Verse. 2540 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

وَ تَاللہِ لَاَكِيْدَنَّ اَصْنَامَكُمْ بَعْدَ اَنْ تُوَلُّوْا مُدْبِرِيْنَ۝۵۷
WataAllahi laakeedanna asnamakum baAAda an tuwalloo mudbireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وتالله لأكيدن أصنامهم بعد أن تولوا مدبرين».

57

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} أخبر أنه لم يكتف بالمحاجّة باللسان بل كسر أصنامهم فِعل واثق بالله تعالى، موطن نفسه على مقاساة المكروه في الذبّ عن الدين. والتاء في «تَاللَّهِ» تختص في القسم باسم الله وحده، والواو تختص بكل مظهر، والباء بكل مضمر ومظهر. قال الشاعر:شعر : تاللَّهِ يَبْقَى على الأيام ذو حِيَدٍ بمُشْمَخِرٍّ به الظَّيَّانُ والآسُ تفسير : وقال ابن عباس: أي وحرمة الله لأكِيدن أصنامكم، أي لأمكرنّ بها. والكيد المكر. كاده يكيده كيداً ومكيدة، وكذلك المكايدة؛ وربما سمي الحرب كيدا؛ يقال: غزا فلان فلم يَلق كيداً، وكل شيء تعالجه فأنت تكيده. {بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ} أي منطلقين ذاهبين. وكان لهم في كل سنة عيد يجتمعون فيه، فقالوا لإبراهيم: لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا ـ روي ذلك عن ابن مسعود على ما يأتي بيانه في «والصافاتِ» ـ فقال إبراهيم في نفسه: {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ}. قال مجاهد وقتادة: إنما قال ذلك إبراهيم في سر من قومه، ولم يسمعه إلا رجل واحد وهو الذي أفشاه عليه. والواحد يخبر عنه بخبر الجمع إذا كان ما أخبر به مما يرضى به غيره. ومثله {أية : يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} تفسير : [المنافقون: 8]. وقيل: إنما قاله بعد خروج القوم، ولم يبق منهم إلا الضعفاء فهم الذين سمعوه. وكان إبراهيم احتال في التخلف عنهم بقوله: {أية : إِنِّي سَقِيمٌ} تفسير : [الصافات: 89] أي ضعيف عن الحركة. قوله تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً} أي فتاتاً. والجذ الكسر والقطع؛ جذذت الشيء كسرته وقطعته. والجِذاذ والجُذاذ ما كسر منه، والضم أفصح من كسره. قاله الجوهري. الكسائي: ويقال لحجارة الذهب جُذاذ؛ لأنها تكسر. وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن «جِذَاذاً» بكسر الجيم؛ أي كسراً وقطعاً جمع جَذيذ وهو الهشيم، مثل خَفيف وخِفاف وظَريف وظِراف. قال الشاعر:شعر : جَذَّذ الأصنام في مِحْرابِها ذاك في الله العليِّ المقتدِر تفسير : الباقون بالضم؛ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. (مثل) الحُطام والرُّفات الواحدة جُذَاذة. وهذا هو الكيد الذي أقسم به ليفعلنه بها. وقال: «فجعلهم»؛ لأن القوم اعتقدوا في أصنامهم الإلهية. وقرأ ابن عباس وأبو نهيك وأبو السمال «جَذَاذاً» بفتح الجيم؛ والفتح والكسر لغتان كالحَصاد والحِصاد. أبو حاتم: الفتح والكسر والضم بمعنى؛ حكاه قطرب. {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ} أي عظيم الآلهة في الخلق فإنه لم يكسره. وقال السدي ومجاهد: ترك الصنم الأكبر وعلّق الفأس الذي كسر به الأصنام في عنقه؛ ليحتج به عليهم. {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ} أي إلى إبراهيم ودينه {يَرْجِعُونَ } إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: «لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ» أي إلى الصنم الأكبر «يَرْجِعُونَ» في تكسيرها.

البيضاوي

تفسير : {وَتَٱللَّهِ} وقرىء بالباء وهي الأصل والتاء بدل من الواو المبدلة منها وفيها تعجب. {لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ} لأجتهدن في كسرها، ولفظ الكيد وما في التاء من التعجب لصعوبة الأمر وتوقفه على نوع من الحيل. {بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ } عنها. {مُّدْبِرِينَ} إلى عيدكم ولعله قال ذلك سراً.

ابن كثير

تفسير : ثم أقسم الخليل قسماً أسمعه بعض قومه: ليكيدن أصنامهم، أي: ليحرصن على أذاهم وتكسيرهم بعد أن يولوا مدبرين، أي: إلى عيدهم، وكان لهم عيد يخرجون إليه، قال السدي: لما اقترب وقت ذلك العيد، قال أبوه: يا بني لو خرجت معنا إلى عيدنا، لأعجبك ديننا، فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه إلى الأرض، وقال: إني سقيم، فجعلوا يمرون عليه وهو صريع، فيقولون: مه؟ فيقول: إني سقيم، فلما جاز عامتهم، وبقي ضعفاؤهم، قال: {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ} فسمعه أولئك. وقال أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم، مروا عليه، فقالوا: يا إبراهيم ألا تخرج معنا؟ قال: إني سقيم، وقد كان بالأمس، قال: {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ} فسمعه ناس منهم. وقوله: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً} أي: حطاماً، كسرها كلها، إلا كبيراً لهم، يعني: إلا الصنم الكبير عندهم، كما قال: {أية : فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ} تفسير : [الصافات: 93]. وقوله: {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} ذكروا أنه وضع القدوم في يد كبيرهم؛ لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غار لنفسه، وأنف أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار، فكسرها، {قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: حين رجعوا وشاهدوا ما فعله الخليل بأصنامهم من الإهانة والإذلال الدال على عدم إلهيتها، وعلى سخافة عقول عابديها {قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: في صنيعه هذا، {قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَٰهِيمُ} أي: قال من سمعه يحلف إنه ليكيدنهم: سمعنا فتىً، أي: شاباً يذكرهم، يقال له: إبراهيم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا جرير بن عبد الحميد عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبياً إلا شاباً، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية: {قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَٰهِيمُ}. وقوله: {قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ} أي: على رؤوس الأشهاد في الملأ الأكبر بحضرة الناس كلهم، وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم عليه السلام أن يبين في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقلهم في عبادة هذه الأصنام التي لا تدفع عن نفسها ضراً، ولا تملك لها نصراً، فكيف يطلب منها شيء من ذلك؟ {قَالُوۤاْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِـآلِهَتِنَا يٰإِبْرَٰهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا} يعني: الذي تركه لم يكسره {فَاسْـأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} وإنما أراد بهذا أن يبادروا من تلقاء أنفسهم، فيعترفوا أنهم لا ينطقون، وأن هذا لا يصدر عن هذا الصنم؛ لأنه جماد. وفي "الصحيحين" من حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب غير ثلاث: ثنتين في ذات الله: قوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا}، وقوله: {فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ} ــــ قال ــــ وبينا هو يسير في أرض جبار من الجبابرة. ومعه سارة، إذ نزل منزلاً، فأتى الجبار رجل، فقال: إنه قد نزل ههنا رجل بأرضك معه امرأة أحسن الناس، فأرسل إليه فجاء، فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: هي أختي. قال: فاذهب فأرسل بها إلي، فانطلق إلى سارة، فقال: إن هذا الجبار قد سألني عنك، فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، وإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك، فانطلق بها إبراهيم، ثم قام يصلي، فلما أن دخلت عليه، فرآها، أهوى إليها فتناولها، فأخذ أخذاً شديداً، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت له، فأرسل، فأهوى إليها، فتناولها، فأخذ بمثلها أو أشد، ففعل ذلك الثالثة، فأخذ، فذكر مثل المرتين الأوليين، فقال: ادعي الله فلا أضرك، فدعت له فأرسل، ثم دعا أدنى حجابه فقال: إنك لم تأتني بإنسان، ولكنك أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر. فأخرجت وأعطيت هاجر، فأقبلت، فلما أحس إبراهيم بمجيئها، انفتل من صلاته، وقال: مهيم؟ قالت: كفى الله كيد الكافر الفاجر، وأخدمني هاجر»تفسير : . قال محمد بن سيرين: فكان أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث قال: تلك أمكم يا بني ماء السماء

