٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
56
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن القوم لما أوهموا أنه يمازح بما خاطبهم به في أصنامهم أظهر عليه السلام ما يعلمون به أنه مجد في إظهار الحق الذي هو التوحيد وذلك بالقول أولاً وبالفعل ثانياً، أما الطريقة القولية فهي قوله: {بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ } وهذه الدلالة تدل على أن الخالق الذي خلقهما لمنافع العباد هو الذي يحسن أن يعبد لأن من يقدر على ذلك يقدر على أن يضر وينفع في الدار الآخرة بالعقاب والثواب. فيرجع حاصل هذه الطريقة إلى الطريقة التي ذكرها لأبيه في قوله: { أية : يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 42] قال صاحب «الكشاف»: الضمير في فطرهن للسموات والأرض أو للتماثيل، وكونه للتماثيل أدخل في الاحتجاج عليهم. أما قوله: {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } ففيه وجهان: الأول: أن المقصود منه المبالغة في التأكيد والتحقيق كقول الرجل إذا بالغ في مدح أحد أو ذمه أشهد أنه كريم أو ذميم. والثاني: أنه عليه السلام عنى بقوله: {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } ادعاء أنه قادر على إثبات ما ذكره بالحجة، وأني لست مثلكم فأقول ما لا أقدر على إثباته بالحجة، كما لم تقدروا على الاحتجاج لمذهبكم ولم تزيدوا على أنكم وجدتم عليه آباءكم، وأما الطريقة الفعلية فهي قوله: {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ } فإن القوم لما لم ينتفعوا بالدلالة العقلية عدل إلى أن أراهم عدم الفائدة في عبادتها، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: قرأ معاذ بن جبل رضي الله عنه وبالله، وقرىء تولوا بمعنى تتولوا ويقويها قوله: {فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ } فإن قلت: ما الفرق بين الباء والتاء؟ قلت: إن الباء هي الأصل والتاء بدل من الواو المبدل منها والتاء فيها زيادة معنى وهو التعجب، كأنه تعجب من تسهيل الكيد على يده لأن ذلك كان أمراً مقنوطاً منه لصعوبته. المسألة الثانية: إن قيل لماذا قال: {لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ } والكيد هو الاحتيال على الغير في ضرر لا يشعر به وذلك لا يتأتى في الأصنام. وجوابه: قال ذلك توسعاً لما كان عندهم أن الضرر يجوز عليها، وقيل: المراد لأكيدنكم في أصنامكم لأنه بذلك الفعل قد أنزل بهم الغم. المسألة الثالثة: في كيفية أول القصة وجهان: أحدهما: قال السدي: كانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان هذا الوقت قال آزر لإبراهيم عليه السلام: لو خرجت معنا فخرج معهم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي فلما مضوا وبقي ضعفاء الناس نادى وقال: {تَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ } واحتج هذا القائل بقوله تعالى: {قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرٰهِيمُ }. وثانيها: قال الكلبي: كان إبراهيم عليه السلام من أهل بيت ينظرون في النجوم وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لم يتركوا إلا مريضاً فلما هم إبراهيم بالذي هم به من كسر الأصنام نظر قبل يوم العيد إلى السماء فقال لأصحابه: أراني أشتكي غداً فذلك قوله؛ { أية : فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ * فَقَالَ إِنّي سَقِيمٌ } تفسير : [الصافات: 88، 89] وأصبح من الغد معصوباً رأسه فخرج القوم لعيدهم ولم يتخلف أحد غيره فقال: أما والله لأكيدن أصنامكم، وسمع رجل منهم هذا القول فحفظه عليه ثم إن ذلك الرجل أخبر غيره وانتشر ذلك في جماعة فلذلك قال تعالى: {قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ } واعلم أن كلا الوجهين ممكن. ثم تمام القصة أن إبراهيم عليه السلام لما دخل بيت الأصنام وجد سبعين صنماً مصطفة، وثم صنم عظيم مستقبل الباب وكان من