٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
64
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ} أي رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجته، المتفطن لصحة حجة خصمه. {فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ} أي بعبادة من لا ينطق بلفظة، ولا يملك لنفسه لحظة، وكيف ينفع عابديه ويدفع عنهم البأس، من لا يرد عن رأسه الفأس. قوله تعالى: {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ} أي عادوا إلى جهلهم وعنادهم فقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ} فـ{قَالَ} قاطعاً لما به يهذون، ومفحماً لهم فيما يتقوَّلون {أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ} أي النَّتن لكم {وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. وقيل: «نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ» أي طأطَؤا رءوسهم خجلاً من إبراهيم، وفيه نظر؛ لأنه لم يقل نكسوا رءوسهم، بفتح الكاف بل قال: «نُكِسُوا علَى رَءُوسِهِمْ» أي ردوا على ما كانوا عليه في أول الأمر، وكذا قال ابن عباس، قال: أدركهم الشقاء فعادوا إلى كفرهم.
البيضاوي
تفسير : {فَرَجَعُواْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ} وراجعوا عقولهم. {فَقَالُواْ} فقال بعضهم لبعض. {إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } بهذا السؤال أو بعبادة من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لا من ظلمتموه بقولكم {إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ }. {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُؤُوسِهِمْ} انقلبوا إلى المجادلة بعدما استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء مستعلياً على أعلاه. وقرىء {نُكِّسُواْ } بالتشديد و {نكسوا} أي نكسوا أنفسهم. {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلآءِ يِنْطِقُونَ} فكيف تأمرنا بسؤالها وهو على إرادة القول. {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ } إنكار لعبادتهم لها بعد اعترافهم بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر فإنه ينافي الألوهية. {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تضجر منه على إصرارهم بالباطل البين، و {أُفّ} صوت المتضجر ومعناه قبحاً ونتناً واللام لبيان المتأفف له. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } قبح صنيعكم. {قَالُواْ } أخذا في المضارة لما عجزوا عن المحاجة. {حَرِّقُوهُ} فإن النار أهول ما يعاقب به. {وَٱنصُرُواْ ءَالِهَتَكُمْ} بالانتقام لها. {إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ} إن كنتم ناصرين لها نصراً مؤزراً، والقائل فيهم رجل من أكراد فارس اسمه هيون خسف به الأرض وقيل نمروذ. {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِى بَرْداً وَسَلَـٰمَا عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ} ذات برد وسلام أي ابردي بردا غير ضار، وفيه مبالغات جعل النار المسخرة لقدرته مأمورة مطيعة وإقامة {كُونِى } ذات برد مقام أبردي، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل نصب {سَلاَماً } بفعله أي وسلمنا سلاماً عليه. روي أنهم بنوا حظيرة بكوثى وجمعوا فيها ناراً عظيمة ثم وضعوه في المنجنيق مغلولاً فرموا به فيها فقال له جبريل: هل لك حاجة، فقال: أما إليك فلا فقال: فسل ربك فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فجعل الله تعالى ـ ببركة قوله ـ الحظيرة روضة ولم يحترق منه إلا وثاقه، فاطلع عليه نمرود من الصرح فقال إني مقرب إلى إلهك فذبح أربعة آلاف بقرة وكف عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وكان إذ ذاك ابن ست عشرة سنة وانقلاب النار هواء طيباً ليس ببدع غير أنه هكذا على خلاف المعتاد فهو إذن من معجزاته. وقيل كانت النار بحالها لكنه سبحانه وتعالى دفع عنه أذاها كما ترى في السمندل ويشعر به قوله على إبراهيم. {وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً} مكراً في إضراره. {فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ} أخسر من كل خاسر لما عاد سعيهم برهاناً قاطعاً على أنهم على الباطل وإبراهيم على الحق وموجباً لمزيد درجته واستحقاقهم أشد العذاب. {وَنَجَّيْنَـٰهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ} أي من العراق إلى الشام وبركاته العامة أن أكثر الأنبياء بعثوا فيه فانتشرت في العالمين شرائعهم التي هي مبادي الكمالات والخيرات الدينية والدنيوية. وقيل كثرة النعم والخصب الغالب. روي أنه عليه الصلاة والسلام نزل بفلسطين ولوط عليه الصلاة والسلام بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة. {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} عطية فهي حال منهما أو ولد ولد، أو زيادة على ما سأل وهو إسحاق فتختص بيعقوب ولا بأس به للقرينة. {وَكُلاًّ } يعني الأربعة. {جَعَلْنَا صَـٰلِحِينَ } بأن وفقناهم