفسير : قوله: {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلآءِ وءابَآءَهُمْ} يعني قريشاً {حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ} أي: لم يأتهم رسول حتى جاءهم محمد عليه السلام. {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا}. قال ابن عباس: موت فقهائها وعلمائها. ذكر بعضهم قال: موت عالم أحب إلى إبليس من موت ألف عابد. وقال الحسن: (نَنقُصُهَا مِن أَطْرَافِهَا) بالفتوح على النبي صلى الله عليه وسلم أرضاً فأرضاً. ألا تسمعه يقول: {أَفَهُمُ الغَالِبُونَ} أي: ليسوا بالغالبين، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الغالب. وقال الحسن: إن الله يبعث قبل يوم القيامة ناراً تطرد الناس من أطراف الأرض إلى الشام، تنزل معهم إذا نزلوا، وترحل معهم إذا رحلوا، فتقوم عليهم القيامة بالشام، وهو قوله: {نَنقُصُهَا مِن أطْرَافِهَا}. قوله عز وجل: {قُلِ إِنَّمَا أُنْذِرُكُم بِالوَحْيِ} أي: بالقرآن، أي أنذركم به عذاب الدنيا والآخرة، يعني المشركين. قوله عز وجل: {وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ} الصمُّ ها هنا الكفار، صمّوا عن الهدى.
اطفيش
تفسير : {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاَء} الكفرة، استدراجًا بالصحة، وطول العمر، والمال، والنعم. {وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} أى ظهر لهم طوله، فاغتروا بذلك، وظنوا أن لا يزول عنهم. وقيل: المراد طال عليهم العمر بلا مجئ رسول إلى أن جاءهم محمد وبل فى {بل تأتيهم} للانتقال إلى ما هو أعظم من عدم كفهم النار عن أنفسهم، وهو كون وقت ذلك يأتى بغتة، أو للإضراب عما يتوهم من بعد، أو امتناع الوقوع. والإضراب فى قوله: {أية : بل هم عن ذكر}تفسير : الخ، والإضراب فى قوله: {أية : أم لهم} تفسير : إلى آخره، هما عن الأمر بالسؤال على الترتيب، فإنه عن المعرض الغافل عن الشئ بعيد. وإنما يُسأل عن الشئ المقبل إلى ذلك الشئ العالم بحاله، وعن المعتقد لنقيضه أبعد. والإضراب فى {بل متعنا} هو عما توهموا، أضرب عنه ببيان ما هو الداعى إلى حفظهم، وهو الاستدراج، أو أضرب عن الدلالة على بطلانه، ببيان ما أوهمهم ذلك، وهو أنه تعالى متَّعهم بذلك، فتوهموا أنه بسبب ما هم عليه، وهو أمل كاذب كما قال: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} بتسليط المسلمين على أهلها الكفار، يفتحها الله للنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ويزيل حكمهم منها ويطوى نشرهم. والإتيان: الإرادة هنا والقصد، كأنه قيل: نريدها بالنقصان. وننقص حال مقدرة. ولو قال: أفلا يرون أننا ننقص الأرض من أطرافها لصح، لكن عبر بالإتيان تصويراً لما يجرى الله على أيدى المسلمين، من أنهم يأتون أرض المشركين، ويغزونهم ويغلبونهم، أو كما يقول السلطان: قتلنا فى موضع كذا وكذا غالبين وإنما قتلت جنوده. أو الأصل: يأتيها جنودنا، فحذف المضاف فتاب المضاف إليه، فجئ بنقص موافقًا له، والأصل: ينقصونها. {أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} لا بل الغالبون هم النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بالقبر وموت رؤوس المشركين المستعجلين، أفلا يصدقون بمحمد!! وعن ابن عباس: نقْصها من أطرافها: إماتة فقهائها وعلمائها. قيل: موت عالم أحب إلى إبليس من موت ألف عابد. ومراد ابن عباس: الفقهاء والعلماء من الأمم السابقة يميتهم الله، ويبقى الناس بلا دين، ويطيل أعمارهم فى المعاصى، وذلك استدراج شديد، وهم المفرِّطون فى أخذ الدين، حتى مات أهله. وليس ذلك ليكونوا غالبين، بل ليموتوا كفرة على يد غالبهم، وهو النبى صلى الله عليه وسلم. والأول قول الحسن. وروى عنه أن الله جل وعلا يبعث قبل القيامة ناراً تطرد الناس من أطراف الأرض إلى الشام، تنزل إذا نزلوا، وترحل إذا رحلوا، وتقوم القيامة عليهم فى الشام، وإن ذلك هو قوله: تنقصها من أطرافها. أفيظن المشركون أنهم يغلبون هذا الأمر، ويمتنعون منه كأنه قال: أفلا يعلمون ذلك، وإن لم يعلموا فليعلموا.
