Verse. 2541 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

فَجَــعَلَہُمْ جُذٰذًا اِلَّا كَبِيْرًا لَّہُمْ لَعَلَّہُمْ اِلَيْہِ يَرْجِعُوْنَ۝۵۸
FajaAAalahum juthathan illa kabeeran lahum laAAallahum ilayhi yarjiAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فجعلهم» بعد ذهابهم إلى مجتمعهم في يوم عيد لهم «جُذاذاً» بضم الجيم وكسرها: فتاتاً بفأس «إلا كبيراً لهم» علق الفأس في عنقه «لعلهم إليه» أي إلى الكبير «يرجعون» فيرون ما فعل بغيره.

58

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً } قطاعاً فعال بمعنى مفعول كالحطام من الجذ وهو القطع. وقرأ الكسائي بالكسر وهو لغة، أو جمع جذيذ كخفاف وخفيف. وقرىء بالفتح و {جذذاً} جمع جذيذ وجذذاً جمع جذة. {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ} للأصنام كسر غيره واستبقاه وجعل الفأس على عنقه. {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} لأنه غلب على ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه لتفرده واشتهاره بعداوة آلهتهم فيحاجهم بقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } فيحجهم، أو أنهم يرجعون إلى الكبير فيسألونه عن كاسرها إذ من شأن المعبود أن يرجع إليه في حل العقد فيبكتهم بذلك، أو إلى الله أي {يَرْجِعُونَ} إلى توحيده عند تحققهم عجز آلهتهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَجَعَلَهُمْ } بعد ذهابهم إلى مجتمعهم في يوم عيدٍ لهم {جُذَاذاً } بضم الجيم وكسرها: فتاتاً بفأس {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ } علّق الفأس في عنقه {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ } أي إلى الكبير {يَرْجِعُونَ } فيروا ما فُعِلَ بغيره.

