٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
61
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن القوم لما شاهدوا كسر الأصنام، وقيل إن فاعله إبراهيم عليه السلام قالوا فيما بينهم: {فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ } قال صاحب «الكشاف»: على أعين الناس في محل الحال أي فأتوا به مشاهداً أي بمرأى منهم ومنظر. فإن قلت: ما معنى الاستعلاء في على؟ قلت: هو وارد على طريق المثل أي يثبت إتيانه في الأعين ثبات الراكب على المركوب. أما قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } ففيه وجهان: أحدهما: أنهم كرهوا أن يأخذوه بغير بينة فأرادوا أن يجيئوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون عليه بما قاله فيكون حجة عليه بما فعل. وهذا قول الحسن وقتادة والسدي وعطاء وابن عباس رضي الله عنهم. وثانيهما: وهو قول محمد ابن إسحق أي يحضرون فيبصرون ما يصنع به فيكون ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على مثل فعله، وفيه قول ثالث: وهو قول مقاتل والكلبي أن المراد مجموع الوجهين فيشهدون عليه بفعله ويشهدون عقابه. أما قوله تعالى: {قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا } فاعلم أن في الكلام حذفاً، وهو: فأتوا به وقالوا أأنت فعلت، طلبوا منه الاعتراف بذلك ليقدموا على إيذائه، فظهر منه ما انقلب الأمر عليهم حتى تمنوا الخلاص منه، فقال: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا } وقد علق الفأس على رقبته لكي يورد هذا القول فيظهر جهلهم في عبادة الأوثان، فإن قيل قوله: بل فعله كبيرهم كذب. والجواب للناس فيه قولان: أحدهما: وهو قول كافة المحققين أنه ليس بكذب، وذكروا في الاعتذار عنه وجوهاً. أحدها: أن قصد إبراهيم عليه السلام لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، إنما قصد تقرير لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم، وهذا كما لو قال لك صاحبك، وقد كتبت كتاباً بخط رشيق، وأنت شهير بحسن الخط، أأنت كتبت هذا؟ وصاحبك أمي لا يحسن الخط ولا يقدر إلا على خرمشة فاسدة، فقلت له: بل كتبته أنت، كأن قصدك بهذا الجواب تقرير ذلك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك وإثباته للأمي أو المخرمش، لأن إثباته والأمر دائر بينهما للعاجز منهما استهزاء به وإثبات للقادر. وثانيها: أن إبراهيم عليه السلام غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مزبنة. وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته بها وحطمه لها، والفعل كما يسند إلى مباشره يسد إلى الحامل عليه. وثالثها: أن يكون حكاية لما يلزم على مذهبهم كأنه قال لهم: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم، فإن من حق من يعبد ويدعي إلهاً أن يقدر على هذا وأشد منه. وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها صاحب «الكشاف». ورابعها: أنه كناية عن غير مذكور، أي فعله من فعله وكبيرهم هذا ابتداء الكلام ويروى عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله بل فعله ثم يبتدىء كبيرهم هذا. وخامسها: أنه يجوز أن يكون فيه وقف عند قوله كبيرهم ثم يبتدىء فيقول هذا فاسألوهم، والمعنى بل فعله كبيرهم وعنى نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم. وسادسها: أن يكون في الكلام تقديم وتأخير كأنه قال: بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم فتكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطاً بكونهم ناطقين فلما لم يكونوا ناطقين امتنع أن يكونوا فاعلين. وسابعها: قرأ محمد بن السميفع فعله كبيرهم أي فلعل الفاعل كبيرهم. القول الثاني: وهو قول طائفة من أهل الحكايات، أن ذلك كذب واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في ذات الله تعالى، قوله: {إِنّى سَقِيمٌ } وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا } وقوله لسارة هي أختي » تفسير : وفي خبر آخر: « حديث : أن أهل الموقف إذا سألوا إبراهيم الشفاعة قال: إني كذبت ثلاث كذبات » تفسير : ثم قرروا قولهم من جهة العقل وقالوا: الكذب ليس قبيحاً لذاته، فإن النبي عليه السلام إذا هرب من ظالم واختفى في دار إنسان، وجاء الظالم