Verse. 2534 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

وَلَـقَدْ اٰتَيْنَاۗ اِبْرٰہِيْمَ رُشْدَہٗ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِہٖ عٰلِمِيْنَ۝۵۱ۚ
Walaqad atayna ibraheema rushdahu min qablu wakunna bihi AAalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل» أي هداه قبل بلوغه «وكنا به عالمين» بأنه أهل لذلك.

51

Tafseer

الرازي

تفسير : (القصة الثانية، (قصة) إبراهيم عليه السلام) اعلم أن قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرٰهِيمَ رُشْدَهُ } فيه مسائل: المسألة الأولى: في الرشد قولان: الأول: أنه النبوة واحتجوا عليه بقوله: {وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ } قالوا: لأنه تعالى إنما يخص بالنبوة من يعلم من حاله أنه في المستقبل يقوم بحقها ويجتنب ما لا يليق بها ويحترز عما ينفر قومه من القبول. والثاني: أنه الاهتداء لوجوه الصلاح في الدين والدنيا قال تعالى: {فَإِنْ آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} وفيه قول ثالث وهو أن تدخل النبوة والاهتداء تحت الرشد إذ لا يجوز أن يبعث نبي إلا وقد دله الله تعالى على ذاته وصفاته ودله أيضاً على مصالح نفسه ومصالح قومه وكل ذلك من الرشد. المسألة الثانية: احتج أصحابنا في أن الإيمان مخلوق لله تعالى بهذه الآية فإنه لو كان الرشد هو التوفيق والبيان فقد فعل الله تعالى ذلك بالكفار فيجب أن يكون قد آتاهم رشدهم. أجاب الكعبي: بأن هذا يقال فيمن قبل لا فيمن رد، وذلك كمن أعطى المال لولدين فقبله أحدهما وثمره ورده الآخر أو أخذه ثم ضيعه. فيقال: أغنى فلان ابنه فيمن أثمر المال، ولا يقال مثله فيمن ضيع. والجواب عنه: هذا الجواب لا يتم إلا إذا جعلنا قبوله جزءاً من مسمى الرشد وذلك باطل، لأن المسمى إذا كان مركباً من جزأين ولا يكون أحدهما مقدور الفاعل لم يجز إضافة ذلك المسمى إلى ذلك الفاعل فكان يلزم أن لا يجوز إضافة الرشد إلى الله تعالى بالمفعولية لكن النص وهو قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرٰهِيمَ رُشْدَهُ } صريح في أن ذلك الرشد إنما حصل من الله تعالى فبطل ما قالوه. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: قرىء رشده كالعدم والعدم، ومعنى إضافته إليه أنه رشد مثله وأنه رشد له شأن. أما قوله تعالى: {مِن قَبْلُ } ففيه وجوه: أحدها؛ آتينا إبراهيم نبوته واهتداءه من قبل موسى عليه السلام عن ابن عباس وابن جرير. وثانيها: في صغره قبل بلوغه حين كان في السرب وظهرت له الكواكب فاستدل بها. وهذا على قول من حمل الرشد على الاهتداء وإلا لزمه أن يحكم بنبوته عليه السلام قبل البلوغ عن مقاتل. وثالثها: يعني حين كان في صلب آدم عليه السلام حين أخذ الله ميثاق النبيين عن ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الضحاك. أما قوله تعالى: {وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ } فالمراد أنه سبحانه علم منه أحوالاً بديعة وأسراراً عجيبة وصفات قد رضيها حتى أهله لأن يكون خليلاً له، وهذا كقولك في رجل كبير: أنا عالم بفلان فإن هذا الكلام في الدلالة على تعظيمه أدل مما إذا شرحت جلال كماله. أما قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ } فقال صاحب «الكشاف»: إذ إما أن تتعلق بآتينا أو برشده أو بمحذوف أي اذكر من أوقات رشده هذا الوقت. أما قوله: {مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَـٰثِيلُ ٱلَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: التمثال اسم للشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله تعالى، وأصله من مثلت الشيء بالشيء إذا شبهته به واسم ذلك الممثل تمثال. المسألة الثانية: أن القوم كانوا عباد أصنام على صور مخصوصة كصورة الإنسان أو غيره، فجعل عليه السلام هذا القول منه ابتداء كلامه لينظر فيما عساهم يوردونه من شبهة فيبطلها عليهم. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: لم ينو للعاكفين مفعولاً وأجراه مجرى ما لا يتعدى كقولك فاعلون للعكوف أو واقفون لها، قال: فإن قلت هلا قيل عليها عاكفون كقوله: {يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ }؟ قلت: لو قصد التعدية لعداه بصلته التي هي علي. أما قوله: {قَالُواْ وَجَدْنَا ءَابَاءنَا لَهَا عَـٰبِدِينَ } فاعلم أن القوم لم يجدوا في جوابه إلا طريقة التقليد الذي يوجب مزيد النكير لأنهم إذا كانوا على خطأ من أمرهم لم يعصمهم من هذا الخطأ أن آباءهم أيضاً سلكوا هذا الطريق فلا جرم أجابهم إبراهيم عليه السلام بقوله: {لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } فبين أن الباطل لا يصير حقاً بسبب كثرة المتمسكين به، فلما حقق عليه السلام ذلك عليهم ولم يجدوا من كلامه مخلصاً ورأوه ثابتاً على الإنكار قوى القلب فيه وكانوا يستبعدون أن يجري مثل هذا الإنكار عليهم مع كثرتهم وطول العهد بمذهبهم، فعند ذلك قالوا له: {أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللَّـٰعِبِينَ } موهمين بهذا الكلام أنه يبعد أن يقدم على الإنكار عليهم جاداً في ذلك فعنده عدل صلى الله عليه وسلم إلى بيان التوحيد.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} قال الفراء: أي أعطيناه هداه {مِن قَبْلُ} أي من قبل النبوة؛ أي وفقناه للنظر والاستدلال، لما جَنَّ عليه الليل فرأى النجم والشمس والقمر. وقيل: «مِنْ قَبْلُ» أي من قبل موسى وهارون. والرشد على هذا النبوة. وعلى الأول أكثر أهل التفسير؛ كما قال ليحيـى: {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} تفسير : [مريم: 12]. وقال القرظي: رشده صلاحه. {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} أي إنه أهل لإيتاء الرشد وصالح للنبوة. قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ} قيل: المعنى أي اذكر حين قال لأبيه؛ فيكون الكلام قد تم عند قوله: «وكُنَّا بِهِ عَالِمينَ». وقيل: المعنى؛ «وَكُنَّا بِهِ عَالِمينَ إِذْ قَالَ» فيكون الكلام متصلاً ولا يوقف على قوله: «عالمِين». «لأبِيهِ» وهو آزر {وَقَوْمِهِ} نمروذ ومن اتبعه. {مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ} أي الأصنام. والتمثال اسم موضوع للشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله تعالى. يقال: مثّلت الشيء بالشيء أي شبّهته به. واسم ذلك الممثَّل تمثال. {ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} أي مقيمون على عبادتها. {قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } أي نعبدها تقليداً لأسلافنا. {قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } أي في خسران بعبادتها؛ إذ هي جمادات لا تنفع ولا تضر ولا تعلم. {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ} أي أجاءٍ أنت بحقّ فيما تقول؟ {أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ} أي لاعب مازح. {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي لست بلاعب، بل ربكم والقائم بتدبيركم خالق السموات والأرض. {ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ} أي خلقهن وأبدعهن. {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} أي على أنه رب السموات والأرض. والشاهد يبين الحكم، ومنه «شَهِدَ اللَّهُ» بَيَّن الله؛ فالمعنى: وأنا أبيّن بالدليل ما أقول.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرٰهِيمَ رُشْدَهُ } الاهتداء لوجوه الصلاح وإضافته ليدل على أنه رشد مثله وأن له شأناً. وقرىء {رشده} وهو لغة. {مِن قَبْلُ } موسى وهرون أو محمد عليه الصلاة والسلام. وقيل من قبل استنبائه أو بلوغه حيث قال: {أية : إِنّى وَجَّهْتُ } تفسير : [الأنعام: 79] {وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ } علمنا أنه أهل لما آتيناه، أو جامع لمحاسن الأوصاف ومكارم الخصال وفيه إشارة إلى أن فعله سبحانه وتعالى باختيار وحكمة وأنه عالم بالجزئيات.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه آتاه رشده من قبل، أي: من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه، كما قال تعالى: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} تفسير : [الأنعام: 83] وما يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب وهو رضيع، وأنه خرج بعد أيام، فنظر إلى الكوكب والمخلوقات، فتبصر فيها، وما قصه كثير من المفسرين وغيرهم، فعامتها أحاديث بني إسرائيل، فما وافق منها الحق، مما بأيدينا عن المعصوم، قبلناه؛ لموافقته الصحيح، وما خالف شيئاً من ذلك، رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة، لا نصدقه ولا نكذبه، بل نجعله وقفاً، وما كان من هذا الضرب منها، فقد رخص كثير من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه ولا حاصل له مما لا ينتفع به في الدين، ولو كانت فائدته تعود على المكلفين في دينهم، لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة، والذي نسلكه في هذا التفسير الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية؛ لما فيها من تضييع الزمان، ولما اشتمل عليه كثير منها من الكذب المروج عليهم، فإنهم لا تفرقة عندهم بين صحيحها وسقيمها، كما حرره الأئمة الحفاظ المتقنون من هذه الأمة. والمقصود ههنا أن الله تعالى أخبر أنه قد آتى إبراهيم رشده من قبل، أي من قبل ذلك. وقوله: {وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ} أي: وكان أهلاً لذلك، ثم قال: {إِذْ قَالَ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَـٰثِيلُ ٱلَّتِىۤ أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ} هذا هو الرشد الذي أوتيه من صغره الإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله عز وجل، فقال: {مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَـٰثِيلُ ٱلَّتِىۤ أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ} أي: معتكفون على عبادتها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد الصباح، حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا سعيد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال: مر علي رضي الله عنه على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يمس أحدكم جمراً حتى يطفأ خير له من أن يمسها. {قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَـٰبِدِينَ} لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال، ولهذا قال: {لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} أي: الكلام مع آبائكم الذين احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ضلال على غير الطريق المستقيم، فلما سفه أحلامهم، وضلل آباءهم، واحتقر آلهتهم، {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللَّـٰعِبِينَ} يقولون: هذا الكلام الصادر عنك تقوله لاعباً، أم محقاً فيه؟ فإنا لم نسمع به قبلك {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِى فطَرَهُنَّ} أي: ربكم الذي لا إله غيره، وهو الذي خلق السموات والأرض وما حوت من المخلوقات الذي ابتدأ خلقهن، وهو الخالق لجميع الأشياء {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} أي: وأنا أشهد أنه لا إله غيره ولا رب سواه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرٰهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ } أي هداه قبل بلوغه {وَكُنَّا بِهِ عَٰلِمِينَ } أي بأنه أهل لذلك.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ} فيه وجهان: أحدهما: رشْده: النبوة، حكاه ابن عيسى. الثاني: هو أن هداه صغيراً، قاله مجاهد، وقتادة. {مِن قَبْلُ} فيه وجهان: أحدهما: من قبل أن يرسل نبياً. الثاني: من قبل موسى وهارون. {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} فيه وجهان: أحدهما: عالمين أنه أهل لإِيتاء الرشد. الثاني: أنه يصلح للنبوة.

ابن عطية

تفسير : الرشد عام في هدايته إلى رفض الأصنام وفي هدايته في أمر الكوكب والشمس والقمر وغير ذلك من النبوءة فما دونها، وقال بعضهم معناه وفق للخير صغيراً وهذا كله متقارب، و {من قبل} معناه من قبل موسى وهارون، فبهذه الإضافة هو قبل كما هي نسبة نوح منه، قوله {وكنا به عالمين} مدح لـ {إبراهيم} أي بأنه يستحق ما أهل له وهذا نحو قوله تعالى: {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته} تفسير : [الأتعام: 124] والعامل في {إذ} قوله {آتينا} و {التماثيل} الأصنام لأنها كانت على صورة الإنسان من خشب، و"العكوف" الملازمة للشيء وقوله {فطرهن} عبارة عنها كأنها تعقل وهذه من حيث لها طاعة وانقياد وقد وصفت من مواضع بما يوصف به من يعقل، وقوله {تالله لأكيدن} الآية، روي أنه حضرهم عيد لهم فعزم قوم منهم على إبراهيم في حضوره طمعاً منهم أن يستحسن شيئاً من أخبارهم فمشى معهم فلما كان في الطريق أثنى عزمه على التخلف عنهم فقعد وقال لهم إني سقيم فمر به جمهورهم ثم قال في خلوة من نفسه {وتالله لأكيدن أصنامكم} وسمعه قوم من ضعفتهم ممن كان يسير في آخر الناس، وقوله {بعد أن تولوا مدبرين} معناه إلى عيدهم ثم انصرف إبراهيم عليه السلام إلى بيت أصنامهم فدخله ومعه قدوم فوجد الأصنام وقفت أكبرها أول ثم الذي يليه فالذي يليه وقد جعلوا أطعمتهم في ذلك اليوم بين يدي الأصنام تبركاً لينصرفوا من ذلك العيد إلى أكله، فجعل عليه السلام يقطعها بذلك القدوم حتى أفسد أشكالها كلها حاشى الكبير فإنه تركه بحاله وعلق القدوم من يده وخرج عنها، و {جذاذاً} معناه قطعاً صغاراً، والجذ القطع. وقرأ الجمهور "جُذاذاً" بضم الجيم، وقرأ الكسائي وحده بكسرها، وقرأ ابن عباس وأبو نهيك وأبو السمال بفتحها وهي لغات والمعنى واحد، وقوله {فجعلهم} ونحوه معاملة للأصنام بحال من يعقل من حيث كانت تعبد وتنزل منزلة من يعقل، والضمير في {إليه} أظهر ما فيه أنه عائد على {إبراهيم} أي فعل هذا كله توخياً منه أن يعقب ذلك منهم رجعة إليه وإلى شرعه ويحتمل أن يعود الضمير على الكبير المتروك ولكن يضعف ذلك دخول الترجي في الكلام.