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَٰمَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَتَٱللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ } أخبرهم أنه سينتقل من المحاجة باللسان إلى تغيير المنكر بالفعل ثقة بالله سبحانه ومحاماة على دينه. والكيد: المكر، يقال: كاده يكيده كيداً ومكيدة، والمراد هنا الاجتهاد في كسر الأصنام. قيل: إنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك سرّاً. وقيل: سمعه رجل منهم {بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ } أي بعد أن ترجعوا من عبادتها ذاهبين منطلقين. قال المفسرون: كان لهم عيد في كل سنة يجتمعون فيه، فقالوا لإبراهيم: لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فقال إبراهيم هذه المقالة. والفاء في قوله: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً } فصيحة، أي فولوا، فجعلهم جذاذاً، الجذّ: القطع والكسر، يقال: جذذت الشيء قطعته وكسرته، والواحد: جذاذة، والجذاذ ما كسر منه. قاله الجوهري. قال الكسائي: ويقال لحجارة الذهب: الجذاذ؛ لأنها تكسر. قرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن: "جذاذاً" بكسر الجيم، أي كسراً وقطعاً، جمع جذيذ، وهو الهشيم، مثل خفيف وخفاف، وظريف وظراف. قال الشاعر:شعر : جذذ الأصنام في محرابها ذاك في الله العليّ المقتدر تفسير : وقرأ الباقون بالضم، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، أي الحطام والرفات، فعال بمعنى مفعول، وهذا هو الكيد الذي وعدهم به. وقرأ ابن عباس وأبو السماك "جذاذاً" بفتح الجيم {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ } أي للأصنام {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ } أي إلى إبراهيم {يَرْجِعُونَ } فيحاجهم بما سيأتي فيحجهم؛ وقيل: لعلهم إلى الصنم الكبير يرجعون فيسألونه عن الكاسر، لأن من شأن المعبود أن يرجع إليه في المهمات، فإذا رجعوا إليه لم يجدوا عنده خبراً، فيعلمون حينئذٍ أنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضرراً، ولا تعلم بخير ولا شرّ، ولا تخبر عن الذي ينوبها؛ من الأمر، وقيل: لعلهم إلى الله يرجعون، وهو بعيد جدّاً. {قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـئَالِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } في الكلام حذف، والتقدير: فلما رجعوا من عيدهم ورأوا ما حدث بآلهتهم قالوا هذه المقالة، والاستفهام للتوبيخ. وقيل: إن "من" ليست استفهامية، بل هي مبتدأ وخبرها {إنه لمن الظالمين} أي فاعل هذا ظالم، والأوّل أولى لقولهم: {سَمِعْنَا فَتًى } إلخ، فإنه قال بهذا بعضهم مجيباً للمستفهمين لهم، وهذا القائل هو الذي سمع إبراهيم يقول: {تَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ } ومعنى {يَذْكُرُهُمْ }: يعيبهم، وقد سبق تحقيق مثل هذه العبارة، وجملة: {يُقَالُ لَهُ إِبْرٰهِيمُ } صفة ثانية لفتى. قال الزجاج: وارتفع إبراهيم على معنى: يقال له هو إبراهيم، فهو على هذا خبر مبتدأ محذوف، وقيل: ارتفاعه على أنه مفعول ما لم يسمّ فاعله، وقيل: مرتفع على النداء. ومن غرائب التدقيقات النحوية، وعجائب التوجيهات الإعرابية، أن الأعلم الشنتمري الأشبيلي قال: إنه مرتفع على الإهمال. قال ابن عطية: ذهب إلى رفعه بغير شيء. والفتى: هو الشاب، والفتاة الشابة. {قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ } القائلون هم السائلون، أمروا بعضهم أن يأتي به ظاهراً بمرأى من الناس. قيل: إنه لما بلغ الخبر نمروذ وأشراف قومه كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، فقالوا هذه المقالة، ليكون ذلك حجة عليه يستحلون بها منه ما قد عزموا على أن يفعلوه به. ومعنى {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ }: لعلهم يحضرون عقابه حتى ينزجر غيره عن الاقتداء به في مثل هذا. وقيل: لعلهم يشهدون عليه بأنهم رأوه يكسر الأصنام، أو لعلهم يشهدون طعنه على أصنامهم. وجملة: {قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِـئَالِهَتِنَا يإِبْرٰهِيمُ} مستأنفة جواب سؤال مقدّر، وفي الكلام حذف تقديره: فجاء إبراهيم حين أتوا به فاستفهموه هل فعل ذلك لإقامة الحجة عليه في زعمهم. {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا } أي قال إبراهيم مقيماً للحجة عليهم مبكتاً لهم، بل فعله كبيرهم هذا مشيراً إلى الصنم الذي تركه ولم يكسره {فاسألوهم إن كانوا ينطقون} أي إن كانوا ممن يمكنه النطق ويقدر على الكلام ويفهم ما يقال له، فيجيب عنه بما يطابقه. أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة، ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إلٰه. فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة، لأنهم إذا قالوا: إنهم لا ينطقون، قال لم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق، ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه؟ فهذا الكلام من باب فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق، فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته. وقيل: أراد إبراهيم عليه السلام بنسبة الفعل إلى ذلك الكبير من الأصنام أنه فعل ذلك لأنه غار وغضب من أن يعبد وتعبد الصغار معه إرشاداً لهم إلى أن عبادة هذه الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تدفع لا تستحسن في العقل مع وجود خالقها وخالقهم، والأوّل أولى. وقرأ ابن السميفع: "بل فعله" بتشديد اللام على معنى بل فلعل الفاعل كبيرهم. {فَرَجَعُواْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ } أي: رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجته المتفطن لصحة حجة خصمه المراجع لعقله، وذلك أنهم تنبهوا وفهموا عند هذه المقاولة بينهم وبين إبراهيم أن من لا يقدر على دفع المضرّة عن نفسه ولا على الإضرار بمن فعل به ما فعله إبراهيم بتلك الأصنام، يستحيل أن يكون مستحقاً للعبادة، ولهذا {قَالُواْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } أي قال بعضهم لبعض: أنتم الظالمون لأنفسكم بعبادة هذه الجمادات، وليس الظالم من نسبتم الظلم إليه بقولكم: إنه لمن الظالمين {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ } أي رجعوا إلى جهلهم وعنادهم، شبه سبحانه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه. وقيل: المعنى: أنهم طأطئوا رؤوسهم خجلاً من إبراهيم، وهو ضعيف؛ لأنه لم يقل: نكسوا رؤوسهم بفتح الكاف وإسناد الفعل إليهم حتى يصح هذا التفسير، بل قال: نكسوا على رؤوسهم، وقرىء "نكسوا" بالتشديد، ثم قالوا بعد أن نكسوا مخاطبين لإبراهيم {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـؤُلاء يَنطِقُونَ } أي: قائلين لإبراهيم لقد علمت أن النطق ليس من شأن هذه الأصنام، فقال إبراهيم مبكتاً لهم ومزرياً عليهم: {أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً } من النفع {وَلاَ يَضُرُّكُمْ } بنوع من أنواع الضرر، ثم تضجر عليه السلام منهم، فقال: {أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } وفي هذا تحقير لهم ولمعبوداتهم، واللام في {لكم} لبيان المتأفف به، أي لكم ولآلهتكم، والتأفف: صوت يدلّ على التضجر {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أي ليس لكم عقول تتفكرون بها، فتعلمون هذا الصنع القبيح الذي صنعتموه. {قَالُواْ حَرّقُوهُ } أي قال بعضهم لبعض لما أعيتهم الحيلة في دفع إبراهيم، وعجزوا عن مجادلته، وضاقت عليهم مسالك المناظرة، حرّقوا إبراهيم. انصرافاً منهم إلى طريق الظلم والغشم، وميلاً منهم إلى إظهار الغلبة بأي وجه كان، وعلى أيّ أمر اتفق، ولهذا قالوا: {وَٱنصُرُواْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ } أي انصروها بالانتقام من هذا الذي فعل بها ما فعل إن كنتم فاعلين للنصر. وقيل: هذا القائل هو نمروذ؛ وقيل: رجل من الأكراد. {قُلْنَا يا نار كُونِي بَرْداً وَسَلَـٰمَا عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } في الكلام حذف تقديره: فأضرموا النار، وذهبوا بإبراهيم إليها، فعند ذلك قلنا: يا نار كوني ذات بردٍ وسلامٍ. وقيل: إن انتصاب {سلاماً} على أنه مصدر لفعل محذوف، أي وسلمنا سلاماً عليه {وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً } أي مكراً {فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلاْخْسَرِينَ } أي أخسر من كل خاسر؛ ورددنا مكرهم عليهم؛ فجعلنا لهم عاقبة السوء؛ كما جعلنا لإبراهيم عاقبة الخير. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم مرّوا عليه، فقالوا: يا إبراهيم ألا تخرج معنا؟ قال: إني سقيم، وقد كان بالأمس، قال: {تَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ } فسمعه ناس منهم. فلما خرجوا انطلق إلى أهله، فأخذ طعاماً ثم انطلق إلى آلهتهم فقرّبه إليهم، فقال: ألا تأكلون؟ فكسرها إلا كبيرهم، ثم ربط في يده الذي كسر به آلهتهم، فلما رجع القوم من عيدهم دخلوا، فإذا هم بآلهتهم قد كسرت، وإذا كبيرهم في يده الذي كسر به الأصنام، قالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ فقال الذين سمعوا إبراهيم يقول: {تَٱللَّهِ * لاكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ }: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ } فجادلهم عند ذلك إبراهيم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {جُذَاذاً } قال: حطاماً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: فتاتاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضاً: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا } قال: عظيم آلهتهم. وأخرج أبو داود والترمذي [وابن المنذر] وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث كلهنّ في الله: قوله: {إِنّي سَقِيمٌ } ولم يكن سقيماً، وقوله لسارة: أختي، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا }»تفسير : . وهذا الحديث هو في الصحيحين من حديث أبي هريرة بأطول من هذا. وقد روى نحو هذا أبو يعلى من حديث أبي سعيد. وأخرح ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما جمع لإبراهيم ما جمع، وألقي في النار جعل خازن المطر يقول: متى أومر بالمطر فأرسله؟ فكان أمر الله أسرع، قال الله: {كُونِي بَرْداً وَسَلَـٰمَا } فلم يبق في الأرض نار إلا طفئت. وأخرج أحمد وابن ماجه وابن حبان وأبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني عن عائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن إبراهيم حين ألقي في النار لم تكن دابة إلا تطفىء عنه النار غير الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم" »تفسير : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر عن ابن عمر، قال: أوّل كلمة قالها إبراهيم حين ألقي في النار {أية : حسبنا الله ونعم الوكيل}تفسير : [آل عمران: 173]. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ في قوله: {قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي} قال: كان جبريل هو الذي ناداها. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد، وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عليّ نحوه. وأخرج ابن جرير عن معتمر بن سليمان التيمي عن بعض أصحابه قال: جاء جبريل إلى إبراهيم وهو يوثق ليلقى في النار، فقال: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن كعب قال: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن المنهال بن عمرو قال: أخبرت أن إبراهيم ألقي في النار، فكان فيها إما خمسين وإما أربعين، قال: ما كنت أياماً وليالي قط أطيب عيشاً إذ كنت فيها، وددت أن عيشي وحياتي كلها مثل عيشي إذ كنت فيها.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً} قراءة الجمهور بضم الجيم، وقرأ الكسائي وحده بكسرها، وفيه وجهان: أحدهما: حُطاماً، قاله ابن عباس، وهو تأويل من قرأ بالضم. الثاني: قِطعاً مقطوعة، قال الضحاك: هو أن يأخذ من كل عضوين عضواً ويترك عضواً وهذا تأويل من قرأ بالكسر، مأخوذ من الجذ وهو القطع، قال الشاعر: شعر : جَّذذ الأصنام في محرابها ذاك في الله العلي المقتدر تفسير : {قَالُواْ فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ} أي بمرأى من الناس. {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يشهدون عقابه، قاله ابن عباس. الثاني: يشهدون عليه بما فعل، لأنهم كرهواْ أن يعاقبوه بغير بينة، قاله الحسن، وقتادة، والسدي. الثالث: يشهدون بما يقول من حجة، وما يقال له من جواب، قاله ابن كامل. قوله تعالى: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} الآية. فيه وجهان: أحدهما: بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم، فجعل إضافة الفعل إليهم مشروطاً بنطقهم تنبيهاً لهم على فساد اعتقادهم. الثاني: أن هذا القول من إبراهيم سؤال إلزام خرج مخرج الخبر وليس بخبر، ومعناه: أن من اعتقد أن هذه آلهة لزمه سؤالها، فلعله فعله [كبيرهم] فيجيبه إن كان إلهاً ناطقاً. {إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ} أي يخبرون، كما قال الأحوص: شعر : ما الشعر إلا خطبةٌ من مؤلفٍ لمنطق حق أو لمنطق باطل