وسأل عن حاله فإنه يجب الكذب فيه، وإذا كان كذلك فأي بعد في أن يأذن الله تعالى في ذلك لمصلحة لا يعرفها إلا هو، واعلم أن هذا القول مرغوب عنه. أما الخبر الأول وهو الذي رووه فلأن يضاف الكذب إلى رواته أولى من أن يضاف إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذبوا لمصلحة ويأذن الله تعالى فيه، فلنجوز هذا الاحتمال في كل ما أخبروا عنه، وفي كل ما أخبر الله تعالى عنه وذلك يبطل الوثوق بالشرائع وتطرق التهمة إلى كلها، ثم إن ذلك الخبر لو صح فهو محمول على المعاريض على ما قال عليه السلام: « حديث : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب » تفسير : . فأما قوله تعالى: {إِنّى سَقِيمٌ } فلعله كان به سقم قليل واستقصاء الكلام فيه يجيء في موضعه. وأما قوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } فقد ظهر الجواب عنه. أما قوله لسارة: إنها أختي، فالمراد أنها أخته في الدين، وإذا أمكن حمل الكلام على ظاهره من غير نسبة الكذب إلى الأنبياء عليهم السلام فحينئذ لا يحكم بنسبة الكذب إليهم إلا زنديق. أما قوله تعالى: {فَرَجَعُواْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } ففيه وجوه: الأول: أن إبراهيم عليه السلام لما نبههم بما أورده عليهم على قبح طريقهم تنبهوا فعلموا أن عبادة الأصنام باطلة، وأنهم على غرور وجهل في ذلك. والثاني: قال مقاتل: فرجعوا إلى أنفسهم فلاموها وقالوا إنكم أنتم الظالمون لإبراهيم حيث تزعمون أنه كسرها مع أن الفأس بين يدي الصنم الكبير. وثالثها: المعنى أنكم أنتم الظالمون لأنفسكم حيث سألتم منه عن ذلك حتى أخذ يستهزىء بكم في الجواب، والأقرب هو الأول. أما قوله تعالى: {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُؤُوسَهُمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَــٰؤُلاء يَنطِقُونَ } فقال صاحب «الكشاف»: نكسه قلبه فجعل أسفله أعلاه وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في المعنى وجوه: أحدها: أن المراد استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم وأتوا بالفكرة الصالحة، ثم انتكسوا فقلبوا عن تلك الحالة، فأخذوا [في] المجادلة بالباطل وأن هؤلاء مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق آلهة معبودة. وثانيها: قلبوا على رؤوسهم حقيقة لفرط إطراقهم خجلاً وانكساراً وانخذالاً مما بهتهم به إبراهيم فما أحاروا جواباً إلا ما هو حجة عليهم. وثالثها: قال ابن جرير ثم نكسوا على رؤوسهم في الحجة عليهم لإبراهيم حين جادلهم. أي قلبوا في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو الحجة لإبراهيم عليهم، فقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـؤُلاء يَنطِقُونَ } فأقروا بهذه للحيرة التي لحقتهم، قال والمعنى نكست حجتهم فأقيم الخبر عنهم مقام الخبر عن حجتهم. المسألة الثانية: قرىء نكسوا بالتشديد ونكسوا على لفظ ما لم يسم فاعله، أي نكسوا أنفسهم على رؤوسهم وهي قراءة رضوان بن عبد المعبود. أما قوله تعالى: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فالمعنى ظاهر. قال صاحب «الكشاف»: أف صوت إذا صوت به علم أن صاحبه متضجر، وإن إبراهيم عليه السلام أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم، وبعد وضوح الحق وزهوق الباطل، فتأفف بهم. ثم يحتمل أنه قال لهم ذلك وقد عرفوا صحة قوله. ويحتمل أنه قال لهم ذلك وقد ظهرت الحجة وإن لم يعقلوا. وهذا هو الأقرب لقوله: {أَفَتَعْبُدُونَ } ولقوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }.
البيضاوي
تفسير : {قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ } بمرأى منهم بحيث تتمكن صورته في أعينهم تمكن الراكب على المركوب. {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } بفعله أو قوله أو يحضرون عقوبتنا له.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ } أي ظاهراً {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } عليه أنه الفاعل.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَعْيُنِ النَّاسِ} بمرأى منهم {يَشْهَدونَ} عقابه "ع" أو يشهدون عليه بما فعل كرهوا عقابه بغير بينة "ح" أو بما يقول من حجة وما يقال له من جواب.