للصلاح وحملناهم عليه فصاروا كاملين. {وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً } يقتدى بهم. {يَهْدُونَ} الناس إلى الحق. {بِأَمْرِنَا} لهم بذلك وأرسلنا إياهم حتى صاروا مكملين. {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرٰتِ} ليحثوهم عليها فيتم كمالها بانضمام العمل إلى العلم، وأصله أن تفعل الخيرات ثم فعلا الخيرات وكذلك قوله: {وَإِقَامَ ٱلصَّلوٰة وَإِيتَاء ٱلزَّكَـوٰةِ} وهو من عطف الخاص على العام للتفضيل، وحذفت تاء الإِقامة المعوضة من إحدى الألفين لقيام المضاف إليه مقامها. {وَكَانُواْ لَنَا عَـٰبِدِينَ } موحدين في العبادة ولذلك قدم الصلة. {وَلُوطاً اتَيْنَـٰهُ حُكْماً } حكمة أو نبوة أو فصلاً بين الخصوم. {وَعِلْماً } بما ينبغي علمه للأنبياء. {وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ } قرية سدوم. {ٱلَّتِى كَانَت تَعْمَلُ ٱلْخَبَـٰئِثَ} يعني اللواطة وصفها بصفة أهلها أو أسندها إليها على حذف المضاف وإقامتها مقامه ويدل عليه: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَـٰسِقِينَ} فإنه كالتعليل له. {وَأَدْخَلْنَـٰهُ فِى رَحْمَتِنَا } في أهل رحمتنا أو جنتنا. {إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } الذين سبقت لهم منا الحسنى. {وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ } إذ دعا الله سبحانه على قومه بالهلاك. {مِن قَبْلُ} من قبل المذكورين. {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ } دعاءه. {فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } من الطوفان أو أذى قومه والكرب الغم الشديد. {وَنَصَرْنَـٰهُ } مطاوع انتصر أي جعلناه منتصراً. {مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ} لاجتماع الأمرين تكذيب الحق والانهماك في الشر، ولعلهما لم يجتمعا في قوم إلا وأهلكهم الله تعالى.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن قوم إبراهيم حين قال لهم ما قال، {فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ} أي: بالملامة في عدم احترازهم وحراستهم لآلهتهم، فقالوا: {إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي: في ترككم لها مهملة لا حافظ عندها، {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ} أي: ثم أطرقوا في الأرض، فقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ}. قال قتادة: أدركت القوم حيرة سوء، فقالوا {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ}. وقال السدي: {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ} أي: في الفتنة. وقال ابن زيد: أي: في الرأي، وقول قتادة أظهر في المعنى؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك حيرة وعجزاً، ولهذا قالوا له: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ} فكيف تقول لنا: سلوهم إن كانوا ينطقون، وأنت تعلم أنها لا تنطق، فعندها قال لهم إبراهيم لما اعترفوا بذلك: {أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ} أي: إذا كانت لا تنطق، وهي لا تنفع ولا تضر، فلم تعبدونها من دون الله؟ {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي: أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ، الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر؟ فأقام عليهم الحجة، وألزمهم بها، ولهذا قال تعالى: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ} تفسير : [الأنعام: 83] الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَرَجَعُواْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ } بالتفكر {فَقَالُواْ } لأنفسهم {إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ } أي بعبادتكم من لا ينطق.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {فَرَجَعُواْ إِلَى أَنفُسِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: أن رجع بعضهم إلى بعض. الثاني: أن رجع كل واحد منهم إلى نفسه متفكراً فيما قاله إبراهيم، فحاروا عما أراده من الجواب فأنطقهم الله تعالى الحق {فَقَالُواْ: إِنَّكم أَنتُمُ الظَّالِمُونَ} يعني في سؤاله، لأنها لو كانت آلهة لم يصل إبراهيم إلى كسرها، ولو صحبهم التوفيق لآمنوا هذا الجواب لظهور الحق فيه على ألسنتهم. {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَى رُءوسِهِمْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه أنها رجعوا إلى شِركهم بعد اعترافهم بالحق. الثاني: يعني أنهم رجعواْ إلى احتجاجهم على إبراهيم بقولهم:{لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلآءِ يَنطِقُونَ}. الثالث: أنهم نكسواْ على رؤوسهم واحتمل ذلك منهم واحداً من أمرين: إما انكساراً بانقطاع حجتهم، وإما فكراً في جوابهم فأنطقهم الله بعد ذلك بالحجة إذعاناً لها وإقراراً بها، بقولهم: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلآءِ يَنطِقُونَ} فأجابهم إبراهيم بعد اعترافهم بالحجة.
