Verse. 2556 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

وَجَعَلْنٰہُمْ اَىِٕمَّۃً يَّہْدُوْنَ بِاَمْرِنَا وَاَوْحَيْنَاۗ اِلَيْہِمْ فِعْلَ الْخَيْرٰتِ وَاِقَامَ الصَّلٰوۃِ وَاِيْتَاۗءَ الزَّكٰوۃِ۝۰ۚ وَكَانُوْا لَنَا عٰبِدِيْنَ۝۷۳ۙۚ
WajaAAalnahum aimmatan yahdoona biamrina waawhayna ilayhim fiAAla alkhayrati waiqama alssalati waeetaa alzzakati wakanoo lana AAabideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وجعلناهم أئمة» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء يقتدى بهم في الخير «يهدون» الناس «بأمرنا» إلى ديننا «وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة» أي أن تفعل وتقام وتؤتى منهم ومن أتباعهم، وحذف هاء إقامة تخفيف «وكانوا لنا عابدين».

73

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَجَعَلْنَٰهُمْ أَئِمَّةً } بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء يُقْتَدَى بهم في الخير {يَهْدُونَ } الناس {بِأَمْرِنَا } إلى ديننا {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلوٰة وَإِيتآءَ ٱلزَّكَوٰةِ } أي أن تُفْعَل وتُقَامُ وتُؤتَى منهم ومن أتباعهم، وحذف هاء (إقامة) تخفيف {وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ }.

