Verse. 2530 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

وَنَضَعُ الْمَوَازِيْنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيٰمَۃِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَـيْــــــًٔا۝۰ۭ وَاِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّۃٍ مِّنْ خَرْدَلٍ اَتَيْنَابِہَا۝۰ۭ وَكَفٰى بِنَا حٰسِـبِيْنَ۝۴۷
WanadaAAu almawazeena alqista liyawmi alqiyamati fala tuthlamu nafsun shayan wain kana mithqala habbatin min khardalin atayna biha wakafa bina hasibeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ونضع الموازين القسط» ذوات العدل «ليوم القيامة» أي فيه «فلا تظلم نفس شيئاً» من نقص حسنة أو زيادة سيئة «وإن كان» العمل «مثقال» زنة «حبة من خردل أتينا بها» بموزونها «وكفى بنا حاسبين» مُحْصين كل شيء.

47

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} الموازين جمع ميزان. فقيل: إنه يدل بظاهره على أن لكل مكلَّف ميزاناً توزن به أعماله، فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في كفة. وقيل: يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله؛ كما قال:شعر : مَلِكٌ تقومُ الحادثاتُ لَعدْلِه فلكلِّ حادثةٍ لها ميزانُ تفسير : ويمكن أن يكون ميزاناً واحداً عبر عنه بلفظ الجمع. وخرج اللاَّلْكَانيّ الحافظ أبو القاسم في سننه عن أنس يرفعه: «إن مَلَكاً موكَّلاً بالميزان فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان فإن رجح نادى الملك بصوت يُسمع الخلائق سَعِد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً وإن خفَّ نادى الملك شَقِي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً». وخرج عن حذيفة رضي الله عنه قال: «صاحب الميزان يوم القيامة جبريل عليه السلام» وقيل: للميزان كفتان وخيوط ولسان والشاهين؛ فالجمع يرجع إليها. وقال مجاهد وقتادة والضحاك: ذكر الميزان مَثَل وليس ثَمَّ ميزان وإنما هو العدل. والذي وردت به الأخبار وعليه السواد الأعظم القول الأوّل. وقد مضى في «الأعراف» بيان هذا، وفي «الكهف» أيضاً. وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة» مستوفى والحمد لله. و«القِسط» العدل أي ليس فيها بخس ولا ظلم كما يكون في وزن الدنيا. و«الْقِسْطَ» صفة الموازين ووحد لأنه مصدر؛ يقال: ميزان قسط، وميزانان قسط، وموازين قسط. مثل رجال عدل ورضا. وقرأت فرقة «الْقِصْطَ» بالصاد. {لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أي لأهل يوم القيامة. وقيل: المعنى في يوم القيامة. {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} أي لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيء. {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} قرأ نافع وشيبة وأبو جعفر «مِثْقَالُ حَبّةٍ» بالرفع هنا؛ وفي «لقمان» على معنى إن وقع أو حضر؛ فتكون كان تامة ولا تحتاج إلى خبر. الباقون «مِثْقَالَ» بالنصب على معنى وإن كان العمل أو ذلك الشيء مثقالَ. ومثقال الشيء ميزانه من مثله. {أَتَيْنَا بِهَا} مقصورة الألف قراءة الجمهور أي أحضرناها وجئنا بها للمجازاة عليها ولها. يجاء بها أي بالحبة ولو قال به أي بالمثقال لجاز. وقيل: مثقال الحبة ليس شيئاً غير الحبة فلهذا قال: {أَتَيْنَا بِهَا}. وقرأ مجاهد وعكرمة «آتَيْنَا» بالمد على معنى جازينا بها. يقال: آتى يؤاتي مؤاتاة. {وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} أي مجازين على ما قدموه من خير وشر. وقيل: «حاسِبِين» أي لا أحد أسرع حساباً منا. والحساب العدّ. روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها: «حديث : أن رجلاً قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم؟ قال: «يُحسَب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كَفَافاً لا لك ولا عليك وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك وإن كان عقابك إيّاهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل» قال: فتنحّى الرجل فجعل يبكي ويهتف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما تقرأ كتاب الله تعالى {وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً}» فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئاً خيراً من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهمتفسير : . قال حديث غريب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ } ذوات العدل {لِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ } أي فيه {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً } من نقص حسنة أو زيادة سيئة {وَإِن كَانَ } العمل {مِثْقَالَ } زنة {حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا } أي بموزونها {وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ } مَحصين كل شيء.

ابن عطية

تفسير : لما توعدهم بنفحة من عذاب الدنيا عقب ذلك بتوعد بوضع {الموازين} وإنما جمعها وهو ميزان واحد من حيث لكل أحد وزن يخصه ووحد {القسط} وهو جاء بلفظ {الموازين} مجموعاً من حيث {القسط} مصدر وصف به كما تقول قوم عدل ورضى وقرأت فرقة "القصط" بالصاد، وقوله تعالى: {ليوم القيامة} أي لحساب يوم القيامة أو لحكم يوم القيامة فهو بتقدير حذف مضاف والجمهور على أن الميزان في يوم القيامة بعمود وكفتين توزن به الأعمال ليبين المحسوس المعروف عندهم، والخفة والثقل متعلقة بأجسام ويقرنها الله تعالى يومئذ بالأعمال فإما أن تكون صحف الأعمال أو مثالات تخلق أو ما شاء الله تعالى. وقرأ نافع وحده "مثقالُ" بالرفع على أن تكون {كان} تامة، وقرأ الجمهور الناس "مثقالَ" بالنصب على معنى وأن كان الشيء أو العمل، وقرأ الجمهور "أتينا" على معنى جئنا، وقرأ ابن عباس ومجاهد وغيرهما "آتينا" على معنى "وآتينا" من المواتاة ولا يقدر تفسير آتينا بأعطينا لما تعدت بحرف جر. قال القاضي أبو محمد: ويوهن هذه القراءة أن بدل الواو المفتوحة همزة ليس بمعروف وإنما يعرف ذلك في المضمومة والمكسورة، وفي قوله {وكفى بنا حاسبين} توعد، ثم عقب بالتمثيل بأمر موسى عليه السلام، و {الفرقان} فيما قالت فرقة التوراة وهي الضياء والذكر، وقرأ ابن كثير وحده "ضيئاء" بهمزتين قبل الألف وبعدها، وقرأ الباقون "ضياء" بهمزة واحدة بعد الألف، وقرأ ابن عباس "ضياء" بغير واو وهي قراءة عكرمة والضحاك وهذه القراءة تؤيد قول من قال المراد بذلك كله التوراة، وقالت فرقة {الفرقان} هو ما رزقه الله من نصر وظهور حجة وغير ذلك مما فرق بين أمره وأمر فرعون، و"الضياء" التوراة و"الذكر" بمعنى التذكرة، وقوله تعالى: {بالغيب} يحتمل ثلاث تأويلات أحدها في غيبهم وخلواتهم وحيث لا يطلع عليهم أحد وهذا أرجحها، والثاني أنهم يخشون الله تعالى على أن أمره تعالى غائب وإنما استدلوا بدلائل لا بمشاهدة، والثالث أنهم يخشون الله ربهم بما أعلمهم به مما غاب عنهم من أمر آخرتهم ودنياهم، و"الإشفاق" أشد الخشية و {الساعة} القيامة، وقوله تعالى: {وهذا} إشارة إلى القرآن، و {أنزلناه} إما أن يكون بمعنى أتيناه بمعنى كما تقول أنزل السلطان فلاناً بمكان كذا إذا أثبته له، وإما أن يتعلق النزول بالملك، ثم وقفهم الله تعالى تقريراً وتوبيخاً هل يصح لهم إنكار بركته وما فيه من الدعاء إلى الله تعالى وإلى صالح العمل.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد والترمذي وابن جرير في تهذيبه، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، ‏عن عائشة حديث : أن رجلاً قال‏:‏ ‏"‏يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم، فكيف أنا منهم‏؟‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك؛ وإن عقابك إياك فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل‏. فجعل الرجل يبكي ويهتف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أما تقرأ كتاب الله ‏{‏ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين‏} فقال الرجل‏:‏ يا رسول الله، ما أجد لي ولهم شيئاً خيراً من مفارقتهم‏.‏‏.‏‏.‏ أشهدك أنهم أحرار‏"‏‏ ‏ . تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي ي نوادر الأصول وابن أبي حاتم، عن رفاعة بن رافع الزرقي قال‏: ‏ ‏"حديث : ‏قال رجل‏:‏ يا رسول الله، كيف ترى في رقيقنا نضربهم‏؟‏ فقال‏:‏ توزن ذنوبهم وعقوبتكم إياهم، فإن كانت عقوبتكم أكثر من ذنوبهم أخذوا منكم‏.‏ قال‏:‏ أفرأيت سبّنا إياهم‏؟‏ قال‏: توزن ذنوبهم وأذاكم إياهم، فإن كان أذاكم إياهم أكثر أعطوا منكم‏.‏ قال‏:‏ أرأيت يا رسول الله ولدي أضربهم‏؟‏ قال‏: إنك لا تتهم في ولدك ولا تطيب نفسك، تشبع ويجوعون وتكسى ويعرون‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحكيم عن زيد بن أسلم قال‏:‏‏ ‏"حديث : ‏قال رجل‏:‏ يا رسول الله، ما تقول في ضرب المماليك‏؟‏ قال‏: إن كان ذلك في كنهه، وإلا أقيد منكم يوم القيامة‏.‏ قيل‏:‏ يا رسول الله، ما تقول في سبهم‏؟‏ قال‏:‏ مثل ذلك‏.‏ قال‏:‏ يا رسول الله، فإنا نعاقب أولادنا ونسبهم‏!‏ قال‏:‏ إنهم ليسوا أولادكم؛ لأنكم لا تتهمون على أولادكم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحكيم عن زياد بن أبي زياد قال‏:‏ ‏"‏حديث : قال رجل‏:‏ يا رسول الله، إن لي مالاً وإن لي خدماً، وإني أغضب فأعرم وأشتم وأضرب‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ توزن ذنوبه بعقوبتك، فإن كانت سواء فلا لك ولا عليك؛ وإن كانت العقوبة أكثر فإنما هو شيء يؤخذ من حسناتك يوم القيامة‏.‏ فقال الرجل‏:‏ أوه‏.‏‏.‏‏.‏ أوه‏!‏‏.‏‏.‏‏.‏ يؤخذ من حسناتي‏؟‏‏!‏ أشهدك يا رسول الله أن مماليكي أحرار، أنا لا أمسك شيئاً يؤخذ من حسناتي له‏.‏ قال‏:‏ فحسبت ماذا‏؟‏ ألم تسمع إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونضع الموازين القسط‏}‏ الآية‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود قال‏:‏ يجاء بالناس يوم القيامة إلى الميزان فيتجادلون عنده أشد الجدال‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ونضع الموازين القسط‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ هو كقوله‏:‏ ‏{أية : ‏والوزن يومئذ الحق‏} ‏تفسير : [‏الأعراف: 8‏]‏‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد أنه كان يقرأ ‏"‏وإن كان مثقال حبة من خردل آتينا بها‏"‏ بمد الألف‏.‏ قال‏:‏ جازينا بها‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عاصم بن أبي النجود، أنه كان يقرأ ‏ {‏وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها‏} ‏ على معنى جئنا بها لا يمد أتينا‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏وإن كان مثقال حبة‏} ‏ قال‏:‏ وزن حبة‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وكفى بنا حاسبين‏} ‏ قال‏:‏ محصين‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} [الآية: 47]. قال القاسم: الأعمال والموازين شتى، والعدل ميزان الله فى الأرض، فمن وزن أعماله بميزان العدل فهو من العابدين، ومن وزن حركاته بميزان العدل فهو من المخبتين، ومن وزن خطراته وأنفاسه بميزان العدل فهو من العارفين، وميزان العدل في الدنيا ثلاثة: ميزان النفس والروح، وميزان القلب والعقل، وميزان المعرفة والسّر. فميزان النفس والروح: الأمر والنهى، وكفتاه الوعد والوعيد. وميزان القلب والعقل: الإيمان والتوحيد، وكفتاه الثواب والعقاب. وميزان المعرفة والسّر: الرضا والسخط، وكفتاه الهرب والطلب. فمن وزن أفعال النفس والروح بميزان الأمر والنهى بكفة الكتاب والسُّنّة ينال الدرجات في الجنان، ومن وزن حركات القلب والعقل بميزان الثواب والعقاب بكفّة الوعد والوعيد أصاب الدرجات ونجا من جميع المشقات، ومن وزن خطرات المعرفة والسّر بميزان الرضا والسخط بكفة الهرب والطلب نجا من الذى هرب، ووصل إلى ما طلب، فيصير عيشه في الدنيا على الهرب، وخروجه منها على الطلب، وعاقبته إلى غاية الطرب، فمن أراد الوصول إلى المسبب فعليه بالهرب من السبب، فإن السبب حجاب كل طالب.