ابن عطية
تفسير : المعنى فظهر لهم ما قال إبراهيم من أن الأصنام التي قد أهلوها للعبادة ينبغي ان تسأل وتستفسر "فقالوا إنكم الظالمون" في توقيف هذا الرجل على هذا الفعل وأنتم معكم من تسألون، ثم ارتكبوا في ضلالهم ورأوا بالفكرة وبديهة العقل أن الأصنام لا تنطق فسامهم ذلك حتى نطقوا عنه إلى موضع قيام الحجة عليهم، وقوله تعالى: {نكسو على رؤوسهم} استعارة للذي يرتطم في غيه كأنه منكوس على رأسه فهي أقبح هيئة للإنسان وكذلك هذا هو في أسوأ حالات النظر فقالوا لإبراهيم حين نكسوا في حيرتهم {ولقد علمت ما هؤلاء ينطقون} أي فما بالك تدعو إلى ذلك فوجد إبراهيم عليه السلام عند هذه المقالة موضع الحجة ووقفهم موبخاً على عبادتهم تماثيل لا تنفع بذاتها ولا تضر ثم حقر شأنها وأزرى بها في قوله {أف لكم} وقرأ ابن كثير "أفّ لكم" بالفتح، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر "أفِ لكم" بالكسر وترك التنوين فيهما، وقرأ نافع وحفص عن عاصم "أفٍّ" بالكسر والتنوين و {أف} لفظة تقال عند المستقذرات من الأشياء فيستعار ذلك للمكروه من المعاني كهذا وغيره فلما غلبهم إبراهيم عليه السلام من جهة النظر والحجة نسكوا رؤوسهم وأخذتهم عزة بإثم وانصرفوا إلى طريق الغشم والغلبة فـ {قالوا حرقوه} وروي أن قائل هذه المقالة هو رجل من الأكراد من أعراب فارس أي من باديتها فخسف الله تعالى به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: {إن كنتم فاعلين} تحريض كما تقول أعزم على كذا إن كنت عازماً، وروي أنهم لما أجمع رأيهم على تحريقه حبسه نمرود الملك وأمر بجمع الحطب فجمع في مدة أشهر وكان المريض يجعل على نفسه نذراً إن هو برىء أن يجمع كذا وكذا حزمة حتى اجتمع من الحطب مما تبرع به الناس ومما جلب الملك من أهل الرساتين كالجبل من الحطب ثم أضرم ناراً فلما أرادوا طرح إبراهيم فيه لم يقدروا على القرب منه، فجاءهم إبليس في صورة شيخ فقال لهم أنا أصنع لكم آلة يلقى بها في النار، فعلمهم صنعة المنجنيق، ثم أخرج إبراهيم عليه السلام فشد رباطاً ووضع في كفه المنجنيق ورمي به فوقع في النار وقد قيل لها {كوني برداً وسلاماً} فاحترق الحبل الذي ربط به فقط. وروي أن جبريل عليه السلام جاءه وهو في الهواء فقال له ألك حاجة فيروى أنه قال أما إليك فلا. ويروى أنه قال إني خليل وإنما أطلب حاجتي من خليلي لا من رسوله فقال الله تعالى: يا إبراهيم قطعت الواسطة بيني وبينك لأقطعنها بيني وبين النار، يا نار. وروي أنه حين خوطبت النار خمدت كل نار في الأرض. وروي أن الغراب كان ينقل الحطب إلى نار إبراهيم. وروي أن الوزغة كانت تنفخ عليه لتضرم وكذلك البغل. وروي أن العضرفوط والخطافة والضفدع كانوا ينقلون الماء لتطفأ النار فأبقى الله على هذه الوقاية وسلط الله على تلك الأخرى النوائب والأيدي وقال بعض العلماء إن الله تعالى لو لم يقل {وسلاماً} لهلك إبراهيم من برد النار. قال القاضي أبو محمد: وقد أكثر الناس في قصص حرق إبراهيم وذكروا تحديد مدة بقائه في النار وصورة بقائه ما رأيت اختصاره لقلة صحته، والصحيح من ذلك أنه ألقي في النار فجعلها الله تعالى عليه {برداً وسلاماً} فخرج منها سالماً وكانت أعظم آية. وروي انهم قالوا إنها نار مسحورة لا تحرق فرموا فيها شيخاً منهم فاحترق. وروي أن العيدان أينعت وأثمرت له هنالك ثمارها التي كانت أُصولها، وقوله {وسلاماً} معناه وسلامة، وقال بعضهم هي تحية من الله تعالى لإبراهيم (ع): وهذا ضعيف وكان الوجه أن يكون مرفوعاً، و"الكيد" هو ما أرادوه من حرقه وكانوا في خسارة من كفرهم وغلبته لهم وحرق الشيخ الذي جربوا به النار. وروي أن الملك بنى بناء واطلع منه على النار فرأى إبراهيم عليه السلام ومعه ناس فعجب وسأل هل طرح معه أحد فقيل له فناداه فقال من أولئك فقال هم ملائكة ربي ع والمروي في هذا كثير غير صحيح.