ابن عبد السلام

تفسير : {جُذَاذاً} حُطاماً "ع"، جِذاذاً: قِطعاً مقطوعة، قال الضحاك: هو أن يأخذ من كل عضوين عضواً ويدع عضوا. من الجذ وهو القطع.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {فجعلهم جذاذاً} أي كسراً وقطعاً {إلا كبيراً لهم} أي تركه ولم يكسره ووضع الفأس في عنقه، ثم خرج وقيل ربطه على يده وكانت اثنين وسبعين صنماً بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد وبعضها من نحاس ورصاص وحجر وخشب وكان الصنم الكبير من الذهب مكللاً بالجواهر في عينيه ياقوتتان تتقدان وقوله {لعلهم إليه يرجعون} قيل معناه يرجعون إلى إبراهيم وإلى دينه وما يدعوهم إليه, إذا علموا ضعف الآلهة وعجزها, وقيل معناه لعلهم يرجعون إلى الصنم فيسألونه ما لهؤلاء تكسروا وأنت صحيح والفأس في عنقك، فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوا أصنام مكسرة {قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين} أي في تكسيرها واجترائه عليها {قالوا سمعنا فتى يذكرهم} أي يسبهم ويعيبهم {يقال له إبراهيم} أي هو الذي نظن أنه صنع هذا فبلغ ذلك نمرود الجبار وأشراف قومه {قالوا فأتوا به على أعين الناس} أي جيئوا به ظاهراً بمرأى الناس وإنما قاله نمرود {لعلهم يشهدون} أي عليه بأنه الذي فعل ذلك كرهوا أن يأخذوه بغير بينة وقيل معناه لعلهم يحضرون عذابه وما يصنع به فلما أتوا به {قالوا} له {أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال} يعني إبراهيم {بل فعله كبيرهم هذا} غضب أن تعبدون معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهن وأراد إبراهيم بذلك إقامة الحجة عليهم فذلك قوله {فاسألوهم إن كانوا ينطقون} أي حتى يخبروا بمن فعل ذلك بهم، وقيل: معناه إن قدروا على النطق قدروا على الفعل فأراهم عجزهم عن النطق وفي ضمنه أنا فعلت ذلك (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله قوله إني سقيم وقوله: فعله كبيرهم هذا، وقوله لسارة: هذه أختي"تفسير : لفظ الترمذي قيل في قوله إني سقيم أي: سأسقم وقيل: سقيم القلب مغتم بضلالتكم. وأما قوله بل فعله كبيرهم هذا فإنه علق خبره بشرط نطقه كأنه قال: إن كان ينطق فهو على طريق التبكيت لقومه وقوله لسارة: هذه أختي، أي في الدين والإيمان قال الله تعالى: {أية : إنما المؤمنون إخوة}تفسير : [الحجرات: 10] فكل هذه الألفاظ صدق في نفسها ليس فيها كذب. فإن قلت: قد سماها النبي صلى الله عليه وسلم كذبات بقوله: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات وقال في حديث الشفاعة ويذكر كذباته. قلت: معناه أنه لم يتكلم بكلام صورته صورة الكذب، وإن كان حقاً في الباطن إلا هذه الكلمات ولما كان مفهوم ظاهرها خلاف باطنها أشفق إبراهيم عليه الصلاة والسلام منها بمؤاخذته بها قال البغوي: وهذه التأويلات لنفي الكذب عن إبراهيم والأولى هو الأول للحديث، ويجوز أن يكون الله أذن له في ذلك لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم، كما أذن ليوسف حين أمر مناديه فقال: أيتها العير إنكم لسارقون ولم يكونوا سرقوا قال الإمام فخر الدين الرازي: وهذا القول مرغوب عنه، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذب لمصلحة ويأذن الله فيه فلنجوز هذا الاحتمال في كل ما أخبر الأنبياء عنه، وذلك يبطل الوثوق بالشرائع ويطرق التهمة إلى كلها، الحديث محمول على المعاريض، فإنه فيها مندوحة عن الكذب. وقوله: {فرجعوا إلى أنفسهم} يعني تفكروا بقلوبهم ورجعوا إلى عقولهم {فقالوا} ما نراه إلا كما قال {إنكم أنتم الظالمون} يعني بعبادتكم ما لا يتكلم وقيل معناه أنتم الظالمون لهذا الرجل في سؤالكم إياه، وهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها {ثم نكسوا على رؤوسهم} قال أهل التفسير أجرى الله الحق على ألسنتهم في القول الأول وهو إقرارهم على أنفسهم بالظلم ثم أدركتهم الشقاوة فرجعوا إلى حالهم الأولى وهو قوله: ثم نكسوا على رؤوسهم أي ردوا إلى الكفر وقالوا {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} يعني فكيف نسألهم، فلما اتجهت الحجة لإبراهيم عليهم {قال} لهم {أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً} يعني إن عبدتموه {ولا يضركم} يعني إن تركتم عبادته {أف لكم} يعني تباً لكم {ولما تعبدون من دون الله} والمعنى أنه حقرهم وحقر معبودهم {أفلا تعقلون} يعني أليس لكم عقل تعقلون به أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة؟ فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب {قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم} يعني أنكم لا تنصرونها إلا بتحريق إبراهيم لأنه يعيبها ويطعن فيها {إن كنتم فاعلين} يعني ناصرين آلهتكم. قال ابن عمر: الذي قال هذا رجل من الأكراد قيل اسمه هيزن فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقيل: قاله نمرود بن كنعان بن سنحاريب بن نمرود بن كوش بن حام بن نوح. ذكر القصة في ذلك فلما اجتمع نمرود وقومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بنياناً كالحظيرة بقرية يقال لها كوثى ثم جمعوا له صلاب الحطب وأصناف الخشب مدة شهر حتى كان الرجل يمرض فيقول: لئن عوفيت لأجمعن حطباً لإبراهيم وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته لتحتطبن في نار إبراهيم، وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها احتساباً في دينها، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب من ماله لإبراهيم، فلما جمعوا ما أرادوا أشعلوا في كل ناحية من الحطب ناراً فاشتعلت النار واشتدت حتى إن الطير ليمر بها فتحرق من شدة وهجها وحرها، فأوقدوا عليها سبعة أيام، فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم لم يعلموا كيف يلقونه، فقيل إن إبليس جاء وعلمهم عمل المنجنيق فعملوه ثم عمدوا إلى إبراهيم فقيدوه ورفعوه على رأس البنيان ووضعوه في المنجنيق مقيداً مغلولاً، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين صيحة واحدة: أي ربنا إبراهيم خليلك يلقى في النار وليس في أرضك أحد يعبدك غيره، فأذن لنا في نصرته فقال الله تعالى: إنه خليلي ليس لي خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري فإن استغاث بأحد منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري، فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه، فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه وقال: إن أردت أخمدت النار، وأتاه خازن الهواء وقال: إن شئت طيرت النار في الهواء فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل. وروي عن أبي بن كعب أن إبراهيم قال حين أوثقوه في النار: لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، ثم رموا به في المنجنيق إلى النار، فاستقبله جبريل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة قال: أما إليك فلا قال جبريل فاسأل ربك فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي (خ) عن ابن عباس في قوله تعالى: {أية : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}تفسير : [آل عمران: 173] قال: قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين {أية : قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم}تفسير : [آل عمران: 173] قال كعب الأحبار: جعل كل شيء يطفىء عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ في النار (ق) عن أم شريك "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أمر بقتل الأوزاغ ـ زاد البخاري ـ وقال كان ينفخ على إبراهيم" "