اطفيش
تفسير : {بل متَّعنا هؤلاء وآباءَهُم حتَّى طَال عليهُم العُمُر} انتقال الى ذكر استدراجهم المتضمن للوعيد، أو من توهمهم أنهم فى كلاءة من آلهتهم، أو من توهم أنها تمنعهم، وأن ما هم فيه يدوم الى أن إبقاءهم متنعمين استدراج { أفلا يروْن أنَّا نأتى الأرضَ} ألا يعتبرون فلا يعلمون أنا نأتى أرضهم، أو أرض الكفرة مطلقا {نَنْقُصها مِنْ أطرافها} بتغليب المؤمنين عليها، ولم يقل أفلا يرون أنا ننقص الأرض بل {قال نأتى الأرض} الخ إشارة الى أن انتزاعها بإتيان جيوش المؤمنين، وأنه بقدرته تعالى كأنه قيل إن جيوشنا يأتون الأرض ينقصون من أطرافها، وإلى تعظيم أمر الجهاد والمجاهدين، إذ أسند ما لهم اليه، وننقص حال مقدرة، والآية مدنية فرض الجهاد، جعلها الله تعالى فى سورة مكية، وعلى أنها نزلت بمكة فنقص الأرض إذهاب بركتها، قيل: وتخريب قراها، وموت أهلها، وفيه أنه لم يظهر التخريب وموتهم، ولا يصح أيضا ما روى عنه صلى الله عليه وسلم: ان نقصها بموت العلماء، فهو حديث موضوع إذ لم يظهر موتهم، وإن أريد علماء أهل الكتاب لم يظهر أيضا. {أفُهم الغالبون} أنحن الناقصون لها، فهم مع ذلك الغالبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، لا يتصور ذلك، بل المؤمنين هم الغالبون، وضمائر الغيبة فى ذلك كله من قوله: "أية : بل هم عن ذكر ربهم" تفسير : إلى هنا تحقير لهم، وتنزيل لهم منزلة ما هو أخس من البهائم، وأمر رسوله بخطابهم فى قوله: {قل إنَّما أنُذِرُكُم} فى شأن الاستعجال {بالوَحْى} الصادق الناطق بإثبات الساعة، وشدة هولها وقوله: {ولا يسْمعُ الصُّمُ الدُّعاء إذا ما يُنْذَرون} صيح عليهم بحدوث مخوف، وذلك من جملة ما أمر الله سبحانه رسوله صلى الله وسلم أن يقوله لهم، أو مستأنف من الله عز وجل، أى قل لهم: إنما أنذركم بالوحى، ولا يؤثر فيهم قولك، ولكن تبليغاً وقطعا للاعتذار، كما لا يؤثر النداء المكرر المرفوع به الصوت جداً فى الصم، فإن من شأن الإنذار رفع الصوت جدا، وتكريره على هيئة تدل على حادث مكروه، هم يسمعون شبهوا بمن لا يسمع طبعاً فضلا عن أن يعملوا بما يقال لهم: والصم الجنس، فهؤلاء داخلون أولا إذ فيهم الكلام، أو هم المقصودون، ذكروا بالاسم الظاهر ليصرح ببعدهم عن قبول فلذا لم يقل: ولا يسمعون، وأجيز أن يكون المعنى لا يسمع هؤلاء، أو هم وأمثالهم الدعاء الى الحق إذا أنذروا به.