الثعالبي

تفسير : وقوله: {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ...} الآية. رُوِيَ: أَنَّهُ حَضَرَهُم عِيدٌ لهم، فعزم قومٌ منهم على إبراهيمَ في حُضُورِهِ؛ طمعاً منهم أَنْ يَسْتَحْسِنَ شيئاً من أحوالهم، فَمَشَى معهم، فلما كان في الطريق ثَنَى عَزْمَه على التَّخَلُّفِ عنهم، فقعد، وقال لهم: إني سقيم، فَمرَّ به جُمْهُورهُم، ثم قال في خلوةٍ من نفسه: {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ} فَسَمِعَهُ قومٌ من ضَعَفَتِهِم مِمَّنْ كان يسيرُ في آخِرِ الناس. وقوله: {بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ} معناه: إلى عِيدِكُمْ، ثم انصرف إبراهيمُ عليه السلام إلَى بيت أصنامِهِم فدخله، ومعه قدُومٌ، فوجد الأَصنامَ قد وُقِّفَتْ، أكْبَرُهَا أَوَّلٌ، ثم الذي يليه فالذي يليه، وقد جعلوا أَطْعِمَتَهُم في ذلك اليوم بين يدي الأَصنام؛ تبركاً لينصرفوا من ذلك العيد إلى أَكْلِهِ، فجعل عليه السلامُ يقَطِّعُهَا بتلك القدومِ، ويُهَشمُهَا حتى أَفسد أَشكالها، حاشا الكبيرَ؛ فإنَّهُ تَرَكَهُ بحالِهِ وعَلَّقَ القدومَ في يَدِهِ، وخرج عنها، و {جُذَاذاً}: معناه: قطَعاً صِغَاراً، والجَذُّ: القَطْعُ، والضميرُ في {إِلَيه} أَظْهَرُ ما فيه أَنَّهُ عائِدٌ على إبراهيم، أي: فَعَلَ هذا كُلّهُ؛ ترجِّياً منه أَنْ يَعْقُبَ ذلك منهم رَجْعَةٌ إليه وإلى شَرْعِهِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يعودَ على كبيرهم.