اسماعيل حقي

تفسير : {فجعلهم} الفاء فصيحة اى فولوا فجعلهم {جذاذا} قطاعا فعال بمعنى المفعول من الجذ الذى هو القطع كالحطام من الحكم الذى هو الكسر. قال فى القاموس الجذ القطع المستأصل والكسر والاسم الجذاذ مثلثة انتهى {الا كبيرا لهم} استثناء من مفعول قوله فجعلهم ولهم صفة لكبيرا والضمير للاصنام اى لم يكسر الكبير وتركه على حاله وعلق الفأس فى عنقه وكبره فى التعظيم او فى الجثة او فيهما {لعلهم اليه} الى الكبير وتقديم الظرف للاختصاص او لمجرد الاهتمام مع رعاية الفاصلة {يرجعون} فيسألون عن كاسرها لان من شأن المعبود ان يرجع اليه فى حل المشكل فيستجهلهم ويبكتهم بذلك كذا فى بحر العلوم او الى ابراهيم يرجعون لاشتهاره بانكار دينهم وسب آلهتهم وعداوتهم فحاججهم بقوله بل فعله كبيره فيحجهم ويبكتهم كما فى الارشاد وغيره - روى - ان آزر خرج به فى يوم عيد لهم فبدأوا ببيت الاصنام فدخلوه فسجدوا لها ووضعوا بينها طعاما وخبزا جاؤا به معهم وقالوا الآن ترجع بركة الآلهة على طعامنا فذهبوا وبقى ابراهيم فنظر الى الاصنام فقال مستهزئا بهم مالكم لا تنطقون ما لكم لا تأكلون ثم التفت فاذا بفأس معلق فتناوله فكسر الكل ولم يبق الا الكبير وعلق الفأس فى عنقه واراق تلك الاطعمة ورجع الى منزله. قال الامام فان قيل ان كان القوم عقلاء فقد علموا بالضرورة انها لا تسمع ولا تضر ولا تنفع فما الحاجة الى كسرها غايته انهم كانوا يعظمونها كما نعظم نحن المصحف والمحراب والكسر لا يقدح فيه وان لم يكونوا عقلاء لم تحسن المناظرة معهم ولا بعث الرسل اليهم والجواب انهم كانوا عقلاء عالمين انها لا تضر ولا تنفع لكنهم ربما اعتقدوا انها تماثيل الكواكب وطلسمات من عبدها ينتفع بها ومن استخف بها ناله ضرر ثم ان ابراهيم كسرها ولم ينله ضرر فدل على فساد مذهبهم. وفى الآية اشارة الى ان الانسان اذا وكل الى نفسه وطبعه ينحت من هوى نفسه اصناما كما كان ابو ابراهيم آزر ينحت الاصنام واذا ادركته العناية الازلية وايد بالتأييدات الآلهية بكسر اصنام الهوى ويجعلها جذاذا فضلا عن نحتها كما كان حال ابراهيم كان يكسر من الاصنام ما ينحت ابوه واذا كان المرء من اهل الخذلان يرى الحق باطلا والباطل حقا كما كان قوم نمرود: وقال الخجندى شعر : بشكن بت غروركه دردين عاشقان يك بت كه بشكنند به ازصد عبادتست

الجنابذي

تفسير : {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً} الجذاذ بتثليث الجيم اسم من الجذّ بمعنى القطع والاستيصال وقرئ ههنا بالضّمّ والكسر {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ} فى الخلقة او فى التّعظيم وعلّق الفاس فى عنقه وخرج {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ} اى الى ابراهيم او الى الكبير {يَرْجِعُونَ} فيسألون ابراهيم عن حال الاصنام وكسرهنّ ولينبّههم على جهلهم بذلك او يسألون الكبير فيتنبّهون انّه ليس قابلاً للسّؤال فضلاً عن العبادة.