القشيري

تفسير : توزن الأعمالُ بميزان الإخلاص فما ليس فيه إخلاصٌ لا يُقْبَل، وتوزن الأحوالُ بميزان الصدق فما يكون فيه الإعجابُ لا يُقْبَل، وتوزن الأنفاسُ بميزان (....) فما فيه حظوظ ومساكنات لا يُقْبَل. ويقال ينتصِفُ المظلومُ من الظالم، وينتقم الضعيفُ من القوي. ويقال ما كان لغير الله يَصْلُح للقبول. ويقال يكافىء كلاً بما يليق بعمله فَمَنْ لم يرحم عبادَه في دنياه لا يَرْحَمهُ الله، ومن لم يُحسِن إلى عباده تقاصر عنه إحسانه، ومَنْ ظلم غيره كوفىء بما يليق بسوء فعله. قوله: {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً}: أي يُجازي المظلومين وينتقم من الظالمين، ويُنْصِفُ المظلومَ من مثقال الذرة ومقياس الحَبَّة، وإن عَمِلَ خيراً بذلك المقدار فسيلقى جزاءه، ويجد عِوَضَه.

البقلي

تفسير : قوله {وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} ان الله موازين عدله القديم لا تتغير بتغير الحدثان ولا برسوم الزمان والمكان وكل ميزان له موضع ومقام فمنها المعاشقين منها للعارفين منها للمحبين ومنها للمشتاقين ومنها للمستانسين ومنها للخاضعين ومنها للاواهين من غلبة قهر المواجيد ومنها للواجدين و منها للعالمين ومنها للباكين عليه منه فيزن بها معالى هممهم ومقادير محنهم فى زمان هجوانه واوان امتحانه فيوفيهم بجلال قدرته ما لا يحصر عدده من قرب مشاهدته وحسن وصاله فيفتح لهم خزائن جود الازل وله ميزان للعارفين يزن انفاسهم به يضع نفسا من انفاسهم المعجونة بنفس صبح روح الازل فى كفه ويضع جميع الجنان فى اخرى فيرجح ما فيه نفس العارف بحيث لا يبقى فى جنبه الحدثان لانها خرج من غيب الرحمن منور بنوره قال القسم الاعمال والموازين شتى والعدل ميزان الله فى الارض فنم وزن اعماله بميزان العدل فهو من العابدين ومن وزن حركاته بميزان العدل فهو من المحبين ومن وزن خطراته وانفاسه بميزان العدل فهو من العارفين وميزان العدل فى الدنيا ثلثة ميزان النفس والارواح وميزان للقلب والعقل وميزان للمعرفة والسر فميزان النفس والروح الامر والنهى وكفتاه الوعد والوعيد وميزان القلب والعقل الايمان والتوحيد وكفتاه الثواب والعقاب وميزان المعرفة والسر الرضا والسخط وكفتاه الهرب والطلب فمن وزن افعال النفس والروح بميزان الامر والنهى بكفة الكتاب والسنة يتال الدرجات فى الجنان من وزن حركات القلب والعقل بميزان الثواب والعقاب كفة الوعد والوعيد اصاب الدرجات ونجا من جميع المشقات ومن وزن هطرات المعرفة والسر بميزان الرضا والسخط بكفة الهرب والطلب نجا من الذى هرب ووصار الى ما طلب فيصير عيشه فى الدنيا على الهرب خروجه منها على الطلب وعاقبته الى --- الطرب من اراد الوصول الى المسبب فعليه الهرب من السبب فان السبب حجاب كل طالب.

اسماعيل حقي

تفسير : {ونضع الموازين القسط} الموازين جمع ميزان: بالفارسية [ترازو] والقسط العدل اى نقيم الموازين العادلة التى نوزن بها صحائف الاعمال ونحضرها او الاعمال باعتبار التجوهر والتجسم وجمع الموازين باعتبار تعدد الاعمال او لان لكل شخص ميزانا. قال الراغب الوزن معرفة قدر الشئ وذكر الميزان فى مواضع بلفظ الواحد اعبتارا بالمحاسبة وفى مواضع بلفظ الجمع اعتبارا بالمحاسبين انتهى. وافراد القسط لانه مصدر وصف به مبالغة كرجل عدل. قال الامام وصف الموازين بالقسط لانها قد لا تكون مستقيمة {ليوم القيامة} اى لاجل جزائه {فلا تظلم نفس} من النفوس {شيئا} حقا من حقوقها على ان يكون مفعولا ثانيا لتظلم لانه بمعنى تنقص وتنقص يتعدى الى مفعولين يقال نقصه حقه من الظلم بل يوفى كل ذى حق حقه ان خيرا فخيرا وان شرا فشر على ان يكون مفعولا مطلقا {وان كان} اى العمل المدلول عليه بوضع الموازين {مثقال حبة من خردل} المثقال ما يوزن به من الثقل اى مقدار حبة كائنة من خردل: بالفارسية [ازسبندان كه اصغر حباتست] اى وان كان فى غاية القلة والحقارة فان حبة الخردل مثل فى الصغر {اتينا بها} بقصر الهمزة من الاتيان والباء للتعدية اى احضرنا ذلك العمل المعبر عنه بمثقال حبة الخردل للوزن والتأنيث لاضافته الى الحبة {وكفى بنا حاسبين} اذ لا مزيد على علمنا وعدلنا الباء زائدة ونا فاعل كفى وحاسبين حال منه بمعنى عادّين من حسب المال اذا عده. وقال ابن عباس رضى الله عنهما عالمين حافظين لان من حسب شيئا علمه وحفظه وفيه تحذير فان المحاسب العالم القادر الذى لا يفوته شئ يجب ان يخاف منه وروئ الشبلى قدس سره فى المنام فقيل ما فعل الله بك فقال شعر : حاسبونا فدققوا ثم منوا فاعتقوا تفسير : قال الامام الغزالى رحمه الله الميزان حق ووجهه ان الله تعالى يحدث فى صحائف الاعمال وزنا بحسب درجات الاعمال عند الله فتصير مقادير اعمال العباد معلومة للعباد حتى يظهر لهم العدل فى العقاب او الفضل فى العفو وتضعيف الثواب. يقول الفقير بهذا يندفع سؤال الامام فى تفسيره حيث قال اهل القيامة ان علموا كونه تعالى عادلا فلا حاجة الى وضع الميزان بل يكفى مجرد حكمه بترجيح جانب وان لم يعلموا لم يقد وزن الصحائف لاحتمال انه جعل احدى الكفتين اثقل ظلما انتهى وذلك لانهم علموا ذلك ضروريا لان الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا لكن الله تعالى اراد ان يحصل لهم العلم بمقادر اعمالهم ليظهر العدل والفضل ظهورا لا غاية وراءه وفيه الزام الحجة لهم. قيل للميزان لسان وكفتان وهو بيد جبريل يوزن فيه الحسنات والسيآت فى احسن صورة واقبحها والحكم للغالب فى الوزن وفى التساوى لفضل الله. يقول الفقير لعل وجه كونه بيد جبريل انه الواسطة فى تنزيل الامر والنهى فناسب ان يكون الميزان بيده ليزن حقائق الاوامر والنواهى - روى - ان داود عليه السلام سأل ربه ان يريه الميزان فاراه كل كفة كما بين الشمرق والمغرب فغشى عليه ثم افاق فقال الهى من ذا الذى يقدر ان يملأ كفته حسنات فقال يا داود انى اذا رضيت عن عبدى ملأتها بتمرة وفى الحديث "حديث : كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان الى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"تفسير : انما صارتا احب لان فيهما المدح بالصفات السلبية التى يدل عليها التنزيه وبالصفات الثبوتية التى يدل عليه الحمد وفى الحديث "حديث : التسبيح نصف الميزان والحمد لله يملأه " تفسير : قال المولى الفنارى توضع الموازين لوزن الاعمال فيجعل فيها الكتب بما عملوا وآخر ما يوضع فى الميزان قول الانسان الحمد لله ولهذا قال عليه السلام حديث : الحمد لله تملأ الميزان"تفسير : فانه يلقى فى الميزان جميع اعمال العباد من الخير الا كلمة لا اله الا الله فيبقى على ملئه تحميدة فتجعل فيه فيمتلئ بها فان كفة ميزان كل احد بقدر عمله من غير زيادة ولا نقصان وكل ذكر وعمل يدخل الميزان الا لا اله الا الله كما قلنا وسبب ذلك ان كل عمل خير له مقابل من ضده فيجعل هذا الخير فى موازنته ولا يقابل لا اله الا الله الا الشرك ولا يجتمع توحيد شرك فى ميزان احد لانه ان قال لا اله الا الاله معتقدا لها فما اشرك وان اشرك فما اعتقد فلم يكن لها ما يعاد لها فى الكفة الاخرى ولا يرجحها شئ فلهذا لا تدخل فى الميزان واما المشركون فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا اى لا يقدر لهم ولا يوزن لهم عمل ولا من هو من امثالهم من المعطل والمتكبر على الله فان اعمال خير المشرك محبوطة فلا يكون لشرهم ما يوازيه فلا وزن لهم وأما صاحب السجلات فإنه شخص لم يعمل خيرا قط الا انه تلفظ يوما بكلمة لا اله الا الله مخلصا فيوضعله فى مقابلة التسعة والتسعين سجلا من اعمال الشرك كل سجل منها كما بين المشرق والمغرب وذلك لانه ماله عمل خير غيرها فترجح كفتها بالجميع وتطيش السجلات. والتحقيق ان لا اله الا الله كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله ولا يعادله شئ والا لما كان واحدا بل كان اثنين فصاعدا فاذا اريد بهذه الكلمة التوحيد الحقيقى لم تدخل فى الميزان لانه ليس له معادل ومماثل فكيف يدخل فيه واليه اشار الخبر الصحيح عن الله تعالى قال الله تعالى "حديث : لو ان السموات السبع وعامرهن غيرى والارضين السبع وعامرهن غيرى فى كفة ولا اله الا الله فى كفة مالت بهن لا اله الا الله"تفسير : فعلم من هذه الاشارة ان المانع من دخولها فى ميزان الحقيقة هو عدم المماثل والمعادل كما قال تعالى {أية : ليس كمثله شئ}تفسير : واذا اريد بها التوحيد الرسمى تدخل فى الميزان لانه يوجد لها ضد بل اضداد كما اشير اليه بحديث صاحب السجلات فما مالت الكفة الا بالبطاقة التى كتبها الملك فيها فهى الكلمة المكتوبة المنطوقة المخلوقة فعلم من هذه الاشارة ان السبب لدخولها فى ميزان الشريعة هو وجود الضد والمخالف وهو السيآت المكتوبة فى السجلات وانما وضعها فى الميزان ليرى اهل الموقف فى صاحب السجلات فضلها لكن انما يكون ذلك بعد دخول من شاء الله من الموحدين النار ولم يبق فى الموقف الا من يدخل الجنة لانها لا توضع فى الميزان لمن قضى الله ان يدخل النار ثم يخرج بالشفاعة او بالعناية الالهية فانها لو وضعت لهم ايضا لما دخلوا النار ايضا ولزم الخلاف للقضاء وهو محال ووضعها فيها لصاحب السجلات اختصاص الهى يختص برحمته من يشاء هكذا حقق شيخى وسندى قدس سره هذا المقام ولا يدخل الموازين الا اعمال الجوارح شرها وخيرها وهى السمع والبصر واليد والبطن والفرج والرجل واما الاعمال الباطنة فلا تدخل الميزان المحسوس لكن يقام فيها العدل وهو الميزان الحكمى فمحسوس لمحسوس ومعنى لمعنى يقابل كل شئ بمثله فلهذا توزن الاعمال من حيث هى مكتوبة وقد اصاب من قال الذكر الخفى هو الذى لم يطلع عليه الحفظة وهو توحيد الحقيقى الباطنى الذى لا يدخل فى الميزان الصورى لانه ما كان مكتوبا فكيف يدخل فيه. فان قيل اين الميزان. قلنا على الصراط ومترتب على الحساب ولهذا لا ميزان لمن يدخل الجنة بغير حساب وانما الميزان للمخلطين من المؤمنين. قال بعض الكبار ميزان العدل فى الدنيا ثلاثة ميزان النفس والروح وميزان القلب والعقل وميزان المعرفة والسر. فميزان النفس والروح الامر والنهى وكفتاه الوعد والوعيد. وميزان القلب والعقل الايمان والتوحيد وكفتاه الثواب والعقاب. وميزان المعرفة والسر الرضى والسخط وكفتاه الهرب والطلب. وقال بعضهم من يزن ههنا نفسه بميزان الرياضة والمجاهدات ويزن قلبه بميزان المراقبات ويزن عقله بميزان الاعتبارات ويزن روحه بميزان المقامات ويزن سره بميزان المحاضرات ومطالعة الغيبيات ويزن صورته بميزان المعاملات الذى كفتاه الحقيقة والطريقة ولسانه الشريعة وعموده العدل والانصاف توزن نفسه يوم القيامة بميزان الشرف ويوزن قلبه بميزان اللطف ويوزن عقله بميزان النور ويوزن روحه بميزان السرور ويوزن سره بميزان الوصول ويوزن صورته بميزان القبول فاذا ثقلت موازينه مما ذكرنا فجزاء نفسه الا من من الفراق فجزاء قلبه مشاهدة الشرف فى الاسرار وجزاء عقله مطالعة الصفات وجزاء روحه شف انوار الذات وجزاء سره ادراك الاسرار القدسيات وجزاء صورته الجلوس فى مجالس وصال الابديات وايضا توزن الاعمال بميزان الاخلاص شعر : عبادت باخلاص نيت نكوست وكرنه جه آيد زبى مغزبوست تفسير : والاحوال بميزان الصدق شعر : بصدق كوش كه خورشيد زآيد ازنفست كه از دروغ سيه روى كشت صبح نخست تفسير : فمن كانت اعماله بالرياء مصحوبة لم تقبل اعماله شعر : منه آب زرجان من بريشين كه صراف دانا نكيرد بجيز تفسير : ومن كانت احواله بالعجب مشوبة لم ترفع احواله شعر : حال خود از عجب دل تخليص كن از عمل توفيق را تخصيص كن كر بخواهى تاكران معنى شوى وزن كن حالت بميزان شوى جون ترازوى تو كج بود ودغا راست جون جويى ترازوى جزا