ابن عادل

تفسير : وأما الفعل فقوله: {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم} لأمكرن بها. قرأ العامة "تَاللهِ" بالتاء المثناة فوق. وقرأ معاذ بن جبل، وأحمد بن حنبل بالباء الموحدة. قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: ما الفرق بين التاء والباء؟ قلتُ: الباء هي الأصل، والتاء بدل من الواو المبدل منها، وأنَّ التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده وتأتيه. أما قوله: إنَّ الباء في الأصل فيدل على ذلك تصرفها في الباب بخلاف الواو والتاء، وإن كان السُّهيلي قد ردَّ كون الواو بدلاً منها. وقال أبو حيان: النظر يقتضي أن كلاً منهما أصل. وأما قوله: التعجب فنصوص النحويين أنه يجوز فيها التعجب وعدمه، وإنما يلزم ذلك مع اللام كقوله: شعر : 3727- لِلَّهِ يَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ ذُو حِيَدٍ بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الظَّيانُ والآسُ تفسير : و "بَعْدَ" منصوب بـ "لأكِيدَنَّ"، و "مُدْبِرِينَ" حال مؤكدة، لأن "تُوَلُّوا" يفهم معناها. وقرأ العامة "تُوَلُّوا" بضم التاء واللام مضارع (وَلَّى) مشدداً. وقرأ عيسى بن عمر "تَوَلَّوا" بفتحهما مضارع (تَوَلَّى)، والأصل: تتولوا فحذف إحدى التاءين إمَّا الأولى على رأي هشام، وإمَّا الثانية على رأي البصريين وينصرها قراءة الجميع {فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ} [الصافات:90]، ولم يقرأ أحد "تُوَلُّوا" وهي قياس قراءة الناس هنا، وعلى كلتا القراءتين فلام الكلمة محذوفة، وهو الياء، لأنه من "وَلَّى"، ومتعلق هذا الفعل محذوف تقديره: تولوا إلى عيدكم ونحوه. فإن قيل: الكيد ضرر الغير بحيث لا يشعر به ولا يتأتى ذلك في الأصنام فكيف قال: "لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم"؟ فالجواب: توسعاً لما كان عندهم أنَّ الضرر يجوز عليها، وقيل: المراد لأكيدنكم في أصنامكم لأنه بذلك الفعل أنزل بهم الغم. قوله: "فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً". قرأ العامة "جُذَاذاً" بضم الجيم، والكسائي بكسرها وابن عباس وأبو نهيك وأبو السمال بفتحها. قال قطرب: هي في لغاتها كلها مصدر، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث والظاهر أنَّ المضموم اسم للشيء المكسر كالحطام والرفات والفتات بمعنى الشيء المحطم والمفتت. وقال اليزيدي: المضموم جمع جُذَاذَة بالضم نحو زجاج في زجاجة، والمكسور جمع جَذِيذ نحو كِرَام في كَرِيم. وقال بعضهم: المفتوح مصدر بمعنى المفعول أي: مَجْذوذِينَ. ويجوز على هذا أن يكون على حذف مضاف أي: ذوات جذاذ. وقيل: المضموم جمع جُذَاذَة بالضم، والمكسور جمع جِذَاذَة بالكسر، والمفتوح مصدر وقرأ ابن وثاب "جُذُذاً" بضمتين دون ألف بين الذالين، وهو جمع جَذِيذ كقَلِيب وقُلُبٍ. وقرىء بضم الجيم وفتح الذال، وفيها وجهان: أحدهما: أن يكون أصلها ضمتين، وإنما خففت بإبدال الضمة فتحة نحو سُرَر وذُلَل في جمع سرير وذليل، وهي لغة لبني كلب. والثاني: أنه جمع جذَّة نحو قبب في قبة ودرر في درة. والجذ القطع والتكسير، وعليه قوله: شعر : 3728- بَنُو المُهَلَّبِ جَذَّ اللهُ دَابِرَهُمْ أَمْسَوا رَمَاداً فَلاَ أصْلٌ وَلاَ طَرَفُ تفسير : وتقدم هذا مستوفى في هود. فإن قيل: لِمَ قال "جَعَلَهُمْ" وهذا جمع لا يليق إلا بالعقلاء؟ فالجواب عَامَلَ الأصنام مُعَاملة العقلاء حيث اعتقدوا فيها ذلك. قوله: "إلاَّ كَبِيراً" استثناء من المنصوب في "فَجَعلَهُمْ" أي: لم يكسره بل تركه و "لَهُمْ" صفة له، وهذا الضمير يجوز أن يعود على الأصنام، وتأويل عود ضمير العقلاء عليها تقدم. ويجوز أن يعود على عابديها. والضمير في "إلَيْهِ" يجوز أن يعود إلى "إبراهيم"، أي: يرجعون إلى مقالته حين يظهر لهم الحق، أو غلب على ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه لما شاهدوه من إنكاره لدينهم، وسب آلهتهم، فيبكتهم بما أهانهم به من قوله: {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ} تفسير : [الأنبياء: 63]. ويجوز أن يعود إلى الكبير، وفيه وجهان: أحدهما: لعلهم يرجعون إليه كما يرجعون إلى العالم في حل المشكلات، فيقولون: ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحاً والفأس على عاتقك؟ وهذا قول الكلبي. وإنما قال ذلك بناء على كثرة جهالاتهم، فلعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تجيب وتتكلم. والثاني: أنه - عليه السلام - قال ذلك مع علمه أنهم لا يرجعون إليه (استهزاء بهم). فصل قال السّدّيّ: كان لهم في كل سنة عيد يجتمعون فيه، فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان هذا الوقت قال آزر لإبراهيم: لو خرجت معنا، فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: إنَّي سَقِيم أشتكي رِجْلي،، فلمَّا مَضَوْا وبقي ضعفاء الناس، نادى وقال: {تَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ} أي: إلى عيدكم. فسمعوها منه. واحتج هذا القائل بقوله تعالى: {قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}. وقال الكلبيّ: كان إبراهيم - عليه السلام - من أهل بيت ينظرون في النجوم وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لم يتركوا إلاَّ مريضاً، فلما هَمَّ إبراهيم بكسر الأصنام، نظر قبل يوم العيد إلى السماء، وقال لأصحابه: أراني أشتكي غداً، وهو قوله: {أية : فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ}. تفسير : [الصافات: 88، 89]. وأصبح في الغد معصوباً رأسه، فخرج القوم لعيدهم ولم يتخلف أحد غيره، فقال: {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم} فسمع رجل منهم هذا القول، فحفظه عيله، ثم أخبر به غيره، وانتشر ذلك في جماعة، فلذلك قال تعالى: {قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ}، ثم إنَّ إبراهيم - عليه السلام - دخل بيت الأصنام فوجد سبعين صنماً مصطفة، وعند الباب صنم عظيم من ذهب مستقبل الباب وفي عينه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسرها كلها بفأس في يده حتى لم يبق إلاَّ الكبير علق الفأس في عنقه. فإن قيل: أولئك الأقوام إمَّا أنْ يكونوا عقلاء أو لم يكونوا عقلاء، فإن كانوا عقلاء وجب أن يكونوا عالمين بالضرورة أنَّ تلك الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضرّ، فأي حاجة في إثبات ذلك إلى كسرها؟ أقصى ما في الباب أن يقال: القوم كانوا يعظمونها كما يعظم الواحد منا المصحف والمسجد والمحراب وكسرها لا يقدح في تعظيمها من هذا الوجه. وإن لم يكونوا عقلاء لم يحسن مناظرتهم ولا بعثة الرسل إليهم. فالجواب: أنهم كانوا عقلاء وكانوا عالمين بالضرورة أنها جمادات، ولكن لعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تماثيل للكواكب، وأنها طلسمات موضوعة، بحيث إنّ كل من عبدها انتفع، وكل من استخف بها ناله منها ضرر شديد، ثم إنَّ إبراهيم - عليه السلام - كسرها ولم ينله منها ضرر ألبتة، فكان فعله دالاً على فساد مذهبهم. قوله {مَن فَعَلَ هَـٰذَا} يجوز في "مَن" أن تكون استفهامية وهو الظاهر، فعلى هذا تكون الجملة من قوله: {إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} استئنافاً لا محل لها من الإعراب. ويجوز أن تكون موصولة بمعنى (الَّذِي)، وعلى هذا فالجملة من "إنَّهُ" في محل رفع خبراً للموصول، والتقدير: الذي فعل هذا بآلهتنا إنَّه. ومعنى الآية: مَنْ فَعَلَ هذا الكسر والحطم الشديد معدود في الظلمة إما لجرأته على الآلهة الحقيقة بالتوقير والإعظام، وإما لأنهم رأوا إفراطاً في كسرها، وتمادياً في الاستهانة بها. قوله: "يَذْكُرُهُمْ". في هذه الجملة أوجه: أحدها: أن "سمع" هنا يتعدى لاثنين، لأنها متعلقة بعين، فيكون "فَتًى" مفعولاً أولاً و "يَذْكُرُهُمْ" هذه الجملة في محل نصب مفعولاً ثانياً، ألا ترى أنك لو قلت: سَمِعْتُ زَيْداً، وسَكَتَّ لم يكن كلاماً بخلاف: سمعت قراءته وحديثه. والثاني: أنها في محل نصب أيضاً صفة لـ "إبراهيم". قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: ما حكم الفعلين بعد "سَمِعْنَا"، وما الفرق بينهما؟ قلت: هما صفنان لـ "فَتًى" إلاَّ أنَّ الأول وهو "يَذْكُرُهُمْ" لا بدَّ منه لـ "سَمِع" لأنك لا تقول: سَمِعْتُ زَيْداً وتسكت حتى تذكر شيئاً مما يسمع، وأما الثاني فليس كذلك. وهذا الذي قاله لا يتعين لما عرفت أن سمع إن تعلقت بما سمع نحو سمعت مقالة بكر فلا خلاف أنها تتعدى لواحد. وإن تعلقت بما لا يسمع فلا يكتفى به أيضاً بلا خلاف بل لا بدّ من ذكر شيء يسمع، فلو قلت: سَمِعْتُ زَيْداً، وسكت، أم سَمِعْتُ زَيْداً يركب، لم يجز، فإن قلت: سمعته يقرأ صح، وجرى في ذلك خلاف بين النحاة فأبو علي يجعلها متعدية لاثنين، ولا يتمشى عليه قول الزمخشري. وغيره يجعلها متعدية لواحد، ويجعل الجملة بعد المعرفة حالاً وبعد النكرة صفة، وهذا أراد الزمخشري. قوله: "إِبْرَاهِيمُ". في رفع "إِبْرَاهِيمُ" أوجه: أحدها: أنه مرفوع على ما لم يسم فاعله، أي: يقال له هذا اللفظ، وكذلك قال أبو البقاء: فالمراد الاسم لا المسمى. وفي هذه المسألة خلاف بين النحويين أعني تسلط القول على المفرد الذي يؤدي معنى جملة ولا هو مقتطع من جملة، ولا هو مصدر لـ "قال"، ولا هو صفة لمصدره نحو: قلت زَيْداً، أي: قلت هذا اللفظ، فأجازه جماعة كالزجاجي والزمخشري وابن خروف وابن مالك، ومنعه آخرون. وممن اختار رفع "إِبْرَاهِيمُ" على ما ذكرت الزمخشري وابن عطية. أمَّا إذا كان المفرد مؤدياً معنى جملة كقولهم: قلت خطبة وشعراً وقصيدة أو اقتطع من جملة كقوله: شعر : 3729- إذَا ذُقْتَ فَاهَا قُلْتَ طَعْمُ مُدَامةٍ مُعَتَّقَةٍ مِمَّا يَجِيءُ بِهِ التُّجُرْ تفسير : أو كان مصدراً نحو قُلْتُ قَوْلاً، أو صفة له نحو: قُلْتُ حقاً أو باطِلاً، فإنه يتسلط عليه كذا قالوا. وفي قولهم: المفرد المقتطع من الجملة نظر، لأنَّ هذا لم يتسلط عليه القول إنما تسلط على الجملة المشتملة عليه. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، يقال له: هذا إبراهيم، أو هو إبراهيم. الثالث: أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: يقال له إبراهيم فاعل ذلك. الرابع: أنه منادى وحرف النداء محذوف أي: يا إبراهيم. وعلى الأوجه الثلاثة فهو مقتطع من جملة، وتلك الجملة محكية بـ "يُقَالُ" وتقدم تحقيق هذا في البقرة عند قوله {أية : وَقُولُوا حِطَّةٌ} تفسير : ] [58 رفعاً ونصباً وفي الأعراف عند قوله {أية : قَالُواْ مَعْذِرَةً} تفسير : [الأعراف: 164] رفعاً ونصباً. والجملة من "يُقَالُ لَهُ" يحتمل أن تكون مفعولاً آخر نحو ظننت زيداً كاتباً شاعراً. وأن تكون صفة على رأي الزمخشري ومن تابعه وأن تكون حالاً من "فَتًى" وجاز ذلك لتخصصها بالوصف.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال‏:‏ لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم مروا عليه فقالوا‏:‏ يا إبراهيم، ألا تخرج معنا‏؟‏ قال‏:‏ إني سقيم، وقد كان بالأمس قال‏:‏ ‏ {‏تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين‏} ‏ فسمعه ناس منهم، فلما خرجوا انطلق إلى أهله فأخذ طعاماً ثم انطلق إلى آلهتهم فقرّبه إليهم فقال‏:‏ ألا تأكلون‏؟‏ فكسرها إلا كبيرهم، ثم ربط في يده الذي كسر به آلهتهم، فلما رجع القوم من عيدهم دخلوا فإذا هم بآلهتهم قد كسرت، وإذا كبيرهم في يده الذي كسر به الأصنام، قالوا‏:‏ من فعل هذا بآلهتنا‏؟‏ فقال الذين سمعوا إبراهيم قال‏:‏ ‏ {‏تالله لأكيدن أصنامكم‏}‏ سمعنا فتى يذكرهم‏.‏ فجادلهم عند ذاك إبراهيم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وتالله لأكيدن أصنامكم‏} ‏ قال‏:‏ قول إبراهيم حين استتبعه قومه إلى عيدهم فأبى وقال‏:‏ إني سقيم، فسمع منه وعيده أصنامهم رجل منهم استأخر، وهو الذي قال‏:‏ ‏ {‏سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم‏}‏، وجعل إبراهيم الفأس التي أهلك بها أصنامهم مسندة إلى صدر كبيرهم الذي تُرِك‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة، أن أبا إبراهيم خليل الرحمن كان يعمل هذه الأصنام ثم يشكها في حبل ويحمل إبراهيم على عنقه ويدفع إليه المشكوك يدور يبيعها، فجاء رجل يشتري فقال له إبراهيم‏:‏ ما تصنع بهذا حين تشتريه‏؟‏ قال‏:‏ أسجد له‏.‏ قال له إبراهيم‏:‏ أنت شيخ تسجد لهذا الصغير‏!‏ إنما ينبغي للصغير أن يسجد للكبير فعندها ‏{‏قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {و‏تالله لأكيدن أصنامكم‏} ‏ قال‏:‏ ترى أنه قال ذلك من حيث لا يسمعون ‏ {‏فجعلهم جذاذا‏ً} ‏ قال‏:‏ قطعاً ‏ {‏إلا كبيراً لهم‏}‏ يقول‏:‏ إلا كبير آلهتهم وأنفسها وأعظمها في أنفسهم‏.‏ ‏{‏لعلهم إليه يرجعون‏} ‏ قال‏:‏ كايدهم بذلك لعلهم يتذكرون أو يبصرون‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون‏} ‏ قال‏:‏ كرهوا أن يأخذوه بغير بينة‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏أنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏أنتم الظالمون‏} ‏ قال‏:‏ وهذه هي الخصلة التي كايدهم بها ‏ {‏ثم نكسوا على رؤوسهم‏}‏ قال‏:‏ أدركت القوم غيرة سوء فقالوا‏:‏ ‏{‏لقد علمت ما هؤلاء ينطقون‏}‏‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏جذاذا‏ً} ‏ قال‏:‏ حطاما‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏جذاذاً‏}‏ قال‏:‏ فتاتا‏ً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏بل فعله كبيرهم هذا‏}‏ قال‏:‏ عظيم آلهتهم‏. وأخرج أبو داود والترمذي وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث كلهن في الله‏:‏ قوله إني سقيم ولم يكن سقيماً، وقوله لسارة أختي، وقوله‏:‏ ‏{‏بل فعله كبيرهم هذا‏}‏ ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو يعلى عن أبي سعيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : يأتي الناس إبراهيم فيقولون له‏:‏ اشفع لنا إلى ربك‏.‏ فيقول‏:‏ إني كذبت ثلاث كذبات‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله، قوله‏:‏ ‏{إني سقيم‏}‏ [‏الصافات: 89‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏بل فعله كبيرهم هذا‏}‏ وقوله لسارة إنها أختي‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏فرجعوا إلى أنفسهم‏} ‏ قال‏:‏ نظر بعضهم إلى بعض‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ‏ {‏ثم نكسوا على رؤوسهم‏} ‏ قال‏:‏ في الرأي‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله‏:‏ ‏ {‏أف‏} ‏ يعني الرديء من الكلام‏.

