٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه لما كرر في القرآن الأدلة وبالغ في التنبيه عليها على ما تقدم أتبعه بقوله: {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْىِ } أي بالقرآن الذي هو كلام ربكم فلا تظنوا أن ذلك من قبلي بل الله آتيكم به وأمرني بإنذاركم فإذا قمت بما ألزمني ربي فلم يقع منكم القبول والإجابة فالوبال عليكم يعود، ومثلهم من حيث لم ينتفعوا بما سمعوا من إنذاره مع كثرته وتواليه بالصم الذين لا يسمعون أصلاً إذ الغرض بالإنذار ليس السماع بل التمسك به في إقدام على واجب وتحرز عن محرم ومعرفة بالحق. فإذا لم يحصل هذا الغرض صار كأنه لم يسمع. قال صاحب «الكشاف»: قرىء ولا تسمع الصم الدعاء بالتاء والياء أي لا تسمع أنت أو لا يسمع رسول الله أو لا يسمع الصم من أسمع، فإن قلت: الصم لا تسمع دعاء البشر كما لا يسمعون دعاء المنذر. فكيف قال إذا ما ينذرون؟ قلت: اللام في الصم إشارة إلى هؤلاء المنذرين كائنة للعهد لا للجنس، والأصل ولا يسمعون الدعاء إذا ما ينذرون فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصاممهم وسدهم أسماعهم إذا أنذروا أي هم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة على التصامم عن آيات الإنذار. ثم بين تعالى أن حالهم سيتغير إلى أن يصيروا بحيث إذا شاهدوا اليسير مما أنذروا به فعنده يسمعون ويعتذرون ويعترفون حين لا ينتفعون وهذا هو المراد بقوله: {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مّنْ عَذَابِ رَبّكَ لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } وأصل النفح من الريح اللينة والمعنى ولئن مسهم شيء قليل من عذاب الله كالرائحة من الشيء دون جسمه لتنادوا بالويل واعترفوا على أنفسهم بالظلم. قال صاحب «الكشاف» في المس والنفحة ثلاث مبالغات: لفظ المس وما في النفح من معنى القلة والنزارة، يقال: نفحته الدابة وهو رمح يسير ونفحه بعطية رضخه، ولفظ المرة. ثم بين سبحانه وتعالى أن جميع ما ينزل بهم في الآخرة لا يكون إلا عدلاً فهم وإن ظلموا أنفسهم في الدنيا فلن يظلموا في الآخرة وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى: {وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطِ } وصفها الله تعالى بذلك لأن الميزان قد يكون مستقيماً وقد يكون بخلافه، فبين أن تلك الموازين تجري على حد العدل والقسط، وأكد ذلك بقوله: {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً } وههنا مسائل: المسألة الأولى: معنى وضعها إحضارها، قال الفراء: القسط صفة الموازين وإن كان موحداً وهو كقولك للقوم: أنتم عدل، وقال الزجاج: ونضع الموازين ذوات القسط وقوله: {لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال الفراء في يوم القيامة وقيل لأهل يوم القيامة. المسألة الثانية: في وضع الموازين قولان: أحدهما: قال مجاهد هذا مثل والمراد بالموازين العدل ويروى مثله عن قتادة والضحاك والمعنى بالوزن القسط بينهم في الأعمال فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه يعني أن حسناته تذهب بسيئاته ومن أحاطت سيئاته بحسناته فقد خفت موازينه أي أن سيئاته تذهب بحسناته، حكاه ابن جرير هكذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. الثاني: وهو قول أئمة السلف أنه سبحانه يضع الموازين الحقيقية فتوزن بها الأعمال، وعن الحسن: هو ميزان له كفتان ولسان وهو بيد جبريل عليه السلام. ويروى: «حديث : أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان فلما رآه غشي عليه، فلما أفاق قال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة» تفسير : ثم على هذا القول في كيفية وزن الأعمال طريقان. أحدهما: أن توزن صحائف الأعمال. والثاني: يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة فإن قيل: أهل القيامة إما أن يكونوا عالمين بكونه سبحانه وتعالى عادلاً غير ظالم أو لا يعلمون ذلك. فإن علموا ذلك كان مجرد حكمة كافياً في معرفة أن الغالب هو الحسنات أو السيئات فلا يكون في وضع الميزان فائدة ألبتة، وإن لم يعلموا لم تحصل الفائدة في وزن الصحائف لاحتمال أنه سبحانه جعل إحدى الصحيفتين أثقل أو أخف ظلماً فثبت أن وضع الميزان على كلا التقديرين خالٍ عن الفائدة. وجوابه على قولنا قوله تعالى: { أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 23] وأيضاً ففيه ظهور حال الولي من العدو في مجمع الخلائق، فيكون لأحد القبيلين في ذلك أعظم السرور وللآخر أعظم الغم، ويكون ذلك بمنزلة نشر الصحف وغيره. إذا ثبت هذا فنقول: الدليل على وجود الموازين الحقيقية أن حمل هذا اللفظ على مجرد العدل مجاز وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة غير جائز، لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في هذا الباب. المسألة الثالثة: قال قوم: إن هذه الآية يناقضها قوله تعالى: { أية : فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً } تفسير : [الكهف: 105]، والجواب: أنه لا يكرمهم ولا يعظمهم. المسألة الرابعة: إنما جمع الموازين لكثرة من توزن أعمالهم وهو جمع تفخيم، ويجوز أن يرجع إلى الموزونات. أما قوله تعالى: {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا } فالمعنى أنه لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيىء، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء: {مِثْقَالَ حَبَّةٍ } على كان التامة كقوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما {أَتَيْنَا بِهَا } وهي مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء، وقرأ حميد: أثبنا بها من الثواب، وفي حرف أبي جئنا بها. المسألة الثانية: لم أنث ضمير المثقال؟ قلنا: لإضافته إلى الحبة كقولهم ذهبت بعض أصابعه. المسألة الثالثة: زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزء من الثواب فهذا الأقل يتحبط بالأكثر ويبقى الأكثر كما كان. واعلم أن هذه الآية تبطل قوله لأن الله تعالى تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط ولو كان الأمر كما قال الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة قوله: {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً } فيه دلالة على أن مثل ذلك لو ابتدأه الله تعالى لكان قد ظلم، فدل هذا الوجه على أنه تعالى لا يعذب من لا يستحق ولا يفعل المضار في الدنيا إلا للمنافع والمصالح. والجواب: الظلم هو التصرف في ملك الغير وذلك في حق الله تعالى محال لأنه المالك المطلق، ثم الذي يدل على استحالة الظلم عليه عقلاً أن الظلم عند الخصم مستلزم للجهل أو الحاجة المحالين على الله تعالى ومستلزم المحال محال، فالظلم على الله تعالى محال. وأيضاً فإن الظالم سفيه خارج عن الإلهية فلو صح منه الظلم لصح خروجه عن الإلهية، فحينئذ يكون كونه إلهاً من الجائزات لا من الواجبات، وذلك يقدح في إلهيته. المسألة الخامسة: إن قيل الحبة أعظم من الخردلة، فكيف قال حبة من خردل؟ قلنا: الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار. والغرض المبالغة في أن شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع عند الله تعالى. أما قوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ } فالغرض منه التحذير فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء، وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء، حقيق بالعاقل أن يكون في أشد الخوف منه، ويروي عن الشبلي رحمه الله تعالى أنه رئي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك فقال: شعر : حاسبونا فدققوا ثم منوا فأعتقوا
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ} أي أخوّفكم وأحذّركم بالقرآن. {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ} أي من أصم الله قلبه، وختم على سمعه، وجعل على بصره غشاوة، عن فهم الآيات وسماع الحق. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ومحمد بن السَّمَيقع «وَلاَ يُسْمَعُ» بياء مضمومة وفتح الميم على ما لم يسم فاعله «الصُّمُّ» رفعاً أي إن الله لا يُسمعهم. وقرأ ابن عامر والسلمي أيضاً، وأبو حيوة ويحيـى بن الحرث «وَلاَ تُسْمِعُ» بتاء مضمومة وكسر الميم «الصُّمَّ» نصباً؛ أي إنك يا محمد «لاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ»؛ فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. ورد هذه القراءة بعض أهل اللغة. وقال: وكان يجب أن يقول: إذا ما تنذرهم. قال النحاس: وذلك جائز؛ لأنه قد عرف المعنى. قوله تعالى: {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ} قال ابن عباس: طرف. قال قتادة: عقوبة. ابن كيسان: قليل وأدنى شيء؛ مأخوذة من نفح المسك. قال:شعر : وعَمْرةُ من سَرَواتِ النِّساء تَنفَّحُ بالمسكِ أَرْدَانُها تفسير : ابن جريج: نصيب؛ كما يقال: نفح فلان لفلان من عطائه، إذا أعطاه نصيباً من المال. قال الشاعر:شعر : لَمّا أَتيتك أرجو فَضْلَ نَائِلِكُمْ نَفحْتنِي نَفْحةً طابتْ لها العَرَبُ تفسير : أي طابت لها النفس. والنفحة في اللغة الدفعة اليسيرة؛ فالمعنى ولئن مسهم أقل شيء من العذاب. {لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } أي متعدين فيعترفون حين لا ينفعهم الاعتراف.