ابن عادل
تفسير : فصل لما سمع بعض القوم قول إبراهيم - عليه السلام - {أية : تَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم} تفسير : [الأنبياء:57] وسمعوا سبّه لآلهتهم غلب على ظنهم أنه الفاعل لذلك، فلذلك قالوا: {أية : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} تفسير : [الأنبياء:60] أي: يعيبهم ويسبهم {أية : يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} تفسير : [الأنبياء:60]، فهو الذي يظن أنه الذي صنع هذا. فبلغ ذلك نمروذ الجبار، وأشراف قومه، فقالوا فيما بينهم {فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ} قال نمروذ، أي: جيئوا به ظاهراً، أي بمرأى من الناس "لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ" عليه أنه الذي فعله. قال الحسن وقتادة والسدي: كرهوا أن يأخذوه بغير بينةٍ. وقال محمد بن إسحاق: "لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ" أي: يحضرون عقابه فينزجروا عن الإقدام على مثله. وقال الكلبي ومقاتل: المراد مجموع الأمرين أي: يشهدون عليه ويشهدون عقابه. قوله: "عَلَى أَعْيُنِ" في محل نصب على الحال من الهاء في "بِهِ" أي: ائتوا به ظاهراً مكشوفاً بمرأى منهم ومنظر. قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: ما معنى الاستعلاء في: "عَلَى"؟ قُلْتُ: هو وارد على طريق المثل، أي: يثبت إتيانه على الأعين، ويتمكن ثبات الراكب على المركوب، وتمكنه منه. قوله: "أَأَنتَ فَعَلْتَ". في "ءَأَنتَ" وجهان: أحدهما: أنه فاعل بفعل مقدر يفسره الظاهر بعده، والتقدير: أفعلت هذا بآلهتنا فلمّا حذف الفعل انفصل الضمير. والثاني: أنه مبتدأ والخبر بعده الجملة. والفرق بين الوجهين من حيث اللفظ واضح، فإنَّ الجملة من قوله "فَعَلْتَ" الملفوظ بها على الأول لا محل لها، لأنها مفسرة ومحلها الرفع على الثاني، ومن حيث المعنى أنّ الاستفهام إذا دخل على الفعل أشعر بأنَّ الشك إنما تعلق به (هل وقع أم لا؟ من غير شك في فاعله. وإذا دخل على الاسم وقع الشك فيه) هل هو الفاعل أم غيره؟ والفعل غير مشكوك في وقوعه، بل هو واقع فقط. فإذا قلت: أَقَامَ زَيْدٌ؟ كان شكك في قيامه. وإذا قلت: أَزَيْدٌ قَامَ؟ وجعلته مبتدأ كان شكك في صدور الفعل منه أم من عمرو. والوجه الأولى هو المختار عند النحاة، لأنَّ الفعل تقدم ما يطلبه، وهو أداة الاستفهام. قوله: "بَلْ فَعَلَهُ" هذا الإضراب عن جملة محذوفة تقديره: لم أفعله إنما الفاعل حقيقة الله تعالى، وإسناد الفعل إلى "كَبِيرُهُمْ" من أبلغ التعاريض. قوله: "هَذَا" فيه ستة أوجه: أحدها: أن يكونَ نعتاً لـ "كَبِيرُهُمْ". الثاني: أن يكون بدلاً من "كَبِيرُهُمْ". الثالث: أن يكون خبراً لــ "كَبِيرُهُمْ" على أنَّ الكلام يتم عند قوله "بَلْ فَعَلَهُ" وفاعل الفعل محذوف. كذا نقله أبو البقاء، وقال: وهذا بعيد، لأنَّ حذف الفاعل لا يسوغ. قال شهاب الدين: وهذا القول يعزى للكسائي، وحينئذ لا يحسن الرد عليه بحذف الفاعل فإنه يجيز ذلك، ويلزمه، ويجعل التقدير: بل فعله من فعله ويجوز أن يكون أراد بالحذف الإضمار، لأنه لمّا لم يذكر الفاعل لفظاً سمى ذلك حذفاً. الرابع: أن يكونَ الفاعل ضمير "فَتًى". الخامس: أن يكون الفاعل ضمير "إبْرَاهِيم". وهذان الوجهان يؤيدان أنَّ المراد بحذف الفاعل إنَّمَا هو الإضمار. السادس: أن "فَعَلَهُ" ليس فعلاً، بل الفاء حرف عطف دخلت على "عَلَّ" التي أصلها "لَعَلَّ" حرف ترج وحذف اللام الأولى ثابت، فصار اللفظ "فَعَلَّهُ" أي: فَلعلّهُ، ثم حذفت اللام الأولى وخففت الثانية. وهذا يعزى للفراء وهو مرغوب عنه. وقد استدل على مذهبه بقراءة ابن السميفع "فَعَلَّهُ" بتشديد اللام، وهي قراءة شاذة لا يرجع بالقراءة المشهورة إليها، وكأن الذي حملهم على هذا خفاء وجه صدور هذا الكلام من النبي - عليه السلام -. فصل اعلم أن القوم لمّا قالوا له {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ} طلبوا منه الاعتراف بذلك، ليقدموا على إيذائه، فقلب الأمر عليهم