الأعقم

تفسير : {فجعلهم جذاذاً} قطعاً من الجذ وهو القطع {إلاَّ كبيراً لهم} وإنما استثنى الكبير لأنه غلب على ظنِّه أنهم لا يرجعون إلا إليه لما تسامعوه من إنكارهم لدينهم وسنَّة لآلهتهم، ومعنى هذا {لعلّهم إليه يرجعون} إلى إبراهيم فسألوه ليبين لهم بطلانهم، وقيل: إلى الكبير فيسألونه وهو لا ينطق فيعلمون ضعفها، فلما رجعوا من عيدهم مروا ببيت آلهتهم فيقولون: ما لهؤلاء مكسرة؟ وما لك صحيحاً؟ والفأس على عاتقك؟! قال: هذا بناء على ظنه بهم لما خرب وذاق من مكابرتهم لعقولهم واعتقادهم في آلهتهم وتعظيمهم لها، وقوله تعالى: علمه أنهم لا يرجعون إليه استهزاء بهم {قالوا من فعل هذا بآلهتنا} يعني خاطب بعضهم بعضاً بذلك {إنه لمن الظالمين}، قيل: نسبوه إلى الظلم، وقيل الظالم لنفسه {قالوا} يعني الذين سمعوا إبراهيم وهو يقول لأكيدنّ أصنامكم {قالوا} يعني قوم إبراهيم {فأتوا به على أعين الناس} يعني فأتوا به بإبراهيم حيث يجتمعون {لعلَّهم يشهدون} ما قاله شهادة تكون حجة عليه، وقيل: لعلهم يشهدون عقابه وما يصنع به {قالوا أأنت فعلت} في الكلام حذف أي أتوا به ثم قالوا أنت فعلت {هذا بآلهتنا يا إبراهيم}؟ فأجاب: {فقال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون}، قيل: مفيد بقوله: {إن كانوا ينطقون} يعني إن قدروا على النطق قدروا على الفعل أو على ما قاله جار الله: استهزاء بهم، ومتى قيل: لم قال فاسألوهم ولم يقل فاسألوه وإنما أراد الكبير؟ قالوا: لأنه كان مُبْهَم كالأمير عندهم يعظمونه فخاطب بلفظ العظماء استهزاء بهم، وقيل: أراد فاسألوهم بأجمعهم {فرجعوا إلى أنفسهم} أوموا بينهم رجع بعضهم إلى بعض وقالوا: {إنكم أنتم الظالمون} حيث لم تحفظوا الآلهة، وقيل: أنتم الظالمون لأنفسكم حيث تعبدون ما لا ينفع نفسه، وقيل: أنتم الظالمون في سؤالكم إياه لو قدر على الجواب لقدر على الدفع عن نفسه ولما قدر على كسرها، وقيل: عرفوا صدقه وعاندوا {ثم نكسوا على رؤوسهم} قيل: تحيروا فنكسوا لأجلها رؤوسهم إذ علموا أنها لا تنطق، وقيل: اتخذوا في المجادلة بالباطل والمكابرة، ثم اعترفوا بما هو حجة عليهم فقالوا: {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} يعني الأوثان فكيف تسألوهم وهم لا ينطقون {قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم} {أُفٍّ لكم} صوّت إذا صوّت به علم أن صاحبه متضجر {ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} ان عبادة ما لا ينفع ولا يعقل.

اطفيش

تفسير : {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} وقرأ الكسائى بكسر الجيم، وهو مصدر على وزن فُِعال، بضم الفاء وكسرها، بمعنى مجذوذة، أى مقطوعة، أو يقدر مضاف، أى ذوى قطع، أى مقطوعين، وهم بمنزلة العقلاء. وأخبر أنهم نفس القطع. والضم والكسر لغتان، واللفظان جمعًا جذيذ. وقرئ بالفتح مصدرا، أو جمع جذيذ. وقرئ جذذ، بضم الجيم وفتح الذال وإسقاط الألف، جمع جذيذ. وقرئ بضمهما، جمع جذيذ، أو جذة بضم الجيم. {إلاّ كَبِيرًا} صنما كبيرا، تركه بلا كسر، وعلق الفأس التى كسر الأصنام بها فى عنقه. قيل: علقه بيده اليمنى. {لَهُمْ} أو هو نعت كبير، أو نعت ثان، من محذوف. وفائدته على النعتية الإشعار بأن كبره إنما يثبت لهم لا لنا، فإنه عندنا أهون شيئا، وكلما عظمت جثته وهيئته، زاد بغضا وإهانة عندنا. وكان عندهم عظيم الجثة والمنزلة، صاغوه من ذهب، وجعلوا فى عينيه جوهرتين، مضيئتين ليلا ونهارًا، وكللوا سائره بالجواهر، وسائر الأصنام بعضها من ذهب، وبعضها من فضة، وبعض من حديد، وبعض من نحاس، وبعض من رصاص، وبعض من حجر، وبعض من خشب. {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ} إلى مكسوره. {يَرْجِعُونَ} كما يرجع إلى من عظم شأنه فى الأمور المعضلة، فيقولون له: ما لهؤلاء مكسورةً ومالَكَ صحيحًا، والفأس فى عنقك أو يدك، فإنه - عليه السلام - قد علم أنهم يعظمون آلهتهم، ولا سيما هذا ويعتقدون لها أباطيل. وفائدة رجوعهم إليه: أن يتبين أنه لا يضر ولا ينفع، وأنهم فى عبادته على جهل عظيم. وقال ذلك وهو عالم بأنهم لا يرجعون إليه استهزاءً بهم، واستجهالا؛ فإن قياس من سجد له، أن يرجع إليه فى إزالة الأمور المعضلة. والضمير لإبراهيم؛ لأنه غلب على ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه؛ لتفرده بعداوة آلهتهم واشتهاره بعداوتها. وفائدة رجوعهم إليه أن يفجعهم بقوله: {أية : بل فعلهم كبيرهم هذا} تفسير : والأول عندى أظهر، و الثانى عند الثعالبى أظهر. ويجوز عود الضمير إلى الله عز وجل، أى لعلهم يرجعون إلى توحيد الله ودينه إذا رأوا أن الأصنام لا تنفع ولا تضر، ولا تدفع عن نفسها.