الجنابذي

تفسير : {وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ} الميزان ما يوزن ويقاس به مقدار الشّيء وحاله سواء كان ذلك ذا الكفّتين او القبّان او الزّرع او مقياس البنّاء والمسّاح، او احكام الشّرائع والملل، او آداب الطّريق والسّلوك، او كتب الله السّماويّة، او وجود خلفاء الله تعالى بأعمالهم وأقوالهم وأحوالهم وأخلاقهم ومراتب وجودهم، ولمّا كان الموازين فى الآخرة كثيرة بحسب النّشآت ومراتب الاشخاص جمع الموازين بالجمع الدّالّ على الكثرة وقد سبق فى اوّل سورة الاعراف تحقيق وتفصيل للوزن والميزان، والقسط بمعنى العدل ومن المصادر الّتى يوصف بها، يستوى فيه الواحد والجمع والمؤنّث والمذكّر {لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} اى فى يوم القيامة، او للنّاس فى يوم القيامة، او لحساب يوم القيامة {فَلاَ تُظْلَمُ} بنقص ثواب او زيادة عقاب، او بثواب فى موقع العقاب، او بعكس ذلك {نَفْسٌ شَيْئاً} هو مفعول ثانٍ لتظلم او قائم مقام المصدر {وَإِن كَانَ} العمل {مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} اى مقدار حبّة من خردلٍ، وقرئ مثقال حبّة بالرّفع على جعل كان تامّةً {أَتَيْنَا بِهَا} وقرئ بالمدّ من باب الافعال او المفاعلة {وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ} الجملة معطوفة على قوله لئن مسّتهم، او على قوله ونضع الموازين، والاوّل اولى لتوافق المتعاطفين فى الانشاء، فانّ لام لقد آتينا موطّئة للقسم، والثّانى اوفق بحسب تناسب المعنى فانّ وضع الموازين ليوم القيامة يناسب اتيان الفرقان لموسى لانّه ايضاً ميزان فكأنّه قال: نضع الموازين القسط ليوم القيامة وآتينا موسى فى الدّنيا الميزان القسط الّذى هو التّوراة الفارقة بين الحقّ والباطل {وَضِيَآءً وَذِكْراً} من قبيل عطف اوصافٍ عديدةٍ لشيءٍ واحدٍ على ان يكون الفرقان والضّياء والذّكر اوصافاً للتّوراة، او من قبيل عطف المتباينات ان اريد بالفرقان التّوراة او فلق البحر، او سائر المعجزات وبالضّياء والذّكر غيرها {لَّلْمُتَّقِينَ} متعلّق بآتينا، وكون الفرقان للمتّقين لكونهم منظورين من اتيانه ومنتفعين به، او صفة لضياء وذكراً، او لذكراً فقط.