وقال: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا}، وكان قد علق الفأس في رقبته، وأراد بذلك إقامة الحجة عليهم وإظهار جهلهم في عبادة الأوثان، وقال: {فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} واعلم أنّ للناس هاهنا قولان: الأول: قول كافة المحققين، وهو أنّ قول إبراهيم - عليه السلام - {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هـٰذا} من قبيل التعريض، وهو من وجوه: أحدها: أنَّ قصد إبراهيم - عليه السلام - تقرير الفعل لنفسه على أسلوب تعريضيّ، وليس قصده نسبة الفعل إلى الصنم، وهذا كما لو قال صاحبك وقد كتبت كتاباً بخط رشيق، وأنت شهير بحسن الخط، ولا يقدر هو إلا على خرمشة فاسدة: أأنت كتبت هذا، فقلت له: بل كتبته أنت، وكأن قصدك بهذا تقريره لك مع الاستهزاء لا نفيه عنك وإثباته للأمي أو المخرمش، لأن إثباته والأمر دائر بينهما للعاجز منهما استهزاء وإثبات للقادر. وثانيها: أنَّ إبراهيم - عليه السلام - غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة، وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له، فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته لها وحطمه لها، والفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه. وثالثها: أن يكون حكاية لما يلزم عن مذهبهم كأنه قال لهم: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم، فإنَّ حق من يُعْبَد، وَيُدْعَى إلهاً أن يقدر على هذا أو أشد منه ذكر هذه الأوجه الثلاثة الزمخشري. ورابعها: ما تقدم عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله "كَبِيرُهُمْ" ثم يبتدىء فيقول: "هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ". والمعنى: بل فعله كبيرهم، وعنى نفسه، لأنّ الإنسان أكبر من كل صنم، وأنه كناية عن غير مذكور، أي: فعله من فعله و "كَبِيرهُمْ" ابتداء كلام. وخامسها: قال الطِّيبي معناه على التقديم والتأخير، أي بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم، فجعل النطق شرطاً للفعل إن قدروا على النطق قدروا على الفعل فأراهم عجزهم، وفي ضمنه أنا فعلت ذلك. وسادسها: قراءة ابن السميفع المتقدمة. والقول الثاني: قال البغوي: والأصح أن إبراهيم - عليه السلام - أراد بذلك الفعل إقامة الحجة عليهم فذلك قوله: {هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إن كَانُواْ يَنطِقُونَ} حتى يخبروا من فعل ذلك بهم، لما حديث : روى أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ إلا ثلاث كذبات ثنتان منهن في ذات الله، قوله: "إنِّي سَقِيمٌ"، وقوله: "بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا"، وقوله لسارة: "هذه أختي" تفسير : وفي حديث الشفاعة قول إبراهيم - عليه السلام -: "إنِّي كَذَبْتُ ثَلاَثَ كَذِبَاتٍ" والقائلون بهذا القول قدروه من جهة العقل وقالوا: الكذب ليس قبيحاً لذاته فإنَّ النبي إذا هرب من ظالم واختفى في دار إنسان فجاء الظالم وسأل عنه، فإنه يجب الكذب فيه، وإذا كان كذلك، فأي بُعْد في أن يأذن الله في ذلك لمصلحة لا يعلمها إلا هو كما أذن ليوسف - عليه السلام - حين أمر مناديه لإخوته: {أية : أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} تفسير : [يوسف: 70] ولم يكونوا سرقوا. قال ابن الخطيب: وهذا القول مرغوب عنه أما الخبر فلأن يضاف الكذب إلى رواته أولى من أن يضاف إلى الأنبياء، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذبوا لمصلحة ويأذن الله تعالى فيه فلنجر هذا الاحتمال في كل ما أخبروا عنه، وفي كل ما أخبر الله عنه، وذلك يبطل الوثوق بالشرائع، وتطرق التهمة إلى كلها، ثم لو صح ذلك الخبر فهو محمول على المعاريض على ما قاله عليه السلام "حديث : إنَّ في المَعَارِيضِ لمندوحةً عن الكَذِبِ ". تفسير : فأمّا قوله: "إني سَقِيمٌ" فلعله سقيم القلب كما يجيء في موضعه. وأمّا قوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} فقد ظهر الجواب عنه. وأما قوله لسارة: هذه أختي، أي: في الدين. وأما قصة يوسف - عليه السلام - فتقدم الكلام عليها. قوله: {إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ} جوابه محذوف لدلالة ما قبله، ومن جوَّز التقديم جعل "فَاسْأَلُوهُمْ" هو الجواب. قوله: {فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ} فيه وجوه: الأول: أنَّ إبْراهيم - عليه السلام - لما نبههم على قبح طريقتهم بما أورده عليهم علموا أنَّ عبادة الأصنام باطلة، وأنهم على غرور وجهل في ذلك. الثاني: قال مقاتل: {فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ} فلاموها وقالوا: {إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ} لإبراهيم حيث تزعمون أنه كسرها مع أن الفأس بين يدي الصنم الكبير. الثالث: أنتم الظالمون لأنفسكم حيث سألتموه حتى إنه يستهزىء بكم في الجواب. قوله: {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلىٰ رُؤُوسِهِمْ} قرأ العامة: "نُكِسُوا" مبنياً للمفعول مخفف الكاف أي: نكسهم الله أو خجلهم. و "عَلَى رُؤُوسِهِم" حال، أي: كائنين على رؤوسهم. ويجوز أن يتعلق بنفس الفعل. والنَّكْسُ والتَّنْكِيسُ: القلب، يقال: نَكَسَ رَأْسَهُ ونَكَّسَهُ مخففاً ومشدداً. أي: طأطأه حتى صار أعلاه أسفله. وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وابن الجارود وابن مقسم: "نُكِّسُوا" بالتشديد وقد تقدم أنه لغة في المخفف، فليس التشديد لتعدية ولا لتكثير. وقرأ رضوان بن عبد المعبود: "نَكَسُوا" مخففاً مبنياً للفاعل، وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره: نكسوا أنفسهم على رؤوسهم. فصل قال المفسرون: أجرى الله الحق على ألسنتهم في القول الأول ثم أدركتهم الشقاوة فهو معنى قوله: {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُؤوسِهِمْ} أي: ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم. وقيل: قلبوا على رؤوسهم حقيقة بفرط إطراقهم خجلاً وانكساراً وانخزالاً مما بهتهم إبراهيم، فلما أحاروا جواباً إلا ما هو حجة لإبراهيم - عليه السلام - حين جادلهم - فقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ} فأقروا بهذه الحجة التي لحقتهم. قوله: "لَقَدْ عَلِمْتَ" هذه الجملة جواب قسم محذوف، والقسم وجوابه معمولان لقول مضمر، وذلك القول المضمر حال من مرفوع "نُكِسُوا" أي: نكسوا قائلين: والله لقد علمت. قوله: {مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ} يجوز أن تكون "مَا" حجازية فيكون "هَؤُلاَءِ" و "يَنطِقُونَ" في محل نصب خبرها. أو تميمية فلا عمل لها. والجملة المنفية بأسرها سادة مسد المفعولين إن كانت "عَلِمْت" على بابها، ومسد واحد إن كانت عرفانية. قوله: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً} إن عبدتموه، "وَلاَ يَضُرُّكُمْ" إن تركتم عبادته. "أُفٍّ لَكُمْ" أي: نتناً وقذراً لكم {وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تقدم الكلام على"أُفٍّ" في سورة سبحان. قال الزمخشري: "أُفٍّ" صوت إذا صوت به دل على أنّ صاحبه متضجر، وأن إبراهيم - عليه السلام - أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد وضوح الحق وانقطاع عذرهم وزهوق الباطل فتأفف. واللام في "لَكُم" وفي "لِمَا" لام التبيين، أي: التأفيف لَكُمْ لا لغيركم، وهي نظير قوله: "هَيْتَ لَكَ". ثم قال: "أَفَلاَ تَعْقِلُونَ" أي: أليس لكم عقل تعقلون هذا وتعرفونه؟
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا} اى السائلون. قال ابن الشيخ بلغ ذلك النمرود الجبار واشراف قومه فقالوا فيما بينهم {فائتوا به}[بس بياريد اورا]{على اعين الناس} حال من ضمير به اى ظاهرا مكشوفا بمرأى منهم ومنظر بحيث تتمكن صورته فى اعينهم تمكن الراكب على المركوب {لعلهم} اى بعضا منهم {يشهدون} بفعله او بقوله ذلك لئلا نأخذه بلا بينة. وفيه اشارة الى ان فى بعض الكفار من لا يحكم على اهل الجنايات الا بمشهد من العدول فكل حاكم يحكم على متهم بالجناية من غير بينة فهو اسوء حالا منهم ومن قوم نمرود كما فى التأويلات النجمية.
