٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
68
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين ما أظهره إبراهيم عليه السلام من دلائل التوحيد وإبطال ما كانوا عليه من عبادة التماثيل أتبعه بما يدل على جهلهم، وأنهم: {قَالُواْ حَرّقُوهُ وَٱنصُرُواْ ءَالِهَتَكُمْ} وههنا مسائل: المسألة الأولى: ليس في القرآن من القائل لذلك والمشهور أنه نمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن نمروذ بن كوش بن حام بن نوح، وقال مجاهد: سمعت ابن عمر يقول: إنما أشار بتحريق إبراهيم عليه السلام رجل من الكرد من أعراب فارس، وروى ابن جريج عن وهب عن شعيب الجبائي قال: إن الذي قال حرقوه رجل اسمه هيرين، فخسف الله تعالى به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. المسألة الثانية: أما كيفية القصة فقال مقاتل: لما اجتمع نمروذ وقومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بنياناً كالحظيرة، وذلك قوله: { أية : قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَـٰناً فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [الصافات: 97] ثم جمعوا له الحطب الكثير حتى أن المرأة لو مرضت قالت: إن عافاني الله لأجعلن حطباً لإبراهيم، ونقلوا له الحطب على الدواب أربعين يوماً، فلما اشتعلت النار اشتدت وصار الهواء بحيث لو مر الطير في أقصى الهواء لاحترق، ثم أخذوا إبراهيم عليه السلام ورفعوه على رأس البنيان وقيدوه، ثم اتخذوا منجنيقاً ووضعوه فيه مقيداً مغلولاً، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة إلا الثقلين صيحة واحدة، أي ربنا ليس في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم، وإنه يحرق فيك فأذن لنا في نصرته، فقال سبحانه: إن استغاث بأحد منكم فأغيثوه، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه، فخلوا بيني وبينه، فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم عليه السلام: لا حاجة بي إليكم، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: «اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، أنت حسبنا ونعم الوكيل» وقيل إنه حين ألقي في النار قال: «لا إله إلا أنت سبحانك ربك العالمين، لك الحمد ولك الملك، لا شريك لك» ثم وضعوه في المنجنيق ورموا به النار، فأتاه جبريل عليه السلام وقال: يا إبراهيم هل لك حاجة، قال: أما إليك فلا؟ قال: فاسأل ربك، قال: حسبي من سؤالي، علمه بحالي. فقال الله تعالى: {قُلْنَا يٰنَارُ كُونِى بَرْداً وَسَلَـٰمَا عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } وقال السدي: إنما قال ذلك جبريل عليه السلام، قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية مجاهد: ولو لم يتبع برداً سلاماً لمات إبراهيم من بردها، قال: ولم يبق يومئذ في الدنيا نار إلا طفئت، ثم قال السدي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم وأقعدوه في الأرض، فإذا عين ماء عذب، وورد أحمر، ونرجس. ولم تحرق النار منه إلا وثاقه، وقال المنهال بن عمرو أخبرت أن إبراهيم عليه السلام لما ألقى في النار كان فيها إما أربعين يوماً أو خمسين يوماً، وقال: ما كنت أياماً أطيب عيشاً مني إذ كنت فيها، وقال ابن إسحق: بعث الله ملك الظل في صورة إبراهيم، فقعد إلى جنب إبراهيم يؤنسه، وأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة، وقال: يا إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبابي، ثم نظر نمروذ من صرح له وأشرف على إبراهيم فرآه جالساً في روضة، ورأى الملك قاعداً إلى جنبه وما حوله نار تحرق الحطب، فناداه نمروذ: يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: قم فاخرج، فقام يمشي حتى خرج منها، فلما خرج قال له نمروذ: من الرجل الذي رأيته معك في صورتك؟ قال: ذاك ملك الظل أرسله ربي ليؤنسني فيها. فقال نمروذ: إني مقرب إلى ربك قرباناً لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك. فإني ذابح له أربعة آلاف بقرة، فقال إبراهيم عليه السلام: لا يقبل الله منك ما دمت على دينك، فقال نمروذ: لا أستطيع ترك ملكي، ولكن سوف أذبحها له، ثم ذبحها له وكف عن إبراهيم عليه السلام، ورويت هذه القصة على وجه آخر، وهي أنهم بنوا لإبراهيم بنياناً وألقوه فيه، ثم أوقدوا عليه النار سبعة أيام، ثم أطبقوا عليه، ثم فتحوا عليه من الغد، فإذا هو غير محترق يعرق عرقاً، فقال لهم هاران أبو لوط: إن النار لا تحرقه لأنه سحر النار، ولكن اجعلوه على شيء وأوقدوا تحته فإن الدخان يقتله، فجعلوه فوق بئر وأوقدوا تحته، فطارت شرارة فوقعت في لحية أبي لوط فأحرقته. المسألة الثالثة: إنما اختاروا المعاقبة بالنار لأنها أشد العقوبات، ولهذا قيل: {إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ } أي إن كنتم تنصرون آلهتكم نصراً شديداً، فاختاروا أشد العقوبات وهي الإحراق. أما قوله تعالى: {قُلْنَا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَـٰمَا عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو مسلم الأصفهاني في تفسير قوله تعالى: {قُلْنَا يا نارُ كُونِي بَرْداً } المعنى أنه سبحانه جعل النار برداً وسلاماً، لا أن هناك كلاماً كقوله: {أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } أي يكونه، وقد احتج عليه بأن النار جماد فلا يجوز خطابه، والأكثرون على أنه وجد ذلك القول. ثم هؤلاء لهم قولان: أحدهما: وهو قول سدي: أن القائل هو جبريل عليه السلام. والثاني: وهو قول الأكثرين أن القائل هو الله تعالى، وهذا هو الأليق الأقرب بالظاهر، وقوله: النار جماد فلا يكون في خطابها فائدة، قلنا: لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذلك الأمر مصلحة عائدة إلى الملائكة. المسألة الثانية: اختلفوا في أن النار كيف بردت على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الله تعالى أزال عنها ما فيها من الحر والإحراق، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق والله على كل شيء قدير. وثانيها: أن الله تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفية مانعة من وصول أذى النار إليه، كما يفعل بخزنة جهنم في الآخرة، وكما أنه ركب بنية النعامة بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة وبدن السمندل بحيث لا يضره المكث في النار. وثالثها: أنه سبحانه خلق بينه وبين النار حائلاً يمنع من وصول أثر النار إليه، قال المحققون: والأول أولى لأن ظاهر قوله: {يٰنَارُ كُونِي بَرْداً } أن نفس النار صارت باردة حتى سلم إبراهيم من تأثيرها، لا أن النار بقيت كما كانت، فإن قيل: النار جسم موصوف بالحرارة واللطافة، فإذا كانت الحرارة جزء من مسمى النار امتنع كون النار باردة، فإذاً وجب أن يقال: المراد من النار الجسم الذي هو أحد أجزاء مسمى النار وذلك مجاز فلم كان مجازكم أولى من المجازين الآخرين؟ قلنا: المجاز الذي ذكرناه يبقى معه حصول البرد وفي المجازين اللذين ذكرتموهما لا يبقى ذلك فكان مجازنا أولى. أما قوله تعالى: {كُونِي بَرْداً وَسَلَـٰمَا عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } فالمعنى أن البرد إذا أفرط أهلك كالحر بل لا بد من الإعتدال ثم في حصول الاعتدال ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يقدر الله تعالى بردها بالمقدار الذي لا يؤثر. وثانيها: أن بعض النار صار برداً وبقي بعضها على حرارته فتعادل الحر والبرد. وثالثها: أنه تعالى جعل في جسمه مزيد حر فسلم من ذلك البرد بل قد انتفع به والتذ ثم ههنا سؤالات: السؤال الأول: أو كل النار زالت وصارت برداً. الجواب: أن النار هو اسم الماهية فلا بد وأن يحصل هذا البرد في الماهية ويلزم منه عمومه في كل أفراد الماهية، وقيل: بل اختص بتلك النار لأن الغرض إنما تعلق ببرد تلك النار وفي النار منافع للخلق فلا يجوز تعطيلها، والمراد خلاص إبراهيم عليه السلام لا إيصال الضرر إلى سائر الخلق. السؤال الثاني: هل يجوز ما روي عن الحسن من أنه سلام من الله تعالى على إبراهيم عليه السلام. الجواب الظاهر كما أنه جعل النار برداً جعلها سلاماً عليه حتى يخلص، فالذي قاله يبعد وفيه تشتيت الكلام المرتب. السؤال الثالث: أفيجوز ما روي من أنه لو لم يقل وسلاماً لأتى البرد عليه. والجواب: ذلك بعيد لأن برد النار لم يحصل منها وإنما حصل من جهة الله تعالى فهو القادر على الحر والبرد فلا يجوز أن يقال: كان البرد يعظم لولا قوله سلاماً. السؤال الرابع: أفيجوز ما قيل من أنه كان في النار أنعم عيشاً منه في سائر أحواله. والجواب: لا يمتنع ذلك لما فيه من مزيد النعمة عليه وكمالها، ويجوز أن يكون إنما صار أنعم عيشاً هناك لعظم ما ناله من السرور بخلاصه من ذلك الأمر العظيم ولعظم شروره بظفره بأعدائه وبما أظهره من دين الله تعالى. أما قوله تعالى: {وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ } أي أرادوا أن يكيدوه فما كانوا إلا مغلوبين، غالبوه بالجدال فلقنه الله تعالى الحجة المبكتة، ثم عدلوا القوة والجبروت فنصره وقواه عليهم، ثم إنه سبحانه أتم النعمة عليه بأن نجاه ونجى لوطاً معه وهو ابن أخيه وهو لوط بن هاران إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين. وفي الأخبار أن هذه الواقعة كانت في حدود بابل فنجاه الله تعالى من تلك البقعة إلى الأرض المباركة، ثم قيل: إنها مكة وقيل أرض الشام لقوله تعالى: { أية : إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } تفسير : [الإسراء: 1] والسبب في بركتها، أما في الدين فلأن أكثر الأنبياء عليهم السلام بعثوا منها وانتشرت شرائعهم وآثارهم الدينية فيها، وأما في الدنيا فلأن الله تعالى بارك فيها بكثرة الماء والشجر والثمر والخصب وطيب العيش، وقيل: ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ حَرِّقُوهُ} لما انقطعوا بالحجة أخذتهم عزة بإثم وانصرفوا إلى طريق الغَشْم والغلبة وقالوا حرّقوه. روي أن قائل هذه المقالة هو رجل من الأكراد من أعراب فارس؛ أي من باديتها؛ قاله ابن عمر ومجاهد وابن جريج. ويقال: اسمه هيزر فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقيل: بل قاله ملكهم نمروذ. {وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ} بتحريق إبراهيم لأنه يسبها ويعيبها. وجاء في الخبر: أن نمروذ بنى صرحاً طوله ثمانون ذراعاً وعرضه أربعون ذراعاً. قال ابن إسحاق: وجمعوا الحطب شهراً ثم أوقدوها، واشتعلت واشتدت، حتى أن كان الطائر ليمر بجنباتها فيحترق من شدّة وهجها. ثم قيدوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مغلولاً. ويقال: إن إبليس صنع لهم المنجنيق يومئذٍ. فضجت السموات والأرض ومن فيهن من الملائكة وجميع الخلق، إلا الثقلين ضجة واحدة: ربناٰ إبراهيم ليس في الأرض أحد يعبدك غيره يُحرَق فيك فأذنْ لنا في نُصرته. فقال الله تعالى: إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه. فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خُزَّان الماء ـ وهو في الهواء ـ فقالوا: يا إبراهيم إن أردت أخمدنا النار بالماء. فقال: لا حاجة لي إليكم. وأتاه ملك الريح فقال: لو شئت طيرت النار. فقال: لا. ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: «اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس أحد يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل». وروى أبيّ بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : «إن إبراهيم حين قيدوه ليلقوه في النار قال لا إلٰه إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك» قال: ثم رموا به في المنجنيق من مضرب شاسع، فاستقبله جبريل؛ فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا. فقال جبريل: فاسأل ربك. فقال: «حسبي من سؤالي علمه بحالي». فقال الله تعالى وهو أصدق القائلين: {يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}"تفسير : قال بعض العلماء: جعل الله فيها برداً يرفع حرها، وحراً يرفع بردها، فصارت سلاماً عليه. قال أبو العالية: ولو لم يقل «بَرْداً وَسَلاَماً» لكان بردها أشد عليه من حرها، ولو لم يقل «على إِبراهيم» لكان بردها باقياً على الأبد. وذكر بعض العلماء: أن الله تعالى أنزل زربية من الجنة فبسطها في الجحيم، وأنزل الله ملائكة: جبريل وميكائيل وملك البرد وملك السلامة. وقال عليّ وابن عباس: لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها، ولم تبق يومئذٍ نار إلا طفئت ظنت أنها تعنى. قال السدي: وأمر الله كل عود من شجرة أن يرجع إلى شجره ويطرح ثمرته. وقال كعب وقتادة: لم تحرق النار من إبراهيم إلا وِثاقه. فأقام في النار سبعة أيام لم يقدر أحد أن يقرب من النار ثم جاؤوا فإذا هو قائم يصلي. وقال المنهال بن عمرو قال إبراهيم: «ما كنت أياماً قط أنعم مني في الأيام التي كنت فيها في النار». وقال كعب وقتادة والزهري: ولم تبق يومئذٍ دابة إلا أطفأت عنه النار إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه؛ فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها وسماها فويسقة. وقال شعيب الحِمَّاني: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة. وقال ابن جريج: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست وعشرين سنة. ذكر الأوّل الثعلبي، والثاني الماوردي؛ فالله أعلم. وقال الكلبي: بردت نيران الأرض جميعاً فما أنضجت كراعاً، فرآه نمروذ من الصرح وهو جالس على السرير يؤنسه ملك الظل. فقال: نعم الربّ ربّك! لأقربن له أربعة آلاف بقرة وكفّ عنه.