اطفيش

تفسير : {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} القسط: مصدر نعت به مبالغة ولذا أفرد كأنها لشدة قسطها نفس القسط، أى العدل، أو يقدر مضاف، أى ذوات القسط، أو يؤول بقاسطة، بمعنى عادلة. والحق عندنا - معشر الأباضية - أن وضع الموازين كناية من إثبات الحساب فى المكلفين، وجزائهم على أعمالهم، أى يبالغ فى الحساب مبالغة شديدة كما قال: {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} أى ظلمًا، أو مفعول ثان لتظلم، بمعنى تُنقَّص، أو تمييز محول عن النائب على هذا المعنى، أى لا يُنقص شئٌ نَفْس، أى عملها، أى لا يُنقص من حسناتها، ولا من سيئاتها، واللام ظرفية، أى فى يوم القيامة قاله أبو حيان وابن هشام. وعن بعض بأنها بمعنى عند. وقيل: للتعليل، على حذف مضاف، أى لأجل يوم القيامة. وقال الشنوانى: أو الجزاء يوم القيامة. {وَإِنْ كَانَ} تامة بمعنى حصل {مِثَالَ} زنة {حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ} ما يرى فى الشمس من الهباء، أو بذر اللفت ونحوه. وقرأ غير نافع بنصب مثقل على نقصان كان، واسمها ضمير الفعل، قبل: أو فى غير الظلم، وهو ضعيف، إن لم يكن باطلا. {أَتَيْنَا بِهَا} الباء للتعدية، أى أحضرناها، وضمير المؤنث للمثقال، وإنما أنث لتأويله بالزنة، أو لإصابته للمؤنث، مع صحة الاستغناء عنه، فإنه لو قيل: وإن كانت حبة من خردل، لظهر المراد. وقرأ ابن عباس ومجاهد آتينا بالمد، أى أعطينا صاحبها ثوابها أو عقابها وعُدِّىَ بالياء، لتضمنه معنى المجازاة، أو هو بمعنى المؤاتاة، فإنهم أتوا بالعمل، وأتاهم بالجزاء. وقرأ حميد أَثَبْنَا بِهَا، من الثواب. وقرأ أُبىّ فجئنا بها. {وَكَفَى بِنَا} الباء صلة، ونا فاعل به. {حَاسِبِينَ} حال لا تمييز، لضعف كون التمييز وصفًا. والمعنى: إن حسابنا كان فوق كل حساب؛ لكمال علمنا وحفظنا. وفى ذلك توغيب فى الحسنات وبعُد عن السيئات قال صلى الله عليه وسلم: لا تغتروا بالله، فإنه لو كان مُغْفِلاً شيئًا لأغفل الذرة والبعوضة والخردلة. فصل مذهبنا - معشر الأباضية - كما مر - أن الميزان عبارة عن إثبات الحساب والجزاء، وإظهار أن فعلك أيها المكلف كذا وكذا، قد أوجب لك من الخير أو الشر كذا وكذا أصح. وإن شرَّك مغفور، وخيرك مقبول. وإن خيرك غير مقبول، وشرَّك مؤاخذ به، وذلك مذهب أكثر المعتزلة. وقالت الأشعرية وغيرهم: إن الميزان عمود وكفتين ولسان، وإن طول الدنيا وسعة كفتيه سعة السماوات والأرض. وروى أن داود - عليه السلام - سأل ربه أن يريه الميزان، فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب. فلما رآه غُشى عليه، ثم أفاق وقال: إلهى من الذى يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ قال: يا داود إنى إذا رضيت عن عبدى ملأتها بتمرة. وذكر أحمد بن حنبل وابن حبان والحاكم ومسلم والترمذى وابن ماجة واللفظ للترمذى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن الله عز وجل سيستخلص رجلا من أمتى على رءوس الخلائق يوم القيامة، فيُنْشَر عليه تسعة وتسعون سجلا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلَمك شيئًا كتبتى الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: ألك عذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول الله تبارك وتعالى: بل لك عندنا حسنة؛ فإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، واشهد أن محمدا عبده ورسوله. فيقول: احضر وزنك. فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقول: فإنك لا تظلم فتوضع السجلات فى كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شئ . تفسير : والسجل: الكتاب الكبير. والبطاقة: الصغير. والطيش: الخفة. وأجر الشهادة كما ذكروا وأكثر، ولكن المراد أن ذلك لمن مات تائبًا، فيظهر الله له أن ذنوبه مثل تلك السجلات، وأنه لما تاب قبلت توبته، فغلبت عليها شهادته. ونسبوا كونه ميزانا فى كفتين وعمود ولسان إلى الحسن، وذكروا أن الكفة اليمنى كفة نور توضع فيها الحسنات، واليسرى توضع فيها السيئات، وهى كفة ظلمة. فبعض يقول: ليس علينا البحث عن كيفية الوزن، بل نؤمن به وتفوِّض كيفيته إلى الله تعالى. وقيل: توزن صحائف الأعمال. قلنا: إذًا تكون الزيادة فى الموزونات من الأعمال. وبعض يقول: تجعل الحسنات أجساما نورانية بيضاء حسنة، والسيئات أجساماً ظلمانية قبيحة، جوابًا عما يقال: إن الأعمال أعراض لا توزن، وأنها قد عدمت، فلا توجد. سلّمنا أن الله قادر على قلب الأعراض أجساماً، بل وعلى إيجاد الأعراض الممدومة وعلى وزنها، لكن لا فائدة فى الوزن، مع أن الله عالم بمقاديرها ووزنها غيب. وإن قالوا: فائدته امتحان العباد بالإيمان بالغيب فى الدنيا، وجعل ذلك علامة لأهل السعادة والشقاوة. قلنا: هذا موجود فى تفسيرنا الميزان، بتعريف العباد، ما لهم من الجزاء على الخير والشر، وإحضار ذلك الجزاء. وبعض يقول: يخلق الله أجساما على عدد تلك الأعمال من غير قلبها. وفيه ما فى الذى قبله. وإذا أدحضت حججهم قالوا: إن لوزنها حكمة أبهمها الله، كما صرح به بعض، وبأن ذات الميزان لا تعرف من أى شئ هى؟ وما ورد فى ذلك من الأخبار فمعناه معنى الآية الذى أوضحناه. فمن ذلك ما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه توزن الصحف. فمعنى وزنها الجزاء بما فيها وترجيح خيرها على شرها، أو شرها على خيرها. وزعم بعضهم أن الراجح فى ذلك الميزان يرتفع والمرجوح يتسفل. ولا توزن أعمال المشركين لقوله: {أية : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} تفسير : عند بعضهم. والراجح عندهم وزنها؛ لقوله عز وعلا: {أية : ومن حقّت}تفسير : - إلى - {أية : تكذبون}. تفسير : وأجيب عن الآية الأولى، أن المعنى احتقارهم، وأنهم لا قدر لهم فى الآخرة أو أنه لا يقال لهم وزن نافع. وقالوا: إنه توزن سيئات من لا حسنة له إعلانا بفضيحته، وحسنات من لا سيئة له، إعلانا بشرفه. وقيل: بعض الكفار يعجل بهم إلى النار بلا وزن، وبعضهم يوزن له، ويلقى فى النار. وقال الغزالى: من الأمة سبعون ألفا يدخلون الجنة بلا حساب، لا يرفع لهم ميزان، ولا يأخذون صحفا، يكتب لكل واحد صحيفة، فيها براءة فلان ابن فلان. ولا توزن أعمال الأنبياء، ولا أعمال الملائكة. قال أبو الحسن القابسى: والصحيح أن الحرص قبل الميزان. وما ذهب إليه أبو طالب المكى وغيره أن الحوض بعد الصراط غلط فيه. وأجيب عن قوله صلى الله عليه وسلم لأنس: إن لم تلقنى عند الصراط فاطلبنى عند الميزان، فإن لم تلقنى فعند الحوض، فإن الذكر فيه بحسب الأهمية. وصحح القرطبى أن للنبى صلى الله عليه وسلم حوضين، كلاهما يسمى كوثرا، وأن الحوض الذى يذد عنه مَن بدَّل أو غيَّر، يكون فى الموقت قبل الصراط. وإن قلت: إذا كان الميزان بمعنى ما ذهبتَ إليه، أو بمعنى ما ذهب إليه القوم فكيف جمع؟ قلت: جمع إما للتعظيم، وإما نظراً لتعدد الموزون، وإما لأن لكل صنف من الأعمال ميزانا، وإما لأن لكل مكلف ميزانا. أقوال. والجمهور على أن الميزان واحد. قيل: إن الموازين جمع مَوْزَن. واختلفوا: هل تجعل حسنات العباد كلها فى كفة النور، وسيئاتهم فى كفة الظلمة، ويخلق الله علما ضروريا لكل إنسان، يعلم به خفة أعماله، أو ثقلها؟ أو يقوم عمود من نور من كفة النور، يغطى كفة الظلمة، يظهر للسعيد، وبالعكس للشقى، أو يوزن عمل كل أحد على حِدَة، كما رزقهم على كثرة عددهم؟ أقوال. قالوا: وصحائف الأعمال التى توزن كلها تحت العرش. وهل الحوض مختص بنبينا صلى الله عليه وسلم؟ أو لكل نبى حوض يتباهَوْن أيهم: كَثُرَ وِرْد حَوضه، كما روى فى حديث غريب لا تقوم به حجة؟ قولان.