الالوسي

تفسير : الفاء في قوله تعالى: {فَجَعَلَهُمْ} فصيحة أي فولوا فأتى إبراهيم عليه السلام الأصنام فجعلهم {جُذَاذاً} أي قطعاً فعال بمعنى مفعول من الجذ الذي هو القطع، قال الشاعر: شعر : بنو المهلب جذ الله دابرهم أمسوا رماداً فلا أصل ولا طرف تفسير : فهو كالحطام من الحطم الذي هو الكسر، وقرأ الكسائي وابن محيصن وابن مقسم وأبو حيوة وحميد / والأعمش في رواية {جذاذاً} بكسر الجيم، وابن عباس وابن نهيك وأبو السمال {جذاذاً} بالفتح، والضم قراءة الجمهور، وهي كما روى ابن جني عن أبـي حاتم لغات أجودها الضم؛ ونص قطرب أنه في لغات أجودها الضم؛ ونص قطرب أنه في لغاته الثلاث مصدر لا يثنى ولا يجمع، وقال اليزيدي: جذاذاً بالضم جمع جذاذة كزجاج وزجاجة، وقيل: بالكسر جمع جذيذ ككريم وكرام، وقيل: هو بالفتح مصدر كالحصاد بمعنى المحصود. وقرأ يحيـى بن وثابت {جذاذاً} بضمتين جمع جذيذ كسرير وسرر، وقرىء {جذذاً} بضم ففتح جمع جذة كقبة وقبب أو مخفف فعل بضمتين. روي أن آزر خرج به في عيد لهم فبدؤا ببيت الأصنام فدخلوه فسجدوا لها ووضعوا بينها طعاماً خرجوا به معهم وقالوا إلى أن نرجع بركت الآلهة على طعامنا فذهبوا فلما كان إبراهيم عليه السلام في الطريق ثنى عزمه عن المسير معهم فقعد وقال { أية : إِنِّي سَقِيمٌ } تفسير : [الصافات:89] فدخل على الأصنام وهي مصطفة وثم صنم عظيم مستقبل الباب وكان من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل فكسر الكل بفأس كان في يده ولم يبق إلا الكبير وعلق الفأس في عنقه، وقيل: في يده وذلك قوله تعالى: {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ} أي الأصنام كما هو الظاهر مما سيأتي إن شاء الله تعالى. وضمير العقلاء هنا وفيما مر على زعم الكفرة، والكبر إما في المنزلة على زعمهم أيضاً أو في الجثة، وقال أبو حيان: يحتمل أن يكون الضمير للعبدة، قيل: ويؤيده أنه لو كان للأصنام لقيل إلا كبيرهم. {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} استئناف لبيان وجه الكسر واستبقاء الكبير، وضمير {إِلَيْهِ} عند الجمهور عائد على إبراهيم عليه السلام أي لعلهم يرجعون إلى إبراهيم عليه السلام لا إلى غيره فيحاجهم ويبكتهم بما سيأتي من الجواب إن شاء الله تعالى، وقيل: الضمير لله تعالى أي لعلهم يرجعون إلى الله تعالى وتوحيده حين يسألونه عليه السلام فيجيبهم، ويظهر عجز آلهتهم ويعلم من هذا أن قوله سبحانه: {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ} ليس أجنبياً في البين على هذا القول كما توهم نعم لا يخفى بعده. وعن الكلبـي أن الضمير للكبير أي لعلهم يرجعون إلى الكبير كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون له ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحاً والفأس في عنقك أو في يدك؟ وحينئذ يتبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا يضر ويظهر أنهم في عبادته على جهل عظيم، وكأن هذا بناء على ظنه عليه السلام بهم لما جرب وذاق من مكابرتهم لعقولهم واعتقادهم في آلهتهم وتعظيمهم لها. ويحتمل أنه عليه السلام يعلم أنهم لا يرجعون إليه لكن ذلك من باب الاستهزاء والاستجهال واعتبار حال الكبير عندهم فإن قياس حال من يسجد له ويؤهل للعبادة أن يرجع إليه في حل المشكل، وعلى الاحتمالين لا إشكال في دخول لعل في الكلام، ولعل هذا الوجه أسرع الأوجه تبادراً لكن جمهور المفسرين على الأول، والجار والمجرور متعلق بيرجعون، والتقديم للحصر على الأوجه الثلاثة على ماقيل، وقيل: هو متعين لذلك في الوجه الأول وغير متعين له في الأخيرين بل يجوز أن يكون لأداء حق الفاصلة فتأمل. وقد يستأنس بفعل إبراهيم عليه السلام من كسر الأصنام لمن قال من أصحابنا إنه لا ضمان على من كسر ما يعمل من الفخار مثلاً من الصور ليلعب به الصبيان ونحوهم وهو القول المشهور عند الجمهور.