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلَى أَنفُسِهِمْ} رجع بعضهم إلى بعض، أو رجع كل واحد إلى نفسه مفكراً فيما قاله إبراهيم. {أَنتُمُ الظَّالِمُونَ} بسؤاله لأنها لو كانت آلهة لم يصل إليها، حادوا عما أرادوه من الجواب وأنطقهم الله بالحق.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ}، أي: في توقيف هذا الرجل على هذا الفعلِ وأَنتم معكم من تسألون ثم رأوا ببديهة العقل أنَّ الأصنام لا تنطق، فقالوا لإبراهيمَ حين نكسوا في حيرتهم: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ}، فوجد إبراهيمُ عليه السلام عند هذه المقالة موضعَ الحُجَّةِ ووقفهم مُوَيبِّخاً لهم بقوله: {أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً...} الآية. ثم حَقَّرَ شأنهم وشأنها بقوله: {أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...} الآية. * ص *: وقولهم: {لَقَدْ عَلِمْتَ}: جواب قَسَمٍ محذوف معمول لقول محذوف في موضع الحال، أي: قائلين، لقد علمت. انتهى. وقال الثعلبي: {فَرَجَعُواْ إِلَى أَنفُسِهِمْ}، أي: تفكروا بعقولهم فقالوا: ما نراه إلاَّ كما قال، إنكُم أنتم الظالمون في عبادتكم الأَصنامَ الصغارَ مع هذا الكبير. اهـــ. وما قدمناه عن * ع * هو الأَوْجَهُ و {أُفٍّ} لفظة تُقال عند المُسْتَقْذَرَاتِ من الأَشياءِ، ويُسْتَعَارُ ذلك للمُسْتَقْبَح من المعاني، ثم أخذتهم العِزَّةُ بالإثم وانصرفوا إلى طريق الغلبة والغشم، فقالوا: {حَرِّقوه}؛ رُوِيَ: أَنَّ قائل هذه المقالة هو رجل من الأَكْرَادِ من أعرابِ فارس، أي: من باديتها، فَخَسَفَ اللَّه به الأَرض، فهو يتجلجلُ فيها إلى يومِ القيامة، وروي: أَنه لما أجمع رأيهم على تحريقه حَبَسَهُ نمرودُ الملكُ (لعنه اللَّه) وأَمر بجمع الحَطَبِ حتى اجتمع منه ما شاءَ اللَّه، ثم أضرم ناراً فيما أرادوا طرحَ إِبراهيمَ فيها لم يقدروا على القرب منها، فجاءهم إبليسُ في صورة شيخ فقال لهم: أنا أصنع لكم آلةً يُلْقَى بها، فَعَلَّمَهُمْ صنعة المِنْجَنِيقِ، ثم أُخْرِجَ إبراهيمُ عليه السلام فشد رباطاً ووُضِعَ في كفَّةِ المنجنيق ورُمِيَ به, فتلقَّاهُ جبريلُ - عليه السلام - في الهواءِ فقال له: ألك حاجة؟ فقال: أمَّا إليك فلا، وأَمَّا إلى اللَّه فبلى. قلت: قال ابنُ عطاء اللَّه في «التنوير»: وكنْ أَيُّها الأَخْ إبراهيميّاً؛ إذْ زُجَّ به في المنجنيق، فتعرَّض له جبريل فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما إلى ربي، فبلى، قال: فَاسْأَلْهُ. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فانظرْ كيف رفع هِمَّتَهُ عن الخلق، ووجَّهَهَا إلى الملك الحقِّ، فلم يستغث بجبريل، ولا احتال على السؤال، بل رأى رَبَّهُ تعالى أقربَ إليه من جبريل ومن سؤاله؛ فلذلك سَلَّمَهُ من نمرودَ ونكَالِهِ، وأنعم عليه بنواله وأفضاله. انتهى. وقوله سبحانه: {قُلْنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَـٰماً} قال بعض العلماء فيما روي: إنَّ اللَّه تعالى لو لم يقلْ: {وَسَلَـٰماً} لهلك إبراهيمُ من برد النارِ، ورُوِيَ أَنَّه لما وقع في النار سَلَّمَهُ اللَّه، واحترق الحبل الذي رُبِطَ به، وقد أَكثر الناس في قصصه فاختصرناه؛ لعدم صِحَّة أكثره، وروي: أَنَّ إبراهيمَ عليه السلام كان له بسط وطعام في تلك النارِ كُلُّ ذلك من الجنة، وروي: أَنَّ العيدانَ أينعت وأثمرت له هناك ثمارَها، ورُوِيَ: أنهم قالوا: إنَّ هذه نار مسحورة، لا تحرق، فرموا فيها شيخاً منهم فاحترق،، واللَّه أعلم بما كان من ذلك. قلت: قال صاحب «غاية المغنم في اسم الله الأعظم» وهو من الأئمة المحدثين، وعن الإمام أَحمدَ بنِ حَنبلَ رحمه اللَّه: إنه يُكْتَبُ للمَحْمُومِ ويُعَلَّقُ عليه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، با اللَّه يا اللَّه محمد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، {يَٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ}، اللهم ربَّ جبريل وميكائيل اشْفِ حاملها بحولك وقوتك وجبروتك يا أرحمَ الراحمين» انتهى. وقوله: {وَسَلَـٰماً} معناه: وسلامةً، و«الكَيْدُ»: هو ما أرادوه من حرقه.
اسماعيل حقي
تفسير : {فرجعوا الى انفسهم} اى راجعوا عقولهم وتذكروا ان مالا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الاضرار بمن كسره بوجه من الوجوه يستحيل ان يقدر على دفع مضرة غيره او جلب منفعة له فكيف يستحق ان يكون معبودا {فقالوا} اى قال بعضهم لبعض فيما بينهم {انكم انتم الظالمون} بعبادتها لا من كسرها
الجنابذي
تفسير : {فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ} يعنى صرفوا وجوههم عن ابراهيم (ع) وتوجّه بعضهم الى بعضٍ، او رجعوا الى عقولهم من عاداتهم وادركوا بعقولهم صدق مقالته {فَقَالُوۤاْ} اى قال بعضهم خطاباً لجميعهم {إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ} فى نسبة الآلهة الى ما لا يقدر على دفع الضّرّ عن نفسه ولا على النّطق، او فى نسبة الظّلم الى من كسر الاصنام، او فى ارادة السّوء بمن كسرها، او فى السّؤال عن ابراهيم لا عن الاصنام وليس ابراهيم ظالماً كما تفوّهتم به بقولكم: من فعل هذا بآلهتنا انّه لمن الظّالمين.
اطفيش
تفسير : {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ} بالتفكر والتأنى. {فَقَالُوا} أى قال بعضهم لبعض: ما نرى الأمر إلا كما قال، من أن الفاعل هو الكبير، أو من أن الطريق أن نسألهم، أو مِن ضلالة مَن يعبد التماثيل: {إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} على الحقيقة بقولكم: أأنت فعلت هذا، بل اسألوا آلهتكم، أو بقولكم: {أية : من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين} تفسير : أو بعبادة من لا يتكلم، أو بعبادة الصغار مع الكبير.
اطفيش
تفسير : {فرجَعُوا الى أنْفُسِهِم} بتذكر وتدبر، بأن ما لا يدفع الضر عن نفسه حتى كسر، ولا ينفع لا يكون إلهاً ولا يعبد {فقالُوا} كان القول فيهم بأن قال بعض لبعض {إنَّكُم أنتُم الظالمون} بعبادة ما لا ينطق، وما لا ينطق ولا حواس له لا يعقل، أو بسؤال إبراهيم، وترك سؤالها، وهى آلهتكم أو بسؤاله موبخين، أو بفعلتكم عنها حتى كسر، أو بعبادة الصغار مع هذا الكبير، حتى غضب وكسرها إذ عبدت معه، أو باتهام ابراهيم، وقد رأيتم الفأس معلقاً بالكبير، ومن لا يدفع عن رأسه الفأس، كيف يدفع عن عابديه البأس والحصر إضافى أى أنتم الظالمون لا ابراهيم.