النسفي

تفسير : {وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً } يقتدى بهم في الدين {يَهْدُونَ } الناس {بِأَمْرِنَا } بوحينا {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرٰتِ } وهي جميع الأعمال الصالحة وأصله أن تفعل الخيرات ثم فعلا الخيرات ثم فعل الخيرات. وكذلك قوله {وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} والأصل وإقامة الصلاة إلا أن المضاف إليه جعل بدلاً من الهاء {وَكَانُواْ لَنَا عَـٰبِدِينَ } لا للإصنام فأنتم يا معشر العرب أولاد إبراهيم فاتبعوه في ذلك. {وَلُوطاً } انتصب بفعل يفسره {آتَيْنَاهُ حُكْمًا} حكمة وهي ما يجب فعله من العمل أو فصلاً بين الخصوم أو نبوة {وَعِلْماً } فقهاً {وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ } من أهلها وهي سدوم {ٱلَّتِى كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَـٰئِثَ } اللواطة والضراط وحذف المارة بالحصى وغيرها {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء فَـٰسِقِينَ } خارجين عن طاعة الله {وَأَدْخَلْنَـٰهُ فِى رَحْمَتِنَا } في أهل رحمتنا أو في الجنة {إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي جزاء له على صلاحه كما أهلكنا قومه عقاباً على فسادهم {وَنُوحاً } أي واذكر نوحاً {إِذْ نَادَىٰ } أي دعا على قومه بالهلاك {مِن قَبْلُ } من قبل هؤلاء المذكورين {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ } أي دعاءه {فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ } أي المؤمنين من ولده وقومه {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } من الطوفان وتكذيب أهل الطغيان.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر أنه أعطاهم رتبة الصلاح في أنفسهم، ذكر أنه أعطاهم رتبة الإصلاح لغيرهم، فقال معظماً لإمامتهم: {وجعلناهم أئمة} أي أعلاماً ومقاصد يقتدى بهم في الدين بما أعطاهم من النبوة. ولما كان الإمام قد يدعو إلى الردى، ويصد عن الهدى، إذا كانت إمامته ظاهرة لا يصحبها صلاح باطن، احترز عن ذلك بقوله: {يهدون} أي يدعون إلينا من وفقناه للهداية {بأمرنا} وهو الروح الذي هو العمل المؤسس على العلم بإخبار الملائكة به عنا، ولإفهام ذلك عطف عليه قوله معظماً لوحيه إليهم: {وأوحينا إليهم} أي أيضاً {فعل} أي أن يفعلوا {الخيرات} كلها وهي شرائع الدين، ولعله عبر بالفعل دلالة على أنهم امتثلوا كل ما أوحي إليهم. ولما كانت الصلاة أم الخيرات، خصها بالذكر فقال: {وإقام الصلاة} قال الزجاج: الإضافة عوض عن تاء التأنيث. يعني فيكون من الغالب لا من القليل، وكان سر الحذف تعظيم الصلاة لأنها مع نقصها عن صلاتنا - لما أشار إليه الحذف - بهذه المنزلة من العظمة فما الظن بصلاتنا. ولما كانت الصلاة بين العبد والحق، وكان روحها الإعراض عن كل فان، عطف عليها قوله: {وإيتاء الزكاة} أي التي هي مع كونها إحساناً إلى الخلق بما دعت الصلاة إلى الانسلاخ عنه من الدنيا، ففعلوا ما أوحيناه إليهم {وكانوا لنا} دائماً جبلة وطبعاً {عابدين*} أي فاعلين لكل ما يأمرون به غيرهم، فعل العبد مع مولاه من كل ما يجب له من الخدمة، ويحق له من التعظيم والحرمة. ولما كان سبحانه قد سخر لصديقه لوط عليه السلام إهلاك من عصاه في أول الأمر بحجارة الكبريت التي هي من النار، وفي آخره بالماء الذي هو أقوى من النار، تلاه به فقال: {ولوطاً} أي وآتيناه أو واذكر لوطاً؛ ثم استأنف قوله: {ءاتيناه} أي بعظمتنا {حكماً} أي نبوة وعملاً محكماً بالعلم {وعلماً} مزيناً بالعمل {ونجيناه} بانفرادنا بالعظمة. ولما كانت مادة "قرا" تدل على الجمع، قال: {من القرية} المسماة سدوم، أي من عذابهم وجميع شرورهم، وأفرد تنبيهاً على عمومها بالقلع والقلب وأنه كان في غاية السهولة والسرعة، وقال أبو حيان: وكانت سبعاً، عبر عنها بالواحدة لاتفاق أهلها على الفاحشة. {التي كانت} قبل إنجائنا له منها {تعمل الخبائث} بالذكران، وغير ذلك من الطغيان، فاستحقوا النار التي أمر المؤلفات، بما ارتكبوا من الشهوة المحظورة لعدهم لها أحلى الملذذات، والغمر بالماء القذر المنتن الذي جعلناه - مع أنا جعلنا من الماء كل شيء حي - لا يعيش فيه حيوان، فضلاً عن أن يتولد منه، ولا ينتفع به، لما خامروا من القذر الذي لا ثمرة له. ولما كان في هذا إشارة إلى إهلاك القرية، وأن التقدير: ودمرنا عليهم بعد انفصاله عنهم، علله بقوله: {إنهم كانوا} أي بما جلبوا عليه {قوم سوء} أي ذوي قدرة على الشر بانهماكهم في الأعمال السيئة {فاسقين*} خارجين من كل خير، ثم زاد الإشارة وضوحاً بقوله: {وأدخلناه} أي دونهم بعظمتنا {في رحمتنا} أي في الأحوال السنية، والأقوال العلية، والأفعال الزكية، التي هي سبب الرحمة العظمى ومسببة عنها؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنه من الصالحين*} أي لما جلبناه عليه من الخير. ولما أتم سبحانه قصة لوط المناسبة لقصة الخليل عليهما السلام بحجارة الكبريت، ولقصة نوح عليه السلام بالماء الذي غمرت به قراه السبع، أتبع ذلك قصة نوح عليه السلام الذي سخر له من الماء ما لم يسخره لغيره لغمره جميع الأرض دانيها وقاصيها، واطيها وعاليها، فقال: {ونوحاً إذ} أي اذكره حين {نادى} أي دعا ربه {أية : إني مغلوب فانتصر}تفسير : [القمر: 10] و {أية : لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً } تفسير : [نوح: 26] ونحوه من الدعاء. ولما كان دعاؤه لم يستغرق الأزمنة الماضية، أثبت الجار فقال: {من قبل} أي من قبل لوط ومن تقدمه {فاستجبنا} أي أردنا الإجابة وأوجدناها بعظمتنا {له} في ذلك النداء؛ ثم سبب عن ذلك قوله: {فنجيناه} أي بعظمتنا تنجية عظيمة {وأهله} الذين أدام ثباتهم على الإسلام وصلتهم به {من الكرب العظيم*} من الأذى والغرق؛ قال أبو حيان: والكرب: أقصى الغم، والأخذ بالنفس، وهو هنا الغرق، عبر عنه بأول أحوال ما يأخذ الغريق. {ونصرناه} أي مخلصين له ومانعين ومنتقمين {من القوم} أي المتصفين بالقوة {الذين كذبوا} أي أوقعوا التكذيب له {بآياتنا} أي بسبب إتيانه بها، وهي من العظمة على أمر لا يخفى. ولما كان التقدير: ثم أهلكناهم، علله بقوله: {إنهم كانوا قوم سوء} لا عمل لهم إلا ما يسوء {فأغرقناهم} أي بعظمتنا التي أتت عليهم كلهم {أجمعين*} حتى من قطع الكفر بين نوح عليه السلام وبينه من أهله فصار لا يعد من أهله، لاختلاف الانتساب بالدين. ولما كان ربما قيل: لم قدم إبراهيم ومن معه على نوح وهو أبوهم ومن أولي العزم، وموسى وهارون على إبراهيم وهو كذلك، أشار بقصة داود وسليمان - على جميعهم الصلاة والسلام - إلى أنه ربما يفضل الابن الأب في أمر، فربما قدم لأجله وإن كان لا يلزم منه تقديمه مطلقاً، مع ما فيها من أمر الحرث الذي هو أنسب شيء لما بعد غيض الماء في قصة نوح عليه السلام، هذا في أوله وأما في آخره فما ينبته مثال للدنيا في بهجتها وغرورها، وانقراضها ومرورها، ومن تصريف داود عليه السلام في الجبال وهي أشد التراب الذي هو أقوى من الماء، وفي الحديد وهو أقوى من تراب الجبال، وسليمان عليه السلام في الريح وهي أقوى من التراب فقال: {وداود} أي أول من ملك ابنه من أنبياء بني إسرائيل {وسليمان} ابنه، أي اذكرهما واذكر شأنهما {إذ} أي حين {يحكمان في الحرث} الذي أنبت الزرع، وهو من إطلاق اسم السبب على المسبب كالسماء على المطر والنبت، قيل: كان ذلك كرماً، وقيل: زرعاً {إذ نفشت} أي انتشرت ليلاً بغير راع {فيه غنم القوم} الذي لهم قوة على حفظها فرعته؛ قال قتادة: النفش بالليل، والهمل بالنهار. {وكنا} أي بعظمتنا التي لا تقر على خلاف الأولى في شرع من الشروع {لحكمهم} أي الحكمين والمتحاكمين إليهما {شاهدين} لم يغب عنا ذلك ولا شيء من أمرهم هذا ولا غيره، فذلك غيرنا على داود عليه السلام تلك الحكومة مع كونه ولينا وهو مأجور في اجتهاده لأن الأولى خلافها، فإنه حكم بأن يمتلك صاحب الحرث الغنم بما أفسدت من الكرم، فكأنه رأى قيمة الغنم قيمة ما أفسدت {ففهمناها} أي الحكومة بما لنا من العلم الشامل والقدرة الكاملة على رفع من نشاء {سليمان} فقال: تسلم الغنم لصاحب الكرم ليرتفق بلبنها ونسلها وصوفها ومنافعها، ويعمل صاحبها في الكرم حتى يعود كما كان فيأخذ حرثه، وترد الغنم إلى صاحبها، وهذا أرفق بهما. وهذا أدل دليل على ما تقدمت الإشارة إليه عند {قل ربي يعلم القول}، و{كنا به عالمين إذ قال لأبيه} وفيه رد عليهم في غيظهم من النبي صلى الله عليه وسلم في تسفيه الآباء والرد عليهم كما في قصة إبراهيم عليه السلام لأنه ليس بمستنكر أن يفضل الابن أباه ولو في شيء، والآية تدل على أن الحكم ينقض بالاجتهاد إذا ظهر ما هو أقوى منه. ولما كان ذلك ربما أوهم شيئاً في أمر داود عليه السلام، نفاه بقوله دالاً على أنهما على الصواب في الاجتهاد وإن كان المصيب في الحكم إنما هو أحدهما {وكلاًّ} أي منهما {ءاتينا} بما لنا من العظمة {حكماً} أي نبوة وعملاً مؤسساً على حكمة العلم، وهذا معنى ما قالوه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن من الشعر حكماً - أي قولاً صادقاً مطابقاً للحق {وعلماً} مؤيداً بصالح العمل، وعن الحسن رحمه الله: لولا هذه الآية لرأيت القضاة قد هلكوا، ولكنه أثنى على سليمان عليه السلام بصوابه، وعذر داود عليه السلام باجتهاده انتهى. وأتبعه من الخوارق ما يشهد له بالتقدم والفضل فقال: {وسخرنا} أي بعظمتنا التي لا يعيبها شيء. ولما كان هذا الخارق في التنزيه، لم يعد الفعل اللام زيادة في التنزيه وإبعاداً عما ربما أوهم غيره فقال مقدماً ما هو أدل على القدرة في ذلك لأنه أبعد عن النطق: {مع داود الجبال} أي التي هي أقوى من الحرث، حال كونهن {يسبحن} معه، ولو شئنا لجعلنا الحرث أو الغنم يكلمه بصواب الحكم، ولم يذكر ناقة صالح لأنها مقترحة موجبة لعذاب الاستئصال، فلم يناسب ذكرها هنا، لما أشار إليه قوله تعالى {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم}، " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" وهذه الآيات التي ذكرت هنا ليس فيها شيء مقترح {والطير} التي سخرنا لها الرياح التي هي أقوى من الجبال وأكثر سكناها الجبال، سخرناها معه تسبح {وكنا فاعلين*} أي من شأننا الفعل لأمثال هذه الأفاعيل، ولكل شيء نريده بما لنا من العظمة المحيطة، فلا تستكثروا علينا أمراً وإن كان عندكم عجباً، وقد اتفق نحو هذا لغير واحد من هذه الأمة، كان مطرف بن عبد الله ابن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه ابنته، هذا مع أن الطعام كان يسبح بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم والحصا وغيره.

