Verse. 2545 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

قَالُوْۗا ءَ اَنْتَ فَعَلْتَ ھٰذَا بِاٰلِہَتِنَا يٰۗـاِبْرٰہِيْمُ۝۶۲ۭ
Qaloo aanta faAAalta hatha bialihatina ya ibraheemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا» له بعد إتيانه «أأنت» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه «فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم».

62

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ } فيه أربع مسائل: الأولى: لما لم يكن السماع عاماً ولا ثبتت الشهادة، استفهموه هل فعل أم لا؟ وفي الكلام حذف فجاء إبراهيم حين أتي به فقالوا: أأنت فعلت هذا بالآلهة؟ فقال لهم إبراهيم على جهة الاحتجاج عليهم: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا} أي إنه غار وغضب من أن يعبد هو ويعبد الصغار معه ففعل هذا بها لذلك، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. فعلق فعل الكبير بنطق الآخرين؛ تنبيهاً لهم على فساد اعتقادهم. كأنه قال: بل هو الفاعل إن نطق هؤلاء. وفي الكلام تقديم على هذا التأويل في قوله: {فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ}. وقيل: أراد بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون. بين أن من لا يتكلم ولا يعلم لا يستحق أن يعبد. وكان قوله من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب. أي سلوهم إن نطقوا فإنهم يصدقون، وإن لم يكونوا ينطقون فليس هو الفاعل. وفي ضمن هذا الكلام اعتراف بأنه هو الفاعل وهذا هو الصحيح لأنه عدده على نفسه، فدل أنه خرج مخرج التعريض. وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتخذونهم آلهة من دون الله، كما قال إبراهيم لأبيه: {أية : يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ} تفسير : [مريم: 42] ـ الآية ـ فقال إبراهيم: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا} ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون؛ فيقول لهم فلم تعبدونهم؟ فتقوم عليهم الحجة منهم، ولهذا يجوز عند الأمة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه؛ فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة، كما قال لقومه: «هَذَا رَبِّي» وهذه أختي و«إِنِّي سَقِيمٌ» و«بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا» وقرأ ابن السميقع «بل فَعَلَّهُ» بتشديد اللام بمعنى فلعل الفاعل كبيرهم. وقال الكسائي؛ الوقف عند قوله: «بل فعله» أي فعله من فعله؛ ثم يبتدىء «كَبِيُرُهم هذا». وقيل: أي لم ينكرون أن يكون فعله كبيرهم؟ فهذا إلزام بلفظ الخبر. أي من اعتقد عبادتها يلزمه أن يثبت لها فعلاً؛ والمعنى: بل فعله كبيرهم فيما يلزمكم. الثانية: روى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لم يكذب إبراهيم النبي في شيء قط إلا في ثلاث، قوله: «إِني سقِيم» وقوله: لسارة أختي وقوله: «بل فعله كبِيرهم»» تفسير : لفظ الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. ووقع في الإسراء في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة إبراهيم قال: وذكر قوله في الكوكب «هذا ربي». فعلى هذا تكون الكذبات أربعاً إلا أن الرسول عليه السلام قد نفى تلك بقوله: «حديث : لم يكذب إبراهيم النبي قط إلا في ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} وقوله: «بل فعله كبِيرهم» وواحدة في شأن سارة» تفسير : الحديث لفظ مسلم. وإنما لم يعد عليه قوله في الكوكب: «هذا ربي» كذبة وهي داخلة في الكذب؛ لأنه ـ والله أعلم ـ كان حين قال ذلك في حال الطفولية، وليست حالة تكليف. أو قال لقومه مستفهماً لهم على جهة التوبيخ والإنكار، وحذفت همزة الاستفهام. أو على طريق الاحتجاج على قومه: تنبيهاً على أن ما يتغير لا يصلح للربوبية. وقد تقدمت هذه الوجوه كلها في «الأنعام» مبينة والحمد لله. الثالثة: قال القاضي أبو بكر بن العربي: في هذا الحديث نكتة عظمى تقصم الظهر، وهي أنه عليه السلام قال: «حديث : لم يكذب إبراهيم إلا في ثلاث كذبات ثنتين مَاحَلَ بهما عن دين الله وهما قوله: «إِني سقِيم» وقوله: «بل فعله كبيرهم» تفسير : ولم يعدّ (قوله) هذه أختي في ذات الله تعالى وإن كان دفع بها مكروهاً، ولكنه لما كان لإبراهيم عليه السلام فيها حظ من صيانة فراشه وحماية أهله، لم يجعلها في ذات الله؛ وذلك لأنه لا يجعل في جنب الله وذاته إلا العمل الخالص من شوائب الدنيا، والمعاريض التي ترجع إلى النفس إذا خلصت للدين كانت لله سبحانه، كما قال: {أية : أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} تفسير : [الزمر: 3]. وهذا لو صدر منا لكان لله، لكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا. والله أعلم. الرابعة: قال علماؤنا: الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه. والأظهر أن قول إبراهيم فيما أخبر عنه عليه السلام كان من المعاريض، وإن كانت معاريض وحسنات وحججاً في الخلق ودلالات، لكنها أثرت في الرتبة، وخفضت عن محمد المنزلة، واستحيا منها قائلها، على ما ورد في حديث الشفاعة؛ فإن الأنبياء يشفقون مما لا يشفق منه غيرهم إجلالاً لله؛ فإن الذي كان يليق بمرتبته في النبوّة والخُلَّة، أن يصدع بالحق ويصرح بالأمر كيفما كان، ولكنه رخص له فقبل الرخصة فكان ما كان من القصة؛ ولهذا جاء في حديث الشفاعة «حديث : إنما اتخذت خليلاً من وراء وراء» تفسير : بنصب وراء فيهما على البناء كخمسة عشر، وكما قالوا: جاري بَيْتَ بَيْتَ، ووقع في بعض نسخ مسلم «من وراءُ من وراءُ» بإعادة من، وحينئذٍ لا يجوز البناء على الفتح، وإنما يبنى كل واحد منهما على الضم؛ لأنه قطع عن الإضافة ونوى المضاف كقبل وبعد، وإن لم ينو المضاف أعرب ونون غير أن وراء لا ينصرف؛ لأن ألفه للتأنيث؛ لأنهم قالوا في تصغيرها وريية؛ قال الجوهري: وهي شاذة. فعلى هذا يصح الفتح فيهما مع وجود «مِن» فيهما. والمعنى إني كنت خليلاً متأخراً عن غيري. ويستفاد من هذا أن الخُلَّة لم تصح بكمالها إلا لمن صح له في ذلك اليوم المقام المحمود كما تقدم. وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