الالوسي
تفسير : قوله تعالى: {بَلْ مَتَّعْنَا هَـؤُلاء وَءابَاءهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} الخ إضراب على ما في «الكشف» عن الضرب السابق من الكلام إلى وعيدهم وأنهم من أهل الاستدراج وأخرجهم عن الخطاب عدم مبالاة بهم، وفي العدول إلى الإشارة عن الضمير إشارة إلى تحقيرهم. وفي غير كتاب أنه إضراب عما توهموه من أن ما هم فيه من الكلاءة من جهة أن لهم آلهة تمنعهم من تطرق البأس إليهم كأنه قيل دع ما زعموا من كونهم محفوظين بكلاءة آلهتهم بل ما هم فيه من الحفظ منا لا غير حفظناهم من البأساء ومتعناهم بأنواع السراء لكونهم من أهل الاستدراج والانهماك فيما يؤديهم إلى العذاب الأليم. ويحتمل أن يكون إضراباً عما يدل عليه الاستئناف السابق من بطلان توهمهم كأنه قيل دع ما يبين بطلان توهمهم من أن يكون لهم آلهة تمنعهم واعلم أنهم إنما وقعوا في ورطة ذلك التوهم الباطل بسبب أنا متعناهم بما يشتهون حتى طالت مدة عمارة أبدانهم بالحياة فحسبوا أن ذلك يدوم فاغتروا وأعرضوا عن الحق واتبعوا ما سولت لهم أنفسهم وذلك طمع فارغ وأمل كاذب. {أَفَلاَ يَرَوْنَ} أي ألا ينظرون فلا يرون / {أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ} أي أرض الكفرة أو أرضهم {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} بتسليط المسلمين عليها وحوز ما يحوزونه منها ونظمه في سلك ملكهم، والعدول عن أنا ننقص الأرض من أطرافها إلى ما في النظم الجليل لتصوير كيفية نقصها وانتزاعها من أيديهم فإنه بإتيان جيوش المسلمين واستيلائهم، وكان الأصل يأتي جيوش المسلمين لكنه أسند الإتيان إليه عز وجل تعظيماً لهم وإشارة إلى أنه بقدرته تعالى ورضاه، وفيه تعظيم للجهاد والمجاهدين. والآية كما قدمنا أول السورة مدنية وهي نازلة بعد فرض الجهاد فلا يرد أن السورة مكية والجهاد فرض بعدها حتى يقال: إن ذلك إخبار عن المستقبل أو يقال: إن المراد ننقصها بإذهاب بركتها كما جاء في رواية عن ابن عباس أو بتخريب قراها وموت أهلها كما روي عن عكرمة. وقيل ننقصها بموت العلماء وهذا إن صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا معدل عنه وإلا فالأظهر نظراً إلى المقام ما تقدم ويؤيده قوله تعالى: {أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. والمراد إنكار ترتيب الغالبية على ما ذكر من نقص أرض الكفرة بتسليط المؤمنين عليها كأنه قيل أبعد ظهور ما ذكر ورؤيتهم له يتوهم غلبتهم، وفي التعريف تعريض بأن المسلمين هم المتعينون للغلبة المعروفون فيها.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ}. الظاهر أن الإضراب. {بَلْ} في هذه الآية الكريمة انتقالي. والإشارة في قوله {هَـٰؤُلاۤءِ} راجعة إلى المخاطبين من قبل في قوله: {أية : قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [الأنبياء: 42] الآية، وهم كفَّار قريش، ومن اتخذ آلهة من دون الله. والمعنى: أنه متَّع هؤلاء الكفار وآباءهم قبلهم بما رزقهم من نعيم الدنيا حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة، فحملهم ذلك على الطغيان واللجاج في الكفر. وما تضمنته هذه الآية الكريمة: من أنه تعالى يمهل الكفار ويملي لهم في النعمة، وأن ذلك يزيدهم كُفراً وضلالاً ـ جاء موضحاً في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى، كقوله: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }تفسير : [آل عمران: 178]، وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}تفسير : [الأعراف: 182-183]، وقوله تعالى: {أية : قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً}تفسير : [الفرقان: 18]، وقوله تعالى: {أية : بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ}تفسير : [الزخرف: 29-30] والآيات بمثل ذلك كثيرة. والعمر يطلق على مدة العيش. قوله تعالى: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}. في معنى إتيان الله الأرض ينقصها من أطرافها في هذه الآية الكريمة