ابن عبد السلام

تفسير : {رُشْدَهُ} النبوة، أو هدايته في الصغر {مِن قَبْلُ} إرساله نبياً، أو من قبل: موسى وهارون {عَالِمِينَ} بأهليته للرشد، أو للنبوة.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات {جذاذاً} بكسر الجيم: علي. الآخرون بضمها {اف} بفتح الفاء: ابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب {أف} بالكسر والتنوين: ابو جعفر ونافع وحفص. الباقون بالكسر من غير تنوين {لنحصنكم} بالنون: أبو بكر وحماد ورويس وبالتاء الفوقانية والضمير للصنعة أو للدرع لأنها مؤنثة سماعاً: ابن عامر ويزيد وحفص والمفضل وروح وزيد. الباقون بالياء التحتانية والضمير لداود عليه السلام أو للبوس والكل بتخفيف الصاد والرياح على الجمع: يزيد بطريق المفضل الآخرون على التوحيد. {مسني الضر} و{عبادي الصالحون} في آخر السورة مرسلة الياء: حمزة. الباقون بفتحها {وأن لن} يقدر بالياء مجهولاً: يعقوب {ننجي} بضم النون الواحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء: ابن عامر وعباس وأبو بكر وحماد. الآخرون من الإنجاء مخففاً. الوقوف: {عالمين} ج ه لأن "إذ" يصلح ظرفاً لآتينا أو {لرشده} أو للعلم به مفعولاً لأذكر محذوفاً {عاكفون} ه {عابدين} ه {مبين} ه {اللاعبين} ه {فطرهن}. ز لواو الابتداء والحال أولى {الشاهدين} ه {يرجعون} ه {الظالمين} ه {إبراهيم} ه {يشهدون} ه {يا إبراهيم} ه ط {فعله}. وفيه بعد ويجيء في التفسير {ينطقون} ه {الظالمون} ه لا للعطف {على رؤوسهم} ج لاتحاد المقصود مع إضمار القول {ينطقون} ه {ولا يضركم} ط لاستئناف الدعاء عليهم {من دون الله} ط {تعقلون} ه {فاعلين} ه {على إبراهيم} ه لا بناء على أن التقدير وقد أرادوا {الأخسرين} ج ه للعطف والآية {للعالمين} ه {إسحق} ط بناء على أن المراد ووهبنا له يعقوب حال كونه نافلة {نافلة} ط {صالحين} ه {الزكاة} ج لاحتمال الاستئناف والحال {عابدين} ه وكان ينبغي أن لا يوقف للعطف ولكنهم حكموا بالوقف لتمام القصة وكذلك أمثالها {الخبائث} ط {فاسقين} ه لا بناء على أن التقدير وقد أدخلناه {رحمتنا} ط {الصالحين} ه {العظيم} ه ج للعطف مع الآية {بآياتنا} ط {أجميعن} ه {غنم القوم} ج لاحتمال الواو بعده الاستئناف والحال {شاهدين} ه لا للعطف بالفاء {سليمان} ج لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتحاد الكلام {وعلماً} ز لعطف المتفقين مع نوع عدول {والطير} ط {فاعلين} ه {من بأسكم} ج للاستفهام مع الفاء {شاكرون} ه {فيها} ط {عالمين} ه {دون ذلك} ج لاحتمال الاستئناف والحال {حافظين} ه {الراحمين} ه ط للفاء وللآية {للعابدين} ه {وذا الكفل} ط {الصابرين} ه وقد يوصل لعطف {وأدخلناهم} على {نجينا} للقدرة {في رحمتنا} ط الصالحين ه {سبحانك} قد يوقف لأجل "أن" ولكنه داخل في حكم النداء {الظالمين} ج ه على ما ذكر في الوجهين {فاستجبنا له} لا لاتفاق الجملتين واتصال النجاة بالاستجابة {من الغم} ط {المؤمنين} ه {الوارثين} ه {فاستجبنا له} ه لا مكان الفصل بين الإستجابة المعجلة وحصول الولد الموهوب على المهلة {زوجه} ط {ورهباً} ط {خاشعين} ط {للعالمين} ه. التفسير: الرشد الاهتداء لوجوه المصالح في الدين والدنيا وقد يخص ههنا بالنبوة لقوله {رشده} ومعنى الإضافة أن لهذا الرشد شأناً ولقوله {وكنا به عالمين} وفيه أنه علم منه أسراراً عجيبة وأحوالاً بديعة حتى اتخذه خليلاً واصطفاه نبياً نظيره {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته}تفسير : [الأنعام: 124] وعلى هذا فمعنى قوله {من قبل} اي من قبل موسى وهارون قاله ابن عباس: وعلى الأول يحتمل هذا وأن يراد من قبل البلوغ حين استدل بالكواكب قاله مقاتل. وعن ابن عباس في رواية الضحاك حين أخذ الله ميثاق النبيين في صلب آدم. قالت الأشاعرة: أراد بإيتاء الرشد خلق ذلك فيه إذ لو حمل على أسباب ذلك تناول الكفار. أجاب الكعبي بأن هذا إنما يقال فيمن قبل لا فيمن رد، نظيره بأن يعطي الأب كل واحد من ولديه ألفاً فقبله أحدهما وثمره ورده الآخر أو أخذه ثم ضيعه فيقال: أغنى فلان ابنه فيمن ثمر المال، ولا يقال مثله فيمن ضيع. واعترض بأن قبوله على هذا التقدير يكون جزءاً من مسمى الرشد وحينئذ لا يصح إستناد إيتاء الرشد إلى الله وحده، وهذا بخلاف نص القرآن. والتمثال اسم للشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله تعالى من مثلت الشيء بالشيء شبهته به، وإسم ذلك الممثل تمثال جعل إبراهيم عليه السلام هذا التجاهل والتغابي ابتداء كلامه لينظر فيما عساهم يوردونه من شبهة فيحلها لهم مع ما في هذا السؤال من تحقير آلهتهم وتسفيه أخلافهم. وفي قوله {أنتم لها عاكفون} دون أن يقول عليها كقوله {أية : يعكفون على أصنام لهم}تفسير : [الأعراف: 138] نوع آخر من التجهيل والتوبيخ لأنه ادعى عليهم أنهم جعلوا العكوف مختصاً بها دون خالقها وخالق كل شيء {قالوا وجدنا آبائنا لها عابدين} لا يمكن لهم أن يتمسكوا بشيء آخر سوى التقليد فزيف طريقتهم بالتنبيه على خطئهم وخطأ أسلافهم فقال: {لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} لأن كل مذهب لا يستند إلى دليل كان صاحبه ضالاً أو في حكم ذلك. ثم إن القوم تعجبوا من تضليلهم مع كثرتهم ووحدته ومنعهم عما ألفوه وضروا به فقالوا {أجئتنا بالحق} أي بما ليس بهزل ودعابة {أم أنت من اللاعبين} فحينئذ عدل إبراهيم عن مجرد التنبيه إلى إثبات الدعوى بالبينة والدليل وجاهدهم أولاً باللسان قائلاً {بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن} الظاهر أن الضمير للسموات والأرض إلا أنه قيل: كونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم. وقوله {وأنا على ذلكم من الشهداء} فيه تأكيد وتحقيق لما قاله كقول الرجل إذا بالغ في مدح أحد أو ذمه "أشهد إنه كريم أو لئيم" لأن الشهادة خبر قاطع. وفيه أنه قادر على إثبات ما ادعاه بالحجج والبينات كما شاؤوا ثم أخبر أنه سيجاهدهم جهاداً بالفعل من غير تقية وخوف قال {وتالله لأكيدن أصنامكم} قال جار الله: في تاء القسم مع أنه عوض عن الباء زيادة معنى وهو التعجب كأنه تعجب من سهولة الكيد على يده لأن ذلك لصعوبته كان كالمقنوط منه خصوصاً في زمن نمرود مع شدة شكيمته وقوة سلطانه. قلت: لا ريب أن هذا مستبعد عادة ولكنه سهل لمن ايده الله ونصره كما قال علي رضي الله عنه: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة رحمانية. سؤال: الكيد هو الاحتيال على الغير في ضرر لا يشعر به فكيف يتصور ذلك في حق الأصنام؟ وجوابه أنه قال ذلك بناء على زعمهم أنه يجوز ذلك عليها، أو أراد لأكيدنكم في أصنامكم لأنه بذلك الفعل أهمهم وأحزنهم. قال السدي: كانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان هذا الوقت قال آزر لإبراهيم: لو خرجت معنا؟ فخرج معهم. فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي، فلما بقي هو وضعفاء الناس نادى وقال الله لأكيدن أصنامكم. وروى الكلبي أن إبراهيم كان من أهل بيت ينظرون في النجوم وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لم يتركوا إلا مريضاً، فلما هم إبراهيم بالذي هم به من كسر الصنام نظر قبل يوم العيد إلى السماء فقال لأصحابه: إني أراني أشتكي عدا فذلك قوله في الصافات {أية : فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم}تفسير : [الصافات: 88 - 89] وأصبح من الغد معصوباً رأسه، فخرج القوم لعيدهم ولم يتخلف أحد غيره فقال سراً: أما والله لأكيدن أصنامكم، فسمعه رجل واحد وأخبر به غيره وانتشر الخبر. وعلى الوجهين يصح قوله فيما بعد {قالوا سمعنا فتى يذكرهم} وروي أن آزر خرج به في عيد لهم فبدأوا ببيت الأصنام فدخلوه وسجدوا لها ووضعوا بينها طعاماً خرجوا به معهم وقالوا: إلى أن نرجع بركت الآلهة على طعامنا، فذهبوا وبقي إبراهيم فنظر إلى الأصنام وكانت سبعين صنماً مصطفة وثمة صنم عظيم مستقبل الباب وكان من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسرها كلها بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلا الكبير علق الفأس في عنقه {فجعلهم جذاذاً} قال الجوهري: جذذت الشيء جذاً قطعته وكسرته، والجذاذ ما كسر منه وضمه أفصح من كسره. قلت: فعلى هذا هو اسم جمع لا جمع {إلا كبيراً لهم} أي في الخلقة كما روينا. وقيل: في التعظيم. ويحتمل أن يكون جامعاً للأمرين. أما الضمير الواحد في قوله {لعلهم إليه يرجعون} فيحتمل عوده إلى إبراهيم أي جعلهم جذاذاً واستبقى الكبير رجاء أنهم يرجعون إلى دينه أو غلى السؤال عنه لما تسامعوه من إنكاره لدينهم وسبه لآلهتهم فيبكتهم بقوله {بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم} ويحتمل عوده الكبير كما ذهب إليه الكلبي. والمعنى لعلهم يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون ما لهؤلاء مكسورة وما لك صحيحاً والفأس على عاتقك، وهذا بناء على ظنهم أن الأصنام قد تتكلم وتجيب، على أن نفس ذلك الكبير كان دليلاً على فساد مذهبهم لأن الآلهة يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء لأنهم كانوا يعظمونها ويقولون: إن المستخف بها يلحقه ضرر عظيم، فحين كسرها إبراهيم ولم ينله ضرر من تلك الجهة بطل ما اعتقدوه. فلما انكشفت لهم جلية الحال و {قالوا من فعل هذا} الكسر والحطم والاستخفاف {بآلهتنا إنه لمن الظالمين} المعدودين في جملة من يضع الشيء في غير موضعه لأنه وضع الإهانة مكان التعظيم {قالوا سمعنا} احتمل أن يكون القائل واحداً، ونسب القول إلى الجماعة لأنه منهم، واحتمل أن يكون جمعاً على الوجهين اللذين رويناهما، أو لأنهم سمعوا منه قوله على وجه الاستهزاء {ما هذه التماثيل} والفعلان بعد {فتى} صفتان له إلا أن، الأول ضروري ذكره لأنك لا تقول "سمعت زيداً" وتسكت حتى تذكر شيئاً مما تسمع، والثاني ليس كذلك. والأصح أن قوله {إبراهيم} فاعل {يقال} لأن المراد الاسم لا المسمى وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف أو منادى. {قالوا} اي فيما بينهم {فأتوا به على أعين الناس} الجار والمجرور في محل الحال اي بمرأى منهم ومنظر أو معايناً ومشاهداً قال. في الكشاف: معنى الاستعلاء في "على" أنه يثبت إتيانه في الأعين ويتمكن ثبات الراكب على المركوب وتمكنه منه {لعلهم يشهدون} عليه بما سمع منه وبما فعله فيكون حجة عليه قاله الحسن وقتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس. وقال محمد بن إسحق: معناه لعلهم يحضرون عقوبتنا له ليكون ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على مثل فعله. وههنا إضمار أي فأتوا به ثم {قالوا أأنت فعلت هذا} الظلم والاستخفاف {بآلهتنا يا إبراهيم} طلبوا منه الاعتراف ليقدموا على إيذائه {فقال بل فعله كبيرهم} وقوله {هذا} صفة كبيرهم. زعم الطاعنون في عصمة الأنبياء أن هذا القول من إبراهيم كذب وأكدوا قولهم بما جاء في الحديث "حديث : إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات"تفسير : وللعلماء في جوابهم طريقان: أحدهما تسليم أنه كذب ولكنهم قالوا: الكذب ليس قبيحاً لذاته وإنما يقبح لاشتماله على مفسدة. وقد يحسن الكذب إذا اشتمل على مصلحة كتخليص نبي ونحوه، وزيف هذا الطريق بأنا لو جوزنا أن يكذب النبي لمصلحة لبطل الوثوق بالشرائع، فلعل الأنبياء أخبروا عما أخبروا لمصلحة المكلفين في باب المعاش مع أنه ليس للمخبر عنه وجود كما في الواقع. الطيق الثاني وعليه جمهور المحققين المنع من أنه كذب وبيانه من وجوه: الأول أنه من المعاريض التي يقصد بها الحق وهو إلزام الخصم وتبكيته كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتاباً بخط في غاية الحسن، أنت كتبت هذا وصاحبك أمي لا يحسن الخط فقلت له: بل كتبته أنت. كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع استهزاء به لا نفيه عنك وإثباته للأمي. الثاني أن إبراهيم عليه السلام غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مزينة، وكأن غيظ كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو الذي تسبب لاستهانته بها. الثالث أن يكون ذلك حكاية لما يؤل إليه مذهبهم كأنه قال: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من يعبدو يدعى إلهاً أن يقدر على أمثال هذه الأفعال، ويؤيد هذا الوجه ما يحكى أنه قال {فعله كبيرهم هذا} غضب أن تعبد معه هذه الصغار، الرابع ما يروى عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله {بل فعله} ثم يبتدئ {كبيرهم هذا} أي فعله من فعله. الخامس عن بعضهم أنه يقف عند قوله {كبيرهم هذا فاسئلوهم} وأراد بالكبير نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم. السادس أن في الكلام تقديماً وتأخيراً والتقدير "بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم". فيكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطاً بكونهم ناطقين، فلما لم يكونوا ناطقين امتنع أن يكونوا فاعلين، السابع قراءة محمد بن السميفع {فعله كبيرهم} بالتشديد أي فلعل الفاعل {كبيرهم} وفيه تعسف. وأما قول إبراهيم عليه السلام {إني سقيم} فلعله كان به سقم قليل وسوف يجيء تمام البحث فيه. وأما قوله لسارة "إنها أختي" فالمراد أنها أخته في الدين فلم يكن وقتئذ على وجه الأرض مسلم سواهما {فرجعوا إلى أنفسهم} حين نبههم على قبح طريقتهم {فقالوا إنكم أنتم الظالمون} لأنكم تعبدون من لا يستحق العبادة. وقال مقاتل: معناه فلاموا أنفسهم فقالوا: إنكم أنتم الظالمون لإبراهيم حيث تزعمون أنه كسرها مع أن الفأس بين يدي الصنم الكبير. وقيل: أنتم الظالمون لأنفسكم إذا سألتم منه ذلك حتى أخذ يستهزئ بكم في الجواب. يقال: نكسته اي قلبته فجعلت أسفله أعلاه، وانتكس انقلب، وانتكاس الإنسان هو أن يكون رأسه من تحت فلهذا قال {ثم نكسوا على رؤوسهم} والمراد أنهم استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم وجاؤوا بالفكرة الصالحة، ثم انقلبوا عن تلك الحالة فأخذوا في المجادلة قائلين {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} وفيه أنهم رضوا بإلاهتها مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق. وقال ابن جرير: المعنى نكست حجتهم فأقيم الخبر عنهم مقام الخبر عن حجتهم وبيان انتكاس الحجة قولهم {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} فإن هذه حجة عليهم لا لهم. وقيل: المراد بانتكاس رؤوسهم إطراقهم خجلاً وانكساراً. ثم زاد إبراهيم في توبيخهم قائلاً {أفتعبدون} الآية وقد مر في سورة سبحان أن "أف" صوت يدل على التضجر، والام لبيان المتأفف به، أي لكم ولآلهتكم هذا التأفف وذلك أنه أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم. {قالوا حرقوه} المشهور أن الذي اشار بتحريقه هو نمرود بن كنعان ابن سنجاريب بن نمرود بن كوش بن حام بن نوح. وقال مجاهد: سمعت ابن عمر يقول: إنه رجل من أعراب العجم يريد الأكراد. وعن ابن جريج عن وهب أن الذي قال هذا القول قد خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. روى مقاتل أن نمرود وقومه أجمعوا على إحراقه فحبسوه ثم بنوا بيتاً كالحظيرة بكوثى وهي من قرى الأنباط وذلك قوله {أية : ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم}تفسير : [الصافات: 97] ثم جمعوا له الحطب الكثير اربعين يوماً حتى إن كانت المرأة لتمرض فتقول: إن عافاني الله لأجمعن حطباً لإبراهيم. فلما اشتعلت النار اشتدت وصار الهواء بحيث لو مر الطير في أقصى الهواء لاحترق ثم أخذوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مقيداً مغلولاً فضجت السماء والأرض ومن فيهما من الملائكة إلا الثقلين ضجة واحدة: أي ربنا ليس في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم وإنه يحرق فيك، فأذن لنا في نصرته، فقال سبحانه: إن استغاث بأحد منكم فأغيثوه وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه. فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن الرياح وقال: إن شئت طيرت النار في الهواء فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليك. ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل. وروي أنه قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. ثم أتاه جبرائيل في الهواء فقال: يا إبراهيم هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي: فأرسل الله ملائكة أخذوا بضبعيه وأقعدوه في الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس ولم تحرق النار منه إلا وثاقه. وأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة وقال: يا إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي. قال المنهال بن عمرو: أخبرت أن إبراهيم مكث في النار أربعين يوماً أو خمسين. وقال: ما كنت أياماً أطيب عيشاً مني إذ كنت فيها قلت: وذلك لاستغراقه في بحر الفيوض والآثار الربانية ولو لم يكن فيه إلا القرب من لطف خليله والبعد من قهر عدوه لكفى. ثم نظر نمرود من صرح له مشرف على إبراهيم فرآه جالساً في روضة ومعه جليس له من الملائكة والحطب يحترق حواليه فناداه يا إبراهيم: هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم. فقام يمشي حتى خرج. فقال نمرود: إني مقرب إلى ربك قرباناً فذبح أربعة آلاف بقرة وكف عن إبراهيم، وكان إبراهيم عليه السلام إذ ذاك ابن ست عشرة سنة. قال العلماء: اختاروا العقاب بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظعه ولهذا جاء في الحديث "حديث : لا يعذب في النار إلا خالقها"تفسير : ومن ثم قالوا {وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين} أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصراً قوياً فاختاروا له أشد العقاب وهو الإحراق وإلا كنتم مقصرين في نصرتها {قلنا} عن السدي أن القائل هو جبرائيل عليه السلام والأكثرون على أنه سبحانه. وذهب ابو مسلم الأصفهاني إلى أنه لا قول هناك بل أراد به الجعل لأن النار جماد فلا فائدة في خطابه. ويمكن أن يجاب بأن الله قادر على أن يخلق لها فهماً يصح به التخاطب، ولو سلم فلعل في ذلك الخطاب مصلحة للملائكة. والظاهر أن قوله {يا نار} خطاب لتلك النار المخصوصة فإن الغرض يتعلق ببردها فقط وفي النار منافع للخلائق، فلا يحسن من الكريم إبطالها. وقيل: المذكور اسم الماهية فلا بد من حصول البرد في تلك الماهية أينما وجدت، ويناسبه رواية مجاهد عن ابن عباس أنه لم يبق يومئذ في الدنيا ونار إلا طفئت. واختلفوا في أن النار كيف بردت؟ فقيل: إنه تعالى أزال عنها ما فيها من الحر والإحراق وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق والله على كل شيء قدير. وقيل: خلق في جسد إبراهيم كيفية مانعة من وصول أذى النار كما يفعل بخزنة جهنم، وكذلك في النعامة لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة، والسمندل ولا يؤذيه المقام في النار. وقيل: جعل بينه وبين النار حائلاً منع وصول اثر النار إليه. والمحققون على القول الأول لأن النص دل ظاهره على أن نفس النار صارت باردة، وليست الحرارة جزءاً من مسمى النار حتى يمتنع كونها ناراً وهي باردة، وأما على القولين الآخرين فيلزم أن لا يحصل البرد فيها وهو خلاف النص قوله {وسلاماً} أي ذات برد وسلام فبولغ في ذلك حتى كأن ذاتها برد وسلام. والمعنى ابردي حتى يسلم منك إبراهيم، أو ابردي برداً غير ضار ويناسبه ما روي عن ابن عباس لو لم يقل ذلك لأهلكته ببردها. وقوله {على إبراهيم} حال من فاعل الكون أو متعلق بالبرد والسلام، ولولا هذا القيد لكانت النار برداً على كافة الخلق، قوله {فجعلناهم الأخسرين} وفي الصافات {أية : فجعلناهم الأسفلين}تفسير : [الآية: 98] لأن في هذه السورة كادهم إبراهيم لقوله {لأكيدن أصنامكم} وكادوه لقوله {وارادوا به كيداً} فغلبهم إبراهيم لأنه كسر أصنامهم وسلم من نارهم فكانوا هم الأخسرين. وفي الصافات {أية : قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم}تفسير : [الصافات: 97] فأججوا ناراً عظيمة وبنوا بناء عالياً ورفعوه إليه ورموا به إلى أسفل فرفعه الله وجعلهم في الدنيا من السافلين وفي العُقبى في السافلين. ويروى أنهم بنوا لإبراهيم بنياناً وألقوه فيه، ثم أوقد عليه النار سبعة أيام ثم أطبقوا عليه، ثم فتحوا عنه فإذا هو غير محترق يعرق عرقاً. فقال لهم حارث أبو لوط: إن النار لا تحرقه لأنه سحر النار ولكن اجعلوه على شيء وأوقدوا تحته فإن الدخان يقتله، فجعلوا فوق بئر وأوقدوا تحته فطارت شرارة فوقعت في لحية أبي لوط فأحرقته فآمن له لوط كما يجيء في العنكبوت، وهاجر إلى ارض الشام فذلك قوله {ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها} اي بالخصب وسعة الأرزاق أو بالمنافع الدينية لأن أكثر الأنبياء بعثوا فيها. وقيل: ما من أرض عذب إلا وينبع أصله من تحت صخرة بيت المقدس. يروى أنه نزل بفلسطين ولوط بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة. وقيل: الأرض مكة {ووهبنا له} أي لإبراهيم {إسحق ويعقوب نافلة} هي ولد الولد وهي حال من يعقوب فقط، وقيل: النافلة العطية الزائدة ومنه الصلاة النافلة. ونوفل للرجل الكثير العطاء، وعلى هذا احتمل أن يكون حالاً من يعقوب فقط أي سأل إسحق فأعطيه وأعطى يعقوب زيادة وفضلاً من غير سؤال. واحتمل أن يكون حالاً من كليهما أي وهبناهما له عطية منا، والأول قول مجاهد وعطاء، والثاني وهو أن النافلة العطية قول ابن عباس وأبي بن كعب وقتادة والفراء والزجاج {وكلا} من إبراهيم وإسحق ويعقوب {جعلنا صالحين} قال الضحاك: اي مرسلين وقال غيره: عالمين عاملين. وفي قوله {جعلنا صالحين} وكذا قوله {وجعلناهم أئمة} دلالة الأشاعرة على أن الصلاح بجعل الله وكذا الإمامة وغيرها من الأفعال أجاب الجبائي بأنه اراد تسميتهم بذلك ومدحهم وأنه حكم به لهم كما يقال: إن الحاكم عدل فلاناً وجرحه إذا حكم بالعدالة والجرح، وضعف بأنه خلاف الظاهر. وقوله {يهدون بأمرنا} اي يدعون الناس إلى دين الله بأمرنا وإرادتنا. قال أهل السنة: فيه أن الدعوة إلى الحق والمنع من الباطل لا يجوز إلا بأمر الله تعالى. وقالت المعتزلة: فيه أن من صلح لأن يقتدى به في الدين فالهداية واجبة عليه ليس له أن يخل بها ويتثاقل عنها. ولا خلاف في أن الهادي إذا كان مهتدياً بنفسه كان الإنتفاع بهداه أعم والنفوس إلى الاقتداء به أميل فلذلك قال {وأوحينا إليهم فعل الخيرات} اي أن يفعلوها لأن المراد هو إيحاء أن يحدثوا الخيرات من انفسهم ونفس الفعل الخير لا يمكن إيحاؤه فرد إلى فعل الخيرات تخفيفاً، فإن المقصود معلوم، ثم أضيف المصدر إلى المفعول لإفادة تخفيف آخر في اللفظ وكذلك {إقام الصلاة وإيتاء الزكاة} أي أوحينا إليهم أن يقيموا ويؤتوا، قال الزجاج، حذف الهاء من إقامة لأن المضاف إليه عوض منها. وقال غيره: الإقام والإقامة مصدران. ولا ريب أن تخصيص هاتين الخصلتين بالذكر دليل على شرفهما والأولى أصل التعظيم لأمر الله، والثانية أصل الشفقة على خلق الله. {وكانوا لنا عابدين} فيه أنه سبحانه لما وفى بعهد الربوبية فآتاهم النبوّة والدرجات العالية فهم ايضاً وفوا بعهد العبودية فلم يغفلوا عنها طرفة عين. قوله {ولوطاً} عن الزجاج أنه معطوف على {أوحينا} وعن أبي مسلم أنه معطوف على قوله {ولقد آتينا إبراهيم} والحكم الحكمة، وقيل الفصل بين الخصوم، وقيل النبوة والقرية سذوم والمراد أهلها وخبائثهم مشهورة قد عددت في "الأعراف" وفي "هود". و{قوم سوء} نقيض رجل صدق {وأدخلناه في رحمتنا} أي أهل رحمتنا أو في الجنة والثواب. عن ابن عباس والضحاك. وقال مقاتل: هي النبوة أي أنه لما كان من الصالحين آتيناه النبوة كي يقوم بحقها. وقال أهل التحقيق: حين آتاه الحكم والعلم وتخلص من جلساء السوء فتحت عليه أبواب المكاشفات وتجلت له أنوار الذات والصفات وإنها هي الرحمة في الحقيقة. قوله {ونوحاً} وكذا نظائره معطوف على قوله {ولقد آتينا} أو المراد واذكر نوحاً. و{إذ نادى} بدل منه اي اذكر وقت ندائه {من قبل} هؤلاء المذكورين والنداء هو دعاؤه على قومه بنحو قوله {أية : فدعا ربَّه أنّي مغلوب فانتصر}تفسير : [القمر: 10]. وقوله {أية : رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً}تفسير : [نوح: 26] بدليل قوله {فاستجبنا له فنجيناه وأهله} أي أهل دينه وهم من معه في الفلك {من الكرب العظيم} وهو الطوفان وما كان فيه من تكذيب قومه وإيذائهم. وفي لفظ الكرب وهو الغم الذي يأخذ بالنفس، ثم وصفه بالعظم إشعار بأنه عليه السلام لقي من قومه أذى شديداً لا يكتنه كنهه. ثم زاده بياناً بقوله {ونصرناه} الاية. تقول: نصرته منه فانتصر إذا جعلته منتصراً منه أي منتقماً. {وداود وسليمان إذ يحكمان في} شأن {الحرث إذ نفشت} ظرف {ليحكمان} وهو حكاية حال ماضية. قال ابن السكيت. النفش بالتحريك أن ينتشر الغنم بالليل من غير راع وعليه جمهور المفسرين. وعن الحسن: إنه يكون ليلاً ونهاراً. وليس في قوله {وكنا لحكمهم} دلالة على أن أقل الجمع اثنان لاحتمال أنه أرادهما والمتحاكمين إليهما. والضمير في {ففهمناها} للحكومة أو الفتوى. ويروى أنه دخل رجلن على داود عليه السلام أحدهما صاحب حرث. اي زرع. وقيل كرم- والآخر صاحب غنم. فقال صاحب الحرث: إن غنم هذا دخلت حرثي وأكلت منه شيئاً. فقال داود: اذهب فإن الغنم لك. فخرجا فمرا على سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه. فقال: لو كنت أنا القاضي لقضيت بغير هذا. فأخبر بذلك أبوه فدعاه وقال: كيف كنت تقضي بينهما؟ قال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث فتكون له منافعها من الدر والنسل والوبر حتى إذا عاد الحرث من العام القابل كهيئته يوم أكل دفعت الغنم غلى أهلها وقبض صاحب الحرث حرثه. قال أبو بكر الأصم: الحكمان واحد لأن الثاني بيان للأول. والمشهور عن الصحابة ومن بعدهم أنهما متغايران لقوله {وكنا لحكمهم} ولقوله: {ففهمناها} والفاء للتعقيب فدل على أنه فهم حكماً خلاف الأول. وعلى تقدير الاختلاف فهما بالوحي أو بالاجتهاد، فيه خلاف بين العلماء، فمنهم من لم يجوز الاجتهاد على الأنبياء أصلاً كالجبائي لقوله: {أية : وما ينطق عن الهوى}تفسير : [النجم: 3] {أية : أن أتبع إلا ما يوحى إليّ}تفسير : [الأنعام: 50] ولأن النبي قادر على تحصيل حكم الواقعة بالنص، ولأن مقتضى الاجتهاد مظنون وخلاف المظنون لا يوجب الكفر وخلاف الرسول يوجب الكفر، ولما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوقف في بعض الأحكام انتظاراً للوحي ولو جاز له الاجتهاد لم يتوقف، ولأنه لو جاز على النبي لجاز على جبرائيل ايضاً وحينئذ يرتفع الأمان عن الوحي فلعل هذه الشرائع من مجتهدات جبرائيل. وأجيب بأنه إذا أوحي إليه جواز الاجتهاد له صح قوله: {أية : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}تفسير : [النجم: 3 - 4] وبأن الحكم الحاصل عن الاجتهاد مقطوع لا مظنون لأنه تعالى إذا قال له مهما غلب على ظنك كون الحكم في الأصل معللاً بكذا ثم غلب على ظنك قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فاحكم بذلك فهذا الحكم مقطوع به والظن واقع في طريقه. سلمنا جواز المخالفة لكنه مشروط بصدوره عن غير معصوم، ولهذا لو اجتمعت الأمة على مسألة اجتهادية امتنع خلافهم. وكان الرسول أوكد، وبأن التوقف لعله وجد منه حين لم يظهر له وجه الاجتهاد وبأن الأمة أجمعوا على عدم جواز اجتهاد جبرائيل. ومما يدل على جواز الاجتهاد لنا أنه إذا غلب على ظن المجتهد أحد الطرفين فإن عمل بهما كان جمعاً بين النقيضين، وان أهملهما لزم ارتفاع النقيضين، وإن عمل بالمرجوح دون الراجح فذلك باطل بالاتفاق فلم يبق إلا العمل بالراجح. قال الجبائي: ولئن سلمنا أن الاجتهاد على الأنبياء جائز لكن هذه المسألة غير اجتهادية لأن الذي أتلفه صاحب الماشية مجهول المقدار، فكيف يجعل الغنم في مقابلة ذلك؟ وأيضاً إن اجتهاد داود إن كان صواباً فالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وإن كان خطأ فكيف لم يذكر الله توبته بل مدحه بقوله {وكلا آتينا حكماً وعلماً} وايضاً لو حكم بالاجتهاد لم يسم ذلك علماً، وأيضاً قوله {ففهمناها} يدل على أنه من الله لا من سليمان. وأجيب بأن الجهالة بعد تسليمها قد تكون معفواً عنها كما في حكم المصراة، ولعل الخطأ في اجتهاده كان من الصغائر فلهذا أهمل ذكره والاجتهاد من باب العلوم والظن في الطريق كما مر، والذي يحصل في نظر المجتهد مستند إلى الله. أما الذين منعوا من الاجتهاد مطلقاً أو في هذه المسألة، فذهبوا إلى أن حكومة داود نسخت بحكومة سليمان، ولا استبعاد في أن يوحي الناسخ إلى غير من أوحى إليه المنسوخ. قال الفقهاء: مثال حكومة داود في شرعنا قول أبي حنيفة في العبد إذا جنى على النفس خطأ يدفعه المولى بذلك أو يفديه، وعند الشافعي يبيعه في ذلك ويفديه، ولعل قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث. ومثال حكومة سليمان قول الشافعي فمن غصب عبداً فأبق من يده فإنه يضمن القيمة فينتفع به المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد، فإذا ظهر العبد يرد ويقال له ضمان الحيلولة. هذا ولو وقعت هذه القضية في شرعنا فلا ضمان عند أبي حنيفة وأصحابه لا بالليل ولا بالنهار، لأن (جرح العجماء جبار.) إلا أن يكون معها راع. والشافعي يوجب الضمان بالليل دون النهار لأن الليل وقت الهدوء وجمع الماشية، فتسريحها تقصير من صاحبها بخلاف النهار. وعن البراء بن عازب أنه كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدته، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، لأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل. قال بعض الأصوليين: كل مجتهد مصيب لقوله {وكلا آتينا حكماً وعلماً} وقال بعضهم: المصيب واحد لقوله {ففهمناها سليمان} ولو كان كلاهما مصيباً لم يكن لتخصيص سليمان بالفهم فائدة. وضعف بعضهم كلا الاستدلالين بعد تسليمهما بأن ما ثبت في شرعهم لا يلزم أن يكون ثابتاً في شرعنا. ولما مدح داود على سبيل الاشتراك ذكر ما يختص بكل منهما فبدأ بداود قائلاً: {وسخرنا مع داود الجبال يسبحن} أي حال كونهن مسبحات أو هو استئناف كأنه قيل: كيف سخرهن؟ فقال: {يسبحن} {والطير} وهو معطوف على الجبال أو مفعول معه، وتسبيح الجبال إما حقيقة أو مجاز وعلى الأول قال مقاتل: كان إذا سبح داود سبح الجبال والطير معه. وقال الكلبي: إذا سبح داود أجابته الجبال. وقال سليمان بن حيان: كان داود إذا وجد فترة أمر الله تعالى الجبال فسبحت فيزداد نشاطاً واشتياقاً. وعلى الثاني قيل: كانت الجبال تسير معه حيث سار فكل من رآها كان يسبح الله تعالى، فلما حملت على التسبيح وصفت به وهذا القول اختيار كثير من أصحاب المعاني والمعتزلة، لأن الجماد غير قابل للحياة والفهم عندهم، ولأن المتكلم هو الذي يفعل الكلام لا الذي يكون محلاً للكلام، ولهذا يقال: إن المتكلم هو الله حين كلم موسى لا الشجرة. وإنما قدم التسبيح الجبال على الطير لأن ذلك أدل على القدرة وأدخل في الإعجاز، فإن الطير أقرب إلى الحيوان الناطق من الجماد ولا يلزم من نطق الطير أو الجبل أن يكونا مكلفين فليس كل ناطق مكلفاً كالأطفال والمجانين: {وكنا فاعلين} اي قادرين على أن نفعل أمثال هذه الخوارق على أيدي الأنبياء لأجلهم وإن كانت عجيبة عندكم. واللبوس اللباس يقال: البس لكل حالة لبوسها والمراد الدرع. عن قتادة أنها كانت صفائح فسردها وحلقها داود فجمعت الخفة والتحصين وتوارث الناس منه وعمت النعمة بها لكل المحاربين فلذلك قال {فهل أنتم شاكرون} قال علماء المعاني: هذا التركيب أدخل في الإنباء عن طلب الشكر من قولنا "فهل أنتم تشكرون" إذ المختار فيه أن يقدر مفسر محذوف اي هل تشكرون تشكرون. ومن قولنا" أفأنتم شاكرون" لأنه وإن كان ينبئ عن عدم التجدد لمكان الجملة الاسمية إلا أنه دون المذكور في القرآن فإن "هل" ادعى للفعل من الهمزة، فترك الفعل معه يكون أدخل في الإنباء عن استدعاء المقام عدم التجدد لأن تخلف المعلوم عن العلة القوية يدل على وجود مانع أقوى منه إذا تخلف عن العلة الضعيفة. ثم حكى ما أنعم به على سليمان فقال {ولسليمان} أي وسخرنا له {الريح} حال كونها {عاصفة} ولا ينافي هذا قوله في {أية : فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب}تفسير : [ص: 36] لأن المراد أنها مع كونها في نفسها رخية طيبة كالنسيم كانت في عملها عاصفة تحمل كرسيه من اصطخر إلى الشام، أو أنها كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفاً لهبوبها على حسب إرادته وأمره. وفي قوله {وكنا بكل شيء عالمين} إشارة أنه فعل كل ما فعل بالأنبياء المذكورين عن حكمة بالغة وتدبير محكم وإحاطة بأحوالهم وعلم باستئهالهم. قوله {ومن الشياطين} أي سخرنا من الشياطين {من يغوصون له} ويجوز أن يكون الكلام خبر أو مبتدأ و "من" موصولة أو موصوفة. كانوا يغوصون لأجله في البحار فيستخرجون الجواهر {ويعملون عملاً دون ذلك} أي متجاوزاً ما ذكر من بناء المدائن والقصور وسائر الصنائع العجيبة. قالت العلماء: الظاهر أن التسخير لكفارهم دون المؤمنين منهم لإطلاق الشياطين ولقوله: {وكنا لهم حافظين} أي من أن يزيغوا عن أمره أو يبدلوا أو يوجد منهم فساد في الجملة إذ كان من دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوا بالنهار. والحفظ إما بسبب الملائكة أو مؤمني الجن الموكلين بهم، أو بأن حبب إليهم طاعته وخوفهم مخالفته. قال ابن عباس في تفسيره: يريد أن سلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء. قبل الجبائي: كيف تتهيأ منهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة وإنما تمكنهم الوسوسة فقط، فلعل الله تعالى كثف أجسامهم خاصة وقواهم على تلك الأعمال الشاقة وزاد في عظمهم معجزة لسليمان فلما مات سليمان ردهم إلى الخلقة الأولى. إذ لو أبقاهم على الخلقة الثانية لكان شبهة على الناس، فلعل بعض الناس يدعي النبوة ويجعله دلالة عليها. واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي رضي الله عنه بأنك لم قلت: إن الجن أجسام فلعلهم من الموجودات التي ليست متحيزة ولا حالة في المتحيز. ولا يلزم منه الاشتراك مع الباري فإن الاشتراك في اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك في الملزومات فضلاً عن اللوازم السلبية. سلمنا أن الجن أجسام لكن لم قلت: إن البنية شرط للقدرة وليس في يدكم إلا الاستقراء الضعيف؟ سلمنا أنه لا بد من تكثيف أجسامهم فمن اين يلزم ردهم إلى الخلقة الأولى؟ فإن قال: لئلا يفضي إلى التلبيس. قلنا: إذا ثبت أن ذلك كان معجزة لنبي قبله لم يتمكن المتنبي من الاستدلال ومن عجيب قدرة الله سبحانه أن أصلب الأجسام في هذا العالم الحجارة والحديد، وقد سخرهما الله تعالى لداود فأنطق الحجر ولين الحديد، وفي ذلك دلالة باهرة على أنه تعالى قادر على إحياء العظام الرميمة. ومن الغرائب أن الشياطين مخلوقة من النار وكان يأمرهم بالغوص في الماء، وفيه إظهار الضد بالضد فتبارك الله رب العالمين. ومن عجائب القصص والأخبار حكاية أيوب عليه السلام وصبره على بلائه حتى صار مثلاً. عن وهب بن منبه أنه كان من الروم من ولد عيص بن إسحاق وكانت أمه من ولد لوط اصطفاه الله وجعله نبياً، ومع ذلك بسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله وكان له سبعة بنين وسبع بنات وله أصناف المواشي وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ونخيل. وكان إبليس لا يحجب عن السموات حين اخرجه الله من الجنة حتى رفع عيسى عليه السلام فحجب عن أربع حتى إذا ولد نبينا صلى الله عليه وسلم حجب عن جميع السموات إلا من استرق السمع. قال: فسمع غبليس تحاور الملائكة في شأن أيوب فأدركه الحسد فقال: يا رب إنك أنعمت على عبدك ايوب فشكرك وعافيته فحمدك ثم لم تجرّبه بشدة ولا بلاء، وأنا زعيم إن ضربته بالبلاء ليكفرن بك. فقال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ماله. فجمع إبليس عفاريت الجن وقال لهم: ماذا عندكم من القوة فإني سلطت على مال ايوب. فقال عفريت أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من النار فأحرقت كل شيء فقال إبليس: فأت الإبل ورعاتها. فذهب ولم يشعر الناس حتى ظهر من تحت الأرض، إعصار لا يدنو منها شيء إلا احترق، فلم يزل يحرقها ورعاتها حتى أتى على آخرها. فذهب إبليس على شكل أولئك الرعاء إلى أيوب فوجده قائماً يصلي، فلما فرغ من الصلاة قال: يا ايوب هل تدري ما الذي صنع ربك؟ وأخبره بحال الإبل ورعاتها. فقال أيوب: إنها ماله إذا شاء نزعه. فقال إبليس: إن الناس منهم من يقول ما كان أيوب يعبد شيئاً وما كان إلا في غرور، ومنهم من يقول: لو كان إلهه يقدر على شيء لمنع من وليه. ومنهم من يقول: بل هو الذي فعل ما فعل ليشمت به أعداءه ويفجع به أصدقاءه فقال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، خرجت من بطن أمي عُرياناً وأضجع في التراب عُرياناً وأحشر إلى الله عُرياناً، ولو علم الله عرياناً، ولو علم الله فيك أيها العبد خيراً لنقل روحك مع تلك الرواح وصرت شهيداً وأوجر فيك. فرجع غبليس إلى أصحابه خاسئاً فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتاً لا يسمعه ذو روح إلا خرجت روحه. فقال إبليس: فأت الغنم ورعاءها فانطلق فصاح بها فماتت ومات رعاؤها، فخرج إبليس متمثلاً بقهرمان الرعاة إلى أيوب فقال له القول الأول، ورد عليه أيوب الرد الأول، فرجع إبليس صاغراً فقال له عفريت آخر: عندي من القوة إذا شئت تحولت رياحاً عاصفة أقلع كل شيء أتيت عليه قال: فاذهب إلى الحرث والثيران، فأتاهم فأهلكهم وأخبر إبليس به ايوب فرد عليه مثل الرد الأوّل، فجعل إبليس يصيب أمواله شيئاً فشيئاً حتى أتى على جميعها. فلما رأى إبليس صبره على ذلك صعد إلى السماء وقال: إلهي هل أنت مسلطي على ولده فإنها الفتنة الكاملة. فقال الله: انطلق فقد سلطتك، فأتى أولاد ايوب في قصرهم فقلب القصر عليهم ثم جاء إلى أيوب متمثلاً بالمعلم وهو جريح مشدوخ الرأس يسيل دمه ودماغه فقال: لو رأيت بنيك كيف انقلبوا منكوسين على رؤوسهم تسيل جميع أدمغتهم من أنوفهم لتقطع قلبك! فلم يزل يقول هذا ويرققه حتى رق أيوب وبكى وقبض قبضة من التراب فحثاها على رأه، فاغتنم ذلك إبليس، ثم يلبث أيوب حتى استغفر واسترجع فصعد إبليس ووقف موقفه وقال: إلهي إنما هون أيوب خطب المال والولد لعلمه أنك تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده وإني لك زعيم لو ابتليته في جسده ليكفرن بك. فقال تعالى: انطلق فقد سلطتك على جسده وليس لك سلطان على عقله وقلبه ولسانه. فأتاه فنفخ في منخره حين هو ساجد فاشتعل منه جسده وخرج من فرقه إلى قدمه ثآليل، وقد وقعت فيه حكة لا يملكها فكان يحك بأظفاره حتى كشطت أظفاره، ثم حكها بالمسوح الخشنة ثم حكها بالفخار والحجارة، ولم يزل يحكها حتى تقطع لحمه وتغير وأنتن فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشاً، ورفضه الناس كلهم غير امرأته رحمة بنت إفرايم بن يوسف عليه السلام فكانت تصلح أموره. ثم إن وهباً طول في الحكاية إلى أن قال: إن أيوب عليه السلام أقبل على الله تعالى مستغيثاً متضرعاً إليه قائلاً: يا رب لأي شيء خلقتني يا ليتني كنت حيضة ألقتني أمي، يا ليتني كنت عرفت الذي أذنبته والعمل الذي عملت حتى صرفت وجهك الكريم عني. ألم أكن للغريب داراً وللمسكين قراراً ولليتيم ولياً وللأرملة قيماً. إلهي أنا عبد ذليل فإن أحسنت فالمن لك وإن أسأت فبيدك عقوبتي. جعلتني للبلاء غرضاً وسلطت عليّ ما لو سطته على جبل لضعف عن حمله. إلهي تقطعت أصابعي وسقطت لهواتي وتناثر شعري وذهب المال وصرت أسال اللقمة فيطعمني من يمن بها عليّ ويعيرني بفقري وهلاك أولادي. قال الإمام أبو القاسم الأنصاري في جملة هذا الكلام: ليتك لو كرهتني لم تخلقني. ثم قال: ولو كان ذلك صحيحاً لاغتنمه إبليس فإن قصده أن يحمله على الشكوى وأن يخرجه من زمرة الصابرين. قلت: إن غرض إبليس لا يحصل بمجرد الشكوى وإنما كان غرضه أن يرتد أيوب عليه السلام ولهذا قال سفيان بن عيينة: من شكا إلى الله تعالى فإنه لا يعد ذلك جزعاً إذا كان في شكواه راضياً بقضاء الله تعالى إذ ليس من شرط الصبر استحلاء البلاء. الم تسمع قول يعقوب عليه السلام: {أية : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}تفسير : [يوسف: 86]. ومما حكاه الله سبحانه من شكوى أيوب قوله {إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} الضر بالفتح الضرر في كل شيء، وبالضم الضرر في النفس من مرض وهزال. قال جار الله: ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة عليه وذكر ربه بما يجب أن يصدر دعاء الرحمة عنه ولم يصرح بالمطلوب، وحسن الطلب باب من أبواب الأدب. يحكى أن عجوزاً تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتي على العصا. فقال لها: ألطفت في السؤال لا جرم لأردنها تثب وثبة الفهود وملأ بيتها حباً. وفي قوله: {وأنت أرحم الراحمين} رمز إلى أنه جواد مطلق لا يرحم لمنفعة تعود إليه، ولا لمضرة يدفعها عنه، ولا يطلب شيئاً، ولا يجلب مدحاً وكل رحيم سواه. فأما رحمته لغرض من الأغراض أو لرقة طبع ونحو ذلك على أن تلك الرحمة أيضاً تتوقف على داعية يخلقها الله فيه، والآفات والآلام التي تراها في هذا العالم كلها مستندة إلى صفة قهره التي لا بد لكل ملك منه أو مستتبعة لمصالح وغايات لا يعلمها إلا هو، وإنها ضرورية في الوجود لاشتمالها على خيرات أكثر من الشرور. واختلف العلماء في السبب الذي لأجله دعا الله ايوب؛ فعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن أيوب عليه السلام بقي في البلاء ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان فدخلا عليه ذات يوم فوجدا ريحاً فقالا: لو كان أيوب عند الله خير ما بلغ إلى هذه الحالة. قال: فما شق على أيوب شيء مما ابتلي به مثل ما سمع منهما. فقال: اللهم إن كنت تعلم إني لم أبت شبعان وأنا أعلم بمكان جائع فصدق وهما يسمعان ثم خر أيوب ساجداً. وقال: اللهم إني لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي فكشف الله ما بهتفسير : . وقال الحسن: مكث أيوب بعدما ألقي على الكناسة سبع سنين وأشهراً ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق غير امرأته صبرت معه وكانت تأتيه بالطعام. وكان أيوب مواظباً على حمد الله والثناء عليه والصبر على ما ابتلاه فصرخ إبليس صرخة جزعاً من صبر أيوب فاجتمع جنوده من أقطار الأرض قالوا له: ما خبرك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي سالت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده فإنه لا يزيد بالبلاء إلاّ صبراً وحمداً لله تعالى. فقالوا له: أي مكرك أين عملك الذي أهلكت به من مضى؟ من اين أتيت آدم حين أخرجته من الجنة؟ قال: من قبل امرأته. قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإِنه لا يستطيع أن يعصيها لأنه لا يقربه أحد غيرها. قال: أصبتم فانطلق حتى إذا أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت: هو هذا يحك قروحه وتتردد الدواب في جسده. فظن إبليس أنها جزعت فطمع فيها ووسوس إليها وذكر لها ما كان بها من النعم والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه. قال الحسن: فصرخت فلما صرخت علم أن قد جزعت فأتاها بسخلة وقال: لتذبح هذه باسم أيوب ويبرأ. قال: فجاءت تصرخ يا أيوب حتى متى يعذبك ربك أين المال وأين الماشية؟ أين الولد؟ أين الصديق؟ أين اللون؟ أين الحسن؟ أين جسمك الذي قد بلى وقد صار مثل الرماد وتتردد فيه الدواب؟ اذبح هذه السخلة واسترح، فقال أيوب: أتاك عدوّ الله ونفخ فيك ويلك من أعطانا الذي تذكرين من المال والولد والصحة؟ قالت: الله. قال: كم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة. قال: فمنذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء؟ قالت: منذ سبع سنين وأشهر. قال: ويلك ما أنصفت ربك ألا صبرت في البلاء ثمانين سنة! والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، أمرتني أن نذبح لغير الله وحرام عليّ أن أذوق بعد هذا شيئاً من طعامك وشرابك الذي تأتيني به فطردها. فلما نظر ايوب في شأنه وليس عنده لا طعام ولا شراب ولا صديق وقد ذهبت امرأته خر ساجداً وقال {إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} فقال: ارفع رأسك فقد استجبت لك {أية : اركض برجلك}تفسير : [ص: 42] فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها فلم يبق في ظاهر بدنه دابة. إلا سقطت ثم ضرب رجله مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج وقام صحيحاً، وعاد غلى شبابه وجماله حتى صار أحسن مما كان حتى ذكر أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراداً من ذهب فجعل يضكه بيده فأوحي إليه: يا أيوب ألم أغنك؟ قال: بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها. قال: فخرج حتى جلس على مكان مشرف. ثم إن امرأته قالت: هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت وتأكله السباع لأرجعن إليه. فلما رجعت ما رأته في تلك الكناسة ولا تلك الحالة فجعلت تطوف وتبكي فدعاها أيوب وقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فقالت: أردت ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة. فقال: تعرفينه إذا رايته؟ قالت: وهل يخفى علي أحد يراه. فتبسم قائلاً: أنا هو. فعرفته بضحكه فاعتنقته ثم قال: إنك أمرتني أن أذبح لإبليس وإني أطعت الله وعصيت الشيطان فعافاني الله ببركة ذلك. الرواية الثالثة: قال الضحاك ومقاتل: بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات، فلما غلب أيوب إبليس ذهب إبليس إلى امرأته على هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والحجسم والجمال على مركب ليس كمراكب الناس وقال لها: أنت صاحبة أيوب؟ قالت: نعم. قال: فهل تعرفيني؟ قالت: لا. قال: أنا إله الأرض، أنا صنعت بأيوب ما صنعت وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك جميع ما لكما من مال وولد فإن ذلك عندي. قال وهب: وسمعت أنه قال: لو أن صاحبك أكل طعاماً ولم يسم الله تعالى لعوفي مما فيه من البلاء. وايضاً قال لها: لو شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى ارد عليك المال والولد وأعافي زوجك. فرجعت إلى أيوب فأخبرته فقال: أتاك عدوّ الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم لئن عافاني الله لأجلدنك مائة جلدة وقال عند ذلك {مسني الضر} يعني من طمع إبليس في سجودي وسجود زوجتي له. الرواية الرابعة قال إسماعيل السدي: إن إبليس تمثل للقوم في صورة بشر وقال: تركتم أيوب في قريتكم أعدى إليكم ما به من العلة، فأخرجوه إلى باب البلد ثم قال لهم: إن امرأته تدخل عليكم وتعمل وتمس زوجها أما تخافون أن تعدي إليكم علته، فحينئذ لم يستعملها أحد فتحيرت وكان لها ثلاث ذوائب فعمدت غلى إحداها وقطعتها وباعتها فأعطوها بذلك خبزاً ولحماً فقال أيوب: من أين هذا؟ قالت: كل فإنه حلال. فلما كان من الغد لم تجد شيئاً فباعت الثانية، وكذلك فعلت في اليوم الثالث وقالت: كل فإنه حلال. فقال: لا آكل أو تخبريني فأخبرته فبلغ ذلك من أيوب ما الله به عليم فقال: {رب إني مسني الضر}. والرواية الخامسة قيل: سقطت دودة من فخذه فرفعها وردها غلى موضعها وقال: قد جعلني الله طعمة لك فعضته عضة شديدة فقال: {مسني الضر} فأوحى الله إليه: لولا أني جعلت في كل شعرة منك صبراً لما صبرت. واعلم أن مس الضر ههنا مطلق إلا أنه ورد في "ص" مقيداً وذلك قوله {أية : أني مسني الشيطان بنصب وعذاب}تفسير : [ص: 41] فصح أن يكون سنداً لهذه الروايات إلا أن الجبائي طعن فيها بأن الشيطان كيف يقدر على إحداث الأمراض والاسقام والقادر على ذلك قادر على خلق الأجسام وحينئذ يكون إلهاً. وأيضاً إن هذه التأثيرات تنافي قوله سبحانه حكاية عنه {أية : وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم}تفسير : [إبراهيم: 22] والجواب أنه كان بإذن من الله كما حكينا فلا محذور ولا تنافي. وقال ومن البعيد أنه لم يسأل الله إلا عند أمور مخصوصة والجواب أن الأمور مرهونة بأوقاتها. وقال انتهاء أمراض الأنبياء إلى حد التنفير من القبول غير جائز. والجواب المنع ولا سيما بشرط العافية في العاقبة. قوله سبحانه {فكشفنا ما به من ضر} مجمل يقتضي إعادته إلى ما كان في بدنه وأحواله. وقوله: {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} تفصيل لذلك المجمل وفيه قولان: الأول قال ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومقاتل والكلبي: إن الله تعالى أحيا له أهله يعني أولاده بأعيانهم. والثاني قال الليث: ارسل مجاهد إلى عكرمة وسئل عن الآية فقال: أراد أهلك لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا. فقد روي أن زوجته ولدت بعد ذلك ستة وعشرين ابناً له. ثم بين الحكمة في ذلك الابتلاء ثم الاستجابة بقوله {رحمة من عندنا} لأيوب {وذكرى} لغيره من العابدين للرحمن أو الرحمة والذكرى كلاهما {للعابدين} لكي يتفكروا فيصبروا كما صبر حتى يثابوا في الدارين كما أثيب. وإنما خص الرحمة والتذكرة بالعابدين لأنهم هم المنتفعون بذلك لا الذين يعبدون الهوى والشيطان. قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة {رحمة من عندنا} وقال في "ص" {أية : رحمة منا}تفسير : [ص: 43] لأنه بالغ ههنا في الدعاء بزيادة قوله: {وأنت أرحم الراحمين} فبالغ في الاستجابة لأن لفظ "عند" يدل على مزيد التخصيص وأنه سبحانه تولى ذلك من غير واسطة. وحين ذكر صبر أيوب وانقطاعه إليه ذكر غيره من الأنبياء المشهورين بالصبر منهم إسماعيل عليه السلام، صبر على الانقياد للذبح وعلى الإقامة بوادٍ لا زرع فيه ولا ضرع، وصبر على بناء البيت ورفع قواعده، فلا جرم أخرج الله ببركة ذلك من صلبه خاتم النبيين، ومنهم إدريس وقد مر ذكره في سورة مريم. قال ابن عمر: بعث إلى قومه داعياً لهم إلى الله فأبوا فأهلكهم الله ورفع إدريس إلى السماء. ومنهم ذو الكفل قيل: هو زكريا وعلى هذا فقد تقدمت قصته أيضاً. وفي هذا القول نظر، لأن قصة زكريا تجيء عن عقيب فيلزم التكرار. وقيل: هو إلياس وكان خمسة من الأنبياء ذوي اسمين: إسرائيل ويعقوب، وإلياس وذو الكفل، وعيسى والمسيح، ويونس وذو النون، ومحمد وأحمد. وقيل: يوشع بن نون سمي بذلك لأنه ذو الحظ من الله ديناً ودنيا، أو لأنه كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه وضعف ثوابهم. وقال أبو موسى الأشعري ومجاهد: إنه لم يكن نبياً ولكن كان عبداً صالحاً، وقال الحسن والأكثرون: إنه من الأنبياء وهذا أقرب لأنه معطوف عليهم معدود فيما بينهم. يروى عن ابن عباس أن اليسع أو نبياً آخر في بني إسرائيل قربت وفاته فأراد أن يستخلف رجلاً على الناس فقال: من يقبل مني خلافتي على أن يصلي بالليل ويصوم بالنهار ويقضي بين الناس فلا يغضب؟ فقام رجل وقال: أنا أتكفل لك هذه الثلاثة فدفع إليه ملكه ووفى بما ضمن، فحسده إبليس فأتاه وقت القيلولة فقال: إني لي غريماً قد ظلمني حقي وقد دعوته إليك فأبى فأرسل معي من يأتيك به، فأرسل معه وقعد حتى فاتته القيلولة وعاد إلى صلاته وصلى ليله إلى الصباح، ثم أتاه من الغد وقال مثل ذلك حتى شغله عن القيلولة وهكذا في اليوم الثالث. وقيل: إنه في اليوم الثالث قال للبواب: قد غلب عليّ النعاس فجاء إبليس فلم يأذن له البواب فدخل من كوة البيت ودق الباب من داخل، فاستيقظ الرجل وعاتب البواب فقال: أما من قبلي فلم تؤت فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق وإبليس على صورة شيخ في البيت فقال له: أتنام والخصوم على الباب فعرفه وقال: إبليس؟ قال: نعم. أعييتني في كل شيء فعلت هذه الأفعال لأغضبك فعصمك الله مني فسمي ذا الكفل لأنه قد وفى بالكفالة. ولا خلاف أن ذا النون هو يونس لأن النون هو المسكة والاسم إذا دار بين أن يكون لقباً محضاً وبين أن يكون مقيداً فحمله على المقيد أولى. واختلفوا في أن وقوعه في بطن الحوت كان قبل اشتغاله بأداء الرسالة أو بعد. أما القول الأوّل فعن ابن عباس أن يونس وقومه كانوا من فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً وبقي سبطان ونصف، فأوحى الله تعالى إلى شعيب عليه السلام أن اذهب إلى حزقيل الملك وقل له حتى يوجه نبياً قوياً فإني ألقي في قلوب أولئك أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فقال له الملك: من ترى وكان في مملكته خمسة من الأنبياء؟ فقال: يونس بن متى. فإنه قويّ أمين. فدعاه الملك وأمره أن يخرج فقال له يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا. قال: فههنا أنبياء غيري فألحوا عليه فخرج مغاضباً للملك ولقومه فأتى بحر الروم فوجد قوماً هناك وسفينة فركب معهم فاضطربت السفينة حتى كادوا أن يغرقوا فقال الملاحون: ههنا رجل عاصٍ أو عبد آبق لأن السفينة لا تفعل هذا من غير ريح، إلا وفيها رجل عاصٍ، ومن عادتنا في مثل هذا البلاء أن نقترع فمن خرجت له القرعة ألقيناه في البحر حتى تسلم السفينة. فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة كلها على يونس. فقال: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق وألقى نفسه في البحر فابتلعه حوت، فأوحى الله تعالى إلى الحوت لا تؤذ منه شعرة فإني جعلت بطنك سجناً له ولم أجعله طعاماً لك. ثم نجاه الله من بطن الحوت فنبذه بالعراء كالفرخ المنتوف ليس عليه شعر ولا جلد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرتها حتى اشتد، فلما يبست الشجرة حزن عليها يونس فقيل له. أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو يزيدون حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب سلامتهم؟. فتوجه يونس نحوهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد فقال لملكهم: إن الله أرسلني إليك لترسل معي بني إسرائيل. فقالوا: ما نعرف ما تقول ولو علمنا أنك صادق لفعلنا ولقد أتيناكم في دياركم وسبيناكم، فلو كان كما تقول لمنعنا الله منكم. فطاف فيهم ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله إليه قل لهم: إن لم تؤمنوا جاءكم العذاب. فأبلغهم فأبوا فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه. فقال علماؤهم: اطلبوه فإِن كان في المدينة فليس ما ذكره بشيء، وإن كان قد خرج فهو كما قال. فطلبوه فلم يجدوه، فلما أيسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم وغنمهم وعزلوا الوالدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات، فلما طلع الصبح رأوا العذاب ينزل من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها وصاح الصبيان وثغت المواشي فرفع الله عنهم فبعثوا إلى يونس وآمنوا به وبعثوا معه بني إسرائيل. القول الثاني وعليه أكثر المفسرين: أن قصة الحوت كانت بعد دعائه أهل نينوى وتبليغه رسالة الله إليهم كما مر في سورة يونس. واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه القصة من وجوه: الأوّل أنه ذهب مغاضباً لربه هكذا فسره ابن عباس وابن مسعود والحسن والشعبي وسعيد وابن جبير ووهب واختاره ابن قتيبة ومحمد بن جرير، ومن المعلوم أن مغاضبة الله من أعظم الذنوب. ولئن سلم أنه كان مغاضباً لقومه فذلك ايضاً محظور لأنه كان يجب أن يصبر معهم. الثاني قوله {فظن أن لن نقدر عليه} وهو شك في قدرة الله. الثالث اعترافه بأنه من الظالمين والظلم من صفات الذم. الرابع: إخبار الله تعالى في موضع آخر بقوله {أية : فالتقمه الحوت وهو مليم}تفسير : [الصافات: 142] والمليم ذو الملامة. الخامس: قوله للنبي صلى الله عليه وسلم {أية : ولا تكن كصاحب الحوت}تفسير : [القلم: 48] وقال في موضع آخر {أية : فاصبر كما صبر أُوْلُوْا العزم}تفسير : [الأحقاف: 35] والجواب أنه عليه السلام غضب لأجل ربه أنفة لدينه وبغضاً للكفر وأهله، وغاضب قومه بمفارقته كي يخوّفهم حلول العقاب عليهم عندها. فغاية ما في الباب أن تلك المغاضبة ترك الأولى وهو الصبر على مشاق الرسالة بعد ادائها إلى أن يأذن الله له في المهاجرة. وعن الثاني أن معنى. {لن نقدر عليه} لن نضيق كقوله {أية : الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} تفسير : [الرعد: 26] {ومن قدر عليه رزقه} [الطلاق: 7] فهو من القدر لا من القدرة، ويجوز أن يكون من القدر بمعنى القضاء. قال الزجاج: يقال قدر الله الشيء قدراً وقدره تقديراً. والمعنى فظن أن لن نقضي عليه بشدة وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي وابن عباس في رواية واختاره الفراء والزجاج. يقال: قدر الله عليه الضراء وقدر له السراء كما يقال: قدر القاضي على فلان أوله. ولئن سلمنا أنه من القدرة فالمراد القدرة بالفعل أي فظن أن لن نعمل فيه قدرتنا، فالقدرة غير وإعمالها غير، فظن انتفاء الأول كفر دون الثاني أو هو وارد على سبيل التمثيل والاستعارة أي كانت حاله ممثلة بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمر الله، أو هو استفهام بمعنى التوبيخ معناه أفظن أن لن نقدر عليه: عن ابن زيد. سلمنا الكل لكن هذه الواقعة لعلها قبل رسالته كما حكينا ومثل هذا الظن في حق غير الأنبياء لا يبعد بوسوسة الشيطان، ولكن المؤمن يرده بعد ذلك بالبرهان. وعن البواقي أن الكل راجع إلى ترك الأولى ونحن لا ننكر ذلك وكفى بذكر يونس في عدد الأنبياء الصابرين الصالحين دليلاً على أنه لم يصدر عنه شيء ينافي عصمته والله تعالى أعلم. أما قوله {فنادى في الظلمات} فمعنى الجمع راجع إلى شدة الظلمة وتكاثفها أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله {أية : يخرجونهم من النور إلى الظلمات}تفسير : [البقرة: 257] وقيل: ظلمات بطن الحوت والبحر والليل. وقيل: ابتلع حوته حوت أكبر منه فحصل في ظلمتي بطن الحوتين وظلمة البحر. وقيل: إن الحوت إذا عظم غوصه في البحر كان ما فوقه من البحر ظلمة في ظلمة. ومعنى {أن لا إله إلا أنت} أي لا إله إلا أنت أو بأنه لا إله إلا أنت {سبحانك} تنزيه له عن كل النقائص. منها الظن المذكور على أي وجه فرض، ومنها العجز عن تخليصه، ومنها خلو ذلك الفعل عن حكمة كاملة. {إني كنت من الظالمين} بالفرار من غير إذن وأنا الآن من التائبين وفيه من حسن الطلب ما فيه فلذلك قال {فاستجبنا له} ثم بين الاستجابة بقوله {ونجيناه من الغم} أي من غمه بسبب كونه في بطن الحوت وبسبب خطيئته {و} كما أنجينا يونس من كرب الحبس إذ دعانا {كذلك ننجي المؤمنين} من كل كرب إذا استغاثوا بنا. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له"تفسير : . وعن الحسن: ما نجاه الله إلا إقراره على نفسه بالظلم. وقد بقي في الآية بحث لفظي وهو أن بعض أهل العربية غلطوا عاصماً في قراءته {نجي} بالتشديد والنون لا تدغم في الجيم. واستخرج بعضهم له وجهاً وهو أن يكون {نجي} فعلاً ماضياً مجهولاً من التنجية لكنه أرسل الياء وأسند الفعل إلى المصدر المضمر ونصب المؤمنين بذلك المصدر أي نجى نجاء المؤمنين كقولك "ضرب الضرب زيداً" ثم ضرب زيداً على إضمار المصدر، وأنشد ابن قتيبة حجة لهذه القراءة: شعر : ولو ولدت فقيرة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكلابا تفسير : وقال أبو علي الفارسي وغيره من الأئمة المحققين: إن مثل هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر وإنما الوجه الصحيح في قراءة عاصم أن يحمل ذلك على الإخفاء، فلعل الراوي التبس عليه فظنه إدغاماً. ثم بين انقطاع زكريا وتبتله غليه رغبة فيمن يؤنسه ويعينه في أمر دينه ودنياه وإن انتهى الحال به وبزوجته في الكبر إلى حد اليأس من ذلك عادة. وفي قوله {وأنت خير الوارثين} وجهان: أحدهما أنه ثناء على الرب بأن مآل كل الأمور إليه فيكون مؤكداً لما فوض إليه أمر الولد. والثاني أنه اراد إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث. وفي إصلاح زوجه وجوه: منها أنها جعلت صالحة للولادة بعد عقرها. ومنها أنها جعلت حسنة الخلق وكانت سيئة الخلق، ولا شك أن حسن خلق الزوج نعمة عظيمة. ومنها أن الإصلاح يتعلق بأمر الدين كأنه سأل ربه المعونة على الدين والدنيا بالولد والأهل جميعاً. ويرد على الوجه الأول إن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد، والجواب أن الواو لا تفيد الترتيب أو أراد بالهبة إرادة الهبة. أما الضمير في قوله {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} فقد قيل: إنه عائد إلى زكريا وولده وأهله. وقال جار الله: إنه للمذكورين من الأنبياء عليهم السلام يريد أنهم ما استحقوا الإجابة إلى طلباتهم إلا لمسارعتهم في تحصيل الخيرات، وهذا من أجلّ ما يمدح به المؤمن لأنه يدل على الجد والرغبة في الطاعة. {ويدعوننا رغباً} في ثوابنا {ورهباً} عن عقابنا. ومعنى {خاشعين} قال الحسن: ذللاً لأمر الله. وقيل: متواضعين. وعن مجاهد: الخشوع الخوف الدائم في القلب. وفي تقديم الجار والمجرور على {خاشعين} إشارة إلى أنهم لا يخشون أحداً إلا الله. وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه الذي إذا ارخى ستره وأغلق بابه رأى الله منه خيراً ليس هو الذي يأكل خشباً اي علقاً ويبلس خشناً ويطأطئ رأسه. ولما فرغ من ذكر الرجال الكاملين ذكر من هي سيدة نساء العالمين فمدحها بإحصان فرجها إحصاناً كلياً من الحلال والحرام جميعاً حتى إنها منعت جبرائيل جيب درعها قبل أن عرفته. والنفخ فيها عبارة عن إحياء عيسى في بطنها أي فنفخنا الروح في عيسى فيها كقول الزامر "فنفخت في بيت فلان" أي نفخت في المزمار في بيته، أو المراد وفعلنا النفخ في مريم من جهة روحنا -وهو جبرائيل- لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ غلى جوفها. وهذا البيان هو المراد في سورة التحريم فلذلك قال {أية : فنفخنا فيه}تفسير : [التحريم: 12] أراد فرج الجيب أو غيره. وإنما قال {وجعلناها وابنها آية للعالمين} لأنه أراد أن مجموعهما آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير أب. التأويل: الإشارات المفهومة من قصص الأنبياء أكثرها مرّ فلنذكر ما يختص بالمقام. منها قوله {بل فعله كبيرهم} أي الله الكبير لأن كسر الأصنام ليس من طبيعة الإنسانية بل من طبيعتها أن تنحتها، فإن صدر من أحدهم كسرها فإنما ذلك بتوفيق الله وتأييده. فقوله {هذا} بدل الكلِ من الضمير في فعله: {قالوا حرقوه} إذا أراد الله أن يكمل عبداً من عباده المخلصين فداه خلقاً عظيماً كما أراد استكمال حوت في البحر فداه كثيراً من الحيتان الصغار، فلما أراد تخليص جسد الخلة من غش البشرية جعل نمرود وقومه فداء له حتى أجمعوا على تحريقه ولم يعلموا أن تلك النار له نور. وذلك العذاب له روح وريحان، لأن نار العشق قد احرقت أنانيته حتى لم ير غير الله بل لم يبق إلا هو فلم يمكن للنار أن تتصرف فيه فوقع قوله: {قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} تمثيلاً لهذا المعنى. شعر : بالنار خوفني قومي فقلت لهم النار ترحم من في قلبه نار تفسير : ونجينا إبراهيم الروح ولوط القلب من أرض البشرية إلى أرض الروحانية المتبركة المشرفة المشرقة لتجلي الذات والصفات. {ونجيناه} من قرية القالب. {التي كانت تعمل الخبائث} بالأوصاف البهيمية والسبعية {وداود} الروح {وسليمان} القلب {إذ يحكمان في} شأن حرث الدنيا {إذ نفشت} اي دخلت فيه في ظلمة ليل البشرية {غنم القوم} أي الصفات البشرية من غير راعي العقل فأفسدت الحرث بالإفراط والإسراف. فحكم الروح بانجذابه إلى عالمه بالكلية أن يمنع الأوصاف عن التصرف فيها مطلقاً. {ففهمناها سليمان} القلب لكونه متقلباً في طودي الروح والجسد أن يحكم بمنع التصرف فيها إلى أن يعود الحرث من حالة الإسراف فيه المؤدي إلى الفساد إلى حالة التوسط والاعتدال الذي هو المعتبر في باب الكمال والإكمال جمعاً بين المصلحتين ورعاية للجانبين. {وسخرنا مع داود الجبال} وهي الأعضاء والجوارح التي فيها ثقل وكثافة {يسبحن} بتسبيحه {والطير} وهن القوى الحيوانية السيارة بل الطيارة بين قضاء القلب والقالب. هذا في الباطن، وأما في الظاهر فإذا استولى سلطان الذكر على أجزاء البدن انعكس نوره في مرآة القلب إلى ما يحاذيها من الجمادات والحيوانات فيذكر ما يذكره كالحصاة سبحت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن بعض الصحابة أنه قال: كنا نأكل الطعام ونسمع تسبيحه {وعلمنا صنعة لبوس لكم} إن الله تعالى ألهم داود الروح كيفية إلانة القلب الذي هو في القساوة بمنزلة الحديد حتى يتولد من ذلك القلب أوصاف حميدة تحصن الإنسان من بأس الأعداء التي هي النفس والهوى والشيطان. وسخرنا لسليمان} القلب ريح الروح الحيواني فإنه مركب الروح الإنساني به يتهيأ له السير إلى مقام بورك له فيه {ومن الشياطين} وهم الأوصاف النفسية {من يغوصون له} في بحر الحديد فيستخرجون درر الفضائل الإنسية {ويعملون عملاً دون ذلك} من الوسائط والوسائل إلى تلك الفضائل: {وكنا لهم حافظين} من أن يزيغوا عن سواء السبيل ويميلوا عن جادة الشريعة وقانون الطريقة. قال أهل التحقيق: إذا بلغ الإنسان مبلغ الرجال البالغين سخر الله له بحسب مقامه السفليات والعلويات كما سخر لسليمان الريح والجن والشياطين والطير ومن العلويات الشمس حين ردت أجل صلاته، وسخر لنبينا جميع السفليات والعلويات حتى قال "حديث : زويت لي الأرض"تفسير : وقال "حديث : أوتيت مفاتيح خزائن الأرض"تفسير : وكان الماء ينبع من بين أصابعه. وقال "حديث : نصرت بالصبا"تفسير : وكانت الأشجار تسلم عليه وتسجد له وتنقلع بإشارته من مكانها وترجع، والحيوانات تتكلم معه وتشهد بنبوته. وقال "حديث : أسلم شيطاني على يدي"تفسير : . وأما من العلويات فقد انشق القمر بإشارته وسخر له البراق وجبرائيل، وعبر السموات والجنة والنار والعرش والكرسي إلى مقام قاب قوسين أو أدنى. {وأيوب} القلب المبتلى بديوان الهواجس والوساوس الذي فارقه أوصافه الحميدة وأخلاقه الشريفة لشدة تألمه بالعلائق البدنية وعوائق الأمور الدنيوية {فكشفنا ما به من ضر} بأن قلنا له {أية : اركض برجلك}تفسير : [ص: 42] نظيره {أية : وألق ما في يمينك}تفسير : [طه: 69] لينبع ماء حياة العلم والمعرفة فتسلم من تعلقات الكونين المؤذية للقلب والروح {إذ ذهب} من عالمه {مغاضباً} لغيره من المجردات فألقي في بحر الدنيا فالتقمه حوت النفس الأمارة بالسوء، وابتلع حوت النفس حوت القالب {فنادى} في ظلمات حجب النفس والقالب والدنيا {وزكريا} الروح {وهبنا له يحيى} القلب {واصلحنا له} زوج القالب {ويدعوننا رغباً} في الفناء فينا {ورهباً} من البقاء بأنانيتهم {وكانوا لنا خاشعين} أما القالب فبأعمال الشريعة، وأما النفس فبتهذيب الأخلاق، وأما القلب فبالاطمئنان بذكر الله، وأما السر فباجتهاده في كشف الأسرار، وأما الروح فببذل الوجود في طلب المعبود، وأما الخفي فبإفنائه في الله وبقائه بالله. {ومريم} النفس {التي أحصنت} قلبها عن تصرفات الكونين فأحييناها بالحياة الأبدية.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إِبْرٰهِيمَ رُشْدَهُ...} الآية. الرُّشْدُ عامٌّ، أي: في جميع المَرَاشِدِ وأنواعِ الخيراتِ. وقال الثعلبيُّ: {رُشْدَهُ}، أي: توفيقَه، وقيل: صَلاَحَهُ, انتهى. وقوله: {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ}: مَدْحٌ لإبراهيمَ عليه السلام، أي: عالمين بما هَلَّ له؛ وهذا نحو قولِهِ تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام:124] والتماثيل: الأصنام.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ} الآية. "رُشْدَهُ" مفعول ثان. وقرأ العامة "رُشْدَهُ" بضم الراء وسكون الشين، وعيسى الثقفي بفتحها. والرُّشْدُ والرَّشَدُ كالعُدْم والعَدَم، وقد تقدم الكلام عليهما. والمراد بالرُّشْد: النبوة لقوله {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ}، لأنه تعالى إنَّمَا يخص بالنبوة من يعلم من حاله أنه في المستقبل يقوم بحقها ويجتنب ما لا يليق بها ويحترز عما ينفر قومه من القبول. وقيلب: الرُّشْد: الاهتداء لوجوه الصلاح في الدين والدنيا لقوله تعالى: {أية : فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} تفسير : [النساء: 6] وقيل: يدخل تحت الرشد النبوة والاهتداء. قوله: "مِن قَبْلُ" أي: من قبل موسى وهارون، قاله ابن عباس، وهذا أحسن ما قدر به المضاف إليه وقيل: من قبل بلوغه أو نبوته حين كان في السرب فظهرت له الكواكب، فاستدل بها، وهذا على قول من حمل الرشد على الاهتداء وإلا لزمه أن يحكم بنبوته - عليه السلام - قبل البلوغ. قاله مقاتل. وروى الضحاك عن ابن عباس معنى "مِن قَبْلُ" أي: حين كان في صلب آدم لما أخذ الله ميثاق النبيين. والضمير في "بِهِ" يعود على "إبْرَاهِيمَ". وقيل: على "رُشْدَهُ". والمعنى: أنه تعالى علم منه أشياء بديعة وأسراراً عجيبة حتى أهّله لأن يكون خليلاً له، وهذا كقولك في رجل كبير: أنا عالم بفلان، فإنَّ هذا الكلام في الدلالة على تعظيمه أدل مما إذا شرحت حال كماله. فصل دَلَّت الآية على أنَّ الإيمان مخلوق لله تعالى، لأنَّهُ لو كان الرشد هو التوفيق والبيان، وقد فعل الله تعالى ذلك بالكفار فيجب أن يكون قد آتاهم رشدهم. وأجاب الكعبي: بأنَّ هذا يقال فيمن قَبِلَ لا فيمن ردَّ، وذلك كمن أعطى المال لولدين فقبله أحدهما وثمره، وردَّه الآخر أو أخذه ثم ضيعه، يقال: أغنى فلان ابنه فيمن ثمر المال، ولا يقال فيمن ضيع. وهذا الجواب لا يتم إلا إذا جعلنا قبوله جزءاً من مسمى الرّشد وذلك باطل، لأنَّ المسمى إذا كان متركباً من جزأين ولا يكون أحدهما مقدور الفاعل لم يجز إضافة ذلك المسمى إلى الفاعل، فكان يلزم أن لا يجوز إضافة الرشد إلى الله تعالى بالمفعولية لكن النص وهو قوله {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} صريح في أنَّ ذلك الرشد إنما حصل من الله تعالى فبطل قوله. قوله: "إذْ قَالَ" يجوز أن يكون منصوباً بـ "ءَاتَيْنَا" أو بـ "رُشْدَهُ" أو بـ "عَالِمِينَ" أو بمضمر أي: اذكر وقت قوله. وجَوَّز أبو البقاء فيه أن يكون بدلاً من موضع "قَبْلُ". أي: أنه يحل محله فيصح المعنى إذْ يصير التقدير: ولقد آتيناه رشداً إذْ قال. وهو بعيدٌ من المعنى بهذا التقدير. قوله: {مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ} أي: الصور، يعني: الأصنام. والتمثال: اسم للشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله. وأصله من مثَّلْتُ الشيء بالشيء: إذا شبهته به، فاسم ذلك المُمَثَّل تِمْثَال. والتَّمَاثِيلُ: جمع تِمْثَال، وهو الصورة المصنوعة من رخام، أو نحاس، أو خشب، أو حديد؛ يشبه بخلق الآدمي وغيره من الحيوانات، فال امرؤ القيس: شعر : 3724- فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهَوْتُ وَلَيْلَةٍ بِآنِسَةٍ كَأَنَّهَا خَطُّ تِمْثَالِ تفسير : قوله: "لَهَا" قيل: اللام للعلة، أي: عاكفون لأجلها. وقيل: بمعنى (على)، أي: عاكفون عليها. وقيل: ضمّن "عَاكِفُونَ" معنى عابدين فلذلك أتى باللام وقال أبو البقاء: وقيل: أفادت معنى الاختصاص. وقال الزمخشري: لم ينو للعاكفين مفعولاً، وأجراه مجرى ما لا يتعدى كقوله: فاعلون العكوف لها، أو واقفون لها. فإن قلت: هلاَّ قيل: عليها عاكفون كقوله: {أية : يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ} تفسير : [الأعراف: 138] قلت: لو قصد التعدية لعداه بصلته التي هي "على". قال شهاب الدين: الأولى أن تكون اللام للتعليل وصلة "عَاكِفُونَ" محذوفة أي: عاكفون عليها، أي: لأجلها لا لشيء آخر. قوله: {قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} "عَابِدِينَ" مفعول ثان لـ "وَجَدْنَا" و "لَهَا" لا تعلق له، لأنَّ اللام زائدة في المفعول به لتقدمه. فصل اعلم أنَّ القوم لم يجدوا في جوابه إلاَّ طريقة التقليد فأجابوه بأنَّ آباءهم سلكوا هذا الطريق، فاقتدوا بهم، فلا جرم أجابهم إبراهيم - عليه السلام - بقوله: {لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} فبين أنَّ الباطل لا يصير حقاً بكثرة المتمسكين به. قوله: "أَنتُمْ" تأكيد للضمير المتصل. قال الزمخشري: و "أَنتُمْ" من التأكيد الذي لا يصح الكلام مع الإخلال به، لأن العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع، ونحوه {أية : ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [البقرة: 35]، [الأعراف: 19]. قال أبو حيان: وليس هذا حكماً مجمعاً عليه فلا يصح الكلام مع الإخلال به، لأنَّ الكوفيين يجيزون العطف على الضمير المتصل المرفوع من غير تأكيد بالضمير المنفصل، ولا فصل، وتنظير ذلك بـ {أية : ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ} تفسير : [البقرة:35]، [الأعراف:19] مخالف لمذهبه في {ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ} لأنه يزعم أَنَّ "وَزَوْجُكَ" ليس معطوفاً على الضمير المستكن في "اسْكُنْ" بل مرفوع بفعل مضمر أي: وليسكن، فهو عنده من قبيل عطف الجمل، وقوله هذا مخالف لمذهب سيبويه. قال شهاب الدين: لا يلزم من ذلك أنه خالف مذهبه إذ يجوز أن ينظر بذلك عند من يعتقد ذلك وإن لم يعتقد (هو). و "فِي ضَلاَلٍ" يجوز أن يكون خبراً إن كانت (كَانَ) ناقصة، أو متعلقاً بـ "كُنتُمْ" إن كانت تامة. قوله: {أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ} لما حقق عليه السلام ذلك عليهم، ولم يجدوا من كلامه مخلصاً ورأوه منكراً عليهم من كثرتهم {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ} فأوهموه بهذا الكلام أنه يبعد أن يقدم على الإنكار عليهم جاداً في ذلك، وقالوا: أجاد أنت فيما تقول أم لاعب، فأجابهم بقوله - عليه السلام - {بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلْسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية. قوله "بالحَقِّ" متعلق بـ "جئت"، وليس المراد به حقيقة المجيء إذ لم يكن غائباً. و "أَمْ أَنتَ" "أَمْ" متصلة وإن كان بعدها جملة، لأنها في حكم المفرد إذ التقدير: أي الأمرين واقع مجيئك بالحق أم لعبك كقوله: شعر : 3725- ما أُبَالِي أَنَبَّ بِالحَزْنِ تَيْسٌ أَمْ لَحَانِي بِظَهْرٍ غَيْبٍ لَئِيمُ تفسير : وقوله: شعر : 3726- لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي، وَإِنْ كُنْتَ دَارِياً شُعَيْبُ بنُ سَهْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ تفسير : يريد: أي الأمرين واقع، ولو كانت منقطعة لَقُدِّرَتْ بـ (بل) والهمزة وليس ذلك مراداً. قوله: "الذي فَطَرَهُنَّ" يجوز أن يكون مرفوع الموضع أو منصوبه على القطع. والضمير المنصوب في "فَطَرَهُنَّ" للسموات والأرض. قال أبو حيان: ولما لم تكن السموت والأرض تبلغ في العدد الكثير منه جاء الضمير ضمير القلة. قال شهاب الدين: إن عنى لم تبلغ كل واحد من السموات والأرض فمسلم ولكنه غير مراد، بل المراد المجموع، وإن عنى لم تبلغ المجموع منهما فغير مسلم، لأنه يبلغ أربع عشرة، وهو فوق حد جمع الكثرة، اللهم إلاَّ أنْ نقول: إنَّ الأرض شخص واحد وليست بسبع كالسماء على ما رآه بعضهم، فيصح له ذلك، ولكنه غير معول عليه. وقيل: على التماثيل. قال الزمخشري: وكونه للتماثيل أثبت لتضليلهم وأدخل في الاحتجاج عليهم. وقال ابن عطية: "فَطَرَهُنَّ" عبارة عنها كأنها تعقل، وهذا من حيث لها طاعة وانقياد، وقد وصفت في مواضع بوصف من يعقل. وقال غيره: "فَطَرَهُنَّ" أعاد ضمير من يعقل لما صدر منهن من الأحوال التي تدل على أنهما من قبيل مَنْ يعقل، فإنَّ الله تعالى أخبر بقوله: {أية : أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11] وقوله - عليه السلام - "حديث : أَطّتِ السماءُ وحقَّ لها أن تَئِطّ"تفسير : . قال شهاب الدين: كأنَّ ابن عطية وهذا القائل توهما أنَّ (هُنَّ) من الضمائر المختصة بالمؤنثات العاقلات، وليس كذلك بل هو لفظ مشترك بين العاقلات وغيرها قال تعالى: {أية : مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} تفسير : [التوبة: 36] ثم قال تعالى: {أية : فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ} تفسير : [التوبة: 36]. قوله: "عَلَى ذَلِكُمْ" متعلق بمحذوف أو بـ "الشَّاهِدِينَ" اتساعاً، أو على البيان، وقد تقدم نظيره نحو {أية : لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 21]. فصل اعلم أنَّ القوم لمَّا أوهموه أنه كالمازح في ما خاطبهم به أمر أصنامهم أظهر ذلك بالقول أولاً ثم بالفعل ثانياً. أمَّا القول فهو قوله: {بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وهذا يدل على أنَّ الخالق الذي خلقها لمنافع العباد هو الذي يحسن أن يعبد لأن القادر على ذلك هو الذي يقدر على الضرر والنفع، وهذه الطريقة هي نظير قوله: {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 42]، ثم قال: {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} أي: على أنه لا إله إلا الذي لا يستحق العبادة إلا هو. وقيل: "مِّنَ الشَّاهِدِينَ" على أنه خالق السموات والأرض. وقيل: إنِّي قادر على إثبات ما ذكرته بالحجة، وإني لست مثلكم أقول ما لا أقدر على إثباته بالحجة، ولم تزيدوا على أنكم وجدتم عليه آباءكم. وقيل: المراد منه المبالغة في التأكيد والتحقيق، كقول الرجل إذا بالغ في مدح آخر أو ذمه: أشهد أنه كريم أو ذميم.