ابن كثير
تفسير : لما دحضت حجتهم، وبان عجزهم، وظهر الحق واندفع الباطل، عدلوا إلى استعمال جاه ملكهم، فقالوا: {حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ}، فجمعوا حطباً كثيراً جداً، قال السدي: حتى إن كانت المرأة تمرض فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطباً لحريق إبراهيم، ثم جعلوه في جوبَة من الأرض، وأضرموها ناراً، فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع لم توقد نار قط مثلها، وجعلوا إبراهيم عليه السلام في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد. قال شعيب الجبائي: اسمه هيزن، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، فلما ألقوه قال: حسبي الله ونعم الوكيل، كما رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال: حسبي الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد عليهما السلام حين قالوا: {أية : إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}.تفسير : [آل عمران: 173]. وروى الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو هشام، حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبي جعفر، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لما ألقي إبراهيم عليه السلام في النار، قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك» تفسير : ويروى أنه لما جعلوا يوثقونه قال: لا إله إلا أنت، سبحانك لك الحمد، ولك الملك، لا شريك لك، وقال شعيب الجبائي: كان عمره إذ ذاك ست عشرة سنة، فالله أعلم، وذكر بعض السلف أنه عرض له جبريل وهو في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما من الله فبلى. وقال سعيد بن جبير ــــ ويروى عن ابن عباس أيضاً ــــ قال: لما ألقي إبراهيم، جعل خازن المطر يقول: متى أومر بالمطر فأرسله؟ قال: فكان أمر الله أسرع من أمره، قال الله عز وجل: {يٰنَارُ كُونِى بَرْداً وَسَلَـٰمَا عَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ} قال: لم يبق نار في الأرض إلا طفئت. وقال كعب الأحبار: لم ينتفع أحد يومئذ بنار، ولم تحرق النار من إبراهيم سوى وثاقه. وقال الثوري: عن الأعمش، عن شيخ، عن علي بن أبي طالب: {قُلْنَا يٰنَارُ كُونِى بَرْداً وَسَلَـٰمَا عَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ} قال: بردت عليه حتى كادت تقتله حتى قيل: {وَسَلَـٰمَا} لا تضريه. وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله عز وجل قال: وسلاماً، لآذى إبراهيم بردها، وقال جويبر عن الضحاك: {كُونِى بَرْداً وَسَلَـٰمَا عَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ} قال: صنعوا له حظيرة من حطب جزل، وأشعلوا فيه النار من كل جانب، فأصبح ولم يصبه منها شيء حتى أخمدها الله، قال: ويذكرون أن جبريل كان معه يمسح وجهه من العرق، فلم يصبه منها شيء غير ذلك. وقال السدي: كان معه فيها ملك الظل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا مهران، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن المنهال بن عمرو قال: أخبرت أن إبراهيم ألقي في النار، فقال: كان فيها إما خمسين وإما أربعين، قال: ما كنت أياماً وليالي قط أطيب عيشاً إذ كنت فيها، وددت أن عيشي وحياتي كلها مثل عيشي إذ كنت فيها. وقال أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال: إن أحسن شيء، قال أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار: وجده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم وقال قتادة: لم يأت يومئذ دابة إلا أطفأت عنه النار، إلا الوزغ، وقال الزهري: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، وسماه فويسقاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبيد الله بن أخي بن وهب، حدثني عمي، حدثنا جرير بن حازم: أن نافعاً حدثه قال: حدثتني مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي قالت: دخلت على عائشة، فرأيت في بيتها رمحاً، فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت: نقتل به هذه الأوزاغ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفىء النار غير الوزغ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم» تفسير : فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله. وقوله: {وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ} أي: المغلوبين الأسفلين؛ لأنهم أرادوا بنبي الله كيداً، فكادهم الله ونجاه من النار، فغلبوا هنالك، وقال عطية العوفي: لما ألقي إبراهيم في النار، جاء ملكهم لينظر إليه، فطارت شرارة فوقعت على إبهامه، فأحرقته مثل الصوفة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ حَرِّقُوهُ } أي إبراهيم {وَٱنصُرُواْ ءَالِهَتَكُمْ } أي بتحريقه {إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ } نصرتها، فجمعوا له الحطب الكثير وأضرموا النار في جميعه وأوثقوا إبراهيم وجعلوه في منجنيق ورمَوْه في النار.
الماوردي
تفسير : {قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَانْصُرُواْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} وفي الذي أشارعليهم بذلك قولان: أحدهما: أنه رجل من أعراب فارس يعني أكراد فارس، قاله ابن عمر، ومجاهد. وابن جريج. الثاني: أنه هيزون فخسف الله به الأرض وهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقيل إن إبراهيم حين أوثق ليلقى في النار فقال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. وقال عبد الله بن عمر: كانت كلمة إبراهيم حين أُلقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل. قال قتادة: فما أحرقت النار منه إلا وثاقه. قال ابن جريج: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست وعشرين سنة. وقال كعب: لم يبق في الأرض يومئذ إلا من يطفىء عن إبراهيم النار، إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه، فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها. قال الكلبي: بنواْ له أتوناً ألقوه فيه، وأوقدوا عليه النار سبعة أيام، ثم أطبقوه عليه وفتحوه من الغد، فإذا هو عرق أبيض لم يحترق، وبردت نار الأرض فما أنضجت يومئذ كراعاً. قوله تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} جعل الله فيها برداً يدفع حرها، وحراً يدفع بردها، فصارت سلاماً عليه. قال أبو العالية: ولو لم يقل "سلاماً" لكان بردها أشد عليه من حرها، ولو لم يقل "على إبراهيم" لكان بردها باقيا على الأبد.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَالُواْ حَرِّقُوهُ} أشار عليهم بذلك رجل من أكراد فارس، أو هيزون فخسفت به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، ولما أوثق ليلقى فيها قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك ولا شريك لك، فلما أُلقي فيها قال: "حسبي الله ونعم الوكيل" فلم يحرق منه إلا وثاقه، وكان ابن ست وعشرين سنة "ولم يبق يومئذ في الأرض دابة إلا كانت تطفىء النار عنه إلا الوزغ كان ينفخها فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتله"، قال الكلبي: بنوا له أتوناً ألقوه فيه وأوقدوا عليه النار سبعة أيام ثم أطبقوه عليه وفتحوه من الغد فإذا هو عرق أبيض لم يحترق، وبردت نار الأرض فما أنضجت يومئذ كراعاً.