البيضاوي
تفسير : {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِٱلْوَحْىِ } بما أوحي إلي. {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَاءَ} وقرأ ابن عامر ولا تسمع الصم على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقرىء بالياء على أن فيه ضميره، وإنما سماهم {ٱلصُّمُّ} ووضعه موضع ضميرهم للدلالة على تصامهم وعدم انتفاعهم بما يسمعون. {إِذَا مَا يُنذَرُونَ } منصوب بـ {يَسْمَعُ } أو بـ {ٱلدُّعَاء } والتقييد به لأن الكلام في الإِنذار أو للمبالغة في تصامهم وتجاسرهم. {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ } أدنى شيء، وفيه مبالغات ذكر المس وما فيه النفحة من معنى القلة، فإن أصل النفح هبوب رائحة الشيء والبناء الدال على المرة. {مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ} من الذي ينذرون به. {لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ} لدعوا على أنفسهم بالويل واعترفوا عليها بالظلم. {وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ } العدل توزن بها صحائف الأعمال. وقيل وضع الموازين تمثيل لإِرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال بالعدل، وإفراد {ٱلْقِسْطَ } لأنه مصدر وصف به للمبالغة. {لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } لجزاء يوم القيامة أو لأهله، أو فيه كقولك: جئت لخمس خلون من الشهر. {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً } من حقها أو من الظلم. {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} أي وإن كان العمل أو الظلم مقدار حبة، ورفع نافع {مِثْقَالَ} على {كَانَ} التامة. {أَتَيْنَا بِهَا} أحضرناها، وقرىء {ءَاتَيْنَا} بمعنى جازينا بها من الإِيتاء فإنه قريب من أعطينا، أو من المؤاتاة فإنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء وأثبنا من الثواب وجئنا، والضمير للمثقال وتأنيثه لإِضافته إلى الـ {حَبَّةٍ }. {وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ} إذ لا مزيدة على علمنا وعدلنا. {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ} أي الكتاب الجامع لكونه فارقاً بين الحق والباطل، {وَضِيَاء } يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة، {وَذِكْراً } يتعظ به المتقون أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع. وقيل {ٱلْفُرْقَانَ } النصر، وقيل فلق البحر وقرىء {ضِيَاء} بغير واو على أنه حال من {ٱلْفُرْقَانَ }. {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم } صفة {لّلْمُتَّقِينَ} أو مدح لهم منصوب أو مرفوع. {بِٱلْغَيْبِ } حال من الفاعل أو المفعول. {وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} خائفون وفي تصدير الضمير وبناء الحكم عليه مبالغة وتعريض. {وَهَـٰذَا ذِكْرٌ } يعني القرآن. {مُّبَارَكٌ } كثير خيره. {أَنزَلْنَـٰهُ } على محمد عليه الصلاة والسلام. {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} استفهام توبيخ.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } لهم {إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْىِ } من الله لا من قبل نفسي {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعآءَ إِذَا } بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية بينها وبين الياء {مَا يُنذَرُونَ } هم لتركهم العمل بما سمعوه من الإِنذار كالصمّ.
ابن عطية
تفسير : المعنى {قل} أيها المقترحون المتشططون {إنما أنذركم} بوحي يوحيه الله إلي وبدلالات على العبر التي نصبها الله تعالى لينظر فيها كنقصان الأرض من أطرافها وغيره ولم أبعث بآية مضطرة ولا ما تقترحون، ثم قال {ولا يسمع} بمعنى وأنتم معرضون عما أنذر به فهو غير نافع لكم ومثل أمرهم بـ {الصم}، وقرأ جمهور القراء "ولا يسمع" بالياء وإسناد الفعل إلى الصُّم وقرأ ابن عامر وحده "ولا تُسمِع" بضم التاء وكسر الميم ونصب "الصمَّ" وقرأت فرقة "ولا تُسمَع" بتاء مضمومة وفتح الميم وبناء الفعل للمعفول والفرقتان نصبت {الدعاء}، وقرأت فرقة "ولا يسمع الصم الدعاء" بإضافة "الصم" إلى "الدعاء" وهي قراءة ضعيفة وإن كانت متوجهة، ثم خاطب تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم متوعداً لهم بقوله {ولئن مستهم نفحة}، والنفحة الخطرة والمسة كما تقول نفح بيده إذا قال بها هكذا ضارباً إلى جهة، ومنه نفحة الطيب كأنه يخطر خطرات على الحاسة، ومنه نفح له من عطايا إذا أجراه منها نصيباً، ومنه نفح الفرس برجله إذا ركض، والمعنى ولئن مس هؤلاء الكفرة صدمة عذاب في دنياهم ليندمن وليقرن بظلمهم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ} أي: أخوفكم بالقرآن وقوله: "وَلا يَسْمَعُ" قرأ ابن عامر هنا "وَلاَ تُسْمِعُ" بضم التاء للخطاب وكسر الميم، "الصُّمَّ الدُّعَاءَ" منصوبين. وقرأ ابن كثير في النمل والروم. وقرأ باقي السبعة بفتح ياء الغيبة والميم "الصُّمُّ" بالرفع "الدُّعَاءَ" بالنصب في جميع القرآن. وقرأ الحسن كقراءة ابن عامر إلا أنه بياء الغيبة. وروى عنه ابن خالويه "وَلاَ يُسْمَعُ" بياء الغيبة مبنياً للمفعول "الصُّمُّ" رفعاً "الدُّعَاءَ" نصباً. وروي عن أبي عمرو بن العلاء "وَلاَ يُسْمِعُ" بضم الياء من تحت وكسر الميم "الصُّمَّ" نصباً "الدُّعَاءُ" رفعاً. فأما قراءة ابن عامر وابن كثير فالفاعل فيها ضمير المخاطب، وهو الرسول - عليه السلام -. فانتصب "الصُّمَّ" و "الدُّعَاءَ" على المفعولين، وأولهما هو الفاعل المعنوي. وأما قراءة الجماعة فالفعل مسند للصّمّ فانتصب "الدُّعَاءَ" مفعولاً به. وأما قراءة الحسن الأولى فأسند الفعل فيها إلى ضمير الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي كقراءة ابن عامر في المعنى. وأما قراءته الثانية فأسند الفعل فيها إلى "الصُّمم" قائماً مقام الفاعل، فانتصب الثاني وهو "الدُّعَاءَ" وأما قراءة أبي عمرو فإنه أسند الفعل فيها إلى الدعاء على سبيل الاتساع وحذف المفعول الثاني للعلم به، والتقدير: ولا يسمع الدعاء الصم شيئاً البتة ولما وصل أبو البقاء إلى هنا قال: "وَلاَ يَسْمَعُ" فيه قراءات وجوهها ظاهرة ولم يذكرها. و "إذَا" في ناصبه وجهان: أحدهما: أنه "يَسْمَعُ". والثاني: أنه "الدّعاء" فأعمل المصدر المعرف بـ (أل) وإذا أعملوه في المفعول الصريح ففي الظرف أولى. قال الزمخشري: فإن قلت: الصم لا يسمعون دعاء المبشّر كما لا يسمعون دعاء المنذر، فكيف قيل: {إِذَا مَا يُنذَرُونَ}؟ قلت: اللاّم في "الصُّم" عائدة إلى هؤلاء المنذرين كائنة للعهد لا للجنس، والأصل: ولا يسمعون إذا ما ينذرون، فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامّهم وسدهم أسماعهم إذا أنذروا، أي أنتم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة على التصامّ عن الإنذار والآيات. ثم بيَّن تعالى أن حالهم سيتغير إلى أن يصيروا بحيث إذا شاهدوا اليسير مما أنذروا به، فعنده يسمعون ويعتذرون ويعترفون حيث لا ينتفعون، وهذا المراد بقوله: {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} وأصل النفح من الريح: اللين. قال الزمخشري: في المس والنفحة ثلاث مبالغات، لفظ المس، وما في النفح من معنى القلّة والنزارة يقال: نفحته الدابة: رمحته رمحاً يسيراً. والنفح: الخطرة. قال ابن عباس: "نَفْحَةٌ" طرف. وقيل: قليل: وقال ابن جريج: نصيب من قولهم: نفح فلان لفلان من ماله أي: أعطاه حظاً منه، قال: شعر : 3718- إِذَا رَيْدَةٌ مِنْ حَيْثُ مَا نَفَحَتْ لَهُ أَتَاهُ برَيَّاهَا خَليلٌ يُوَاصِلُهْ تفسير : وقيل: ضربة، من قولهم: نفحت الدابة برجلها، أي: ضربت. و "مِنْ عَذَابِ" صفة لـ "نَفْحَةٌ". ثم بيّن تعالى أن جميع ما ينزل بهم في الآخرة لا يكون إلاّ عدلاً فيهم بقولهم: {لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} أي: مشركين دعوا على أنفسهم بالويل بعد ما أقروا بالشرك. قوله: {وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ} قال الزجاج: ذوات القسط، ووَضْعُها إحضارها. (وإنما جمع "المَوَازِينَ" لكثرة من توزن أعمالهم، وهو جمع تفخيم. ويجوز أن يرجع إلى الموزونات). وفي نصب "القِسْطَ" وجهان: أحدهما: أنه نعت للموازين، وعلى هذا فلم أُفردَ؟ وعنه جوابان: أحدهما: أنه في الأصل مصدر، والمصدر يوحّد مطلقاً. والثاني: أنه على حذف مضاف. الوجه الثاني: أنه مفعول من أجله أي: لأجل القسط، إلا أن في هذا نظراً، من حيث إن المفعول له إذا كان معرّفاً بـ (أل) يقل تجرّده من حرف العلة تقول: جئت للإكرام، ويقل: جئت الإكرام، كقوله: شعر : 3719- لاَ أَقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجَاءِ وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرُ الأَعْدَاءِ تفسير : وقرىء: القِصْطَ بالصاد، لأجل الطاء. وقد تقدّم. قوله: "لِيَوْمِ القِيَامَةِ" في هذه اللام أوجه: أحدها: قال الزمخشري: مثلها في قولك: جئت لخمس خلون من الشهر ومنه بيت النابغة: شعر : 3720- تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لها فَعَرَفْتُهَا لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا العَامِ سَابِعُ تفسير : والثاني: أنها بمعنى (في) وإليه ذهب بن قتيبة وابن مالك وهو رأي الكوفيين ومنه عندهم: "لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا" وكقول مسكين الدارمي: شعر : 3721- أُوْلَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوا لسبيلِهِمْ كَمَا قَدْ مَضَى مِنْ قَبْل عَادٌ وَتُبَّعُ تفسير : وكقول الآخر: شعر : 3722- وَكُلَّ أب وابن وإن عمرا معاً مقيمين مفقود لوقت وفاقد تفسير : والثالث: أنها على بابها من التعليل ولكن على حذف مضاف أي: لحساب يوم القيامة و "شَيْئاً" يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، وأن يكون مصدراً، لأي: شيئاً من الظلم. فصل في وضع الموازين قولان: أحدهما: قال مجاهد: هذا مثل، والمراد بالموازين العدل، ويروى مثله عن قتادة والضحاك، والمراد بالوزن: القسط بينهم في الأعمال، فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه أي: ذهبت سيئاته وحسناته حكاه ابن جرير عن ابن عباس. والثاني: أنَّ الموازين توضع حقيقة ويوزن بها الأعمال، حديث : روي عن الحسن أنه ميزان له كفتان ولسان وهو بيد جبريل - عليه السلام - يروى "أنَّ داود - عليه السلام - سأل ربه أنْ يُرِيَه الميزان، فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب فغشي عليه، ثم أفاق، فقال: إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، فقال: يا داود إنِّي إذا رضيت عن عبد ملأتها بتمرة ". تفسير : وعلى هذا القول في كيفية وزن الأعمال طريقان: أحدهما: أن توزن صحائف الأعمال. والثاني: أن يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة فإن قيل: أهل القيامة إمّا أن يكونوا عالمين بكونه - تعالى - عادلاً غير ظالم أو لا يعلمون ذلك. فإن علموا كان مجرد حكمه كافياً في معرفة أنَّ الغالب هو الحسنات أو السيئات فلا فائدة في وضع الميزان. وإن لم يعلموا ذلك لم تحصل الفائدة في وزن الصحائف، لاحتمال أنه جعل إحدى الصحيفتين أثقل أو أخف ظلماً، فلا فائدة في وضع الميزان على كلا التقديرين. والجواب: قال ابن الخطيب: أما على قولنا {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} تفسير : [الأنبياء: 23] وأيضاً ففيه ظهور حال الولي من العدو في مجمع الخلائق، فيكون لأحد القبيلين في ذلك أعظم السرور والأخرى أعظم الغم، ويكون ذلك بمنزلة نشر الصحف وغيره. وإذا ثبت ذلك فالدليل على وجود الموازين الحقيقية أن حمل لفظ الميزان على مجرد العدل مجاز وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل غير جائز لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في ذلك. قوله: {وَإِن كَانَ مِثْقَالُ} قرأ نافع هنا وفي لقمان برفع "مِثْقَال" على أن "كَانَ" تامة، أي: وإنْ وجد مثقال. والباقون بالنصب على أنها ناقصة واسمها مضمر، أي: وإنْ كان العمل. و "مِنْ خَرْدَلٍ" صفة لـ "حَبَّةٍ". وقرأ العامة "أَتَيْنَا" من الإتيان بقصر الهمزة أي: جئنا بها. وفي حرف أُبَيّ "جِئْنَا". وكذا قرأ ابن مسعود، وهو تفسير معنى لا تلاوة. وقرأ ابن عباس ومجاهد وسعيد وابن أبي إسحاق والعلاء بن سيابة، وجعفر بن محمد "آتَيْنَا" بمد الهمزة، وفيه أوجه: أصحها: أنَّه (فَاعَلْنَا) من المواتاة وهي المجازاة والمكافأة، والمعنى: جازينا بها، ولذلك تعدى بالباء. الثاني: أنَّها (مفاعلة) من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة، لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء، قاله الزمخشري. الثالث: أنه أفعل من الإيتاء، كذا توهم وهو غلط. قال ابن عطية: ولو كان آتينا: أعطينا لما تَعَدَّتْ بحرف جر، وَيُوهِنُ هذه لقراءة أنَّ إبدال الواو المفتوحة همزة ليس بمعروف، وإنما يُعْرَف ذلك في المضمومة والمكسورة يعني: أنه كان من حق هذا القارىء أن يقرأ "وَأَتَيْنا" مثل وأعطينا، لأنها من المواتاة على الصحيح، فأبدل هذا القارىء الواو المفتوحة همزة وهو قليل ومنه أحد وأناة. قال أبو البقاء: ويُقْرَأُ بالمد بمعنى جَازَيْنَا بها، فهو يَقْرُبُ من معنى أعطينا، لأنَّ الجزاء إعطاء، وليس منقولاً من أتينا، لأن ذلك لم يُنْقَلْ عنهم. وقرأ حُمَيْدُ "أثَبْنَا" من الثواب، والضمير في "بِهَا" عائد على المثقال وأنّث ضميره لإضافته لمؤنث، فهو كقوله: شعر : 3723- كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ تفسير : في اكتسابه التأنيث بالإضافة. فصل زعم الجبائي أنَّ من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل ينحبط بالأكثر، فيبقى الأكثر كما كان. وهذه الآية تبطل قوله، لأن الله تعالى تمدح بأنَّ اليسير من الطاعة لا يسقط ولو كان الأمر كما قال الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة. فإن قيل: الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال: {حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ}؟ فالوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار. والغرض المبالغة في أنَّ شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع عند الله. ثم قال: {وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ}. قال السّديّ: مُحْصِينَ. والحَسبُ: معناه العد. قال ابن عباس: عالمين حافظين، لأنَّ من حسب شيئاً علمه وحفظه. والغرض منه التحذير فإنَّ المحاسب إذا كان عالماً بحيث لا يمكن أن يفوته شيء، وكان في القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون شديد الخوف منه.
