٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
48
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه لما تكلم في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في قصص الأنبياء عليهم السلام، تسلية للرسول عليه السلام فيما يناله من قومه وتقوية لقلبه على أداء الرسالة والصبر على كل عارض دونها وذكر ههنا منها قصصاً. (القصة الأولى، قصة موسى عليه السلام) ووجه الإتصال أنه تعالى لما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: { أية : إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْىِ } تفسير : [الأنبياء: 45] أتبعه بأن هذه عادة الله تعالى في الأنبياء قبله فقال: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرَاً لّلْمُتَّقِينَ } واختلفوا في المراد بالفرقان على أقوال: أحدها: أنه هو التوراة، فكان فرقاناً إذ كان يفرق به بين الحق والباطل، وكان ضياء إذ كان لغاية وضوحه يتوصل به إلى طرق الهدى وسبل النجاة في معرفة الله تعالى ومعرفة الشرائع، وكان ذكرى أي موعظة أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم أو الشرف أما الواو في قوله: {وَضِيَاء } فروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ضياء بغير واو وهو حال من الفرقان، وأما القراءة المشهورة فالمعنى آتيناهم الفرقان وهو التوراة وآتينا به ضياء وذكرى للمتقين. والمعنى أنه في نفسه ضياء وذكرى أو آتيناهما بما فيه الشرائع والمواعظ ضياء وذكرى. القول الثاني: أن المراد من الفرقان ليس التوراة ثم فيه وجوه: أحدها: عن ابن عباس رضي الله عنهما الفرقان هو النصر الذي أوتي موسى عليه السلام كقوله: { أية : وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } تفسير : [الأنفال: 41] يعني يوم بدر حين فرق بين الحق وغيره من الأديان الباطلة. وثانيها: هو البرهان الذي فرق به دين الحق عن الأديان الباطلة عن ابن زيد. وثالثها: فلق البحر عن الضحاك. ورابعها: الخروج عن الشبهات، قال محمد بن كعب واعلم أنه تعالى إنما خصص الذكرى بالمتقين لما في قوله: { أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] أما قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ } فقال صاحب «الكشاف»: محل الذين جر على الوصفية أو نصب على المدح أو رفع عليه وفي معنى الغيب وجوه: أحدها: يخشون عذاب ربهم فيأتمرون بأوامره وينتهون عن نواهيه وإيمانهم بالله غيبي استدلالي، فالعباد يعملون لله في الغيب والله لا يغيب عنه شيء عن ابن عباس رضي الله عنهما. وثانيها: يخشون ربهم وهم غائبون عن الآخرة وأحكامها. وثالثها: يخشون ربهم في الخلوات إذا غابوا عن الناس وهذا هو الأقرب، والمعنى أن خشيتهم من عقاب الله لازم لقلوبهم إلا أن ذلك مما يظهرونه في الملا دون الخلا {وَهُمْ مّنَ } عذاب {ٱلسَّاعَةِ } وسائر ما يجري فيها من الحساب والسؤال {مُشْفِقُونَ } فيعدلون بسبب ذلك الإشفاق عن معصية الله تعالى، ثم قال وكما أنزلت عليهم الفرقان فكذلك هذا القرآن المنزل عليك وهو معنى قوله: {وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ } بركته كثرة منافعه وغزارة علومه وقوله: {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } فالمعنى أنه لا إنكار في إنزاله وفي عجائب ما فيه فقد آتينا موسى وهرون التوراة، ثم هذا القرآن معجز لاشتماله على النظم العجيب والبلاغة البديعة واشتماله على الأدلة العقلية وبيان الشرائع، فمثل هذا الكتاب مع كثرة منافعه كيف يمكنكم إنكاره.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً} وحكي عن ابن عباس وعكرمة «الْفُرْقَانَ ضِيَاءً» بغير واو على الحال. وزعم الفراء أن حذف الواو والمجيء بها واحد، كما قال الله عز وجل: {أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ وَحِفْظاً} تفسير : [الصافات: 6 ـ 7] أي حفظاً. ورد عليه هذا القول الزجاج. قال: لأن الواو تجيء لمعنى فلا تزاد. قال: وتفسير «الفرقان» التوراة؛ لأن فيها الفرق بين الحرام والحلال. قال: «وَضِيَاءً» مثل «فِيهِ هُدًى وَنُورٌ» وقال ابن زيد: «الفرقان» هنا هو النصر على الأعداء؛ دليله قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} تفسير : [الأنفال: 41] يعني يوم بدر. قال الثعلبي: وهذا القول أشبه بظاهر الآية؛ لدخول الواو في الضياء؛ فيكون معنى الآية: ولقد آتينا موسى وهارون النصر والتوراة التي هي الضياء والذكر. {لَّلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} أي غائبين؛ لأنهم لم يروا الله تعالى، بل عرفوا بالنظر والاستدلال أن لهم رباً قادراً، يجازي على الأعمال فهم يخشونه في سرائرهم، وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس. {وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ} أي من قيامها قبل التوبة. {مُشْفِقُونَ } أي خائفون وجلون. {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} تفسير : [الأنبياء: 50] يعني القرآن {أَفَأَنْتُمْ لَهُ} يا معشر العرب {مُنكِرُونَ } وهو معجز لا تقدرون على الإتيان بمثله. وأجاز الفراء «وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكاً أَنزَلْنَاهُ» بمعنى أنزلناه مباركاً.
ابن كثير
تفسير : قد تقدم التنبيه على أن الله تعالى كثيراً ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، وبين كتابيهما، ولهذا قال: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ} قال مجاهد: يعني: الكتاب. وقال أبو صالح: التوراة. وقال قتادة: التوراة حلالها وحرامها، وما فرق الله بين الحق والباطل. وقال ابن زيد: يعني: النصر، وجامع القول في ذلك: أن الكتب السماوية مشتملة على التفرقة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام، وعلى ما يحصل نوراً في القلوب، وهداية وخوفاً وإنابة وخشية، ولهذا قال: {ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ} أي: تذكيراً لهم وعظة، ثم وصفهم فقال: {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} كقوله: {أية : {مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ}تفسير : . [ق: 33] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} تفسير : [الملك: 12] {وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} أي: خائفون وجلون، ثم قال تعالى: {وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَـٰهُ} يعني: القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}؟ أي: أفتنكرونه، وهو في غاية الجلاء والظهور؟.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ } أي التوراة الفارقة بين الحق والباطل والحلال والحرام {وَضِيَآءً } بها {وَذِكْراً }أي عظة بها {لِّلْمُتَّقِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: التوراة التي فرق فيها بين الحق والباطل، قاله مجاهد، وقتادة. الثاني: هو البرهان الذي فرق بين حق موسى وباطل فرعون، قاله ابن زيد. الثالث: هو النصر والنجاة فنصر موسى وأشياعه، وأهلك فرعون وأتباعه قال الكلبي.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْفُرْقَانَ} التوراة الفارقة بين الحق والباطل، أو البرهان الفارق بين حق موسى وباطل فرعون، أو النصر والنجاة الفارقان بين موسى وفرعون.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ} الآية. لما أمر رسوله أن يقول {أية : إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ} تفسير : [الأنبياء: 45] أتبعه بأنه عادة الله في الأنبياء قبله. {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ} يعني: الكتاب المفرق بين الحق والباطل، وهو التوراة، وكان "ضِيَاءً" لغاية وضوحه يتوصل به إلى طرق الهدى في معرفة الشرائع، وكان "ذكرى" أي موعظة أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم. وقال ابن زيد: الفرقان النصر على الأعداء كقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} تفسير : [الأنفال: 41] يعني: يوم بدر حين فرق بين الحق والباطل. وهو مروي عن ابن عباس، ولأنه أدخل الواو في قوله "وَضِيَاءً" أي: آتينا موسى النصر والضياء، وهو التوراة، لأنَّ العطف يقتضي المغايرة. وقيل: المراد بالفرقان: البرهان الذي فرق به بين الحق والباطل. وقال الضحاك: الفرقان هو فلق البحر. وقال محمد بن كعب: الفرقان الخروج عن الشبهات. ومن قال المراد بالفرقان: التوراة قال: الواو في قوله: "وَضِيَاءً" تكون من عطف الصفات، والمراد به شيء واحد، أي: آتيناه الجامع بين هذه الأشياء. وقيل: الواو زائدة. قال أبو البقاء فـ "ضِيَاءً" حال على هذا. وإنما خصص الذكر بالمتقين كما في قوله "هُدًى للمتّقين" [البقرة:2]. قوله: "الَّذِينَ يَخْشَوْنَ" في محله ثلاثة أوجه: (الجر على النعت أو البدل أو البيان، والنصب والرفع على القطع). وفي معنى "الغَيْب" وجوه: الأول: "يَخْشَوْنَ" أي: يخافون ربهم ولم يروه فيأتمرون بأوامره، وينتهون عن نواهيه. وثانيها: يخشون ربهم وهم غائبون عن الآخرة وأحكامها. وثالثها: يخشون ربهم في الخلوات إذا غابوا عن الناس {وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} خائفون. ثم قال: ولما أنزلت عليه الفرقان فكذلك هذا القرآن المنزل عليك وهو معنى قوله: {وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ} يعني: القرآن "ذِكْرٌ" لمن تذكر به "مُبَارَكٌ" يتبرك به، ويطلب منه الخير، "أَفَأَنتُمْ" يا أهل مكة "لَهُ مُنكِرُونَ" جاحدون، استفهام إنكار وتوبيخ، والمعنى: لا إنكار في إنزاله وفي عجائب ما فيه.
السيوطي
تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس، أنه كان يقرأ {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء} ويقول: خذوا هذه الواو واجعلوها ههنا {والذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم...} الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء} قال: انزعوا هذه الواو واجعلوها في {أية : الذين يحملون العرش ومن حوله} تفسير : [غافر: 7]. وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان} قال: التوراة. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان} قال: الفرقان، التوراة حلالها وحرامها مما فرق الله بين الحق والباطل. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان} قال: الفرقان، الحق آتاه الله موسى وهارون فرق بينهما وبين فرعون، فصل بينهم بالحق. وقرأ {وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان} [الأنفال: 41] قال: يوم بدر. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال الله تبارك وتعالى: وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين، فمن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} أي هذا القرآن. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران قال: خصلتان فيهما البركة: القرآن والمطر. وتلا {وأنزلنا من السماء ماء} {وهذا ذكر مبارك} والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ} نوعُ تفصيلٍ لما أُجمل في قوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ} تفسير : [الأنبياء: 7] إلى قوله تعالى: {أية : وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ} تفسير : [الأنبياء: 9] وإشارةٌ إلى كيفية إنجائهم وإهلاكِ أعدائهم، وتصديرُه بالتوكيد القسمي لإظهار كمال الاعتناءِ بمضمونه، والمرادُ بالفرقان هو التوارةُ وكذا بالضياء والذكر، أي وبالله لقد آتيناهم وحياً ساطعاً وكتاباً جامعاً بـين كونه فارقاً بـين الحقِّ والباطل وضياءً يستضاء به في ظلمات الجهلِ والغَواية وذِكْراً يتعظ به الناسُ، وتخصيصُ المتقين بالذكر لأنهم المستضيئون بأنواره المغتنمون لمغانم آثارِه أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع والأحكامِ، وقيل: الفرقانُ النصرُ، وقيل: فلقُ البحر والأول هو اللائقُ بمساق النظمِ الكريم فإنه لتحقيق أمر القرآن المشارك لسائر الكتبِ الإلٰهية لا سيما التوراةِ فيما ذكر من الصفات، ولأن فلقَ البحر هو الذي اقترح الكفرةُ مثله بقولهم: فليأتنا بآية كما أُرسل الأولون، وقرىء ضياءً بغير واو على أنه حالٌ من الفرقان. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم} أي عذابَه، مجرورُ المحل على أنه صفةٌ مادحة للمتقين أو بدلٌ أو بـيان أو منصوب أو مرفوعٌ على المدح {بِٱلْغَيْبِ} حال من المفعول أي يخشَون عذابه تعالى وهو غائبٌ عنهم غيرُ مشاهد لهم، ففيه تعريضٌ بالكفرة حيث لا يتأثرون بالإنذار ما لم يشاهِدوا ما أنذروه، وقيل: من الفاعل {وَهُمْ مّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} أي خائفون منها بطريق الاعتناء، وتقديمُ الجار لمراعاة الفواصل وتخصيصُ إشفاقهم منها بالذكر بعد وصفِهم بالخشية على الإطلاق للإيذان بكونها معظمَ المَخُوفاتِ وللتنصيص على اتصافهم بضد ما اتصف به المستعجلون، وإيثارُ الجملة الاسميةِ للدِلالة على ثبات الإشفاق ودوامِه. {وَهَـٰذَا} أي القرآنُ الكريم أشير إليه بهذا إيذاناً بغاية وضوحِ أمرِه {ذُكِرَ} يُتذكّر، وُصف بالوصف الأخير للتوراة لمناسبة المقام وموافقتِه لما مر في صدر السورةِ الكريمة {مُّبَارَكٌ} كثيرُ الخير غزيرُ النفع يُتبرّك به {أَنزَلْنَـٰهُ} إما صفةٌ ثانية لذكر أو خبر {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} إنكارٌ لإنكارهم بعد ظهورِ كون إنزالِه كإيتاء التوراة، كأنه قيل: أبعد أن علمتم أن شأنَه كشأن التوراة في الإيتاء والإيحاءِ أنتم منكرون لكونه منزّلاً من عندنا؟ فإن ذلك بعد ملاحظةِ حالِ التوراة مما لا مساغَ له أصلاً.