ذهب وكان في عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسرها كلها بفأس في يده حتى لم يبق إلا الكبير، ثم علق الفأس في عنقه. أما قوله تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: إن قيل لم قال: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً } وهذا جمع لا يليق إلا بالناس، جوابه: من حيث اعتقدوا فيها أنها كالناس في أنها تعظم ويتقرب اليها، ولعل كان فيهم من يظن أنها تضر وتنفع. / المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: جذاذاً قطعاً من الجذ وهو القطع، وقرىء بالكسر والفتح وقرىء جذاذاً جمع جذيذ وجذذاً جمع جذة. المسألة الثالثة: إن قيل ما معنى: {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ } قلنا: يحتمل الكبير في الخلقة ويحتمل في التعظيم ويحتمل في الأمرين. وأما قوله: {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } فيحتمل رجوعهم إلى إبراهيم عليه السلام، ويحتمل رجوعهم إلى الكبير. أما الأول: فتقريره من وجهين: الأول: أن المعنى أنهم لعلهم يرجعون إلى مقالة إبراهيم ويعدلون عن الباطل. والثاني: أنه غلب على ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه لما تسامعوه من إنكاره لدينهم وسبه لآلهتهم فبكتهم بما أجاب به من قوله: { أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْـئَلُوهُمْ } تفسير : [الأنبياء: 63] أما إذا قلنا: الضمير راجع إلى الكبير ففيه وجهان: الأول: أن المعنى لعلهم يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون ما لهؤلاء مكسورة وما لك صحيحاً والفأس على عاتقك. وهذا قول الكلبي، وإنما قال ذلك بناء على كثرة جهالاتهم فلعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تجيب وتتكلم. والثاني: أنه عليه السلام قال ذلك مع علمه أنهم لا يرجعون إليه استهزاء بهم، وإن قياس حال من يسجد له ويؤهل للعبادة أن يرجع إليه في حل المشكلات. المسألة الرابعة: إن قيل أولئك الأقوام إما أن يقال إنهم كانوا عقلاء أو ما كانوا عقلاء. فإن كانوا عقلاء وجب أن يكونوا عالمين بالضرورة أن تلك الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر، فأي حاجة في إثبات ذلك إلى كسرها؟ أقصى ما في الباب أن يقال: القوم كانوا يعظمونها كما يعظم الواحد منا المصحف والمسجد والمحراب، وكسرها لا يقدح في كونها معظمة من هذا الوجه. وإن قلنا: إنهم ما كانوا عقلاء وجب أن لا تحسن المناظرة معهم ولا بعثة الرسل إليهم. الجواب: أنهم كانوا عقلاء وكانوا عالمين بالضرورة أنها جمادات ولكن لعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تماثيل الكواكب وأنها طلسمات موضوعة بحيث أن كل من عبدها انتفع بها وكل من استخف بها ناله منها ضرر شديد، ثم إن إبراهيم عليه السلام كسرها مع أنه ما ناله منها ألبتة ضرر فكان فعله دالاً على فساد مذهبهم من هذا الوجه. أما قوله تعالى: {قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـئَالِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي [أن] من فعل هذا الكسر والحطم لشديد الظلم معدود في الظلمة إما لجراءته على الآلهة الحقيقة بالتوقير والإعظام، وإما لأنهم رأوا إفراطاً في كسرها وتمادياً في الاستهانة بها. أما قوله تعالى: {قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرٰهِيمُ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الزجاج: ارتفع إبراهيم على وجهين: أحدهما: على معنى يقال هو إبراهيم. والثاني: على النداء على معنى يقال له يا إبراهيم، قال صاحب «الكشاف» والصحيح أنه فاعل يقال لأن المراد الاسم دون المسمى. المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أن القائلين جماعة لا واحد، فكأنهم كانوا من قبل قد عرفوا منه وسمعوا ما يقوله في آلهتهم فغلب على قلوبهم أنه الفاعل ولو لم يكن إلا قوله ما هذه التماثيل إلى غير ذلك لكفى.