البقاعي
تفسير : ولما تبين الخلف في قولهم على كثرته وادعائهم الحكمة والبلاغة، وفعلهم على كثرتهم وزعمهم القوة والشجاعة، ثبت أن أقواله الناقضة لذلك من عند الله بما ثبت من استقامة معانيها وإحكامها، بعدما اتضح من إعجاز نظومها وحسن التئامها، فأمره أن يبين لهم ذلك بقوله: {قل إنما أنذركم} أيها الكفار {بالوحي} أي الآتي به الملك عن الله فلا قدح في شيء من نظمه ولا معناه والحال أنكم لا تسمعون - على قراءة الجماعة والحال أنك لا تسمعهم - على قراءة ابن عامر بضم الفوقانية وكسر الميم ونصب الصم خاصة، ولكنهم لما كانوا لا ينتفعون بإنذاره لتصامّهم وجعلهم أصابعهم في آذانهم وقت الإنذار عدهم صماً، وأظهر الوصف لتعليق الحكم به فقال: {ولا يسمع الصم الدعاء} أي ممن يدعوهم، أو يكون معطوفاً على ما تقديره: فإن كانت أسماعكم صحيحة سمعتم فأجبتم، ونبه بقوله: {إذا ما ينذرون*} على أن المانع لهم مع الصمم كراهة الإنذار، وبالبناء للمفعول على منذر. ولما كان المنذر لا يترك الاستعداد لما ينذر به من العذاب إلا إذا كان قوياً على دفعه. بيّن أنهم على غير ذلك فقال: {ولئن} أي لا يسمعون والحال أنه لا قوة بهم، بل إن {مستهم} أي لاقتهم أدنى ملاقاة {نفحة} أي رائحة يسيرة مرة من المرات {من عذاب ربك} المحسن إليك بنصرك عليهم {ليقولن} وقد أذهلهم أمرها عن نخوتهم. وشغلهم قدرها عن كبرهم وحميتهم: {يا ويلنا} الذي لا نرى الآن بحضرتنا غيره {إنا كنا} أي بما لنا مما هو في ثباته كالجبلات {ظالمين*} أي عريقين في الظلم في إعراضنا وتصامّنا ترفقاً وتذللاً لعله يكف عنهم. ولما بيّن ما افتتحت السورة من اقتراب الساعة بالقدرة عليه واقتضاء الحكمة له، وأن كل أحد ميت لا يستطيع شيئاً من الدفع عن نفسه فضلاً عن غيره، وختمت الآيات بإقرار الظالم بظلمه، وكانت عادة كثير من الناس الجور عند القدرة، بين أنه سبحانه بخلاف ذلك فذكر بعض ما يفعل في حساب الساعة من العدل فقال عاطفاً على قوله {بل تأتيهم بغتة}: {ونضع} فأبرزه في مظهر العظمة إشارة إلى هوانه عنده وإن كان لكثرة الخلائق وأعمال كل منهم متعذراً عندنا {الموازين} المتعددة لتعدد الموزونات أو أنواعها. ولما كانت الموازين آلة العدل، وصفها به مبالغة فقال {القسط} أي العدل المميز للأقسام على السوية. ولما كان الجزاء علة في وضع المقادير، عبر باللام ليشمل - مع ما يوضع فيه - ما وضع الآن لأجل الدنيوية فيه فقال: {ليوم القيامة} الذي أنتم عنه - لإعراضكم عن الذكر - غافلون. ولما جرت العادة بأن الملك قد يكون عادلاً فظلم بعض أتباعه، بين أن عظمته في إحاطة علمه وقدرته تأبى ذلك، فبنى الفعل للمجهول فقال: {فلا} أي فتسبب عن هذا الوضع أنه لا {تظلم} أي من ظالم ما {نفس شيئاً} من عملها {وإن كان} أي العمل {مثقال حبة} هذا على قراءة الجماعة بالنصب. والتقدير على قراءة نافع بالرفع: وإن وقع أو وجد {من خردل} أو أحقر منه، وإنما مثل به لأنه غاية عندنا في القلة، وزاد في تحقيره بضمير التأنيث لإضافته إلى المؤنث فقال: {أتينا بها} بما لنا من العظمة في العلم والقدرة وجميع صفات الكمال فحاسبناه عليها، والميزان الحقيقي. ووزن الأعمال على صفة يصح وزنها معها بقدرة من لا يعجزه شيء. ولما كان حساب الخلائق كلهم على ما صدر منهم أمراً باهراً للعقل، حقره عند عظمته فقال: {وكفى بنا} أي بما لنا من العظمة {حاسبين*} أي لا يكون في الحساب أحد مثلنا، ففيه توعد من جهة أن معناه أنه لا يروج عليه شيء من خداع ولا يقبل غلطاً، ولا يضل ولا ينسى، إلى غير ذلك من كل ما يلزم منه نوع لبس أو شوب نقص، ووعد من جهة أنه لا يطلع على كل حسن فقيد وإن دق وخفي. ولما قدم في قوله {ما يأتيهم من ذكر من ربهم} - الآية وغيره أنهم أعرضوا عن هذا الذكر تعللاً بأشياء منها طلب آيات الأولين، ونبه على إفراطهم في الجهل بما ردوا من الشرف بقوله {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم} ومر إلى أن ختم بالتهديد بعذابه، وأنه يحكم بالقسط، وكان كتاب موسى عليه السلام بعد القرآن أعظم الكتب السماوية، وكان أهل الكتاب قد أعرضوا عنه غير مرة على زمن موسى عليه السلام بعبادة العجل وغيره وبعد موته مع كون المرسل، به اثنان تعاضدا على إبلاغه وتقرير أحكامه بعد أن بهرا العقول بما أتيا به من الآيات التي منها - كما بين في سورة البقرة والأعراف - التصرف في العناصر الأربعة التي هي أصل الحيوان الذي بدأ الله منها خلقه. ومقصود السورة الدلالة على إعادته، ومنها ما عذب به من أعرض عن ذكر موسى وهارون عليهما السلام الذي هو ميزان العدل لما نشر من الضياء المورث للتبصرة الماحقة للظلام، فلا يقع متبعه في ظلم، وكان الحساب تفصيل الأمور ومقابلة كل منها بما يليق به، وذلك بعينه هو الفرقان، قال سبحانه بعد آية الحساب عاطفاً على "لقد أنزلنا": {ولقد ءاتينا} أي بما لنا من العظمة {موسى وهارون} أي أخاه الذي سأل أن يشد أزره به {الفرقان} الذي تعاضدا على إبلاغه والإلزام بما دعا إليه حال لكونه مبيناً لسعادة الدارين، لا يدع لبساً في أمر من الأمور {وضياء} لا ظلام معه، فلا ظلم للمستبصر به، لأن من شأن من كان في الضياء أن لا يضع شيئاً إلا في موضعه {وذكراً} أي وعظاً وشرفاً. ولما كان من لا ينتفع بالشيء لا يكون له منه شيء، قال: {للمتقين*} أي الذين صار هذا الوصف لهم شعاراً حاملاً لهم على التذكير لما يدعو إليه الكتاب من التوحيد الذي هو أصل المراقبة؛ ثم بين التقوى بوصفهم بقوله: {الذين يخشون} أي يخافون خوفاً عظيماً {ربهم} أي المحسن إليهم بعد الإيجاد بالتربية وأنواع الإحسان {بالغيب} أي في أن يكشف لهم الحجاب {وهم من الساعة} التي نضع فيها الموازين وقد أعرض عنها الجاهلون مع كونها أعظم حامل على كل خير، مبعد من كل ضير {مشفقون*} لأنهم لقيامها متحققون، وبنصب الموازين فيها عالمون. ولما ذكر فرقان موسى عليه السلام، وكان العرب يشاهدون إظهار اليهود للتمسك به والمقاتلة على ذلك والاغتباط، حثهم على كتابهم الذي هو أشرف منه فقال: {وهذا} فأشار إليه بأداة القرب إيماء إلى سهولة تناوله عليهم {ذكر} أي عظيم، ودلهم على أنه أثبت الكتب وأكثرها فوائد بقوله: {مبارك} ودلهم على زيادة عظمته بما له من قرب الفهم والإعجاز وغيره بقوله: {أنزلناه} ثم أنكر عليهم رد ووبخهم في سياق دال على أنهم أقل من أن يجترئوا على ذلك، منبه على أنهم أولى بالمجاهدة في هذا الكتاب من أهل الكتاب في كتابهم فقال: {أفأنتم له} أي لتكونوا دون أهل الكتاب برد ما أنزل لتشريفكم عليهم وعلى غيرهم مع أنكم لا تنكرون كتابهم {منكرون*} أي أنه لو أنكره غيركم لكان ينبغي لكم مناصبته، فكيف يكون الإنكار منكم؟
ابو السعود