ابن عاشور

تفسير : الضميران البارزان في {جعلهم} وفي {لهم} عائدان إلى الأصنام بتنزيلها منزلة العاقل، وضمير {لعلهم} عائد إلى قوم إبراهيم، والقرينة تصرف الضمائر المتماثلة إلى مصارفها مثل ضميري الجمع في قوله تعالى {أية : وعمروها أكثر مما عمروها}تفسير : [الروم: 9]. والجُذاذ ــــ بضم الجيم ــــ في قراءة الجمهور: اسم جمع جُذاذة، وهي فُعالة من الجذّ، وهو القطع مثل قُلامة وكُناسة، أي كسرهم وجعلهم قطعاً. وقرأ الكسائي {جِذاذاً} ــــ بكسر الجيم ــــ على أنه مصدر، فهو من الإخبار بالمصدر للمبالغة. قيل: كانت الأصنام سبعين صنماً مصطفة ومعها صنم عظيم وكان هو مقابل باب بيت الأصنام، وبعد أن كسرها جعل الفأس في رقبة الصنم الأكبر استهزاء بهم. ومعنى {لعلهم إليه يرجعون} رجاء أن يرجع الأقوام إلى استشارة الصنم الأكبر ليخبرهم بمن كسر بقية الأصنام لأنه يعلم أن جهلهم يطمعهم في استشارة الصنم الكبير. ولعل المراد استشارة سدنته ليخبروهم بما يتلقونه من وحيه المزعوم. وضمير {لهم}عائد إلى الأصنام من قوله {أية : أصنامكم}تفسير : [الأنبياء: 57]. وأجري على الأصنام ضمير جمع العقلاء محاكاة لمعنى كلام إبراهيم لأن قومه يحسبون الأصنام عقلاء، ومثله ضمائر قوله بعده {أية : بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون}تفسير : [الأنبياء: 63]. وهذا العمل الذي عمله إبراهيم عمله بعد أن جادل أباه وقومه في عبادة الأصنام والكواكب ورأى جماحهم عن الحجة الواضحة كما ذكر في سورة الأنعام. وقول قومه {من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين} يدل على أنهم لم يخطر ببالهم أن يكون كبير الآلهة فَعل ذلك، وهؤلاء القوم هم فريق لم يسمع توعد إبراهيم إياهم بأن يكيد أصنامهم والذين {قالوا سمعنا فتى يذكرهم} هم الذين توعد إبراهيم الأصنام بمسمع منهم. والفتى: الذكر الذي قوي شبابه. ويكون من الناس ومن الإبل. والأنثى: فتاة، وقد يطلقونه صفة مدح دالة على استكمال خصال الرجل المحمودة. والذكر: التحدث بالكلام. وحذف متعلق «يذكر» لدلالة القرينة عليه، أي يذكرهم بتوعد. وهذا كقوله تعالى: {أية : أهذا الذي يذكر آلهتكم}تفسير : [الأنبياء: 36] كما تقدم. وموضع جملتي {يذكرهم}و{يقال له}في موضع الصفة لــــ {فتىً}. وفي قولهم يقال له إبراهيم} دلالة على أن المنتصبين للبحث في القضية لم يكونوا يعرفون إبراهيم، أو أن الشهداء أرادوا تحقيره بأنه مجهول لا يعرف وإنما يُدعى أو يسمى إبراهيم، أي ليس هو من الناس المعروفين. ورُفع {إبراهيمُ}على أنه نائب فاعللِ {يُقال}، لأن فعل القول إذا بني إلى المجهول كثيراً ما يضمن معنى الدعوة أو التسمية، فلذلك حصلت الفائدة من تعديته إلى المفرد البحت وإن كان شأن فعل القول أن لا يتعدّى إلا إلى الجملة أو إلى مفرد فيه معنى الجملة مثل قوله تعالى: {أية : كلا إنها كلمة هو قائلها} تفسير : [المؤمنون: 100]. ومعنى {على أعين الناس} على مشاهدة الناس، فاستعير حرف الاستعلاء لتمكن البصر فيه حتى كأنّ المرئي مظروف في الأعين. ومعنى {يشهدون}لعلهم يشهدون عليه بأنه الذي توعد الأصنام بالكيد.