اطفيش

تفسير : {ونَضعُ الموازين القِسطْ} تمثيل لانتفاء أن ينقص شىء من الأعمال أو من الجزاء، ولا ميزان حقيق كما قال الضحاك وقتادة، ومجاهد ولأعمش، وهو الحق، ولا داعى الى العدول عنه مع ظهوره الى جعلها حقيقة وهو غير ظاهر لاحتياجه الى دعوى تجسم الأعراض، أو الى وزن البطاقة، وليست من الأعمال، والى دليل من حديث، ولا يوجد إلا ما وضع أو اتهم بالوضع، فما الميزان إلا كيد الله وقبضته، ونحو ذلك من المأول والجمع باعتبار الحسنات والسيئات. ومن قال: كموازين الدنيا، فمن قائل: لكل أمة ميزان، وقائل: لكل مؤمن موازين بعدد حسناته، وشهر أنه واحد لكل المكلفين من الثقلين، كفتاه كإطباق السماوات، والجمع للتعظيم، أو لتعدد الموزون كما يقال: شموس وأقمار، لتعدد طلوعهما، يأخذ جبريل بعموده ناظر الى لسانه، وميكائيل أمين عليه، وأن الحسنات أجسام نورانية، والسيئات أجسام مظلمة، وهل هو موجود، الظاهر أنه سيوجد كالصراط على دعواهم. وروى أن داود عليه السلام سأل الله عز وجل أن يريه الميزان، فأراه فغشى عليه، وقال بعد إفاقته: من يقدر على ملئه فقال تعالى: يا داود أرضى أن يملئه عبدى بتمرة، ولا ندرى أصح الحديث أم لم يصح، وعلى صحته فهو تمثيل لما سيكون، والقسط نعت به مبالغة، أو يقدر وذات القسط، أو مفعول من أجله، أى لأجل القسط، أى العدل، والجملة عطف قصة على أخرى، أو حال على تقدير قد، أو نحن من الضمير فى ليقولن، والربط بواو الحال. {ليَوْم القيامة} فى يوم القيامة متعلق بنضع أو بالقسط، وقيل: تعليل أى لحساب يوم القيامة، أو لأهل يوم القيامة، وقيل: اللام للاختصاص، ولا وزن للمشرك، ومن يدخل الجنة بلا حساب {فلا تُظلمُ نفسٌ شَيئاً} مفعول مطلق، أى لا تظلم ظلماً ما، بزيادة سئة أو نقص حسنة أو نقص ثواب، أو زيادة عذاب، عما قضى الله، أو مفعول به، أى لا تنفع ثوابا أو حسنة أو مفعول مطلق، أى لا تنقص نقصا ما فحذف المفعول به ومثله فى السيئة. {وإنْ كان} العمل المدلول عليه، بوضع الموازين، أو الشىء المذكور أنه لا يزاد ولا ينقص {مِثْقال حبَّةٍ من خَرْدل} أى ما يوازنها فى ثقلها {أتينا بها} أى بالمثقال: وأنت لإضافته لمؤنث، وذلك المثقال هو العمل، ومعنى الإتيان به الجزاء عليه بعد إحضاره أنه كذا، ثم تذكرت أن قراءتنا رفع مثقال فاعلا لكان بلا خبر لها، أى إن حصل مثقال حبة أحضرناه، ويضعف أن يجعل أن وصلية، وأتينا بها مستأنف. {وكَفَى بنَا حاسبِينَ} نا فاعل، وحاسبين حال بمعنى داعين، أو بمعنى مجازين على لأعمال، وفى الترمذى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله سيخلص رجلا من أمتى على رءوس الخلائق يوم القيامة يُنْشَر له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل مد البصر، ويقول له: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتى الحافظين؟ فيقول لا يارب، فيقول: ألك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول الله: بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله فيقال له: احضر وزنك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم اليوم فتوضع السجلات فى كفة والبطاقة فى كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شىء" تفسير : قلت: هذا مشرك ختم بكلمة الشهادة، ومات قبل أن تقع عليه الفرائض، أو فاسق ختم عمله بها مخلصا، وأما الوضع فى الكفة فعبارة عن تجويد الحساب.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ} بيان لما سيقع عند إتيان ما أنذروه. وجعل الطيبـي الجملة حالاً من الضمير في { أية : لَّيَقُولَنَّ } تفسير : [الأنبياء: 46] بتقدير ونحن نضع، وهي في الخلو عن العائد نحو جئتك والشمس طالعة، ويجوز أن يقال: أقيم العموم في {نَفْسٌ} الآتي بعد مقام العائد وهو كما ترى أي ونحضر الموازين العادلة التي توزن بها صحائف الأعمال كما يقضي بذلك حديث السجلات والبطاقة التي ذكره مسلم وغيره أو نفس الأعمال كما قيل، وتظهر بصور جوهرية مشرفة إن كانت حسنات ومظلمة إن كانت سيئات، وجمع الموازين ظاهر في تعدد الميزان حقيقة وقد قيل به فقيل لكل أمة ميزان، وقيل لكل مكلف ميزان، وقيل للمؤمن موازين بعدد خيراته وأنواع حسناته، والأصح الأشهر أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال كفتاه كإطباق السمٰوات والأرض لصحة الأخبار بذلك، والتعدد اعتباري وقد يعبر عن الواحد بما يدل على الجمع للتعظيم كقوله تعالى: { أية : رَبّ ٱرْجِعُونِ * لَّعَـلّى أَعْمَلَ صَـٰلِحاً } تفسير : [المؤمنون: 99-100] وقوله: شعر : فارحموني يا إلٰه محمد تفسير : وإحضار ذلك تجاه العرش بين الجنة والنار ويأخذ جبريل عليه السلام بعموده ناظراً إلى لسانه وميكائيل عليه السلام أمين عليه كما في «نوادر الأصول»، وهل هو مخلوق اليوم أو سيخلق غداً؟. قال اللقاني: لم أقف على نص في ذلك كما لم أقف على نص في أنه من أي الجواهر هو اهـ، وما روي من أن داود عليه السلام سأل ربه سبحانه أن يريه الميزان فلما رآه غشي عليه ثم أفاق فقال: يا إلٰهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ فقال تعالى: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة، نص في أنه مخلوق اليوم لكن لا أدري حال الحديث فلينقر. وأنكر المعتزلة الميزان بالمعنى الحقيقي وقالوا: يجب أن يحمل ما ورد في القرآن من ذلك على رعاية العدل والإنصاف، ووضع الموازين عندهم تمثيل لإرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال، وروي هذا عن الضحاك وقتادة ومجاهد والأعمش ولا داعي إلى العدول عن الظاهر. وإفراد القسط مع كونه / صفة الجمع لأنه مصدر ووصف به مبالغة، ويجوز أن يكون على حذف مضاف أي ذوات القسط، وجوز أبو حيان أن يكون مفعولاً لأجله نحو قوله: شعر : لا أقعد الجبن عن الهيجاء تفسير : وحينئذٍ يستغني عن توجيه إفراده، وقرىء {القصط} بالصاد، واللام في قوله تعالى: {لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} بمعنى في كما نص عليه ابن مالك وأنشد لمجيئها كذلك قول مسكين الدارمي: شعر : أولئك قومي قد مضوا لسبيلهم كما قد مضى من قبل عاد وتبع تفسير : وهو مذهب الكوفيين ووافقهم ابن قتيبة أي نضع الموازين في يوم القيامة التي كانوا يستعجلونها؛ وقال غير واحد: هي للتعليل أي لأجل حساب يوم القيامة أو لأجل أهله وجعلها بعضهم للاختصاص كما هو أحد احتمالين في قولك جئت لخمس ليال خلون من الشهر، والمشهور فيه وهو الاحتمال الثاني أن اللام بمعنى في. {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ} من النفوس {شَيْئاً} من الظلم فلا ينقص ثوابها الموعود ولا يزاد عذابها المعهود. فالشيء منصوب على المصدرية والظلم هو بمعناه المشهور. وجوز أن يكون {شَيْئاً} مفعولاً به على الحذف والإيصال والظلم بحاله أي فلا تظلم في شيء بأن تمنع ثواباً أو تزاد عذاباً، وبعضهم فسر الظلم بالنقص وجوز في {شَيْئاً} المصدرية والمفعولية من غير اعتبار الحذف والإيصال أي فلا تنقص شيئاً من النقص أو شيئاً من الثواب، ويفهم عدم الزيادة في العقاب من إشارة النص واللزوم المتعارف، واختير ما لا يحتاج فيه إلى الإشارة واللزوم. والفاء لترتيب انتفاء الظلم على وضع الموازين. وربما يفهم من ذلك أن كل أحد توزن أعماله، وقال القرطبـي: الميزان حق ولا يكون في حق كل أحد بدليل الحديث الصحيح فيقال: ( حديث : يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن ) تفسير : الحديث وأحرى الأنبياء عليهم السلام، وقوله تعالى: { أية : يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِى وَٱلأَقْدَامِ } تفسير : [الرحمٰن: 41] وقوله تعالى: { أية : فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً } تفسير : [الكهف: 105] وقوله سبحانه: { أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } تفسير : [الفرقان: 23] وإنما يبقى الوزن لمن شاء الله سبحانه من الفريقين. وذكر القاضي منذر بن سعيد البلوطي أن أهل الصبر لا توزن أعمالهم وإنما يصب لهم الأجر صباً، وظواهر أكثر الآيات والأحاديث تقتضي وزن أعمال الكفار، وأول لها ما اقتضى ظاهره خلاف ذلك وهو قليل بالنسبة إليها، وعندي لا قاطع في عموم الوزن وأميل إلى عدم العموم، ثم إنه كما اختلف في عمومه بالنسبة إلى أفراد الإنس اختلف في عمومه بالنسبة إلى نوعي الإنس والجن، والحق أن مؤمني الجن كمؤمني الإنس وكافرهم ككافرهم كما بحثه القرطبـي واستنبطه من عدة آيات، وبسط اللقاني القول في ذلك في شرحه الكبير «للجوهرة»، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان الخلاف في كيفية الوزن. {وَإِن كَانَ} أي العمل المدلول عليه بوضع الموازين، وقيل الضمير راجع لشيئاً بناءً على أن المعنى فلا تظلم جزاء عمل من الأعمال {مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ} أي مقدار حبة كائنة من خردل فالجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لحبة، وجوز أن يكون صفة لمثقال والأول أقرب، والمراد وإن كان في غاية القلة والحقارة فإن حبة الخردل مثل في الصغر. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وأبو جعفر وشيبة ونافع {مِثْقَالَ} بالرفع على أن كان / تامة. {أَتَيْنَا بِهَا} أي جئنا بها وبه قرأ أبـي، والمراد أحضرناها، فالباء للتعدية والضمير للمثقال وأنث لاكتساب التأنيث من المضاف إليه والجملة جواب (إن) الشرطية، وجوز أن تكون (إن) وصلية والجملة مستأنفة وهو خلاف الظاهر. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن جبير وابن أبـي إسحاق والعلاء بن سيابة وجعفر بن محمد وابن شريح الأصبهاني {ءاتَيْنَا} بمدة على أنه مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه تعالى بالأعمال وأتاهم بالجزاء، وقيل هو من الإيتاء وأصله أأتينا فأبدلت الهمزة الثانية ألفاً، والمراد جازينا أيضاً مجازاً ولذا عدي بالباء ولو كان المراد أعطينا كما قال بعضهم لتعدى بنفسه كما قال ابن جني وغيره. وقرأ حميد {أثبنا} من الثواب. {وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ} قيل أي عادين ومحصين أعمالهم على أنه من الحساب مراداً به معناه اللغوي وهو العد وروي ذلك عن السدي، وجوز أن يكون كناية عن المجازاة. وذكر اللقاني أن الحساب في عرف الشرع توقيف الله تعالى عباده إلا من استثنى منهم قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم خيراً كانت أو شراً تفصيلاً لا بالوزن، وأنه كما ذكر الواحدي وغيره وجزم به صاحب «كنز الأسرار» قبل الوزن، ولا يخفى أن في الآية إشارة ما إلى أن الحساب المذكور فيها بعد وضع الموازين فتأمل، ونصب الوصف إما على أنه تمييز أو على أنه حال واستظهر الأول في «البحر». هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } تفسير : [الأنبياء: 1] الخ فيه إشارة إلى سوء حال المحجوبين بحب الدنيا عن الاستعداد للأخرى فغفلوا عن إصلاح أمرهم وأعرضوا عن طاعة ربهم وغدت قلوبهم عن الذكر لاهية وعن التفكير في جلاله وجماله سبحانه ساهية، وفي قوله تعالى: { أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 3] إشارة إلى سوء حال بعض المنكرين على أولياء الله تعالى فإن نفوسهم الخبيثة الشيطانية تأبـى اتباعهم لما يرون من المشاركة في العوارض البشرية { أية : وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَـٰلِمَةً } تفسير : [الأنبياء: 11] فيه إشارة إلى أن في الظلم خراب العمران فمتى ظلم الإنسان خرب قلبه وجر ذلك إلى خراب بدنه وهلاكه بالعذاب، وفي قوله تعالى: { أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } تفسير : [الأنبياء: 18] إشارة إلى أن مداومة الذكر سبب لانجلاء الظلمة عن القلب وتطهره من دنس الأغيار بحيث لا يبقى فيه سواه سبحانه ديار { أية : وَمَنْ عِندَهُ } تفسير : [الأنبياء: 19] قيل هم الكاملون الذين في الحضرة فإنهم لا يتحركون ولا يسكنون إلا مع الحضور ولا تشق عليهم عبادة ولا تلهيهم عنه تعالى تجارة بواطنهم مع الحق وظواهرهم مع الخلق أنفاسهم تسبيح وتقديس وهو سبحانه لهم خير أنيس، وفي قوله تعالى: { أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } تفسير : [الأنبياء: 26] { أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 27] إشارة إلى أن الكامل لا يختار شيئاً بل شأنه التفويض والجريان تحت مجاري الأقدار مع طيب النفس، ومن هنا قيل إن القطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره وغمرنا بره لم يتوف حتى ترقى عن مقام الإدلال إلى التفويض المحض، وقد نص على ذلك الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه «الجواهر واليواقيت» { أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَىْء حَىّ } تفسير : [الأنبياء: 30] قد تقدم ما فيه من الإشارة {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ} قال الجنيد قدس سره: من كانت حياته بروحه يكون مماته بذهابها ومن كانت حياته بربه تعالى فإنه ينقل من حياة الطبع إلى حياة الأصل وهي الحياة على الحقيقة { أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً } تفسير : [الأنبياء: 35] قيل أي بالقهر واللطف والفراق والوصال والإدبار والإقبال والجهل والعلم إلى غير ذلك، ولا يخفى أنه كثيراً ما يمتحن السالك بالقبض والبسط فينبغي له التثبت / في كل عما يحطه عن درجته، ولعل فتنة البسط أشد من فتنة القبض فليتحفظ هناك أشد تحفظ { أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [الأنبياء: 47] قال بعض الصوفية: الموازين متعددة فللعاشقين ميزان وللوالهين ميزان وللعاملين ميزان وهكذا، ومن ذلك ميزان للعارفين توزن به أنفاسهم ولا يزن نفساً منها السمٰوات والأرض. وذكروا أن في الدنيا موازين أيضاً وأعظم موازينها الشريعة وكفتاه الكتاب والسنة، ولعمري لقد عطل هذا الميزان متصوفة هذا الزمان أعاذنا الله تعالى والمسلمين مما هم عليه من الضلال إنه عز وجل المتفضل بأنواع الإفضال.