تفسير : {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم} بعد ما بُـيّن من جهته تعالى غايةُ هول ما يستعجله ونهايةُ سوءِ حالهم عند إتيانه ونُعيَ عليهم جهلُهم بذلك وإعراضُهم عن ذكر ربهم الذي يكلؤهم من طوارق الليل والنهار وغيرُ ذلك من مساوي أحوالهم، أُمر عليه السلام بأن يقول لهم: إنما أنذركم ما تستعجلونه من الساعة {بِٱلْوَحْىِ} الصادق الناطقِ بإتيانها وفظاعةِ ما فيها من الأهوال، أي إنما شأني أن أنذرَكم بالإخبار بذلك لا بالإتيان بها فإنه مزاحمٌ للحكمة التكوينية والتشريعية إذ الإيمانُ برهانيٌّ لا عياني، وقوله تعالى: {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَاء} إما من تتمة الكلامِ الملقّن تذيـيلٌ له بطريق الاعتراض، قد أُمر عليه السلام بأن يقوله لهم توبـيخاً وتقريعاً وتسجيلاً عليهم بكمال الجهلِ والعِناد، واللامُ للجنس المنتظمِ للمخاطبـين انتظاماً أولياً أو للعهد فوضعُ المظهر موضعَ المضمر للتسجيل عليهم بالتصامّ، وتقيـيدُ نفي السماعِ بقوله تعالى: {إِذَا مَا يُنذَرُونَ} مع أن الصمَّ لا يسمعون الكلام إنذاراً كان أو تبشيراً لبـيان كمال شدةِ الصّمَمِ، كما أن إيثارَ الدعاء الذي هو عبارةٌ عن الصوت والنداءِ على الكلام لذلك فإن الإنذارَ عادة يكون بأصوات عاليةٍ مكررةٍ مقارِنةٍ لهيئات دالةٍ عليه، فإذا لم يسمعوها يكون صَممُهم في غاية لا غايةَ وراءها، وإما من جهته تعالى على طريقة قوله تعالى: {أية : بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ } تفسير : [الأنبياء: 43] ويؤيده القراءةُ على خطاب النبـي عليه الصلاة والسلام من الإسماع بنصب الصمُّ والدعاءَ، كأنه قيل: قل لهم ذلك وأنت بمعزل من إسماعهم، وقرىء بالياء أيضاً على أن الفاعلَ هو عليه السلام، وقرىء على البناء للمفعول أي لا يقدر أحدٌ على إسماع الصمِّ. وقوله تعالى: {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مّنْ عَذَابِ رَبّكَ} بـيان لسرعة تأثرِهم من مجيء نفس العذابِ إثرَ بـيان عدمِ تأثرِهم من مجيء خبرِه على نهج التوكيد القسمي، أي وبالله لئن أصابهم أدنى شيءٍ من عذابه تعالى كما ينبىء عنه المس والنفحة بجوهرها وبنائها فإن أصلَ النفحِ هبوبُ رائحة الشيء {لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَا قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ} ليدْعُنّ على أنفسهم بالويل والهلاك ويعترِفُنّ عليها بالظلم. وقوله تعالى: {وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ} بـيانٌ لما سيقع عند إتيانِ ما أُنذروه، أي نقيم الموازينَ العادلةَ التي توزن بها صحائفُ الأعمال، وقيل: وضعُ الموازين تمثيلٌ لإرصاد الحسابِ السويِّ والجزاء على حسب الأعمال، وقد مر تفصيلُ ما فيه من الكلام في سورة الأعراف، وإفرادُ القسطِ لأنه مصدرٌ وُصفَ به مبالغةً {لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} التي كانوا يستعجلونها أي لجزائه أو لأجل أهلِه أو فيه كما في قولك: جئت لخمسٍ خلَوْن من الشهر {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ} من النفوس {شَيْئاً} حقاً من حقوقها أو شيئاً ما من الظلم، بل يوفى كلُّ ذي حق حقَّه إن خيراً فخيرٌ وإن شرًّا فشر، والفاء لترتيب انتفاء الظلم على وضع الموازين {وَإِن كَانَ} أي العملُ المدلولُ عليه بوضع الموازين {مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ} أي مقدارَ حبة كائنةٍ من خردل، أي وإن كان في غاية القِلة والحَقارة فإن حبةَ الخردل مَثَلٌ في الصِغر، وقرىء مثقالُ حبة بالرفع على أن كان تامةٌ {أَتَيْنَا بِهَا} أي أحضرنا ذلك العملَ المعبَّر عنه بمثقال حبةِ الخردل للوزن، والتأنيث لإضافته إلى الحبة وقرىء آتينا بها أي جازينا بها من الإيتاء بمعنى المجازاة والمكافأةِ لأنهم أتَوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء، وقرىء أثبنا من الثواب وقرىء جئنا بها {وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ} إذ لا مزيدَ على علمنا وعدْلِنا.
القشيري
تفسير : أي بأمر الله أُعْلِمكم بموضع المخافة، ويُوحى إليَّ في بابكم أنْ أُخَوِّفَكُم بأليم عقابه، ولكنَّ الذي عَدِمَ سمْعَ التوفيقِ.. أنى ينفعه تكرارُ الأمر بالقبول عليه؟!.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل انما انذركم بالوحى} اى انما شأنى ان اخوفكم مما تستعجلونه بما اوحى الى من القرآن واخبر بذلك لا الإتيان به فانه مزاحم للحكمة التكوينية والتشريعية اذ الايمان برهانى لا عيانى {ولا يسمع الصم الدعاء} الى الايمان جمع الاصم والصمم فقدان حاسة السمع {اذا ما ينذرون} شبهوا بالصم وهم صحاح الحواس لانهم اذا سمعوا ما ينذرون من آيات الله لا تعيه آذانهم وكان سماعهم كلا سماع فكانت حالهم لانتفاء جدوى السماع كحال الذين عدموا مصحح السماع وينعق بهم فلا يسمعون وتقييد نفى السماع به مع ان الصم لا يسمعون الكلام انذارا كان او تبشير لبيان كمال شدة الصمم كما ان ايثار الدعاء الذى هو عبارة عن الصوت والنداء على الكلام لذلك فان الانذار عادة يكون باصوات عالية مكررة مقارنة ليهئة دالة عليه فاذا لم يسمعوها يكون صممهم فى غاية وراءها وهذا من تتمة الكلام الملقن ويجوز ان يكون من جهته تعالى كأنه قيل قل لهم ذلك وانت بمعزل من اسماعهم. وفيه اشارة الى انه ليس للانبياء والاولياء الا الانذار والنصح وليس لهم اسماع الصم وهم الذين لعنهم الله فى الازل بالطرد عن جوار الحضرة الى اسفل الدنيا واصمهم واعمى ابصارهم بحبها وطلب شهواتها فلا يسمعون ما ينذرون به وانما الاسماع لله لا للخق كما قال تعالى {أية : ولو علم الله فيهم خيرا لا سمعهم }
ابن عجيبة
تفسير : ولمَّا بيَّن الحق تعالى غاية هول ما يستعجله المستعجلون، ونهاية سوء حالهم، عند إتيانه، ونعى عليهم جهلهم بذلك، وإعراضهم عند ذكر ربهم، الذي يكلؤهم من طوارق الليل والنهار، أمَرَ نبيه - عليه الصلاة والسلام - بأن يخبرهم أن ما ينذرهم به، مما يستعجلونه، إنما هو بالوحي، لا من عنده. قلت: مَن قرأ: {يَسمع} بفتح الياء، فالصُّم: فاعل، والدعاء: مفعول، ومن قرأ بضم التاء، رباعي؛ فالصم: مفعول أول، والدعاء: مفعول ثان. ومن قرأ: {مثقال}؛ بضم اللام، فكان تامة، وبالنصب: خبر كان، أي: وإن كان العمل المدلول عليه بوضع الموازين. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم يا محمد {إِنما أُنذِرُكُم} وأخوفكم من العذاب الذي تستعجلونه، أو بالساعة الموعودة، {بالوحي} القرآني الصادق، الناطق بإتيانه، وفظاعة شأنه، أي: إنما شأني أن أُنذركم بالإخبار به، لا بإتيانه؛ فإنه مخالف للحكمة الإلهية؛ إذ الإيمان برهاني لا عياني، فإذا أَنذرتَهم فلا يسمع إنذارك إلا من سبقت له العناية، دون من سبق له الشقاء، ولذلك قال تعالى: {ولا يسمع الصمُّ الدعاءَ} أي: الإنذار، أو لا تُسمع أنت الصمَّ الدعاءَ {إِذا ما يُنذَرُون}؛ يُخوَّفون، واللام في للعهد، وهو إشارة إلى هؤلاء المنذرين، والأصل: ولا يسمعون إنذارك إذا يُنذرون، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ إشارة إلى تصاممهم وسد أسماعهم إذا أنذروا، وتسجيلاً عليهم بذلك. وفي التعبير بالدعاء، دون الكلام في الإنذار، إشارة إلى تناهي صممهم في حال الإنذار، فإن الدعاء من شأنه أن يكون بأصوات عالية مكررة مقارنة لهيئة دالة عليه، فإذا لم يسمعوا، مع هذه الحالة، يكون صممهم في غايةٍ لا غاية ورائها. {ولَئِنْ مسّتْهم نفحةٌ} أي: دفعة يسيرة {من عذاب ربك} أي: كائنة منه، {ليقولنَّ يا ويلنا إِنا كنا ظالمين}، وهذا بيان لسرعة تأثيرهم من مجيء نفس العذاب، إثر بيان عدم تأثرهم من مجرد الإخبار به، لانهماكهم في الغفلة، أي: والله لئن أصابهم أدنى شيء من هذا العذاب الذي يُنذرون به، لذلوا، ودَعوا بالويل على أنفسهم، وأقروا بأنهم ظلموا أنفسهم حين تصامموا وأعرضوا. وقد بُولغ في الكلام، حيث عبَّر بالمس والنفح؛ لأن النفح يدل على القلة، فأصل النفح: هبوب رائحة الشيء، يُقال: نفحه بعطية، إذا أعطاه شيئًا يسيرًا، مع أن بناءها للمرة مؤكد لقلتها. ثم بيَّن ما يقع عند إتيان ما أنذروه، فقال: {ونضع الموازينَ القِسْطَ} أي: نقيم الموازين العادلة التي تُوزن بها الأعمال، وهو جمع ميزان، وهو ما يوزن به الشيء ليُعرف كمِّيته. وعن الحسن: "هو ميزان له كفتان ولسان"، وإنما جمع الموازين؛ لتعظيم شأنها، والوزن لصحائف الأعمال في قول، وقيل: وضع الميزان كناية عن تحقيق العدل، والجزاء على حسب الأعمال. وإفراد القسط؛ لأنه مصدر وصف به؛ للمبالغة، كأنها في نفسها قسط، أو على حذف مضاف، أي: ذوات القسط. وقوله: {ليوم القيامة} أي: لأهل يوم القيامة، أي: لأجلهم، أو في يوم القيامة، {فلا تُظلم نفسٌ شيئًا} من الظلم، ولا تنقص حقًا من حقوقها، بل يُؤتى كل ذي حق حقه، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشر. {وإِن كان مثقالَ حبةٍ من خَرْدَلٍ} أي: وإن كان الشيء أو العمل مثقال حبة من خردل، {أتينا بها}: أحضرناها وجازينا عليها، وأنث ضمير المثقال؛ لإضافته إلى حبة، {وكفى بنا حاسبين}، إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا، أو عالمين حافظين، لأن من حسب شيئًا علمه وحفظه، قاله ابن عباس - رضي الله عنهما -. الإشارة: كان صلى الله عليه وسلم يُنذر الناس ويذكّرهم بالوحي التنزيلي، وبقي خلفاؤه يذكرون بالوحي الإلهامي، موافقُا للتنزيلي، ولا يسمع وعظهم ويحضر مجالسهم إلا من سبقت له سابقة العناية، وأما من انتكبت عنه العناية تنكب مجالسهم، وتصامم عن وعظهم وتذكيرهم، ولا يسمع الصمُّ الدعاء إذا ما ينذرون، ولا يندمون إلا حين تنزل بهم الأهوال، ولا ينفع الندم وقد جف القلم، وذلك حين تُوضع موازين الأعمال، فتثقل أعمال المخلصين، وتخف أعمال المخلَّطين، ولا تُوضع الموازين إلا لأهل النفوس الموجودة، وأما من غاب عن نفسه في شهود محبوبه، لفنائه في شهوده، وانطوائه في وجوده، فلا ينصب له ميزان؛ إذ لا يشهد لنفسه حسًا ولا فعلاً ولا تركًا، وإنما الفعل كله للواحد القهار. ويكون من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، جعلنا الله من خواصهم بمنِّه وكرمه. آمين. ثم شرع في تفصيل ما أجمل في قوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} تفسير : ، [الأنبياء: 7] إلى قوله: {أية : وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ} تفسير : [الأنبيَاء:9].
الجنابذي
تفسير : {قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ} بسبب وحى الله الىّ بالانذار لا بسبب الهوى كما انّ تخويفاتكم تكون بالهوى او انذركم بما أوحى الىّ لا بما اتخيّل من نفسى مثلكم ولكن لا ينفعكم انذارى لانّكم صمّ {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ} اى النّداء {إِذَا مَا يُنذَرُونَ} فلا ينتفعون.
اطفيش
تفسير : {قلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحِى} بما أوحى الله إلىَّ، لا من قِبَل نفسى. {وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ} جمع أَصم، كحُمْر جمع أحمر. {الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ} شبه عدم العمل بما يسمعون بعدم السمع، فاستعار له اسم عدم السمع، وهو لفظ الصمم، فاشتق منه الصم. واستعير لهؤلاء الذين لا يعلمون، ووجه الشبه عدم الانتفاع. وقرئ بالبناء للمفعول من أسمع، والصم مفعول أول نائب عن الفاعل. وقرئ بضم الياء وكسر الميم ونصب الصم، و الفاعل ضمير الرسول، أى إنما أنا رسول أنذركم بالوحى، وليس على الرسول إسماع الصم الدعاء. وذلك من جملة المأمور بأن يقوله، على القراءات الثلاث. ويحتمل أن يكون من كلام الله. وقرأ ابن عامر بتاء مضمومة خطابا من الله جل وعلا لرسوله صلى الله عليه وسلم وكسر الميم. والمراد بالصم، الكفار المذكورون، فهو موضوع موضع الضمير، للدلالة على أن الصمم سجية لهم يداومون عليها؛ لأنه يعرض لأحد عدم السمع، لنحو غفلة، ثم يرجع يسمع، والهمزة الثانية مسهلة إلى الياء، ومنهم من يحققها كالتى قبلها.
الالوسي
تفسير : {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم} بعد ما بين من جهته تعالى غاية هول ما يستعجله المستعجلون ونهاية سوء حالهم عند إتيانه ونعى عليهم جهلهم بذلك وإعراضهم عن ذكر ربهم الذي يكلؤهم من طوارق الليل وحوادث النهار وغير ذلك من مساويهم أمر عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهم: إنما أنذركم ما تستعجلونه من الساعة {بِٱلْوَحْىِ} الصادق الناطق بإتيانها وفظاعة ما فيها من الأهوال أي إنما شأني أن أنذركم بالإخبار بذلك لا بالإتيان بها فإنه مزاحم للحكمة التكوينية والتشريعية فإن الإيمان برهاني لا عياني. وقوله تعالى: {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَاء} إما من تتمة الكلام الملقن تذييل له بطريق الاعتراض قد أمر صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم توبيخاً وتقريعاً وتسجيلاً عليهم بكمال الجهل والعناد، وإما من جهته تعالى على طريقة قوله سبحانه: { أية : بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ } تفسير : [الأنبياء:42] كأنه قيل قل لهم ذلك وهم بمعزل عن السماع، واللام في الصم إما للجنس المنتظم لهؤلاء الكفرة انتظاماً أولياً وإما للعهد فوضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالتصام، وتقييد نفي السماع بقوله تعالى: {إِذَا مَا يُنذَرُونَ} مع أن الصم لا يسمعون مطلقاً لبيان كمال شدة الصمم كما أن إيثار الدعاء الذي هو عبارة عن الصوت والنداء على الكلام لذلك، فإن الإنذار عادة يكون بأصوات عالية مكررة مقارنة لهيئات دالة عليه فإذا لم يسمعوها يكن صممهم في غاية لم يسمع بمثلها، وقيل لأن الكلام في الإنذار ألا ترى قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْىِ} وفيه دغدغة لا تخفى. وقرأ ابن عامر وابن جبير عن أبـي عمرو وابن الصلت عن حفص {تُسْمِعُ} بالتاء على الخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم من الإسماع {ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَاء} بنصبهما على المفعولية، وهذه القراءة تؤيد احتمال كون الجملة من جهته تعالى. وقرىء {يَسْمَعُ} بالياء على الغيبة وإسناد الفعل إلى ضميره صلى الله عليه وسلم {ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَاء} بنصبهما على ما مر. وذكر ابن خالويه أنه قرىء {يَسْمَعُ} مبنياً للمفعول {ٱلصُّمُّ} بالرفع على النيابة عن الفاعل {ٱلدُّعَاء} بالنصب على المفعولية. وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي عن اليزيدي عن أبـي عمرو {يَسْمَعُ} بضم ياء الغيبة وكسر الميم {ٱلصُّمُّ} / بالنصب على المفعولية {ٱلدُّعَاء} بالرفع على الفاعلية بيسمع، وإسناد الإسماع إليه من باب الاتساع والمفعول الثاني محذوف كأنه قيل ولا يسمع الصم الدعاء شيئاً.