د. أسعد حومد

تفسير : {جُذَاذاً} (58) - فَلَمَّا ابْتَعَدُوا عَنْهُ، عَادَ إِبْرَاهِيمُ إِلى الأَصْنَامِ يُحَطِّمُهَا، حَتَّى تَرَكَها حُطَاماً {جُذَاذاً}، وَلَمْ يَتْرُكْ إِلاَّ الصَّنَمَ الأَكْبَرَ عِنْدَهُمْ، وَتَرَكَ الفَأْسَ قُرْبَهُ، لَعَلَّ القَوْمَ يَتَّهِمُونَه بِأَنَّه هُوَ الذي قَامَ بِتَحْطِيمِ الأَصْنَامِ الصَّغِيرَةِ، غَيْرَةً مِنْهُ أَنْ يَعْبُدَهَا القومُ مَعَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونلحظ هنا أن السياق القرآني يحذف ما يُفهم من الكلام، كما في قصة سليمان - عليه السلام - والهدهد: {أية : ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} تفسير : [النمل: 28] وحَذْف ما كان من الهدهد ورحلته إلى بلقيس، وإلقائه الكتابَ إليها، وأنها أخذتْه وعرضتْه على مستشاريها: {أية : قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} تفسير : [النمل: 29]. ومعنى {جُذَاذاً ..} [الأنبياء: 58] أي: قطَعاً متناثرة وحطاماً، بعد أنْ كانت هياكل مجتمعة {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ ..} [الأنبياء: 58] أي: أنه تركه فلم يحطمه، وقد كانوا يضعون الأصنام على هيئة خاصة و (ديكور)، بحيث يكون الكبير في الوسط، وحوله الأصنام الصغيرة يعني: كأن له سيطرةً عليهم ومنزلة بينهم، وكانوا يضعون في عينه الزبرجد، حتى يُخيَّل لمَنْ يراه أنه ينظر إليه. وقوله: {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 58] فيسألونه عَمَّا حدث لأولاده الآلهة الصغار، ولماذا لم يدافع عنهم خاصةً وقد وجدوا الفأْس على كتفه؟

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً} معناه قِطعٌ.