البقاعي

تفسير : ولما كان مقصود السورة الدلالة على القدرة على ما استبعده العرب من إعادة الحيوان بعد كونه تراباً، وبدأ ذكر الأنبياء بمن صرفه في العناصر الأربعة كما تقدم قص ذلك من التوراة في سورتي البقرة والأعراف إشارة إلى من استبعد عليه ما جعله إلى بعض عبيده أعمى الناس، تلاه من الأنبياء بمن سخر له واحداً من تلك العناصر، مرتباً لهم على الأخف في ذلك فالأخف على سبيل الترقي، فبدأهم بذكر من سخر له عنصر النار، مع التنبيه للعرب على عماهم عن الرشد بإنكاره للشرك بعبادة الأوثان على أبيه وغيره، ودعائهم إلى التوحيد، والمجاهدة في الله على ذلك حق الجهاد، وهو أعظم آباء الرادين لهذا الذكر، والمستمسكين بالشرك تقليداً للآباء، إثباتاً للقدرة الباهرة الدالة على التوحيد الداعي إليه جميع هؤلاء الأصفياء، هذا مع مشاركته بإنزال الصحف عليه لموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ومشاركته لهما في الهجرة، وإذا تأملت ما في سورتي الفرقان والشعراء ازداد ما قلته وضوحاً، فإنه لما أخبر تعالى أنهم قالوا {أية : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة}تفسير : [الفرقان: 32] بدأ بقصة موسى الذي كتب له ربه في الألواح من كل شيء، وقومه مقرّون بعظمة كتابه وأنه أوتي من الآيات ما بهر العقول، وكفر به مع ذلك كثير منهم. ولما قال في الشعراء {أية : ما يأتيهم من ذكر من الرحمـن محدث}تفسير : [الآية:5] كما هنا، صنع كما صنع هنا من البداءة بقصة موسى عليه السلام وإيلائها ذكر إبراهيم عليه السلام فقال تعالى: {ولقد ءاتينا} بما لنا من العظمة {إبراهيم رشده} أي صلاحه و إصابته وجه الأمر واهتداءه إلى عين الصواب وأدل الدلالة وأعرف العرف وأشرف القصد الذي جلبناه عليه؛ وقال الرازي في اللوامع: والرشد قوة بعد الهداية - انتهى. وأضافة إليه إشارة إلى أنه رشد يليق به على علو مقامه وعظم شأنه لا جرم ظهر عليه أثر ذلك من بين أهل ذلك الزمان كلهم فآثر الإسلام على غيره من الملل {من قبل} أي قبل موسى وهارون عليهما السلام {وكنا} بما لنا من العظمة {به} ظاهراً وباطناً {عالمين*} بأنه جبلة خير يدوم على الرشد ويترقى فيه إلى أعلى درجاته لما طبعناه عليه بعظمتنا من طبائع الخير؛ وتعليقُ {إذ قال} أي إبراهيم {لأبيه وقومه} بـ {عالمين} إشارة إلى أن قوله لما كان بإذن منا ورضى لنا نصرناه - وهو وحده - على قومه كلهم، ولو لم يكن يرضينا لمنعناه منه بنصر قومه عليه وتمكين النار منه، فهو مثل ما مضى في قوله { قل ربي يعلم القول في السماء والأرض} ومفهوم هذا القيد لا يضر لأنه لا يحصي ما ينفيه من المنطوقات، وإن شئت فعلقه بـ {آياتنا}؛ ثم ذكر مقول القول في قوله منكراً عليهم محقراً لأصنامهم في أسلوب التجاهل لإثبات دعوى جهلهم بدليل: {ما هذه التماثيل} أي الصور التي صنعتموها مماثلين بها ما فيه روح، جاعلين بها ما لا يكون إلا لمن لا مثل له، وهي الأصنام {التي أنتم لها} أي لأجلها وحدها، مع كثرة ما يشابهها وما هو أفضل منها {عاكفون*} أي موقعون الإقبال عليها مواظبون على ذلك، فبأي معنى استحقت منكم هذا الاختصاص، وإنما هي مثال للحي في الصورة وهو أعلى منها بالحياة التي أفاضها الله عليه. ولما أتاهم بهذا القاصم، استأنف الخبر سبحانه عن جوابهم بقوله: {قالوا} مسوين أنفسهم بالبهائم التي تقاد ولا علم بما قيدت له: {وجدنا ءاباءنا لها} خاصة {عابدين*} فاقتدينا بهم لا حجة لنا غير ذلك. ولما غلوا في الجهل غير محتشمين من إقرارهم على أنفسهم به، بالاستناد إلى محض التقليد بعد إفلاسهم من أدنى شبهة فضلاً عن الدليل، استأنف الله تعالى الإخبار عن جوابه بقوله: {قال} أي منبهاً لهم بسوط التقريع على أن الكلام مع آبائهم كالكلام معهم: {لقد كنتم} وأكد بقوله: {أنتم} لأجل صحة العطف لأن الضمير المرفوع المتصل حكمه حكم جزء الفعل، هذا مع الإشارة إلى الحكم على ظواهرهم وبواطنهم {وءاباؤكم} أي من قبلكم {في ضلال} قد أحاط بكم إحاطة الظرف بالمظروف والمسلوك بالسلك {مبين*} ليس به نوع من الخفاء.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏ولقد آتينا إبراهيم رشده‏} ‏ قال‏:‏ هديناه صغيراً‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏ما هذه التماثيل‏} ‏ قال‏:‏ الأصنام‏. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ولقد آتينا إبراهيم رشده‏}‏ يقول‏:‏ آتيناه هداه‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏التي أنتم لها عاكفون‏} ‏ قال‏:‏ عابدون‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين‏} ‏ أي على دين، وإنا متبعوهم على ذلك‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن علي بن أبي طالب أنه مر على قوم يلعبون بالشطرنج فقال‏:‏ ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون‏؟‏ لأن يمس أحدكم جمراً حتى يطفأ خير له من أن يمسها‏. وأخرج ابن عساكر عن علي قال‏:‏ لا يسلم على أصحاب النردشير والشطرنج‏.