الطوسي
تفسير : لما قال بعضهم انه سمع ابراهيم يعيب آلهتهم وحكاه لقومه قالو: جيئوا {به على أعين الناس لعلهم يشهدون} وقيل في معناه قولان: احدهما - قال الحسن وقتادة والسدي: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، فقالوا جيئوا به بحيث يراه الناس، ويكون بمرءاً منهم {لعلهم يشهدون} بما قاله إني أكيد اصنامهم شهادة تكون حجة عليه. الثاني - قال ابن اسحاق {لعلهم يشهدون} عقابه. وقيل {لعلهم يشهدون} حجته وما يقال له من الجواب، فلما جاؤا به قالوا له {أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم} مقررين له على ذلك، فأجابهم إبراهيم بأن قال {بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون} وإنما جاز أن يقول {بل فعله كبيرهم هذا} وما فعل شيئاً لأحد امرين: احدهما - انه قيده بقوله {إن كان ينطقون} فقد فعله كبيرهم. وقوله {فاسألوهم} اعتراض بين الكلامين، كما يقول القائل: عليه الدارهم فاسأله إن أقر. والثاني - انه خرج الخبر وليس بخبر، وانما هو إلزام دل على تلك الحال، كأنه قال بل ما تنكرون فعله كبيرهم هذا. فالالزام تارة يأتى بلفظ السؤال وتارة بلفظ الامر، كقوله {فأتوا بسورة مثله} وتارة بلفظ الخبر. والمعنى فيه أنه من اعتقد كذا لزمه كذا وقد قرئ في الشواذ {فعله كبيرهم} - بتشديد اللام - بمعنى فلعل كبيرهم، فعلى هذا لا يكون خبراً، فلا يلزم ان يكون كذباً، والكذب قبيح لكونه كذباً، فلا يحسن على وجه، سواء كان فيه نفع او دفع ضرر، وعلى كل حال، فلا يجوز على الأنبياء القبائح، ولا يجوز ايضاً عليهم التعمية فى الاخبار، ولا التقية في اخبارهم، لأنه يؤدي الى التشكيك في اخبارهم، فلا يجوز ذلك عليهم على وجه. فأما ما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) بأن قال "حديث : لم يكذب ابراهيم إلا ثلاث كذبات كلها فى الله" تفسير : فانه خبر لا أصل له، ولو حسن الكذب على وجه، كما يتوهم بعض الجهال، لجاز من القديم تعالى ذلك. وزعموا ان الثلاث كذبات هي قوله {فعله كبيرهم هذا} وما كان فعله. وقوله {أية : إني سقيم} تفسير : ولم يكن كذلك. وقوله فى سارة لما اراد الجبار أخذها: إنها اختي، وكانت زوجته. حتى قال بعضهم: كان الله أذن له فى ذلك. وهذا باطل، لأنه لو اذن الله له فيه، لكان الكذب حسناً. وقد بينا أنه قبيح على كل حال. وقيل: معنى قوله {إني سقيم} اي سأسقم، لأنه لما نظر الى بعض الكواكب علم انه وقت نوبة حمى كانت تجيئه، فقال: إني سقيم. وقيل معناه: اني سقيم، اي غماً بضلالكم. وقيل: معناه سقيم عندكم، فيما أدعوكم اليه من الدين. وقيل: ان من كانت عاقبته الموت جاز ان يقال فيه سقيم، مثل المريض المشفى على الموت. وأما قوله فى سارة إنها أختي فانه أراد فى الدين. واما قول يوسف لأخوته {أية : إنكم لسارقون} تفسير : فقد قال قوم: هو من قول مؤذن يوسف على ظنه فيما يقتضيه الحال من الظن الذي يعمل عليه. وقيل معناه: {إنكم لسارقون} يوسف (ع) وقوله تعالى {فرجعوا إلى أنفسهم} اي عادوا الى نفوسهم يعني بعضهم الى بعض وقال بعضهم لبعض: {إنكم أنتم الظالمون} في سؤاله، لانها لو كانت آلهة لم يصل ابراهيم الى كسرها. وقوله {ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} فالنكس هو جعل الشيء أسفله أعلاه، ومنه النكس في العلة إذا رجع الى اول حاله. والمعنى ادركتهم حيرة سوء، فنكسوا لأجلها رؤسهم. ثم أقروا بما هو حجة عليهم، فقالوا لابراهيم {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} فأقروا بهذا للحيرة التى لحقتهم، فكان ذلك دلالة على خطئهم، لكنهم أصروا على العناد.