البيضاوي

تفسير : {قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يَآ إِبْرَاهِيمُ} حين أحضروه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ } له بعد إتيانه {ءَأَنْتَ } بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه {فَعَلْتَ هَٰذَا بِئَالِهَتِنَا يإِبْرٰهِيمُ }.

النسفي

تفسير : فلما أحضروه {قَالُواْ ءأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِئَالِهَتِنَآ يٰإِبْرَاهِيمَ قَالَ} إبراهيم {بَلْ فَعَلَهُ } عن الكسائي: إنه يقف عليه أي فعله من فعله، وفيه حذف الفاعل وأنه لا يجوز، وجاز أن يكون الفاعل مسنداً إلى الفتى المذكور في قوله {سمعنا فتى يذكرهم} أو إلى {إبراهيم} في قوله {يا إبراهيم} ثم قال {كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا } وهو مبتدأ وخبر. والأكثر أنه لا وقف، والفاعل {كبيرهم} وهذا وصف أو بدل، ونسب الفعل إلى كبيرهم وقصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي تبكيتاً لهم وإلزاماً للحجة عليهم لأنهم إذا نظروا النظر الصحيح علموا عجز كبيرهم وأنه لا يصلح إلهاً، وهذا كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتاباً بخط رشيق أنيق: أأنت كتبت هذا وصاحبك أمي فقلت له «بل كتبته أنت» كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك وإثباته للأمي، لأن إثباته للعاجز منكما والأمر كائن بينكما استهزاء به وإثبات للقادر، ويمكن أن يقال: غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة وكان غيظ كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له، فأسند الفعل إليه لأن الفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه، ويجوز أن يكون حكاية لما يقود إلى تجويزه مذهبهم كأنه قال لهم: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من يعبد ويدعى إلهاً أن يقدر على هذا. ويحكى أنه قال: غضب أن تعبد هذه الصغار معه وهو أكبر منها فكسرهن، أو هو متعلق بشرط لا يكون وهو نطق الأصنام فيكون نفياً للمخبر عنه أي بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون، وقوله {فَاسْـئَلُوهُمْ } اعتراض. وقيل: عرض بالكبير لنفسه وإنما أضاف نفسه إليهم لاشتراكهم في الحضور {فَاسْـئَلُوهُمْ } عن حالهم {إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } وأنتم تعلمون عجزهم عنه. {فَرَجَعُواْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ } فرجعوا إلى عقولهم وتفكروا بقلوبهم لما أخذ بمخانقهم {فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } على الحقيقة بعبادة ما لا ينطق لا من ظلمتموه حين قلتم {من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين} فإن من لا يدفع عن رأسه الفاس، كيف يدفع عن عابديه البأس؟