أقوال معروفة للعلماء: وبعضها تدل له قرينة قرآنية: قال بعض العلماء: نقصها من أطرافها: موت العلماء، وجاء في ذلك حديث مرفوع عن أبي هريرة. وبعد هذا القول عن ظاهر القرآن بحسب دلالة السياق ـ ظاهر كما ترى. وقال بعض أهل العلم: نقصها من أطرافها خرابها عند موت أهلها. وقال بعض أهل العلم: نقصها من أطرافها هو نقص الأنفس والثمرات، إلى غير ذلك من الأقوال، وأما القول الذي دلت عليه القرينة القرآنية: فهو أن معنى {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ} أي ننقص أرض الكفر ودار الحرب، ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها، وردها دار إسلام. والقرينة الدالة على هذا المعنى هي قوله بعده {أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}. والاستفهام لإنكار غلبتهم. وقيل: لتقريرهم بأنهم مغلوبون لا غالبون، فقوله: {أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} دليل على أن نقص الأرض من أطرافها سبب لغلبة المسلمين للكفار، وذلك إنما يحصل بالمعنى المذكور. ومما يدل لهذا الوجه قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد: 31] على قول من قال: إن المراد بالقارعة التي تصيبهم سرايا النَّبي صلى الله عليه وسلم تفتح أطراف بلادهم، أو تحل أنت يا نبي الله قريباً من دارهم. وممن يروى عنه هذا القول: ابن عباس وأبو سعيد وعكرمة ومجاهد وغيرهم. وهذا المعنى الذي ذكر الله هنا ذكره في آخر سورة "الرعد" أيضاً في قوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [الرعد: 41]. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير آية "الأنبياء" هذه: إن أحسن ما فُسِّر به قوله تعالى: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ} [الأنبياء: 44] ـ هو قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}تفسير : [الأحقاف: 27]. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ما ذكره ابن كثير رحمه الله صواب، واستقراء القرآن العظيم يدل عليه. وعليه فالمعنى: أفلا يرى كفار مكة ومن سار سيرهم في تكذيبك يا نبي الله، والكفر بما جئت به {أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ} أي بإهلاك الذين كذبوا الرسل كما أهلكنا قوم صالح وقوم لوط، وهم يمرون بديارهم. وكما أهلكنا قوم هود، وجعلنا سبأ أحاديث ومزقناهم كل مُمَزَّق كل ذلك بسبب تكذيب الرسل، والكفر بما جاءوا به. وهذا هو معنى قوله: {أية : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ} تفسير : [الأحقاف: 27] كقوم صالح وقوم لوط وقوم هود وسبأ، فاحذروا من تكذيب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. لئلا ننزل بكم مثل ما أنزلنا بهم. وهذا الوجه لا ينافي قوله بعده {أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} والمعنى: أن الغلبة لحزب الله القادر على كل شيء، الذي أهلك ما حولكم من القرى بسبب تكذيبهم رسلهم، وأنتم لستم بأقوى منهم، ولا أكثر أموالاً ولا أولاداً. كما قال تعالى: {أية : أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ} تفسير : [الدخان: 37] الآية. وقال تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [غافر: 82]، وقال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ}تفسير : [الروم: 9] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وإنذار الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم بما وقع لمن كذب من قبله من الرسل كثير جداً في القرآن. وبه تعلم اتجاه ما استحسنه ابن كثير رحمه الله من تفسير آية "الأنبياء" هذه بآية "الأحقاف" المذكورة كما بينا. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: أي فائدة في قوله {نَأْتِي ٱلأَرْضَ}؟ قلت: فيه تصوير ما كان الله يجريه على أيدي المسلمين، وأن عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين، وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها (ا هـ منه). والله جل وعلا أعلم.