اسماعيل حقي

تفسير : {وتالله} [بخدا سوكندكه من]{لأكيدن اصنامكم}[هر آيينه تدبيرى كنم وجهد نمايم تابشكنم بتان شمارا] كما قال فى الارشاد لاجتهدن فى كسرها. وفيه ايذان بصعوبة الامر وتوقفه على استعمال الحيل. وقال ابن الشيخ اخذا من تفسير الامام فان قيل لم قال {لأكيدن اصنامكم} والكيد هو الاحتيال على الغير فى ضرر لا يشعر به والاصنام جمادات لا تتضرر بالكسر ونحوه وايضا ليست هى مما يحتال فى ايقاع الكسر عليها لان الاحتيال انما يكون فى حق من له شعور اجيب بان ذلك من قبيل التوسع فى الكلام فان القوم كانوا يزعمون ان الاصنام لهن شعور ويجوز عليهن الضرر فقال ذلك بناء على زعمهم. وقيل المراد لا كيدنكم فى اصنامكم لانه بذلك الفعل قد انزل بهم الغم. والاصنام جمع صنم وهى جثة متخذة من فضة او نحاس او خشب كانوا يعبدوناه متقربيت بها الى الله تعالى كما فى المفردات {بعد ان تولوا} ترجعوا مضارع ولى مشددا {مدبرين} ذاهبين من عبادتها الى عيدكم وهو حال مؤكد لان التولية والادبار بمعنى والادبار نقيض الاقبال وهو الذهاب الى خلف. قال الكاشفى {بعد ان تولوا}[بعد ازانكه روى بكردانيد ازايشان يعنى برويد بعيد كاه وباشيد مدبرين بشت برايشان كنندكان وقتى كه بتانرا بكذاريد وبتماشا كاه خودرويد].

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {مَن فَعَلَ}: استفهام، وقيل: موصولة، و {إنه}: خبرها، أي: الذي فعل هذا معدود من الظلمة، و {يذْكُرهم}: إما مفعول ثان لسمع؛ لتعلقه بالذات، على قول، أو صفة لفتى. و {يُقال}: صفة أخرى لفتى. و {إبراهيم}: نائب فاعل يُقال. يقول الحقّ جلّ جلاله: حاكيًا عن خليله عليه السلام: {وتالله لأكيدنّ أصنامكم} أي: لأمكرنّ بها، وأجتهد في كسرها، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز، وتوقفه على الحيل والسياسة، وذلك الكيد {بعد أن تُولُّوا مُدبرين}؛ بعد ذهابكم عنها إلى عيدكم. قال مجاهد: إنما قاله سرًا، ولم يسمعه إلا رجلٌ فأفشاه عليه، وقال: سمعت فتى يذكرهم. وقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمعٌ وعيد، فإذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم فسجدوا لها، وقال أبو إبراهيم: يا إبراهيم، لو خرجتَ معنا إلى عيدنا لأعجبك، فخرج إلى بعض الطريق، وقال: إني سقيم، أَشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم - وقد بقي ضعفاء الناس -: {تالله لأكيدنَّ أصنامكم بعد أن تُولُّوا مدبرين} فسمعوه، ثم دخل بيت الأصنام، فوجد طعاماً كانوا يضعونه عندها للبركة، فإذا رجعوا أكلوه، فقال: {ألا تأكلون}؟ استهزاءً بها، فلم يجبه أحد، فقال: ما لكم لا تنطقون {فَرَاغَ}؛ مال {أية : عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ} تفسير : [الصَّافات: 93]. {فجعلهم جُذاذًا} أي: قطعًا، جمع جذيذ. وفيه لغتان: الكسر، كخفيف وخِفاف، والضم؛ كحطيم وحُطام. رُوي أنها كانت سبعين صنمًا مصطفة. وثَمَّ صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسر الكل بفأس كان بيده، ولم يُبق إلا الكبير، علّق الفأس في عنقه، وذلك قوله تعالى: {إِلا كبيرًا لهم} أي: للأصنام {لعلهم إِليه} أي: إلى إبراهيم عليه السلام {يرجعون}؛ فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم، أو إلى دينه؛ إذا قامت الحجة عليهم. وقيل: إلى الكبير يسألونه عن الكاسر؛ لأن من شأن الكبير أن يرجع إليه في الملمات. وقيل: إلى الله تعالى وتوحيده، عند تحققهم بعجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم. فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا ما صُنِع بآلهتهم، {قالوا مَن فعلَ هذا بآلهتنا}، على طريق الإنكار والتوبيخ، {إِنه لَمِنَ الظالمين} أي: لشديد الظلم؛ لجرأته على الآلهة، التي هي عندهم في غاية التوقير والتعظيم. أو لَمِنَ الظالمين حيث عَرَّض نفسه للهلكة، {قالوا} أي: بعضٌ منهم، وهو من سمع مقالته: {سمعنا فتىً يذكرهم} أي: يعيبهم، فلعله فعل ذلك بها، {يُقال له إِبراهيم} أي: يقال له هذا الاسم. {قالوا} أي: السائلون: {فأْتُوا به على أعين الناس} أي: بمرأى منهم، بحيث يكون نصبَ أعينهم، لا يكاد يخفى على أحد، {لعلهم يشهدون} عليه بما سُمع منه، أو بما فعله، كأنهم كرهوا عقابه بلا بينة، أو يَحضرون عقوبتنا له. فلما أحضروه {قالوا أأنت فعلتَ هذا بآلهتنا يا إِبراهيم}؟ واختصر إحضاره؛ للتنبيه على أن إتيانهم به، ومسارعتهم إلى ذلك، أمر محقق غني عن البيان {قال} إبراهيم عليه السلام: {بل فعله كبيرُهُم هذا}، غار أن يُعبدوا معه، مشيرًا إلى الذي لم يكسره. وعن الكسائي: أنه يقف على {بل فعله} أي: فعله من فعله، ثم ابتدأ: كبيرهم هذا يُخبركم فسلوه... الخ، والأكثر: أنه لا وقف، والفاعل: كبيرهم. و "هذا": بدل، أو وصف، ونسبَ الفعل إلى كبيرهم، وقصده تقريره لنفسه وإسناده لها، على أسلوب تعريضي؛ تبكيتًا لهم، وإلزامًا للحجة عليهم، لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح عَلِموا عجز كبيرهم، وأنه لا يصلح للألوهية، وهذا كما لو كتبت كتابًا بخط أنيق، وأنت شهير بحسن الخط، ومعك صاحب أُميّ، فقال لك قائل: أأنت كتبت هذا؟ فتقول: بل كتبه هذا، وهو يعلم أنه أُميّ لا يُحسن الكتابة، فهو تقرير لإثبات الكتابة لك على أبلغ وجه. قال الكواشي: ومن الجائز أن يكون أَذِنَ الله تعالى له في ذلك كما أَذِنَ ليوسف حين نادى على إخوته: {أية : إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} تفسير : [يُوسُف: 70]، ولم يكونوا سارقين؛ لِمَا في ذلك من المصلحة؛ لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح، وسألوا عَلِمُوا أن كبيرهم لم يفعل شيئًا، وأنه عاجز عن النطق، فضلاً عن الفعل، فلا يجوز أن يُعبد، ولا يستحق العبادة إلا القادر الفعال. هـ. وقيل: اسند الفعل إلى كبيرهم؛ لأنه الحامل له على كسرها، حيث رآه يُعظَّم أكثر منها، ويُعبد من دون الله، فاشتد غضبه حتى كسرها، وهو بعيد؛ إذ لو كان كذلك لكسره أولاً، فتحصل أنه عليه السلام إنما قصد التعريض بعبادتهم، لا الإخبار المحض، حتى يكون كذبًا. فإن قلت: قد ورد في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات؟ فالجواب: أن معنى ذلك: أنه قال قولاً ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر. قاله ابن جزي. ثم قال لهم: {فاسْألوهم} عن حالهم، {إِن كانوا ينطقون} فتجيبكم بمن كسرهم، وأنتم تعلمون عجزهم عنه، {فَرَجعوا إِلى أنفسهم} أي: رجعوا إلى عقولهم، وتفكروا بقلوبهم، وتذكروا أنَّ ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإخبار بمن كسره، فكيف يستحق أن يكون معبودًا؟ {فقالوا} أي: قال بعضهم لبعض: {إِنكم أنتم الظالمون} على الحقيقة، حيث عبدتم من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع؛ لأنَّ من لا يدفع عن رأسه الفأس، فكيف يدفع عن عابده البأس! فأنتم الظالمون بعبادتها؛ لا من ظلمتموه بقولكم: {إنه لمن الظالمين}. أو: أنتم الظالمون لا من كسرها، {ثم نُكِسُوا على رؤوسهم}، وردّوا إلى أسفل سافلين، أُجري الحقُّ على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، أي: انقلبوا إلى المجادلة، بعدما استقاموا بالمراجعة، شَبَّه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه، قائلين: {لقد علمتَ} يا إبراهيم {ما هؤلاء ينطقون}، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ {قال}؛ مبكتًا لهم وتوبيخًا: {أفتعبدون من دون الله} أي: متجاوزين عبادته تعالى إلى {ما لا ينفعكم شيئًا} من النفع، {ولا يضُركُم} إن لم تعبدوه، فإنَّ العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يُوجب اجتناب عبادته، {أفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله}، أُفّ: اسم صوت تدل على التضجر، تَضجر عليه السلام من إصرارهم على الباطل، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق، فأفَّف بهم وبأصنامهم، أي: لكم ولأصنامكم هذا التأفف، {أفلا تعقلون} أن من هذا وصفه لا يستحق أن يكون إلهًا. والله تعالى أعلم. الإشارة: من أراد أن يكون إبراهيميًا حنيفيًا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقًا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوتَ السماواتِ والأرض، ويكون من الموقنين.، وأمُّ الشهوات: حب الدنيا، ورأسها: حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام: وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل: شعر : وُجودُكَ ذَنْبٌ لاَ يُقَاسُ بِهِ ذَنْبُ تفسير : فإن غبتَ عنه، وكسرته، غابت عنك جميعُ العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضي الله عنه بقوله: شعر : بَدَا لَكَ سِرٌّ طَالَ عَنْكَ اكْتتَامُهُ وَلاَحَ صَبَاحُ كُنْتَ أنْتَ ظَلاَمُهُ فَأنْتَ حِجَابُ القَلْبِ عَنْ سِرِّ غَيبهِ وَلَوْلاَكَ لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ خِتَامُهُ فَإنْ غِبْتَ عَنْهُ حَلَّ فِيهِ وَطَنَّبَتْ عَلَى مَوْكبِ الكَشْفِ المصُونِ خِيَامُهُ وَجَاء حَدِيثٌ لا يُمَلُّ سَمَاعُهُ شَهِيٌّ إليْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ إذَا سَمِعَتْهُ النَّفْسُ طَابَ نَعِيمُهَا وَزَالَ عَنِ القَلْبِ المُعَنَّى غَرامُهُ تفسير : فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {إلا كبيرًا لهم لعلهم إليه يَرجعون} أي: إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإنَّ هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر قصة تحريقه وانجائه