البقاعي

تفسير : ولما كان إحضاره معلوماً أنهم لا يتأخرون عنه، استأنف أخباره لما يقع التشوف له فقال: {قالوا} منكرين عليه مقررين، له بعد حضوره على تلك الهيئة: {ءأنت فعلت هذا} الفعل الفاحش {بآلهتنا يا إبراهيم * قال} متهكماً لهم وملزماً بالحجة: {بل فعله كبيرهم} غيره من أن يعبد معه من هو دونه، وهذا على طريق إلزام الحجة؛ وتقييده بقوله: {هذا} إشارة إلى الذي تركه بغير كسر يدل على أنه كان فيهم كبير غيره. وكذا التنكير فيما مضى من قوله {إلا كبيراً لهم} وهذا - مع كونه تهكماً بهم وكناية عن أنهم لا عقل لهم لعبادتهم من يعلمون أنه لا يقدر على فعل ما - تنبيه على قباحة الشرك، وأنه لا يرضى به إله بل يهلك من عبد غيره وكل ما عبد من دونه إن كان قادراً، غيره على مقامه العظيم، ومنصبه الجسيم. ولما أخبر بذلك، ولم يكن أحد رآه حتى يشهد على فعله، وكانوا قد أحلوهم بعبادتهم ووضع الطعم لهم محل من بعقل، سبب عنه أمرهم بسؤالهم فقال: {فاسألوهم} أي عن الفاعل ليخبروكم به {إن كانوا ينطقون*} على زعمكم أنهم آلهة يضرون وينفعون، فإن قدروا على النطق أمكنت منهم القدرة وإلا فلا، أما سؤال الصحيح فواضح، وأما غيره فكما يسأل الناس من جرح أو قطعت يده أو رجله أو ضرب وسطه وبقيت فيه بقية من رمق، وإسناده الفعل ما لا يصح إسناده إليه وأمره بسؤاله بعد الإضراب عن فعله متضمن لأنه هو الفاعل. ولما كان روح الكلام إقراره بالفعل وجعلهم موضع الهزء لأنهم عبدوا ما لا قدرة له على دفاع أصلاً تسبب عنه قوله تعالى الدال على خزيهم: {فرجعوا} أي الكفرة {إلى أنفسهم} بمعنى أنهم فكروا فيما قال فاضطرهم الدليل إلى أن تحققوا أنهم على محض الباطل وأن هذه الشرطية الممكنة عقلاً غير ممكنة عادة {فقالوا} يخاطب بعضهم بعضاً مؤكدين لأن حالهم يقتضي إنكارهم لظلمهم: {إنكم أنتم} خاصة {الظالمون*} لكونكم وضعتم العبادة في غير موضعها، لا إبراهيم فإنه أصاب في إهانتهم سواء المحزّ ووافق عين الغرض، وفي أنكم بعد أن عبدتموها ولا قدرة لها تركتموها بلا حافظ. ولما كان رجوعهم إلى الضلال بعد هذا الإقرار الصحيح الصريح في غاية البعد، عبر بأداته مشيراً إلى ذلك فقال: {ثم نكسوا} أي انقلبوا في الحال غير مستحيين مما يلزمهم من الإقرار بالسفه حتى كأنهم قلبهم قالب لم يمكنهم دفعه {على رءوسهم} فصار أعلاهم أسفلهم برجوعهم عن الحق إلى الباطل، من قولهم: نكس المريض - إذا رجع إلى حاله الأول، قائلين في مجادلته عن شركائهم: {لقد علمت} يا إبراهيم! {ما هؤلاء} لا صحيحهم ولا جريحهم {ينطقون*} فكانوا بما فاهوا به ظانين أنه ينفعهم، ممكنين لإبراهيم عليه السلام من جلائل المقاتل. ولما تسبب عن قولهم هذا إقرارهم بأنهم لا فائدة فيهم، فاتجهت لإبراهيم عليه السلام الحجة عليهم، استأنف سبحانه الإخبار عنها بقوله: {قال} منكراً عليهم موبخاً لهم مسبباً عن إقرارهم هذا: {أفتعبدون} ونبههم على أن جميع الرتب تتضاءل دون رتبة الإلهية بقوله: {من دون الله} أي من أدنى رتبة من تحت رتبة الملك الذي لا ضر ولا نفع إلا بيده لاستجماعه صفات الكمال. ولما كانوا في محل ضرورة بسبب تكسير أصنامهم، راجين من ينفعهم في ذلك، قدم النفع فقال: {ما لا ينفعكم شيئاً} لترجوه {ولا يضركم*} شيئاً لتخافوه. ولما أثبت أن معبوداتهم هذه في حيز العدم، فكانوا لعبادتها دونها، استأنف تبكيتهم لذلك بأعلى كلمات التحقير التي لا تقال إلا لما هو غاية في القذارة فقال: {أف} أي تقذر وتحقير مني، وفي الأحقاف ما يتعين استحضاره هنا، ثم خص ذلك بهم بقوله: {لكم ولما تعبدون} ولما كانت على وجه الإشراك، وكانت جميع الرتب تحت رتبته تعالى، وكانت أصنامهم هذه في رتب منها سافلة جداً أثبت الجار فقال: {من دون الله} أي الملك الأعلى لدناءتكم وقذارتكم. ولما تسبب عن فعلهم هذا وضوح أنه لا يقر به عاقل، أنكر عليهم ووبخهم على ترك الفكر تنبيهاً على أن فساد ما هم عليه يدرك ببديهة العقل فقال: {أفلا تعقلون*} أي وأنتم شيوخ قد مرت بكم الدهور وحنكتكم التجارب. ولما وصل بهم إلى هذا الحد من البيان، فدحضت حجتهم، وبان عجزهم، وظهر الحق، واندفع الباطل، فانقطعوا انقطاعاً فاضحاً، أشار سبحانه إلى الإخبار عن ذلك بقوله استئنافاً: {قالوا} عادلين إلى العناد واستعمال القوة الحسية: {حرقوه} بالنار لتكونوا قد فعلتم فيه فعلاً هو أعظم مما فعل بآلهتكم {وانصروا آلهتكم} التي جعلها جذاذاً؛ وأشاء التعبير - بأداة الشك وفعل الكون واسم الفاعل إلى أن أذاه لا يسوغ، وليس الحامل عليه إلا حيلة غلبت على الفطرة الأولى السليمة - في قوله: {إن كنتم فاعلين*} أي النصرة لها، فإن النار أهول المعاقبات وأفظعها، فهي أزجر لمن يريد مثل هذا الفعل، واتركوا الجدال فإنه يورث ضد ما تريدون، ويؤثر عكس ما تطلبون، فعزموا على ذلك فجمعوا الحطب شهراً ووضعوه في جوبة من الأرض أحاطوا بها جداراً كما في الصافات حتى كان ذلك الحطب كالجبل، وأضرموا فيه النار حتى كان على صفة لم يوجد في الأرض قط مثلها، حتى إن كان الطائر ليمر بها في الجو فيحترق، ثم ألقوه فيها بالمنجنيق فقال: حسبي الله ونعم الوكيل - أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولأبي يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لما ألقي إبراهيم عليه السلام في النار قال: اللهم! إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد، عبدك تفسير : وقال البغوي: أتاه خازن المياه فقال: إن أردت أخمدت النار، وأتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل. فأراد الله الذي له القوة جميعاً سلامته منها، فعبر عن ذلك بقوله سبحانه استئنافاً لجواب من زاد تشوفه إلى ما كان من أمره بعد الإلقاء فيها: {قلنا} أي بعظمتنا {يا نار كوني} بإرادتنا التي لا يتخلف عنها مراد {برداً}. ولما كان البرد قد يكون ضاراً قال: {وسلاماً} فكانت كذلك، فلم تحرق منه إلا وثاقه. ولما كان المراد اختصاصه عليه السلام بهذا قيده به، ولما كان المراد حياته ولا بد، عبر بحرف الاستعلاء فقال: {على إبراهيم*} أي فكان ما أردنا من سلامته، وروى البغوي من طريق البخاري عن أم شريك رضي الله عنها حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وقال: كان ينفخ النار على إبراهيمتفسير : . وقال ابن كثير: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبيد الله بن أخي وهب ثنا عمي عن جرير بن حازم أن نافعاً حدثه قال: حدثتني مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي قالت: دخلت على عائشة رضي الله عنها فرأيت في بيتها رمحاً فقلت: يا أم المؤمنين! ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت: نقتل به هذه الأوزاغ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفىء عنه غير الوزغ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله . تفسير : ولما قدم ما نبه على شدة الاهتمام به لإفهامه أنه حكم بسلامته من كيدهم عند همهم به فكيف بما بعده! قال عاطفاً على ما تقديره: فألقوه فيها: {وأرادوا به كيداً} أي مكراً بإضراره بالنار وبعد خروجه منها {فجعلناهم} أي بما لنا من الجلال. ولما كانوا قد أرادوا بما صنعوا له من العذاب أن يكون أسفل منهم أهل ذلك الجمع، وكان السياق لتحقيق أمر الساعة الذي هو مقصود السورة، وكان الصائر إليها المفرط فيها بالتكذيب بها قد خسر خسارة لا جبر لها لفوات محل الاستدراك، قال: {الأخسرين*} لأن فضيحتهم في الدنيا الموجبة للعذاب في الأخرى كانت بنفس فعلهم الذي كادوه به، ولم يذكر سبحانه شعيباً عليه السلام مع أنه سخر له النار في يوم الظلة فأحرقت عصاه، لأن فعل النار بقومه كان على ما هو المعهود من أمرها بخلاف فعلها مع إبراهيم عليه السلام، فإنه على خلاف المعتاد، وقد وقع مثل هذا لبعض أتباع نبيناً صلى الله عليه وسلم، وهو أبو مسلم الخولاني، طلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم! فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائماً يصلي فيها وقد صارت عليه برداً وسلاماً، وقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر رضي الله عنهما وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله. ولما كان إنجاؤه - وهو وحده - ممن أرادوا به هذا الأمر العظيم من العجائب فكيف إذا انضم إليه غيره، ولم يكن في ذلك الغير آية تمنعهم عنه كما كان في إبراهيم عليه السلام، قال: {ونجيناه} أي بعظمتنا {ولوطاً} أي ابن أخيه وصديقه لكونه آمن به وصدقه، من بلادهما كوثى بلاد العراق، منتهيين إلى الأرض المقدسة، ولعله عبر بإلى الدالة على تضمين "انتهى" للدلالة على أن هناك غاية طويلة، فإنهما خرجا من كوثى من أرض العراق إلى حران ثم من حران {إلى الأرض} المقدسة {التي باركنا فيها} بأن ملأناها من الخيرات الدنيوية و الأخروية بما فيها من المياه التي بها حياة كل شيء من الأشجار والزروع وغيرها، وما ظهر منها من الأنبياء عليهم السلام الذي ملؤوا الأرض نوراً {للعالمين*} كما أنجيناك أنت يا أشرف أولاده وصديقك أبا بكر رضي الله عنه إلى طيبة التي شرفناها بك، وبثثنا من أنوارها في أرجاء الأرض وأقطارها ما لم نبث مثله قط، وباركنا فيها للعالمين، بالخلفاء الراشدين وغيرهم من العلماء والصالحين، الذين انبثت خيراتهم العلمية والعملية والمالية في جميع الأقطار. ولما أولد له في حال شيخوخته وعجز امرأته مع كونها عقيماً، وكان ذلك دالاً على الاقتدار على البعث الذي السياق كله له، قال: {ووهبنا} دالاً على ذلك بنون العظمة {له إسحاق} أي من شبه العدم، وترك شرح حاله لتقدمه، أي فكان ذلك دالاًّ على اقتدارنا على ما نريد لا سيما من إعادة الخلق في يوم الحساب؛ ولما كان قد يظن أنه - لتولده بين شيخ فانٍ وعجوز مع يأسها عقيم - كان على حالة من الضعف، لا يولد لمثله معها، نفى ذلك بقوله: {ويعقوب نافلة} أي ولد إسحاق زيادة على ما دعا به إبراهيم عليهما السلام؛ ثم نمى سبحانه أولاد يعقوب - وهو إسرائيل - وذرياتهم إلى أن ساموا النجوم عدة، وباروا الجبال شدة {وكلاًّ} من هؤلاء الأربعة؛ وعظم رتبتهم بقوله: {جعلنا صالحين*} أي مهيئين - لطاعتهم لله - لكل ما يريدونه أو يرادون له أو يراد منهم، وهذا إشارة إلى أن العاصي هالك، لا يصلح لشيء وإن طال عمره، واشتد أمره، لأن العبرة بالعاقبة.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالوا} فى الكلام حذف اى فأتوا به فلما شهدوه قالوا منكرين عليه فعله موبخين له {أأنت فعلت هذا} الكسر {بآلهتنا يا ابرهيم قال بل فعله كبيرهم هذا} مشيرا الى الذى لم يكسره وهذا صفة لكبير اسند الفعل اليه بعتبار انه الحامل عليه لانه لما رأى الاصنام مصطفة مزينة يعظمها المشركون ورأى على الكبير ما يدل على زيادة تعظيمهم له وتخصيصهم اياه بمزيد التواضع والخضوع غاظه وكان غيظ كبيرها اكبر واشد. وقال بعضهم فعله كبيرهم هذا غضب من ان تعبد معه هذه الصغار وهو اكبر منها: يعنى [كفت من آن نكرده ام بلكه كرده است اين را بزرك ايشان ازروى خشم برايشان كه باوجود من جرا ايشانرا برستند]{فاسألوهم} عن حالهم {ان كانوا ينطقون} اى ان كانوا ممن ينطقون حتى يخبروا من فعل ذلك بهم وفى الحديث "حديث : لم يكذب ابراهيم النبى قط الا ثلاث كذبات"تفسير : سميت المعاريض كذبا لما شابهت صورتها صورته والا فالكذب الصريح كبيرة فالانبياء معصومون منها. فان قلت اذا كانت هذه معاريض لم جعلها سببا فى تقاعده عن الشفاعة حين يأتى الناس اليه يوم القيامة. قلت الذى يليق بمرتبة النبوة والخلة ان يصدع بالحق ويصرح بالامر ولكنه قد تنزل الى الرخصة فان حسنات الابرار سيآت المقربين والتعريض تورية الكلام عن الشئ بالشئ وهو ان تشير بالكلام الى شئ والغرض منه شئ آخر فالغرض من قوله بل فعله كبيرهم الاعلام بان من لم يستطع دفع المضرة عن نفسه كيف يستطيع دفع المضرة عن غيره فكيف يصلح الها. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام الكلام وسيلة الى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوصل اليه بالصدق الكذب جميعا فالكذب فيه حرام فان امكن التوصل اليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح ان كان تحصيل ذلك المطلوب مباحا وواجب ان كان المقصود واجبا فهذا ضابطه ثنتين فى ذات الله اى فى طلب رضاه والثالثة كانت لدفع الفساد عن سارة وفيها رضى الله ايضا لكن لما كان له نفع طبيعى فيها خصص الثنتين بذات الله دونها قوله انى سقيم اى احدى تلك الكذبتين قوله انى سقيم وذلك انه لما قال له ابوه لو خرجت معنا الى عيدنا لأعجبك ديننا فخرج معهم فلما كان ببعض الطريق القى نفسه وقال انى سقيم تأويله ان قلبى سقيم بكفركم او مراده الاستقبال كما قال الكلبى كان ابراهيم من اهل بيت ينظرون فى النجوم وكانوا اذا خرجوا للعيد لم يتركوا الا مريضا فلماهم ابراهيم بكسر الاصنام نظر قبل العيد الى السماء وقال ارانى اشتكى غدا فاصبح معصوبا رأسه فخرج القوم ولم يخلف غيره وقوله بل فعله كبيرهم مرشرحه وواحدة فى شأن سارة وذلك انه قدم الاردن وبها ملك جبار يقال له صادوق ومعه سارة وكانت احسن الناس فقال لها ان هذا الجبار ان يعلم انك امرأتى يغلبنى عليك فاخبريه انك اختى اى فى الاسلام فانى لااعلم فى الارض مسلما غيرك وغيرى فلما دخل ارضه رآها بعض اهل الجبار فقال له لقد قد ارضك امرأة لا ينبغى ان تكون الا لك فارسل اليها فاتى بها وقام ابراهيم الى الصلاة والدعاء فلما دخلت عليه اعجبته فمد يده اليها فايبس الله تعالى يده فقال لها ادعى الله ان يطلق يدى ولا اضرك فدعت فعاد ثم وثم حتى دعا الذى جاء بها وقال اخرجها من ارضى واعطاها هاجر وكانت جارية فى غاية الحسن والجمال وهبتها سارة لابراهيم فولدت له اسماعيل عليهما السلام