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إِبْرٰهِيمَ رُشْدَهُ} أي الرشدَ اللائقَ به وبأمثاله من الرسل الكبارِ وهو الاهتداءُ الكاملُ المستند إلى الهداية الخاصةِ الحاصلةِ بالوحي والاقتدار على إصلاح الأمةِ باستعمال النواميسِ الإلٰهية، وقرىء رَشَدَه وهما لغتان كالحُزْن والحَزَن {مِن قَبْلُ} أي من قبل إيتاءِ موسى وهارونَ التوراةَ، وتقديمُ ذكر إيتائها لما بـينه وبـين إنزال القرآن من الشبه التامّ، وقيل: من قبل استنبائِه أو قبلَ بلوغِه ويأباه المقام {وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ} أي بأنه أهلٌ لما آتيناه وفيه من الدليل على أنه تعالى عالمٌ بالجزئيات مختارٌ في أفعاله ما لا يخفى. {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ} ظرفٌ لآتينا على أنه وقت متّسعٌ وقع فيه الإيتاءُ وما ترتب عليه من أفعاله وأقواله، وقيل: مفعولٌ لمضمر مستأنَفٍ وقع تعليلاً لما قبله أي اذكر وقتَ قولِه لهم: {مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَـٰثِيلُ ٱلَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ} لتقف على كمال رشدِه وغايةِ فضله، والتِمثالُ اسمٌ لشيء مصنوعٍ مشبَّهٍ بخلق من خلائق الله تعالى وهذا تجاهلٌ منه عليه السلام حيث سألهم عن أصنامهم بغير التي يُطلب بها بـيانُ الحقيقة، أو شرحُ الاسم كأنه لا يعرف أنها ماذا مع إحاطته بأن حقيقتها حجرٌ أو شجرٌ اتخذوها معبوداً، وعبّر عن عبادتهم لها بمطلق العكُوف الذي هو عبارةٌ عن اللزوم والاستمرار على الشيء لغرض من الأغراض قصداً إلى تحقيرها وإذلالها وتوبـيخاً لهم على إجلالها، واللام في لها للاختصاص دون التعديةِ وإلا لجيء بكلمة على، والمعنى أنتم فاعلون العكوفَ لها، وقد جُوّز تضمينُ العكوف معنى العبادة كما ينبىء عنه قوله تعالى: {قَالُواْ وَجَدْنَا ءابَاءنَا لَهَا عَـٰبِدِينَ} أجابوا بذلك لما أن مآلَ سؤاله عليه السلام الاستفسارُ عن سبب عبادتِهم لها كما ينبىء عنه وصفه عليه السلام إياهم بالعكوف لها، كأنه قال: ما هي؟ هل تستحق ما تصنعون من العكوف عليها؟ فلما لم يكن لهم ملجأٌ يعتدّ به التجأوا إلى التقليد فأبطله عليه السلام على طريقة التوكيد القسمي حيث {قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ} الذين سنّوا لكم هذه السنةَ الباطلة {فِى ضَلَـٰلٍ} عجيبٍ لا يقادَر قدرُه {مُّبِينٌ} أي ظاهر بـيّن بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء كونُه كذلك، ومعنى كنتم مطلقُ استقرارِهم على الضلال لا استقرارُهم الماضي الحاصلِ قبل زمانِ الخطاب المتناولِ لهم ولآبائهم، أي والله لقد كنتم مستقرين على ضلال عظيم ظاهرٍ لعدم استنادِه إلى دليل ما، والتقليدُ إنما يجوز فيما يحتمل الحقية في الجملة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ} [الآية: 51]. سئل الجنيد رحمة الله عليه متى آتاه رشده؟ قال: حين لا شىء. وقال: آتاه سوابق الأزل لإظهاره كما أظهر على الخليل في السخاء، والبذل، والأخلاق، فى بذل النفس والولد والمال فى رضا الحق، فلا يشتغل إلا به، ولا يفرح إلا به، ولا يلتفت إلا إليه فقال الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ}. قال ابن عطاء: اصطفاه لنفسه قبل أن أبلاه بخلقه. وقال بعضهم فى قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ}: قال: لما ولد إبراهيم بعث الله تعالى إليه الملك فقال: يا إبراهيم أن الله يأمرك أن تعرفه بقلبك، وتذكره بلسانك. قال إبراهيم: قد فعلت، ولم يقل: أفعل.

القشيري

تفسير : أراد به ما تعرَّف إليه من الهداية حتى لم يقل بما يجوز عليه الزوال والأفول، لولا أنَّه خصَّه في الابتداء بالتعريف.. وإلاَّ متى اهتدى إلى التمييز بينه وبين خَلْقِه لولا ما أضاء عليه من أنوار التوحيد قبلما حصل منه من النظر في المخلوق؟ ويقال هو ما كاشَفَ به رُوحَهُ قبل إبداعها من تجلِّي الحقيقة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ} هذا خبر اصطفائية الخليل فى الازل بخلته ورسالته قبل ايجاده وايجاد الكون وما فيه فاذا اوجد ووجه من العدم وكاشف لها جمال العدم وعرفها نفسه بنعت اعلامه اسماءه ونعوته واسرار صفاته فعرفت الله بالله وعرفت سبل شهود والصفات ومشاهدة الذات فلما التبست بصورته جاءن بعقل القدس من الملكوت والعلم الاشارة من عالم الجبروت فتعرف القلب طرق المحبة والخلة وتعرف النفس طرق الطاعة والخدمة غلما اخرجه الحق من حجال انسه البسه انوار قدسه فنظر بالعين المكحولة بنور المعرفة الى عالم الكون وراى عجائب الملك وغرائب المملكة فارادت نفسه ان يسكن الى الدليل عن المدلول من حيث لها منه لذة مشاهدة باصطناع المالك القديم فغلبت عليها روحه الملكوتية واغارات ما دون الحق عن ساحة كبريائه بقوله {أية : وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}تفسير : سئل الجنيد متى اتاه مرشده فقال حين لامتنى وقال ايضا أثار سوابق الازل واظهاره كما اظهر على الخليل فى السخا والبذل والاخلاق فى بذل النفس والولد والمال فى رضى الحق فلا يشتمل الاية ولا ينفرح الا عليه ولا يلتفت الا اليه فقال الله ولقد أتينا ابراهيم رشده من قبل ويقال ذلك ما اضاء عليه من انوار التوحيد قبل ما حصل منه من النظر فى المخلوق ويقال هو مكاشفة روحه قبل ابداعها قالبه من تجلى الحقيقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد آتينا ابراهيم رشده} الشرد مغلاف الغى وهو الابتداء لمصالح الدين والدنيا وكماله يكون بالنبوة اى بالله لقد آتينا بجلالنا وعظم شأننا ابراهيم الخليل عليه السلام الرشد اللائق به وبامثاله من الرسل الكبار على ما افادته الاضافة {من قبل} من قبل ايتاء موسى وهارون التوراة وتقديم ذكر ايتائها لما بينه وبين انزال القرآن من الشبه التام {وكنا به عالمين} اى وكنا عالمين بانه اهل لما آتيناه من الرشد والنبوة وتقديم الظرف لمجرد الاهتمام مع رعاية الفاصلة ونظير الآية قوله تعالى {أية : الله اعلم حيث يجعل رسالته } تفسير : واعلم ان الاهلية ايضا من الله تعالى شعر : قابلى كر شرط فعل حق بدى همجو معدومى بهستى نامدى تفسير : وقد قالوا القابلية صفة حادث من صفات المخلوق والعطاء صفة قديمة من صفات الخالق والقديم لا يتوقف على الحادث.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إذ قال}: ظرف لآتينا، أو لرُشْدَه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد آتينا إِبراهيم رُشدَه} أي: الرشد اللائق به وبأمثاله من كُبراء الرسل، وهو الاهتداء الكامل، المستند إلى الهداية الخاصة الحاصلة بالوحي، مع الاقتدار على إصلاح الأمة وإرشادها بسياسة النبوة والوحي الإلهي، {من قبلُ} أي: من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة، وتقديم ذكرهما، لما بين التوراة والقرآن من الشبه التام. وقيل: من قبل إنزال القرآن، أو من قبل استنبائه، أو من قبل بلوغه، {وكُنا به عَالمين} أي: بأنه أهل لما آتيناه، أو عالمين برُشده، وما خصصناه به من الهداية الخاصة. {إذ قال لأبيه وقومه} أي: آتيناه ذلك حين قال لأبيه، أو اذكر وقت قوله لهم: {ما هذه التماثيلُ} أي: الأصنام المصورة على صورة السباع والطيور والإنسان، وفيه تجاهل بهم؛ تحقيرًا لها، مع علمه بتعظيمهم لها؛ توبيخًا لهم على إجلالها مع كونها خشبًا وأحجارًا لا تضر ولا تنفع، {التي أنتم لها عاكفون} أي: لأجل عبادتها مقيمون، فلما عجزوا عن الدليل {قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} فقلدناهم، فأبطله عليه السلام، على طريقة التوكيد بالقسم، فقال: {لقد كنتم أنتم وآباؤكم} الذين سنُّوا لكم هذه السُّنَّة الباطلة، {في ضلال مبين}: ظاهر بيِّن، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء، أي: والله لقد كنتم مستقرين في ضلال عظيم ظاهر؛ لعدم استناده إلى دليل، فالتقليد إنما يجوز فيما يحتمل الحَقِّية في الجملة، لا فيما اتضح بطلانه، سيما في أمر التوحيد. {قالوا أجئتنا بالحق} أي: بالجد، {أم أنت من اللاعبين}، فتقول ما تقول على الملاعبة والمزاح. والمعنى: أجادٌ أنتَ، أم لاعب فيما تقول؟ قالوا ذلك؛ استعظامًا منهم لإنكاره، واستبعادًا لكون ما هم عليه ضلال، وتعجيبًا من تضليله إياهم. ثم أضرب عنهم؛ مخبرًا بأنه جاد فيما قال، غير لاعب، بإقامة البرهان على بطلان ما ادعوه فقال: {بل ربُّكم ربُّ السماواتِ والأرض الذي فطرهنَّ}، لا التماثيل التي صورتم. وقيل: هو إضراب عما بنوا عليه مقالتهم؛ من اعتقاد كونها أربابًا لهم، كما يُفصح عنه قولهم: {أية : نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} تفسير : [الشُّعَرَاء: 71]، كأنه قال: ليس الأمر كذلك، بل ربكم رب السماوات والأرض الذي خلقهن وأنشأهن، فالضمير للسماوات والأرض، وصفَه تعالى بإيجادهن، إثر وصفه تعالى بربوبيته لهن؛ تحقيقًا للحق، وتنبيهًا على أن ما لا يكون كذلك بمعزل من الربوبية، أي: أنشأهن بما فيهن من المخلوقات، التي من جملتها أنتم وآباؤكم وما تعبدونه، من غير مثالٍ يحتَذِيه، ولا قانون ينتحيه. وقيل: الضمير للتماثيل، وهو أدخل في تضليلهم، وأظهر في إلزام الحجة عليهم؛ لِمَا فيه من التصريح المُغني عن التأمل في كون ما يعبدونه من المخلوقات، والأول أقرب. ثم قال عليه السلام: {وأنا على ذلكم} الذي ذكرتُ: من كون ربكم رَبَّ السماوات والأرض، دون ما عداه، كائنًا ما كان، {من الشاهدين} أي: العالمين به على سبيل الحقيقة، المبرهنين عليه، فإن الشاهد على الشيء: مَنْ تحققه وبرهن عليه، كأنه قال: وأنا أعلم ذلك، وأتحققه، وأُبرهن عليه، والله تعالى أعلم. الإشارة: زخارف الدنيا وبهجتها، من تشييد بناء، وتزويق سقف وحيطان، وإنشاء غروس وبساتين، وجمع أموال، وتربية جاه، كلها تماثيل لا حقيقة لها، فانية لا دوام لها. فمن عكف عليها، وأولع بخدمتها وجمعها وتحصيلها، كان عابدًا لها، فينبغي لذي الرشد والعقل الوافر، الذي تحرر منها، أن يُنكر عليهم، ويقول لهم: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، فإن قالوا: وجدنا أباءنا يفعلون هذا، وعلماءنا مثلنا، فليقل لهم: لقد كنتم وآباؤكم وعلماؤكم في ضلال مبين، عما كان عليه الأنبياء والأولياء والسلف الصالح. فإن قالوا: أجادٌّ أنت أم لا؟ فليقل: بل ربكم الذي ينبغي أن يُفرد بالمحبة والخدمة، وهو رب السماوات والأرض، لا ما أنتم عليه من محبة الدنيا وبهجتها، وأنا على ذلكم من الشاهدين. ثمَّ ذكر كسره الاصنام وما ترتب عليه

الطوسي

تفسير : لما اخبر الله تعالى أنه آتى موسى وهارون الفرقان، والضياء، والذكر. وبين أن القرآن ذكر مبارك أنزله على محمد (صلى الله عليه وسلم)، أخبر انه آتى إبراهيم أيضاً قبل ذلك {رشده} يعني آتيناه من الحجج والبينات ما يوصله الى رشده، من معرفة الله وتوحيده. والرشد هو الحق الذي يؤدي الى نفع يدعو اليه. ونقيضه الغي، رشد يرشد رشداً ورشداً، فهو رشيد. وفى نقيضه: غوى يغوى غياً، فهو غاو. وقال قتادة ومجاهد: معنى {آتيناه رشده} هديناه صغيراً. وقال قوم: معنى {رشده} النبوة. وقوله {من قبل} يعني من قبل موسى وهارون. وقوله {وكنا به عالمين} أي كنا عالمين بأنه موضع لايتاء الرشد، كما قال تعالى {أية : ولقد اخترناهم على علم على العالمين} تفسير : وقيل: كنا نعلم أنه يصلح للنبوة {إذ قال لابيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون}. {إذ} فى موضع نصب، والعامل فيه {آتيناه رشده... إذ قال} أي في ذلك الوقت، وفيه إخبار عما أنكر ابراهيم على قومه وأبيه حين رآهم يعبدون الأصنام والأوثان، فانه قال لهم: أي شيء هذه الاصنام؟! يعني الصور التي صرتم لازمين لها بالعبادة، والعكوف اللزوم لأمر من الامور: عكف عليه عكوفاً، فهو عاكف. وقيل في معنى {لها عاكفون} لاجلها. قال مجاهد {هذه التماثيل} الأصنام. ثم حكى ما أجابه به قومه، فانهم قالوا {وجدنا آباءنا لها} لهذه الاصنام {عابدين} فأحالوا على مجرد التقليد. فقال لهم ابراهيم {لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} فذمهم على تقليد الآباء، ونسب الجيمع الى الضلالة والعدول عن الحق. فقالوا له عند ذلك {أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين} ومعناه أجاد أنت فيما تقول محق عند نفسك أم أنت لاعب مازح؟ وذلك أنهم كانوا يستبعدون إنكار عبادتها عليهم.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} ما به رشده من الحجج والبراهين او الرّشد الّلائق بحاله من الاهتداء الى كمالاته {مِن قَبْلُ} اى من قبل القرآن او من قبل موسى {وَكُنَّا بِهِ} اى برشده او بابراهيم {عَالِمِينَ إِذْ قَالَ} ظرف لآتينا او لعالمين {لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ} جمع التّمثال بالكسر وهو الصّورة والاغلب استعماله فيما لا روح له {ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} الّلام بمعنى على او للتّقوية فانّ العكوف يتعدّى بنفسه ويكون بمعنى الحبس، وبعلى ويكون بمعنى الاقبال، ويجوز ان يتضمّن معنى العبادة فيكون الّلام للتّقوية ايضاً.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} الاهتداء لوجوه الصلاح، من الهدى والنبوة وغير ذلك، كتونيته إلى الجواب السديد. وإن قلت: إذا كان له رشد موجود فقوله: آتيناه إياه تحصيل الحاصل. قلت: لا بل المعنى: آتيناه ما له عندنا من الرشد فى قضائنا، أو المراد: آتيناه رشداً يليق بمثله، وهو رشد له شأن. مِنْ قَبْلُ} قبل موسى وهارون ومحمد. وقيل: قبل استنبائه. وقيل: قبل بلوغه، وهو وقت خروجه من السَّرَب وقوله: إنى وجهت. وعن مجاهد: الرشد: الهدى. وعن الحسن: النبوة. وقرئ بفتح الراء والشين. {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} أى عالمين بأحواله البديعة وأسراره العجيبة، وصفاته المرضية المحمودة، المثبتة لأن يكون أهلا لذلك. وفى ذلك ثناء جسيم، وإشارة إلى أن فعله - عز وجل - باختيار وحكمة، وأنه عالم بالجزئيات.

اطفيش

تفسير : {ولقد آتيْنا إبْراهيمَ رشْدَه} يعنى اهتداءه الى وجوه الصلاح فى الدين والدنيا، والصحف والحكمة، والوحى والتوفيق للخير من صغره {مِن قَبْل} من قبل مُوسى وهارون ومحمد صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس وابن عمر: قبل موسى وهارون، وقيل: قبل البلوغ حين خرج من السرب، وقيل: قبل الولادة إذ كان فى صلب آدم، ولا دليل لهذه التعيينات، والمقبول الأولان، واختير منهما، قول ابن عباس لقرب ذكر موسى وهارون، ولمجيئهما بعد إبراهيم، ولأنهما يتأسيان بإبراهيم ويتسليان به، ولكثرة آيات موسى وتكانفها، كآيات نبينا صلى الله عليه وسلم، فيسليه به، ثم بإبراهيم، وهكذا ألا ترى الى قوله: "أية : ونوحاً إذ نادى من قبل" تفسير : [الأنبياء: 76] أى قبل هؤلاء، وقل قبل إبراهيم ولوط وهود وصالح. {وكنَّا به عالمين} أى عالمين بأحواله وما فيه من الكمالات، وهذا أولى من أن يقال كناية عن حفظه، كما قال له جبريل فى الهواء وقت القى فى النار، هل لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، فقال: فسل ربك، فقال: علمه بحالى يغنى عن سؤالى.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إِبْرٰهِيمَ رُشْدَهُ} أي الرشد اللائق به وبأمثاله من الرسل الكبار وهو الرشد الكامل أعني الاهتداء إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا والإرشاد بالنواميس الإلٰهية؛ وقيل الصحف، وقيل: الحكمة، وقيل: التوفيق للخير صغيراً، واختار بعضهم التعميم. وقرأ عيسى الثقفي {رُشْدَهُ} بفتح الراء والشين وهما لغة كالحزن والحزن {مِن قَبْلُ} أي من قبل موسى وهارون، وقيل من قبل البلوغ حين خرج من السرب، وقيل من قبل أن يولد حين كان في صلب آدم عليه السلام، وقيل من قبل محمد صلى الله عليه وسلم والأول مروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم قال في «الكشف»: وهو الوجه الأوفق لفظاً ومعنى، أما الأول فللقرب، وأما الثاني فلأن ذكر الأنبياء عليهم السلام للتأسي، وكان القياس أن يذكر نوح ثم إبراهيم ثم موسى عليهم السلام لكن روعي في ذلك ترشيح التسلي والتأسي فقد ذكر موسى عليه السلام لأن حاله وما قاساه من قومه وكثرة آياته وتكاثف أمته أشبه بحال نبينا عليه الصلاة والسلام ثم ثنى بذكر إبراهيم عليه السلام، وقيل: {مِن قَبْلُ} لهذا ألا ترى إلى قوله تعالى: { أية : وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ } تفسير : [الأنبياء: 76] أي من قبل هؤلاء المذكورين، وقيل من قبل إبراهيم ولوط اهـ {وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ} أي بأحواله وما فيه من الكمالات، وهذا كقولك في خير من الناس: أنا عالم بفلان فإنه من الاحتواء على محاسن الأوصاف بمنزل. وجوز أن يكون هذا كناية عن حفظه تعالى إياه وعدم إضاعته، وقد قال عليه السلام يوم إلقائه في النار وقول جبريل عليه السلام له سل ربك: علمه بحالي يغني عن سؤالي وهو خلاف الظاهر. {إِذْ قَالَ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ} ظرف لـِ {آتَيْنَآ} [الأنبياء:51] على أنه وقت متسع وقع فيه الإيتاء وما يترتب عليه من أقواله وأفعاله، وجوز أن يكون ظرفاً لرشد / أو لعالمين، وأن يكون بدلاً من موضع {مِن قَبْلُ} [الأنبياء:51] وأن ينتصب بإضمار أعني أو اذكر، وبدأ بذكر الأب لأنه كان الأهم عنده عليه السلام في النصيحة والإنقاذ من الضلال. والظاهر أنه عليه السلام قال له ولقومه مجتمعين: {مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَـٰثِيلُ ٱلَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ} أراد عليه السلام ما هذه الأصنام إلا أنه عبر عنها بالتماثيل تحقيراً لشأنها فإن التمثال الصورة المصنوعة مشبهة بمخلوق من مخلوقات الله تعالى من مثلت الشيء بالشيء إذا شبهته به، وكانت على ما قيل صور الرجال يعتقدون فيهم وقد انقرضوا، وقيل كانت صور الكواكب صنعوها حسبما تخيلوا، وفي الإشارة إليها بما يشار به القريب إشارة إلى التحقير أيضاً، والسؤال عنها بما التي يطلب بها بيان الحقيقة أو شرح الاسم من باب تجاهل العارف كأنه لا يعرف أنها ماذا وإلا فهو عليه السلام محيط بأن حقيقتها حجر أو نحوه، والعكوف الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له، وقيل اللزوم والاستمرار على الشيء لغرض من الأغراض وهو على التفسيرين دون العبادة ففي اختياره عليها إيماء إلى تفظيع شأن العبادة غاية التفظيع. واللام في {لَهَا} للبيان فهي متعلقة بمحذوف كما في قوله تعالى: { أية : لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } تفسير : [يوسف: 43] أو للتعليل فهي متعلقة بعاكفون وليست للتعدية لأن عكف إنما يتعدى بعلى كما في قوله تعالى: { أية : يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ } تفسير : [الأعراف: 138] وقد نزل الوصف هنا منزلة اللازم أي التي أنتم لها فاعلون العكوف. واستظهر أبو حيان كونها للتعليل وصلة {عَـٰكِفُونَ } محذوفة أي عاكفون على عبادتها، ويجوز أن تكون اللام بمعنى على كما قيل ذلك في قوله تعالى: { أية : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } تفسير : [الإسراء: 7] وتتعلق حينئذ بعاكفون على أنها للتعدية. وجوز أن يؤول العكوف بالعبادة فاللام حينئذ كما قيل دعامة لا معدية لتعديه بنفسه ورجح هذا الوجه بما بعد، وقيل لا يبعد أن تكون اللام للاختصاص والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً و {عَـٰكِفُونَ} خبر بعد خبر، وأنت تعلم أن نفي بعده مكابرة. ومن الناس من لم يرتض تأويل العكوف بالعبادة لما أخرج ابن أبـي شيبة وعبد بن حميد وابن أبـي الدنيا في «ذم الملاهي» وابن المنذر وابن أبـي حاتم والبيهقي في «الشعب» عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه مر على قوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون لأن يمس أحدكم جمراً حتى يطفى خير له من أن يمسها، وفيه نظر لا يخفى، نعم لا يبعد أن يكون الأولى إبقاء العكوف على ظاهره، ومع ذلك المقصود بالذات الاستفسار عن سبب العبادة والتوبيخ عليها بألطف أسلوب ولما لم يجدوا ما يعول عليه في أمرها التجؤا إلى التشبث بحشيش التقليد المحض حيث.