البيضاوي
تفسير : {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ ٱلَّذِى فطَرَهُنَّ} إضراب عن كونه لاعباً بإقامة البرهان على ما ادعاه وهن للسموات والأرض أو للتماثيل، وهو أدخل في تضليلهم وإلزام الحجة عليهم. {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ } أي المذكور من التوحيد. {مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} من المتحققين له والمبرهنين عليه، فإن الشاهد من تحقق الشيء وحققه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ } المستحق للعبادة {رَبُّ } مالك {ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِى فطَرَهُنَّ } خلقهنّ على غير مثال سبق {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ } الذي قلته {مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ } به.
النسفي
تفسير : {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِى فطَرَهُنَّ } أي التماثيل فأنى يعبد المخلوق ويترك الخالق{وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ } المذكور في التوحيد شاهد {من الشاهدين وتالله} أصله «والله» وفي التاء معنى التعجب من تسهيل الكيد على يده مع صعوبته وتعذره لقوة سلطة نمروذ. {لاكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ } لأكسرنها {بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ } بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم، قال ذلك سراً من قومه فسمعه رجل واحد فعرض بقوله {أية : إِنّى سَقِيمٌ }تفسير : [الصافات: 89] أي سأسقم ليتخلف. فرجع إلى بيت الأصنام {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً } قطعاً من الجذ وهو القطع جمع جذاذة كزجاجة وزجاج جذاذ بالكسر: علي، جمع جذيذ أي مجذوذ كخفيف وخفاف {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ } للأصنام أو للكفار أي فكسرها كلها بفأس في يده إلا كبيرها فعلق الفأس في عنقه {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ } إلى الكبير {يَرْجِعُونَ } فيسألونه عن كاسرها فتبين لهم عجزه، أو إلى إبراهيم ليحتج عليهم، أو إلى الله لما رأوا عجز آلتهم {قَالُواْ } أي الكفار حين رجعوا من عيدهم ورأوا ذلك {مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـئَالِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي إن من فعل هذا الكسر لشديد الظلم لجراءته على الآلهة الحقيقة عندهم بالتوقير والتعظيم {قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرٰهِيمُ } الجملتان صفتان لـــــ {فتى} إلا أن الأول وهو {يذكرهم} أي يعيبهم لا بد منه للسمع لأنك لا تقول «سمعت زيداً» وتسكت حتى تذكر شيئاً مما يسمع بخلاف الثاني. وارتفاع {إبراهيم} بأنه فاعل {يقال} فالمراد الاسم المسمى أي الذي يقال له هذا الاسم {قَالُواْ } أي نمروذ وأشراف قومه {فَأْتُواْ بِهِ } أحضروا إبراهيم {عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ } في محل الحال بمعنى معايناً مشاهداً أي بمرأى منهم ومنظر {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } عليه بما سمع منه أو بما فعله كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة أو يحضرون عقوبتنا له.