القشيري
تفسير : ما آتاه الحق سبحانه للأنبياء عليهم السلام من الضياء والنُّور، والحُجَّةِ والبرهان يشاركهم المستجيبون من أُمَمِهم في الاستبصار به.. فكذلك الأكابر من هذه الأمة يشاركون نبينا في الاستبصار بنور اليقين. و"المُتَّقِي" هو المُجَانِبُ لما يشغله ويحجبه عن الله، فيتقي أسبابَ الحجاب وموجِباتها.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين} اى وبالله لقد آتيناهما كتابا جامعا بين كونه فرقانا بين الحق والباطل وضياء يسضاء به فى ظلمات الحيرة والجهالة وذكرا يتعظ به الناس فالمراد بجميع هذه الصفات واحد هو التوراة وتخصيص المتقين بالذكر لانهم المستضيئون بانواره والمغتنمون بمغانم آثاره.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقانَ وضياءً وذِكْرًا للمتقين}، هذه الأوصاف كلها للتوراة، فهي فرقان بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به، ويتوصل به إلى سبيل النجاة، وذِكْرًا، أي: شرفًا، أو وعظًا وتذكيرًا. وتوكيده بالقسم؛ لإظهار كمال الاعتناء به، أي: والله لقد آتيناهما وحيًا ساطعًا وكتابًا جامعًا بين كونه فارقًا بين الحق والباطل، وضياء يُستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، وذكرًا ينتفع به الناس، أو شرفًا لمن عمل به، وتخصيص المتقين بالذكر؛ لأنهم المستضيئُون بأنواره، المغتنمون لمغانم آثاره، أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع والأحكام، ودخلت الواو في الصفات، كقوله تعالى {أية : وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً} تفسير : [آل عِمرَان: 39]، وتقول: مررت بزيد الكريم والعالم والصالح. ثم وصف المتقين أو مدحهم بقوله: {الذين يخشَون ربهم}، حال كونهم {بالغيب} أي: يخافون عذابه تعالى، وهو غائب عنهم غيرُ مشاهَدٍ لهم، ففيه تعريض بالكفرة، حيث لا يتأثرون بالإنذار ما لم يُشاهدوا ما أنذروه. أو يخافون الله في الخلاء كما يخافونه بين الناس، أو يخافونه بمجرد الإيمان به غير مشاهدين له، {وهُمْ من الساعة مشفقون} أي: خائفون معتنون بالتأهي لها. وتخصيص إشفاقهم منها بالذكر، بعد وصفهم بالخشية على الإطلاق؛ للإيذان بكونها أعظم المخلوقات، وللتنصيص على الاتصاف بضد ما اتصف به الكفرة الغافلون عنها، وإيثار الجملة الاسمية؛ للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه لهم. {وهذا} أي: القرآن الكريم، أشير إليه بهذا؛ إيذانًا بغاية وضوح أمره، {ذِكْرٌ} يتذكر به من تذكر، وصفه ببعض أوصاف التوراة؛ لموافقته له في الإنزال، ولما مرّ في صدر السورة من قوله: {أية : مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ} تفسير : [الأنبيَاء: 2] الخ، {مباركٌ}؛ كثير الخير، غزير النفع، يتبرك به على الدوام. قال القشيري: وصْفُه بالبركة هو إخبارٌ عن ثباته، من قولهم: بَرَكَ البعيرُ، وبَرَكَ الطائرُ على الماءِ، أي: داومَ. وهذا الكتاب دائم، لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خَلْفِه، وهو دال على كلامه القديم، فلا انتهاء له، كما لا ابتداء له ولا انتهاء لكلامه. هـ. {أنزلناه} على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صفة ثانية للكتاب {أفأنتم له منكرون}؛ استفهام توبيخي، أي: جاحدون أنه منزل من عند الله، والمعنى: أبَعْدَ أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة، في الإنزال والإيحاء، أنتم منكرون؛ لكونه منزلاً من عندنا؛ فإن ذلك، بعد ملاحظة التوراة، مما لا مساغ له أصلاً. وبالله التوفيق. الإشارة: كل ما وصف به التوراة وصف به كتابنا العزيز، قال تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ} تفسير : [الفرقان: 1]ٍ، وقال: {أية : وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} تفسير : [النِّساء: 174]، وقال هنا: {وهذا ذكر مبارك}، فزاده البركة؛ لعموم خيره ودوام نفعه، وخصوصًا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب: قال القشيري: والخشية بالغيب: إطراقُ السريرة في أول الحضور، باستشعار الوَجَلِ من جريان سوء الأدب، والحذَرُ من أنْ يبدوَ من الغيبِ بَغَتَات التقدير، مما يوجِبُ حجبة العبد. هـ. ثمَّ ذكر بقية المشاهير من الرسل وبدأ بإبراهيم....
الأعقم
تفسير : {ولقد آتينا موسى وهارون} أي آتيناهما {الفرقان} وهو التوراة وآتيناهما {ضياء وذكراً للمتّقين} والمعنى أنه في نفسه ضياء وذكراً، وآتيناهما بما فيه من الشرائع والمواعظ ضياء وذكراً، وعن ابن عباس: لفرقان الفتح كقوله: {يوم الفرقان}، وقيل: فلق البحر {الذين يخشون ربهم} أي يخافون عقابه بالغيب في سرائرهم {وهم من الساعة مشفقون} خائفون، قوله تعالى: {وهذا ذكر} يعني القرآن {مبارك} وبركته كثيرة ألا من تمسك به وعمل به استحق ثواب الأبد {أفأنتم له منكرون} قيل: جاحدون مع كونه معجز؟! {ولقد آتينا إبراهيم رشده} وهو الاحتباء لوجه الصلاح، قال تعالى: {أية : فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} تفسير : [النساء: 6] {من قبل} موسى وهارون، وقيل: {من قبل} محمد {وكنا به عالمين} أي علمنا أنه هو أهل النبوة ومصطلح لها يقوم بها عملاً {وإذ قال لأبيه} آزر وقومهم حين رآهم يعبدون الأصنام {ما هذه التماثيل} الصور التي لا تنفع ولا تضر؟ تجاهُل لهم وتصغير شأنها مع علمه بتعظيمهم وإجلالهم لها {التي أنتم لها عاكفون} مقيمون على عبادتها؟! {قالوا بل وجدنا آباءنا لها عابدين}، قال جار الله: ما أقبح التقليد والقول المتقبل بغير برهان، وما أعظم كيد الشيطان للمقلدين حين استدرجهم إلى أن قلدوا آباءهم في عبادة التماثيل، وعفروا لها جباههم وهم معتقدون أنهم على شيء، فجادلوا في نصرة مذهبهم، ومجادلون لأهل الحق عن باطلهم، وكفى أهل التقليد سيئة ان عبدوا الأصنام، ثم بيَّن تعالى جواب إبراهيم لقومه فقال سبحانه: {بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهنَّ} أي خلقهن، قال جار الله: الضمير في فطرهن للسماوات والأرض أو للتماثيل، وكونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم {وأنا على ذلكم من الشاهدين} وذلك مبالغة في إظهار الحق، قال جار الله: وشهادته على ذلك بالحجة عليه وتصحيحه بها كما تصح الدعوى بالبينات لأني لست مثلكم، فأقول ما لا أقدر على إثباته بالحجة كما لم تقدروا على الاحتجاج لمذهبكم، ولم تزيدوا على أنكم وجدتم عليه آباءكم {وتالله} هذا قسم به سبحانه {لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تولَّوا مدبرين} قيل: في حال غيبتكم، وقيل: إشارة إلى أنها تحتاج إلى نصرهم فإذا غابوا لا يقدرون على حفظ أنفسهم، وقيل: كان هذا يوم عيد لهم، وقيل: كان لهم في كل سنة عيد إذا رجعوا دخلوا على أصنامهم وسجدوا لها، وروي أن آزر خرج به في يوم عيد، فبدأوا ببيت الأصنام فدخلوا وسجدوا لها من دون الله وضعوا بينها طعاماً، فخرجوا وبقي إبراهيم ونظر إلى الأصنام وكانت سبعين صنماً مصطفّة وثمّ صنم عظيم مستقبل الباب وكان من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسرها كلها بفأس في يده حتى لم يبق إلاَّ الكبير علق الفأس في عنقه، قيل: كان ذلك سراً من قومه، وروي سمعه رجل واحد.
الهواري
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَد ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الفُرْقَانَ} يعني التوراة. وفرقانها أنه فرّق فيها حلالها وحرامها. {وَضِيَآءً} أي ونوراً {وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ} أي يذكرون به الآخرة. قوله عزّ وجلّ: {الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ} ذكروا عن مجاهد في قوله عز وجل: (أية : هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ) تفسير : [سورة ق: 32-33] قال: أي يذكر الرجل منهم ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها، وَيَوْجل منها قلبه. قوله عز وجل: {وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} أي: خائفون وجلون من شر ذلك اليوم؛ وهم المؤمنون. {وَهذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} يعني القرآن {أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} يعني المشركين، على الاستفهام، أي: قد أنكرتموه. قوله عز وجل: {وَلَقَد ءَاتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ} أي: هديناه صغيراً، في تفسير مجاهد. وقال الحسن: النبوة. {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} أي: أنه سيبلّغ عن الله الرسالة ويمضي لأمره. وهو كقوله: (أية : اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)تفسير : [الأنعام: 124].
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ} التوراة الكثيرة: المفرَّق بين الحق والباطل. {وَضِيَاءً} هو التوراة أيضًا؛ لأنه يستضاء بها فى ظلمات الجهل. {وَذِكْرًا} هو هى؛ لأنها عظة. {لِلْمُتَّقِينَ} وأما غيرهم ممن سبق فى علم الله أنه لا يكون مستقيما، فلا يتعظ بها. ويحتمل أن يكون مصدرين، أى وضياء بها، وذكراً بها. فعلى الأول يكون ذلك كعطف صفة على أخرى، كقولك: جاء الرجل الكريم والعالم والورع، وأنت تريد بالكل واحداً، أن فى إتيانهما كتابا جامعًا بين تمييز الحق والضوء والوعد. وقرأ ابن كثير وضيئاءً بهمزة قبل الألف وبعدها، ومر بيانها فى سورة يونس - عليه السلام. وقرأ ابن عباس ضياء، بدون واو، على الإبدال، أو الحالية من الفرقان. وعنه: الفرقان: الفتح والنصر، كقوله عز وعلا: {أية : يوم الفرقان}. تفسير : وعن الضحاك: فلق البحر. وعن محمد بن كعب: المخرج من الشبهات. وقيل فى الذكر: إنه ذكر ما يحتاجون إليه فى دينهم ومصالحهم، أو الشرف.