ابن عادل
تفسير : فلما ألزمهم الحجة وعجزوا عن الجواب {قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ ءَالِهَتَكُمْ} ليس في القرآن من القائل ذلك، والمشهور أنه نمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن نمروذ بن كوش بن حام بن نوح. وقال مجاهد: سمعت ابن عمر يقول: إنما أشار بتحريق إبراهيم رجل من الأكراد من فارس. روى ابن جريج عن وهب عن شعيب قال: إن الذي قال حرقوه اسمه هرين فخسف الله به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. فصل قال مقاتل: لما اجتمع نمروذ وقومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا له بنياناً كالحظيرة، وذلك قوله: {أية : قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 97]. ثم جمعوا له الحطب الكثير، حتى إنَّ الرجل أو المرأة لو مرضت قالت: إن عافاني الله لأجمعن حطباً لإبراهيم. وقيل: بنوا آتوناً بقرية يقال لها كوثى. ثم جمعوا له أصلاب الحطب من أصناف الخشب مدة أربعين يوماً، وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها، فتلقيه فيه احتساباً في دينها، فلما اشتعلت النار، واشتدت حتى أن كانت الطير لتمر به وهي في أقصى الجو فتحترق من شدة وهجها. روي أنَّهم لم يعلموا كيف يلقوه فيها؟ فجاء إبليس وعلمهم عمل المنجنيق فعملوه. وقيل: صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له: هيزن، وكان أول من صنع المنجنيق، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. ثم عمدوا إلى إبراهيم - عليه السلام - فوضعوه فيه مقيداً مغلولاً، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة صيحة واحدة: أي ربنا ما في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم، وإنه يحرق فيك فأذن لنا في نصرته، فقال سبحانه: "إن استغاث بأحد منكم أو دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري فانا أعلم به وأنا وَليُّهُ فخلوا بيني وبينه، فإنه خليل ليس لي خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري". فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه فقال: إن أردت أخمدت النار. وأتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء. فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل. قال ابن عباس: {أية : حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} تفسير : [آل عمران: 173] قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قيل له: {أية : إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} تفسير : [آل عمران: 173، 174] فحين ألقي في النار قال: "لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك". ثم رموه في المنجنيق إلى النار، فأتاه جبريل، فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال: فاسأل ربك قال: حسبه من سؤالي علمه بحالي. فقال الله تعالى: {يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ}. قال كعب الأحبار جعل كل شيء يطفىء عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ النار. حديث : وروت أم شريك أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الوزغ وقال: "كان ينفخ على إبراهيم"تفسير : . وقال السُّدِّيّ: القائل {كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً} هو جبريل. وقال ابن عباس في رواية مجاهد: لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها، قال: ولم يبق يومئذ نار إلا طفئت، ولو لم يقل "عَلَى إِبْرَاهِيم" بقيت ذات برد أبداً. قال السدي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم وأقعدوه على الأرض فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس، ولم تحرق النار منه لا وثاقه. وقال المنهال بن عمرو: أخبرت أنّ إبراهيم - عليه السلام - لما ألقي في النار كان فيها إما أربعين يوماً أو خمسين يوماً، وقال: ما كنت أطيب عيشاً مني إذ كنت فيها. قال ابن يسار: وبعث الله عز وجل ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد إلى جنب إبراهيم يؤنسه، وأتى جبريل بقميص من حرير الجنة وَطِنْفسَة فألبسه القميص وأجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه وقال: يا إبراهيم إنَّ ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبابي. ثم نظر نمروذ من صرح له وأشرف على إبراهيم فرآه جالساً في روضة ورأى الملك قاعداً إلى جنبه وما حوله نار تحرق، فناداه نمروذ: يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: قم فاخرج، فقام يمشي حتى خرج منها. قال له نمروذ: من الرجل الذي رأيته معك في صورتك قاعداً إلى جنبك؟ قال: ذاك ملك الظل أرسله ربي ليؤنسني، فقال له نمروذ: إني مُقَرِّب إلى إلهك قرباناً لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك، وإنِّي ذابح له أربعة آلاف بقرة، فقال إبراهيم - عليه السلام - لا يقبل الله منك ما دمت على دينك هذا، قال نمروذ: لا أستطيع ترك ملكي ولكن سوف أذبحها له فذبحها ثم كف عن إبراهيم. روي أن إبراهيم - عليه السلام - ألقي في النار وهو ابن ست عشرة سنة. وإنما اختاروا المعاقبة بالنار، لأنها أقوى العقوبات. وقيل: روي أن هاران أبا لوط قال لهم: إن النار لا تحرقه، لأنه سحر النار، ولكن اجعلوه على شيء وأوقدوا تحته، ففعلوا، فطارت شرارة في لحية أبي لوط فأحرقته. قوله: "بَرْداً" أي: ذات برد. والظاهر في "سَلاَماً" أنه نسق على "بَرْداً" فيكون خبراً عن "كونِي". وجوَّز بعضهم أن ينتصب على المصدر المقصود به التحية في العرف وقد رُدَّ هذا بأنه لو قصد ذلك لكان الرفع فيه أولى، نحو قول إبراهيم: "سَلاَمٌ"، وهذا غير لازم، لأنه لا يجوز أن يأتي القرآن على الفصيح والأفصح، ويدل على ذلك أنه جاء مقصوداً، والمقصود به التحية نحو قول الملائكة: "قَالُوا سَلاَماً". وقوله "عَلَى إبْرَاهِيمَ" متعلق بنفس إن قصد به التحية. ويجوز أن يكون صفة فيتعلق بمحذوف، وعلى هذا فيحتمل أن يكون قد حذف صفة الأول لدلالة صفة الثاني عليه تقديره: كوني برداً عليه وسلاماً عليه. فصل قال أبو مسلم الأصفهاني في تفسير قولنا {قُلْنَا يَا نَارُ} المعنى: أنه سبحانه وتعالى جعل النار برداً وسلاماً لا أنَّ هناك كلاماً كقوله: {أية : أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] أي: يكونه. واحتج عليه بأن النار جماد فلا يجوز خطابه. والأكثرون على أنه وجد ذلك القول، ثم هؤلاء لهم قولان: أحدهما: قال السُّديِّ: القائل هو جبريل. والثاني: قول الأكثرين إنَّ القائل هو الله تعالى، وهو الأقرب الأليق بالظاهر. وقوله: النار جماد فلا يكون في خطابها فائدة. فالجواب: لِمَ لا يجوز أن يكون المقصود من ذلك الأمر مصلحة عائدة إلى الملائكة. فصل اختلفوا في كيفية برد النار. فقيل: إن الله تعالى أزال ما فيها من الحرارة والإحراق، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق، والله على كل شيء قدير. وقيل: إنه تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفية مانعة من وصول النار إليه كما يفعل بخزنة جهنم في الآخرة، وكما أنه ركب بنية النعامة بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة، وبدن السمندل بحيث لا يضره المكث في النار. وقيل: إنه خلق بينه وبين النار حائلاً يمنع من وصول أثر النار إليه. قال المحققون: والأول أولى، لأنَّ ظاهر قوله: {يَا نَارُ كُونِي بَرْداً} أي نفس النار صارت باردة حتى سلم إبراهيم من تأثيرها. فإن قيل: النار إن بقيت كما كانت، والحرارة جزء من مسمى النار، وامتنع كون النار باردة، فإذن يجب أن يقال: المراد من النار الجسم الذي هو أحد أجزاء مسمى النار، وذلك مجاز فلم كان مجازكم أولى. فالجواب: أن المجاز الذي ذكرناه يبقى معه حصول البرد وفي الذي ذكرتم لا يبقى ذلك، فكان مجازنا أولى. فصل معنى كون النار سلاماً على إبراهيم: أنَّ البرد إذا أفرط أهلك كالحر فلا بُدّ من الاعتدال، وهو من وجوه: الأول: أن يقدر الله بردها بالمقدار الذي لا يؤثر. والثاني: أنَّ بعض النار صار برداً وبقي بعضها على حرارته فتعادل الحر والبرد. والثالث: أنه تعالى جعل في جسمه مزيدَ حرٍّ فانتفع بذلك البرد وَالتَذَّ بهِ. فصل روي أنّ كلّ النيران في ذلك الوقت زالت وصارت برداً، ويؤيد ذلك أنَّ النار اسم للماهية، فلا بُدّ وأنْ يحصل هذا البرد في الماهية ويلزم منه عمومه في كل أفراد الماهية وقيل: بل اختصت بتلك النار، لأنّ الغرض إنما تعلق ببرد تلك النار، وفي النار منافع للخلق فلا يجوز تعطيلها، والمراد خلاص إبراهيم لا إيصال الضرر إلى سائر الخلق. فإن قيل: أفيجوز ما روي من أنه لو لم يقل "وَسَلاَماً" لأتى البرد عليه. قال ابن الخطيب: ذلك بعيد، لأنَّ برد النار لم يحصل منها وإنما حصل من جهة الله تعالى فهو القادر على الحر والبرد، فلا يجوز أن يقال: كان البرد يعظم لولا قوله: "سَلاَماً". قوله: {وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً} أي: أرَادُوا أن يكيدوه {فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ}. قيل: معناه أنهم خسروا السعي والنفقة ولم يحصل لهم مرادهم. وقيل: فجعلناهم مغلوبين غالبوه فلقنه الله الحجة وقيل: أرسل الله على نمروذ وقومه البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت واحدة في دماغه فأهلكته. قوله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إلى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} لما نصره الله تعالى أتم النعمة عليه بأن نجاه ونجَّى لوطاً وهو ابن أخيه، وهو لوط بن هاران نجاهما من نمروذ وقومه من أرض العراق إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين يعني مكة، وقيل: أرض الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار، ومنها بعث أكثر الأنبياء. وقال تعالى: {أية : إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} تفسير : [الإسراء: 1] قال أُبي بن كعب: سماها مباركة، لأنّ ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس وروى قتادة أنّ عمر بن الخطاب قال لكعب: ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبره، فقال إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين أنّ الشام كنز الله من أرضه وبها كنزه من عباده. حديث : وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إنها ستكون هجرة بعد هجرة فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم" تفسير : قوله: "وَلُوطاً" يجوز فيه وجهان: أحدهما:أَنْ يكونَ معطوفاً على المفعول قبله. والثاني: أَنْ يكونَ مفعولاً معه. والأول أولى. وقوله: "إِلَى الأَرْضِ" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بـ "نَجَّيْنَاهُ" على أن يتضمن معنى أخرجناه بالنجاة فلما ضمن معنى أخرج تعدى تعديته. والثاني: أنه لا تضمين فيه وأنَّ حرف الجر يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير في "نَجَّيْنَاهُ" أي: نجيناه منتهياً إلى الأرض كذا قدره أبو حيان وفيه نظر من حيث إنه قدر كوناً مقيداً وهو كثيراً ما يَرُدُّ على الزمخشري وغيره ذلك. فصل اعلم أنَّ لوطاً آمن بإبراهيم كما قال تعالى {أية : فَأَمَنَ لَهُ لُوطٌ} تفسير : [العنكبوت: 26] وكان ابن أخيه، وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له ناخور بن تارخ، وآمنت به أيضاً سارة، وهي بنت عمه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عم إبراهيم فخرج من كوشى من أرض حدود بابل بالعراق مهاجراً إلى ربه ومعه لوط وسارة، فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حَرَّان فمكث بها ما شاء الله، ثم ارتحل منها ونزل أرض السبع من فلسطين وهي برية الشام، ثم خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب، وبعثه الله نبياً، فلذلك قوله: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيها لِلْعَالَمِينَ}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: تلوت هذه الآية على عبدالله بن عمر فقال: أتدري يا مجاهد من الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار؟ قلت: لا. قال: رجل من أعراب فارس، يعني الأكراد. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما جمع لإبراهيم عليه السلام ما جمع وألقي في النار، جعل خازن المطر يقول: متى أومر بالمطر فأرسله؟ فكان أمر الله أسرع، قال الله: {كوني برداً وسلاماً} فلم يبق في الأرض نار إلا طفئت. وأخرج أحمد والطبراني وأبو يعلى وابن أبي حاتم، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن إبراهيم حين ألقي في النار لم تكن في الأرض دابة إلا تطفئ عنه النار غير الوزغ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله " تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن أم شريك، حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ وقال: "كانت تنفخ على إبراهيم" . تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف، أخبرنا معمر عن قتادة عن بعضهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كانت الضفدع تطفئ النار عن إبراهيم، وكانت الوزغ تنفخ عليه، ونهى عن قتل هذا وأمر بقتل هذا ". تفسير : وأخرجه ابن المنذر فقال: أخبرنا أبو سعيد الشامي عن أبان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تسبوا الضفدع، فإن صوته تسبيح وتقديس وتكبير، إن البهائم استأذنت ربها في أن تطفئ النار عن إبراهيم فأذن للضفادع، فتراكبت عليه فأبدلها الله بحر النار برد الماء ". تفسير : وأخرج أبو يعلى وأبو نعيم وابن مردويه والخطيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر، عن ابن عمرو قال: أول كلمة قالها إبراهيم حين ألقي في النار، حسبنا الله ونعم الوكيل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن كعب قال: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن المنهال بن عمرو قال: أخبرت أن إبراهيم ألقي في النار فكان فيها إما خمسين وإما أربعين، قال: ما كنت أياماً وليالي قط أطيب عيشاً إذ كنت فيها، وددت أن عيشي وحياتي كلها مثل عيشي إذ كنت فيها. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: لما ألقي إبراهيم خليل الرحمن في النار قال الملك خازن المطر: يا رب، إن خليلك إبراهيم رجا أن يؤذن له فيرسل المطر، فكان أمر الله أسرع من ذلك فقال: {يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} فلم يبق في الأرض نار إلا طفئت. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال: الذي قال حروقه، هبون. فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {قلنا يا نار} قال: كان جبريل هو الذي قالها. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: لو لم يتبع بردها {سلاماً} لمات إبراهيم من بردها، فلم يبق في الأرض يومئذ نار إلا طفئت، ظننت أنها هي تعنى. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر، عن علي في قوله: {قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً} قال: لولا أنه قال: {وسلاماً} لقتله بردها. وأخرج ابن أبي حاتم عن شمر بن عطية قال: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، نادى الملك الذي يرسل المطر: رب، خليلك رجا أن يؤذن له فيرسل المطر. فقال الله: {يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} فلم يبق في الأرض يومئذ نار إلا بردت. وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد من طريق أبي هلال، عن بكر بن عبدالله المزني قال: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، جاءت عامة الخليقة فقالت: "يا رب، خليلك يلقى في النار فائذن لنا نطفئ عنه. قال: هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره، وأنا آلهه ليس له إله غيري، فإن استغاثكم فأغيثوه، وإلا فدعوه" قال: وجاء ملك القطر قال: "يا رب، خليلك يلقى في النار فائذن لي أن أطفئ عنه بالقطر. قال: هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره، وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استعان بك فأعنه وإلا فدعه". قال: فلما ألقي في النار دعا بدعاء نسيه أبو هلال فقال الله عز وجل: {يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} قال: فبردت في المشرق والمغرب فما أنضجت يومئذ كراعاً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة قال: قال كعب: ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار ولا أحرقت النار يومئذ شيئاً، إلا وثاق إبراهيم. وقال قتادة: لم تأت دابة يومئذ إلا أطفأت عنه النار، إلا الوزغ. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: يذكرون أن جبريل كان مع إبراهيم في النار يمسح عنه العرق. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية قال: لما ألقي إبراهيم في النار قعد فيها، فأرسلوا إلى ملكهم فجاء ينظر متعجباً...! فطارت منه شرارة فوقعت على إبهام رجله فاشتعل كما تشتعل الصوفة. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: خرج إبراهيم من النار يعرق لم تحرق النار إلا وثاقه، فأخذوا شيخاً منهم فجعلوه على نار كذلك فاحترق. وأخرج عبد بن حميد عن سليمان بن صرد. وكان قد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - أن إبراهيم لما أرادوا أن يلقوه في النار، جعلوا يجمعون له الحطب فجعلت المرأة العجوز تحمل على ظهرها، فيقال لها: أين تريدين؟ فتقول: أذهب إلى هذا الذي يذكر آلهتنا. فلما ذهب به ليطرح في النار {أية : قال إني ذاهب إلى ربي سيهدين} تفسير : [الصافات: 99] فلما طرح في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله: {يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} فقال أبو لوط - وكان عمه - إن النار لم تحرقه من أجل قرابته مني. فأرسل الله عنقاً من النار فأحرقته. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير، عن علي بن أبي طالب في قوله: {قلنا يا نار كوني برداً} قال: بردت عليه حتى كادت تؤذيه، حتى قيل: {وسلاماً} قال: لا تؤذيه. وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لو لم يقل: {وسلاماً} لقتله البرد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: إن أحسن شيء قاله أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار، وجده يرشح جبينه فقال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم. وأخرج ابن جرير عن شعيب الجبائي قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين. وأخرج ابن جرير عن معتمر بن سليمان التيمي، عن بعض أصحابه قال: جاء جبريل إلى إبراهيم وهو يوثق ليلقى في النار قال: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. وأخرج ابن جرير عن أرقم، أن إبراهيم عليه السلام قال: حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار: "لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك". وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: {قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً} قال: السلام لا يؤذيه بردها، ولولا أنه قال: {سلاماً} لكان البرد أشد عليه من الحر. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: {فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين} قال: ألقوا شيخاً في النار منهم لأن يصيبوا نجاته كما نجا إبراهيم فاحترق. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مالك في قوله: {إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} قال: الشام. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب في قوله: {إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} قال: الشام. وما من ماء عذب إلا يخرج من تلك الصخرة التي ببيت المقدس، يهبط من السماء إلى الصخرة ثم يتفرق في الأرض. وأخرج ابن عساكر عن عبدالله بن سلام قال: بالشام من قبور الأنبياء ألفا قبر وسبعمائة قبر، وإن دمشق معقل الناس في آخر الزمان من الملاحم. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس، قال لوط: كان ابن أخي إبراهيم عليهما السلام. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: لما هرب إبراهيم من كوثي وخرج من النار، ولسانه يومئذ سرياني، فلما عبر الفرات من حران غيّر الله لسانه فقلب عبرانياً حيث عبر الفرات، وبعث نمرود في نحو أثره وقال: لا تدعوا أحداً يتكلم بالسريانية إلا جئتموني به، فلقوا إبراهيم يتكلم بالعبرانية فتركوه ولم يعرفوا لغته. وأخرج ابن عساكر عن حسان بن عطية قال: أغار ملك نبط على لوط عليه السلام فسباه وأهله، فبلغ ذلك إبراهيم فأقبل في طلبه في عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، فالتقى هو وتلك النبط في صحراء معفور، فعبى إبراهيم ميمنة وميسرة وقلباً، وكان أول من عبى الحرب هكذا، فاقتتلوا فهزمهم إبراهيم واستنقذ لوطاً وأهله. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية {ونجيناه} يعني إبراهيم {ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} قال: هي الأرض المقدسة التي بارك الله فيها للعالمين؛ لأن كل ماء عذب في الأرض منها يخرج، يعني من أصل الصخرة التي في بيت المقدس، يهبط من السماء إلى الصخرة ثم يتفرق في الأرض. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر، عن قتادة رضي الله عنه {ونجيناه ولوطاً} قال: كانا بأرض العراق، فانجيا إلى أرض الشام. وكان يقال: الشام عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشام، وما نقص من الشام زيد في فلسطين. وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وفيها ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام وبها يهلك الله شيخ الضلالة الدجال. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {إلى الأرض التي باركنا فيها} قال: الشام. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب رضي الله عنه في قوله: {إلى الأرض التي باركنا فيها} قال: إلى حران. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما {ووهبنا له إسحاق} قال: ولداً {ويعقوب نافلة} قال: ابن ابن. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه {ووهبنا له إسحاق} قال: أعطاه {ويعقوب نافلة} قال: عطية. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي في الآية قال: دعا بالحق فاستجيب له وزيد يعقوب. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحكم قال: النافلة ابن الابن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {وجعلناهم أئمة يهدون} الآية. قال: جعلهم الله أئمة يقتدى بهم في أمر الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا حرقوه} اى قال بعضهم لبعض لما عجزوا عن المحاجة وهكذا ديدن المبطل المحجوج اذا قرعت شبهته بالحجة القاطعة وافتضح لا يبقى له مفزع الا المناصبة واتفقت كلمتهم على احراقه لانه اشد العقوبات. وقال ابن عمر رضى الله عنهما ان الذى اشار باحراقه رجل من اعراب العجم يعنى من الاكراد ولعمرى انهم لفى فسادهم وجفائهم وغلوهم فى تعذيب الناس بعد يقدمون ولا ينفكون عن ذلك ما ترى للاسلام الذى هو دين ابراهيم الخليل عليهم اثرا فى خلق ولا عمل خلقهم نهب اموال المسلمين وعلمهم ظلم وسرقة وقتل وقطع الطريق والله ما هؤلاء باهل الملة الغراء لاكثر الله فى الناس مثل هؤلاء اياك والمصاحبة باصلحهم والمرور ببلادهم {وانصروا آلهتكم} بالانتقام لها {ان كنتم فاعلين} امرا فى اهلاكه يعنى ان الاحراق هو المعتد به فى هذا الباب. وقصته انه لما اجتمع نمرود وقومه لاحراقه عليه السلام حبسوه فى بيت بنوا له حائطا كالحظيرة ارتفاعه ستون ذراعا وذلك فى جنب جبل كونى وهى بالضم قرية بالعراق ثم جمعوا له الحطب الكثير حتى ان الرجل المريض كان يوصى بشراء الحطب والقائه فيها وكانت المرأة لو مرضت قال ان عافانى الله لاجمعن حطبا لابراهيم وكانت تنذر فى بعض ما تطلب لئن اصابته لتحتطبن فى نار ابراهيم وتغزل وتشترى الحطب بغزلها فتلقيه فى ذلك البنيان احتسابا فى دينها. وكانت امرأة عجوز نذرت ان تحمل الحطب الى نار ابراهيم فجعلت حزمة حطب وذهبت بها الى موضع النار فاعترضها ملك فى الطريق وقال اين تذهبين يا عجوز فقالت اريد نار ابراهيم فقال طول الله طريقك وقصر خطاك فاقامت تسير والحطب فوق رأسها وهى جيعانة عطشانة حتى ماتت لعنها الله تعالى قيل جمعوا له اصناف الحطب من انواع الخشب على ظهر الدواب اربعين يوما. قال الكاشفى [وروغن فراوان برهيمه ريختند] يقال ان جميع الدواب امتنعت من حمل الحطب الا البغال فعاقبها الله ان اعقمها كما فى القصص. وذكر فى فضائل القدس عن سعيد بن عبد العزيز انه قال فى زمن بنى اسرائيل فى بنت المقدس عند عين سلوان وعين سلوان فى القدس الشريف كزمزم فى مكة وكانت المرأة اذا قذفت اتوابها فسقوها من ماء هذه العين فان كانت بريئة لم يضرها وان كانت سقيمة ماتت فلما حملت مريم ام عيسى عليه السلام اتوابها وحملوها على بغلة فعثرت بها فدعت الله تعالى ان يعقم رحمها فعقمت من ذلك اليوم فلما اتتها شربت منها فلم تزد الاخير فدعت الله تعالى ان لا يفضح امرأة مؤمنة فغارت انتهى. ثم اوقدوا الحطب سبعة ايام فلما اشتعلت النار صار الهواء بحيث لو مر الطير فى اقصى الجول لاحترق من شدة وهجها اى شدة حرها - روى - انهم لم يعلموا كيف يلقونه فيها لعدم تأنى القرب منها فجاء ابليس فى صورة شيخ وعلمهم عمل المنجنيق. قال فى انسان العيون اول من وضع المنجنيق ابليس فانه لما جعلوا فى الحطب النار ووصلت النار الى رأس الجدار المرتفع المبنى جنب الجبل لم يدروا كيف يلقون ابراهيم فتمثل لهم ابليس فى صورة نجار فصنع لهم المنجنيق ونصبوه على رأس الجبل ووضعوه فيه والقوه فى تلك النار واول من رمى به فى الجاهلية جذيمة الابرش وهو اول من اوقد الشمع انتهى. وقيل صنعه لهم رجل من الاكراد وكان اول من صنع المنجنيق فخسف الله به الارض فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامة ثم عمدوا الى ابراهيم فوضعوه فى كفة المنجنيق مقيدا مغلولا فصاحت السماء والارض ومن فيهما من الملائكة الا الثقلين صيحة واحدة اى ربنا ما فى ارضك احد يعبدك غير ابراهيم وانه يحرق فيك فائذن لنا فى نصرته فقال تعالى ان استغاث باحد منكم لينصره فقد اذنت له فى ذلك فان لم يدع غيرى فانا اعلم به وانا وليه فخلوا بينى وبينه فانه خليلى ليس لى خليل غيره وانا الهه ليس له اله غيرى فلما ارادوا القاءه فى النار اتاه خازن الرياح فقال ان شئت طيرت النار فى الهواء واتاه خازن المياه فقال ان اردت اخمدت النار فقال ابراهيم لا حاجة لى اليكم ثم رفع رأسه الى السماء فقال اللهم انت الواحد فى السماء وانا الواحد فى الارض ليس فى الارض من يعبدك غيرى حسبى الله ونعم الوكيل واقبلت الملائكة فلزموا كفة المنجنيق فرفعه اعوان النمرود فلم يرتفع فقال لهم ابليس أتحبون ان يرتفع قالوا نعم قال ائتونى بعشر نسوة فأتواه بهن فامرهن بكشف رؤوسهن ونشر شعورهن ففعلوا ذلك فمدت الاعوان المنجنيق وذهبت الملائكة فارتفع ابراهيم فى الهواء كما فى القصص وذلك ان الملك لا يرى الرأس المكشوف من المرأة بخلاف الجنى ولذا لما رأى نبينا عليه السلام الملك فى بدء الوحى فزع منه فاجلسته خديجة رضى الله عنها فى حجرها والقت خمارها وهو ما يغطى به الرأس ثم قالت هل تراه قال لا قالت يا ابن عم اثبت وابشر فوالله انه لملك ما هذا بشيطان وحين القى فى النار قال لا اله الا انت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. قال فى التأويلات النجمية اذا اراد الله تعالى ان يكمل عبدا من عباده المخلصين يفديه بخلق عظيم كما انه تعالى اذا اراد استكمال حوت فى البحر يفديه بكثير من الحيتان الصغار فلما اراد تخليص ابريز الخلة من غش البشرية جعل النمرود وقومه فداء لابراهيم حتى اجمعوا على تحريقه بعد ان علموا انهم ظالمون فوضعوه فى المنجنيق ورموه الى النار فانقطع رجاؤه عن الخلق بالكلية متوجها الى الله تعالى مستسلما نفسه اليه حتى ان جبريل عليه السلام ادركه فى الهواء فامتحنه بقوله هل لك من حاجة وما كان فيه من الوجود ما تتعلق به الحاجة فقال اما اليك فلا قال له جبريل سل ربك امتحانا له فاخفى سره عن جبريل غيرة على حاله فقال حسبى من سؤالى علمه بحالى وما اظهر عليه حاله فادركته العناية الازلية بقوله {قلنا يا نار كونى بردا وسلاما على ابراهيم} البرد خلاف الحر والسلام التعرى من الآفات اى كونى ذات برد من حرك وسلامة من بردك فزال ما فيها من الحرارة والاحراق وبقى ما فيها من الاضاءة والاشراق واختاره المحققون لدلالة الظاهر عليه وهذا كما ترى من ابدع المعجزات فان انقلاب النار هواء طيبا وان لم يكن بدعا من قدرة الله لكن وقوع ذلك على هذه الهيئة مما يخرق العادات وقيل كانت النار بحالها الا انه تعالى خلق فى جسم ابراهيم كيفية مانعة من وصول اذى النار اليه كخزنة جهنم فى الآخرة وكما انه ركب بنية النعامة بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة وبدن السمندل بحيث لا يضره المكث فى النار كما يشعر به ظاهر قوله على ابراهيم قيل فبردت نار الدنيا يومئذ ولم ينتفع بها احد من اهلها ولو لم يقل على ابراهيم لبقيت ذات برد ابدا على كافة الخلق بل على جميع الانبياء ولو لم يقل سلاما بعد قوله بردا لمات ابراهيم من بردها. قال فى الكبير اما كونها سلاما عليه فلان البرد المفرط مهلك كالحر بل لا بد من الاعتدال وهو اما بان يقدر الله بردها بمقدار لا يؤثر او بان يصير بعض النار بردا ويبقى بعضها على حرارته او بان يزيد فى حرارة جسمه حتى لا يتأثر ببردها. قيل جعل كل شئ يطفئ عنه النار الا الوزغة فانها كانت تنفخ النار ولذا امر النبى عليه السلام بقتلها. قيل لما القى فى النار كان فيها اربعين يوما او خمسين وقال ما كنت اصيب عيشا زمانا من الايام التى كنت فيها فى النار كما قال بعض العارفين فى جبل لبنان وكان يأكل اصول النبات واوراق الشجر ظننت ان حالى اطيب من حال اهل الجنة: قال الحافظ شعر : عاشقانرا كردر آتش مينشاندمهر دوست تنك جشمم كرنظردرجشمة كوثر كونم تفسير : قيل لما رموه فى النار اخذت الملائكة بضبعى ابراهيم واقعدوه فى الارض فاذا عين ماء عذب وورد احمر ونرجس. قال الكاشفى [جون ابراهيم بميدان آتش فرود آمد فى الحال غل وبند او بسوخت] فبعث الله تعالى ملك الظل فى صورة ابراهيم فجاء فقعد الى جنب ابراهيم يؤنسه واتاه جبريل بقميص من حرير الجنة وطنفسة فالبسه القميص واجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه وقال يا ابراهيم ان ربك يقول أما علمت ان النار لا تضرا حبابى ثم نظر النمرود من صرح له واشرف على ابراهيم فرآه جالسا فى روضة مؤنقة ومعه جليس على احسن ما يكون من الهيئة والنار محيطة به فناداه يا ابراهيم هل تستطيع ان تخرج منها قال نعم قال قم فاخرج فقال يمشى حتى خرج فاستقبله النمرود وعظمه وقال من الرجل الى رأيته معك فى صورتك قال ذلك ملك الظل ارسله ربى ليؤنسنى فيها فقال له النمرود انى مقرب الى الهك قربانا لما رأيته من قدرته وعزته فيما صنع بك وانى ذابح له اربعة آلاف بقرة فقال ابراهيم لا يقبل الله منك ما كنت على دينك هذا قال النمرود لا استطيع ترك ملكى وملتى لكن سوف اذبحها له ثم ذبحها وكف عن ابراهيم. وفى القصص قال له النمرود اى بعد الخروج ما اعجب سحرك يا ابراهيم قال ليس هذا سحر ولكن الله جعل النار على بردا وسلاما والبسنى ثوب العز والبهاء فقال له النمرود فمن ذلك الرجل الذى كان جالسا عن يمينك والرجال الذين كانوا حولك فقال له ابراهيم فمن ملائكة ربى بعثهم الى يؤنسوننى ويبشروننى بان الله قد اتخذنى خليلا فتحير النمرود ولم يدر ما يصنع بابراهيم فحدثته نفسه بالجنون وقال لأصعدن الى السماء واقتل آلهك فامر ان يصنع له تابوت وثيق كما سبق فى اواخر سورة ابراهيم - وروى - انهم لما رأوه سالما لم يحترق منه سوى وثاقه قال هاران ابو لوط عليه السلام ان النار لا تحرقه لانه سحر النار لكن اجعلوه على شئ واوقدوا تحته فان الدخان يقتله ففعلوافطارت شرارة الى لحية ابى لوط فاحرقتها - روى - ان ابراهيم القى فى النار وهو ابن ست عشرة سنة. فان قلت هل وجد القول من الله تعالى حيث قال {قلنا يا نار كونى بردا وسلاما} او هو تمثيل. قلت جعل الله النار باردة من غير ان يكون هناك قول وخطاب لقوله تعالى {أية : ان يقول له كن فيكون}تفسير : . وذهب بعضهم الى ان ذلك القول قد وجد والقائل هو الله او جبريل قال باوامر الله. قال ابن عطاء سلام ابراهيم من النار بسلامة صدره لما حكى الله عنه {أية : اذ جاء ربه بقلب سليم}تفسير : اى خال من جميع الاسباب والعوارض وبردت عليه النار لصحة توكله ويقينه مع ان نار العشق غالبة على كل شئ: وفى المثنوى: شعر : عشق آن شعله است كوجون برفروخت هرجه جز معشوق باقى جمله سوخت در بناه لطف حق بايد كريخت كو هزاران لطف بر ارواح ريخت تا بناهى يابى آنكه جون بناه آب وآتش مرترا كردد سباه نوح وموسى را نه دريا يار شد نى براعدا شان بكين قهارشد آتش ابراهيم را نى قلعه بود تا برآورد از دل نمرود دود كوه يحيى را نه سوى خويش خواند قاصدانش را بزخم سنك راند كفت اى يحيى بيا در من كريز تا بناهت باشم از شمشيرتيز تفسير : فان قلت لم ابتلاه الله بالنار فى نفسه. قلت كل رسول اتى بمعجزة تناسب اهل زمانه فكان اهل ذلك الزمان يعبدون النار والشمس والنجوم معتقدين انها من حيث ارواحها تربى الهياكل والاجسام بخاصية طبائع هن عليها فاراهم الله تعالى الحق ان العنصر الاعظم عندهم هو حقيقة الشمس وروح كرة الاثير والنجوم ولا تضر تلك الآلهة باذن الله بسريان القدرة القاهرة فى حقائق العناصر. وقيل ابتلاه الله بالنار لان كل انسان يخاف بالطبع من صفة القهر كما قيل لموسى {أية : لا تخف سنعيدها سيرتها الاولى}تفسير : فاراه تعالى ان النار لا تضر شيئا الا باذن الله تعالى وان ظهرت بصفة القهر ولذلك اظهر الجمع بين التضاد بجعلها بردا وسلاما ومعجزة قاهرة لاعدائه المعتقدين بوصف الربوبية للعنصر الاعظم فكان ابتلاؤه بالنار معجزة ساطعة لعبدة النيران والنجوم كذا فى اسئلة الحكم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {قالوا حرِّقوه} أي: قال بعضهم لبعض، لَمَّا عجزوا عن المحاججة، وضاقت عليهم الحيل، وعييت بهم العلل، وهذا دَيْدنُ المبطل المحجوج، إذا قُرعَت شبهه بالحجة القاطعة وافتضح، لم يبق له حينئذ إلا المناصبة والمعاداة، فناصبوا إبراهيم عليه السلام، وقالوا حرِّقوه بالنار؛ لأنه أشد العقوبات، {وانصُروا آلهتكم} بالانتقام لها {إن كنتم فاعلين} للنصر، أي: إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرًا مؤزرًا، فاختاروا له أهول المعاقبات، وهو الإحراق، وإلاَّ فقد فرطتم في نصرتها، والذي أشار بالإحراق نمرود، أو رجل من أكراد فارس، اسمه "هيزن"، وقيل: "هدير"، خسفت به الأرض، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة. رُوِيَ أنهم، لما أجمعوا على حرقه عليه السلام، بنوا له حظيرة بكُوثَى - قرية من قرى الأنباط بالعراق - فجمعوا صلاب الحطب من أصناف الخشب، مدة أربعين يومًا، وقيل: شهرًا، حتى إن المرأة تنذر: لَئِنْ أصابت حاجتها لتَحِطَبنَّ في نار إبراهيم. ثم أوقدوا نارًا عظيمة، لا يكاد يحومُ حولها أحد، حتى إن كانت الطير لتمرُ بها، وهي في أقصى الجو فتحترق من شدة وهجها، ولم يقدر أحد أن يقربها، فلم يعلموا كيف يُلقونه عليه السلام فيها، فأتى إبليس وعلمهم علمَ المنجنيق، فعملوه. وقيل: صنعه لهم رجل من الأكراد، فخسف الله تعالى به في الأرض مثل الآخر، ثم عمدوا إلى إبراهيم عليه السلام، فوضعوه فيه مغلولاً مقيدًا مجردًا، فصاحت السماءُ والأرضُ ومن فيها من الملائكة: يا ربنا، إبراهيم، ليس في الأرض أحد يعبدك غيرُه، يُحرق فيك، فَأذَنْ لنا في نصرته، فقال لهم: إن استغاث بواحد منكم فأغيثوه، فرموا به فيها من مكان شاسع، فقال له جبريل عليه السلام، وهو في الهواء: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك. فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فرفع همته عن الخلق، واكتفى بالواحد الحق، فجعل الله الخطيرةَ روضة. وهذا معنى قوله: {قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إِبراهيم} أي: كوني ذات برد وسلام، أي: ابردي بردًا غير ضار. قال ابن عباس: لو لم يقل {وسلامًا} لمات إبراهيم من بردها، ولم تبق يومئذ نار إلا طفئت، ظنت أن الخطاب توجه لها، فما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولم تبق دابة إلا أتت تطفئ عنه النار، إلا الوزغ. فلذلك أمر نبيُنا صلى الله عليه وسلم. بقتلها، وسماها فويسقا. قال السدي: فأخذت الملائكة بضَبْعَي إبراهيم وأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس. قال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه. ورُوي أنه عليه السلام مكث فيها سبعة أيام، وقيل: أربعين، وقيل: خمسين، والأول أقرب. قال إبراهيم عليه السلام: ما كنتُ أيامًا قط أنعم مني من الأيام التي كنتُ فيها. قال ابن بسار: وبعث الله تعالى ملك الظل فقعد إلى جنبه يُؤنسه، قالوا: وبعث الله بقميص من حرير الجنة. قلت: وقد تقدم ذكره في سورة يوسف. وأتاه جبريل فقال: إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي. فنظر نمرود من صرحه، فأشرف عليه، فرآه جالسًا في روضة مونقة، ومعه جليسٌ على أحسن ما يكون من الهيئة، والنار محيطة به، فنادى: يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: فاخرج، فقام يمشي فخرج منها، فاستقبله نمرود وعظَّمه. وقال: من الرجل الذي رأيتُه معك؟ قال ذلك ملك الظل، أرسله ربي ليؤنسني، فقال: إني مُقرب إلى إلهك قربَانًا لِمَا رأيته من قدرته وعزته فيما صنع بك. فقال عليه السلام: لا يقبل الله منك ما دُمتَ على دينك هذا، حتى تفارقه إلى ديني، قال: لا استطيع ترك ملكي، ولكن سأذبح له أربعة آلاف بقرة، فذبحها، وكف عن إبراهيم عليه السلام. قال شعيب الجبائي: أُلقِي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي بنت تسعين سنة، ولَمَّا علت ما أراد من ذبحه بقيت يومين وماتت في الثالث. هـ. وهذا كما ترى من أكبر المعجزات، فإنَّ انقلاب النار هواء طيبًا، وإن لم يكن بدعًا من قدرة الله، لكنه من أكبر الخوارق، واختلف في كيفية برودتها؛ فقيل: إن الله تعالى أزال ما فيها من الحر والإحراق، وقيل: دفع الله عن جسم إبراهيم حرها وإحراقها مع تَرْكِ ذلك فيها، والله على كل شيء قدير. قال تعالى: {وأرادوا به كيدًا}؛ مكرًا عظيمًا في الإضرار، {فجعلناهم الأخسرين} أي: أخسر من كل خاسر، حيث جاء سعيهم في إطفاء نور الحق برهانًا قاطعًا على أنه عليه السلام على الحق، وهم على الباطل، وموجبًا لارتفاع درجته واستحقاقهم للهلاك، فأرسل الله على نمرود وقومه البعوض، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت بعوضة في دماغ نمرود فأهلكته بعد المحنة الشديدة، وبالله التوفيق. الإشارة: أجرى الله تعالى عادته في المتوجه الصادق، إذا أراد الوصول إلى حضرته، أن يبْتَليه قبل أن يُمكنه، ويمتحنه قبل أن يُصافيه؛ لأنَّ محبته تعالى مقرونة بالبلاء، والداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور. فإذا رُمِيَ الولي في منجنيق الابتلاء، وألقي في نار الجلال، وتعرضت له الأكوان: ألك حاجة؟ فيقول - إن كان مؤيَدًا -: أمَّا إليك فلا، وأما إلى الله فبلى، فإذا قيل له: سله، فيقول: علمه بحالي يغني عن سؤالي. فلا جرم أن الله تعالى يقول لنار الجلال: كوني بردًا وسلامًا على وليي، فينقلب حرها بردًا وسلامًا، فلا يرى أيامًا أحلى من تلك الأيام التي ابتُلي فيها. وهذا أمر مجرب مَذُوق، وأما إن التفت إلى التعلق بغير الله تعالى، فإنَّ البلاء يُشدد عليه، أو يخرج من دائرة الولاية، والعياذ بالله. فالولي هو الذي يقلب الأعيان بهمته، وبالنور الذي في قلبه، حسية كانت أو معنوية، فيقلب الخوف أمنًا، والحزن سرورًا، والقبض بسطًا، والفاقة غنًى، وهكذا... فحينئذ تنفعل له الأشياء وتطيعه، وتخرق له العوائد، حتى لو ألقي في النار الحسية لبردت. قال الورتجبي: كان الخليل منُورًا بنور الله، وكان فعل النار من فعل الله، فغلب نور الصفة على نور الفعل، ولو بقيت النار حتى وصل إليها الخليل لصارت مضمحلة، فعلم الحق ذلك، فقال لها: {كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم} حتى تبقى لظهور معجزته وبيان كرامته. هـ. ومصداق ما ذكره: قول النار يوم القيامة للمؤمن: جُز فقد أطفأ نورك لهبي، كما ورد. والله أعلم. ثمَّ ذكر هجرة إبراهيم إلى الشام:
الأعقم
تفسير : {قالوا حرّقوه وانصروه آلهتكم إن كنتم فاعلين} قيل: إن كنتم تفعلون الانتصار منه لآلهتكم فليس الإِحراق، قال جار الله: اجمعوا رأيهم لما غلبوا بإهلاكه، وهكذا المبطل إذا نزعت شبهته بالحجة وافتضح لم يكن أحداً أبغض إليه من المحق، ولم يبق له مفزع إلا المناصبة كما فعلت قريش برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين عجزوا عن المعارضة، والذي أشار بتحريقه رجلٌ من أكراد فارس فخسف الله به الأرض، وقيل: الذي أشار بتحريقه نمرود، وروي أنهم حين همّوا بإحراقه حبسوه ثم بنوا بيتاً كالحصيرة بكوثى، وجمعوا شهراً أصناف الخشب الصلاب حتى كانت المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعن حطباً لإِبراهيم، ثم أشعلوا ناراً عظيمة كانت الطير تحرق في الجوّ من وهجها، ثم وضعوه في المنجنيق مقيداً مغلولاً فرموا به فيها فنادى جبريل (عليه السلام): {يا نار كوني برداً وسلاماً} وحكي ما احترق منه إلاَّ وثاقه، وقال له جبريل حين رمي به: هل لك حاجةٌ؟ قال: أما إليك فلا، قال: فسل ربك، قال: حسبه من سؤالي علمه بحالي، وعن ابن عباس: إنما نجّي بقوله حسبنا الله ونعم الوكيل، وأطل عليه نمرود من الصرح فإذا هو في روضة ومعه جليس له من الملائكة فقال: إني مقرّب إلى إلهك فذبح أربعة آلاف بقرة وكفّ عن إبراهيم، وكان إبراهيم ابن ستة عشر سنة، واختار المعاقبة بالنار لأنها أهول ما يعاقب وأقطع، ومن ثم قالوا: {إن كنتم فاعلين} أي إن كنتم ناصرين آلهتكم {برداً وسلاماً} والمعنى ذات برد وسلام، والمراد ابردي فسلم منك إبراهيم، وعن ابن عباس: لو لم يقل ذلك لأهلكه بردها {وأرادوا به كيداً} أرادوا أن يكيدوه ويمكروا به فما كانوا إلاّ مغلوبين مقهورين {ونجّيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين}، قيل: أمرهما بالهجرة إلى الشام ليعلم الناس الذي قيل: إلى أرض مكة، وقيل: أرض بيت المقدس، وقيل: نجاهما من العراق إلى الشام، وبركاته لأن أكثر الأنبياء يعثرا فيها نشرت في العالمين شرائعهم، وقيل: بارك الله فيه بكثرة الماء والشجر والخصب وطيب عيش الغني والفقير، وعن سفيان أنه خرج إلى الشام فقيل له: إلى أين؟ فقال: إلى بلد يملأ فيه الجراب بدرهم، وقيل: ما من ماء عذب إلاَّ وينبع من أصله من تحت الصخرة إلى بيت المقدس، وروي أنه نزل بفلسطين ولوطا بالمؤتفكات وبينهما مسير يوم وليلة {ووهبنا له اسحاق ويعقوب نافلة} النافلة ولد الولد، وقيل: سأل إسحاق فأعطيه وأعطي يعقوب، نافلة أي زيادة وفضلاً من غير سؤال {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} يعني أنبياء يقتدى بهم، يهدون بأمرنا يدعون الناس إلى الدين ويرشدونهم إلى الشرائع {وأوحينا إليهم فعل الخيرات} الطاعات والشرائع وكذلك {إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} أي مخلصين في العبادة.