الواحدي
تفسير : {بل متَّعنا هؤلاء} الكفَّار {وآباءهم حتى طال عليهم العمر} أَيْ: متَّعناهم بما أعطيناهم من الدُّنيا زماناً طويلاً، فقست قلوبهم {أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} بالفتح على محمد صلى الله عليه وسلم {أفهم الغالبون} أم النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟. {قل إنما أنذركم} أُخوِّفكم {بالوحي} بالقرآن الذي أوحي إليَّ، وأُمرت فيه بإنذاركم {ولا يسمع الصم الدُّعاء إذا ما ينذرون} كذلك أنتم يا معشر المشركين. {ولئن مستهم} أصابتهم {نفحة من عذاب ربك} قليلٌ وأدنى شيءٍ لأقرّوا على أنفسهم بسوء صنيعهم، وهو قوله: {ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين}. {ونضع الموازين القسط} ذوات القسط، أي: العدل {فلا تظلم نفسٌ شيئاً} لا يزاد على سيئاته ولا ينقص من ثواب حسناته {وإن كان} ذلك الشَّيء {مثقال حبة} وزن حبَّةٍ {من خردل أتينا بها} جئنا بها {وكفى بنا حاسبين} مُجازين، وفي هذا تهديد. {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان} البرهان الذي فرَّق به [بين] حقّه وباطل فرعون. {وضياء} يعني: التَّوراة الذي كان ضياءً، يُضيء هدى ونوراً {وذكراً} وعِظَةً {للمتقين} من قومه. {الذين يخشون ربهم بالغيب} يخافونه ولم يروه. {وهذا ذكر مبارك} يعني: القرآن {أفأنتم له منكرون} جاحدون.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 44- لم نُعجل عقاب هؤلاء بكفرهم، بل استدرجناهم ومتّعناهم فى الحياة الدنيا كما متعنا آباءهم قبلهم حتى طال عليهم العمر. أيتعامون عما حولهم فلا يرون أنا نقصد الأرض فننقصها من أطرافها بالفتح ونصر المؤمنين؟! أفهم الغالبون، أم المؤمنون الذين وعدهم الله بالنصر والتأييد؟. 45- قل - أيها النبى -: لا أحذركم بكلام من عندى، وإنما أحذركم بالوحى الصادر عن الله لى - وهو حق وصدق - وهم لطول إعراضهم عن صوت الحق ختم الله على سمعهم حتى صاروا كالصم، ولا يسمع الصم الدعاءَ حين يخوِّفون بالعذاب. 46- وتأكد أنهم إن أصابتهم إصابة خفيفة من العذاب الذى يسخرون منه يصيحون من الهول قائلين: يا ويلنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا وغيرنا، إذ كفرنا بما أخبرنا به. 47- ونضع الموازين التى تقيم العدل يوم القيامة، فلا تُظَلَم نفس بنقص شئ من حسناتها أو زيادة شئ فى سيئاتها، ولو كان وزن حبة صغيرة أتينا بها وحاسبنا عليها، وكفى أن نكون الحاسبين فلا تظلم نفس شيئاً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: متعنا هؤلاء وآباءهم: أي بما أنعمنا عليهم من الخيرات. حتى طال عليهم العمر: فانغرُّوا بذلك. ننقصها من أطرافها: أي بالفتح على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين. إنما أنذركم بالوحي: أي بأخبار الله تعالى التي يوحيها إلي وليس هناك شيء من عندي. نفحة: أي وقعة من عذاب خفيفة. يا ويلنا إنا كنا ظالمين: أي يقولون يا ويلنا أي يا هلاكنا. إنا كنا ظالمين: أي بالشرك والتكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم. الموازين القسط: أي العادلة. فلا تظلم نفس شيئاً: لا بنقص حسنة ولا بزيادة سيئة. مثقال حبة: أي زنة حبة من خردل. وكفى بنا حاسبين: أي محصين لكل شيء. معنى الآيات: ما زال السياق في إبطال دعاوي المشركين فقال تعالى: {بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ} بما أنعمنا عليهم هم وآباؤهم فظنوا أن آلهتهم هي الحافظة لهم بل الله هو الحافظ حتى طال عليهم العمر فانغروا بذلك. {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ} أرض الجزيرة بلادهم {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ} بدخول أهلها في الإِسلام بلداً بعد بلد. {أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}؟ الله هو الغالب حيث مكن لرسوله والمؤمنين وفتح عليهم، ثم أمر رسوله أن يقول لهم أيها المكذبون إنما أنذركم العذاب وأخوفكم من عاقبة شرككم بالوحي الإِلهي لا من تلقاء نفسي، وقوله تعالى: {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ} فالصم لحبهم الباطل الذي هم عليه لا يسمعون الدعاء إذا ما ينذرون وفي الخبر حبك الشيء يعمي ويصم فحبهم للشرك وآلهته جعلهم لا يسمعون فاستوى انذارهم وعدمه وقوله تعالى: {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ} أي وقعة خفيفة من العذاب لصاحوا يدعون بالويل على أنفسهم قائلين {يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} فكيف بهم إذا وضعت الموازين العدل ليوم القيامة حيث لا تظلم نفس شيئاً وإن قل وإن كان مثقال حبة من حسنة أو سيئة أتينا بها ووزناها {وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} أي محصين لأعمال العباد لعلمنا المحيط بكل شيء وقدرتنا التي لا يعجزها شيء.. ألا فلنتق الله أيها العقلاء!! هداية الآيات من هداية الآيات: 1- طول العمر والرزق الواسع كثيراً ما يُسبب الغرور لصاحبه. 2- حب الشيء يعمي صاحبه حتى لا يرى إلا ما أحبه ويصمه بحيث لا يسمع إلا ما أحبه. 3- بيان ضعف الإِنسان وأن أدنى عذاب ينزل به لا يتحمله ويصرخ داعياً يا هلاكاه. 4- تقرير البعث والحساب والجزاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَآبَآءَهُمْ } {ٱلْغَالِبُونَ} (44) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ فَيَقُولُ: إِنَّ الذِي غَرَّهُمْ وَحَمَلَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضّلاَلِ، هُوَ أَنَّهُمْ مُتِّعُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا هُمْ وآبَاؤُهُم، وَنُعِّمُوا فِيهَا، وَطَالَ عَلَيْهِمُ العُمرُ فِيمَا هُمْ فِيهِ، فَاعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ عَلَى هُدًى وَصَوَابٍ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى وَاعِظاً إِيَّاهُمْ: أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّنَا نَأْتِي الأَرْضَ فَننقصُهَا مِنْ أَطْرَافِها وَنُظْهِرُ الإِيمانَ عَلَى الشِّرْكِ، وَنَنْصُرُ أَوْلِِياءَنَا عَلَى أَعْدَائِنَا، وَنُضَيِّقُ الخِنَاقَ عَلَى الشِّرْكِ حَتَّى تَضِيقَ بِهِ الأرضُ، بِانْتِقَالِ الأرَاضِي مِنْ أيْدِي الكَفَرَةِ إِلى أَيْدِي المُؤْمِنِينَ، ونُهْلِكُ القُرَى الظَّالِمَةَ وأَهْلَها، ونُنَجِّي المُؤْمِنينَ. أَفَلاَ يَعْتَبِرُ هَؤُلاَءِ بِكُلِّ ذَلِكَ؟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ بَعْدَ أَنْ رَأَوْا مَا رَأَوْا أَنَّ الغَلَبَةَ لَنْ تَكُونَ لَهُمْ، فِي جَوْلَتِهِم مَع الإِيمَانِ، بَلْ سَيَكُونُونَ هُمُ المَغْلُوبِينَ الأخْسَرِينَ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: أنهم مكثوا فترة طويلة من الزمن يتقلَّبون في نعَم الله، لكن انظروا ماذا حدث لهم بعد ذلك، فخذوا منهم عبرةً: {أية : أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ..} تفسير : [الروم: 9]. ومع ذلك أُخذوا أَخْذ عزيز مقتدر، كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} تفسير : [الأنعام: 6]. ثم يقول سبحانه: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ..} [الأنبياء: 44]. وفي موضع آخر: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [الرعد: 41]. وهذه آية من الآيات التي وقف عندها بعض علمائنا من المعنيين بعلميات القرآن، فلما أعلن العلماء أن الأرض بيضاوية الشكل، وليست كاملة الاستدارة، يعني: أقطارها مختلفة بالنسبة لمركزها، سارع بعضهم من منطلق الغَيْرة على دين الله ومحاولة إثبات صِدْق القرآن، وأنه سبق إلى ذِكْر هذه المسألة فقالوا: لقد ذكر القرآن هذا الاكتشاف في قوله تعالى: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ..} [الأنبياء: 44] يعني: من ناحية خط الاستواء، لا من ناحية القطبين. وغفل هؤلاء أن الآية تقول: {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ..} [الأنبياء: 44] لا من طرفها، فالنقص من جميع الأطراف، فمِثْل هذه الأقوال تفتح الباب للطعن في القرآن والخوْض فيه. ونتساءل {أَفَلاَ يَرَوْنَ ..} [الأنبياء: 44] رأى هنا علمية أم بصرية؟ لو قلنا: إنها بصرية فهذه ظاهرة لم تُعْرَف إلا في القرن العشرين، ولم ينتبه لها أحد قبل ذلك، إذن: فهي ليست بصرية. وأيضاً ليست علمية، فلم تصل هذه المعلومة إلى هؤلاء، ولم يكُنْ العرب حينذاك أمةَ علم، ولا أمة ثقافة، ولاشيء من ذلك أبداً. فإذا ما استبعدنا هذا التفسير، فما المعنى المناسب؟ نقول: إنْ كانت رأى بصرية، فقد رأوا هذه الظاهرة في الأمم السابقة، وقد كانوا يصادمون دين الله ويحاربونه؛ لأنه جاء ليقضي على سلطتهم الزمنية، ويجعل الناس سواء، ومع ذلك كان الدين ينتشر كل يوم وتزيد رقعته وتقلّ رُقعة الكفر. فالمعنى: ننقص أرض الكفر إما من الناس، أو من العمائر التي تُهدم وتخرب بالزلازل والخسف وغيره، فننقص الأرض، وننقص الناس، وننقص مظاهر العمران في جانب الكفر، وهذا النقص هو نفسه الزيادة في أرض الإيمان. وهذه الظاهرة حدثت في جميع الرسالات. فإنْ قال قائل: كيف نقبل هذا التفسير، وزيادة أرض الإيمان لم تحدث إلا بعد الهجرة، والآية مكية؟ نقول: كَوْن الآية مكية لا يقدح في المعنى هنا، فليس من الضروري أن يَروْا ذلك في أنفسهم، ويكفي أنْ يروها في الأمم السابقة، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ} تفسير : [الصافات: 137]. وقال: {أية : وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ} تفسير : [الفجر: 9-12]. وإن اعتبرنا (رأى) علمية، فقد علموا ذلك من أهل الكتاب ممَّنْ تحالفوا معهم، فما حدث للأمم السابقة سيحدث لكم. وقوله تعالى: {أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} [الأنبياء: 44] يعني: أفلم يشاهدوا أنَّا ننقص الأرض من أطرافها، أم أن هذا لم يحدث، وهم الغالبون؟ أيهما الغالب: رسل الله، أم الكافرون؟ الإجابة أنهم غُلِبوا واندحروا، فقال تعالى: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 173] وقال: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} تفسير : [غافر: 51]. ويخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ} معناه بموتِ عُلمائِها. وقالَ: ألَمْ يَعلمُوا أَنَّا نَفتحُ لِمحمدٍ صلَّى الله عليه وعلى آلهِ وسلمَ أرضاً بعد أرضٍ. أفهُم الغَالِبونَ. بل والله ورسُولُه هُما الغَالبانِ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 638 : 13 : 2 - سفين عن منصور عن مجاهد في قوله {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ} قال، الموت. [الآية 44].
همام الصنعاني
تفسير : 1863- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ}: [الآية: 44]، قال: قال الحسن: هو ظهور المسلمين على المشركين، وقال عكرمة: وهو الموت.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):