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي مقصود منه الإتيان على جميع ما تقدم من استعجالِهم بالوعد تهكماً بقوله تعالى: {أية : ويقولون متى هذا الوعد}تفسير : [الأنبياء: 38]، ومن التهديدِ الذي وُجه إليهم بقوله تعالى: {أية : لو يعلم الذين كفروا}تفسير : [الأنبياء: 39] الخ... ومن تذكيرهم بالخالق وتنبيههم إلى بطلان آلهتهم بقوله تعالى: {أية : قل من يكلؤكم بالليل والنهار} تفسير : [الأنبياء: 42] إلى قوله تعالى: {أية : حتى طال عليهم العمر}تفسير : [الأنبياء: 44]، ومن الاحتجاج عليهم بظهور بوارق نصْر المسلمين، واقتراب الوعد بقوله تعالى: {أية : أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}تفسير : [الأنبياء: 44]، عُقب به أمر الله رسوله أن يخاطبهم بتعريف كنه دعوته، وهي قصره على الإنذار بما سيحلّ بهم في الدنيا والآخرة إنذاراً من طريق الوحي المنزل عليه من الله تعالى وهو القرآن، أي فلا تعرضوا عنه، ولا تتطلبوا مني آية غير ذلك، ولا تسألوا عن تعيين آجال حلول الوعيد، ولا تحسبوا أنكم تغيظونني بإعراضكم والتوغل في كفركم. فالكلام قصر موصوف على صفة، وقصره على المتعلِّق بتلك الصفة تبعاً لمتعلقه فهو قائم مقام قصرين. ولم يظهر لي مِثال له من كلام العرب قبل القرآن. وهذا الكلام يستلزم متاركة لهم بعد الإبلاغ في إقامة الحجة عليهم ولذلك ذيل بقوله تعالى: {ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون}. والواو للعطف على {إنما أنذركم بالوحي} عطف استئناف على استئناف لأن التذييل من قبيل الاستئناف. والتعريف في {الصُّم}للاستغراق. والصمم مستعار لعدم الانتفاع بالكلام المفيد تشبيهاً لعدم الانتفاع بالمسموع بعدم ولوج الكلام صماخ المخاطب به. وتقدم في قوله تعالى: {أية : صم بكم عمي} تفسير : في [سورة البقرة: 18]. ودخل في عمومه المشركون المعرضون عن القرآن وهم المقصود من سوق التذييل ليكون دخولهم في الحكم بطريقة الاستدلال بالعموم على الخصوص. وتقييد عدم السماع بوقت الإعراض عند سماع الإنذار لتفظيع إعراضهم عن الإندار لأنه إعراض يُفضي بهم إلى الهلاك فهو أفظع من عدم سماع البشارة أو التحديث، ولأن التذييل مسوق عقب إنذارات كثيرة. واختير لفظ الدعاء لأنه المطابق للغرض إذ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - داعياً كما قال: {أية : أدْعُوا إلى الله على بصيرةٍ}تفسير : [يوسف: 108] والأظهر أن جملة {ولا يسمع الصم الدعاء} كلام مُخاطَب به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وليس من جملة المأمور بأن يقوله لهم. وقرأ الجمهور {ولا يَسمع} بتحتية في أوله ورفعِ {الصمُّ}. وقرأه ابن عامر ولا تُسمِع بالتاء الفوقية المضمومة ونصب الصمّ خطاباً للرسول - صلى الله عليه وسلم -. وهذه القراءة نص في انفصال الجملة عن الكلام المأمور بقوله لهم.
القطان
تفسير : الصُم: واحدُه أصم، الذي لا يسمع. نفحة: الشيء الضئيل. الخردل: نباتُ عشبي ينبت في الحقول، تُستعمل بذوره في الطب، والطعام، ويُضرب به المثل في الصغر. القسط: العدل. حاسبين: محصين عادين. الفرقان: ما يفرق بين الحق والباطل وتطلق على التوراة، وكذلك على القرآن، والضياء كالفرقان لأنه ينير الطريق للناس. مشفقون: خائفون. بعد ان بين الله هول ما يستعجلون، وحالَهم السيئة حين نزوله بهم، ثم نعى عليهم جهلهم وإعراضهم عن ذِكر ربهم الذي يكلؤهم من طوارق الليل وحوادث النهار - أمَرَ رسولَه الكريم ان يقول لهم: إنما أخبركم به قد جاءَ من عند الله فقال: {قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ}. قل أيها النبي لهؤلاء الجاحدين السادرين في غَيِّهم: إنما أحذّركم بالوحي الصادق الصادر عن الله، فإن كنتم تسخرون من أمرِ الساعة وأهوالها، فانها من وحي الله وامره، لا من وحي الخيال. ثم أردَفَ بأن الانذار مع مثل هؤلاء لا يجدي فتيلا، فهم كالصمّ الذين لا يسمعون داعي الله فقال: {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ}. وكيف يُجدي الإنذارُ من كان أصم لا يسمع! وكيف يسمع الطرش النداءَ حين يوجّه اليهم! وكل من لا يستجيب لداعي الله فهو أصم ولو كان يسمع ويرى. {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}. وحين يمسهم أقل العذاب يوم القيامة يدعون على أنفسِهم بالويلِ والثبور ويقولون: إنا كنا ظالمين لأنفسنا بكفرنا، ويندمون على ما فَرَطَ منهم، لكنه لن ينفعهم الندم ولا الاعتراف بعد فوات الأوان. ثم يبين في خاتمة هذا الحوار ما سيقع من أحداثٍ يوم القيامة وحين يأتي ما أُنذروا به فيقول: {وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ}. في ذلك اليوم العظيم نضع الموازينَ العادلة الدقيقة التي تُحصي كل شيء، ويأخذُ كل انسان حقه كاملاً، ولا تُظلم نفسٌ شيئا، ولو كان العمل بوزن حبةِ الخردل. وحبة الخردل جزء من الف جزء من الغرام، فان الكيلو غرام يحتوي على 913 الف حبة، وهذا أصغرُ وزنٍ لحبة نبات عُرف حتى الآن. فإن كان الانسانُ اخترع الكمبيوتر، الذي يحصي أدقّ المعلومات فإن الله عنده ما هو أدق منه وأعدل. ولا يخفى ما في هذه الآية من التحذير الشديد والوعيد. قراءات: قرأ ابن عامر: "ولا تُسمع الصم الدعاء" بضم التاء وكسر الميم. والباقون: ولا يَسْمعُ الصمُّ بفتح الياء والميم، وضم الصم.. وقرأ نافع: وان كان مثقالُ حبة برفع مثقال، والباقون: مثقالَ بالنصب. {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ}. يبين الله تعالى هنا أن الرسل كلّهم من البشر وهي السُنّة المطّردة، وأن نزول الكتاب على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ليس بدعةً مستغربة، فقد أنزلْنا على موسى وهارونَ الفرقانَ، وهو التوراة. والفرقانُ من صفات القرآن ايضا، فالكتب المنزلة من عند الله كلّها فرقان بين الحق والباطل، وضياء تكشف ظلماتِ القلب، وتذكير ينتفع به المتقون. ثم يذكر صفاتِ المتقين: {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ}. والمتقون هم الذي يخافون ربَّهم في السرّ والغيب والعلانية، وهم مع ذلك خائفون وَجِلون من عذاب يوم القيامة، فهؤلاء هم الذين ينتفعون بالضياء ويسيرون على هداه. {وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}. وهذا القرآن الذي انزلنا على محمد الأمين كما انزلنا الذكر على موسى وهارون، ذكر لكم فيه البركة والخير، وموعظة لمن يتعظ بها، أفبعد ان علمتم شأنه وعظمته تنكرونه، وانتم أولى الناس بالايمان به!