الجيلاني

تفسير : ثم لما ذهبوا إلى معبدهم دخل إبراهيم كنيستهم ومعبدهم التي فيها أصنامهم وأوثانهم {فَجَعَلَهُمْ} كلها {جُذَاذاً} قطعاً منكسرة وأجزاء متلاشية {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ} يعني: لم يكسر الصنم الكبير من الأصنام فقط؛ ليكون سبباً لإلزامهم، وإفحامهم لدى الحاجة {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ} أي: إلى الصنم الكبير {يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 58] أي: يراجعون له ويستفسرون منه عن كسر الأصنام؛ لأنهم اعقدوه أعظم الآلهة، والإله لا بدَّ أن يجيب لهم جميع حوائجهم وحاجاتهم. ثم لما رجعوا من معبدهم ودخلو إلى معابدهم وكنائسهم للعبادة والتقرب نحو الآلهة، وجدوها مجذوذة منكسرة متفرقة الأجزاء {قَالُواْ} من فرط حزنهم وأسفهم مستبعدين مستحسرين: {مَن فَعَلَ هَـٰذَا} الفعل الفظيع والأمر الفجيع {بِآلِهَتِنَآ} ومعبوداتنا {إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 59] الخارجين عن شعائر ديننا الجاحدين لآلهتهم. {قَالُواْ} أي: السامعون منهم للسائلين: {سَمِعْنَا فَتًى} نكَّروه تحقيراً له، وإعانة عليه {يَذْكُرُهُمْ} أي: الآلهة بالسوء دائماً، ويعيب عليهم، وينكرهم {يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 60]. ثم لما انتشر الخبر واجتمعوا في المعبد مزدحمين متشاورين في انتقامه، واستقرارهم رأيهم عدماً تمادى مشورتهم إلى أن {قَالُواْ} متفقين: {فَأْتُواْ بِهِ} أي: بإبراهيم {عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ} ورؤوس الملأ والأشهاد {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء: 61] يحضرون ويجتمعون؛ يعني: جميع المعبودين لقتله وهلاكه، حتى ينال كل منهم نصيب حظه من نصر الآلهة. ثم لما حضر نمرود واجتمع أشراف ممكلته، وازدحم العوام والخواص، وأحضروه لينتقموا عنه {قَالُوۤاْ} أولاً له على سبيل التعيير والتقريع: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا} الفعل الشنيع، والأمر القطيع الفجيع {بِآلِهَتِنَا} ومعبوداتنا {يٰإِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 62] المرذول المجهول. {قَالَ} في جوابهم على مقتضى اعتقادهم وزعمهم: أنا عبد مألوه مربوب، وهم آلهة معبودون، كيف أقدر أن أفعل بهم هذا {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا} أي: هذا الصنم الغير المنكسر؛ لئلا يشاركوا معه في المعبودية والألوهية، وإن شككتم أنه فعل هذا هو أم أنا {فَاسْأَلُوهُمْ} أي: الآلهة {إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63] يعين: إن اعتقدتم نطقهم وتكلمهم؛ لأنهم آلهة، ومن لوازم الألوهية: التكلم، والتنطق، بل أنتم تعتقدون أن هؤلاء خلقوا جميع أهل التكلم واللسان، فهم أولى وأحق بجواب سؤالكم هذا. ولما سمعا منه ما سمعوا {فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ} متأملين؛ أي: رجع كل منهم إلى وجدانه ونفسه متفكراً متدبراً {فَقَالُوۤاْ} أي: كل منم في سره ونجواه: {إِنَّكُمْ} أيها الجاهلون الغافلون عن قدر الألوهية والربوبية {أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [الأنبياء: 64] المقصورون على الخروج عن مقتضى العقل الفطري والرشد الجبلي، ما هذه إلا تماثيلٌ مصنوعةٌ لكم منحوتة بأيديكم، من أين توجدكم وتخلقكم، بل أنتم موجدوها ومختروعها. {ثُمَّ} لما تفرسوا بخطئهم وتفطنوا بحقية إبراهيم وصدقة في مقاله، أزعجتهم الغيرة البشرية والحمية الجاهلية إلى المراء والمجادلة معه لذلك {نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ} يعني: بعدما علموا أعلى الأمر وأسفله، وفرقوا بين الحق والباطل، أرادوا أن يقلبوا الأمر وعكسوه عناداً ومكابرة وقالوا مكابرة: {لَقَدْ عَلِمْتَ} أيها المجادل المفتون {مَا هَـٰؤُلاۤءِ} الآلهة {يَنطِقُونَ} [الأنبياء: 65] إذ هم جمادات لاحس لهم ولا شعور، كيف يتيسر لهم التكلم والتنطق. وبعدما اعترفوا بحمادية آلهتهم وعدم قابليتهم للنطق، والتنطق، والتكلم {قَالَ} إبراهيم موبخاً عليهم ومقرعاً: {أَ} ما تستحيون وتخجلون أيها الضالون المكابرون {فَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الواحد الأحد المتوحد بالألوهية والربوبية، المستقل بجميع التصرفات الواقعة في عالم الغيب والشهادة {مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ} [الأنبياء: 66] أي: أصناماً وأوثاناً، لا يرجى منهم النفع والضر. ثم لما قال على سبيل الضجر والإكراه عن أمرهم، والتأسف على ضيق عقلهم المفاض لهم من ربهم لمصلحة المعرفة والإيمان: {أُفٍّ لَّكُمْ} أي: قبحاً لكم أيها المطرودون المردودون عن زمرة العقلاء {وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} المستقل للنفع الضرر، وجلب أنواع الخيرات، ودفع أصناف المضرات {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 67] أيها المتخذون لله شركاء، ولا تستعملون عقولكم الموهبة لكم لكسب المعارف والحقائق؛ للتتفطنوا إلى سرائر التوحيد الخالي عن شوب التخمين وشين التقليد {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40]. ثم لما سمعوا منه التعيير والتشنيع ثارت نار حميتهم واشتد غيظ غيرتهم {قَالُواْ} بعدما شاوروا كثيراً في وجه إهلاكه وانتقامه: {حَرِّقُوهُ} إذ لا عذاب أقرع وأهول منه {وَٱنصُرُوۤاْ} بحرقة {آلِهَتَكُمْ} لأن التعذيب بالنار مخصوص بالإلهة، كما قال "لاَ يُعَذِّبُ بِالنَّارِ غَيْرُ خَالِقِهِا" ولما كان تعذيبهم إياه لأجل آلهتهم، لذلك اختاروا تعذيبه بالنار {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 68] ناصرين آلهتكم بأخذ انتقامهم عنه.