الجنابذي

تفسير : {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} اى لأفعلنّ بهذا فى خفيةٍ ما لا يلائمها {بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ} حال مؤكّدة او مقيّدة باعتبار انّ التّولية بمعنى الاقبال والادبار، وهكذا التّولّى، قيل: انّما قال ذلك فى السّرّ من اصحاب نمرود ولم يسمع ذلك الاّ رجلٌ منهم فأفشاه، وقيل: كان موعد عيدٍ لهم فكرهوا خروج ابراهيم (ع) معهم ووكّلوه ببيت الاصنام، او انّه تمارض كما فى الآية وتخلّف عنهم فخرجوا صغيرهم وكبيرهم الى عيدٍ لهم فدخل بيت الاصنام وأخذ القدوم وكسر الاصنام.

اطفيش

تفسير : {وَتَاللهِ} وقرأ معاذ بن جبل بالموحدة، وهى أصل حروف القسم. و التاء بدل من الواو، والواو بدل من الباء. والتاء فيها زيادة معنى، وهو التعجب، تعجب من تسهيل الكيد على يديه، لأنه أمر صعب، متعذر فى كل زمان، خصوصا فى زمان نمرود، مع عتوه واستكباره، وقوة سلطانه، وتهالكه على نصرة دينه. ولكن إذا قضى الله شيئًا تيسر، ولتلك الصعوبة عبَّر بالكيد المتضمن لنوع منَ الحِيَل. {لأَكِيدَنَّ} أفسدها بالمكر {أَصْنَامَكُمُ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا} تدبروا عنها إلى مجتمع عيدكم. وقرئ بفتح التاء واللام أى تتولوا. ويدل لهذا القراءة: {أية : فتولوا عنه مدبرين}. تفسير : {مُدْبِرِينَ} حال مؤكدة لعاملها.

الالوسي

تفسير : {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُمْ} أي لأجتهدن في كسرها، وأصل الكيد الاحتيال في إيجاد ما يضر مع إظهار خلافه وهو يستلزم الاجتهاد فتجوز به عنه، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز وتوقفه على استعمال الحيل ليحتاطوا في الحفظ فيكون الظفر بالمطلوب أتم في التبكيت، وكان هذا منه عليه السلام عزماً على الإرشاد إلى ضلالهم بنوع آخر، ولا يأباه ما روي عن قتادة أنه قال: نرى أنه عليه السلام قال ذلك من حيث لا يسمعون وقيل سمعه رجل واحد منهم، وقيل: قوم من ضعفتهم ممن كان يسير في آخر الناس يوم خرجوا إلى العيد وكانت الأصنام سبعين: وقيل إثنين وسبعين. وقرأ معاذ بن جبل وأحمد بن حنبل {بِٱللَّهِ} بالباء ثانية الحروف وهي أصل حروف القسم إذ تدخل على الظاهر والمضمر ويصرح بفعل القسم معها ويحذف والتاء بدل من الواو كما في تجاه والواو قائمة مقام الباء للمناسبة بينهما من حيث كونهما شفويتين ومن حيث إن الواو تفيد معنى قريباً من معنى الإلصاق على ما ذكره كثير من النحاة. وتعقبه في «البحر» بأنه لا يقوم على ذلك دليل، وقد رده السهيلي، والذي يقتضيه النظر أنه ليس شيء من هذه الأحرف أصلاً لآخر، وفرق بعضهم بين الباء والتاء بأن في التاء المثناة زيادة معنى وهو التعجب، وكان التعجب هنا من إقدامه عليه السلام على أمر فيه مخاطرة. ونصوص النحاة أن التاء يجوز أن يكون معها تعجب ويجوز أن لا يكون واللام هي التي يلزمها التعجب في القسم، وفرق آخرون بينهما استعمالاً بأن التاء لا تستعمل إلا مع اسم الله الجليل أو مع رب مضافاً إلى الكعبة على قلة. {بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ} من عبادتها إلى عيدكم. وقرأ عيسى بن عمر {تَوَلَّوْاْ} من التولي بحذف إحدى التاءين وهي الثانية عند البصريين والأولى عند هشام، ويعضد هذه القراءة قوله تعالى: { أية : فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ } تفسير : [الصافات:90].

د. أسعد حومد

تفسير : {أَصْنَامَكُمْ} (57) ثُمَّ أَقْسَمَ إِبْرَاهِيمُ فِي نَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ سَيَكِيدُ لأَصْنَامِ قَوْمِهِ، وَسَيُحَرِّضُ عَلَى تَحْطِيمِهَا بَعْدَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ إِلى الاحْتِفَالاَتِ بِعِيدِهِمْ، لِيُظْهِرَ لَهُمْ ضَلاَلَ مَا هُمْ عَلَيْهِ فِي عِبَادَتِها. (وَيُرْوَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ دَعَاهُ أَبُوهُ إِلى الخُرُوجِ مَعَهُمْ لِيَرى الاحْتِفَالَ بِعِيد قَوْمِهِ، وَقَالَ لَهُ إِنّهُ لَوْ رَأى هَذَا الاحْتِفَالَ لأَعْجَبَهُ دِينُهُمْ. فَخَرَجَ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَرِيق أَلْقَى بِنَفْسِهِ عَلَى الأَرْضِ، وَقَالَ لأَبِيهِ إِنَّهُ سَقِيمٌ، فَلَمَّا أَقْسَمَ عَلَى أَنَّهُ سَيَكِيدُ لأَِصْنَامِ قَوْمِهِ سَمِعَهُ بَعْضُ مَنْ تأَخَرَّ عَنِ الذَّهابِ مِنْ قَوْمِهِ إِلى الاحْتِفَالِ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد ما حدث منهم من لجج وجدال بالباطل أقسم إبراهيم عليه السلام {وَتَٱللَّهِ ..} [الأنبياء: 57] والتاء هنا للقسم {لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ ..} [الأنبياء: 57] وهل الأصنام تُكَاد؟ أم أن المراد: لأكيدنكم في أصنامكم؟ فالأصنام كمخلوق من مخلوقات الله تُسبِّح لله، وتشكر إبراهيم على هذا العمل. وما أجملَ ما قاله الشاعر في هذا المعنى حين تكلَّم بلسان الأحجار في غار حراء وغار ثور، حيث كانت الحجارة تَغَارُ وتحسد حِراء؛ لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يتعبَّد به قبل البَعْثة، فحِراء شاهدُ تعبُّد لرسول الله يزهو بهذه الصحبة، فلما نزل رسول الله بغار ثور عند الهجرة فرح ثور؛ لأنه صار في منزلة حراء: شعر : كَمْ حَسَدْنَا حِرَاءَ حِينَ تَرَى الرُّوحَ أميناً يغزُوك بالأَنْوارِ فَحِرَاءُ وثَوْرٌ صَارَا سَواءً بهِمَا تشفع لدولةِ الأحْجَارِ عَبَدُونَا ونحْنُ أعبَدُ لله مِنَ القائِمينَ بالأسْحَارِ تخِذُوا صَمْتَنَا عليْنَا دَليلاً فَغدَوْنا لَهُمْ وقُودَ النَّارِ تفسير : لأن الله قال: {أية : وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ..} تفسير : [البقرة: 24]. شعر : قَدْ تَجَنَّوْا جَهْلاً كما قَدْ تَجنَّوْهُ علَى ابْنِ مرْيَم والحَوارِي لِلْمُغَالِي جَزَاؤُهُ والمغالَي فِيهِ تُنجيهِ رَحْمةُ الغَفَّار تفسير : إذن: فتحطيم الأصنام ليس كَيْداً للأصنام، بل لعُبَّادها الذين يعتقدون فيها أنها تضرُّ وتنفع، وكأن إبراهيم - عليه السلام - يقيم لهؤلاء الدليل على بطلان عبادة الأصنام، الدليل العملي الذي لا يُدْفَع وكأن إبراهيم يقول بلسان الحال: حين أُكسِّر الأصنام إنْ كنتُ على باطل فليمنعُوني وليردّوا الفأْسَ من يدي، وإنْ كنتُ على حق تركوني وما أفعل. وقوله تعالى: {بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ} [الأنبياء: 57] أي: بعد أنْ تنصرفوا عنها. يعني: على حين غَفْلة منهم. ثم يقول الحق سبحانه: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً ...}.