د. أسعد حومد
تفسير : (45) - وَقُلْ لَهُم يَا مُحَمَّدُ: إِنَّمَا أَنَا مُبَلِّغٌ عَنِ اللهِ تَعَالَى مَا أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ مِن العَذَابِ والنَّكَالِ، وإِنَّ ذَلِكَ مِمّا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، وَهُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَلَكِنَّ الإِنْذَارَ لأمثَالِ هَؤُلاَءِ لاَ يَنْفَعُ، فَحَالُهُمْ كَحَالِ مَنْ أَعْمَى اللهُ بَصِيرَتَهُ، وَخَتَمَ عَلَى قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: أن رسول الله ما أبلغكم بشيء من عند نفسه، إنما كل ما جاء به من وعد ووعيد فهو من عند الله، وأنتم أنفسكم تؤكدون على بشريته، نعم هو بشر لا يعلم شيئاً كما تقولون، وهذه تُحسَب له لا عليه، إنما ربه يوحي إليه. فلو قال محمد: إنما أنذركم .. لكان لكم حق أنْ تتشكَّكوا، إنما القائل هو الله، وأنا مجرد مُبلِّغ عن الله الذي يملك أعِنَّة الأحداث، فإذا قال بوجود حدث فلا بُدَّ أنْ يقع. ثم يقول تعالى: {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ} [الأنبياء: 45] وحاسّة السمع هي أول معلوميات الإنسان، وأول حواسه عملاً، وقبل أن يتكلم الطفل لا بُدَّ أنْ يسمع أولاً، لينطق ما سمعه؛ لأن السمع هو الإدراك الأول المصاحب لتكوين الإدراكات، والأذن - كما قلنا - تسبق العين في أداء مهمتها. لذلك قدّمه الحق سبحانه، فقال: {أية : إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} تفسير : [الإسراء: 36]. والسمع هو الآلة التي لا تتعطّل عن مهمتها، حتى ولو كان الإنسان نائماً؛ لأن به يتم الاستدعاء؛ لذلك لما أراد الحق سبحانه أنْ يُنيم أهل الكهف هذه المدة الطويلة ضرب على آذانهم، وعطّل عندهم حاسة السمع حتى لا تُزعجهم أصوات الطبيعة خارج الغار، فقال: {أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً} تفسير : [الكهف: 11]. ومعنى: {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ ..} [الأنبياء: 45] صحيح أنهم يسمعون، وآلة السمع عندهم صالحة للعمل، إلا أنه سماعٌ لا فائدة منه، ففائدة السمع أنْ تستجيب لمن يُحدِّثك، فإذا لم تستجِبْ فكأنك لم تسمع، وإذا أمرت العامل مثلاً بشيء فتغافل عنه تقول له: أأنت أطرش؟ ولذلك سماهم القرآن: صُماً. وقوله تعالى: {إِذَا مَا يُنذَرُونَ} [الأنبياء: 45] أي: لَيْتهم يتغافلون عن نداء عادي، إنما يتغافلون وينصرفون {إِذَا مَا يُنذَرُونَ} [الأنبياء: 45] حين يُخوِّفهم عذاب الله، والإنذار والتحذير أَوْلَى ما يجب على الإنسان الاهتمام به، ففيه مصلحته، ومن الغباء ألاَّ يهتم به، كما لو أنذرتَ إنساناً وحذَّرْتَه من مخاطر طريق، وأن فيه ذئاباً أو أُسُوداً أو ثعابين أو قطاعَ طريق، فلا يهتم بكلامك، ولا يحتاط للنجاة بنفسه. وقلنا: إن الإنذار: أنْ تخبر بشرٍّ قبل أوانه ليستعد لتلافيه، لا أنْ تنذره ساعة الحادث فلا يجد فرصة. إذن: المسألة ليست طبيعة في التكوين، إنما توجيه إدراكات، كأنْ تكلِّم شخصاً في أمر لا يعجبه، فتجده "أذن من طين، وأذن من عجين" ينصرف عنك كأنه لم يسمع شيئاً، كأحدهم لما قال لصاحبه: فيك مَنْ يكتم السر؟ قال: نعم سِرُّك في بير، قال: أعطني عشرة جنيهات، فردَّ عليه: كأنِّي لم أسمع شيئاً!!! ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ} [الأنبياء: 45] يشير إلى أنه ليس للأنبياء والأولياء إلا الإنذار والنصح وليس لهم إسماع الصم، وهم الذين لعنهم الله في الأزل بالطرد عن جوار الحضرة إلى أسفل الدنيا، وأصمهم وأعمى أبصارهم بحبها، وطلب شهواتها، فلا يسمعون ما ينذرون به، وإنما الاستماع لله تعالى لا للخلق كما قال الله تعالى: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} تفسير : [الأنفال: 23]. وفي قوله تعالى: {وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 46] إشارة إلى أن أهل الغفلة والشقاق لا ينتبهون بتنبيه الأنبياء، ونصح الأولياء في الدنيا حتى يمسهم أمر من آثار عذاب الله بعد الموت، فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا {أية : فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ} تفسير : [الملك: 11] ونادوا بالويل والثبور على أنفسهم بما كانوا ظالمين. وفي قوله تعالى: {وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} [الأنبياء: 47] إشارة إلى أن الموازين على قسمين: موازين الفضل، وموازين العدل: * فأمَّا موازين الفضل: فقد وضعت في المبدأ الأول حين قسمت الأشياء كما قال: {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الزخرف: 32] قورن بها أولاً أعظم وزن لمحمد صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: {أية : وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} تفسير : [النساء: 113] ثم وزن بها للرسل ورجع لبعضهم كما قال الله تعالى: {أية : تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [البقرة: 253] ثم وزن بها للأولياء المحبوبين كما قال الله تعالى: {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [المائدة: 54] ثم وزن بها للمؤمنين فقال الله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} تفسير : [النور: 21] ثم وزن بها لبني آدم عموماً بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} تفسير : [الإسراء: 70]. * وأما موازين العدل: فقد وضعت للمداد وهو يوم القيامة {أية : تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ} تفسير : [غافر: 17] وذلك؛ لأن العالم بما فيه خلق كشجرة لثمرتها ولها بذر، فقسم بذرها في المبدأ بميزان الفضل رعاية لمصلحة الشجرة لثمرتها ولها بذر، فقسم بذرها في المبدأ بميزان الفضل رعاية لمصلحة الشجرة ولو وزن بميزان العدل ما تم أمر الشجرة للتسوية في القسمة؛ لأنه لو لم يكن الفضل مخصوصاً ببعضها دون بعض ما كان للشجرة ثمرة ولا للثمرة شجرة، فإذا تم أمر الشجرة وأثمرت فاقتضت الحكمة بأن وزن لها في الآخرة بميزان العدل؛ لإيصال الماء بالسوية إلى أجزاء الشجرة رعاية لصلاح الشجرة والثمرة {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} [الأنبياء: 47] إلى موضع صالح {وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] في رعاية صالح الشجرة والثمرة من المبدأ إلى المعاد. ثم أخبر عن إيتاء الفرقان لموسى بن عمران بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ} [الأنبياء: 48] يشير إلى أن النور الذي هو يفرق بين الحق والباطل، بل بين الخلق والخالق والحدوث والقدم نور يقذفه الله تعالى في قلوب عباده المخلصين من الأنبياء والمرسلين والأولياء الكاملين، ولا يحصل بتكرار العلوم الشرعية، ولا بالأفكار العقلية، وله {وَضِيَآءً} [الأنبياء: 48] يتعذ به {وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء: 48] {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 49] الذين يتقون عن الشرك بالتوحيد، وعن الطبع بالشرع، وعن الرياء بالإخلاص، وعن الخلق بالخالق، وعن الأنانية بالهوية. {وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ} [الأنبياء: 50] لمن يتعظ له، ويعلم أن اتعاظه به إنما هو من نور {أَنزَلْنَاهُ} [الأنبياء: 50] في قلبه لا من نتائج عقله وتفكيره فيه {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [الأنبياء: 50] أي: تنكرون على أنه نور من هدايتنا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { قُلْ } يا محمد، للناس كلهم: { إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ } أي: إنما أنا رسول، لا آتيكم بشيء من عندي، ولا عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول إني ملك، وإنما أنذركم بما أوحاه الله إلي، فإن استجبتم، فقد استجبتم لله، وسيثيبكم على ذلك، وإن أعرضتم وعارضتم، فليس بيدي من الأمر شيء، وإنما الأمر لله، والتقدير كله لله. { وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ } أي: الأصم لا يسمع صوتا، لأن سمعه قد فسد وتعطل، وشرط السماع مع الصوت، أن يوجد محل قابل لذلك، كذلك الوحي سبب لحياة القلوب والأرواح، وللفقه عن الله، ولكن إذا كان القلب غير قابل لسماع الهدى، كان بالنسبة للهدى والإيمان، بمنزلة الأصم، بالنسبة إلى الأصوات فهؤلاء المشركون، صم عن الهدى، فلا يستغرب عدم اهتدائهم، خصوصا في هذه الحالة، التي لم يأتهم العذاب، ولا مسهم ألمه. فلو مسهم { نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ } أي: ولو جزءا يسيرا ولا يسير من عذابه، { لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } أي: لم يكن قولهم إلا الدعاء بالويل والثبور، والندم، والاعتراف بظلمهم وكفرهم واستحقاقهم للعذاب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):