اطفيش
تفسير : من التوراة، هى فرقان من حيث إنها تفرق بين الحق والباطل، وضياءً من حيث إنها تزيل ظلمة القلب والجهل، وذكراً من حيث إنها تعظ وتذكر، والمرادم التوراة الجامعة الفرق والضوء والذكر، وذلك مختص فى العطف بالواو، وأجازه الأخفش بالفاء، وإنما هى على موسى، ولكن هارون نبى أخوه فى زمان واحد معاضد له، فنسبت إليهما معاً، وخص المتقين بالذكر لأنهم المنتفعون بها، أو الذكر ما يحتاجون إليه فى الشريعة أو الشرف لهما. أو الفرقان النصر، كقوله تعالى: "أية : يوم الفرقان" تفسير : [الأنفال: 41] للفرق به بين العدو والمولى، والضياء حينئذ التوراة أو الشريعة أو اليد البيضاء، والذكر أحد المعانى المذكورة، أو الفرقان فرق البحر والأولى ما تقدم أولا، وهو المناسب لتحقيق القرآن المشارك لسائر كتب الله عز وجل، ولا سيما التوراة فيما ذكر من الصفات، ولأن فى قولهم: "أية : فليأتنا بآية" تفسير : [الأنبياء: 5] تلويحا بفرق البحر، ألا ترى كيف عقب ذلك بقوله: "أية : وهذا ذكر مبارك" تفسير : [الأنبياء: 50] وهو القرآن.
الالوسي
تفسير : نوع تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: { أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ } تفسير : [الأنبياء: 7] إلى قوله سبحانه: { أية : وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ } تفسير : [الأنبياء: 9] وإشارة إلى كيفية إنجائهم وإهلاك أعدائهم، وتصديره بالتوكيد القسمي لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه، والمراد بالفرقان التوراة وكذا بالضياء والذكر، والعطف كما في قوله: شعر : إن الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : ونقل الطيبـي أنه أدخل الواو على {ضِيَاء} وإن كان صفة في المعنى دون اللفظ كما يدخل على الصفة التي هي صفة لفظاً كقوله تعالى: { أية : إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } تفسير : [الأنفال: 49] وقال سيبويه: إذا قلت مررت بزيد وصاحبك جاز وإذا قلت ومررت بزيد فصاحبك بالفاء لم يجز كما جاز بالواو لأن الفاء تقتضي التعقيب وتأخير الاسم عن المعطوف عليه بخلاف الواو، وأما قول القائل: شعر : يا لهف زيابة للحارث الصا بح فالغانم فالآيب تفسير : فإنما ذكر بالفاء وجاء لأنه ليس بصفة على ذلك الحد لأن أل بمعنى الذي أي فالذي صبح فالذي غنم فالذي آب. وأبو الحسن يجيز المسألة بالفاء كما يجيزها بالواو انتهى، والمعنى وبالله لقد آتيناهما كتاباً جامعاً بين كونه فارقاً بين الحق والباطل وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية وذكراً يتعظ به الناس ويتذكرون، وتخصيص المتقين بالذكر لأنهم المنتفعون به أو ذكر ما يحتاجون به من الشرائع والأحكام أو شرف لهم. وقيل: الفرقان النصر كما في قوله تعالى: { أية : يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } تفسير : [الأنفال: 41] وأطلق عليه لفرقه بين الولي والعدو وجاء ذلك في رواية عن ابن عباس، والضياء حينئذ إما التوراة أو الشريعة أو اليد البيضاء، والذكر بأحد المعاني المذكورة. وعن الضحاك أن الفرقان فلق البحر والفلق أخوان، وإلى الأول ذهب مجاهد وقتادة وهو اللائق بمساق النظم الكريم فإنه لتحقيق أمر القرآن المشارك لسائر الكتب الإلٰهية لا سيما التوراة فيما ذكر من الصفات ولأن فلق البحر هو الذي اقترح الكفرة مثله بقولهم: { أية : بَلْ قَالُواْ أَضْغَـٰثُ أَحْلاَمٍ بَلِ } تفسير : [الأنبياء: 5]. وقرأ ابن عباس وعكرمة والضحاك {ضِيَاء} بغير واو على أنه حال من {ٱلْفُرْقَانَ} وهذه القراءة تؤيد أيضاً التفسير الأول.
سيد قطب
تفسير : هذا الشوط الثالث يستعرض أمة الرسل. لا على وجه الحصر. يشير إلى بعضهم مجرد إشارة؛ ويفصل ذكر بعضهم تفصيلاً مطولاً ومختصراً. وتتجلى في هذه الإشارات والحلقات رحمة الله وعنايته برسله، وعواقب المكذبين بالرسل بعد أن جاءتهم البينات. كما تتجلى بعض الاختبارات للرسل بالخير وبالضر، وكيف اجتازوا الابتلاء. كذلك تتجلى سنة الله في إرسال الرسل من البشر. ووحدة العقيدة والطريق، لجماعة الرسل على مدار الزمان؛ حتى لكأنهم أمة واحدة على تباعد الزمان والمكان. وتلك إحدى دلائل وحدانية الألوهية المبدعة، ووحدانية الإرادة المدبرة، ووحدانية الناموس الذي يربط سنن الله في الكون، ويؤلف بينها، ويوجهها جميعاً وجهة واحدة، إلى معبود واحد: {وأنا ربكم فاعبدون} {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكراً للمتقين. الذين يخشون ربهم بالغيب، وهم من الساعة مشفقون. وهـذا ذكر مبارك أنزلناه، أفأنتم له منكرون؟}. ولقد سبق في سياق السورة أن المشركين كانوا يستهزئون بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه بشر. وأنهم كانوا يكذبون بالوحي، ويقولون: إنه سحر أو شعر أو افتراء. فها هو ذا يكشف لهم أن إرسال الرسل من البشر هي السنة المطردة، وهذه نماذج لها من قبل. وأن نزول الكتب على الرسل ليس بدعة مستغرقة فهاهما ذان موسى وهارون آتاهما الله كتاباً. ويسمى هذا الكتاب {الفرقان} وهي صفة القرآن. فهناك وحدة حتى في الاسم. ذلك أن الكتب المنزلة كلها فرقان بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين منهج في الحياة ومنهج، واتجاه في الحياة واتجاه. فهي في عمومها فرقان. وفي هذه الصفة تلتقي التوراة والقرآن. وجعل التوراة كذلك، {ضياء} يكشف ظلمات القلب والعقيدة، وظلمات الضلال والباطل. وهي ظلمات يتوه فيها العقل ويضل فيها الضمير. وإن القلب البشري ليظل مظلماً حتى تشرق فيه شعلة الإيمان، فتنير جوانبه، ويتكشف له منهجه، ويستقيم له اتجاهه، ولا تختلط عليه القيم والمعاني والتقديرات. وجعل التوراة كالقرآن {ذكراً للمتقين} تذكرهم بالله، وتبقي لهم ذكراً في الناس. وماذا كان بنو إسرائيل قبل التوراة؟ كانوا أذلاء تحت سياط فرعون، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ويستذلهم بالسخرة والإيذاء. ويخص المتقين {الذين يخشون ربهم بالغيب} لأن الذين تستشعر قلوبهم خشية الله ولم يروه، {وهم من الساعة مشفقون} فيعملون لها ويستعدون هؤلاء هم الذين ينتفعون بالضياء، ويسيرون على هداه، فيكون كتاب الله لهم ذكراً، يذكرهم بالله، ويرفع لهم ذكراً في الناس. ذلك شأن موسى وهارون.. {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} فليس بدعاً ولا عجباً، إنما هو أمر مسبوق وسنة معروفة {أفأنتم له منكرون؟} فماذا تنكرون منه، وقد سبقت به الرسالات؟ وبعد الإشارة السريعة إلى موسى وهارون وكتابهما يرتد السياق إلى حلقة كاملة من قصة إبراهيم، وهو جد العرب الأكبر وباني الكعبة التي يحشدون فيها الأصنام، ويعكفون عليها بالعبادة، وهو الذي حطم الأصنام من قبل. والسياق يعرضه هنا وهو يستنكر الشرك ويحطم الأصنام. والحلقة المعروفة هنا هي حلقة الرسالة. وهي مقسمة إلى مشاهد متتابعة، بينها فجوات صغيرة. وهي تبدأ بالإشارة إلى سبق هداية إبراهيم إلى الرشد. ويعني به الهداية إلى التوحيد. فهذا هو الرشد الأكبر الذي تنصرف إليه لفظة "الرشد" في هذا المقام. {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل، وكنا به عالمين}.. آتينا رشده، وكنا عالمين بحاله وباستعداده لحمل الأمانة التي يحملها المرسلون. {إذ قال لأبيه وقومه: ما هـذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون}.. فكانت قولته هذه دليل رشده.. سمى تلك الأحجار والخشب باسمها: {هذه التماثيل} ولم يقل: إنها آلهة، واستنكر أن يعكفوا عليها بالعبادة. وكلمة {عاكفون} تفيد الانكباب الدائم المستمر. وهم لا يقضون وقتهم كله في عبادتها. ولكنهم يتعلقون بها. فهو عكوف معنوي لا زمني. وهو يسخف هذا التعلق ويبشعه بتصويرهم منكبين أبداً على هذه التماثيل! فكان جوابهم وحجتهم أن {قالوا: وجدنا آباءنا لها عابدين}! وهو جواب يدل على التحجر العقلي والنفسي داخل قوالب التقليد الميتة، في مقابل حرية الإيمان، وانطلاقه للنظر والتدبر، وتقويم الأشياء والأوضاع بقيمها الحقيقية لا التقليدية. فالإيمان بالله طلاقة وتحرر من القداسات الوهمية التقليدية، والوراثات المتحجرة التي لا تقوم على دليل: {قال: لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين}.. وما كانت عبادة الآباء لتكسب هذه التماثيل قيمة ليست لها، ولا لتخلع عليها قداسة لا تستحقها. فالقيم لا تنبع من تقليد الآباء وتقديسهم، إنما تنبع من التقويم المتحرر الطليق. وعندما واجههم إبراهيم بهذه الطلاقة في التقدير، وبهذه الصراحة في الحكم، راحوا يسألون: {قالوا: أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين؟}.. وهو سؤال المزعزع العقيدة، الذي لا يطمئن إلى ما هو عليه، لأنه لم يتدبره ولم يتحقق منه. ولكنه كذلك معطل الفكر والروح بتأثير الوهم والتقليد. فهو لا يدري اي الأقوال حق. والعبادة تقوم على اليقين لا على الوهم المزعزع الذي لا يستند إلى دليل! وهذا هو التيه الذي يخبط فيه من لا يدينون بعقيدة التوحيد الناصعة الواضحة المستقيمة في العقل والضمير. فأما إبراهيم فهو مستيقن واثق عارف بربه، متمثل له في خاطره وفكره، يقولها كلمة المؤمن المطمئن لإيمانه: {قال: بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن، وأنا على ذلكم من الشاهدين}. فهو رب واحد. رب الناس ورب السماوات والأرض. ربوبيته ناشئة عن كونه الخالق. فهما صفتان لا تنفكان: {بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن}.. فهذه هي العقيدة المستقيمة الناصعة، لا كما يعتقد المشركون أن الآلهة أرباب، في الوقت الذي يقرون أنها لا تخلق، وأن الخالق هو الله. ثم هم يعبدون تلك الآلهة التي لا تخلق شيئاً وهم يعلمون! إنه واثق وثوق الذي يشهد على واقع لا شك فيه: {وأنا على ذلكم من الشاهدين}.. وإبراهيم ـ عليه السلام ـ لم يشهد خلق السماوات والأرض، ولم يشهد خلق نفسه ولا قومه.. ولكن الأمر من الوضوح والثبوت إلى حد أن يشهد المؤمنون عليه واثقين.. إن كل ما في الكون لينطق بوحدة الخالق المدبر. وإن كل ما في كيان الإنسان ليهتف به إلى الإقرار بوحدانية الخالق المدبر، وبوحدة الناموس الذي يدبر الكون ويصرفه. ثم يعلن إبراهيم لمن كان يواجههم من قومه بهذا الحوار. أنه قد اعتزم في شأن آلهتهم أمراً لا رجعة فيه: {وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين}.. ويترك ما اعتزمه من الكيد للأصنام مبهماً لا يفصح عنه.. ولا يذكر السياق كيف ردوا عليه. ولعلهم كانوا مطمئنين إلى أنه لن يستطيع لآلهتهم كيدا. فتركوه! {فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون}.. وتحولت الآلهة المعبودة إلى قطع صغيرة من الحجارة والأخشاب المهشمة.. إلا كبير الأصنام فقد تركه إبراهيم {لعلهم إليه يرجعون} فيسألونه كيف وقعت الواقعة وهو حاضر فلم يدفع عن صغار الآلهة! لعلهم حينئذ يراجعون القضية كلها، فيرجعون إلى صوابهم، ويدركون منه ما في عبادة هذه الأصنام من سخف وتهافت. وعاد القوم ليروا آلهتهم جذاذاً إلا ذلك الكبير! ولكنهم لم يرجعوا إليه يسألونه ولا إلى أنفسهم يسألونها: إن كانت هذه آلهة فكيف وقع لها ما وقع دون أن تدفع عن أنفسها شيئاً. وهذا كبيرها كيف لم يدفع عنها؟ لم يسألوا أنفسهم هذا السؤال، لأن الخرافة قد عطلت عقولهم عن التفكير، ولأن التقليد قد غل أفكارهم عن التأمل والتدبر. فإذا هم يدعون هذا السؤال الطبيعي لينتقموا على من حطم آلهتهم، وصنع بها هذا الصنيع: {قالوا: من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين}.. عندئذ تذكر الذين سمعوا إبراهيم ينكر على أبيه ومن معه عبادة هذه التماثيل، ويتوعدهم أن يكيد لآلهتهم بعد انصرافهم عنها! {قالوا: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبرهيم}.. ويبدو من هذا أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ كان شاباً صغير السن، حينما آتاه الله رشده، فاستنكر عبادة الأصنام وحطمها هذا التحطيم. ولكن أكان قد أوحي إليه بالرسالة في ذلك الحين؟ أم هو إلهام هداه إلى الحق قبل الرسالة. فدعا إليه أباه، واستنكر على قومه ما هم فيه؟. هذا هو الأرجح... وهناك احتمال أن يكون قولهم: {سمعنا فتى} يقصد به إلى تصغير شأنه بدليل تجهيلهم لأمره في قولهم: {يقال له إبراهيم!} للتقليل من أهميته، وإفادة أنه مجهول لا خطر له؟ قد يكون. ولكننا نرجح انه كان فتى حديث السن في ذلك الحين. {قالوا: فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون}.. وقد قصدوا إلى التشهير به، وإعلان فعلته على رؤوس الأشهاد! {قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟}.. فهم ما يزالون يصرون على أنها آلهة وهي جذاذ مهشمة. فأما إبراهيم فهو يتهكم بهم ويسخر منهم، وهو فرد وحده وهم كثير. ذلك أنه ينظر بعقلة المفتوح وقلبه الواصل فلا يملك إلا أن يهزأ بهم ويسخر، وأن يجيبهم إجابة تناسب هذا المستوى العقلي الدون: {قال: بل فعله كبيرهم هذا. فاسألوهم إن كانوا ينطقون}.. والتهكم واضح في هذا الجواب الساخر. فلا داعي لتسمية هذه كذبة من إبراهيم ـ عليه السلام ـ والبحث عن تعليلها بشتى العلل التي اختلف عليها المفسرون. فالأمر أيسر من هذا بكثير! إنما أراد أن يقول لهم: إن هذه التماثيل لا تدري من حطمها إن كنت أنا أم هذا الصنم الكبير الذي لا يملك مثلها حراكاً. فهي جماد لا إدراك له أصلاً. وأنتم كذلك مثلها مسلوبو الإدراك لا تميزون بين الجائز والمستحيل. فلا تعرفون إن كنت أنا الذي حطمتها ام إن هذا التمثال هو الذي حطمها! {فاسألوهم إن كانوا ينطقون}! ويبدو أن هذا التهكم الساخر قد هزهم هزاً، وردهم إلى شيء من التدبر والتفكر: {فرجعوا إلى أنفسهم، فقالوا: إنكم أنتم الظالمون}.. وكانت بادرة خير أن يستشعروا ما في موقفهم من سخف، وما في عبادتهم لهذه التماثيل من ظلم. وأن تتفتح بصيرتهم لأول مرة فيتدبروا ذلك السخف الذي يأخذون به أنفسهم، وذلك الظلم الذي هم فيه سادرون. ولكنها لم تكن إلا ومضة واحدة أعقبها الظلام، وإلا خفقة واحدة عادت بعدها قلوبهم إلى الخمود: {ثم نكسوا على رؤوسهم. لقد علمت ما هؤلاء ينطقون}! وحقاً لقد كانت الأولى رجعة إلى النفوس، وكانت الثانية نكسة على الرؤوس؛ كما يقول التعبير القرآني المصور العجيب.. كانت الأولى حركة في النفس للنظر والتدبر. أما الثانية فكانت انقلاباً على الرأس فلا عقل ولا تفكير. وإلا فإن قولهم هذا الأخير هو الحجة عليهم. وأية حجة لإبراهيم أقوى من أن هؤلاء لا ينطقون؟! ومن ثم يجبههم بعنف على غير عادته وهو الصبور الحليم. لأن السخف هنا يجاوز صبر الحليم: {قال: أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم؟ أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون؟!} وهي قولة يظهر فيها ضيق الصدر، وغيظ النفس، والعجب من السخف الذي يتجاوز كل مألوف. عند ذلك أخذتهم العزة بالإثم كما تأخذ الطغاة دائماً حين يفقدون الحجة ويعوزهم الدليل، فيلجأون إلى القوة الغاشمة والعذاب الغليظ: {قالوا: حرِّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين}.. فيا لها من آلهة ينصرها عبادها، وهي لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً؛ ولا تحاول لها ولا لعبادها نصراً! {قالوا: حرِّقوه} ولكن كلمة أخرى قد قيلت.. فأبطلت كل قول، وأحبطت كل كيد. ذلك أنها الكلمة العليا التي لا ترد: {قلنا: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم}.. فكانت برداً وسلاماً على إبراهيم.. كيف؟ ولماذا نسأل عن هذه وحدها. و {كوني} هذه هي الكلمة التي تكون بها أكوان، وتنشأ بها عوالم، وتخلق بها نواميس: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون}. فلا نسأل: كيف لم تحرق النار إبراهيم، والمشهود المعروف أن النار تحرق الأجسام الحية؟ فالذي قال للنار: كوني حارقة. هو الذي قال لها: كوني برداً وسلاماً. وهي الكلمة الواحدة التي تنشئ مدلولها عند قولها كيفما كان هذا المدلول. مألوفاً للبشر أو غير مألوف. إن الذين يقيسون أعمال الله سبحانه إلى أعمال البشر هم الذين يسألون: كيف كان هذا؟ وكيف أمكن أن يكون؟ فأما الذين يدركون اختلاف الطبيعتين، واختلاف الأداتين، فإنهم لا يسألون أصلاً، ولا يحاولون أن يخلقوا تعليلاً. علمياً أو غير علمي. فالمسألة ليست في هذا الميدان اصلاً. ليست في ميدان التعليل والتحليل بموازين البشر ومقاييس البشر. وكل منهج في تصور مثل هذه المعجزات غير منهج الإحالة إلى القدرة المطلقة هو منهج فاسد من أساسه، لأن أعمال الله غير خاضعة لمقاييس البشر وعلمهم القليل المحدود. إن علينا فقط أن نؤمن بأن هذا قد كان، لأن صانعه يملك أن يكون. أما كيف صنع بالنار فإذا هي برد وسلام؟ وكيف صنع بإبراهيم فلا تحرقه النار.. فذلك ما سكت عنه النص القرآني لأنه لا سبيل إلى إدراكه بعقل البشر المحدود. وليس لنا سوى النص القرآني من دليل. وما كان تحويل النار برداً وسلاماً على إبراهيم إلا مثلاً تقع نظائره في صور شتى. ولكنها قد لا تهز المشاعر كما يهزها هذا المثل السافر الجاهر. فكم من ضيقات وكربات تحيط بالأشخاص والجماعات من شأنها أن تكون القاصمة القاضية، وإن هي إلا لفتة صغيرة، فإذا هي تحيي ولا تميت، وتنعش ولا تخمد، وتعود بالخير وهي الشر المستطير. إن {يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} لتتكرر في حياة الأشخاص والجماعات والأمم؛ وفي حياة الأفكار والعقائد والدعوات. وإن هي إلا رمز للكلمة التي تبطل كل قول، وتحبط كل كيد، لأنها الكلمة العليا التي لا ترد! {وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين}.. وقد روي أن الملك المعاصر لإبراهيم كان يلقب "بالنمرود" وهو ملك الآراميين بالعراق. وأنه قد أهلك هو والملأ من قومه بعذاب من عند الله. تختلف الروايات في تفصيلاته، وليس لنا عليها من دليل. المهم أن الله قد أنجى إبراهيم من الكيد الذي أريد به، وباء الكائدون له بخسارة ما بعدها خسارة {فجعلناهم الأخسرين} هكذا على وجه الإطلاق دن تحديد! {ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين}.. وهي أرض الشام التي هاجر إليها هو وابن أخيه لوط. فكانت مهبط الوحي فترة طويلة، ومبعث الرسل من نسل إبراهيم. وفيها الأرض المقدسة. وثاني الحرمين. وفيها بركة الخصب والرزق، إلى جانب بركة الوحي والنبوة جيلاً بعد جيل. {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة، وكلاً جعلنا صالحين. وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا، وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكـاة، وكانوا لنا عابدين}.. لقد ترك إبراهيم ـ عليه السلام ـ وطناً وأهلاً وقوماً. فعوضه الله الأرض المباركة وطنا ًخيراً من وطنه. وعوضه ابنه إسحاق وحفيده يعقوب أهلاً خيراً من أهله. وعوض من ذريته أمة عظيمة العدد قوماً خيراً من قومه. وجعل من نسله أئمة يهدون الناس بأمر الله؛ وأوحى إليهم أن يفعلوا الخيرات على اختلافها، وأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. وكانوا طائعين لله عابدين.. فنعم العوض، ونعم الجزاء، ونعمت الخاتمة التي قسمها الله لإبراهيم. لقد ابتلاه بالضراء فصبر، فكانت الخاتمة الكريمة اللائقة بصبره الجميل. {ولوطا آتيناه حكماً وعلماً؛ ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث، إنهم كانوا قوم سوء فاسقين. وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين}.. وقصة لوط قد سبقت مفصلة. وهو يشير إليها هنا مجرد إشارة. وقد صحب عمه إبراهيم من العراق إلى الشام، وأقام في قرية سدوم. وكانت تعمل الخبائث. وهي إتيان الفاحشة مع الذكور جهرة وبلا حياء أو تحرج. فأهلك الله القرية وأهلها: {إنهم كانوا قوم سوء فاسقين}. وأنجى لوطاً وأهله إلا امرأته. {وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين}.. وكأنما الرحمة مأوى وملاذ يدخل الله فيه من يشاء، فإذا هو آمن ناعم مرحوم. ويشير إلى نوح إشارة سريعة كذلك: {ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له، فنجيناه وأهله من الكرب العظيم. ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا، إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين}.. وهي إشارة كذلك لا تفصيل فيها. لإثبات استجابة الله لنوح ـ عليه السلام ـ حين ناداه {من قبل} وهو سابق لإبراهيم ولوط. ولقد أنجاه الله وأهله كذلك. إلا امرأته، وأهلك قومه بالطوفان وهو {الكرب العظيم} الذي وصفه بالتفصيل في سورة هود. ثم يفصل بعض الشيء في حلقة من قصة داود وسليمان: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم؛ وكنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها سليمان. وكلا آتينا حكماً وعلماً. وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير. وكنا فاعلين. وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم، فهل أنتم شاكرون؟}. {ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها، وكنا بكل شيء عالمين. ومن الشياطين من يغوصون له، ويعملون عملاً دون ذلك، وكنا لهم حافظين}.. وقصة الحرث التي حكم فيها داود وسليمان يقول الرواة في تفصيلها: إن رجلين دخلا على داود، أحدهما صاحب حرث أي حقل وقيل حديقة كرم ـ والآخر صاحب غنم. فقال صاحب الحرث: إن غنم هذا قد نفشت في حرثي ـ أي انطلقت فيه ليلاً ـ فلم تبق منه شيئاً. فحكم داود لصاحب الحرث أن يأخذ غنم خصمه في مقابل حرثة.. ومر صاحب الغنم بسليمان؛ فأخبره بقضاء داود. فدخل سليمان على أبيه فقال: يا نبي الله إن القضاء غير ما قضيت. فقال: كيف؟ قال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث لينتفع بها، وادفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه حتى يعود كما كان. ثم يعيد كل منهما إلى صاحبه ما تحت يده. فيأخذ صاحب الحرث حرثه، وصاحب الغنم غنمه.. فقال داود: القضاء ما قضيت. وأُمضي حكم سليمان. وكان حكم داود وحكم سليمان في القضية اجتهاداً منهما. وكان الله حاضراً حكمهما، فألهم سليمان حكماً أحكم، وفهمه ذلك الوجه وهو أصوب. لقد اتجه داود في حكمه إلى مجرد التعويض لصاحب الحرث. وهذا عدل فحسب. ولكن حكم سليمان تضمن مع العدل البناء والتعمير، وجعل العدل دافعاً إلى البناء والتعمير. وهذا هو العدل الحي الإيجابي في صورته البانية الدافعة. وهو فتح من الله وإلهام يهبه من يشاء. ولقد أوتي داود وسليمان كلاهما الحكمة والعلم: {وكلاً آتينا حكماً وعلماً}.. وليس في قضاء داود من خطأ، ولكن قضاء سليمان كان أصوب، لأنه من نبع الإلهام. ثم يعرض السياق ما اختص به كلا منهما. فيبدأ بالوالد: {وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير. وكنا فاعلين. وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم، فهل أنتم شاكرون؟}. وقد عرف داود ـ عليه السلام ـ بمزاميره. وهي تسابيح لله كان يرتلها بصوته الحنون، فتتجاوب أصداؤها حوله، وترجع معه الجبال والطير.. وحينما يتصل قلب عبد بربه فإنه يحس الاتصال بالوجود كله؛ وينبض قلب الوجود معه؛ وتنزاح العوائق والحواجز الناشئة عن الشعور بالفوارق التي تميز الأنواع والأجناس، وتقيم بينها الحدود والحواجز، وعندئذ تتلاقى ضمائرها وحقائقها في ضمير الكون وحقيقته. وفي لحظات الإشراق تحس الروح باندماجها في الكل، واحتوائها على الكل.. عندئذ لا تحس بأن هنالك ما هو خارج عن ذاتها؛ ولا بأنها هي متميزة عما حولها. فكل ما حولها مندمج فيها وهي مندمجة فيه. ومن النص القرآني نتصور داود وهو يرتل مزاميره، فيسهو عن نفسه المنفصلة المتميزة المتحيزة. وتهيم روحه في ظلال الله في الكون ومجاليه ومخلوقاته الجوامد منها والأحياء. فيحس ترجيعها، ويتجاوب معها كما تتجاوب معه. وإذا الكون كله فرقة مرتلة عازفة مسبحة بجلال الله وحمده. {أية : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولـكن لا تفقهون تسبيحهم}..تفسير : إنما يفقهه من يتجرد من الحواجز والفواصل، وينطلق مع أرواح الكائنات، المتجهة كلها إلى الله. {وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير}.. {وكنا فاعلين} فما هنالك من شيء يعز على القدرة أو يتأبى حين تريد. يستوي أن يكون مألوفاً للناس أو غير مالوف. {وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون؟}.. تلك هي صنعة الدروع حلقاً متداخلة، بعد أن كانت تصنع صفيحة واحدة جامدة. والزرد المتداخل أيسر استعمالاً وأكثر مرونة، ويبدو أن داود هو الذي ابتدع هذا النوع من الدروع بتعليم الله. والله يمن على الناس أن علم داود هذه الصناعة لوقايتهم في الحرب: {لتحصنكم من بأسكم} وهو يسألهم سؤال توجيه وتحضيض: {فهل أنتم شاكرون؟}.. والحضارة البشرية سارت في طريقها خطوة خطوة وراء الكشوف. ولم تجئ طفرة، لأن خلافة الأرض تركت لهذا الإنسان، ولمداركه التي زوده الله بها ليخطو في كل يوم خطوة؛ ويعيد تنسيق حياته وفق هذه الخطوة. وإعادة تنسيق الحياة وفق نظام جديد ليست سهلة على النفس البشرية؛ فهي تهز أعماقها؛ وتغير عاداتها ومألوفاً؛ وتقتضي فترة من الزمان لإعادة الاستقرار الذي تطمئن فيه إلى العمل والإنتاج. ومن ثم شاءت حكمة الله أن تكون هناك فترة استقرار تطول أو تقصر. بعد كل تنسيق جديد. والقلق الذي يستولي على أعصاب العالم اليوم منشؤه الأول سرعة توالي الهزات العلمية والاجتماعية التي لا تدع للبشرية فترة استقرار، ولا تدع للنفس فرصة التكيف والتذوق للوضع الجديد. ذلك شأن داود. فأما شأن سليمان فهو أعظم: {ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها؛ وكنا بكل شيء عالمين. ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك. وكنا لهم حافظين}.. وتدور حول سليمان روايات وتصورات وأقاويل، معظمها مستمد من الإسرائيليات والتخيلات والأوهام. ولكن لا نضل في هذا التيه. فإننا نقف عند حدود النصوص القرآنية وليس وراءها أثر مستيقن في قصة سليمان بالذات. والنص القرآني هنا يقرر تسخير الريح ـ وهي عاصفة ـ لسليمان، تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها. وهي في الغالب الشام لسبق الإشارة إليها بهذه الصفة في قصة إبراهيم.. فكيف كان هذا التسخير؟ هنالك قصة بساط الريح الذي قيل: إن سليمان كان يجلس عليه وهو وحاشيته فيطير بهم إلى الشام في فترة وجيزة. وهي مسافة كانت تقطع في شهر على الجمال. ثم يعود كذلك.. وتستند هذه الرواية إلى ما ورد في سورة "سبأ" من قوله: {أية : ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر }.. تفسير : ولكن القرآن لم يذكر شيئاً عن بساط الريح ذاك؛ ولم يرد ذكره كذلك في أي أثر مستيقن. فليس لنا ما نستند عليه لنقرر مسألة البساط. والأسلم إذن أن نفسر تسخير الريح بتوجيهها ـ بأمر الله ـ إلى الأرض المباركة في دورة تستغرق شهراً طرداً وعكساً.. كيف؟ لقد قلنا: إن القدرة الإلهية الطليقة لا تسأل كيف؟ فخلق النواميس وتوجيهها هو من اختصاص تلك القدرة الطليقة. والمعلوم للبشر من نواميس الوجود قليل. ولا يمتنع أن تكون هناك نواميس أخرى خفية على البشر تعمل، وتظهر آثارها عندما يؤذن لها بالظهور: {وكنا بكل شيء عالمين}.. العلم المطلق لا كعلم البشر المحدود. وكذلك تسخير الجن لسليمان ـ عليه السلام ـ ليغوصوا في أعماق البحر أو أعماق اليابسة. ويستخرجوا كنوزها المخبوءة لسليمان؛ أو ليعملوا له أعمالاً غير هذا وذاك.. فالجن كل ما خفي. وقد قررت النصوص القرآنية أن هناك خلقاً يسمون الجن خافين علينا، فمن هؤلاء سخر الله لسليمان من يغوصون له ويعملون عملاً دون ذلك. وحفظهم فلا يهربون ولا يفسدون ولا يخرجون على طاعة عبده. وهو القاهر فوق عباده يسخرهم حين يشاء كيف يشاء. وعند هذا الحد المأمون نقف في ظلال النصوص. فلا نسبح في الإسرائيليات. لقد ابتلى الله داود وسليمان ـ عليهما السلام ـ بالسراء. وفتنتهما في هذه النعمة. فتن داود في القضاء. وفتن سليمان بالخيل الصافنات ـ كما سيأتي في سورة ص ـ فلا نتعرض هنا لتفصيلات الفتنة حتى يأتي ذكرها في موضعها. إنما نخلص إلى نتائجها.. لقد صبر داود، وصبر سليمان للابتلاء بالنعمة ـ بعد الاستغفار من الفتنة ـ واجتازا الامتحان في النهاية بسلام؛ فكانا شاكرين لنعمة الله. والآن نجيء إلى الابتلاء بالضراء في قصة أيوب عليه السلام: {وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر، وأنت أرحم الراحمين. فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر، وآتيناه أهله ومثلهم معهم، رحمة من عندنا وذكرى للعابدين}.. وقصة ابتلاء أيوب من أروع قصص الابتلاء. والنصوص القرآنية تشير إلى مجملها دون تفصيل. وهي في هذا الموضع تعرض دعاء أيوب واستجابة الله للدعاء. لأن السياق سياق رحمة الله بأنبيائه، ورعايته لهم في الابتلاء. سواء كان الابتلاء بتكذيب قومهم لهم وإيذائهم، كما في قصص إبراهيم ولوط ونوح. أو بالنعمة في قصة داود وسليمان. أو بالضر كما في حال أيوب.. وأيوب هنا في دعائه لا يزيد على وصف حاله: {أني مسني الضر}.. ووصف ربه بصفته: {وأنت أرحم الراحمين}. ثم لا يدعو بتغيير حاله، صبراً على بلائه، ولا يقترح شيئاً على ربه، تأدباً معه وتوقيراً. فهو نموذج للعبد الصابر لا يضيق صدره بالبلاء، ولا يتململ من الضر الذي تضرب به الأمثال في جميع الأعصار. بل إنه ليتحرج أن يطلب إلى ربه رفع البلاء عنه، فيدع الأمر كله إليه، اطمئناناً إلى علمه بالحال وغناه عن السؤال. وفي اللحظة التي توجه فيها أيوب إلى ربه بهذه الثقة وبذلك الأدب كانت الاستجابة، وكانت الرحمة، وكانت نهاية الابتلاء: {فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر، وآتيناه أهله ومثلهم معهم}.. رفع عنه الضر في بدنه فإذا هو معافى صحيح. ورفع عنه الضر في أهله فعوضه عمن فقد منهم، ورزقه مثلهم. وقيل هم أبناؤه فوهب الله له مثليهم. أو أنه وهب له أبناء وأحفاداً. {رحمة من عندنا} فكل نعمة فهي رحمة من عند الله ومنة. {وذكرى للعابدين}. تذكرهم بالله وبلائه، ورحمته في البلاء وبعد البلاء. وإن في بلاء أيوب لمثلاً للبشرية كلها؛ وإن في صبر أيوب لعبرة للبشرية كلها. وإنه لأفق للصبر والأدب وحسن العاقبة تتطلع إليه الأبصار. والإشارة {للعابدين} بمناسبة البلاء إشارة لها مغزاها. فالعابدون معرضون