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال بل}[نسيتم بازى كننده]{ربكم رب السموات والارض الذى فطرهن} اى خلقن ابتداء من غير مثال سابق فهو الخالق كما انه المربى فالضمير للسماوات والارض او للتماثيل اى فكيف تعبدون ما كان من جملة المخلوقات {وانا على ذلكم} الذى ذكرته من كون ربكم رب السماوات والارض فقط دون ما عداه كائنا ما كان {من الشاهدين} اى العالمين به على الحقيقة المبرهنين وليس المراد حقيقة الشهادة لانه لا شهادة من المدعى بل استعيرت الشهادة لتحقيق الدعوى بالحجة والبرهان اى لست من اللاعبين فى الدعاوى بل من المحتجين عليها بالبراهين القاطعة بمنزلة الشاهد الذى تقطع به الدعاوى. قال الكاشفى [آورده اندكه نمروديان روزى عيدداشتند كه در آن روز بصحرا رفنندى وتا آخرروزتماشا كردندى ودرباز كشتن به بتخانه در آمده بتانرا بياراسته بزبانها بنواختندى آنكه سربرزمين نهاده رسم برستش بجاى آوردندى وبخانها باز كشتندى جون ابراهيم عليه السلام باجمعى درباب تماثيل مناظره فرمود كفتند فردا عيدست بيرون آى تابينى كه دين وآيين ماجه زيباست ابراهيم نعم جواب ايشان بكفت روز ديكر كه مى رفتند ميخو استند كه اورا ببرند ببهانه بيمارى بيش آورد {فقال انى سقيم} يعنى عن عبادة الاصنام كما فى القصص [ايشان دست از وبازداشته برفتند ابراهيم بنهان از ايشان بفرمود كه]
الطوسي
تفسير : قرأ الكسائي {جذاذاً} بكسر الجيم. الباقون بضمها. فمن ضم الجيم أراد جعلهم قطعاً، وهو (فعال) على وزن الرفات والفتات والرقاق، وجذذته أجذه جذاً أي قطعته. وقال ابن عباس: الجذاذ الحطام. ومن كسر الجيم فانه أراد جمع جذيذ (فعيل) بمعنى مجذوذ. ومثله كريم وكرام، وخفيف وخفاف، وبالضم مصدر لا يثنى ولا يجمع. قال جرير: شعر : آل المهلب جذ الله دابرهم أمسوا رماداً فلا أصل ولا طرف تفسير : حكى الله تعالى ما رد به إبراهيم على كفار قومه حين قالوا له {أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين} فانه قال لهم {بل ربكم رب السماوات والأرض الذي} خلقكم ودبركم والذي خلق السموات والارض و {فطرهن} معناه ابتدأهن والفطر شق الشيء من امر ظهر منه يقال: فطره يفطره فطراً وانفطر انفطاراً، ومنه تفطر الشجر بالورق، فكأن السماء تشق عن شيء فظهرت بخلقها. ثم قال ابراهيم {وأنا على ذلكم من الشاهدين} يعني أنا على ما قلت لكم: من انه تعالى خالقكم وخالق السموات شاهد بالحق لانه دال، والشاهد الدال على الشيء عن مشاهدة، فابراهيم (ع) شاهد بالحق دال عليه بما يرجع الى ثقة المشاهدة. ثم أقسم إبراهيم فقال {وتالله لأكيدن أصنامكم} وذلك قسم، والتاء في القسم لا تدخل إلا فى اسم الله تعالى، لأنها بدل من الواو والواو بدل من الباء، فهي بدل من بدل، فلذلك أختصت باسم الله. وقال قتادة: معناه لأكيدن أصنامكم في سر من قومه. والكيد ضر الشيء بتدبير عليه، يقال: كاده يكيده كيداً فهو كائد. وقوله {بعد أن تولوا مدبرين} يقال: انه انتظرهم حتى خرجوا الى عيد لهم فحينئذ كسر اصنامهم. ثم أخبر تعالى انه {جعلهم جذاذاً} أي قطعاً {إلا كبيراً لهم} تركه على حاله. ويجوز أن يكون كبيرهم فى الخلقة. ويجوز أن يكون أكبرهم عندهم في التعظيم {لعلهم إليه يرجعون} أي لكي يرجعوا اليه فينتبهوا على ما يلزمهم فيه من جهل من اتخذوه إلهاً، إذا وجدوه على تلك الصفة. وكان ذلك كيداً لهم. وفي الكلام حذف، لان تقديره إن قومه رجعوا من عيدهم، فوجدوا أصنامهم مكسرة {قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الضالمين} فـ {من} بمعنى الذي، وتقديره الذي فعل هذا بمعبودنا، فانه ظلم نفسه. وقوله {قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} قيل تخلف بعضهم فسمع إبراهيم يذكرها بالعيب، فذكر ذلك، ورفع {إبراهيم} بتقدير، يقال له هذا إبراهيم، او ينادى يا إبراهيم، ذكره الزجاج.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ} بعد انكار ربوبيّتها لحصر الرّبوبيّة فى الله {بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ} ادّى الدّعوى بحيث يدلّ عقد الحمل على صحّتها، وتوصيف المحمول بالّذى فطرهنّ يدلّ على صحّة عقد الحمل {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} يعنى ليس قولى هذا عن مزاحٍ ولعبٍ بل عن جدٍّ ومواطاة قلبٍ.