اطفيش
تفسير : {قَالُوا حَرِّقُوهُ} أى إبراهيم لما عليهم بالحجة أرادوا إحراقه. وهكذا المبطل، إذا أدحضت شبهته بالحجة وافتضح، لم يكن أحد أبغض إليه من المحق، ولم يبق له مفزع إلا معاداته، كما فعلت قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أعجزهم، وقائل ذلك هو نمرود. وقال ابن عمر: رجل من الأكراد، من فارس، من باديتهم، وهو عجمى. قال شعيب الجمان: اسمه هرز وهو قول ابن عباس. وقيل: نمرود بن لوش. وقيل: هينون، وخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ونسب القول إليهم، إما حكما على المجموع، وإما لرضاهم قول القائل وأتباعه، أو لقولهم تبعًا لقوله، فالكل قال، لكن بعض قال أصالة، وبعض تبعا، واختاروا العقاب بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظعه ولذلك لا يعذب بالنار إلا خالقها كما قال. {وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} أى ناصرين لها نصراً مؤزَّرا، وإلا كنتم مقصرين فى حقها. قال الثعلبى فى عرائس القرآن: لما عزم نمرود وقومه على إحراق إبراهيم، حبسوه فى بيت، وبنوا له بنيانا كالحظيرة، فى قرية تسمى "كوثى" بثاء مثلثة، من العراق ويقال لها: حرة السواد، وبها وُلد، ثم جمعوا له الحطب من أصناف الخشب، حتى إن المرأة تمرض وتقول: لئن عوفيتُ لأجمعن حطبا لإبراهيم. وكانت المرأة تنذر إن أدركتْ ما تطلب لتجمعن له حطبا، وكذلك الرجل ويفعلون ذلك احتسابا، وتغزل المرأة، وتشترى الحطب بغزلها. وكانوا يوصون بشراء الحطب، حتى إن الشيخ الكبير الفانى الذى لم يخرج زمانا يجئ بالحطب، ويلقيه تقربا إلى آلهتهم. قال ابن إسحاق: كانوا يجمعون الحطب شهرا، وجمعا كثيرا، فأشعلوا النار فى كل ناحية، فاشتد التهابها، حتى إن الطائر يمر بالهواء فيحترق. قيل: أوقدت سبعة أيام، ثم أرادوا إلقاءه فيها، ولم يتمكنوا منه لشدة الحريق، فجاء إبليس فى صورة شيخ فقال: أنا أدلكم على صنعة آلة يلقى بها، فعلمهم صنعة المنجنيق، وهو أول ما صنع، فوضعوه مقيدا مفعولا فى المنجنيق. وقيل: رفع إلى رأس البنيان وقيد، وصنع المنجنيق، وأمسكوا المنجنيق، فقبضت الملائكة على أستاره. فقال لهم إبليس: إيتوا بالنساء منكشفات، ينكشفن للرجال، ففعلوا. وصاحت السماوات والأرض، من الملائكة والدواب إلا الإنس والجن صيحة واحدة: يا ربنا إبراهيم خليلك ليس فى الأرض أحد يعبدك غيره، يحرق فيك. فائْذَن لنا فى نصرته. فقال لهم تبارك وتعالى: إن استغاث بشئ منكم أو دعاء فلينصره، فقد أذنت له، وإن لم يدْع غيرى فأنا أعلم به، وأنا وليُّه. فخلوا بينى وبينه. فلما أرادوا إلقاء، أتاه مَلَك المياه فقال: إن أردت أخمدت النار، فإن خزائن المياه والأمطار بيدى. وأتى خازنُ الريح فقال له: إن شئت طيَّرت النار فى الهواء؛ فإن خزائن الريح بيدى. فقال لهم إبراهيم: لا حاجة لى إليكم ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم أنت الواحد فى الأرض، ليس فى الأرض أحد يعبدك غيرى. وقيل: قال لهم: لا حاجة لى إليكم، حسبى الله ونِعم الوكيل. وعن المعتم عن أُبىّ بن كعب عن أرقم: قال إبراهيم - حين أوثقوه ليلقوه فى النار -: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك المُلك، لا شريك لك. قالوا: ثم رموا به فى النار من موضع بعيد. فقال له جبريل فى الهواء: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال له جبريل: فاسأل ربك. قال له إبراهيم: حسبى من سؤالى علمه بحالى، حسبى الله ونِعم الوكيل. وفى الخبر أنه نُجِّى بقوله: حسبى من سؤال الخ. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال إبراهيم: حسبى الله ونِعم الوكيل حين ألقى فى النار. وقالها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حين قيل له: إن الناس قد جمعوا لكم. وجعل كل شئ يطفئ النار بالماء إلا الوزغة، فإنها كانت تنفخ فى النار، ولذلك أمر صلى الله عليه وسلم بقتلها، وفى قتلها أجر عظيم، وهو سامّ أبرص بتشديد الميم، وسمّ أبرص، إسقاط الألف. وفى القاموس: إن سامّ أبرص، وسمّ أبرص: الوزغة الكبيرة الجسم. وأَكثر اجتهاداً فى إطفاء النار الضفادع، كانت تحوم حولها ما لا يحوم غيرها. قال الشيخ إسماعيل - رحمه الله - عن النبى صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تقتلوا الضفادع، فإن الذى تسمعون منها تسبيح وتقديس،تفسير : وإن إبراهيم - عليه السلام - لما أُلقى فى النار استأذنت دواب البر والطير أن تطفئ عن إبراهيم النار، فأذن الله للضفادع، مزكأت على النار، أى رمت بنفسها عليها، فذهب ثلثاها، أى ثلثا كل ضفدع، وبقى الثلث، فأبدل الله لها بحرارة النار برد الماء. وظاهره ما أذن فى الإطفاء إلا للضفادع وذكر بعضهم خلاف ذلك. وروى أن الدواب التى يحمل عليها امتنعت من حمل الحطب إلا البغل والبغلة، فأَعقمها الله. وناداها جبريل: {يا نار كونى بردا وسلامًا} وهو المراد بقوله: {قُلْنَا} أمرنا بالقول فإن القائل جبريل، أو من قول الشئ، بمعنى إيجاده. {يَا نَارُ} نكرة مقصودة. {كُونِى بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} أمرها أن تكون نفس البرد والسلامة مبالغة، أو يقدر مضاف، أى ذات برد وسلامة، أو يؤولان بالوصف، أى باردة وسالمة، من أن تضره، أو مصدران لخبر محذوف، أى كونى باردة برداً وسالمة سلاماً، والواو عاطفة لمحذوف على قلنا، أى وسلمنا سلاماً عليه. وفى الكلام مبالغة، يجعل النار مسخرة بقدرته، مأمورة مطيعة، وإقامة كونى بردا مقام أبردى، ومرها بأَن تكون نفس البرد، على ما مر. والمراد بردا عظيما لكنه غير ضار. وعن ابن عباس وعلىّ: لو لم يقل: وسلاما، لضره البرد فيموت. قيل: لو لم يقل: على إبراهيم، لبقيت بردا أبدا، نزع الله طبعها الذى هو الإحراق. ويجوز أن يكون باقيا فيها، لكن دفعه الله عن جسم إبراهيم، وأذاقه عكسه، كما رفعه عن الخَزَنة - عليهم السلام، وكما يرى فى السمندل، وهو طائر، يرمى نفسه فى النار ولا تؤذيه. قال عمرو بن واصل: كنت عند سهل ليلا، فأخرجت فتيلة السراج، فنالت من أصبعى شيئا يسيرا، تألمت منه. فنظر إلىَّ، ووضع أصبعه على النار، نحو ساعتين، لا يجد ألمًا، ولا أثرا بأصبعه، وهو يقول: أعوذ بالله من النار. ويدل لهذا قوله: {على إبراهيم} وما روى أنهم قالوا: هذه النار مسحورة لا تحرق، فرموا فيها شيخا منهم فاحترق، ولم تحرق من إبراهيم إلا ما ربطوه به، ولم يبق يومئذ نار إلا طفئت. وعن كعب وقتادة والزهرى: ما انتفع يومئذ أحد بنار فى الدنيا. ولما كان فى الهواء أخذت الملائكة بضبعيه، فأقعدوه على الأرض فإذا عين ماء عذب، وورد أحمر، ونرجس أصفر، وطعام من الجنة وفراش منها. وروى أن العيدان أثمرت له ثمارها هناك، وأقام فيها سبعة أيام. قال المنهال بن عمر: قال إبراهيم الخليل: ما كنت قط أياما أنعم عيشا من الأيام التى كنت فيها فى النار. قال ابن إسحاق: بعث الله له مَلَك الظل فى صورة إبراهيم، فقعد إلى جنبه يؤانسه ويحادثه. وأتاه جبريل بقميص من الجنة فقال: يا إبراهيم إن الله تعالى يقول لك: أما علمت أن النار لا تضر أحبابى. وألبسه القميص. وروى أنه أتاه بقميص حرير وطنفسة منها، ألبسه القميص، وأقعده على الطنفسة، وأشرف عليه نمرود من عِلْية له، وما يشك أنه غير محترق هالك، فرآه جالسا على تلك الحال المذكورة كلها، والحطب يشتعل حوله. فناداه: يا إبراهيم إن إلهك الذى بلغت قدرته إلى أن حال بينك وبين النار، وصرف عنك ضررها الكبير. يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم. ثم قال: نخشى إن قُمت فيها أن تضرك. قال: لا. قال: فقم فاخرج منها. فقام فخرج منها. فقال له: يا إبراهيم مَن الرجلُ الذى رأيتُ بجنبك فى مثل صورتك قاعدا؟ قال: ذلك مَلَك الظل، أرسله ربى إلى ليؤنسنى. قال نمرود: يا إبراهيم إنى مقرب إلى إلهك قربانا، لما رأيت من قدرته بما صنع لك، حتى أبيْت إلا عبادته وتوحيده. قال إبراهيم: هو إلهٌ قادر. قال نمرود: إنى أريد أن أذبح له أربعة آلاف بقرة. قال له إبراهيم: إذن لا يقبل الله منك ما كنتَ على دينك حتى تفارقه وترجع إلى دينى. قال: يا إبراهيم لا أستطيع ترك ملكى، ولكن سوف أذبحها له، فذبحها له نمرود، وصرف الله ضره عنه من يومئذ. وقال له: نعم الرب ربك يا إبراهيم. قال شعيب الجُمانى: ألقى فى النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح إسحاق، وهو ابن تسع سنين، وولدت سارة له، وهى بنت تسعين سنة، ومرضت يومين، وماتت فى اليوم الثالث، وآمن به لذلك رجال من قومه، على خوف من نمرود. وقيل: كان ذلك فى كوثى الشام لا كوثى العراق، وهو باطل.