الجنابذي

تفسير : {قَالُوۤاْ} فى حمله على الاقرار {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ قَالَ} ما انا فعلته {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا} لمّا كان السّؤال عن الفاعل بعد كون الفعل مسلّم الوقوع كان الموافق للجواب ان يقول: بل كبيرهم فعل ليكون اثباتاً للفعل المسلّم للكبير ونفياً له عن غيره لكنّه قدّم الفعل لانّه اراد ان يبرز الفعل مبرز المفروض، لانّ هذه القضيّة من القضايا الفرضيّة المتداولة فى العرب والعجم، والانسب بالقضايا الفرضيّة ان يكون الفعل فرضيّاً ايضاً فانّها فى التّقدير هكذا بل فعله كبيرهم ان كان ما تقولون من انّهم آلهة حقّاً لانّ كسر الاله لا يتمشّى الاّ من الاله ولانّ الكبير ينبغى ان ينفى الغير عن الآلهة ويكسره لاقتضاء كلّ منهم التّفرّد بما فيه كماله، وقيل: انّها قضيّة مفروضة وشرطها قوله ان كانوا ينطقون، وقيل: انّ المراد به التّعجيز والالزام وليس باخبارٍ حتّى يكون كذباً، وقيل: انّ الوقف على فعله وكبيرهم ابتداء كلام وهو بعيدٌ لفظاً ومعنىً فانّ التّقدير حينئذٍ فعله من فعله ويكون جواباً بالفعل عن السّؤال عن الفاعل ويكون حذفاً للفاعل او اضماراً له من غير قرينة ومرجع، وروى انّه ما فعله كبيرهم وما كذب وقد علم وجهه ونسب الى الخبر انّ ابراهيم كذب ثلاث كذبات قوله: انّى سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم، وقوله فى سارة لمّا اراد الجبّار اخذها وكانت زوجته انّها اختى {فَاسْأَلُوهُمْ} يعنى فاسئلوا جميعهم {إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} والامر للالزام والاقرار بعدم النّطق حتّى يقرّوا بعدم الآلهة، والاتيان بضمائر ذوى العقول كان موافقاً لاعتقادهم او للاستهزاء.