الأندلسي

تفسير : {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} بادرهم أولاً بالقول المنبه على دلالة العقل ثم بالفعل الذي يقتضي تقطيع أصنامهم وفك أجزائها فقال: وتالله لأكيدن والكيد الاحتيال في وصول الضرر إلى المكيد والظاهر أنه خاطب بها أباه وقومه وقوله: {بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ} أي إلى عيد كان لهم يحضرون له وتخلف هو عنهم لما يقصده. {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً} قبله محذوف تقديره فتولوا إلى عيدهم وقصد هو ما كان نواه فجعلهم أي الأصنام جذاذاً أي مفكوكة الأجزاء وقرىء: جذاذاً بضم الجيم وكسرها والجذ القطع وقوله: {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ} إستثناء من الضمير في فجعلهم أي فلم يكسره قيل وكانت الأصنام مصطفة وصنم منها عظيم مستقبل الباب من ذهب وفي عينيه درتان مضيئتان فكسرها بفاس إلا ذلك الصنم وعلق الفاس في عنقه وقيل في يده والضمير في لهم يحتمل أن يعود على الأصنام أو على عباده والكبر هنا عظم الجثة أو كبيراً عندهم في المنزلة لكونهم صاغوه من ذهب وجعلوا في عينيه جوهرتين مضيئتين بالليل والنهار والضمير في إليه عائد على إبراهيم أي فعل ذلك ترجياً منه بعقب ذلك رجعة إليه وإلى شرعه. {قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا} الآية في الكلام محذوف تقديره فلما رجعوا من عيدهم إلى آلهتهم ورأوا ما فعل بها استفهموا على سبيل البحث والإِنكار فقالوا: من فعل هذا التكسير والتحطيم انه لظالم إلى اجترائه على الآلهة المستحقة للتعظيم والتوقير. {قَالُواْ} أي سمعوا قوله: وتالله لأكيدن أصنامكم يذكرهم بسوء. {يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} يحتمل أن يكون جواباً لسؤال مقدر لما قالوا سمعنا فتى يذكرهم وأتوا به منكراً قيل من يقال له فقيل: يقال له إبراهيم وارتفع إبراهيم على أنه مقدر بجملة محكية يقال اما على النداء أي يقال له حين يدعي يا إبراهيم واما على خبر مبتدأ محذوف أي هو إبراهيم أو على أنه مفرد مفعول ما لم يسم فاعله ويكون من إِسناد للفظ لا المدلولة أي يطلق عليه هذا اللفظ. {عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ} أي أحضروه بمرأى منهم فعلى أعين الناس في موضع الحال وعلى معناها الاستعلاء المجازي كأنهم لتحديقهم إليه وارتفاع أبصارهم لرؤيته مستعل على أبصارهم. {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} جوابه إذا سألوه عن تلك الأصنام. {قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا} أي الكسر والهشم. {بِآلِهَتِنَا} وارتفاع أنت المختار أنه يفعل محذوف يفسره فعلت ولما حذف انفصل الضمير ويجوز أن يكون مبتدأ وإذا تقدّم الاسم في نحو هذا التركيب على الفعل كان الفعل صادراً واستفهم عن فاعله وهو المشكوك فيه وإذا تقدم الفعل كان الفاعل مشكوكاً فيه فاستفهم عنه أوقع ذلك أو لم يقع والظاهر أن بل للإِضراب عن جملة محذوفة أي قال: لم أفعله إنما الفاعل حقيقة هو الله تعالى. {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} وأسند الفعل إلى كبيرهم على جهة المجاز لما كان سبباً في كسر هذه الأصنام هو تعظيمهم وعبادتهم له ولما دونه من الأصنام كان ذلك حاملاً على تحطيمها وكسرها فأسند الفعل إلى الكبير إذ كان تعظيمهم له أكثر من تعظيم ما دونه. {فَاسْأَلُوهُمْ} لا يريد حقيقة السؤال بل ذلك على سبيل التعجيز والاستهزاء بهم كأنه قال: {إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} فاسألوهم وهم لا ينطقون فلا يصح السؤال. {فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ} قال ابن عباس: حين عبدتم ما لا ينطق ولا يصلح للعبادة. {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ} أي ارتبكوا في ضلالهم وعلموا أن الأصنام لا تنطق فساءهم ذلك حين نبه على قيام الحجة عليهم ونكسهم كناية عن مجادلتهم ومكابرتهم. {مَا هَـٰؤُلاۤءِ} جملة منفية في موضع نصب معلق عنها الفعل الذي هو علمت قال: {أَفَتَعْبُدُونَ} لما ظهرت الحجة له عليهم أخذ يقرعهم ويوبخهم بعبادة تماثيل لا تنفع ولا تضر ثم أبدى لهم التضجر منهم ومن معبوداتهم وتقدم الخلاف في أف في سبحان واللام في لكم لبيان المتأفف به أي لكم وللآلهتكم هذا التأفف ثم نبههم على ما تدرك به حقائق الأشياء وهو العقل فقال: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي قبح ما أنتم عليه وهو استفهام توبيخ وإنكار. {قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ} قالوا حرّقوه أي قال بعضهم لبعض: وقيل أشار بإِحراقه نمرود ولما نبههم على قبيح مرتكبهم واعلمهم بإِقامة الحجة عليهم لاذوا بالإِيذاء له والتعصب لآلهتهم واختاروا أشد العذاب وهو الإِحراق بالنار التي هي سبب للإِعدام المحض قال ابن عطية: روي أن الذي أشار بإِحراقه رجل من الأكراد من أعراب فارس أي باديتها فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة وروي أنهم اتخذوا منجنيقاً قيل بتعليم إبليس، إذ كان لم يصنع فشد إبراهيم رباطاً ووقع في كفه المنجنيق ورمي به فوقع في النار وروي أن جبريل عليه السلام جاءه وهو في الهواء فقاله له: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا وعن ابن عباس إنما نجا إبراهيم عليه السلام بقوله: حسبي الله ونعم الوكيل. {قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي} الآية، لما كانت النار تنفعل لما أراده الله منهما كما ينفعل من يعقل عبر عن ذلك بالقول ها والنداء والأمر. {كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً} المعنى ذات برد وسلام فبولغ في ذلك كان ذاتها برد وسلام. {وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً} قيل هو إلقاؤه في النار. {فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ} أي المبالغين في الخسران وهو إبطال ما راموه به * والضمير في ونجيناه عائد على إبراهيم وضمن معنى أخرجناه بنجاتنا إلى الأرض ولذلك تعدى نجيناه بإِلى ويحتمل أن يكون إلى متعلقاً بمحذوف تقديره منتهياً إلى الأرض فيكون في موضع الحال ولا تضمين في ونجيناه على هذا والأرض التي خرجا منها هي كوثى من أرض العراق والتي صار إليها هي أرض الشام * وبركتها ما فيها من الخصب والأنهار والأشجار وبعث أكثر الأنبياء منها وقيل أرض مصر وبركتها نيلها وزكاة زرعها وعمارة مواضعها وروي أن إبراهيم عليه السلام خرج مهاجراً إلى ربه ومعه لوط وكان ابن أخيه فآمنت به سارة وهي ابنة عمه هازان الأكبر فأخرجها معه فارا بدينه وفي هذه الخرجة لقي الجبار الذي رام أخذها منه فنزل حران ومكث بها زماناً ثم قدم مصر ثم خرج منها إلى الشام فنزل السبع من أرض فلسطين ونزل لوط بالمؤتفكة على مسيرة يوم وليلة من السبع أو أقرب فبعثه الله نبياً * والنافلة العطية وكلا يشمل من ذكر إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب * يهدون بأمرنا يرشدون الناس إلى الدين * وأئمة قدوة لغيرهم وقرىء: أئمة بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإبدالها همزة محضة. {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ} أي خصصناهم بشرف النبوة لأن الإِيحاء هو التنبئة وفعل الخيرات بدأ أولاً في الإِيحاء بعام وهو فعل الخيرات ثم بخاص وهو إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وجاء إقام الصلاة بغير تاء التأنيث والقياس إقامة بالتاء كما تقول أطال إطالة قال ابن عطية: والإِقام مصدر وفي هذا نظر "انتهى" وأي نظر في هذا وقد نص سيبويه على أنه مصدر بمعنى الإِقامة وإن كان الأكثر الإِقامة بالتاء وهو المقيس في مصدر أفعل إذا اعتلت عينه وحسن حذف التاء هنا مقابلته لقوله: وإيتاء بغير تاء التأنيث وانتصب * ولوطاً على الاشتغال تقديره وآتينا لوطاً والحكم النبوة. {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ} أي من عذاب أهل القرية والقرية سدوم وكانت قراهم سبعاً عبر عنها بالواحدة لاتفاق أهلها على الفاحشة ونسب عمل الخبائث إلى القرية مجازاً وهو لأهلها وانتصب الخبائث على معنى يعمل الاعمال أو الفعلات الخبيثة وهي ما ذكره تعالى في غير هذه السورة مضافاً إلى كفرهم بالله وتكذيبهم نبيه. {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ} أي في أهل رحمتنا أو في الجنة سماها رحمة إذ كانت أثر الرحمة ولما ذكر تعالى قصة إبراهيم عليه السلام وهو أبو العرب وتنجيته من أعدائه ذكر قصة أبي العالم الأنس كلهم وهو الأب الثاني لآدم لأنه ليس أحد إلا من نسله من حام وسام ويافث وانتصب. {وَنُوحاً} على إضمار اذكر أي واذكر نوحاً أي قصته إذ نادى ومعنى نادى دعا مجملاً بقوله: {أية : أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ} تفسير : [القمر: 10] ومفصلاً بقوله: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ} تفسير : [نوح: 26] الآيات والكرب أقصى الغم والأخذ بالنفس وهو هنا الغرق عبر عنه بأول أحوال ما يأخذ الغريق. {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} عطفاً على ونوحاً وكان داود ملكاً نبياً يحكم بين الناس فوقعت هذه النازلة وكان ابنه إذ ذاك قد كبر وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم وكانوا يدخلون إلى داود من باب ويخرجون من آخر فتخاصم إليه رجل له زرع وقيل كرم والحارث فعلى أنه كرم رأى أن الغنم تقاوم ما أفسدت من ثمن الغلة وعلى أنه زرع رأى أنها تقاوم الحارث والغلة فخرجا على سليمان فشكى صاحب الغنم فجاء سليمان فقال يا نبي الله إني أرى ما هو أرفق بالجميع أن يأخذ صاحب الغنم الحرث يقوم عليه ويصلحه حتى يعود كما كان ويأخذ صاحب الحرث الغنم في تلك المدة ينتفع بمرافقها من لبن وصوف ونسل فإذا عاد الحرث إلى حاله صرف كل مال صاحبه إليه فرجعت الغنم إلى ربها والحرث إلى ربه فقال داود: وفقت يا بني وقضى بينهما بذلك والنفش رعي الماشية بالليل بغير راع والهمل رعيها بالنهار بغير راع. {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ} المعنى وكنا للحكم الذي صدر في هذه القضية. {شَاهِدِينَ} فالمصدر هنا لا يراد به العلاج بل يراد به وجود الحقيقة والضمير في: {فَفَهَّمْنَاهَا} عائد على الحكومة أو الفتوى. {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ} ذكر ما امتاز به داود عن سليمان والظاهر أن يسبحن جملة من الجبال أي مسبحات والظاهر وقوله التسبيح منها بالنطق خلق الله تعالى فيها الكلام كما سبح الحصى في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع الناس ذلك وانتصب والطير عطفاً على الجبال ولا يلزم من العطف دخوله في قيد التسبيح وقيل هو مفعول معه أي يسجن مع الطير. {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} أي فاعلين هذه الأعاجيب من تسخير الجبال وتسبيحهن والطير لمن نخصه بكرامتنا * قال الزمخشري: فإِن قلت لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإِعجاز لأنها جماد والطير حيوان ناطق "انتهى" قوله: حيوان ناطق إن عني به أنه ذو نفس ناطقة كما يقولون في حد الإِنسان أنه حيوان ناطق فيلزم أن يكون الطير إنساناً وإن عني به أنه متكلم كما يتكلم الإِنسان فليس بصحيح وإنما عني به أنه مصوت أي له صوت ووصف الطير بالنطق مجاز لأنها في الحقيقة لا نطق لها. {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ} اللبوس الملبوس فعول بمعنى مفعول كالركوب بمعنى المركوب وهو الدرع هنا واللبوس ما يلبس وقال الشاعر: شعر : عليها أسود ضاريات لبوسهم سوابغ بيض لا يخرقها النبل تفسير : امتن تعالى عليه بإِيتائه حكماً وعلماً وتسخير الجبال والطير معه وتعليم صنعة اللبوس وفي ذلك فضل هذه الصنعة إذ اسند تعالى تعليمها إياه إليه ثم امتن علينا بها بقوله: {لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ} أي ليكون وقاية لكم في حربكم وسبب نجاة من عدوكم وقرىء: بالنون والياء والتاء فالنون ضمير الله والتاء عائد على الدروع والياء على اللبوس. {فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} استفهام يتضمن الأمر أي اشكروا الله على ما أنعم به عليكم لقوله تعالى: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}تفسير : [المائدة: 91]، أي: انتهوا عما حرم الله ولما ذكر تعالى ما خص به نبيه داود ذكر ما خص به ابنه سليمان فقال: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ} وجاء التركيب هنا حين ذكر تسخير الريح لسليمان باللام وحين ذكر تسخير الجبال جاء بلفظ مع فقال: وسخرنا مع داود الجبال وكذا يا جبال أوبي معه وقال فسخرنا له الريح تجري بأمره وذلك أنه لما اشتركا في التسبيح ناسب ذكر مع الدالة على الاستصعاب ولما كانت الريح مسخرة لسليمان أضيفت إليه بلام التمليك لأنها في طاعته وتحت أمره. و{عَاصِفَةً} حال العامل فيها سخرنا، ويقال: عصفت الريح فهي عاصف وعاصفة ولغة أسد أعصفت فهي معصفة ومعصف ووصفت هذه الريح بالعصف وبالرخاء والعصف الشدة في السير والرخاء اللين وقيل: كان ذلك بالنسبة إلى الوقت الذي يريد فيه سليمان أحد الوصفين فلم يتخذ الزمان وقيل الجمع بين الوصفين كونهما رخاء في نفسها طيبة كالنسيم عاصفة في عملها تبعد في مدة يسيرة كما قال عدوها شهر وردفها شهر وقيل الرخاء في البداءة والعصف بعد ذلك ولما ذكر تعالى تسخير الريح له وهي جسم شفاف لا يعقل ولا يدرك بالبصر ذكر تسخير الشياطين له وهم أجسام لطيفة تعقل والجامع بينهما أيضاً سرعة الانتقال ألا ترى إلى قوله: {أية : قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ} تفسير : [النمل: 39] ومن في موضع نصب أي وسخرنا من الشياطين من يغوصون أو في موضع رفع على الابتداء والخبر في الجار والمجرور قبله وجمع الضمير في يغوصون حملاً على معنى من وحسن ذلك تقدم جمع قبله ومعنى يغوصون أي في البحار لاستخراج اللآلىء ودل الغوص على المغاص فيه وعلى ما يغاص لاستحزابه وهو الجوهر ومعنى له أي لسليمان لأن الغائص قد يغوص لنفسه ولغيره فذكر أن الغوص ليس لأنفسهم إنما هو لأجل سليمان وامتثالهم أمره والإِشارة بذلك إلى الغوص أي دون الغوص من بناء المدائن والقصور وغير ذلك كما قال تعالى: {أية : يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ}تفسير : [سبأ: 13] الآية، وقيل الحمام والنورة والطاحون والقوارير والصابون من استخراجهم. {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} أي من أن يزيغوا عن أمره أو يبدلوا أو يغيروا أو يوجد منهم فساد فيما هم فيه مسخرون. {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} الآية روي أن أيوب كان رومياً من ولد إسحاق بن يعقوب استنبأه الله وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله فابتلاه الله بالمرض في بدنه. {وَذَا ٱلْكِفْلِ} قيل كان عبداً صالحاً ولم يكن نبياً * وقال الأكثرون هو نبي. {وَذَا ٱلنُّونِ} النون الحوت وذا بمعنى صاحب كما قال تعالى: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ}تفسير : [القلم: 1] وانتصب. {مُغَاضِباً} على الحال فقيل معناه غضباناً وقيل مغاضباً لقومه أغضبهم بمفارقته وتخوفهم حلول العذاب وأغضبوه حين دعاهم إلى الله مدة فلم يجيبوه فأوعدهم بالعذاب ثم خرج من بينهم على عادة الأنبياء عند نزول العذاب قبل أن يأذن الله له في الخروج. {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} أي نضيق عليه من القدر لا من القدرة. {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} في الكلام جمل محذوفة قد أوضحت في والصافات وجمع الظلمات لشدة تكاثفها فإِنها ظلمة مع ظلمة وقيل ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل وروي أن يونس عليه السلام سجد سجدة في بطن الحوت حين سمع تسبيح الحيتان في قعر الماء. {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ} أن تفسيرية لأنه سبق فنادى وهو فيه معنى القول ويجوز أن يكون التقدير بأنه فتكون مخففة من الثقيلة حصر الألوهية فيه تعالى ثم نزهه عن سمات النقص ثم أقر بما بعد ذلك وعن النبي صلى الله عليه وسلم ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له. و{ٱلْغَمِّ} ما كان ناله حين التقمه الحوت ومدة بقائه في بطنه. {وَزَكَرِيَّآ} تقدم الكلام عليه في آل عمران. {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} روي أنها كانت سيئة الخلق فحسن الله خلقها والضمير في أنهم عائد على زكريا ويحيى والزوجة. {رَغَباً وَرَهَباً} أي وقت الرغبة والرهبة. {وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} هي مريم بنت عمران أم عيسى عليه السلام والظاهر أن الفرج هنا حياء المرأة أحصنته أي منعته من الحلال والحرام وقيل الفرج أيضاً جيب قميصها وأضاف الروح إليه تعالى على جهة التشريف وأفرد آية لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة وهي ولادة مريم عيسى عليه السلام من غير فعل وإن كان في مريم آيات وفي عيسى آيات لكنه هنا لحظ أمر الولادة من غير ذكر وذلك هو آية واحدة * قال الزمخشري: فإِن قلت نفخ الروح في الجسد عبارة عن إحيائه قال الله تعالى: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر: 29، ص: 72] أي أحييته وإذا ثبت ذلك كان قوله: ونفخنا فيها من روحنا ظاهر الاشكال لأنه يدل على إحياء مريم * قلت: معناه نفخنا الروح في عيسى فيها أي أحييناه في جوفها ونحو ذلك أن يقول الزمار نفخت في بيت فلان أي نفخت في المزمار في بيته "انتهى" لا اشكال في ذلك لأنه على حذف مضاف أي: فنفخنا في ابنها روحنا وقوله: قلت: معناه نفخنا الروح في عيسى فيها استعمل نفخ متعدياً والمحفوظ أنه لا يتعدى فيحتاج في تعديته إلى سماع وغير متعد استعمله هو في قوله: نفخت في المزمار في بيته وقوله: للعالمين أي لمن اعتبر بها من عالمي زمانهم فمن بعدهم وناسب ذكر قصة زكريا وزوجه ويحيى للقرابة التي بينهم قال الشاعر: شعر : ألا رب مولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان تفسير : يريد عيسى وآدم صلى الله عليهما وسلم.