للابتلاء والبلاء. وتلك تكاليف العبادة وتكاليف العقيدة وتكاليف الإيمان. والأمر جد لا لعب. والعقيدة أمانة لا تسلم إلا للأمناء القادرين عليها، المستعدين لتكاليفها وليست كلمة تقولها الشفاه، ولا دعوى يدعيها من يشاء. ولا بد من الصبر ليجتاز العابدون البلاء.. بعد ذلك يشير السياق مجرد إشارة إلى إسماعيل وإدريس وذي الكفل: {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل. كل من الصابرين. وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين}.. فهو عنصر الصبر كذلك يشير إليه في قصص هؤلاء الرسل. فأما إسماعيل فقد صبر على ابتلاء ربه له بالذبح فاستسلم لله وقال: {أية : يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين }.. تفسير : وأما إدريس فقد سبق إن زمانه مجهول وكذلك مكانه، وإن هنالك قولاً بأنه، أوزوريس الذي عبده المصريون بعد موته، وصاغوا حوله الأساطير. بوصف المعلم الأول للبشر، الذي علمهم الزراعة والصناعة! ولكننا لا نملك على هذا دليلاً. فلنعلم أنه كان من الصابرين على نحو من أنحاء الصبر يستحق التسجيل في كتاب الله الباقي. وأما ذو الكفل فهو كذلك مجهول لا نملك تحديد زمانه ولا مكانه. والأرجح أنه من أنبياء بني إسرائيل. وقيل: إنه من صالحيهم، وأنه تكفل لأحد أنبيائهم قبل موت هذا النبي، بأن يخلفه في بني إسرائيل على أن يتكفل بثلاث: أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب في القضاء. فوقى بما تكفل به وسمي ذا الكفل لذاك ـ ولكن هذه ليست سوى أقوال لا دليل عليها. والنص القرآني يكفي في هذا الموضع لتسجيل صفة الصبر لذي الكفل. {وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين}.. وهذا هو المقصود بذكرهم في هذا لسياق. ثم تجيء قصة يونس - عليه السلام ـ وهو ذو النون. {وذا النون إذ ذهب مغاضباً. فظن أن لن نقدر عليه. فنادى في الظلمات أن لا إلـه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم. وكذلك ننجـي المؤمنين}.. وقصة يونس تأتي هنا في صورة إشارة سريعة مراعاة للتناسق في السياق، وتفصل في سورة الصافات. ولكن لا بد لنا من بعض التفصيل هنا لهذه الإشارة كي تكون مفهومة. لقد سمي ذا النون ـ أي صاحب الحوت ـ لأن الحوت التقمه ثم نبذه، وقصة ذلك أنه أرسل إلى قرية فدعا أهلها إلى الله فاستعصوا عليه، فضاق بهم صدراً، وغادرهم مغاضباً، ولم يصبر على معاناة الدعوة معهم. ظاناً أن الله لن يضيق عليه الأرض، فهي فسيحة، والقرى كثيرة، والأقوام متعددون. وما دام هؤلاء يستعصون على الدعوة، فسيوجهه الله إلى قوم آخرين. ذلك معنى {فظن أن لن نقدر عليه} أي أن لن نضيق عليه. وقاده غضبه الجامح، وضيقه الخانق، إلى شاطئ البحر، فوجد سفينة مشحونة فركب فيها. حتى إذا كانت في اللجة ثقلت، وقال ربانها: إنه لا بد من إلقاء أحد ركابها في البحر لينجو سائر من فيها من الغرق. فساهموا فجاء السهم على يونس، فألقوه أو ألقى هو بنفسه. فالتقمه الحوت، مضيقاً عليه أشد الضيق! فلما كان في الظلمات: ظلمة جوف الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل نادى: {أن لا إلـه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}. فاستجاب الله دعاءه، ونجاه من الغم الذي هو فيه. ولفظه الحوت على الساحل. ثم كان من أمره ما يفصله في سورة الصافات. فحسبنا هذا في هذا السياق. إن في هذه الحلقة من قصة يونس ـ عليه السلام ـ لفتات ولمسات نقف أمامها لحظات. إن يونس لم يصبر على تكاليف الرسالة، فضاق صدراً بالقوم، وألقى عبء الدعوة، وذهب مغاضباً، ضيق الصدر، حرج النفس؛ فاوقعه الله في الضيق الذي تهون إلى جانبيه مضايقات المكذبين. لولا أن ثاب إلى ربه! واعترف بظلمه لنفسه ودعوته وواجبه. لما فرج الله عنه هذا الضيق. ولكنها القدرة حفظته ونجته من الغم الذي يعانيه. وأصحاب الدعوات لا بد أن يحتملوا بتكاليفها، وأن يصبروا على التكذيب بها، والإيذاء من أجلها. وتكذيب الصادق الواثق مرير على النفس حقاً. ولكنه بعض تكاليف الرسالة. فلا بد لمن يكلفون حمل الدعوات أن يصبروا ويحتملوا، ولا بد أن يثابروا ويثبتوا. ولا بد أن يكرروا الدعوة ويبدئوا فيها ويعيدوا. إنهم لا يجوز لهم أن ييأسوا من صلاح النفوس واستجابة القلوب، مهما واجهوا من إنكار وتكذيب، ومن عتو وجحود. فإذا كانت المرة المائة لم تصل إلى القلوب، فقد تصل المرة الواحدة بعد المائة.. وقد تصل المرة الواحدة بعد الألف.. ولو صبروا هذه المرة وحاولوا ولم يقنطوا لتفتحت لهم أرصاد القلوب! إن طريق الدعوات ليس هيناً ليناً. واستجابة النفوس للدعوات ليست قريبة يسيرة. فهناك ركام من الباطل والضلال والتقاليد والعادات، والنظم والأوضاع، يجثم على القلوب. ولا بد من إزالة هذا الركام. ولا بد من استحياء القلوب بكل وسيلة. ولا بد من لمس جيمع المراكز الحساسة. ومن محاولة العثور على العصب الموصل.. وإحدى اللمسات ستصادف مع المثابرة والصبر والرجاء. ولمسة واحدة قد تحول الكائن البشري تحويلاً تاماً في لحظة متى أصابت اللمسة موضعها. وإن الإنسان ليدهش أحياناً وهو يحاول ألف محاولة، ثم إذا لمسة عابرة تصيب موضعها في الجهاز البشري فينتفض كله بأيسر مجهود، وقد أعيا من قبل على كل الجهود! وأقرب ما يحضرني للتمثيل لهذه الحالة جهاز الاستقبال عند البحث عن محطة إرسال.. إنك لتحرك المشير مرات كثيرة ذهاباً وإياباً فتخطئ المحطة وأنت تدقق وتصوب. ثم إذا حركة عابرة من يدك. فتتصل الموجة وتنطلق الأصداء والأنغام! إن القلب البشري هو أقرب ما يكون إلى جهاز الاستقبال. وأصحاب الدعوات لا بد ان يحاولوا تحريك المشير ليتلقى القلب من وراء الأفق. ولمسة واحدة بعد الف لمسة قد تصله بمصدر الإرسال! إنه من السهل على صاحب الدعوة أن يغضب لأن الناس لا يستجيبون لدعوته، فيهجر الناس.. إنه عمل مريح، قد يفثأ الغضب، ويهدئ الأعصاب.. ولكن أين هي الدعوة؟ وما الذي عاد عليها من هجران المكذبين المعارضين؟! إن الدعوة هي الأصل لا شخص الداعية! فليضق صدره. ولكن ليكظم ويمض. وخير له أن يصبر فلا يضيق صدره بما يقولون! إن الداعية أداة في يد القدرة. والله أرعى لدعوته وأحفظ. فليؤد هو واجبه في كل ظرف، وفي كل جو، والبقية على الله. والهدى هدى الله. وإن في قصة ذي النون لدرساً لأصحاب الدعوات ينبغي أن يتأملوه. وإن في رجعة ذي النون إلى ربه واعترافه بظلمه لعبرة لأصحاب الدعوات ينبغي أن يتدبروها. وإن رحمة الله لذي النون واستجابة دعائه المنيب في الظلمات لبشرى للمؤمنين: {كذلك ننجي المؤمنين}.. ثم إشارة إلى قصة زكريا ويحيى ـ عليهما السلام ـ واستجابة الله لزكريا دعاه: {وزكريآ إذ نادى ربه. رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين. فاستجبنا له، ووهبنا له يحيى، وأصلحنا له زوجه. إنهم كانوا يسارعون في الخيرات، ويدعوننا رغباً ورهباً، وكانوا لنا خاشعين}.. وقصة مولد يحيى سبقت مفصلة في سورة مريم وفي سورة آل عمران. وهي ترد هنا متناسقة مع السياق. فتبدأ بدعاء زكريا: {رب لا تذرني فرداً} بلا عقب يقوم على الهيكل: وكان زكريا قائماً على هيكل العبادة في بني إسرائيل قبل مولد عيسى ـ عليه السلام ـ ولا ينسى زكريا أن الله هو وارث العقيدة ووارث المال: {وأنت خير الوارثين} إنما هو يريد من ذريته من يحسن الخلافة بعده في أهله ودينه وماله. لأن الخلق ستار القدرة في الأرض. وكانت الاستجابة سريعة ومباشرة: {فاستجبنا له، ووهبنا له يحيى. وأصلحنا له زوجه} وكانت عقيماً لا تصلح للنسل.. ويختصر السياق تفصيلات هذا كله ليصل مباشرة إلى استجابة الله للدعاء. {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات}.. فسارع الله في استجابة الدعاء. {ويدعوننا رغباً ورهباً}.. رغبة في الرضوان ورهبة للغضب. فقلوبهم وثيقة الصلة دائمة التطلع. {وكانوا لنا خاشعين}.. لا متكبرين ولا متجبرين.. بهذه الصفات في زكريا وزوجه وابنهما يحيى استحق الوالدان أن ينعم عليهما بالابن الصالح. فكانت أسرة مباركة تستحق رحمة الله ورضاه. أخيراً يذكر مريم بمناسبة ذكر ابنها عليه السلام: {والتي أحصنت فرجها، فنفخنا فيها من روحنا، وجعلناها وابنها آية للعالمين}.. ولا يذكر هنا اسم مريم، لأن المقصود في سلسلة الأنبياء هو ابنها ـ عليه السلام ـ وقد جاءت هي تبعاً له في السياق. إنما يذكر صفتها المتعلقة بولدها: {والتي أحصنت فرجها}. أحصنته فصانته من كل مباشرة. والإحصان يطلق عادة على الزواج بالتبعية، لأن الزواج يحصن من الوقوع في الفاحشة. أما هنا فيذكر في معناه الأصيل، وهو الحفظ والصون أصلاً من كل مباشرة شرعية أو غير شرعية. وذلك تنزيهاً لمريم عن كل ما رماها به اليهود مع يوسف النجار الذي كان معها في خدمة الهيكل. والذي تقول عنه الأناجيل المتداولة، إنه كان قد تزوجها ولكنه لم يدخل بها ولم يقربها. لقد أحصنت فرجها {فنفخنا فيها من روحنا} والنفخ هنا شائع لا يحدد موضعه كما في سورة التحريم ـ وقد سبق الحديث عن هذا الأمر في تفسير سورة مريم ـ ومحافظة على أن نعيش في ظلال النص الذي بين أيدينا فإننا لا نفصل ولا نطول، فنمضي مع النص إلى غايته: {وجعلناها وابنها آية للعالمين}.. وهي آية غير مسبوقة ولا ملحوقة. آية فذه واحدة في تاريخ البشرية جميعاً. ذلك أن المثل الواحد من هذا النوع يكفي لتتأمله البشرية في أجيالها جميعاً؛ وتدرك يد القدرة الطليقة التي تخلق النواميس، ولكنها لا تحتبس داخل النواميس. وفي نهاية الاستعراض الذي شمل نماذج من الرسل، ونماذج من الابتلاء، ونماذج من رحمة الله ـ يعقب بالغرض الشامل من هذا الاستعراض: {إن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون}.. إن هذه أمتكم. أمة الأنبياء. أمة واحدة. تدين بعقيدة واحدة. وتنهج نهجاً واحداً. وهو الاتجاه إلى الله دون سواه. أمة واحدة في الأرض، ورب واحد في السماء. لا إله غيره ولا معبود إلا إياه. أمة واحدة وفق سنة واحدة، تشهد بالإرادة الواحدة في الأرض والسماء. وهنا يلتقي هذا الاستعراض بالمحور الذي تدور عليه السورة كلها؛ وتشترك في تقرير عقيدة التوحيد، تشهد بها مع سنن الكون وناموس الوجود..