الهواري

تفسير : فـ {قَالُوا ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِئَالِهَتِنَا يَآإِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْألُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ}. قال الحسن: إن كذِبَه في مكيدته إياهم موضوع عنه. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث الشفاعة حين يأتون آدم، ثم نوحاً، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمداً صلى الله عليه وسلم، فذكر ما يقول كل نبيّ منهم. فذكر في قول إبراهيم حين سألوه أن يشفع لهم: إني لست هناكم. ويذكر ثلاث كذبات. قوله: {إني سقيم}، وقوله: {فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذَا}، وقوله لامرأته سارّة إن سألوك فقولي: إنه أخي. وهذا ليس من قول المسلمين، وهذه رواية ليس بالمجتمع عليها. والكذب منفي عن خليل الرحمن. وأما قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} فممّا يعملون من المعاصي، وقد أمرهم بغير ذلك، مثل ما يقول القائل: أسقمني هذا الكلام إذا فعل خلاف ما أمره به. وأما قوله لامرأته سارّة: إن سألوك فقولي إنه أخي، فهي أخته في الدين، وهي أيضاً أخته لأنها ابنة آدم، وهو ابن آدم. وأما قوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذَا}، فتوبيخ، ولا يقع الكذب في التوبيخ. فهذا أولى التأويل بالنبي عليه السلام مما أوردت الرواة إنه كذب ثلاث كذبات.

اطفيش

تفسير : {قَالُوا أأنْتَ} بتحقيق الهمزتين، وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه. وأنت مبتدأ خبره ما بعده، أو فاعل لمحذوف مدلول عليه بما بعده، وهو عندهم أولى. والأصل: أفعلت. ولما حذف الفعل انفصل الضمير. {فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ}: لا. {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} غضباً أن تعبد معه هذه الأصنام التى دونه وليس - عليه السلام - مريدا حقيقة هذا الكلام، ولكنه أراد أنه ما فعل ذلك إلا أن يبكنهم تعريضا لا تصريحا، وهو أبلغ، كما لو فعلت فعلا حسنا، وقد اشتهرت بحسن ذلك الفعل، وقال لك من لا يفعل مثله أصلا، أو يفعله ولا يحسنه: أأنت فعلت هذا؟ فتقول له: بل فعلتَه أنت. فإنَّ قصْدك بهذا الجواب تقرير الفعل لنفسك، ونفيه عنه، مع الاستهزاء به وهذا قصد إبراهيم، مع قصد النجاة من ضرهم، بأن يحملوا كلامه على ظاهره، من أن الفاعل هو كبيرهم، وإن فطنوا به فقد فطنوا بالحجة عليهم، والله منجيه، أو أسند الفعل إلى كبيرهم؛ لأنه هو السبب لفعل إبراهيم ذلك. وذلك أنه غاظته تلك الأصنام، إذ رآها مصطفة وكان غيظ كبيرها أشد بما رآه من شدة تعظيمهم له، أو أراد أن القياس - على زعمكم - أن يكون الفاعل هو الكبير. ومن شأن من يُعبد أن يفعل هذا وأشد منه. ويحتمل أن يريد بل فعله إبراهيم والفتى، وهو هو. ويدل له وقْفُ بعضٍ على {فَعَلَه} ويكون كبيرهم هذا مبتدأ أو خبرا. وعبَّر بالغيبة، مع أن مقتضى الظاهر أن يقول: بل فعلته، ليتوهموا أن الفعل مسند إلى كبيرهم، وأن هذا بدل، أو بيان، كما فى الأوجه السابقة وعلى هذا قبل إضراب عن الشك الموقِع فى الاستفهام. وقال الفراء: الأصل: فلعلّه، حذفت اللام الأولى من لعل، وخففت الثانية، وهو تكلف، لكن تطابقه قراءة محمد بن السميفع فعلّه كبيرهم، بالتشديد للام. وفى حديث الشفاعة: إنهم يأتون إبراهيم فيقولون له: قم اشفع فى أهل الموقف. فيقول: لستُ بأهلها؛ لثلاث كذبات: قولى: {أية : إنى سقيم} تفسير : وقولى: {بل فعله كبيرهم هذا} وقولى فى سارة لمَا تعرض لها سلطان: إنها أختى، مع أنها زوجتى. أو قال لها: إن سألوكِ فقولى: إنه أخى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات"تفسير : . قلنا: ليس حمل ذلك على ظاهره من قول المسلمين، ولكن سميت المعاريض كذبا لأنها على صورته. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن فى المعاريض لمندوحةً عن الكذب"تفسير : ، فالمراد أنه لم يتكلم بما على صورة الكذب، لكراهته صورتها، إلا بهذه الثلاثة وأشفق منها. أما قوله: {بل فعله كبيرهم} فقد مر بيانه. وأما قوله: إن سارة أخته، فالمراد به أنها أخته فى الدين، أو أنها بنت آدم، وهو ابن آدم. وأما قوله: {أية : إنى سقيم} تفسير : فمعناه إنى مغتم لضلالتكم. وأما قوله: {بل فعله كبيرهم} فيحتمل التعليق بقوله: {إن كانوا ينطقون} وما بينهما اعتراض. وزعم بعض أن ذلك كذب حقيقة، أذن الله له فيه، لمصلحة الدين. قال الفخر: فليجز هذا فيما أُخبر به الأنبياء وذلك يبطل الوثوق بالشرائع، ويطرق التهمة إليها. وإنما قال إبراهيم هذا لأنهم أتوا به إلى بيت الأصنام. {فاسأَلُوهُمْ} عن فاعله. {إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} جواب إن محذوف، يدل له اسألوهم، أو فعله كبيرهم وفى ذلك تعريض، بأَن من لا يفعل شيئا أو لا يتكلم لا يكون إلها وقياس الخط أن تكتب صورة ألف بعد الفاء، ولم تكتب فى مصاحف المغرب.