اطفيش
تفسير : {قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ} أى الذى خلق السماوات والأرض، على غير مثال، فهو المستحق للعبادة، فذلك إضراب عن ادعاء أنه لاعب، وإبطال له بإقامة البرهان على ضلالتهم وضلالة آبائهم، أو الضمير للتماثيل وهذا الوجه أدخل فى تضليلهم، وأثبت للاحتجاج عليهم. وقد يقال: إن الأول أولى، فإن الأرض شاملة فى إرادته - والله أعلم - لما يخرج منها، والتماثيل معمولة مما هو من الأرض فهو أبلغ. ويجوز رجوعه للسماوات والأرض والتماثيل. {وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ} الذى قلت لكم {مِنَ الشَّاهِدِينَ} المتحققين والمبرهنين عليه بما ذكرت، وفيه تعريض بأنه ليس مثلهم، فى أنهم ادعوا شيئا عجزوا عن بيانه سوى أن قالوا: وجدنا آباءنا.
اطفيش
تفسير : {قال بل ربُّكم ربُّ السَّماوات والأرض الَّذى فطرهُنَّ} خلقهن مع ما فيهما كتماثيلكم وأنفسكم، أو فطر تماثيلكم، ويترجح الأول بالعموم، ودخول التماثيل فيه بالذات، والثانى بأن المقام لإبطال التماثيل، وهن ضمير لا يختص بالعقلاء، ولو خص به لقيل: إنها عندهم كالعاقل، ووصفه بالربوبية إيذاناً بأن ما لا يخلف ولا يربى بالنعم على الإطلاق بعيد عن الألوهية. {وأنا عَلى ذلكُم مِن الشَّاهدين} على متعلق بمحذوف جوازا أى شاهد على ذلكم المذكور من ضلال عباد التماثيلن وأن رب السماوات وأرض وما فيهما، هو رب كل شىء وإلهه، لا متعلق بشاهدين، لأنه صلة أل، ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول، وقيل بالجواز للتوسع فى الظروف، فلا يقدر محذوف وعلى الأول، وهو تقدير محذوف يكون من الشاهدين زيادة تقرير، كأنه قيل من جملة الراسخين فى الشهادة، العالمين علما محققا بمشاهدة البراهين قيل إضراب إبطالى عن اعتقادهم التماثيل آلهة، وعن أن يكون من اللاعبين بإيراد البرهان، وهذا من الأسلوب الحكيم إذ مقتضى الظاهر، بل أنا من المحقين لا من اللاعبين وجاء ببدله وهو قوله: {بل ربكم} لأن فيه تحقيق ما أراد، ونفى اللعب وقرره بقوله: {وأنا على ذلكم من الشاهدين} وزاد إذ لم ينفعهم جوابُه شدة بالفعل، كما قال الله عز وجل: {وتاللَّه لأكيدن} فى يوم عيدكم هذا {أصنامكم} اجتهد فى كسرها باحتيال، فإن أصل الكيد الاحتيال فى إيجاد ما يضر، مع إظهار خلافه، هو يستلزم الاجتهاد، ولكن أخبرهم ليجمعوا أمرهم فى حفظها، فإذا كسرها مع ذلك كان أشد غلبة، أو قال ذلك فى قلبه، أو حيث لا يسمعون، وقيل سمعه رجل واحد منهم، وقيل: سمعه ضعفاء فى آخر الناس فى مشيهم إليها يوم العيد، وكانت سبعين تمثالا، وقيل اثنين وسبعين، والمشهور أن مفيد التعجب من حروف القسم، هو اللام. ويجوز فى التاء أن تكون تعجب، وأن لا تكون وقيل لا تكون الإله وأصل حروف القسم الباء، إذ يجوز ذكر فعل القسم معهما، وتجر الظاهر والمضمر والتاء بدل من الواو، كما فى تجاه والواو قائمة مقام الباء لمناسبة الشفوية فيهما، مع أن فى الواو معنى قريباً من الإلصاق الذى هو اصل فى الباء، وقيل ليس حرف قسم أصلا