اطفيش
تفسير : {قالُوا} كان فيهم القول، أى قال بعض لبعض {حرِّقوه} فان النار أشد ما يعذب به، ولذلك كانت عذاب الله فى الآخرة، لا يعذب بالنار إلا ربها: {وانصروا} بتحريقه {آلهتكم إن كُنْتم فاعلين} مريدين لفعل ننصرها، وإن لم تعذبوه البتة، أو عذبتموه بغير النار، فقد خذلتموها، أمرهم نمرود بن كنعان بن سنجاريب بن نمرود بن كوس بن حام بن نوح عليه السلام، وروى أنه تليت الآية على ابن عمر فقال: أتدرى يا مجاهد من أمر بذلك؟ قال: لا، قال: رجل من أعرب فارس، يعنى الأكراد، على أن الأكراد من الفرس، وذهب كثير الى أنهم من العرب، وذكر، أن منهم جابان أبا ميهون من الصحابة، ولعل المراد بالأعراب أهل الصحراء ولو عجماً، ومات نمرود ببعوضة فى دماغة، صارت فيه كالفرخ. وذاكر ابن عطية أن الآمر بذلك رجل من الأكراد خسف به الأرض تلجلجاً الى يوم القيامة، واسمه هبون، وقيل: هدير، وذلك لأمره، ولو كان المنفذ له نمرود لا إياه، وحيى نمرود الى أن مات بالباعوضة حبسوه، وجمعوا له الحطب الغليظ أربعين يوماً، وقيل شهراً، وأوقدوه فى حظيرة فى بلدة يقال لها كوشى من قرى الأنباط فى حدود بابل من العراق، ولا يمر عليها طائر إلا احترق، ولا يقدرون على أن يقربوها، فأمرهم إبليس، أو الرجل الذى أمر بهما أن يلقوه فيها بالمنجنيق، وجعلوه فيه مغلولا مقيداً، فصاحت ملائكة السماء والأرض: إلهنا ما فى أرضك من يعبدك غير ابراهيم وهو يحرق فيك فإذن لنا فى نصره، فقال عز وجل: إن استغاث بأحد منكم فلينصره، وان لم يدع غيرى فأنا إلهه ووليه، وعالم به، فخلوا بينى وبينه، فإنه خليلى، ليس لى خليل غيره، وليس له إله غيرى. فأتاه خازن الماء، وخازن الرياح، فاستأذناه فقال: لا حاجة لى إليكم، حسبى الله نعم الوكيل، وأتاه جبريل وهو فى الهواء، فقال: هل لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، فقال سل ربك، فقال هو عالم بحالى، وحين أوثقوه قال: لا إليه إلا أنت سبحانك لك الحمد، ولك الملك، لا شريك لك. وفى البخارى عند قوله تعالى: "أية : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل" تفسير : [آل عمران: 173] قالها ابراهيم حين ألقى فى النار، ومحمد حين قيل إن الناس قد جمعوا لكم، وأنت خبير بما هنا من روايات، أن الضفادع تسعى فى إطفاء النار بالماء، فذهب ثلثاها، وأن الوزغ كان ينفخ فى النار الى غير ذلك، كانت المرأة تنذر أن عليه كذا من الحطب، لإحراق ابراهيم إن نالت حاجتها، ولم تضره النار، وبقى ضوءها وإشراقها، ولم تغيره شيئاً سوى أن أحرقت كتافه، أبقى الله حرارتها على الكتاف، وأزالها عنه كما قال الله جل وعلا.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ} أي قال بعضهم لبعض لما عجزوا عن المحاجة وضاقت بهم الحيل وهذا ديدن المبطل المحجوج إذا بهت بالحجة وكانت له قدرة يفزع إلى المناصبة {حَرّقُوهُ} فإن النار أشد العقوبات ولذا جاء «لا يعذب بالنار إلا خالقها» {وَٱنصُرُواْ ءالِهَتَكُمْ} بالانتقام لها {إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ} أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصراً مؤزراً فاختاروا له ذلك وإلا فرطتم في نصرتها وكأنكم لم تفعلوا شيئاً ما فيها، ويشعر بذلك العدول عن إن تنصروا آلهتكم فحرقوه إلى ما في النظم الكريم، وأشار بذلك على المشهور ورضي به الجميع نمروذ بن كنعان بن سنحاريب بن نمروذ بن كوس بن حام بن نوح عليه السلام. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: تلوت هذه الآية على عبد الله بن عمر فقال: أتدري يا مجاهد من الذي أشار بتحريق إبراهيم عليه السلام بالنار؟ قلت: لا قال: رجل من أعراب فارس يعني الأكراد ونص على أنه من الأكراد ابن عطية، وذكر أن الله تعالى خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، واسمه على ما أخرج / ابن جرير وابن أبـي حاتم عن شعيب الجباري هيون، وقيل: هدير. وفي «البحر» أنهم ذكروا له اسماً مختلفاً فيه لا يوقف منه على حقيقة، وروي أنهم حين هموا بإحراقه حبسوه ثم بنوا بيتاً كالحظيرة بكوثى قرية من قرى الأنباط في حدود بابل من العراق وذلك قوله تعالى: { أية : قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَـٰناً فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [الصافات: 97] فجمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب مدة أربعين يوماً فأوقدوا ناراً عظيمة لا يكاد يمر عليها طائر في أقصى الجو لشدة وهجها فلم يعلموا كيف يلقونه عليه السلام فيها فأتى إبليس وعلمهم عمل المنجنيق فعملوه، وقيل: صنعه الكردي الذي أشار بالتحريق ثم خسف به ثم عمدوا إلى إبراهيم عليه السلام فوضعوه في المنجنيق مقيداً مغلولاً فصاحت ملائكة السماء والأرض إلٰهنا ما في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم عليه السلام وأنه يحرق فيك فأذن لنا في نصرته فقال جل وعلا: إن استغاث بأحد منكم فلينصره وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه فإنه خليلي ليس لي خليل غيره وأنا إلٰهه ليس له إلٰه غيري فأتاه خازن الرياح وخازن المياه يستأذنانه في إعدام النار فقال عليه السلام لا حاجة لي إليكم حسبـي الله ونعم الوكيل، وروي عن أبـي بن كعب قال: حين أوثقوه ليلقوه في النار قال عليه السلام: لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك ثم رموا به فأتاه جبريل عليه السلام فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا قال: جبريل عليه السلام فاسأل ربك فقال: حسبـي من سؤالي علمه بحالي، ويروى أن الوزغ كان ينفخ في النار، وقد جاء ذلك في رواية البخاري. وفي «البحر» ذكر المفسرون أشياء صدرت عن الوزغ والبغل والخطاف والضفدع والعضرفوط والله تعالى أعلم بذلك، فلما وصل عليه السلام الحظيرة جعلها الله تعالى ببركة قوله عليه السلام روضة، وذلك قوله سبحانه وتعالى: {قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}
ابن عاشور
تفسير : لما غلبهم بالحجة القاهرة لم يجدوا مَخلَصاً إلا بإهلاكه. وكذلك المبطل إذا قَرعَت باطلَه حجة فساده غضب على المحقّ، ولم يبق له مفزع إلا مناصبتَه والتشفّي منه، كما فعل المشركون من قريش مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين عجزوا عن المعارضة. واختار قوم إبراهيم أن يكون إهلاكه بالإحراق لأن النار أهول ما يعَاقب به وأفظعه. والتحريق: مبالغة في الحرق، أي حرقاً متلفاً. وأسند قول الأمر بإحراقه إلى جميعهم لأنهم قبلوا هذا القول وسألوا ملِكهم، وهو (النمروذ)، إحراق إبراهيم فأمر بإحراقه لأن العقاب بإتلاف النفوس لا يملكه إلا ولاة أمور الأقوام. قيل الذي أشار بالرأي بإحراق إبراهيم رجل من القوم كُردي اسمه (هينون)، واستحسن القومُ ذلك، والذي أمر بالإحراق (نمروذ)، فالأمر في قولهم {حرقوه} مستعمل في المشاورة. ويظهر أن هذا القول كان مؤامرة سرية بينهم دون حضرة إبراهيم، وأنهم دبّروه ليبغتوه به خشيةَ هروبه لقوله تعالى: {أية : وأرادوا به كيداً} تفسير : [الأنبياء: 70]. ونمروذ هذا يقولون: إنه ابن (كوش) بن حَام بن نوح، ولا يصح ذلك لبعد ما بين زمن إبراهيم وزمن (كوش). فالصواب أن (نمروذ) من نسِل (كوش). ويحتمل أن تكون كلمة (نمروذ) لقباً لملك (الكلدان) وليست عَلَماً. والمقدر في التاريخ أن مَلك مدينة (أور) في زمن إبراهيم هو (ألغى بن أورخ) وهو الذي تقدم ذكره عند قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك} تفسير : في [سورة البقرة: 258]. ونصر الآلهة بإتلاف عدوّها. ومعنى {إن كنتم فاعلين} إن كنتم فاعلين النصر، وهذا تحريض وتلهيب لحميتهم. وجملة {قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} مفصولة عن التي قبلها إما لأنها وقعت كالجواب عن قولهم {حرقوه} فأشبهت جمل المحاورة، وإما لأنها استئناف عن سؤال ينشأ عن قصة التآمر على الإحراق. وبذلك يتعين تقدير جملة أخرى، أي فألقَوْه في النار قلنا: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وقد أظهر الله ذلك معجزة لإبراهيم إذ وَجّه إلى النار تعلّقَ الإرادة بسلب قوة الإحراق، وأن تكون برداً وسلاماً إن كان الكلام على الحقيقة، أو أزال عن مزاج إبراهيم التأثر بحرارة النار إن كان الكلام على التشبيه البليغ، أي كوني كبرد في عدم تحريق الملقَى فيكِ بحَرّك. وأما كونها سلاماً فهو حقيقة لا محالة، وذِكر {سلاماً} بعد ذكر البرد كالاحتراس لأن البرد مؤذ بدوامه ربما إذا اشتد، فعُقب ذكره بذكر السلام لذلك. وعن ابن عباس: لو لم يقل ذلك لأهلكته ببَردها. وإنما ذكر {برداً} ثمّ أتبع بــــ {سلاماً} ولم يقتصر على {برداً} لإظهار عجيب صنع القدرة إذ صيّر النار برداً. و {على إبراهيم} يتنازعه {برداً وسلاماً}. وهو أشد مبالغة في حصول نفعهما له، ويجوز أن يتعلق بفعل الكون.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما أفحم قومه الكفرة بالبراهين والحجج القاطعة، لجؤوا إلى استعمال القوة فقالوا: {حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} أي بقتلكم عدوها إبراهيم شر قتلة، وهي الإحراق بالنار. ولم يذكر هنا أنهم أرادوا قتله بغير التحريق: ولكنه تعالى ذكر في سورة "العنكبوت" أنهم {أية : قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ}تفسير : [العنكبوت: 24] وذلك في قوله: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ}تفسير : [العنكبوت: 24] الآية. وقد جرت العادة بأن المبطل إذا أفحم بالدليل لجأ إلى ما عنده من القوة ليستعملها ضد الحريق. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصراً مؤزّراً. فاختاروا له أفظع قتلة، وهي الإحراق بالنار. وإلا فقد فرطتم في نصرها.
د. أسعد حومد
تفسير : {آلِهَتَكُمْ} {فَاعِلِينَ} (68) - ولَمَّا دُحِضَتْ حُجَّتُهُمْ، وبانَ عَجْزُهُمْ، وَظَهَرَ الحَقُّ، وَزَهَقَ البَاطِلُ، عَدَلُوا إِلَى اسْتِعْمَالِ القُوَّةِ الجَائِرَةِ، وهي وَسِيلَةُ الضَّعِيفِ الجَبَانِ، فَقَالُوا: اجْمَعُوا حَطَباً كَثِيراً ثُمَّ أَشْعِلُوا النَّارَ فِيهِ، وأَلْقُوا إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ انْتِقَاماً لآلِهَتِكُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. وَقَد أَبْطَلَ اللهُ كَيْدَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونلحظ قولهم {حَرِّقُوهُ ..} [الأنبياء: 68] بالتضعيف الدالّ على المبالغة، ولم يقولوا مثلاً: احْرٍقوه، وقد اجتمعوا على هذا الفعل فبنَوْا بناءً وضعوا فيه النار، ومكثوا أربعين يوماً يسجرونها بكل ما يمكن أن يشتعل، وبذلك اشتدت حرارة النار، حتى إن الطير الذي يمرُّ فوق هذه النار كان يسقط مشوياً من شدة حرها. والدليل على ذلك أنهم لما أرادوا إلقاء إبراهيم في النار لم يستطيعوا الاقتراب منها لشدة لَفْحها، فصنعوا له منِجنيقاً لِيُلْقُوه به في النار من بعيد. وقولهم: {وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ ..} [الأنبياء: 68] حسب اعتقادهم كأن المعركةَ بين إبراهيم والآلهة، والحقيقة أن الآلهة التي يعبدونها مع إبراهيم وليست ضده، فالمعركة - إذن - بين إبراهيم وبين عُبَّاد الأصنام. وقولهم: {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 68] يعني: إنْ فعلتم شيئاً بإبراهيم فَحرِّقوه. ثم يقول الحق سبحانه عن إنجائه لإبراهيم - عليه السلام - من هذه المَحْرقَة: {قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي ...}.
النسائي
تفسير : ذيل التفسير قوله تعالى: [{حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ} [68]] 18/ 753- (عن) خُشَيش بن أصرم، (عن) عبد الرزاق، (عن) الثوري، (عن) الشَّيباني، (عن) الحسن بن سعد، (عن) عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه عبد الله بن مسعود قال: حديث : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمررنا بقرية نَمْل قد أُحْرِِقَت [فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لا ينبغي لبشر ان يُعذِّب بعذاب الله "].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):