الالوسي

تفسير : {قَالُواْ} استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية قولهم كأنه قيل فماذا فعلوا به بعد ذلك هل أتوا به أولاً؟ فقيل قالوا: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ} اقتصاراً على حكاية مخاطبتهم إياه عليه السلام للتنبيه على أن إتيانهم به ومسارعتهم إلى ذلك أمر محقق غني عن البيان، والهمزة كما قال العلامة التفتازاني للتقرير بالفاعل إذ ليس مراد الكفرة حمله عليه السلام على الإقرار بأن كسر الأصنام قد كان بل على الإقرار بأنه منه كيف وقد أشاروا إلى الفعل في قولهم: {أأنت فَعَلْتَ هَـٰذَا} وأيضاً: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا ...}.

ابن عاشور

تفسير : وقع هنا حذف جملة تقتضيها دلالة الاقتضاء. والتقدير: فأتَوا به فقالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا. وقوله تعالى {بل}إبطال لأن يكون هو الفاعل لذلك، فنفى أن يكون فعَل ذلك، لأن (بل) تقتضي نفي ما دل على كلامهم من استفهامه. وقوله تعالى {فعله كبيرهم هذا} الخبر مستعمل في معنى التشكيك، أي لعله فعله كبيرهم إذ لم يقصد إبراهيم نسبة التحطيم إلى الصنم الأكبر لأنه لم يدع أنه شاهد ذلك ولكنه جاء بكلام يفيد ظنه بذلك حيث لم يَبق صحيحاً من الأصنام إلا الكبير. وفي تجويز أن يكون كبيرهم هذا الذي حطمهم إخطار دليل انتفاء تعدد الآلهة لأنه أوهمهم أن كبيرهم غضب من مشاركة تلك الأصنام له في المعبودية، وذلك تدرّج إلى دليل الوحدانية، فإبراهيم في إنكاره أن يكون هو الفاعل أراد إلزامهم الحجة على انتفاء ألوهية الصنم العظيم، وانتفاء ألوهية الأصنام المحطمة بطريق الأوْلى على نية أن يكر على ذلك كله بالإبطال ويوقنهم بأنه الذي حطم الأصنام وأنها لو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها ولو كان كبيرهم كبير الآلهة لدفع عن حاشيته وحرفائه، ولذلك قال {فاسألوهم إن كانوا ينطقون} تهكُّماً بهم وتعريضاً بأن ما لا ينطق ولا يعرب عن نفسه غير أهل للآلهية. وشمل ضمير {فاسألوهم}جميع الأصنام ما تحطم منها وما بقي قائماً. والقوم وإن علموا أن الأصنام لم تكن تتكلم من قبل إلا أن إبراهيم أراد أن يقنعهم بأن حدثاً عظيماً مثل هذا يوجب أن ينطقوا بتعيين من فعلَه بهم. وهذا نظير استدلال علماء الكلام على دلالة المعجزة على صدق الرسول بأن الله لا يخرق عادة لتصديق الكاذب، فخلقه خارق العادة عند تحدّي الرسول دليل على أن الله أراد تصديقه. وأما ما روي في «الصحيح» عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «حديث : لم يكذب إبراهيم إلا ثلاثَ كَذبات ثنتين منه في ذات الله ــــ عزّ وجل ــــ قوله {إني سقيم} [الصافات: 89] وقوله {بل فعله كبيرهم هذا}. وبيْنَا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبّار من الجبابرة فقيل له: إن ها هنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فقال: من هذه؟ قال: أختي. فأتى سارة فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وأن هذا سألني فأخبرته أنكِ أختي فلا تكذبيني...» تفسير : وساق الحديث. فمعناه أنه كذب في جوابه عن قول قومه: {أأنت فعلت هذا بآلهتنا} حيث قال: {بل فعله كبيرهم هذا}، لأن (بل) إذا جاء بعد استفهام أفاد إبطال المستفهم عنه. فقولهم: {أأنت فعلتَ هذا} سؤال عن كونه محطمَ الأصنام، فلما قال: {بل} فقد نفى ذلك عن نفسه، وهو نفي مخالف للواقع ولاعتقاده فهو كذب. غير أن الكذب مذموم ومنهي عنه ويرخص فيه للضرورة مثل ما قاله إبراهيم، فهذا الإضراب كان تمهيداً للحجة على نية أن يتضح لهم الحق بآخره. ولذلك قال: {أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرّكم} الآية. أما الإخبار بقوله {فعله كبيرهم هذا} فليس كذباً وإن كان مخالفاً للواقع ولاعتقاد المتكلم لأن الكلام والأخبار إنما تستقر بأواخرها وما يعقبها، كالكلام المعقب بشرط أو استثناء، فإنه لما قصد تنبيههم على خطأ عبادتهم للأصنام مهدّ لذلك كلاماً هو جار على الفرض والتقدير فكأنه قال: لو كان هذا إلهاً لما رضي بالاعتداء على شركائه، فلما حصل الاعتداء عليهم بمحضر كبيرهم تعين أن يكون هو الفاعلَ لذلك، ثم ارتقى في الاستدلال بأن سلبَ الإلهية عن جميعهم بقوله {إن كانوا ينطقون} كما تقدم. فالمراد من الحديث أنها كذبات في بادىء الأمر وأنها عند التأمل يظهر المقصود منها. وذلك أن النهي عن الكذب إنما علته خدع المخاطب وما يتسبب على الخبر المكذوب من جريان الأعمال على اعتبار الواقعُ بخلافه. فإذا كان الخبر يُعقب بالصدق لم يكن ذلك من الكذب بل كان تعريضاً أو مزحاً أو نحوهما. وأما ما حديث : ورد في حديث الشفاعة «فيقول إبراهيم: لست هناكم ويذكر كذَبات كذبها» تفسير : فمعناه