للآخر. {بعد أنْ تُولُّوا} ترجعوا فى عبادتها {مُدْبِرين} عنها فهو حال مؤكد لعامله، كذا شهر، انظر كيف يرغب إبراهيم عليه السلام فى تأكيد توليهم، فلو قلت بعد أن تولوا تولياً عظيماً أو محققاً لم تقبل. اللهم إلا أن يريد أن تولوا توليا محققا لا يبقى منكم من يتخيل بى فإذا قلنا بعد أن تولوا عنها بأجسامكم مدبرين عن عبادتها، لم يكن فى ذلك تأكيد، وهذا أولى أوهمهم فى طريقه معهم الى عيدهم بأنه سقيم من رجليه فى مشيه، هذا وتركوه فرجع الى الأصنام {فجعَلهُم جُذاذاً} عطف على محذوف أى تولوا مدبرين، فجعلهم جذاذاً، وكان معهم يترقب ذهابهم أو أتى فجعلهم جذاذاً أى قطعاً بمعنى مجذوذاً، أى مقطوعاً كالحطام بمعنى محطوم، أى جلهم شيئاً مقطوعاً، وهو فى الأصل مصدر يصدق على القيل والكثير. وقيل: جمع أو اسم جمع مفرده جذاذة كزجاج، وزجاجة، وكلم وكلمة، ويقال خرج به آزر فى عيد فدخلوا عليها، وسجدوا لها، وجعلوا طعاماً بين أيديها تبرك لهم فيها، فاذا رجعوا أخذوه وقعد ابرهيم فى الطريق، وقال إنى سقيم، فكسرها بفأس إلا كبيراً عند الباب من ذهب عيناه جوهرتان تضيئان ليلا، وعلقه فى يده أو عنقه، كما قال عز وجل: {إلاَّ كبيراً لَهُم} فانه لم يكسره ليرجعوا اليه كما قال الله عز وجل: {لعلَّهم إليه} الى الكبير {يَرجعُون} لعل للتعليل أى ليرجعوا اليه فيخاطبوه بأن يقولوا له: أخبرنا من كسر الأصنام، ولم تركت مريد كسرها الى كسرها، ولعلك أنت الكاسر لها غضباً، لأن عبدت معك، ولم كسرت وسلمت أنت، ولم علق فيك الفأس، فلا يجيبهم بشىء فيتبين عجزه، وخطأهم فى عبادته، إذ لا ينفع ولا يدفع الضر، ولم ينتقل من مكانه الى كسرها غضباً، وهو كسائرها مثبت فى الأرض برصاص او غيره، وإن لم يثبت بذلك، فإنهم لا يرون أثر المشى إليها للكسر، ظن فيهم لشدة ميلهم إليها والى الكبير أنهم يعتقدون أنها تفعل كالعاقل، فبكتهم. وإن لم يظن ذلك فيهم، فكسرها وتعليقه الفأس عليه استجهال لهم. واستهزاء، فان من شأن المعبود أن لا يفعل به ذلك، وأن يضر وينفع. وقيل: الضمير لله، أى لعلهم يرجعون الى الله بتوحيده، إذ سألوا: وظهر عجز آلهتهم، وقيل لإبراهيم أى لعلهم يرجعون الى ابراهيم، فيسألونه فيفحمهم، عليه الجمهور، وذلك كله ترج منه عليه السلام. ويجوز أن يكون ذلك من الله، أجبر به عنه، والتقديم للفاصلة، وقيل للحصر ولها، وقيل: للحصر على القول الأخير، وللفاصلة، ويحتمل الحصر الفاصلة علىالأولين، ومن وجد عند صبى مثلا فخاراً أو عوداً أو نحوه على صورة آدمى، أو صليب أو نحو ذلك مما يحرم لزمه كسره لوجوب الأمر والنهى باليد لمن قدر بها فى مثل ذلك فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا من قصة ابراهيم، فان هذا مما لا تختلف فيه الشرائع، وكأنه قيل ما قالوا، إذ رجعوا من عيديهم، ورأوها جذاذاً، فقال الله عز وجل: {قالُوا مَنْ فَعَل هذا} من فعل هذا الكسر ومثله التعليق {بآلهتنا} والاستفهام حقيقى إذ لا يدرون الفاعل فهم يريدون أن يعين لهم، وفى ضمنه تويبخ وإنكار للياقة {إنه لَمن الظالمينَ} مستأنف، أو من موصولة، وهذه الجملة خبرها، وذكروها باسم الآلهة إعظاماً لها،كما يعبدونها ولم يسموها تماثيل أو أصناماً، والتشنيع على كاسرها إذا أهانها وعرض نفسه للهلكة من جانبها، أو من جانبهم.