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن تكون الواو عاطفة هذه الجملة على جملة {أية : ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك}تفسير : [الأنبياء: 46] الخ لمناسبة قولهم {أية : إنا كنا ظالمين}تفسير : [الأنبياء: 46]، ولبيان أنهم مجازَون على جميع ما أسلفوه من الكفر وتكذيب الرسول بياناً بطريق ذكر العموم بعد الخصوص في المُجَازَيْن، فشابه التذييل من أجل عموم قوله تعالى {فلا تظلم نفس شيئاً}، وفي المجازَى عليه من أجل قوله تعالى {وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها}. ويجوز أن تكون الواو للحال من قوله {أية : رَبِّك}تفسير : [الأنبياء: 46]، وتكون نون المتكلم المعظّم التفاتاً لمناسبة الجزاء للأعمال كما يقال: أدّى إليه الكيل صاعاً بصاع، ولذلك فرع عليه قوله تعالى: {فلا تظلم نفس شيئاً}. ويجوز أن تكون الجملة معترضة وتكون الواو اعتراضية. والوضع حقيقته: حط الشيء ونَصْبه في مكان، وهو ضد الرفع. ويطلق على صنع الشيء وتعيينه للعمل به وهو في ذلك مجاز. والميزان: اسم آلة الوزن. وله كيفيات كثيرة تختلف باختلاف العوائد، وهي تتّحد في كونها ذات طبقين متعادليْن في الثقل يُسميان كِفتين ــــ بكسر الكاف وتشديد الفاء ــــ تكونان من خشب أو من حديد، وإذا كانتا من صُفر سُميتا صنجتين ــــ بصاد مفتوحة ونون ساكنة ــــ، معلق كل طبق بخيوط في طرف يجمعهما عود من حديد أو خشب صلب، في طرفيه عروتان يشد بكل واحدة منهما طبق من الطبقين يسمى ذلك العود (شَاهين) وهو موضوع مَمدوداً، وتجعَل بوسطه على السواء عروة لتمسكه مِنها يدُ الوازن، وربما جعلوا تلك العروة مستطيلة من معدن وجعلوا فيها إبرة غليظة من المعدن منوطة بعروة صغيرة من معدن مَصُوغَة في وسط (الشاهين) فإذا ارتفع الشاهين تحركتْ تلك الإبرة فإذا ساوت وسط العروة الطويلة على سواء عُرف اعتدال الوزن وإن مالت عرف عدم اعتداله، وتسمى تلك الإبرة لساناً، فإذا أريد وزن شيئين ليعلم أنهما مستويان أو أحدهما أرجح وضع كلّ واحد منهما في كِفّة، فالتي وضع فيها الأثقل منهما تنزل والأخرى ذات الأخف ترتفع وإن استويتا فالموزونان مستويان، وإذا أريد معرفة ثِقل شيء في نفسه دون نسبته إلى شيء آخر جعلوا قطعاً من معدن: صُفرٍ أو نُحَاس أو حديدٍ أو حَجر ذات مقادير مضبوطةٍ مصطلح عليها مثل الدرهم والأوقية والرَّطل، فجعلوها تقديراً لثقل الموزون ليعلم مقدار ما فيه لدفع الغبن في التعاوض، ووحدتها هو المثقال، ويسمى السَّنْج ــــ بفتح السين المهملة وسكون النون بعدها جيم ــــ. والقِسْط ــــ بكسر القاف وسكون السين ــــ اسم المفعول، وهو مصدر وفعله أقسط مهموزاً. وتقدم في قوله تعالى: {أية : قائماً بالقسط} تفسير : في [سورة آل عمران:18]. وقد اختلف علماء السلف في المراد من الموازين هنا: أهو الحقيقةُ أم المجاز، فذهب الجمهور إلى أنه حقيقة وأن الله يجعل في يوم الحشر موازين لوزن أعمال العباد تشبه الميزان المتعارف، فمنهم من ذهب إلى أن لكل أحد من العباد ميزاناً خاصاً به توزن به أعماله، وهو ظاهر صيغة الجمع في هذه الآية وقوله تعالى: {أية : فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية} تفسير : في [سورة القارعة: 6ــــ7]. ومنهم من ذهب إلى أنه ميزان واحد توزن فيه أعمال العباد واحداً فواحداً، وأنه بيد جبريل، وعليه فالجَمع باعتبار ما يوزن فيها ليوافق الآثار الواردة في أنه ميزان عام. واتفق الجميع على أنه مناسب لعظمة ذلك لا يشبه ميزانَ الدنيا ولكنه على مثاله تقريباً. وعلى هذا التفسير يكون الوضع مستعملاً في معناه الحقيقي وهو النصْبُ والإرصاد. وذهب مجاهد وقتادة والضحّاك وروي عن ابن عباس أيضاً أن الميزان الواقع في القرآن مثَلٌ للعدل في الجزاء كقوله {أية : والوزن يومئذ الحق}تفسير : في [سورة الأعراف: 8]، ومال إليه الطبري. قال في «الكشاف»: «الموازين الحساب السوي والجزاء على الأعمال بالنّصفَة من غير أن يُظلم أحدٌ» هــــ. أي فهو مستعار للعدل في الجزاء لمشابهته للميزان في ضبط العدل في المعاملة كقوله تعالى {أية : وأنزلنا معهم الكتاب والميزان} تفسير : [الحديد: 25]. والوضع: ترشيحٌ ومستعار للظهور. وذهب الأشاعرة إلى أخذ الميزان على ظاهره. وللمعتزلة في ذلك قولان ففريق قالوا: الميزان حقيقة، وفريق قالوا: هو مجاز. وقد ذكر القولين في «الكشاف» فدل صنيعه على أن القولين جاريان على أقوال أيمتهم وصرح به في «تقرير المواقف». وفي «المقاصد»: «ونسبة القول بانتفاء حقيقة الميزان إلى المعتزلة على الإطلاق قصور من بعض المتكلمين» هــــ. قلت: لعلّه أراد به النسفيّ في «عقائده». قال أبو بكر بن العربي في كتاب «العواصم من القواصم»: «انفرد القرآن بذكر الميزان، وتفردت السنة بذكر الصراط والحوض، فلما كان هذا الأمر هكذا اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال إن الأعمال توزن حقيقة في ميزان له كفّتان وشاهين وتجعل في الكفتين صحائف الحسنات والسيئات ويخلق الله الاعتماد فيها على حسب علمه بها. ومنهم من قال إنما يرجع الخبر عن الوزن إلى تعريف الله العبادَ بمقادير أعمالهم. ونقل الطبري وغيره عن مجاهد أنه كان يميل إلى هذا. وليس بممتنع أن يكون الميزان والوزن على ظاهره وإنما يبقى النظر في كيفية وزن الأعمال وهي أعراض فها هنا يقف من وقف ويمشي على هذا من مشى. فمن كان رأيه الوقوف فمن الأول ينبغي أن يقف، ومن أراد المشي ليجدَنّ سبيلاً مِئْتاء إذ يجد ثلاثة معان ميزاناً ووزناً وموزوناً، فإذا مشى في طريق الميزان والوزن ووجده صحيحاً في كلّ لفظةٍ حتى إذا بلغ تمييز الموزون ولم يتبين له لا ينبغي أن يرجع القهقرى فيبطل ما قد أثبت بل يُبقي ما تقدم على حقيقته وصحته ويسعى في تأويل هذا وتبيينه اهــــ. وقلت: كلا القولين مقبول والكلّ متفقون على أن أسماء أحوال الآخرة إنما هي تقريب لنا بمتعارفنا والله تعالى قادر على كل شيء. وليس بمثل هذه المباحث تعرف قدرة الله تعالى ولا بالقياس على المعتاد المتعارف تُجحد تصرفاته تعالى. ويظهر لي أن التزام صيغة جمع الموازين في الآيات الثلاث التي ذكر فيها الميزان يرجح أن المراد بالوزن فيها معناه المجازي وأن بيانه بقوله {القسط}في هذه الآية يزيد ذلك ترجيحاً. وتقدم ذكر الوزن في قوله تعالى: {أية : والوزن يومئذ الحق} تفسير : في [سورة الأعراف: 8]. والقسط: العدل، ويقال: القسطاس، وهو كلمة معرّبة من اللغة الرومية (اللاطينية). وقد نقل البخاري في آخر «صحيحه» ذلك عن مجاهد. فعلى اعتبار جعل الموازين حقيقة في آلات وزن في الآخرة يكون لفظ القسط الذي هو مصدر بمعنى العدل للموازين على تقدير مضاف، أي ذات القسط، وعلى اعتبار في الموازين في العدل يكون لفظ القسط بدلاً من الموازين فيكون تجريداً بعد الترشيح. ويجوز أن يكون مفعولاً لأجله فإنه مصدر صالح لذلك. واللام في قوله تعالى {ليوم القيامة} تحتمل أن تكون للعلة مع تقدير مضاف، أي لأجل يوم القيامة، أي الجزاء في يوم القيامة. وتحتمل أن تكون للتوقيت بمعنى (عند) التي هي للظرفية الملاصقة كما يقال: كتبَ لثلاث خلون من شهر كذا، وكقوله تعالى: {أية : فطلقوهن لعدتهن}تفسير : [الطلاق: 1] أي نضع الموازين عند يوم القيامة. وتفريع {فلا تظلم نفس شيئاً} على وضع الموازين تفريع العلة على المعلول أو المعلول على العلة. والظلم: ضد العدل، ولذلك فرع نفيه على إثبات وضع العدل. و{شيئاً} منصوب على المفعولية المطلقة، أي شيئاً من الظلم. ووقوعه في سياق النفي دل على تأكيد العموم، أي شيئاً من الظلم. ووقوعه في سياق النفي دلّ على تأكيد العموم من فعل {تُظلم} الواقع أيضاً في سياق النفي، أي لا تظلم بنقص من خير استحقته ولا بزيادة شيء لم تستحقه، فالظلم صادق بالحالين والشيء كذلك. وهذه الجملة كلمة جامعة لمعان عدة مع إيجاز لفظها، فنُفِيَ جنس الظلم ونُفي عن كل نفس فأفاد أن لا بقاء لظلم بدون جزاء. وجملة {وإن كان مثقال حبة من خردل} في موضع الحال. و (إنْ) وصلية دالة على أن مضمون ما بعدها من شأنه أن يُتوهم تخلف الحكم عنه فإذا نُصّ على شمول الحكم إياه علم أن شموله لما عداه بطريق الأولى. وقد يرد هذا الشرط بحرف (لو) غالباً كما في قوله تعالى: {أية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به} تفسير : في [آل عمران: 91]. ويرد بحرف (إن) كما هنا، وقول عمرو بن معد يكرب:شعر : ليس الجمال بمِئْزَر فاعلم وإن رديتَ بُردا تفسير : وقد تقدم في سورة آل عمران. وقرأ الجمهور {مثقالَ} بالنصب على أنه خبر {كان} وأن اسمها ضمير عائد إلى {شيئاً}. وجواب الشرط محذوف دل عليه الجملة السابقة. وقرأ نافع وأبو جعفر {مثقالُ} مرفوعاً على أن {كان} تامّة و{مثقال} فاعل. ومعنى القراءتين متّحد المآل، وهو: أنه إن كان لنفس مثقال حبّة من خردل من خير أو من شرّ يؤتَ بها في ميزان أعمالها ويجازَ عليها. وجملة {أتينا بها} على القراءة الأولى مستأنفة، وعلى القراءة الثانية إما جواب للشرط أو مستأنفة وجواب الشرط محذوف. وضمير {بها}عائد إلى {مثقال حبة}. واكتسب ضميرهُ التأنيث لإضافة معاده إلى مؤنث وهو {حبَة}. والمثقال: ما يماثل شيئاً في الثقل، أي الوزن، فمِثقال الحبة: مقدارها. والحبَة: الواحدة من ثمر النبات الذي يخرج من السنبل أو في المزادات التي كالقرون أو العبَابيد كالقطاني. والخردل: حبوب دقيقة كحَبّ السمسم هي بزور شجر يسمى عند العرب الخَردل. واسمه في علم النبات (سينَابيس). وهو صنفان بري وبستاني. وينبت في الهند ومصر وأوروبا. وشجرته ذات ساق دقيقة ينتهي ارتفاعها إلى نحو متر. وأوراقها كبيرة. يُخرج أزهاراً صُفراً منها تتكون بزوره إذْ تخرج في مزادات صغيرة مملوءة من هذا الحب، تخرج خضراء ثم تصير سوداء مثل الخرنوب الصغير. وإذا دُقّ هذا الحب ظهرت منه رائحة معطّرة إذا قُربت من الأنف شماً دَمَعت العينان، وإذا وضع معجونها على الجلد أحدث فيه بعد هنيهة لذعاً وحرارة ثم لا يستطيع الجلد تحملها طويلاً ويترك موضعه من الجلد شديد الحمرة لتجمُّع الدم بظاهر الجلد ولذلك يجعل معجونُه بالماء دَواء يوضع على المحل المصاب باحتقان الدم مثل ذات الجَنب والنُزلات الصدرية. وجملة {وكفى بنا حاسبين} عطف على جملة {وإن كان مثقال حبة من خردل} ومفعول {كفى} محذوف دل عليه قوله تعالى: {فلا تظلم نفس شيئاً}. والتقدير: وكفى الناسَ نحن في حال حسابهم. ومعنى كفاهم نحن حاسبين أنهم لا يتطلعون إلى حاسب آخر يعدل مثلَنا. وهذا تأمين للناس من أن يجازى أحد منهم بما لا يستحقه. وفي ذلك تحذير من العذاب وترغيب في الثواب. وضمير الجمع في قوله تعالى {حاسبين} مراعىً فيه ضمير العظمة من قوله تعالى {بنا}، والباء مزيدة للتوكيد، وأصل التركيب: كَفينا الناسَ، وهذه الباء تدخل بعد فعل (كفَى) غالباً فتدخل على فاعله في الأكثر كما هنا وقوله تعالى: {أية : وكفى بالله شهيداً} تفسير : في [سورة النساء: 79]. وتدخل على مفعوله كما في الحديث: «حديث : كفى بالمرء إثماً أن يحدّث بكل ما سمع».تفسير : وانتصب {حاسبين}على الحال أو التمييز لنسبة {كفى}. وتقدمت نظائر هذا التركيب غير مرّة منها في قوله تعالى {أية : وكفى بالله شهيداً} تفسير : في [سورة النساء: 79].