أنه يذكر أنه قال كلاماً خِلافاً للواقع بدون إذن من الله بوحي، ولكنه ارتكب قولَ خلاف الواقع لضرورة الاستدلال بحسب اجتهاده فخشي أن لا يصادف اجتهاده الصواب من مراد الله فخشي عتاب الله فتخلص من ذلك الموقف. وقوله تعالى {فرجعوا إلى أنفسهم} يجوز أن يكون معناه فرجع بعضهم إلى بعض، أي أقبل بعضهم على خطاب بعض وأعرضوا عن مخاطبة إبراهيم على نحو قوله تعالى: {أية : فسلِّموا على أنفسكم}تفسير : [النور: 61] وقوله تعالى: {أية : ولا تقتلوا أنفسكم}تفسير : [النساء: 29]، أي فقال بعضهم لبعض إنكم أنتم الظالمون. وضمائر الجمع مراد منها التوزيع كما في: ركب القومُ دوابهم، ويجوز أن يكون معناه فرجع كل واحد إلى نفسه، أي ترك التأمل في تهمة إبراهيم وتدبر في دفاع إبراهيم. فلاح لكل منهم أن إبراهيم بريء فقال بعضهم لبعض {إنكم أنتم الظالمون}. وضمائر الجمع جارية على أصلها المعروف. والجملة مفيدة للحصرْ، أي أنتم ظالمون لا إبراهيم لأنكم ألصقتم به التهمة بأنه ظَلَم أصنامنا مع أن الظاهر أن نسألها عمّن فعلَ بها ذلك، ويظهر أن الفاعل هو كبيرهم. والرجوع إلى أنفسهم على الاحتمالين السابقين مستعار لشغل البال بشيء عقب شغله بالغير، كما يرجع المرء إلى بيته بعد خروجه إلى مكان غيره. وفعل {نُكِسوا} مبني للمجهول، أي نَكسهم ناكس، ولمّا لم يكن لذلك النكس فاعل إلاّ أنفسهم بني الفعل للمجهول فصار بمعنى: انتَكَسوا على رؤوسهم. وهذا تمثيل. والنكس: قلب أعلى الشيء أسفلَه وأسفله أعلاه، يقال: صُلب اللص منكوساً، أي مجعولاً رأسه مباشراً للأرض، وهو أقبح هيئات المصلوب. ولما كان شأن انتصاب جسم الإنسان أن يكون منتصباً على قدميه فإذا نُكِّس صار انتصابه كأنه على رأسه، فكان قوله هنا {نكسوا على رؤوسهم} تمثيلاً لتغيّر رأيهم عن الصواب كما قالوا {إنكم أنتم الظالمون} إلى معاودة الضلال بهيئة من تغيرت أحوالهم من الانتصاب على الأرجل إلى الانتصاب على الرؤوس منكوسين. فهو من تمثيل المعقول بالمحسوس والمقصود به التشنيع. وحرف (على) للاستعلاء أي علت أجسادهم فوق رؤوسهم بأن انكبوا انكباباً شديداً بحيث لا تبدو رؤوسهم. وتحتمل الآية وجوهاً أخرى أشار إليها في «الكشاف». والمعنى: ثم تغيرت آراؤهم بعد أن كادوا يعترفون بحجة إبراهيم فرجعوا إلى المكابرة والانتصار للأصنام، فقالوا: {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون}، أي أنت تعلم أن هؤلاء الأصنام لا تنطق فما أردت بقولك {فاسألوهم إن كانوا ينطقون} إلا التنصل من جريمتك. فجملة {لقد علمت} إلى آخرها مقول قول محذوف دل عليه {فقالوا إنكم أنتم الظالمون}. وجملة {ما هؤلاء ينطقون} تفيد تقوي الاتصاف بانعدام النطق، وذلك بسبب انعدام آلته وهي الألسُن. وفعل {عَلمت} معلق عن العمل لوجود حرف النفي بعده، فلما اعترفوا بأن الأصنام لا تستطيع النطق انتهز إبراهيم الفرصة لإرشادهم مفرعاً على اعترافهم بأنها لا تنطق استفهاماً إنكارياً على عبادتهم إياها وزائداً بأن تلك الأصنام لا تنفع ولا تضر. وجعل عدم استطاعتها النفع والضر ملزوماً لعدم النطق لأن النطق هو واسطة الإفهام، ومن لا يستطيع الإفهام تبين أنه معدوم العقل وتوابعه من العلم والإرادة والقدرة. و {أُفّ}اسم فعل دالّ على الضجَر، وهو منقول من صورة تنفس المتضجّر لضيق نفسه من الغضب. وتنوين {أف} يسمى تنوين التنكير والمرَاد به التعظيم، أي ضجراً قوياً لكم. وتقدم في [سورة الإسراء: 23]{أية : فلا تقل لهما أف}.تفسير : واللام في {لكم} لبيان المتأفّف بسببه، أي أف لأجلكم وللأصنام التي تعبدونها من دون الله. وإظهار اسم الجلالة لزيادة البيان وتشنيع عبادة غيره. وفَرَّع على الإنكار والتضجر استفهاماً إنكارياً عن عدم تدبرهم في الأدلة الواضحة من العقل والحس فقال: {أفلا تعقلون}.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَأَنْتَ} {بِآلِهَتِنَا} {يٰإِبْرَاهِيمُ} (62) - فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ أَمَامَ الجَمْعِ الحَاشِدِ قَالُوا لَهُ: هَلْ أَنْتَ الذي فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنا، وَجَعَلَها جُذَاذاً وَحُطَاماً؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا أيضاً كلام محذوف: فأتَوْا به، ثم سألوه هذا السؤال، والاستفهام {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا ..} [الأنبياء: 62] استفهام عن الفاعل؛ لأن الفعلَ واضح لا يحتاج إلى استفهام؛ لذلك لم يقُلْ: أفعلتَ هذا يا إبراهيم، بل اهتم بالفاعل: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا ..} [الأنبياء: 62] كما تقول: أبنيتَ الدار التي كنتَ تنوي بناءها؟ فهذا استفهام عن الفِعْل، إنما أأنت بنيت الدار، فالمراد الفاعل.