الالوسي
تفسير : {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ ٱلَّذِى فطَرَهُنَّ} أي أنشأهن بما فيهن من المخلوقات التي من جعلتها أنتم وآباؤكم وما تعبدون من غير مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه، وهذا انتقال عن تضليلهم في عبادة الأصنام ونفي عدم استحقاقها لذلك إلى بيان الحق وتعيين المستحق للعبادة، وضمير {فطَرَهُنَّ} أما للسمٰوات والأرض واستظهره أبو حيان، ووصفه تعالى بإيجادهن إثر وصفه سبحانه بربوبيته لهن تحقيقاً للحق وتنبيهاً على أن ما لا يكون كذلك بمعزل عن الربوبية التي هي منشأ استحقاق العبادة، وإما للتماثيل ورجح بأنه أدخل في تحقيق الحق وإرشاد المخاطبين إليه، وليس هذا الضمير من الضمائر التي تخص من يعقل من المؤنثات كما ظنه ابن عطية فتكلف لتوجيه عوده لما لا يعقل. وقوله تعالى: {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} تذييل متضمن لرد نسبتهم إياه عليه السلام إلى اللعب والهزل، والإشارة إلى المذكور، والجار الأول متعلق بمحذوف أي وأنا شاهد على ذلكم من الشاهدين أو على جهة البيان أي أعني على ذلكم أو متعلق بالوصف بعده وإن كان في صلة أل لاتساعهم في المظروف أقوال مشهورة، والمعنى وأنا على ذلكم الذي ذكرته من العالمين به على سبيل الحقيقة المبرهنين عليه ولست من اللاعبين، فإن الشاهد على الشيء من تحققه وحققه وشهادته على ذلك إدلاؤه بالحجة عليها وإثباته بها. وقال شيخ الإسلام: إن قوله: {بَل رَّبُّكُمْ} الخ إضراب عما بنوا عليه مقالهم من اعتقاد كون تلك التماثيل أرباباً لهم كأنه قيل ليس الأمر كذلك بل ربكم الخ؛ وقال القاضي: هو إضراب عن كونه عليه السلام لاعباً / بإقامة البرهان على ما ادعاه، وجعله الطيبـي إضراباً عن ذلك أيضاً قال: وهذا الجواب وارد على الأسلوب الحكيم، وكان من الظاهر أن يجيبهم عليه السلام بقوله بل أنا من المحقين ولست من اللاعبين فجاء بقوله: {بَل رَّبُّكُمْ} الآية لينبه به على أن إبطالي لما أنتم عاكفون عليه وتضليلي إياكم مما لا حاجة فيه لوضوحه إلى الدليل ولكن انظروا إلى هذه العظيمة وهي أنكم تتركون عبادة خالقكم ومالك أمركم ورازقكم ومالك العالمين والذي فطر ما أنتم لها عاكفون وتشتغلون بعبادتها دونه فأي باطل أظهر من ذلك وأي ضلال أبين منه. وقوله: {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} تذييل للجواب بما هو مقابل لقولهم { أية : أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللَّـٰعِبِينَ } تفسير : [الأنبياء: 55] من حيث الأسلوب وهو الكناية ومن حيث التركيب وهو بناء الخبر على الضمير كأنه قال: لست من اللاعبين في الدعاوى بل من العالمين فيها بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة كالشاهد الذي نقطع به الدعاوى اهـ، ولا يخفى أنه يمكن إجراء هذا على احتمال كون (أم) متصلة فافهم وتأمل ليظهر لك أي التوجيهات لهذا الإضراب أولى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 56- قال: لا هزل فيما قلته، بل ربكم الذى يستحق - دون غيره - التعظيم والخشوع والعبادة هو الذى خلق السموات والأرض، وأوجدهن على غير مثال سابق. فحقه - وحده - أن يعبد، وأنا على ذلك الذى أقوله من المتحققين الذين يقولون ما يشاهدونه ويعلمونه. 57- وقال فى نفسه: أقسم بالله لأدبّرن تدبيراً أكسر به أصنامكم بعد أن تبتعدوا عنها، ليظهر لكم ضلال ما أنتم عليه. 58- ذهب إبراهيم بعد انصرافهم إلى الأصنام فحطمها وجعلها قطعاً، إلا صنماً كبيرا تركه ليرجعوا إليه ويسألوه عما وقع لآلهتهم فلا يجيبهم فيظهر لهم بطلان عبادتهم. 59- قالوا بعد أن رأوا ما حصل لأصنامهم: مَنْ فعل هذا بآلهتنا؟ إنه دون شك من الذين ظلموا أنفسهم بتعريضها للعقاب. 60- قال بعضهم: سمعنا شاباً يذكرهم بالسب يُدعى إبراهيم. 61- قال كبارهم: اذهبوا إليه فأحضروه ليُحاسب على مرأى من الناس، لعلهم يشهدون بما فعل ويشاهدون العقوبة التى سننزلها به. 62- قالوا بعد أن أحضروه: أأنت الذى فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟. 63- قال مُنَبِّهاً لهم على ضلالهم مُتَهكِّماً بهم: بل فعله كبيرهم هذا، فاسألوا الآلهة عمَّن فعل بها هذا إن كانوا يستطيعون أن يردوا جواب سؤالكم؟.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱلشَّاهِدِينَ} (56) - فَقَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ إِنَّه جَاءَهُم بالحَقِّ، وإِنَّ رَبَّهُمْ هُوَ اللهُ الذي لاَ إِلهَ غَيْرُهُ، وَهُوَ الذي ابْتَدَأَ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ {فَطَرَهُنَّ}، وَإِنَّهُ يَشْهَدُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ غَيْرُهُ، وَلاَ رَبَّ سِواهُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِثْبَاتِ مَا يَقُولُ بِالحُجَّةِ والدَّلِيلِ. فَطَرَهُنَّ - خَلَقَهُنَّ وأَبْدَعَهُنَّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يردّ إبراهيم: لقد جئتكم بالحق الذي يقول: إن هذه الأصنام لا تُعبد، بل الذي يستحق العبادة هو الله ربُّ السماوات والأرض: {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ ..} [الأنبياء: 56] فـ (بل) تُضرب عما قبلها، وتُثبِت الحكم لما بعدها {ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ ..} [الأنبياء: 56] يعني: خَلق السماوات والأرض والأصنام، وكل ما في الوجود. {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} [الأنبياء: 56] والشاهد هو الذي اهتدى إلى الحق، كأنه رَأْي العَيْن، وليس مع العين أَيْن، واهتدى إلى الدليل على هذا الحق، فقال: أنا شاهد على أن ربكم ربّ السماوات والأرض ومعي الدليل على هذه الحقيقة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):