ابن عاشور

تفسير : أعقبت قصة موسى وهارون بقصة إبراهيم فيما أوحي إليه من مقاومة الشرك ووضوح الحجة على بطلانه، لأن إبراهيم كان هو المَثَل الأول قبل مجيء الإسلام في مقاومة الشرك إذ قاومه بالحجة وبالقوة وبإعلان التوحيد إذْ أقام للتوحيد هيكلاً بمكة هو الكعبة وبجَبل (نابو) من بلاد الكنعانيين حيث كانت مدينةٌ تسمى يومئذ (لوزا) ثم بنى بيت ايل بالقرب من موضع مدينة (أورشليم) في المكان الذي أقيم به هيكل سليمان من بعد، فكانت قصة إبراهيم مع قومه شاهداً على بطلان الشرك الذي كان مماثلاً لحال المشركين بمكة الذين جاء محمد - صلى الله عليه وسلم - لقطع دابره. وفي ذكر قصة إبراهيم تورك على المشركين من أهل مكة إذ كانوا على الحالة التي نعاها جدُّهم إبراهيم على قومه، وكفى بذلك حجة عليهم. وأيضاً فإن شريعة إبراهيم أشهر شريعة بعد شريعة موسى. وتأكيد الخبر عنه بلام القَسم للوجه الذي بيناه آنفاً في تأكيد الخبر عن موسى وهارون، وهو تنزيل العرب في مخالفتهم لشريعة أبيهم إبراهيم منزلة المنكر لكون إبراهيم أوتي رشداً وهدياً. وكذلك الإخبار عن إيتاء الرشد إبراهيم بإسناد الإيتاء إلى ضمير الجلالة لمثل ما قرّر في قصة موسى وهارون للتنبيه على تفخيم ذلك الرشد الذي أوتيه. والرشد: الهدى والرأي الحق، وضده الغي، وتقدم في قوله تعالى: {أية : قد تبين الرشد من الغي } تفسير : في [سورة البقرة: 256]. وإضافة {الرشد} إلى ضمير إبراهيم من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي الرشد الذي أرْشِده. وفائدة الإضافة هنا التنبيه على عظم شأن هذا الرشد، أي رشداً يليق به؛ ولأن رشد إبراهيم قد كان مضرب الأمثال بين العرب وغيرهم، أي هو الذي علمتم سمعته التي طبقت الخَافقين فما ظنكم برشد أوتيه من جانب الله تعالى، فإن الإضافة لما كانت على معنى اللام كانت مفيدة للاختصاص فكأنه انفرد به. وفيه إيماء إلى أن إبراهيم كان قد انفرد بالهدى بين قومه. وزاده تنويهاً وتفخيماً تذييله بالجملة المعترضة قوله تعالى: {وكنا به عالمين} أي آتيناه رشداً عظيماً على عِلم منا بإبراهيم، أي بكونه أهلاً لذلك الرشد، وهذا العلم الإلهي متعلق بالنفسية العظيمة التي كان بها محل ثناء الله تعالى عليه في مواضع كثيرة من قرآنه، أي علم من سريرته صفات قد رَضيها وأحمدَهَا فاستأهل بها اتخاذه خليلاً. وهذا كقوله تعالى: {أية : ولقد اخترناهم على علم على العالمين}تفسير : [الدخان: 32] وقوله تعالى: {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالاته}تفسير : [الأنعام: 124]. وقوله {من قبل} أي من قبل أن نوتي موسى وهارون الفرقان وضياء وذكراً. ووجه ذكر هذه القبلية التنبيه على أنه ما وقع إيتاء الذكر موسى وهارون إلا لأن شريعتهما لم تزل معروفة مدروسة. و {إذ قال} ظرف لفِعل {آتينَا}أي كان إيتاؤه الرشد حينَ قال لأبيه وقومه: {ما هذه التماثيل} الخ، فذلك هو الرشد الذي أوتيه، أي حينَ نزول الوحي إليه بالدَعوة إلى توحيد الله تعالى، فذلك أول ما بُدىء به من الوحي. وقوم إبراهيم كانوا من (الكَلدان) وكان يسكن بلداً يقال له (كوثى) بمثلثة في آخره بعدها ألف. وهي المسماة في التوراة (أور الكلدان)، ويقال: أيضاً إنها (أورفة) في (الرها)، ثم سكن هو وأبوه وأهله (حاران) وحاران هي (حرّان)، وكانت بعد من بلاد الكلدان كما هو مقتضى الإصحاح 12 من التكوين لقوله فيه: «اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك». ومات أبوه في (حاران) كما في الإصحاح 11 من التكوين فيتعين أن دعوة إبراهيم كانت من (حاران) لأنه من حاران خرج إلى أرض كنعان. وقد اشتهر حرّان بأنه بلد الصابئة وفيه هيكل عظيم للصابئة، وكان قوم إبراهيم صابئة يعبدون الكواكب ويجعلون لها صوراً مجسمة. والاستفهام في قوله تعالى: {ما هذه التماثيل} يتسلط على الوصف في قوله تعالى: {التي أنتم لها عاكفون} فكأنه قال: ما عبادتكم هذه التماثيل؟. ولكنه صيغ بأسلوب توجه الاستفهام إلى ذات التماثيل لإبهام السؤال عن كنه التماثيل في بادىء الكلام إيماء إلى عدم الملاءمة بين حقيقتها المعبر عنها بالتماثيل وبين وصفها بالمعبودية المعبر عنه بعكوفهم عليها. وهذا من تجاهل العارف استعمله تمهيداً لتخطئتهم بعد أن يسمع جوابهم فهم يظنونه سائلاً مستعلماً ولذلك أجابوا سؤاله بقولهم {وجدنا آباءنا لها عابدين}؛ فإن شأن السؤال بكلمة (مَا) أنّه لطلب شرح ماهية المسؤول عنه. والإشارة إلى التماثيل لزيادة كشف معناها الدال على انحطاطها عن رتبة الألوهية. والتعبير عنها بالتماثيل يسلب عنها الاستقلال الذاتي. والأصنام التي كان يعبدها الكلدان قوم إبراهيم هي (بَعْل) وهو أعظمها، وكان مصوغاً من ذهب وهو رمز الشمس في عهد سميرميس، وعبدوا رموزاً للكواكب ولا شك أنهم كانوا يعبدون أصنام قوم نوح: ودّاً، وسُواعاً، ويغوثَ، ويعوقَ، ونسْراً، إما بتلك الأسماء وإما بأسماء أخرى. وقد دلت الآثار على أن من أصنام أشور (إخوان الكلدان) صنماً اسمه (نَسْروخ) وهو نَسْر لا محالة. وجعْل العكوففِ مسنداً إلى ضميرهم مؤذن بأن إبراهيم لم يكن من قبل مشاركاً لهم في ذلك فيعلم منه أنّه في مقام الرد عليهم، ذلك أن الإتيان بالجملة الاسمية في قوله تعالى: {أنتم لها عاكفون} فيه معنى دوامهم على ذلك. وضمن {عاكفون} معنى العبادة، فلذلك عدّي باللام لإفادة ملازمة عبادتها. وجاءوا في جوابه بما توهّموا إقناعه به وهو أن عبادة تلك الأصنام كانت من عادة آبائهم فحسبوه مثلَهم يقدس عمل الآباء ولا ينظر في مصادفته الحق، ولذلك لم يلبث أن أجابهم: {لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} مؤكداً ذلك بلام القسم. وفي قوله تعالى: {كنتم في ضلال} من اجتلاب فعل الكون وحرف الظرفية، إيماءٌ إلى تمكنهم من الضلال وانغماسهم فيه لإفادة أنّه ضلال بَواح لا شبهة فيه، وأكدَ ذلك بوصفه بــــ {مبين}. فلما ذكروا له آباءَهم شرّكهم في التخطئة بدون هوادة بعطف الآباء عليهم في ذلك ليعلموا أنهم لا عذر لهم في اتّباع آبائهم ولا عذر لآبائهم في سن ذلك لهم لمنافاة حقيقة تلك الأصنام لحقيقة الألوهية واستحقاق العبادة. ولإنكارهم أن يكون ما عليه آباؤهم ضلالاً، وإيقانِهم أن آباءهم على الحق، شَكُّوا في حال إبراهيم أنطَق عن جِد منه وأن ذلك اعتقاده فقالوا {أجئتنا بالحق}، فعبروا عنه {بالحق}المقابل للعب وذلك مسمى الجِدّ. فالمعنى: بالحق في اعتقادك أم أردت به المزح، فاستفهموا وسألوه {أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين}. والباء للمصاحبة. والمراد باللعب هنا لعب القول وهو المسمّى مزحاً، وأرادوا بتأويل كلامه بالمزج التلطّفَ معه وتجنبَ نسبته إلى الباطل استجلاباً لخاطره لما رأوا من قوة حجته. وعُدل عن الإخبار عنه بوصف لاعب إلى الإخبار بأنه من زمرة اللاعبين مبالغة في توغل كلامه ذلك في باب المزح بحيث يكون قائله متمكناً في اللعب ومعدوداً من الفريق الموصوف باللعب. وجاء هو في جوابهم بالإضراب عن قولهم {أم أنت من اللاعبين} لإبطال أن يكون من اللاعبين، وإثبات أن ربهم هو الرب الذي خلق السماوات، أي وليست تلك التماثيل أرباباً إذ لا نزاع في أنها لم تخلق السماوات والأرض بل هي مصنوعة منحوتة من الحجارة كما في الآية الأخرى {أية : قال أتعبدون ما تنحتون}تفسير : [الصافات: 95] فلما شذّ عنها خلق السماوات والأرض كما هو غير منكَر منكم فهي منحوتة من أجزاء الأرض فما هي إلاّ مربوبة مخلوقة وليست أرباباً ولا خالقة. فضمير الجمع في قوله تعالى {فطرهنّ} ضمير السماوات والأرض لا محالة. فكان جواب إبراهيم إبطالاً لقولهم {أم أنت من اللاعبين} معَ مستند الإبطال بإقامة الدليل على أنه جاءهم بالحق. وليس فيه طريقة الأسلوب الحكيم كما ظنه الطيبي. وقوله تعالى: {وأنا على ذلكم من الشاهدين} إعلام لهم بأنه مُرسل من الله لإقامة دين التوحيد لأن رسول كلّ أمة شهيد عليها كما قال تعالى: {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}تفسير : [النساء: 41]، ولم يكن يومئذ في قومه من يشهد ببطلان إلهية أصنامهم، فتعين أن المقصود من الشاهدين أنه بعض الذين شهدوا بتوحيد الله بالإلهية في مختلف الأزمان أو الأقطار. ويحتمل معنى التأكيد لذلك بمنزلة القَسَم، كقول الفرزدق:شعر : شهد الفرزدق حين يلقى ربه أن الوليد أحقُّ بالعذر تفسير : ثم انتقل إبراهيم - عليه السلام - من تغيير المنكر بالقول إلى تغييره باليد معلناً عزمه على ذلك بقوله: {وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين} مؤكداً عزمه بالقسم، فالواو عاطفة جملة القسم على جملة الخبر التي قبلها. والتاء تختص بقسمٍ على أمر متعجب منه وتختص باسم الجلالة. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف}تفسير : [يوسف: 85]. وسمى تكسيره الأصنام كَيْداً على طريق الاستعارة أو المشاكلة التقديرية لاعتقاد المخاطبين أنهم يزعمون أن الأصنام تدفع عن أنفسها فلا يستطيع أن يمسها بسوء إلا على سبيل الكيد. والكيْد: التحيل على إلحاق الضر في صورة غير مكروهة عند المتضرر. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : إن كيدكن عظيم } تفسير : في [سورة يوسف: 28]. وإنما قيد كيده بما بعد انصراف المخاطبين إشارة إلى أنه يلحق الضر بالأصنام في أول وقت التمكن منه، وهذا من عزمه - عليه السلام - لأن المبادَرة في تغيير المنكر مع كونه باليد مقام عزم وهو لا يتمكن من ذلك مع حضور عبدة الأصنام فلو حاول كسرها بحضرتهم لكان عمله باطلاً، والمقصود من تغيير المنكر: إزالته بقدر الإمكان، ولذلك فإزالته باليد لا تكون إلا مع المكنة. {ومدبرين} حال مؤكدة لعاملها. وقد تقدم نظيره غير مرة منها عند قوله تعالى {أية : ثم وليتم مدبرين} تفسير : في [سورة براءة: 25].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ}. قد قدمنا ما يوضح هذه الآيات إلى آخر القصة من القرآن في سورة "مريم" فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

الواحدي

تفسير : {ولقد آتينا إبراهيم رشده} هُداه وتوفيقه {من قبل} من قبل موسى وهارون {وكنا به عالمين} أنَّه أهلٌ لما آتيناه. {إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل} الأصنام {التي أنتم لها عاكفون} على عبادتها مقيمون!. {قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} فاقتدينا بهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: رشده: أي هداه بمعرفة ربّه والإِيمان به ووجوب طاعته والتقرب إليه. التماثيل: جمع تمثال وهو الصورة المصنوعة على شبه إنسان أو حيوان. التي أنتم لها عاكفون: أي مقبلون عليها ملازمون لها تعبداً. أم أنت من اللاعبين: أي الهازلين غير الجادين فيما يقولون أو يفعلون. ربكم رب السماوات: أي المستحق للعبادة مالك السماوات والأرض. الذي فطرهن: أي أنشأهن خلقاً وإيجاداً على غير مثال سابق. لأكيدن أصنامكم: أي لأحتالن على كسر أصنامكم وتحطيمها. جذاذاً: فتاتاً وقطعاً صغيرة. إلا كبيراً لهم: إلا أكبر صنم لهم فإنه لم يكسره. لعلهم إليه يرجعون: كي يرجعوا إليه فيؤمنوا بالله ويوحّدوه بعد أن يظهر لهم عجز آلهتهم. معنى الآيات: على ذكر ما منّ به تعالى على موسى وهارون ومحمد صلى الله عليه وسلم من إيتائه إياهم التوراة والقرآن ذكر أنه امتن قبل ذلك على إبراهيم فآتاه رشده في صباه فعرفه به وبجلاله وكماله ووجوب الإِيمان به تعالى وعبادته وحده، وإن عبادة من سواه باطلة، فقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ} وقوله: {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} أي بأهليته للدعوة والقيام بها لما علمناه {إِذْ قَالَ} أي في الوقت الذي قال لأبيه أي آزر، وقومه منكراً عليهم عبادة غير الله {مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} أي مقبلون عليها ملازمون لها فأجابوه بما أخبر تعالى به عنهم في قوله: {قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} فأعلنوا عن جهلهم إذ لم يذكروا برهاناً على صحة أو فائدة عبادتها واكتفوا بالتقليد الأعمى وشأنهم في هذا شأن سائر من يعبد غير الله تعالى فإنه لا برهان له على صحة عبادة من يعبد إلا التقليد لمن رآه يعبده. فرد عليهم إبراهيم بما أخبر تعالى عنه في قوله {قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ} أي الذين قلدتموهم في عبادة الأصنام {فِي ضَلاَلٍ} أي عن الهدى الذي يجب أن تكونوا عليه {مُّبِينٍ} لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، وردوا على إبراهيم قوله هذا فقالوا بما أخبر تعالى به عنهم {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ} أي فيما قلت لنا من أنَّا وآباءنا في ضلال مبين {أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ} أي في قولك الذي قلت لنا فلم تكن جاداً فينا تقول وإنما أنت لاعب لا غير ورد إبراهيم عليهم بما أخبر تعالى به عنه في قوله: {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} أي ليس ربكم تلك التماثيل بل ربكم الحق الذي يستحق عبادتكم الذي فطر السماوات والأرض فأنشأهن خلقاً عجيباً من غير مثال سابق وأنا على كون ربكم رب السماوات والأرض من الشاهدين إذ لا رب لكم غيره، ولا إله حق لكم سواه، {وَتَٱللَّهِ} قسماً به تعالى {لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} أي لأحتالن عليها فأكسرها {بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ} أي بعد أن ترجعوا عنها وتتركوها وحدها. وفعلاً لما خرجوا إلى عيد لهم يقضون يوماً خارج المدينة أتى تلك التماثيل فكسرها فجعلها قطعاً متناثرة هنا وهناك إلا صنماً كبيراً لهم تركه {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} أي يرجعون إلى إبراهيم فيعبدون معه ربّه سبحانه وتعالى عندما يتبيّنُ لهم بطلان عبادة الأصنام لأنها لم تستطع أن تدفع عن نفسها فكيف تدفع عن غيرها. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مظاهر إنعام الله وإكرامه لمن اصطفى من عباده. 2- تقرير النبوة والتوحيد، والتنديد بالشرك والمشركين. 3- ذم التقليد وأنه ليس بدليل ولا برهان للمقلد على ما يعتقد أو يفعل. 4- مشروعية الشهادة وفضلها في مواطن تعز فيها ويحتاج إليها. 5- تغيير المنكر باليد لمن قدر عليه مقدم على تغييره باللسان والجمع بينهما أفضل.

القطان

تفسير : رشده: هدايته. التماثيل: الاصنام. لها عاكفون: مواظبون على عبادتها. فطرهن: أوجدهن. لأكيدنَّ أصنامكم: لأدبرنّ لها تدبيرا يسوؤكم. جُذاذا: قطعا. {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ}. لقد أعطينا إبراهيمَ النبوة والهداية الى التوحيد الخالص، من قبلِ موسى وهارون، وكنّا عالمين بفضائله التي تؤهله لحمل الرسالة. كان ابراهيم من أهل "فدان آرام" بالعراق، وكان قومه أهلَ أوثان، وكان أبوه نجارا ينحت التماثيل ويبيعها لمن يعبدها من قومه، وقد أنار الله قلب إبراهيم وهداه الى الرشد فعلم ان الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع. {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ؟} اذكر أيها النبي حين استنكر إبراهيمُ عبادة الأصنام وقال لأبيه وقومه: ما هذه الاصنام التي تعبدونها وتظلون ملازمين لها؟ {قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} لم يجدوا جواباً مقنعاً فلجأوا إلى التشبّت بالتقليد، لذلك قالوا: إننا نعبدها كما عَبَدَها آباؤنا من قبل، فنحن مقلّدون لهم. فكان ابراهيم معهم صريحا، واجابهم ببيان سوء ما يصنعون: {قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}. لم يقنع ابراهيم بجوابهم هذا، وقال لهم إنكم أنتم وآباؤكم في ضلال واضح بعبادتكم لهذه التماثيل التي لا تنفع ولا تضر. فأجابوه إجابة مستفهِمٍ متعجّب مما يسمع ويرى: {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ؟}. لمّا سمعوا ما في كلام ابراهيم مما يدل على تحقير آلهتهم، استبعدوا ان يكون جادّاً فيما يقول، فقالوا: هل ما تقوله هو الحق، أم أنت هازل من اللاعبين!؟. عند ذاك ردّ عليهم ببيان الحق وذكر الإله الذي يستحق العبادة: {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ}. قال: جئتكم بالحق لا باللعب. ثم بيّن لهم ان الإله المستحق للعبادة هو ربُّ السماوات والأرض الذي خلق كل شيء، فمن حق هذا الإله وحده أن يُعبد، وانا على ما اقول لكم من الشاهدين. وبعد ان أقام البرهان على إثبات الحق نوى الشر في نفسه لهذه الآلهة التي جمدوا على عبادتها، ولم تُفدْهم موعظةٌ ولا برهان عن الغواية بها، فأقسَمَ في نفسه ان يُلحق الأذى بها فقال: {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ}. أقسَم ابراهيم بالله انه سيكيد الأصنامَ بأن يكسرها بعد ذهابهم من معبدهم. وأقبل عليها فكسرها جميعا الا الكبير فتركه. وقد اراد بهذه الطريقة ان يُفْهم القومَ مركز آلهتهم، ويقيم الحجة عليهم في أن تلك الاصنام لا تنفع ولا تضر. فها هي لم تستطع ان تردّ الأذى عن نفسها. أما تركُ ابراهيم كبيرها قائماً فذلك لكي يسألوه اذا كان يجيب او يتكلم. قراءات قرأ الكسائي: جذاذاً بكسر الجيم. والباقون: جذاذا بضم الجيم. {قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}. وعاد القوم الى معبدهم فرأوا أصنامهم مكسَّرة قطعا، إلا كبيرهم، فقالوا: من الذي اعتدى على آلهتنا ففعل بها هذا العمل المنكر!؟ إنها لَجُرأة عظيمة وانه لمن الظالمين. قال بعضهم: سمعنا شاباً يذكرهم بالشتم والتحقير يدعى إبراهيم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَآ} {إِبْرَاهِيمَ} {عَالِمِينَ} (51) - وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ مَا فِيهِ صَلاَحُهُ وَهُدَاهُ، مِنْ قَبْلِ هَارُونَ وَمُوسَى، وَوَفَّقْنَاهُ لِلْحَقِّ، وَأَضَأْنَا لَهُ سَبِيلَ الرَّشَادِ، وَكُنَّا عَالِمِينَ بِأَنَّهُ ذُو يَقِينٍ وَإِيْمَانٍ باللهِ وَتَوْحِيدٍ لَهُ، وأَنَّهُ أَهْلٌ لِحَمْلِ الرِّسَالَةِ. (وقِيلَ بَلِ المَعْنَى هُو: وَفَّقْنَاهُ إِلَى هُدَاهُ مِنْ قَبْلِ النُّبُوَّةِ والْبُلُوغِ، وَوَفَّقْنَاهُ للنَّظَرِ والاسْتِدْلاَلِ، لَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، فَرَأَى النَّجْمَ والْقَمَرَ ثُمَّ رَأَى الشَّمْسَ).