الالوسي
تفسير : {فَرَجَعُواْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ} فتفكروا وتدبروا وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإضرار بمن كسره بوجه من الوجوه يستحيل أن يقدر على دفع مضرة عن غيره أو جلب منفعة له فكيف يستحق أن يكون معبوداً. {فَقَالُواْ} أي قال بعضهم لبعض فيما بينهم {إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي بعبادة ما لا ينطق قاله ابن عباس أو بسؤالكم إبراهيم عليه السلام وعدولكم عن سؤالها وهي آلهتكم ذكره ابن جرير أو بنفس سؤالكم إبراهيم عليه السلام حيث كان متضمناً التوبيخ المستتبع للمؤاخذة كما قيل أو بغفلتكم عن آلهتكم وعدم حفظكم إياها أو بعبادة الأصاغر مع هذا الكبير قالهما وهب أو بأن اتهمتم إبراهيم عليه السلام والفأس في عنق الكبير قاله مقاتل وابن إسحاق، والحصر إضافي بالنسبة إلى إبراهيم عليه السلام.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 64- فعادوا إلى أنفسهم يفكرون فيما هم عليه من عبادة ما لا ينفع غيره، ولا يدفع عن نفسه الشر، فاستبان لهم خطؤهم، وقال بعضهم: ليس إبراهيم من الظالمين، بل أنتم - بعبادة ما لا يستحق العبادة - الظالمون. 65- ثم انقلبوا من الرشاد الطارئ إلى الضلال، وقالوا لإبراهيم: إنك قد علمت أن هؤلاء الذين نعبدهم لا ينطقون، فكيف تطلب منا أن نسألهم؟ 66- قال: أيكون هذا حالهم من العجز، ويكون هذا حالكم معهم، فتعبدون من غير الله ما لا ينفعكم أقل نفع إن عبدتموه، ولا يضركم إن أهملتموه؟!. 67- قُبحاً لكم ولآلهتكم، أتعطلون تفكيركم وتُهملون الاعتبار بما تدركون؟ إن هذه الأصنام لا تستحق العبادة. 68- قال بعضهم لبعض: أحرقوه بالنار وانصروا آلهتكم عليه بهذا العقاب، إن كنتم تريدون أن تفعلوا ما تنصرون به آلهتكم. 69- فجعلنا النار باردة وسلاماً لا ضرر فيها على إبراهيم. 70- وأرادوا أن يبطشوا به فأنجيناه وجعلناهم أشد الناس خسراناً. 71- ونجَّيناه ولوطاً من كيد الكائدين، فاتجها إلى الأرض التى أكثرنا فيها الخير للناس جميعاً، وأرسلنا فيها كثيراً من الأنبياء. 72- ووهبنا له إسحاق، ومن إسحاق يعقوب هبة زائدة على ما طلب، وكلا من إسحاق ويعقوب جعلناه أهل صلاح.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلظَّالِمُونَ} (64) - فَرَجَعَ القومُ إِلَى أَنْفِسِهمْ بالمَلاَمَةِ عَلَى تَرْكِهِمْ آلِهَتَهُم بِدُونِ حارِسٍ وَلاَ حَافِظٍ. (وَقِيلَ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَلَى أَنْفُسِهِم بالملامَةِ إِذْ عَلِمُوا أنَّ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الأَذَى عَنْ نَفْسِهِ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَجْلِبَ النَفْعَ لِغَيْرِهِ، وَلاَ رَدَّ الأَذَى عَنْهُ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ مَعَبُوداً).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: تنبّهوا وعادوا إلى عقولهم، ونطقوا بالحق: {إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [الأنبياء: 64] يعني: بعبادتكم هذه الأصنام، وأنتم تعلمون أنها لا تنفع ولا تضرُّ، ولا ترى ولا تتكلم. هكذا واجهوا أنفسهم بهذه الحقيقة وكشفوا عن بطلان هذه العبادة، لكن هذه الصحوة ستكون على حسابهم، وخسارتهم بها ستكون كبيرة، هذه الصحوة ستُفقِدهم السُّلْطة الزمنية التي يعيشون في ظلها، وينتفعون من ورائها بما يُهدَي للأصنام؛ لذلك سرعان ما يتراجعون ويعودون على أعقابهم بعد أن غلبهم الواقع وتذكَّروا ما تجرُّه هذه الصحوة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):