اطفيش
تفسير : {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ} مثل ذلك نمروذ وأشرافهم، أو القوم حكاية عنه. وذلك أمر بالإتيان به ظاهراً، بحيث تتمكن صورته فى أعينهم، تمكن الراكب على المركوب. {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} أنه الفاعل، أو القائل، أو يشهدون عقوبتها، كأنهم على الوجهين الأولين كرهوا أخذه بغير بينة، وعلى متعلق بالفعل قبله، أو بمحذوف حال من الهاء. قال الثعلبى فى عرائس القرآن: أراد إبراهيم - عليه السلام - أن يرى قومه الأوثان التى كانوا يعبدونها من دون الله وعجزنا، إلزامًا للحجة، وإثباتًا لها عليهم، فجعل ينتهز لذلك فرصة، ويحتال فيه إلى أن حضر عيدهم. قال السدى: كان لهم فى كل سنة عيد، يجتمعون فيه، ويخرجون إليه وكانوا إذا رجعوا من عيدهم، دخلوا على الأصنام، فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم. فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا. ويروى: أعجبك عيدنا، بإسقاط لفظ ديننا فخرج معهم، فألقى نفسه فى الطريق. فقال: إنى سقيم، أشتكى رجلى، فنظروا رجله، وهو صريع، فلم يروا شيئًا. فلما مضوا عائدين فى آخرهم، وقد بقى ضعفاء الناس قال: {أية : وتاللهِ لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين}تفسير : فسمعوها منه. وقال مجاهد وقتادة: إنما قال إبراهيم هذا فى سر من قومه، لم يسمع ذلك إلا رجل منهم وأفشاه، فرجع من الطريق إلى بيت الآلهة. فإذا بباب فيه بهو عظيم، يستقبل باب البهو صنم عظيم، إلى جنبه صنم آخر أصغر منه. وكل صنم أكبر من الذى يليه إلى باب البهو مصطفة. قلت: هى اثنان وسبعون صنما، فإذا هو بطعام مجموع بين أيديهم. يقولون: إذا رجعنا أكلنا، وقد تناولت الآلهة منه، فتتبرك به فقال لهم: ألا تأكلون. ما لكم لا تنطقون. فراغ عليهم ضربا باليمين. فأقبلوا إليه يزفون. قال قتادة والسدى والضحاك: قالوا: فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون عقابه. وقيل: لما خرجوا للعيد وهو معهم، بدأوا بالأصنام، فدخلوا عليها، فسجدوا إلا إبراهيم لها، ووضعوا طعاما، وخرجوا به ثم رجع. وقيل: بقى معها. وقال: إنى سقيم. وقيل: إنها سبعون، وكسرها كسرا فظيعا، مع أنها - مما علمتَ - من ذهب وغيره، مما هو قوى بعون الله. وروى أنه قطع أيديها وأرجلها، وفقأ أعينها وكسَّر وجوهها إلا كبيرها. فلما رجعوا من عيدهم، رأوا هذا الكسر الشديد، فحسبوه من الظل، لجراءة فاعله على الآلهة الحقيقة عندهم بالتوفير، لإفراطه فى كسرها والاستهانة بها.
اطفيش
تفسير : {قالُوا فأتُوا بهِ علَى أعْيُنِ النَّاس} أى قال القائلون: من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، إذا كان لفتى يذكرهم بسوء فأتوا به أى أحضروه يعانيه الناس {لَعلَّهم يشْهَدون} بفعله، أو قوله، أو ليشهدوا عقابه، ويحضروا له، وكأنه قيل فماذا كان؟ فقال جل جلاله: {قالُوا} بعد ما أتى به: {أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم} استفهام حقيقى لا علم لهم بأنه الفاعل، يجوز أن يكون التقرير بأنه الفاعل لترجح أنه الفاعل، لأنهم سمعوا أنه يعيبها، أو وصلهم قوله: "أية : وتالله لأكيدن" تفسير : [الأنبياء: 57] الخ، ولم يحققوه.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ} أولئك القائلون { أية : مَن فَعَلَ } تفسير : [الأنبياء:59] الخ إذا كان الأمر كذا {فَأْتُواْ بِهِ} أي أحضروه {عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ} مشاهداً معايناً لهم على أتم وجه كما تفيده على المستعارة لتمكن الرؤية {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} أي يحضرون عقوبتنا له، وقيل يشهدون بفعله أو بقوله ذلك فالضمير حينئذ ليس للناس بل لبعض منهم مبهم أو معهود والأول مروي عن ابن عباس والضحاك، والثاني عن الحسن وقتادة، والترجي أوفق به.
الواحدي
تفسير : {قالوا فأتوا به على أعين الناس} على رؤوس النَّاس بمرأىً منهم {لعلَّهم يشهدون} عليه أنَّه الذي فعل ذلك، وكرهوا أن يأخذوه بغير بيِّنةٍ، فلمَّا أتوا به، {قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم}؟ {قال بل فعله كبيرهم هذا} غضب من أن يعبدوا معه الصِّغار، وأراد إقامه الحجَّة عليهم {فاسألوهم} مَنْ فعل بهم هذا {إن كانوا ينطقون} إن قدروا على النُّطق. {فرجعوا إلى أنفسهم} تفكَّروا ورجعوا إلى عقولهم {فقالوا إنكم أنتم الظالمون} هذا الرجل بسؤالكم إيَّاه، وهذه آلهتكم حاضرةٌ فاسألوها. {ثم نكسوا على رؤوسهم} أطرقوا لما لحقهم من الخجل، وأقرُّوا بالحجَّة عليهم فقالوا: {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} فلمَّا اتَّجهت الحجَّة عليهم قال إبراهيم: {أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم}. {أفٍ لكم} أَيْ: نتناً لكم، فلمَّا عجزوا عن الجواب. {قالوا حرّقوه} بالنَّار {وانصروا آلهتكم} بإهلاك مَنْ يعيبها {إن كنتم فاعلين} أمراً في أهلاكه، فلمَّا ألقوه في النَّار. {قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} ذات بردٍ وسلامةٍ، لا يكون فيها بردٌ مضرٌّ، ولا حرٌّ مُؤذٍ.