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : بل قالوا أضغاث أحلام} تفسير : [الأنبياء: 5] إلى قوله تعالى: {أية : فليأتنا بآية كما أرسل الأولون}تفسير : [الأنبياء: 5] لإقامة الحجة على المشركين بالدلائل العقلية والإقناعية والزجرية، ثم بدلائل شواهد التاريخ وأحوال الأمم السابقة الشاهدة بتنظير ما أوتيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بما أوتيه سلفه من الرسل والأنبياء، وأنه ما كان بِدْعاً من الرسل في دعوته إلى التوحيد تلك الدعوة التي كذبه المشركون لأجلها مع ما تخلل ذلك من ذكر عناد الأقوام، وثبات الأقدام، والتأييد من الملك العلاّم، وفي ذلك تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - على ما يلاقيه من قومه بأن تلك سنة الرسل السابقين كما قال تعالى: {أية : سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا} تفسير : في سورة [الإسراء: 77]. فجاء في هذه الآيات بأخبار من أحوال الرسل المتقدمين. وفي سَوق أخبار هؤلاء الرسل والأنبياء تفصيل أيضاً لما بُنيت عليه السورة من قوله تعالى: {أية : وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً يوحى إليهم}تفسير : [الأنبياء: 7] الآيات، ثم قوله تعالى:{أية : وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}تفسير : [الأنبياء: 25]، ثم قوله تعالى: {أية : قل إنما أنذركم بالوحي}تفسير : [الأنبياء: 45]. واتصالها بجميع ذلك اتصال محكم ولذلك أعقبت بقوله تعالى: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون}. وابتدىء بذكر موسى وأخيه مع قومهما لأن أخبار ذلك مسطورة في كتاب موجود عند أهله يعرفهم العرب ولأن أثر إتيان موسى - عليه السلام - بالشريعة هو أوسع أثر لإقامة نظام أمة يلي عظمة شريعة الإسلام. وافتتاح القصة بلام القسم المفيدة للتأكيد لتنزيل المشركين في جهل بعضهم بذلك وذهول بعضهم عنه وتناسي بعضهم إياه منزلة من ينكر تلك القصة. ومحل التنظير في هذه القصة هو تأييد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بكتاب مبين وتلقي القوم ذلك الكتاب بالإعراض والتكذيب. والفُرقَان: ما يُفرّق به بين الحق والباطل من كلام أو فعل. وقد سمى الله تعالى يوم بدر يوم الفرقان لأن فيه كان مبدأ ظهور قوة المسلمين ونصرهم. فيجوز أن يراد بالفرقان التوراة كقوله تعالى: {أية : وآتيناهما الكتاب المستبين} تفسير : في [سورة الصافات: 117]. والإخبار عن الفرقان بإسناد إيتائه إلى ضمير الجلالة للتنبيه على أنه لم يَعْد كونَه إيتاء من الله تعالى ووحياً كما أوتي محمد - عليه الصلاة والسلام - القرآن فكيف ينكرون إيتاء القرآن وهم يعلمون أن موسى - عليه السلام - ما جاء إلا بمثله. وفيه تنبيه على جلالة ذلك المُوتَى. ويجوز أن يراد بالفرقان المعجزات الفارقة بين المعجزة والسحر كقوله تعالى: {أية : ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين}تفسير : في [سورة غافر: 23]. ويجوز أن يراد به الشريعة الفارقة بين العدل والجور كقوله تعالى: {أية : وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } تفسير : في [سورة البقرة: 53]. وعلى الاحتمالات المذكورة تجيء احتمالات في قوله تعالى الآتي: {وضياء وذكراً للمتقين}. وليس يلزم أن تكون بعض هذه الصفات قسيماً لبعض بل هي صفات متداخلة، فمجموع ما أوتيه موسى وهارون تتحقق فيه هذه الصفات الثلاث. والضياء: النور. يستعمل مجازاً في الهدى والعلم، وهو استعمال كثير، وهو المراد هنا وقد قال تعالى: {أية : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور}تفسير : في [سورة المائدة: 44]. والذكر أصله: خطور شيء بالبال بعد غفلة عنه. ويطلق على الكتاب الذي فيه ذكر الله، فقوله تعالى {للمتقين} يجوز أن يكون الكلام فيه للتقوية فيكون المجرور باللام في معنى المفعول، أي الذين اتصفوا بتقوى الله، أي امتثال أوامره واجتناب ما نهى عنه، لأنه يذكرهم بما يجهلون وبما يذهلون عنه مما علموه ويجدد في نفوسهم مراقبة ربّهم. ويجوز أن يكون اللام للعلة، أي ذكر لأجل المتقين، أي كتاب ينتفع بما فيه المتقون دون غيرهم من الضالين. ووصفهم بما يزيد معنى المتقين بياناً بقوله تعالى: {الذين يخشون ربهم بالغيب} وهو على نحو قوله تعالى: {أية : هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} تفسير : في [سورة البقرة: 2ــــ3]. والباء في قوله تعالى {بالغيب} بمعنى (في). والغيب: ما غاب عن عيون الناس، أي يخشون ربهم في خاصتهم لا يريدون بذلك رياء ولا لأجل خوف الزواجر الدنيوية والمذمة من الناس. والإشفاق: رجاء حادث مخوف. ومعنى الإشفاق من الساعة: الإشفاق من أهوالها، فهم يعدُّون لها عُدَّتها بالتقوى بقدر الاستطاعة. وفيه تعريض بالذين لم يهتدوا بكتاب الله تعالى بدلالة مفهوم المخالفة لقوله تعالى: {الذين يخشون ربهم بالغيب}. فمن لم يهتد بكتاب الله فليس هو من الذين يخشون ربهم بالغيب، وهؤلاء هم فرعون وقومه. وقد عقب هذا التعريض بذكر المقصود من سوق الكلام الناشىء هو عنه، وهو المقابلة بقوله تعالى: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون}. واسم الإشارة يشير إلى القرآن لأن حضوره في الأذهان وفي التلاوة بمنزلة حضور ذاته. ووصفه القرآن بأنه ذكر لأن لفظ الذكر جامع لجميع الأوصاف المتقدمة كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} تفسير : في [سورة النحل: 44]. ووصف القرآن بالمبارك يعمّ نواحي الخير كلها لأن البركة زيادة الخير؛ فالقرآن كلّه خير من جهة بلاغة ألفاظه وحسنها وسرعة حفظه وسهولة تلاوته، وهو أيضاً خير لما اشتمل عليه من أفنان الكلام والحكمة والشريعة واللطائف البلاغية، وهو في ذلك كله آية على صدق الذي جاء به لأن البشر عجزوا عن الإتيان بمثله وتحدّاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فما استطاعوا. وبذلك اهتدت به أمم كثيرة في جميع الأزمان، وانتفع به مَن آمنوا به وفريق ممن حرموا الإيمان. فكان وصفه بأنه مبارك وافياً على وصف كتاب موسى - عليه السلام - بأنه فرقان وضياء. وزاده تشريفاً بإسناد إنزاله إلى ضمير الجَلالة. وجُعل الوحي إلى الرسول إنزالاً لما يقتضيه الإنزال من رفعة القدر إذْ اعتبر مستقِرّاً في العالم العلوي حتى أنزل إلى هذا العالم. وفُرّع على هذه الأوصاف العظيمة استفهام توبيخي تعجيبي من إنكارهم صدق هذا الكتاب ومن استمرارهم على ذلك الإنكار بقوله تعالى: {أفأنتم له منكرون}. ولكون إنكارهم صدقه حاصلاً منهم في حال الخطاب جيء بالجملة الاسمية ليتأتى جعل المسند اسماً دالاً على الاتّصاف في زمن الحال وجَعْل الجملة دالة على الثبات في الوصف وفاءً بحق بلاغة النظم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 48- ولقد أعطينا موسى وهارون التوراة التى تفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وهى إلى ذلك نور يهدى إلى طرق الخير والرشاد، وتذكير ينتفع به المتقون. 49- الذين يخافون خالقهم ومالك أمرهم - حال بُعْد الناس عنهم - لا يراءون أحداً، وهم من أهوال يوم القيامة فى خوف دائم. 50- وهذا القرآن تذكير كثير للخير، أنزلناه لكم كما أنزلنا الذكر على موسى، فكيف يكون منكم إنكاره وأنتم أولى الناس بالإيمان به؟! 51- ولقد أعطينا إبراهيم الرشد والتفكير فى طلب الحق مخلصاً من قبل موسى وهارون، وكنا بأحواله وفضائله التى تؤهله لحمل الرسالة عالمين. 52- واذكر - أيها النبى - حين قال إبراهيم لأبيه وقومه مستخِفّاً بالأصنام التى كانوا يعظمونها ويعكفون على عبادتها: ما هذه التماثيل التى أنتم مقيمون على عبادتها؟ 53- قالوا: وجدنا آباءنا يعظمونها ويخصونها بعبادتهم، فاتَّبعناهم. 54- قال: لقد كنتم فى هذه العبادة وكان آباؤكم من قبلكم فى بُعْدٍ واضحٍ عن الحق. 55- قالوا: أجئتنا فى هذا الذى تقوله بما تعتقد أنه الحق، أم أنت بهذا الكلام من الذين يلهون ويلعبون غير متحملين أى تبعة؟
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الفرقان: التوراة لأنها فارقة بين الحق والباطل كالقرآن. وضياء: أي يهدي إلى الحق في العقائد والشرائع. وذكراً: أي موعظة. يخشون ربهم بالغيب: أي يخافون ربهم وهم لا يرونه في الدنيا فلا يعصونه بترك واجب ولا بفعل حرام. وهم من الساعة مشفقون: أي وهم من أهوال يوم القيامة وعذابه خائفون. وهذا ذكر مبارك: أي القرآن الكريم تنال بركته قارئه والعامل به. أفأنتم له منكرون: الاستفهام للتوبيخ يوبخ تعالى من أنكر أن القرآن كتاب الله. معنى الآيات: يخبر تعالى أنه آتى موسى وهارون الفرقان أي الحق الذي فرق بين حق موسى وهارون وبين باطل فرعون، كما فرق بين التوحيد والشرك يوم بدر يوم الفرقان وآتاهما التوراة ضياء يستضاء بها في معرفة الحلال والحرام والشرائع والأحكام وذكراً أي موعظة للمتقين، ووصف المتقين بصفتين: الأولى أنهم يخشون ربهم أي يخافونه بالغيب أي وهم لا يرونه والثانية: أنهم مشفقون من الساعة أي مما يقع فيها من أهوال وعذاب وقوله تعالى: {وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ} يشير إلى القرآن الكريم ويصفه بالبركة فبركته لا ترفع فكل من قرأه وعمل بما فيه نالته بركته قراءة الحرف الواحد منه بعشر حسنات لا تنقضي عجائبه ولاتكتنه أسراره ولا تكتشف كل حقائقه، هدى لمن استهدى، وشفاء لمن استشفى وقوله تعالى: {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} يوبخ به العرب الذين آمنوا بكتاب اليهود إذ كانوا يسألونهم عما في كتابهم، وكفروا بالقرآن الذي هو كتابهم فيه ذكرهم وشرفهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إظهار منة الله تعالى على موسى وقومه ومحمد وأمته بإنزال التوراة على موسى والقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم. 2- بيان صفات المتقين وهم الذين يخشون ربهم بالغيب فلا يعصونه بترك واجب ولا بفعل محرم: وهم دائما في اشفاق وخوف من يوم القيامة. 3- الإشادة بالقرآن الكريم حيث أنزله تعالى مباركاً. 4- توبيخ وتقريع من يفكر بالقرآن وينكر ما فيه من الهدى والنور.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَا} {وَهَارُونَ} (48) - يَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ أَنْزَلَ علَى مُوسَى وَهَارُونَ التَّوْرَاةَ (الفُرْقَانَ)، وَهِيَ، كَالْكُتُبِ المَنَزَّلَةِ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى، تَفْرِقُ بَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ، وَبَيْنَ الهُدَى والضَّلاَلِ، وَفِيهَا نُورٌ لِلقُلُوبِ، وَتَذْكِيرٌ وَعِظَةٌ لِمَنْ يَتَّقُونَ رَبَّهُمُ وَيَخْشَوْنَ عَذَابَ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يريد الحق - تبارك وتعالى - أن يُسلِّي رسوله صلى الله عليه وسلم ويُخفِّف عنه مَا لاقاه من قومه، فيذكر له نماذج من إخوانه أُولِي العزم من الرسل الذين اضطهدهم أقوامهم، وآذوهم ليُسهِّل على رسول الله مهمته، فلا يصده إيذاء قومه عن غايته نحو ربه. فبدأ بموسى - عليه السلام - لأنه من أكثر الرسل الذين تعبوا في دعوتهم، فقد تعب موسى مع المؤمنين به فضلاً عن الكافرين به، فقال سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ ..} [الأنبياء: 48] لأن رسالتهما واحدة، وهم فيها شركاء: {أية : وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً ..} تفسير : [القصص: 34] وقال: {أية : ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي} تفسير : [طه: 31-32]. والفرقان: هو الفارق القوي بين شيئين؛ لأن الزيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى، كما تقول: غفر الله لفلان غفراناً، وتقول: قرأت قراءة، وقرأت قرآناً، فليست القراءة واحدة، ولا كل كتاب يُقرأ. والفرقان من أسماء القرآن: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1]. فالفرقان - إذن - مصدر يدلُّ على المبالغة، تقول: فرَّق تفريقاً وفرقاناً، فزيادة الألف والنون تدل على زيادة في المعنى، وأن الفَرْق في هذه المسألة فَرْق جليل وفَرْق واضح؛ لأن كونك تُفرِّق بين شيئين الأمر بينهما هَيِّن تسمى هذا فَرْقاً، أمّا أن تفرق بين شيئين يترتب على ذلك خطورة في تكوين المجتمع وخطورة في حركة الحياة، فهذا فرقان؛ لذلك سَمَّى القرآن فرقاناً؛ لأنه يُفرِّق بين الحق والباطل. ومن الفرقان، قوله تعالى: {أية : يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ..} تفسير : [الأنفال: 29] وتقوى الله لا تكون إلا بتنفيذ أوامره وتعاليمه الواردة في القرآن الذي نزل على محمد، والفرقان هنا يعني: نور تُفَرِّق به بين الأشياء وتُميِّز به بين المتشابهات. وعلى قَدْر ما تتقي الله باتباع الفرقان الأول يجعل لكم الفرقان الثاني، وتتكوَّن لديكم فراسة المؤمن وبصيرته، وتنزل عليكم الإشراقات التي تُسعِف المؤمن عندما يقع في مأزق. ألاَ تراهم يقولون: فلان ذكي، فلان حاضر البديهة. أي: يستحضر الأشياء البعيدة وينتفع بها في الوقت الحاضر، وهذا من توفيق الله له، ونتيجة لبصيرته وفراسته، وكانت العرب تضرب المثل في الفراسة والذكاء بإياس بن معاوية حتى قال الشاعر: شعر : إقْدامُ عَمْروٍ في سَمَاحَةِ حَاتِمِ في حِلْمِ أَحنَفَ في ذَكَاءِ إيَاسِ تفسير : ويُرْوَى أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور لما أراد أنْ يحج بيت الله في آخر مرة، بلغه أن سفيان الثوري يتناوله وينتقده ويتهمه بالجور، فقال: سوف أحج هذا العام، وأريد أنْ أراه مصلوباً في مكة، فبلغ الخبر أهل مكة، وكان سفيان الثوري يقيم بها في جماعة من أصحابه من المتصوفة وأهل الإيمان، منهم سفيان بن عيينة والفضيل بن عياض، وكانا يُدلِّلان الثوري ويعتزان به. وفي يوم كان الثلاثة في المسجد والثوري مُسْتَلْقٍ بين صاحبيه يضع رأسه في حِجْر أحدهما، ورِجلْيهْ في حِجْر الآخر، وقد بلغهم خبر المنصور ومقالته، فتوسل ابنُ عيينة والفضيل للشيخ الثوري: يا سفيان لا تفضحنا واختفِ حتى لا يراك، فلو تمكَّن منك المنصور ونفذ فيك تهديده فسوف يَضعف اعتقاد الناس في المنسوبين إلى الله. وهنا يقول الثوري: والذي نفسي بيده لن يدخلها، وفعلاً دخل المنصور مكة من ناحية الحجون، فعثرت به الدابة، وهو على مشارف مكة فوقع وأُصيب بكسر فمات لساعته. ودخل المنصور مكة محمولاً وأتَوْا به إلى المسجد الحرام حيث صلى عليه الثوري. هذا هو الفرقان والنور والبصيرة وفراسة المؤمن الذي يرى بنور الله، ولا يصدر في أمر من أموره إلا على هَدْيه. ويُروى أن المهدي الخليفة العباسي أيضاً دخل الكعبة، فوجد صبياً صغيراً في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمره يلتف حوله أربعمائة شيخ كبير من أصحاب اللحى والهَيْبة والوقار، والصبي يُلْقِي عليهم درساً، فتعجب المهدي وقال: أُفٍّ لهذه السعانين يعني الذقون، أمَا كان فيهم مَنْ يتقدم؟! ثم دنا من الصبي يريد أن يُقرِّعه ويؤنِّبه فقال له: كم سِنّك يا غلام؟ فقال الصبي: سني سِنُّ أسامة بن زيد حينما ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إمارة جيش فيه أبو بكر وفيه عمر، فقال له المهدي - معترفاً بذكائه وأحقيته لهذا الموقف: بارك الله فيك. فالفرقان - إذن - لا تُستعمل إلا للأمور الجليلة العظيمة، سواء ما نزل على موسى، أو ما نزل على محمد، إلا أن الفرقان أصبح عَلَماً على القرآن، فهناك فَرْق بين العلم والوصف، فكل ما يُفرِّق بين حَقٍّ وباطل تصفه بأنه فرقانٌ، أمّا إنْ سُمِّي به ينصرف إلى القرآن. والمتأمل في مادة (فَرَق) في القرآن يجد أن لها دوراً في قصة موسى عليه السلام، فأول آية من آياته: {أية : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ ..} تفسير : [البقرة: 50]. والفَرْق أنْ تفصل بين شيء مُتصل مع اختلاف هذا الشيء، وفي علم الحساب يقولون: الخَلْط والمزج، ففَرْق بين أن تفصل بين أشياء مخلوطة مثل برتقال وتفاح وعنب، وبين أنْ تفصلها وهي مزيج من العصير، تداخل حتى صار شيئاً واحداً. إذن: ففَرْق البحر لموسى - عليه السلام - ليس فَرْقاً بل فرقاناً، لأن أعظم ألوان الفروق أن تَفرِق السائل إلى فِرْقيْن، كل فِرق كالطود العظيم، ومَنْ يقدر على هذه المسألة إلا الله؟ ثم يقول تعالى: {وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء: 48] أي: نوراً يهدي الناس إلى مسالك حياتهم دون عَطَب، وإلاَّ فكيف يسيرون في دروب الحياة؟ فلو سار الإنسان على غير هدى فإمّا أنْ يصطدم بأقوى منه فيتحطم هو، وإمّا أن يصطدم بأضعف منه فيحطمه، فالضياء - إذن - هام وضروري في مسيرة الإنسان، وبه يهتدي لحركة الحياة الآمنة ويسعى على بينة، فلا يَتْعب، ولا يُتعِب الآخرين. {وَذِكْراً ..} [الأنبياء: 48] أي: يذكِّر ويُنبِّه الغافلين، فلو تراكمتْ الغفلات تكوَّنَ الران الذي يحجب الرؤية ويُعمِي البصيرة، لذلك لما شبه النبي صلى الله عليه وسلم غفلة الناس قال: "حديث : تُعْرَض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً عُوداً ". تفسير : وفي رواية "عوذاً عوذاً" أي يستعيذ بالله أن يحدث هذا لمؤمن، فهل رأيتَ صانع الحصير حينما يضمُّ عُوداً إلى عُود حتى يُكوِّن الحصير؟ كذلك تُعرَض علينا الفتن، فإنْ جاء التذكير في البداية أزال ما عندك من الغفلة فلا تتراكم عليك الغفلات. "فأيُّما قلب أُشْرِبها - يعني قَبلَها - العود تلو العود - نُكتَتْ فيه نكتة سوداء، وأيُّما قلب أنكرها نُكتَتْ فيه نكتة بيضاء، حتى تكون على قلبين - صدق رسول الله - على أبيض مثل الصفا لا تضرُّه فتنة، ما دامت السماوات والأرض. أو على أسود كالكوز مُجَخِّياً - يعني منكُوساً - لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً". قالوا: فذلك هو الرَّانُ الذي يقول الله فيه: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [المطففين: 14] والذكر هو الذي يُجلِّي هذا الران. {وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء: 48] ومن صفاتهم أنهم: {ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ} [الآية: 48]. قال: الفرقان هذا، الكتاب. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ} [الآية: 51]. يقول: هديناه صغيراً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ} [الآية: 52]. يعني: الأَصنام. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} [الآية: 57]. قال: هذا قول إِبراهيم حين استتبعه / 46و / قومه إِلى عيدهم فقال لهم:{أية : إِنِّي سَقِيمٌ}تفسير : [الصافات: 89] فسمع وعيده لأَصنامهم رجل منهم استأخر، وهو الذي قال: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الآية: 60]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً} [الآية: 58]. يعني: كالصريم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا} [الآية: 63]. قال: جعل إِبراهيم، عليه السلام، الفأْس التي أَهلك بها أَصنامهم مسندة إِلى صدر كبيرهم، الذي تركه ولم يكسره. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {نَافِلَةً} [الآية: 72]. قال: عطية.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ} معناه التَّوراةُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : كثيرا ما يجمع تعالى، بين هذين الكتابين الجليلين، اللذين لم يطرق العالم أفضل منهما، ولا أعظم ذكرا، ولا أبرك، ولا أعظم هدى وبيانا، [وهما التوراة والقرآن] فأخبر أنه آتى موسى أصلا وهارون تبعا { الْفُرْقَانَ } وهي التوراة الفارقة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وأنها { ضِيَاءً } أي: نور يهتدي به المهتدون، ويأتم به السالكون، وتعرف به الأحكام، ويميز به بين الحلال والحرام، وينير في ظلمة الجهل والبدع والغواية، { وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ } يتذكرون به، ما ينفعهم، وما يضرهم، ويتذكر به الخير والشر، وخص { المتقين } بالذكر، لأنهم المنتفعون بذلك، علما وعملا. ثم فسر المتقين فقال: { الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ } أي: يخشونه في حال غيبتهم، وعدم مشاهدة الناس لهم، فمع المشاهدة أولى، فيتورعون عما حرم، ويقومون بما ألزم، { وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ } أي: خائفون وجلون، لكمال معرفتهم بربهم، فجمعوا بين الإحسان والخوف، والعطف هنا من باب عطف الصفات المتغايرات، الواردة على شيء واحد وموصوف واحد. { وَهَذَا } أي: القرآن { ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزلْنَاهُ } فوصفه بوصفين جليلين، كونه ذكرا يتذكر به جميع المطالب، من معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن صفات الرسل والأولياء وأحوالهم، ومن أحكام الشرع من العبادات والمعاملات وغيرها، ومن أحكام الجزاء والجنة والنار، فيتذكر به المسائل والدلائل العقلية والنقلية، وسماه ذكرا، لأنه يذكر ما ركزه الله في العقول والفطر، من التصديق بالأخبار الصادقة، والأمر بالحسن عقلا والنهي عن القبيح عقلا وكونه { مباركا } يقتضي كثرة خيراته ونمائها وزيادتها، ولا شيء أعظم بركة من هذا القرآن، فإن كل خير ونعمة، وزيادة دينية أو دنيوية، أو أخروية، فإنها بسببه، وأثر عن العمل به، فإذا كان ذكرا مباركا، وجب تلقيه بالقبول والانقياد، والتسليم، وشكر الله على هذه المنحة الجليلة، والقيام بها، واستخراج بركته، بتعلم ألفاظه ومعانيه، وأما مقابلته بضد هذه الحالة، من الإعراض عنه، والإضراب عنه، صفحا وإنكاره، وعدم الإيمان به فهذا من أعظم الكفر وأشد الجهل والظلم، ولهذا أنكر تعالى على من أنكره فقال: { أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ }.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 639 : 14 : 38 - سفين عن مجاهد {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ} قال، فرق بين الحق والضلالة [الآية 48].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):