الثعلبي

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} توفيقه. القرظي: صلاحه، {مِن قَبْلُ} أي من قبل موسى وهارون. قال المفسّرون: يعني هديناه صغيراً كما قال ليحيى {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} تفسير : [مريم: 12]. {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} بأنّه أهل الهداية والنبوة. {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ} والصور يعني الأصنام {ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} على عبادتها مقيمون. {قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} فاقتدينا بهم. {قَالَ} إبراهيم {لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} بعبادتكم إيّاها. {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ} يعنون أجادّ أنت فيما تقول أم لاعب؟ {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ} خلقهّن {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ * وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} لأمكرنّ بها {بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ}. قال مجاهد وقتادة: إنّما قال إبراهيم هذا في سّر من قومه ولا يسمع ذلك إلاّ رجل واحد منهم، وهو الذي أفشاه عليه وقال: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}. قال السدّي: كان لهم في كلّ سنة مجمع وعيد، فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، ثمَّ عادوا إلى منازلهم، فلمّا كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فخرج معهم إبراهيم فلمّا كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: إنّي سقيم يقول: أشتكي رجلي، فتواطؤوا رجله وهو صريع، فلمّا مضوا نادى في آخرهم وقد بقي ضعف الناس {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ} فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى الآلهة فإذا هنَّ في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض، كلّ صنم يليه أصغر منه إلى باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الأصنام، قالوا: إذا كان حين نرجع رجعنا وقد بركت الآلهة في طعامنا فأكلنا، فلمّا نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال لهم على طريق الاستهزاء: ألا تأكلون؟ فلمّا لم يجبه أحد قال: ما لكم لا تنطقون؟ {أية : فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ}تفسير : [الصافات: 93]، وجعل يكسرهنّ بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلاّ الصنم الأكبر علّق الفأس في عنقه ثم خرج، فذلك قوله سبحانه {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً}. قرأ يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي بكسر الجيم أي كسراً وقطعاً جمع جذيذ وهو الهشيم، مثل خفيف وخفاف وكريم وكرام، وقرأ الباقون: بضمّه أي الحطام والدقاق {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ} أي عظيماً للآلهة فإنّه لم يكسره ووضع الفأس على عنقه {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} فيتذكّرون ويعلمون ضعفها وعجزها، وقيل: لعلّهم إليه يرجعون فيسألونه، فلمّا جاء القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوا أصنامهم {قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ * قَالُواْ} يعني الذين سمعوا إبراهيم يقول: تالله لأكيدنّ أصنامكم {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} يعيبهم ويسبّهم ويستهزئ بهم {يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} هو الذي صنع هذا، فبلغ ذلك نمرود الجبّار وأشراف قومه فقالوا {فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ} يراد بأعين الناس {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} عليه أنّه هو الذي فعل ذلك، وكرهوا أن يأخذوه بغير بيّنة، قاله قتادة والسدّي. وقال الضحّاك والسُدّي: لعلّهم يشهدون ما يصنع به ويعاقبه، أي، يحضرون، فلمّا أتوا به {قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ * قَالَ} إبراهيم {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا} غضب من أن تعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها كسرهنّ، قاله ابن إسحاق، وإنّما أراد إبراهيم بذلك إقامة الحجّة عليهم، فذلك قوله سبحانه {فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} حتى يخبروكم بمن فعل هذا بهم. وروي عن الكسائي أنّه كان يقف عند قوله: بل فعله ويقول: معناه فعله من فعله، ثم يبتدي كبيرهم هذا. وقال القتيبي: جعل إبراهيم النطق شرطاً للفعل فقال {فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} والمعنى إن قدروا على الفعل، فأراهم عجزهم عن النطق والفعل، وفي ضمنه أنا فعلت ذلك، والذي تظاهرت به الأخبار في هذه الآية، قول ابن إسحاق يدلّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لم يكذب إلاّ ثلاث كذبات كلّها في الله عزّ وجلّ قوله {أية : إِنِّي سَقِيمٌ} تفسير : [الصافات: 89] وقوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} وقوله لسارة: هي أختي، وغير مستحيل أن يكون الله سبحانه أذن لرسوله وخليله في ذلك ليقرع قومه ويوبّخهم ويحتجّ عليهم ويعرّفهم موضع خطئهم كما أذن ليوسف حين أمر مناديه فقال لأخوته: {أية : أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} تفسير : [يوسف: 70] ولم يكونوا سرقوا شيئاً. {فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ} يقول: فتفكّروا بقلوبهم ورجعوا إلى عقولهم {فَقَالُوۤاْ} ما نراه إلاّ كما قال {إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ} هذا الرجل في سؤالكم إيّاه، وهذه آلهتكم التي فعل بها ما فعل حاضرة فسلوها، وقيل: إنّكم أنتّم الظالمون بعبادتكم الأوثان الصغار مع هذا الكبير. {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ} متحيّرين مثبورين وعلموا أنّها لا تنطق ولا تبطش، فقالوا {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ} فلمّا اتّجهت الحجّة لإبراهيم عليهم {قَالَ} لهم {أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} فلمّا لزمتهم الحجّة وعجزوا عن الجواب {قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ}. قال ابن عمر: إنّ الذي أشار عليهم بتحريق إبراهيم رجل من الأكراد، قال شعيب الجبّائي: اسمه هيزن فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، قالوا: فلمّا جمع نمرود قومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بنياناً كالحظيرة فذلك قوله {أية : قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 97] ثم جمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب حتى إن كانت المرأة لتمرض فتقول لئن عافاني لأجمعنّ حطباً لإبراهيم، وكانت المرأة تنذر في بعض ممّا تطلب ممّا تحبّ أن تدرك لئن أصابته لتحتطبنّ في نار إبراهيم التي يحرق بها احتساباً في دينها. قال ابن إسحاق: كانوا يجمعون الحطب شهراً، قالوا: حتى إذا أكثروا وجمعوا منه ما أرادوا أشعلوا في كلّ ناحية من الحطب، فاشتعلت النّار واشتدّت حتّى أنْ كان الطّير لتمرّ بها فتحرق من شدّة وهجها، ثمّ عمدوا إلى إبراهيم فرفعوه على رأس البنيان وقيّدوه، ثم اتخذوا منجنيقاً ووضعوه فيه مقيّداً مغلولاً، فصاحت السموات والأرض ومن فيهما من الملائكة وجميع الخلق إلاّ الثّقلين صيحة واحدة: أي ربنّا، إبراهيم ليس في أرضك أحد يعبدك غيره يُحرق فيك فائذن لنا في نصرته، فقال الله سبحانه وتعالى لهم: إنِ استَغاث بشيء منكم أودعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به، وأنا وليّه فخلوا بيني وبينه فلمّا أرادوا إلقاءه في النّار أتاه خازن المياه فقال: إن أردت أخمدت النّار فإنّ خزائن الأمطار بيدي، وأتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيّرت النار في الهواء، فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم، ثم رفع رأسه إلى السّماء فقال: اللهمّ أنتَ الواحد في السّماء وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل. وروى المعتمر عن أُبي بن كعب عن أرقم أنّ إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار: لا إله إلاّ أنت سبحانك ربّ العالمين، لك الحمد ولك الملك، لا شريك لك، قال: ثمّ رموه في المنجنيق إلى النّار من مضرب شاسع فاستقبله جبرئيل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا، قال جبرئيل: فاسأل ربّك؟ فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فقال الله سبحانه {يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} قال السدّي: كان جبرئيل هو الذي ناداها. قال ابن عباس: لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها، فلم تبق يومئذ نار في الأرض إلاّ طفئت ظنت أنّها هي تُعنى. قال السدّي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس. قال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم إلاّ وثاقه، قالوا: وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام. قال المنهال بن عمر: قال إبراهيم خليل الله: ما كنت أيّاماً قطّ أنعم منّي من الأيّام التي كنت فيها في النار. قال ابن يسار: وبعث الله جلّ اسمه ملك الظلّ في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى جنب إبراهيم وهو يؤنسه، قالوا: وبعث الله بقميص من حرير الجنّة وأتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا إبراهيم إنّ ربّك يقول: أما علمت أنّ النار لا تضرّ أحبّائي، ثمَّ نظر نمرود من صرح له وأشرف على إبراهيم وما شكّ في موته، فرأى إبراهيم جالساً في روضة ورأى الملك قاعداً إلى جنبه وما حوله نار تحرق ما جمعوا له من الحطب فناداه نمرود: يا إبراهيم، كبير إلهك الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين ما أرى لم يضرّك، يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرّك؟ قال: لا، قال: فقم فاخرج منها، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلمّا خرج إليه قال له: يا إبراهيم، مَن الرجل الذي رأيت معك مثل صورتك قاعداً إلى جنبك؟ قال: ذلك ملك الظلّ أرسله إليَّ ربّي ليؤنسني فيها، فقال نمرود: يا إبراهيم إنّي مقرّب إلى إلهك قرباناً لما رأيت من قدرته وعزّته فيما صنع بك حين أبيت إلاّ عبادته وتوحيده، إنّي ذابح له أربعة آلاف بقرة، فقال له إبراهيم: إذاً لا يقبل الله منك ما كنت على دينك هذا حتى تفارقه إلى ديني، فقال: يا إبراهيم لا أستطيع ترك ملكي ولكن سوف أذبحها له، فذبحها له نمرود، ثمَّ كف عن إبراهيم ومنعه الله سبحانه منه. قال أبو هريرة: إنَّ أحسن شيء قاله إبراهيم لمّا رفع عنه الطبق وهو في النار يرشح جبينه فقال نمرود عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم قال كعب وقتادة والزهري: ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئد بنار ولا أحرقت النار شيئاً يومئذ إلاّ وثاق إبراهيم ولم تأت يومئذ دابّة إلاّ أطفأت عنه النار إلاّ الوزغ، فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وسمّاه فويسقاً. قال شعيب الجبائي: أُلقي إبراهيم (عليه السلام) في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي بنت تسعين سنة، وكان مذبحه من بيت ايليا على ميلين، ولمّا علمت سارة بما أراد باسحاق بطنت يومئذ وماتت اليوم الثالث. قال الله سبحانه {وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً} من نمرود وقومه من أرض العراق {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} يعني الشام. قال أُبىّ بن كعب سمّاها مباركة لأنّه ما من ماء عذب إلاّ وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس. وقال قتادة: كان يقال: الشام أعقاب دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشام، وما نقص عن الشام زيد في فلسطين، وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها مجمع الناس، وبها ينزل عيسى ابن مريم، وبها يهلك الله الدجّال. وحدّث أبو قلابة حديث : أنَّ رسول الله (عليه السلام) قال: رأيت فيما يرى النائم كأنّ الملائكة حملت عمود الكتاب فوضعته بالشام، فأوّلته أنّ الفتن إذا وقعت فإنّ الإيمان بالشام . تفسير : وذكر لنا أنّ عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) قال لكعب: ألا تتحوّل إلى المدينة فإنّها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضع قبره؟ فقال له كعب: يا أمير المؤمنين إنّي أجد في كتاب الله المنزل أنّ الشام كنز الله من أرضه وبها كنزه من عباده. قال محمد بن إسحاق بن يسار: استجاب لإبراهيم رجال من قومه حين رأوا ما صنع اللّه سبحانه به من جعل النار عليه برداً وسلاماً على خوف من نمرود وملئِهم، فآمن له لوط وكان ابن أخيه، وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخ إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له باحورين تارخ، فهاران أبو لوط وناحورا أبو تبويل وتبويل أبو لأن، ورتقا بنت تبويل امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب وليا وزاجيل روحيا يعقوب ابنتا لايان، وآمنت به أيضاً سارة وهي بنت عمّه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عمّ إبراهيم عليه السلام. وقال السدّي: كانت سارة بنت ملك حرّان وذلك أنّ إبراهيم ولوطاً انطلقا قِبَل الشام فلقي إبراهيم سارة وهي ابنة ملك حرّان وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزّوجها إبراهيم على أن يغيّرها. قال ابن إسحاق: خرج إبراهيم من كوثى من أرض العراق مهاجراً إلى ربّه، وخرج معه لوط وسارة كما قال الله سبحانه {أية : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} تفسير : [العنكبوت: 26] فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة الله حتى نزل حرّان فمكث بها ما شاء الله أن يمكث، ثمّ خرج منها مهاجراً حتّى قدم مصر، ثمَّ خرج من مصر إلى الشام ونزل السبع من أرض فلسطين وهي بُرية الشام، ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب من ذلك، فبعثه الله سبحانه نبيّاً فذلك قوله {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} يعني الشام، وبركتها أنّ منها بعث أكثر الأنبياء وهي أرض خصبة كثيرة الأشجار والأنهار والثمار يطيب فيها عيش الفقير والغنىّ. وروى العوفي عن ابن عباس في قوله {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} قال: يعني مكّة ونزول إسماعيل، ألا ترى أنّه يقول {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 96] والقول الأول أصوب. {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} أي عطاء عن مجاهد، الحسن والضحّاك: فضلاً، قال ابن عباس وأُبي بن كعب وابن زيد وقتادة: سأل واحداً فقال: ربّ هب لي من الصالحين فأعطاه الله إسحاق ولداً، وزاده يعقوب ولد الولد فهو النافلة. قال مجاهد وعطاء: معنى النافلة العطية وهما جميعاً من عطاء الله سبحانه أعطاهما إيّاه. { وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ} يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب (عليهم السلام).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نلاحظ أن الحق سبحانه بدأ تسليته لرسوله صلى الله عليه وسلم بذِكْر طرف من قصة موسى، ثم ثنَّى بقصة إبراهيم، مع أن إبراهيم عليه السلام سابقٌ لموسى، فلماذا؟ قالوا: لأن موسى له صِلَة مباشرة باليهود وقريب منهم، وكان اليهود معه أهلَ جَدَل وعناد. ومعنى {رُشْدَهُ ..} [الأنبياء: 51] الرُّشْد: اهتداء العقل إلى الأكمل في الصلاح والأعلى في الخير، بحيث لا يأتي بعد الصلاح فسادٌ، ولا بعد الخير شر، ولا يُسلمك بعد العُلو إلى الهبوط، هذا هو الرُّشْد. أما أنْ يجرَّك الصلاح الظاهر إلى فساد، أو يُسلِمَك الخير إلى شر، فليس في ذلك رُشْدٌ. والآن نسمعهم يتحدثون عن الفنون الجميلة، ويستميلون الناس بشعارات برّاقة أعجبتْ الناس حتى وصلت بهم الجرأة إلى أنْ قالوا عن الرقص: فنٌّ راقٍ وفنّ جميل.. سبحان الله، الرقص كما قلتم لو أنه فعلاً راقٍ وجميل، وظل كذلك إلى آخر الطريق، ولم ينحدر إلى شيء قبيح وهابط، ماذا يحدث حين يجلس الرجل أمام راقصة تُبدِي من مفاتنها وحركاتها ما لا تُحسنه زوجته في البيت؟ كم بيوت خَرِبَتْ وأُسَر تهدمت بسبب راقصة، فأيُّ رقيٍّ؟ وأيُّ جمال في هذا الفن؟! لذلك؛ فالإمام علي - كرَّم الله وجهه - لخَّص هذه المسألة فقال: "لا شَرَّ في شَرٍّ بعده الجنة، ولا خيرَ في خير بعده النار". إذن: على الإنسان أن ينتبه إلى الرُّشْد الذي هو اهتداء العقل إلى الصالح الأعلى أو إلى الكمال الأعلى أو الخير الأعلى. وهذا الرُّشْد له اتجاهان: رُشْد البِنْية، ورُشْد المعنى. رُشْد البِنْية وهو اكتمال تكوين الإنسان بحيث يُؤدِّي كل جهاز فيه وظيفته، وهذا لا يكون إلا بعد سِنِّ البلوغ، وقد جعل الخالق سبحانه استواء الأعضاء التناسلية دليلاً على اكتمال هذا الرُّشْد حين يصير المرء قادراً على إنجاب مثله. وهذا واضح في الثمار حيث لا يحلو مذاقها إلا بعد نضجها واكتمال بذرتها لتكون صالحة للإنبات إذا زرعتها، وهذا من حكمة الخالق - سبحانه وتعالى - فنأكل الثمرة ونستبقي نوعها ببذرتها الصالحة، أمّا لو استوت الثمرة للأكل قبل نُضْج بذرتها لأكلنا الثمار الموجودة ولم نستبق نوعها فتنقرض. لذلك، من حكمة الله أيضاً أن الثمرة إذا استوتْ ونضجَتْ ولم تجد مَنْ يقطفها تسقط من تلقاء نفسها، وتُجدِّد دورتها في الحياة. ولأمر ما جعل الله التكليف بعد البلوغ، فلو كلّفك قبل البلوغ لوجدتَ في التكاليف نَهْياً عن بعض الأمور التي لا تعرفها ولا تدركها، وقد تعترض على ربك: كيف أفعل يا ربّ وقد جاءتني هذه الغريزة ففعلتْ بي كذا وكذا. ولكل آلة وجهاز في جسم الإنسان رُشْد يناسبه، ونمو يناسب تكوينه، فمثلاً عَيْن الطفل وفمه وأصابع يده كلها تنمو نمواً مناسباً لتكوين الطفل. أما الأسنان ففيها حكمة بالغة من الخالق عز وجل، فقد جعل للطفل في المرحلة التي لا يستطيع فيها تنظيفَ أسنانه بنفسه، ولا حتى يستطيع غيره تنظيفها جعل له (طقماً) احتياطياً من الأسنان، يصاحبه في صِغَره تُسمَّى الأسنان اللبنية، حتى إذا ما شَبَّ وكَبر واستطاع أنْ يُنَظّف أسنانه بنفسه أبدله الله (طَقْماً) آخر يصاحبه طوال عمره. وهناك رُشْد أعلى، رُشْد فكري معنوي، رُشْد يستوي فيه العقل والتفكير ويكتمل الذِّهنْ الذي يختار ويُفَاضل بين البدائل، فقد يكتمل للمرء رُشْده البُنياني الجسماني دون أنْ يكتملَ عقله وفِكْره، وفي هذه الحالة لا نُمكِّنه من التصرف حتى نختبره، لنعلم مدى إحسانه للتصرف فيما يملك، فإنْ نجح في الاختبار فَلْنُعْطِه المال الذي له، يتصرف فيه كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ..} تفسير : [النساء: 6] أي: لا تنتظر حتى يكبر، ثم تعطيه ماله، يفعل فيه ما يشاء دون خِبْرة ودون تجربة، إنما تختبره وتَشْركه في خِضَمِّ الحياة ومعتركها، فيشبّ مُتمرِّساً قادراً على التصرف السليم. وفي آية أخرى قال تعالى: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ..} تفسير : [النساء: 5] لأنهم إن بلغوا الرُّشْد البدنيّ فلم يبلغوا الرُّشْد العقلي، وإياك أن تقول: هو ماله يتصرف فيه كما يشاء، فليس للسفيه مال بدليل: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ..} تفسير : [النساء: 5] ولم يقُلْ: أموالهم، فهو مالُكَ تحافظ عليه كأنه لك، وأنت مسئول عنه أمام الله، ولا يكون مال السَّفيه له إلا إذا أحسنَ التصرف فيه. ومن الرُّشْد ما سماه القرآن الأشُدّ: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ..} تفسير : [الأحقاف: 15]. والأشُدُّ هو: التسامي في الرُّشْد وقال هنا (أربعين سنة) مع أننا ذكرنا أن الإنسان يبلغ رُشْد البِنْية ورُشْد العقل بعد سِنَِّ البلوغ في الخامسة عشرة تقريباً، إذن: مَنْ لم يرشُدْ حتى الأربعين فلا أملَ فيه، والنار أَوْلَى به؛ لأنه حين يكفر أو ينحرف عن الطريق في عنفوان شبابه وقوته نقول: شراسة الشباب والشهوة والمراهقة، إلى آخر هذه الأعذار فإذا ما بلغ الأربعين فما عذره؟ وإذا لم يتلقَّ مبادئ الرُّشْد في صِغَره وفي شبابه، فلا شَكَّ أنه سيجد في أحداث الحياة طوال أربعين سنة واقعاً يُرشده قَهْراً عنه، حيث يرى أعماله وعواقبها وأخطاءه وسقطاته، وينبغي أنْ يأخذ منها درساً عملياً نظرياً في الرُّشْد. ومن ذلك ما نسمعه من مصطلحات معاصرة يقولون "الرشد السياسي" ويقولون "ترشيد الاستهلاك"، ما معنى هذه المصطلحات؟ معناها أن أحداث الحياة وتجاربها وعدم الرُّشْد في مسيرتهم عضَّت الناس، وألجأتْهم إلى التفكير في ترشيد يُذهب هذا الفساد. إذن: فالرُّشْد للذات والترشيد للغير كما نفعل في ترشيد استهلاك القمح مثلاً وكنا نعلف به المواشي، حتى أصبحنا لا نجده؛ لذلك بدأنا في ترشيد استهلاك رغيف الخبز وصِرْنا نقسمه أربعة أقسام، ونأكل بحساب، ولا نهدر شيئاً، وما يتبقى يتبقى نظيفاً نأكله في وَجْبة أخرى. وقد لا يكون عند الخباز نفسه ترشيد، فيُخرج الرغيف قبل استوائه فتجده عجيناً، كله لبابة، فتأتي ربة البيت الواعية فتفتح الرغيف قبل وضعه على المائدة، وتُخرِج منه هذه البابة، وتجمعها ثم تُحمِّصها في الفرن، وتصنع منها طعاماً آخر. وما يقال في "ترشيد الخبز" يقال في "ترشيد الماء"، وقد أمرنا رسول الله بترشيد استهلاك الماء حتى في الوضوء الذي هو قربى إلى الله. هذا الرُّشْد الذي وصفنا رُشْد كل عاقل غير الرسل، وهو أنه يهتدي إلى قضايا حياته، ويتصرّف فيها تصرفاً سليماً، إنما مقتضى نتيجة هذا الصلاح في الدنيا، أما الرسل فلهم رُشْد آخر، رُشْد أعلى للدنيا وللآخرة، وهذه هبة من الله للرسل. قال تعالى في حَقِّ إبراهيم عليه السلام: {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ ..} [الأنبياء: 51] وكأن رُشْد إبراهيم لا يخضع لهذه القواعد، ولا يرتبط ببلوغ، ولا نبوة، بل هو رُشْد سابق لأوانه منذ أنْ كان صغيراً يتأمل في النجوم ويبحث عن ربه: {أية : فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} تفسير : [الأنعام: 77-78]. فكان - عليه السلام - مُؤهِّلاً للرسالة منذ صِغَره، ولما أُرسل ونُبِّيء ظهرتْ مواهب رُشْده حين أُلقِي في النار، وجاءه جبريل - عليه السلام - يعرض عليه المساعدة، فيقول إبراهيم: أما إليك فلا. وهذه أول بشائر الرشد الفكري والعقدي عند إبراهيم. وفي حَقِّه قال تعالى: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ..} تفسير : [البقرة: 124] أي: اختبره في أشياء فأتمهُنَّ وأتى بِهنّ على أكمل وجه، منها: أنه طلب منه أنْ يرفعَ قواعد البيت، وكان يكفي أن يرفع إبراهيم قواعد البيت إلى ما تطول يده، إنما إبراهيم عليه السلام كان حريصاً أنْ يتم الأمر على أكمل وجه، فيفكر ويحتال في أنْ يأتيَ بحجر ويقف عليه ليرفع البناء بمقدار الحجر، ويساعده ولده الصغير إسماعيل فيناوله الحجارة، لكن الولد الصغير تتزحلق قدماه حينما يرفع الحجارة لأبيه، فيحتال على هذا الأمر فيحفر في الحجر على قَدْر قدميه حتى يثبت، وهاتان القدمان نشاهدهما حتى الآن في حِجْر إسماعيل. إذن: كان عنده عِشْق لللتكاليف وحِرْص على إتمامها. وقوله تعالى: {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء: 51] هذا واضح في قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ..} تفسير : [الأنعام: 124].

الصابوني

تفسير : المناسَبَة: لمّا ذكر تعالى الدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد أتبع ذلك بذكر قصص الأنبياء، وما نال كثيراً منهم من الابتلاء تسليةً للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ليتأسّى بهم في الصبر واحتمال الأذى في سبيل الله تعالى، وتوطين النفس على مجابهة المشركين أعداء الله. اللغَة: {رُشْدَهُ} هداه إِلى وجوه الصلاح {ٱلتَّمَاثِيلُ} جمع تمثال وهو الصورة المصنوعة مشبهة بمخلوق من مخلوقات الله تعالى يقال: مثَّلت الشيء بالشيء أي شبهته به واسم ذلك الممثَّل تمثال {جُذَاذاً} فتاتاً والجذُّ: الكسر والقطع قال الشاعر: شعر : بنوالمهلَّب جذَّ الله دابرهم أمْسوا رماداً فلا أصلٌ ولا طرف تفسير : {نُكِسُواْ} النَّكْسُ: قلب الشيء بحيث يصير أعلاه أسفل {نَافِلَةً} زيادة ومنه النفل لأنه زيادة على ما فرض الله ويقال لولد الولد نافلة لأنه زيادة على الولد {ٱلْكَرْبِ} الغم الشديد {نَفَشَتْ} النَّفش: الرعيُ بالليل بلا راع يقال: نفشت بالليل، وهملت بالنهار إِذا رعت بلا راع. التفسِير: {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} أي والله لقد أعطينا إِبراهيم هُداه وصلاحه إِلى وجوه الخير في الدين والدنيا {مِن قَبْلُ} أي من صغره حيث وفقناه للنظر والاستدلال إِلى وحدانية ذي الجلال {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} أي عالمين أنه أهلٌ لما آتيناه من الفضل والنبوة {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} هذا بيانٌ للرشد الذي أُوتيه إِبراهيم من صغرة أي حين قال لأبيه آزر وقومه المشركين ما هذه الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها؟ وفي قوله {مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ} تحقيرٌ لها وتصغيرٌ لشأنها وتجاهل بها مع علمه بتعظيمهم لها {قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} أي نعبدها تقليداً لأسلافنا قال ابن كثير: لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال {قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي لقد كنتم وأسلافكم الذين عبدوا هذه الأصنام في خطأٍ بيّن بعبادتكم إِياها إِذ هي جمادات لا تنفع ولا تضر ولا تسمع {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ} أي هل أنت جادٌّ فيما تقول أم لاعب؟ وهل قولك حقٌّ أم مزاح؟ استعظموا إِنكاره عليهم، واستبعدوا أن يكون ما هم عليه ضلالاً، وجوَّزوا أن ما قاله على سبيل المزاح لا الجد فأضرب عن قولهم وأخبر أنه جادٌّ فيما قال غير لاعب {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ} أي ربكم الجدير بالعبادة هو ربّ السماوات والأرض الذي خلقهنَّ وأبدعهنَّ لا هذه الأصنام المزعومة {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} أي وأنا شاهد للَّهِ بالوحدانية بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة كالشاهد الذي تقطع به الدَّعاوى {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ} أي وأقسمُ بالله لأمكرنَّ بآلهتكم وأحتالنَّ في وصول الضر إِليها بعد ذهابكم عنها إِلى عيدكم قال المفسرون: كان لهم عيد يخرجون إِليه في كل سنة ويجتمعون فيه فقال آزر لإِبراهيم: لو خرجت معنا إِلى عيدنا أعجبك ديننا!! فخرج معهم إِبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض وقال إني سقيم أشتكى رجلي فتركوه ومضوا ثم نادى في آخرهم {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ} فسمعها رجلٌ فحفظها {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً} أي كسَّر الأصنام حتى جعلها فتاتاً وحُطاماً {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ} أي إلا الصنم الكبير فإنه لم يكسره قال مجاهد: ترك الصنم الأكبر وعلَّق الفأس الذي كسر به الأصنام في عنقه ليحتجّ به عليهم {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} أي لعلهم يرجعون إِلى الصنم فيسألونه عمن كسَّر الأصنام فيتبين لهم عجزه وتقوم الحجة عليهم {قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} في الكلام محذوفٌ تقديره: فلما رجعوا من عيدهم ونظروا إلى آلهتهم ورأوا ما فُعل بها قالوا على جهة البحث والإِنكار والتشنيع والتوبيخ: إِنَّ من حطَّم هذه الآلهة لشديد الظلم عظيم الجرم لجراءته على الآلهة المستحقة للتعظيم والتوقير {قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} أي قال من سمع إِبراهيم يقول {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} سمعنا فتى يذكرهم بالذم ويسبُّهم ويعيبهم يسمى إِبراهيم فلعله هو الذي حطَّم الآلهة! {قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ} أي قال نمرود وأشراف قومه أحضروا إِبراهيم بمرأى من الناس حتى يروه، والغرضُ أن تكون محاكمته على رءوس الأشهاد بحضرة الناس كلهم ليكون عقابه عبرة لمن يعتبر {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} أي لعلهم يحضرون عقابه ويرون ما يصنع به {قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ} أي هل أنتَ الذي حطَّمت هذه الآلهة يا إِبراهيم؟ {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا} أي قال إِبراهيم بل حطَّمها الصنم الكبير لأنه غضب أن تعبدوا معه هذه الصغار فكسرها، والغرض تبكيتُهم وإِقامة الحجة عليهم ولهذا قال {فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} أي اسألوا هذه الأصنام من كسرها؟ إِن كانوا يقدرون على النطق قال القرطبي: والكلام خرج مخرج التعريض وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتخذونهم آلهة من دون الله كما قال إِبراهيم لأبيه {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 42] فقال إِبراهيم {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا} ليقولوا إِنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون فيقول لهم فلم تعبدونهم؟ فتقوم عليهم الحجة منهم كما يجوز فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من نفسه فإِنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة {فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ} أي رجعوا إلى عقولهم وتفكروا بقلوبهم {فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ} أي أنتم الظالمون في عبادة ما لا ينطق {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ} أي أنقلبوا من الإِذعان إِلى المكابرة والطغيان {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ} أي قالوا في لجاجهم وعنادهم: لقد علمتَ يا إِبراهيم أن هذه الأَصنام لا تتكلم ولا تجيب فكيف تأمرنا بسؤالها؟ وهذا إِقرار منهم بعجز الآلهة، وحينئذٍ توجهت لإِبراهيم الحجة عليهم فأخذ يوبخهم ويعنّفهم {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ} أي أتعبدون جمادات لا تضر ولا تنفع؟ {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي قبحاً لكم ونتناً لكم وللأصنام التي عبدتموها من دون الله {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أفلا تعقلون قبح صنيعكم؟ {قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ} لمَا لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب عدلوا إِلى البطش والتنكيل فقالوا: احرقوا إِبراهيم بالنار انتقاماً لآلهتكم ونصرةً لها {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} أَي إِن كنتم ناصريها حقاً {قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} أي ذات بردٍ وسلامة وجاءت العبارةُ هكذا للمبالغة قال المفسرون: لما أرادوا إِحراق إِبراهيم جمعوا له حطباً مدة شهر حتى كانت المرأة تمرض فتنذر إِن عوفيت أن تحمل حطباً لحرق إِبراهيم، ثم جعلوه في حفرة من الأرض وأضرموها ناراً فكان لها لهب عظيم حتى إِن الطائر ليمرُّ من فوقها فيحترق من شدة وهجها وحرها، ثم أوثقوا إِبراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار، فجاء إِليه جبريل فقال: ألك حاجة؟ قال أمّا إِليك فلا، فقال جبريل: فاسأل ربك، فقال: "حسبي من سؤالي علمه بحالي" فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إِبراهيم، ولم تحرق النار منه سوى وثاقه وقال ابن عباس: لو لم يقل الله {وَسَلَٰماً} لآذى إِبراهيم بردها {وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً} أي أرادوا تحريقه بالنار {فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ} أي أخسر الناس وأخسر من كل خاسر حيث كادوا لنبيّ اللهِ فردَّ الله كيدهم في نحورهم {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} أي ونجينا إِبراهيم مع ابن أخيه لوط حيث هاجرا من العراق إِلى الشام التي بارك الله فيها بالخِصب وكثرة الأنبياء ووفرة الأنهار والأشجار قال ابن الجوزي: وبركتُها أن الله عزَّ وجل بعث أكثر الأنبياء منها وأكثر فيها الخِصب والأنهار {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} أي أعطينا إِبراهيم - بعدما سأل ربه الولد - إسحاق وأعطيناه كذلك يعقوب نافلةً أي زيادة وفضلاً من غير سؤال قال المفسرون: سأل إِبراهيم ربه ولداً فأعطاه الله إسحاق وزاده يعقوب نافلة زيادة على ما سأل لأنَّ ولد الولد كالولد {وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ} أي وكلاً من إِبراهيم وإِسحاق ويعقوب جعلناه من أهل الخير والصلاح {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} أي جعلناهم قدوةً ورؤساء لغيرهم يرشدون الناس إِلى الدين بأمر الله {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ} أي أوحينا إِليهم أن يفعلوا الخيرات ليجمعوا بين العلم والعمل {وَإِقَامَ ٱلصَّلاَة وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَـاةِ} أي وأمرناهم بطريق الوحي بإِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة، وإِنما خصهما بالذكر لأن الصلاة أفضلُ العبادات البدنية، والزكاة أفضلُ العبادات المالية {وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ} أي موحدين مخلصين في العبادة {وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} أي وأعطينا لوطاً النبوة والعلم والفهم السديد قال ابن كثير: كان لوط قد آمن بإِبراهيم عليه السلام واتَّبعه وهاجر معه كما قال تعالى {أية : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} تفسير : [العنكبوت: 26] فآتاه الله حُكماً وعلماً وأوحى إِليه وجعله نبياً وبعثه إِلى "سدوم" فكذبوه فأهلكهم الله ودمَّر عليهم كما قصّ خبرهم في غير موضع من كتابة العزيز {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَائِثَ} أي خلَّصناه من أهل قرية سدوم الذين كانواْ يعملون الأعمال الخبيثة كاللواط وقطع السبيل وغير ذلك {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} أي كانوا أشراراً خارجين عن طاعة الله {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي أدخلناه في أهل رحمتنا لأنه من عبادنا الصالحين {وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ} أي واذكر قصة نوح حين دعا على قومه من قبل هؤلاء الأنبياء المذكورين، دعا عليهم بالهلاك حين كذبوه بقوله {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} تفسير : [نوح: 26] {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} أي استجبنا دعاءه فأنقذناه ومن معه من المؤمنين - ركاب السفينة - من الطوفان والغرق الذي كان كرباً وغماً شديداً يكاد يأخذ بالأنفاس {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي منعناه من شر قومه المكذبين فنجيناه وأهلكناهم {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} أي كانوا منهمكين في الشرّ فأغرقناهم جميعاً ولم نُبْق منهم أحداً {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ} أي واذكر قصة داود وسليمان حين يحكمان في شأن الزرع {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ} أي وقت رعت فيه غنم القوم ليلاً فأفسدته {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} أي كنا مطَّلعين على حكم كلٍ منهما عالمين به {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} أي علمنا وألهمنا سليمان الحكم في القضية {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} أي وكلاً من داود وسليمان أعطيناه الحكمة والعلم الواسع مع النبوة قال المفسرون: تخاصم إِلى داود رجلان دخلت غنم أحدهما على زرع الآخر بالليل فأفسدته فلم تُبق منه شيئاً، فقضى بأن يأخذ صاحب الزرع الغنم، فخرج الرجلان على سليمان وهو الباب فأخبراه بما حكم به أبوه فدخل عليه فقال: يا نبيَّ الله لو حكمتَ بغير هذا كان أرفق للجميع! قال: وما هو؟ قال: يأخذ صاحب الغنم الأرض فيصلحها ويبذرها حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنم وينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإِذا خرج الزرع رُدَّت الغنم إِلى صاحبها والأرض إِلى ربها فقال له داود: وُفّقت يا بُنيَّ وقضى بينهما بذلك فذلك قوله تعالى {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ} أي جعلنا الجبال والطير تسبّح مع داود إِذا سبّح قال ابن كثير: وذلك لطيب صوته بتلاوة الزبور فكان إِذا ترنّم بها تقف الطير في الهواء فتجاوبه وتردُّ عليه الجبال تأويباً وإِنما قدَّم ذكر الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأغرب وأدخل في الإِعجاز لأنها جماد {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} أي وكنا قادرين على فعل ذلك {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ} أي علمنا داود صنع الدروع بإِلانةِ الحديد له قال قتادة: أول من صنع الدروع داود وكانت صفائح فهو أول من سردها وحلَّقها {لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ} أي لتقيكم في القتال شرَّ الأعداء {فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} استفهامٌ يراد به الأمر أي اشكروا الله على ما أنعم به عليكم، ولما ذكر تعالى ما خصَّ به نبيه داود عليه السلام ذكر ما خصَّ به ابنه سليمان فقال {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً} أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفةً أي شديدة الهبوب {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} أي تسير بمشيئته وإِرادته إِلى أرض الشام المباركة بكثرة الأشجار والأنهار والثمار، وكانت مسكنه ومقر ملكه {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} أي وكنا عالمين بجميع الأمور فما أعطيناه تلك المكانة إِلا لما نعلمه من الحكمة {وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ} أي وسخرنا لسليمان بعض الشياطين يغوصون في الماء ويدخلون أعماق البحار ليستخرجوا له الجواهر واللآلئ {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ} أي ويعملون أعمالاً أخرى سوى الغوص كبناء المدن والقصور الشاهقة والأمور التي يعجز عنها البشر {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} أي نحفظهم عن الزيغ عن أمره أو الخروج عن طاعته. البَلاَغَة: تضمنت الآيات من وجوه الفصاحة والبديع ما يلي: 1- الاستعارة اللطيفة {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ} شبه رجوعهم عن الحق إِلى الباطل بانقلاب الشخص حتى يصبح أسفله أعلاه بطريق الاستعارة. 2- الطباق بين {يَنفَعُكُمْ.. ويَضُرُّكُمْ}. 3- المبالغة {كُونِي بَرْداً} أطلق المصدر وأراد اسم الفاعل أي باردة أو ذات برد. 4- عطف الخاص على العام {فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلاَة وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَـاةِ} لأن الصلاة والزكاة من فعل الخيرات وإِنما خصهما بالذكر تنبيهاً لعلو شأنهما وفضلهما. 5- الاحتراس {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} دفعاً لتوهم انتقاص مقام داود عليه السلام. 6- المجاز المرسل {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ} أي في الجنة لأنها مكان تنزل الرحمة فالعلاقة المحلية. 7- السجع غير المتكلف {العَابِدِينَ ٱلصَّابِرِينَ}، {ٱلصَّالِحِينَ} الخ. تنبيه: وصف تعالى الريح هٰهنا بقوله {عَاصِفَةً} ووصفها في مكان آخر بقوله {أية : رُخَآءً} تفسير : [ص: 36] والعاصفة هي الشديدة، والرخاء هي اللَّينة، ولا تعارض بين الوصفين لأن الريح كانت ليّنة طيبة وكانت تسرع في جريها كالعاصف فجمعت الوصفين فتدبر.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ} معناه هَداهُ صَغيراً.