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يضع الموازين القسط ليوم القيامة. فتوزن أعمالهم وزناً في غاية العدالة والإنصاف: فلا يظلم الله أحداً شيئاً، وأن عمله من الخير أو الشر، وإن كان في غاية القلة والدقة كمثقال حبة من خردل، فإن الله يأتي به. لأنه لا يخفى عليه شيء وكفى به جل وعلا حاسباً. لإحاطة علمه بكل شيء. وبين في غير هذا الموضع: أن الموازين عند ذلك الوزن منها ما يخف، ومنها ما يثقل. وأن من خفت موازينه هلك، ومن ثقلت موازينه نجا. كقوله تعالى: {أية : وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ}تفسير : [الأعراف: 8-9] وقوله تعالى: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}تفسير : [المؤمنون: 101-103]، وقوله تعالى: {أية : فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}تفسير : [القارعة: 6-9] إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكره جل وغلا في هذه الآية الكريمة: من أن موازين يوم القيامة موازين قسط ـ ذكره في "الأعراف" في قوله: {أية : وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ}تفسير : [الأعراف: 8] لأن الحق عدل وقسط. وما ذكره فيها: من أنه لا تظلم نفس شيئاً ـ بينه في مواضع أخر كثيرة، كقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}تفسير : [النساء: 40]، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئاً وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [يونس: 44]، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}تفسير : [الكهف: 49] وقد قدمنا الآيات الدالة على هذا في سورة "الكهف". وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من كون العمل وإن كان مثقال ذرة من خير أو شر أتى به جل وعلا ـ أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله عن لقمان مقرراً له: {أية : يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}تفسير : [لقمان: 16]، وقوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة: 7-8] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِين} جمع ميزان. وظاهر القرآن تعدد الموازين لكل شخص، لقوله: {أية : فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}تفسير : [الأعراف: 8]، وقوله: {أية : وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ }تفسير : [الأعراف: 9] فظاهر القرآن يدل على أن للعامل الواحد موازين يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله، كما قال الشاعر: شعر : ملك تقوم الحادثات لعدله فلكل حادثة لها ميزان تفسير : والقاعدة المقررة في الأصول: أن ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه. وقد قدمنا في آخر سورة "الكهف" كلام العلماء في كيفية وزن الأعمال، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله في هذه الآية {ٱلْقِسْطَ} أي العدل، وهو مصدر، وصف به، ولذا لزم إفراده كما قال في الخلاصة: شعر : ونعتوا بمصدر كثيراً فالتزموا الإفراد والتذكيرا تفسير : كما قدمناه مراراً. ومعلوم أن النعت بالمصدر يقول فيه بعض العلماء: إنه للمبالغة. وبعضهم يقول: هو بنية المضاف المحذوف، فعلى الأول كأنه بالغ في عدالة الموازين حتَّى سماها القسط الذي هو العدل. وعلى الثاني فالمعنى: الموازين ذوات القسط. واللام في قوله: {لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} فيها أوجه معروفة عند العلماء: (منها) أنها للتوقيت، أي الدلالة على الوقت، كقول العرب: جئت لخمس ليال بقين من الشهر، ومنه قول نابغة ذبيان: شعر : توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع تفسير : (ومنها) أنها لام كي، أي نضع الموازين القسط لأجل يوم القيامة، أي لحساب الناس فيه حساباً في غاية العدالة والإنصاف. (ومنها) أنها بمعنى في، أي نضع الموازين القسط في يوم القيامة. والكوفيون يقولون: إن اللام تأتي بمعنى في، ويقولون: إن من ذلك قوله تعالى: {وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أي في يوم القيامة، وقوله تعالى: {أية : لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [الأعراف: 187] أي في وقتها. ووافقهم في ذلك ابن قتيبة من المتقدمين، وابن مالك من المتأخرين، وأنشد مستشهداً لذلك قول مسكين الدارمي: شعر : أُولئك قومي قد مَضوا لسبيلهم كما قد مَضَى من قَبل عاد وتبَّع تفسير : يعني مضوا في سبيلهم. وقول الآخر: شعر : وكل أب وابن وإن عَمَّرا معاً مقيمَيْن مفقود لوقتٍ وفاقد تفسير : أي في وقت. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} يجوز أن يكون {شَيْئاً} هو المفعول الثاني لـ {تُظْلَمُ} ويجوز أن يكون ما ناب عن المطلق. أي شيئاً من الظلم لا قليلاً ولا كثيراً. ومثقال الشيء: وزنه. والخردل: حب في غاية الصغر والدقة. وبعض أهل العلم يقول: هو زريعة الجرجير. وأنث الضمير في قوله {بِهَا} هو راجع إلى المضاف الذي هو {مِثْقَالَ} وهو مذكر لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه الذي هو {حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} على حد قوله في الخلاصة: شعر : وربما أكسب ثان أولا تأنيثاً إن كان لحذف مؤهّلا تفسير : ونظير ذلك من كلام العرب قول عنترة في معلقته: شعر : جاد عليه كل عين ثرة فتركن كل قرارة كالدرهم تفسير : وقول الراجز: شعر : طول الليالي أسرعت في نقضي نقضن كلي ونقضن بعضي تفسير : وقول الأعشى: شعر : وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم تفسير : وقول الآخر: شعر : مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم تفسير : فقد أنث في البيت الأول لفظة "كل" لإضافتها إلى "عين". وأنث في البيت الثاني لفظة "طول" لإضافتها إلى "الليالي" وأنث في البيت الثالث الصدر لإضافته إلى "القناة" وأنث في البيت الرابع "مر" لإضافته إلى "الرياح". والمضافات المذكورة لو حذفت لبقي الكلام مستقيماً. كما قال في الخلاصة: شعر : ... ... إن كان لحذف مؤهلا تفسير : وقرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا نافعاً {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ} بنصب {مِثْقَالَ} على أنه خبر {كَانَ} أي وإن كان العمل الذي يراد وزنه مثقال حبة من خردل. وقرأ نافع وحده {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ} بالرفع فالع {كَانَ} على أنها تامة. كقوله تعالى: {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ}تفسير : [البقرة: 280] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمَوَازِينَ} {ٱلْقِيَامَةِ} {حَاسِبِينَ} (47) - وَيَضَعُ اللهُ تَعَالَى المَوَازِينَ العَادِلَةَ، يَوْمَ القِيَامَةِ، لِوَزْنِ أَعْمَالِ الخَلاَئِقِ، فَلاَ يَظْلِمُ أَحَداً شَيئاً مِن عَمَلِه، حَتَّى وَلَوْ كَانَ وَزْنَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَإِنَّهَا تُوزَنُ لَهُ أَو عَلَيْهِ. وَكَفَى باللهِ حَاسِباً لأَِعْمَالِ الخَلاَئِقِ، فَلاَ يُغَادِرُ مِنْهَا صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا. القِسْطَ - العَدْلَ أَوْ ذواتَ العَدْلِ. مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ - وَهِيَ أَقَلُّ شَيءٍ وَزْناً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نقلهم الحق سبحانه من إنكار وتكذيب وتسفيه كلام الرسول، وعدم الإيمان بالوحي، وصَمِّ آذانهم عن الخير إلى مسألة الحساب والميزان القسط، فلماذا هذه النَّقْلة؟ ليُنبههم ويلفت أنظارهم إلى أن هذا الكلام الذي قابلتموه بالتكذيب والتشكيك كان لمصلحتكم، وأن كل شيء محسوب، وسوف يُوزَن عليكم ويُحْصَى، وكأنه ينصحهم، فما تزال رحمانية الله بهم وحِرْصه على نجاتهم. وكلمة (موازين) جمع: ميزان، وهو آلة نُقدِّر بها الأشياء من حيث كثافتها، لأن التقدير يقع على عدة أشياء: على الكثافة بالوزن، وعلى المسافات بالقياس.. الخ، وقد جعلوا لهذه المعايير ثوابت، فمثلاً: المتر صنعوه من البلاتين حتى لا يتآكل، وهو موضوع الآن - تقريباً - في باريس، وكذلك الياردة. وجعلوا للوزن معايير من الحديد: الكيلو والرطل.. إلخ. وقديماً كانوا يَزِنُون قطعةً من الحجارة تساوي كيلو مثلاً، ويستعملونها في الوزن؛ لأن لها مرجعاً، لكن هذه القطعة تتآكل من كثرة الاستعمال، فلا بُدَّ من تغييرها. وهنا تكلَّم عن الشيء الذي يَوزَن، ولم يذكر المعايير الأخرى، قالوا: لأن الأشياء التي لها كثافة هي الأكثر، وكانوا يختبرون الأولاد يقولون: كيلو الحديد أثقل، أم كيلو القطن؟ فالولد ينظر إلى القطن فيراه هَشَّاً مُنتفِشاً فيقول: القطن، والقطن أزيد من الحديد في الحجم، لكن كثافته يمكن أن تستطرق، فنُرقّق القطن إلى أن يتحول إلى مساحة طول وعرض. إذن: العُمْدة في التقدير: الثقل. وفي موضع آخر قال تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 7] فهل هي موازين متعددة، أم هو ميزان واحد؟ الخَلْق جميعاً سيُحاسبون مرة واحدة، فلن يقفوا طابوراً ينتظر كل منهم دَوْره، بل في وقت واحد؛ لذلك لما سُئِل الإمام على - كرَّم الله وجهه: كيف يُحاسب الله الخَلْق جميعاً في وقت واحد؟ قال: كما يرزقهم جميعاً في وقت واحد. فالمسألة صعبة بالنسبة لك، إنما سهلة ميسورة للحق سبحانه. والقِسْط: صفة للموازين، وهي مصدر بمعنى عدل، كما تقول في مدح القاضي: هذا قاضٍ عادل. أي: موصوف بالعدل، فإذا أردتَ المبالغة تقول: هذا قاضٍ عَدْل، كأنه هو نفسه عَدْل أي (معجون بالعدل)؛ لذلك نقول في أسماء الحق سبحانه: الحكم العدل. ولا نقول: العادل. وهذه المادة (قسط) لها دور في اللغة، فهي من الكلمات المشتركة التي تحمل المعنى وضده، مثل (الزوج) تُطلق على الرجل والمرأة، و (العَيْن) تطلق على العين: العين الباصرة، وعلى عين الماء، وعلى الجاسوس، وعلى الذهب والفضة. كذلك (القِسْط) نقول: القِسْط بالكسر مثل: حِمْل بمعنى العدل من قَسَط قِسْطَاً. ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} تفسير : [المائدة: 42] ونقول: القَسْط بالفتح يعني: الظلم من قسط قُسوطاً وقَسْطاً، ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} تفسير : [الجن: 15] أي: الجائرون الظالمون. والقِسْط بمعنى العدل إذا حكم بالعدل أولاً وبداية، لكن أقسط يعني كان هناك حكم جائر فعدَّله إلى حكم بالعدل في الاستئناف. ومن هذه المادة أيضاً قوله تعالى: {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 5] فأقسط هنا: أفعل تفضيل، تدل على أن حكم محمد صلى الله عليه وسلم في مسألة زيد كان عَدْلاً وقِسْطاً، إنما حكم ربه تعالى هو أقسط وأعدل. ومعلوم من قصة زيد بن حارثة أنه فضَّل رسول الله واختاره على أهله، وكان طبيعياً أنْ يكافئه رسول الله على محبته وإخلاصه ويُعوِّضه عن أهله الذين آثر عليهم رسولَ الله، وكانت المكافأة أن سماه زيد بن محمد. إذن: الحق سبحانه عدل لرسوله، لكن عدل له العدل لا الجوْر، وعَدْل الله أَوْلى من عدل محمد لذلك قال: {أية : أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 5] أما عندكم أنتم فقد صنع محمد عَيْن العَدْل. وقوله تعالى: {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ ..} تفسير : [الأحزاب: 5] جاء ليبطل التبني؛ ليكون ذلك مقدمة لتشريع جديد في الأسرة والزواج والمحارم وأمور كثيرة في شرع الله لا تستقيم في وجود هذه المسألة، وإلاّ فكيف سيكون حال الأسرة حين يكبر المتبنّي ويبلغ مَبْلغَ الرجال؟ وما موقفه من الزوجة ومن البنت، وهو في الحقيقة غريب عن الأسرة؟ ومسألة الموازين هذه من المسائل التي وجد فيها المستشرقون تعارضاً في ظاهر الآيات، فجعلوا منها مَأخَذاً على كتاب الله، من ذلك قولهم بالتناقض بين الآيتين: {وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ..} [الأنبياء: 47] وقوله تعالى: {أية : فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً} تفسير : [الكهف: 105] حيث أثبت الميزان في الأولى، ونفاه في الثانية. وقلنا: إن هؤلاء معذورون؛ لأنهم لا يملكون الملكَة اللغوية التي تمكِّنهم من فَهْم كلام الله. ولو تأملنا اللام في {أية : نُقِيمُ لَهُمْ ..} تفسير : [الكهف: 105] لانحلَّ هذا الإشكال، فاللام للملك والانتفاع، كما يقولون في لغة البنوك: له وعليه. والقرآن يقول: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ..} تفسير : [البقرة: 286]. فالمعنى: {أية : فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً} تفسير : [الكهف: 105] أي: وزناً في صالحهم، إنما نقيم عليهم وندينهم. كذلك نجد أن كلمة الوزن تُستعمل في اللغة إمَّا لوزن الماديّ، أو لوزن المعنى، كما نقول: فلان لا وَزْنَ له في الرجال. وعلى هذا يكون المعنى: أنهم لا وَزْنَ لذواتهم ومادتهم، إنما الوزن لأعمالهم، فلا نقول: كان من الأعيان، كان أصله كذا وكذا، وهذه المسألة واضحة في قصة ابن نوح عليه السلام: {أية : قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..} تفسير : [هود: 46]. فالبنوة هنا بُنوّة عمل وإيمان، لا بُنوة ذات. وقد ظَنَّ الكفار والعصاة أن لهم وَزْناً عند الله، ومنزلة ستكون لهم في الآخرة، كما كانت لهم في الدنيا، كما جاء في قصة صاحب الجنتين الذي قال لأخيه متباهياً مفتخراً. {أية : أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً * وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 34-36]. لكن هيهات أنْ يكون لهم وَزْنٌ في الآخرة، فالوزن في القيامة للأعمال، لا للأعيان. إذن: المعنى لا نقيم لذواتهم، إنما نزن أعمالهم؛ لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لقرابته: "حديث : لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأحسابكم ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا فاطمة بنت محمد اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئاً ". تفسير : فالذوات والأحساب والأنساب لا قيمة لها في هذا الموقف. وقوله تعالى: {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ..} [الأنبياء: 47] مع أن القاعدة: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 194] وهؤلاء قد ظلموا الحق سبحانه ظُلْماً عظيماً حين أشركوا به، وظلموا رسول الله لما قالوا عنه: ساحر، وكاذب ومجنون، ومع ذلك فلن نردّ هذا الاعتداء بمثله بظلمهم. وقوله تعالى: {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ..} [الأنبياء: 47] والخردل: مثال للصِّغَر، للدلالة على استقصاء كل شيء، ولا يزال الخردل هو المقياس العالمي للكيلو، فقد وجدوا حَبَّ الخردل مُتَساوياً في الوزن، فأخذوا منه وحدة الكيلو الآن، وقد أتى بها القرآن منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان. ومعنى: {أَتَيْنَا بِهَا ..} [الأنبياء: 47] أي: لهم أو عليهم، فإنْ كانت لهم علموا أنَّ الله لا يظلمهم، ويبحث لهم عن أقلِّ القليل من الخير، وإنْ كانت عليهم علموا أن الله يستقصي كل شيء في الحساب، وحَبّة الخردل تدل على صِغَرها على الحجم، وكلمة مثقال تدل على الوزن، فجمع فيها الحجم والوزن. ثم يُعقِّب سبحانه على هذه المسألة: {وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] فلا أحد يُجيد هذه المسألة ويُدقِّقها كما نفعل نحن، فليست عندنا غفلة بل دِقَّة وضبَطْْ لمعايير الحساب. ولا تظن أن مسألة الحساب والميزان مسألة سهلة يمكن أن تصل فيها إلى الدقة الكاملة مهما أخذتَ من وسائل الحيطة، فأنت بشر لا تستطيع أنْ تزِنَ الوزن المضبوط؛ لأن المعيار الحديد الذي تزن به عُرْضة في استعماله للزيادة أو النقصان. فقد يتراكم عليه الغبار ويقع عليه مثلاً نقطة زيت، وبمرور الوقت يزيد المعيار ولو شيئاً ضيئلاً، وهذا في صالح الموزون له، وقد يحدث العكس فينقص الميزان نتيجة الملامسة للأشياء، ولك أن تنظر مثلاً إلى (أكرة) الباب تراها لامعةً على خلاف ما حولها. إذن: أي ملامسة أو احتكاك للأشياء يُنقصها. حتى في الموازين الحديثة التي تضمن لك أقصى درجات الدقة فبشرية الإنسان لا يمكن أن تُعطى الدقة المتناهية، وهذا معنى {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} تفسير : [الأحزاب: 39] {وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] لأن معياره تعالى لا يختلف، ولا ينسى شيئاً، ولا يغفل عن شيء. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا } معناه جَازينَا بِهَا.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بمجرد اعترافهم بظلمهم لا نأخذهم ولا نعذبهم حينئذٍ بل {نَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ} العدل المسوى المستقيم بحيث لا عوج ولا انحراف لها إلى جانبٍ أصلاً، المعدة {لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} لنوزن فيها أعمال العباد صالحها وفاسدها، ثم نجازيهم على مقتضى ما ظهر منها {فَلاَ تُظْلَمُ} وتنقص {نَفْسٌ شَيْئاً} من جزائها، ولا تزداد عليها أيضاً سواء كان خيراً أو شراً، ثواباً أو عقاباً على مقتضى عدلنا القويم وصراطنا المستقيم {وَإِن كَانَ} العمل والظلم وزنه {مِثْقَالَ حَبَّةٍ} كائنة {مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} مع أنها لا اعتداد لها، وجازينا صاحبها عليها تتميماً لعدلنا، وتوفيةً لحقوق عبادنا {وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] أي: كفى حسبانا لحقوق عبادانا أو لا يعزب عن حيطة حضرة علمنا شيء منها وإن قلَّ وحقر. ثم قال سبحانه على سبيل التذكير والعظة: {وَلَقَدْ آتَيْنَا} من تمام فضلنا وجودنا {مُوسَىٰ وَ} أخاه {هَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ} أي: التوراة الفارق بين الحق والباطل {وَ} لكمال فرقة وفضله صار {ضِيَآءً} يستضيء به عموم المؤمنين الموحدين من المِللّيين التائهين في ظلمات الغفلات والجهالات وأنواع الضلالات {وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء: 48] منهم المتذكرين الوقوفَ بين يدي الله يوم العرض الأكبر. وهم {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} أي: بضمائرهم وسرائرهم كما يخشون منه سبحانه بظواهرهم وعَلَنِهم {وَ} مع ذلك الخوف المستوعب لجوانحهم وجوارحهم {هُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ} الموعودة إتيانها، المتحققة وقوعها وقيامها حقاً حتماً محققاً {مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 49] خائفون مرعوبون كأنها واقعة آتيه. {وَهَـٰذَا} القرآن الفرقان الجامع أيضاً {ذِكْرٌ} وتذكير لعموم الموحدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم مبارك كثير الخير والبركة للموقنين المخلصين منهم، الواصلين إلى مرتبة الفناء في الله {مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} من كمال فضلنا ولطفنا إلى محمد خاتم الرسالة، ومتمم مكارم الأخلاق، ومكمل دائرة الرسالة والنبوة عليه من الصلاة، والتحيات ما هو الأولى والأحرى {أَفَأَنْتُمْ لَهُ} ولكتابه {مُنكِرُونَ} [الأنبياء: 50] أيها المسرفون المستكبرون؟!.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن حكمه العدل، وقضائه القسط بين عباده إذا جمعهم في يوم القيامة، وأنه يضع لهم الموازين العادلة، التي يبين فيها مثاقيل الذر، الذي توزن بها الحسنات والسيئات، { فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ } مسلمة أو كافرة { شَيْئًا } بأن تنقص من حسناتها، أو يزاد في سيئاتها. { وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ } التي هي أصغر الأشياء وأحقرها، من خير أو شر { أَتَيْنَا بِهَا } وأحضرناها، ليجازى بها صاحبها، كقوله: {أية : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }. تفسير : وقالوا {أية : يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا }. تفسير : { وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } يعني بذلك نفسه الكريمة فكفى به حاسبا أي عالما بأعمال العباد حافظا لها مثبتا لها في الكتاب عالما بمقاديرها ومقادير ثوابها وعقابها واستحقاقها موصلا للعمال جزاءها.

همام الصنعاني

تفسير : 1865- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري عن ابن أبي نجيح، في قوله تعالى: {وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}: [الآية: 47]، إنما هو مثل كما يجوز الوزن كذلك يجوز الحق. 1866- عبد الرزاق، قال: أخبرني الثَّوري عن ليث، عن مجاهد، قال: {وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ}: [الآية: 47]، قال: العدل. 1867- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا عبد الصمد، قال: سمعت وهباً يقول: إنَّما يوزن من الأعمال خواتيمها، فإذا أراد الله بعبدٍ خيراً ختم له بخير عمله، وإذا أراد الله بعبده سوءاً ختم له بشر عمله.