القطان
تفسير : على أعينِ الناس: علناً أمام جميع الناس، كما يقال: على رؤوس الأشهاد. فرجعوا الى أنفسهم: ففكروا وتدبّروا. ثم نكسوا على رؤوسهم: بعد أن أقرّوا انهم ظالمون، انقلبوا من تلك الحال الى المكابرة والجدل بالباطل. {قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ}. واتفقوا أن يحاكموه علناً على رؤوس الأشهاد فقالوا: أحضِروه أمام جميع الناس ليشهدوا عليه وتكون شهادتهم عليه حجةً لنا. فلما أتوا به قالوا له: أأنت كسرتَ هذه الآلهة وجعلْتَهم قطعا؟ وطلبوا منه ان يعترف بذنبه. فأجابهم جواباً ذكياً لطيفا، أدهشهم وحيّرهم إذ قال: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا} فاسألوه واسألوا أصنامكم ليُخبروكم إن كانوا يتكلمون. فكانت مقالةُ إبراهيم عليه السلام حجةً شديدة الوقع في نفوسهم وحيّرتهم ولم يعرفوا ما يقولون. {فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ} فكأنهم أفاقوا من غفلتهم لحظات، فراحوا يلومون أنفسَهم ويقولون: حقيقةً إنكم أنتم الظالمون، كيف نعبدُ آلهة لا تدفع الأذى عن نفسها! {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ}. ثم عادوا إلى جهالتهم كأنهم وقفوا على رؤوسهم، وانقلبوا من الرشادِ الى الضلال، وقالوا لإبراهيم: أنت تعلم ان هؤلاء لا يتكلمون فكيف تطلبُ منا ان نسألهم؟ وهنا ظهرت حجةُ ابراهيم واضحة، ورأى الفرصة سانحة لإلزامهم الحجة فقال: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. فقال إبراهيم متهكماً عليهم: لقد أقررتُم أن هذه الأصنام لا تنطق ولا تردّ أذى ولا تنفع، ومع ذلك تعبدونها من دون الله، متى ترتدّ اليكم عقولكم! أفٍّ لكم وقبحاً لآلهتكم. ولما بان عجزُهم وظهر الحقّ أخذتهم العزّةُ بالإثم كما تأخذ الطغاة حين يفقدون الحجة، فلجأوا الى استعمال القسوة. وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: {قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ}. هنا لجأوا الى منطق العُتاة وفعل الطغاة، فقالوا: احرِقوا إبراهيم هذا بالنار، وانصروا آلهتكم عليه بهذا العقاب، إن كنتم تريدون نصرها. ولكن الله تعالى أبطَلَ كيدهم، ودفع عنه الهلاك بمعونته وتأييده فقال: {قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ}. أوقَدوا ناراً عظيمة ليحرقوه ثم ألقوه فيها، فقلنا للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، فلم تضرّه بإذن الله، ونجا منها، وكانت معجزةً كبرى لابراهيم. لقد أرادوا ان يبطشوا به ويهلكوه بالنار، فنجّيناه ورددنا كيدهم في نحورهم وجعلناهم الخاسرين. ونقل كثير من المفسرين كلاماً كثيراً في سيرة ابراهيم من الاساطير القديمة نضرب عنه صفحا لعدم الفائدة منه.
د. أسعد حومد
تفسير : (61) - فَقَالُوا: اِئْتُوا بِهِ أمامَ الجَمْعِ المُحْتَشِدِ لِيُسْأَلَ عَنْ فِعْلَتِهِ أَمَامَ الأَشْهَادِ، لِتَكُونَ شَهَادَتُهُمْ حُجَّةً عَلَيْهِ. عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ - ظَاهِراً بِمَرْأى مِنَ النَّاسِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومعنى {عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ ..} [الأنبياء: 61] يعني: على مَرْأىً منهم ليشاهدوه بأعينهم {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء: 61] أي: يشهدون ما نُوقِعه به من العذاب حتى لا يجترئ أحد آخر أنْ يفعل هذه الفِعْلة، ويكون عبرةً لغيره.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ} معناه أظهِرُوهُ ومثلُهُ جَاءوا بِهِ عَلَى رِءوسِ الخَلقِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):