الجيلاني

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَآ} وأعطينا {إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} أي: كمال عقله ورشاده إلى حيث أيقظناه عن سِنة الغفلة، فأخذ لطلب المعارف، والحقائق وسلوك طريق التوحيد، والتوجه نحو الحق {مِن قَبْلُ} أي: من قبل موسى وهارون {وَكُنَّا بِهِ} أي: بكمال استعداده وقابليته لحمل أعباء الرسالة والنبوة، وانكشافه بسرائر التوحيد {عَالِمِينَ} [الأنبياء: 51] بحضرة علمنا في لوح قضائنا. اذكر يا أكمل الرسل: {إِذْ قَالَ} جدك إبراهيم {لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ} حين جذبه الحق نحو جنابه وهداه إلى بابه، مستفهماً على سبيل الإنكار والتقريع: {مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ} الباطلة والهياكل الزائغة الزائلة {ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ} مع كونكم من زمرة العقلاء المجبولين لمصلحة التوحيد والعرفان {لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] عابدون متذللون، مع أنها جمادات لا شعور لها ولا حركة، فكيف المعرفة واليقين وعبادة الفاضل للمفضول المرذول في غاية السقوط عند ذوي النهي وأولي الألباب؟. ولما تفرسوا منه الرشد التام وجدوا قوله معقولاً محكماً {قَالُواْ} في جوابه: ما نعرف استحقاق هؤلاء التماثيل للعبادة والألوهية، ولا تنكشف بسرائرها، غير أنا {وَجَدْنَآ آبَآءَنَا} وأسلافنا {لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 53] فنعبدهم كما عبدوها، مع أنهم كانوا من ذوي الفطنة والرشاد، فنعتقد أنهم انكشفوا بأسرارها، وما لنا شغلُ باستكشافها سوى أن نعبد بما يعبد أولئك الأسلاف. {قَالَ} إبراهيم بعدما انكشف بالحق وظهر عنده ضلالهم وضلال آبائهم: { لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ} أيها الحمقى المنهمكون في بحر الغفلة والغرور {وَآبَآؤُكُمْ} أي: تابعكم ومتبوعكم وأصلكم وفرعكم {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأنبياء: 54] وغفلة عظيمة من الهداية وسلوك طريق الحق. ثم لما سمعوا منه ما سمعوا من التضليل والتجهيل {قَالُوۤاْ} له: {أَجِئْتَنَا} أيها المدَّعى {بِٱلْحَقِّ} أي: بالجد الصريح الواضح المنكشف المبين {أَمْ أَنتَ} في تضليلك وتجهيلك إيانا {مِنَ ٱللاَّعِبِينَ} [الأنبياء: 55] بنا المستهزئين معنا. {قَالَ} إبراهيم: لا لعب ولا سخرية في أمور الدين سيما في معرفة الألوهية والربوبية، وبالجملة ما هذه التماثيل العاطلة أربابكم الذين أوجدوكم وأظهروكم من كتم العدم {بَل رَّبُّكُمْ} وموجدكم {رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: موجد العلويات والسفليات، ومربيها واحدُ أحدُ فردُ وترُ، لا تعدد له، ولا اثنينية فيه، متصرِّف بالاستقلال في ملكه؛ إذ هو {ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ} وأبدعهن اختياره، وانفراده بلا سبق مادة ومدة {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ} أي: على الأمور التي بينت لكم وأوضحها عندكم {مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} [الأنبياء: 56] أي: من أرباب الشهود المتحققين بمرتبة الكشف واليقين الحقي، لا من أصحاب التقليد والتخمين. {وَ} بعدما جرى بينه وبينهم ما جرى، سفهوه واستهزؤوا معه، ونسبوه إلى الخبط والجنون، وانصرفوا عنه متعجبين إلى مجامعهم ومعابدهم التي اجتمعوا فيها لعبادة الأصنام، قال إبراهيم مقسماً مؤكداً بالغاً: {تَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ} أي: لأحتالن وأمكرن؛ لأن أكسر {أَصْنَامَكُمْ} ومعبوداتكم أيها الجاهلون لتفضحوا أنتم وهؤلاء الأباطيل الزائغة {بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ} وتنصرفوا {مُدْبِرِينَ} [الأنبياء: 57] من مجمعكم ومعبدكم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ} [الأنبياء: 51] أي: شرفنا بنور الخُلة ومن قبل خلقه؛ لأن اتخاذ الله إياه خليلاً كان في الأزل، فإن الكلام الأزلي ناطق {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء: 51] أي: بأهليته للخلة واستحقاقه للرشد والهداية؛ لأنا خلقناه مستعداً للهداية والكرامة ألا يعلم من خلق. {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] يعني: لو لم يكن آثار رشدنا لما رأى بنور الرشد ظلمة شركهم وعكوفهم للأصنام لمَّا قال: {إِذْ قَالَ} فيه إشارة إلى: أحوال الذين فاتهم يرون أهل الدنيا بنور الرشد، عاكفين لأصنام الهوى والشهوات، يقولون لهم: {مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} ولو لم يكن نور الرشد والهداية من الله لكانوا معهم عاكفين لها، وما رأوها بنظر التماثيل. {قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 53] فيه إشارة إلى أن التقليد غالب على الخلق كافة في عبادة الهوى والدنيا إلا من أتاه الله رشده، فيقول لأهل الأهواء والبدع بنور التحقيق والرشد: {قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ} [الأنبياء: 54-55] بهذه يشير إلى عابدي الهوى من غير الإسلام؛ إذ سمعوا كلام أهل التحقيق في بيان سبيل الرشاد، وقالوا بالاستهزاء: أجئت بما يرشدنا بالحق وندعو إليه أم تلاعب معنا، فيه إشارة لطيفة، وهي: كما أن أهل الصدق والطلب يرون أهل الدنيا لاعبين واتخذوا الدنيا لعباً ولهواً كقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} تفسير : [الأنعام: 91] كذلك أهل الدنيا يرون أهل الدين لاعبين، وأمر الدين لعباً ولهواً. وبقوله تعالى: {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} [الأنبياء: 56] يشير إلى أن إيمان الخليل عليه السلام كان إيماناً إيقانياً، بل عيانياً بقوله: {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} [الأنبياء: 56] أي: الحاضرين الناظرين في ملكوتهما بيد قدرته كما قال الله تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [يس: 83] وكما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} تفسير : [الأنعام: 75]. وبقوله تعالى: {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 57-58] يشير إلى أن الإنسان إذا وكّل إلى نفسه وطبعه ينحت من هوى نفسه أصناماً كما كان أبو إبراهيم آزر ينحت الأصنام، وإذا أدركته العناية الأزلية أيد بالتأييد الإلهي كسر أصنام الهوى، ويجعلها جداراً فضلاً عن نحتها كما كان حال إبراهيم عليه السلام كان يكسر من الأصنام ما ينحت أبوه، وإذا كان المرء على أهل الخذلان يرى الحق باطلاً والباطل حقاً كما كان قوم نمرود {قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 59].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } إلى آخر هذه القصة. وهو قوله: { وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين } لما ذكر تعالى موسى ومحمدا صلى الله عليهما وسلم، وكتابيهما قال: { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ } أي: من قبل إرسال موسى ومحمد ونزول كتابيهما، فأراه الله ملكوت السماوات والأرض، وأعطاه من الرشد، الذي كمل به نفسه، ودعا الناس إليه، ما لم يؤته أحدا من العالمين، غير محمد، وأضاف الرشد إليه، لكونه رشدا، بحسب حاله، وعلو مرتبته، وإلا فكل مؤمن، له من الرشد، بحسب ما معه من الإيمان. { وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } أي: أعطيناه رشده، واختصصناه بالرسالة والخلة، واصطفيناه في الدنيا والآخرة، لعلمنا أنه أهل لذلك، وكفء له، لزكائه وذكائه، ولهذا ذكر محاجته لقومه، ونهيهم عن الشرك، وتكسير الأصنام، وإلزامهم بالحجة، فقال: { إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ } التي مثلتموها، ونحتموها بأيديكم، على صور بعض المخلوقات { الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } مقيمون على عبادتها، ملازمون لذلك، فما هي؟ وأي فضيلة ثبتت لها؟ وأين عقولكم، التي ذهبت حتى أفنيتم أوقاتكم بعبادتها؟ والحال أنكم مثلتموها، ونحتموها بأيديكم، فهذا من أكبر العجائب، تعبدون ما تنحتون. فأجابوا بغير حجة، جواب العاجز، الذي ليس بيده أدنى شبهة فقالوا: { وَجَدْنَا آبَاءَنَا } كذلك يفعلون، فسلكنا سبيلهم، وتبعناهم على عبادتها، ومن المعلوم أن فعل أحد من الخلق سوى الرسل ليس بحجة، ولا تجوز به القدوة، خصوصا، في أصل الدين، وتوحيد رب العالمين، ولهذا قال لهم إبراهيم مضللا للجميع: { لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } أي: ضلال بين واضح، وأي ضلال، أبلغ من ضلالهم في الشرك، وترك التوحيد؟" أي: فليس ما قلتم، يصلح للتمسك به، وقد اشتركتم وإياهم في الضلال الواضح، البين لكل أحد. { قَالُوا } على وجه الاستغراب لقوله، والاستعظام لما قال، وكيف بادأهم بتسفيههم، وتسفيه آبائهم: { أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ } أي: هذا القول الذي قلته، والذي جئتنا به، هل هو حق وجد؟ أم كلامك لنا، كلام لاعب مستهزئ، لا يدري ما يقول؟ وهذا الذي أرادوا، وإنما رددوا الكلام بين الأمرين، لأنهم نزلوه منزلة المتقرر المعلوم عند كل أحد، أن الكلام الذي جاء به إبراهيم، كلام سفيه لا يعقل ما يقول، فرد عليهم إبراهيم ردا بين به وجه سفههم، وقلة عقولهم فقال: { بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ } فجمع لهم بين الدليل العقلي، والدليل السمعي. أما الدليل العقلي، فإنه قد علم كل أحد حتى هؤلاء الذين جادلهم إبراهيم، أن الله وحده، الخالق لجميع المخلوقات، من بني آدم، والملائكة، والجن، والبهائم، والسماوات، والأرض، المدبر لهن، بجميع أنواع التدبير، فيكون كل مخلوق مفطورا مدبرا متصرفا فيه، ودخل في ذلك، جميع ما عبد من دون الله. أفيليق عند من له أدنى مسكة من عقل وتمييز، أن يعبد مخلوقا متصرفا فيه، لا يملك نفعا، ولا ضرا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا، ويدع عبادة الخالق الرازق المدبر؟ أما الدليل السمعي: فهو المنقول عن الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن ما جاءوا به معصوم لا يغلط ولا يخبر بغير الحق، ومن أنواع هذا القسم شهادة أحد من الرسل على ذلك فلهذا قال إبراهيم: { وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ } أي: أن الله وحده المعبود وأن عبادة ما سواه باطل { مِنَ الشَّاهِدِينَ } وأي شهادة بعد شهادة الله أعلى من شهادة الرسل؟ خصوصا أولي العزم منهم خصوصا خليل الرحمن. ولما بين أن أصنامهم ليس لها من التدبير شيء أراد أن يريهم بالفعل عجزها وعدم انتصارها وليكيد كيدا يحصل به إقرارهم بذلك فلهذا قال: { وَتَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ } أي أكسرها على وجه الكيد { بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ } عنها إلى عيد من أعيادهم، فلما تولوا مدبرين، ذهب إليها بخفية. { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا } أي كسرا وقطعا، وكانت مجموعة في بيت واحد، فكسرها كلها، { إِلا كَبِيرًا لَهُمْ } أي إلا صنمهم الكبير، فإنه تركه لمقصد سيبينه، وتأمل هذا الاحتراز العجيب، فإن كل ممقوت عند الله، لا يطلق عليه ألفاظ التعظيم، إلا على وجه إضافته لأصحابه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كتب إلى ملوك الأرض المشركين يقول: " إلى عظيم الفرس " " إلى عظيم الروم " ونحو ذلك، ولم يقل " إلى العظيم " وهنا قال تعالى: { إِلا كَبِيرًا لَهُمْ } ولم يقل " كبيرا من أصنامهم " فهذا ينبغي التنبيه له، والاحتراز من تعظيم ما حقره الله، إلا إذا أضيف إلى من عظمه. وقوله: { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } أي ترك إبراهيم تكسير صنمهم هذا لأجل أن يرجعوا إليه، ويستملوا حجته، ويلتفتوا إليها، ولا يعرضوا عنها ولهذا قال في آخرها: { فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ }. فحين رأوا ما حل بأصنامهم من الإهانة والخزي { قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ } فرموا إبراهيم بالظلم الذي هم أولى به حيث كسرها ولم يدروا أن تكسيره لها من أفضل مناقبه ومن عدله وتوحيده، وإنما الظالم من اتخذها آلهة، وقد رأى ما يفعل بها { قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ } أي: يعيبهم ويذمهم، ومن هذا شأنه لا بد أن يكون هو الذي كسرها أو أن بعضهم سمعه يذكر أنه سيكيدها { يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ } فلما تحققوا أنه إبراهيم { قَالُوا فَأْتُوا بِهِ } أي: بإبراهيم { عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ } أي بمرأى منهم ومسمع { لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } أي: يحضرون ما يصنع بمن كسر آلهتهم، وهذا الذي أراد إبراهيم وقصد أن يكون بيان الحق بمشهد من الناس ليشاهدوا الحق وتقوم عليهم الحجة، كما قال موسى حين واعد فرعون: {أية : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى } تفسير : فحين حضر الناس وأحضر إبراهيم قالوا له: { أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا } أي: التكسير { بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ } ؟ وهذا استفهام تقرير، أي: فما الذي جرأك، وما الذي أوجب لك الإقدام على هذا الأمر؟. فقال إبراهيم والناس شاهدون: { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا } أي: كسرها غضبا عليها، لما عبدت معه، وأراد أن تكون العبادة منكم لصنمكم الكبير وحده، وهذا الكلام من إبراهيم، المقصد منه إلزام الخصم وإقامة الحجة عليه، ولهذا قال: { فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ } وأراد الأصنام المكسرة اسألوها لم كسرت؟ والصنم الذي لم يكسر، اسألوه لأي شيء كسرها، إن كان عندهم نطق، فسيجيبونكم إلى ذلك، وأنا وأنتم، وكل أحد يدري أنها لا تنطق ولا تتكلم، ولا تنفع ولا تضر، بل ولا تنصر نفسها ممن يريدها بأذى. { فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ } أي: ثابت عليهم عقولهم، ورجعت إليهم أحلامهم، وعلموا أنهم ضالون في عبادتها، وأقروا على أنفسهم بالظلم والشرك، { فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ } فحصل بذلك المقصود، ولزمتهم الحجة بإقرارهم أن ما هم عليه باطل وأن فعلهم كفر وظلم، ولكن لم يستمروا على هذه الحالة، ولكن { نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ } أي: انقلب الأمر عليهم، وانتكست عقولهم وضلت أحلامهم، فقالوا لإبراهيم: { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ } فكيف تهكم بنا وتستهزئ بنا وتأمرنا أن نسألها وأنت تعلم أنها لا تنطق؟ . فقال إبراهيم - موبخا لهم ومعلنا بشركهم على رءوس الأشهاد، ومبينا عدم استحقاق آلهتهم للعبادة-: { أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ } فلا نفع ولا دفع. { أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي: ما أضلكم وأخسر صفقتكم، وما أخسكم، أنتم وما عبدتم من دون الله، إن كنتم تعقلون عرفتم هذه الحال، فلما عدمتم العقل، وارتكبتم الجهل والضلال على بصيرة، صارت البهائم، أحسن حالا منكم. فحينئذ لما أفحمهم، ولم يبينوا حجة، استعملوا قوتهم في معاقبته، فـ { قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } أي: اقتلوه أشنع القتلات، بالإحراق، غضبا لآلهتكم، ونصرة لها. فتعسا لهم تعسا، حيث عبدوا من أقروا أنه يحتاج إلى نصرهم، واتخذوه إلها، فانتصر الله لخليله لما ألقوه في النار وقال لها: { كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ } فكانت عليه بردا وسلاما، لم ينله فيها أذى، ولا أحس بمكروه. { وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا } حيث عزموا على إحراقه، { فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ } أي: في الدنيا والآخرة، كما جعل الله خليله وأتباعه، هم الرابحين المفلحين. { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا } وذلك أنه لم يؤمن به من قومه إلا لوط عليه السلام قيل: إنه ابن أخيه، فنجاه الله، وهاجر { إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } أي: الشام، فغادر قومه في " بابل " من أرض العراق، {أية : وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } تفسير : ومن بركة الشام، أن كثيرا من الأنبياء كانوا فيها، وأن الله اختارها، مهاجرا لخليله، وفيها أحد بيوته الثلاثة المقدسة، وهو بيت المقدس. { وَوَهَبْنَا لَهُ } حين اعتزل قومه { إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } ابن إسحاق { نَافِلَةً } بعدما كبر، وكانت زوجته عاقرا، فبشرته الملائكة بإسحاق، {أية : وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } تفسير : ويعقوب، هو إسرائيل، الذي كانت منه الأمة العظيمة، وإسماعيل بن إبراهيم، الذي كانت منه الأمة الفاضلة العربية، ومن ذريته، سيد الأولين والآخرين. { وَكُلا } من إبراهيم وإسحاق ويعقوب { جَعَلْنَا صَالِحِينَ } أي: قائمين بحقوقه، وحقوق عباده، ومن صلاحهم، أنه جعلهم أئمة يهدون بأمره، وهذا من أكبر نعم الله على عبده أن يكون إماما يهتدي به المهتدون، ويمشي خلفه السالكون، وذلك لما صبروا، وكانوا بآيات الله يوقنون. وقوله: { يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } أي: يهدون الناس بديننا، لا يأمرون بأهواء أنفسهم، بل بأمر الله ودينه، واتباع مرضاته، ولا يكون العبد إماما حتى يدعو إلى أمر الله. { وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ } يفعلونها ويدعون الناس إليها، وهذا شامل لجميع الخيرات كلها، من حقوق الله، وحقوق العباد. { وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ } هذا من باب عطف الخاص على العام، لشرف هاتين العبادتين وفضلهما، ولأن من كملهما كما أمر، كان قائما بدينه، ومن ضيعهما، كان لما سواهما أضيع، ولأن الصلاة أفضل الأعمال، التي فيها حقه، والزكاة أفضل الأعمال، التي فيها الإحسان لخلقه. { وَكَانُوا لَنَا } أي: لا لغيرنا { عَابِدِينَ } أي: مديمين على العبادات القلبية والقولية والبدنية في أكثر أوقاتهم، فاستحقوا أن تكون العبادة وصفهم، فاتصفوا بما أمر الله به الخلق، وخلقهم لأجله.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 640 : 15 : 2 - سفين عن بن جريج عن مجاهد {وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ} قال، هداه صغيراً. [الآية 51].