القشيري

تفسير : الإمامُ مُقَدَّمُ القوم، واستحقاقُ رتبةِ الإمامة باستجماع الخصال المحمودة التي في الأمة فيه، فَمَنْ لم تتجَمعْ فيه مُتَفَرِّقاتُ الخِصالِ المحمودةِ لم يستحق منزلةَ الإمامة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وجعلناهم ائمة} يقتدى بهم فى امور الدين {يهدون} اى الامة الى الحق {بامرنا} لهم بذلك وارسلنا اياهم حتى صاروا مكملين {واوحينا اليهم فعل الخيرات} ليحثوهم عليه فيتم كما لهم بانضمام العمل الى العلم. يقول الفقير جعلوا المصدر من المبنى للمفعول بمعنى ان يفعل الخيرات بناء على ان التكاليف يشترك فيها الانبياء والامم ولكن قوله تعالى فى اواخر هذه السورة {أية : انهم كانوا يسارعون فى الخيرات}تفسير : وقوله تعالى فى سورة مريم حكاية عن عيسى عليه السلام {أية : واوصانى بالصلاة والزكاة ما دمت حيا}تفسير : ينادى على انه من المبنى للفاعل ولا يضر ذلك فى الاشتراك اذا لانبياء اصل فى الذى اوحى اليهم من الاوامر {واقام الصلاة وايتاء الزكاة} عطف الخاص على العام دلالة على فضّله وحذفت تاء الاقامة المعوضة من احدى الالفين لقيام المضاف اليه مقامه {وكانوا لنا} خاصة دون غيرنا {عابدين} لا يخطر ببالهم غير عبادتنا والعبادة غاية التذلل. قال فى التأويلات النجمية قوله {ووهبنا} يشير الى ان الاولاد من مواهب الحق لا من مكاسب العبد وقوله {أية : وكلا جعلنا صالحين}تفسير : يشير الى ان الصلاحية من المواهب ايضا وحقيقة الصلاحية حسن الاستعداد الفطرىّ لقبول الفيض الالهىّ وقوله {وجعلناهم ائمة يهدون بامرنا} يشير الى ان الامامة ايضا من المواهب وانه ينبغى ان الامام يكون هاديا بامر الله لا بالطبع والهوى وان كان له اصل البداية وقوله {واوحينا} الخ يشير الى ان هذه المعاملات لا تصدر من الانسان الا بالوحى للانبياء وبالالهام للاولياء وان طبيعة النفس الانسانية ان تكون امارة بالسوء انتهى. واعلم ان آخر الآيات نبه على اهل الاخلاص بالعبارة وعلى غيره بالاشارة فالاول هو العبد المطلق والثانى هو عبد هواه ودنياه وفى الحديث "حديث : تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار"تفسير : خصصهما بالذكر لانهما معظم ما يعبد من دون الله تعالى. وعن يحيى بن معاذ انه قال الناس ثلاثة اصناف. رجل شغله معاده عن معاشه. ورجل شغله معاشه عن معاده. ورجل مشتغل بهما جميعا فالاول درجة العابدين والثانى درجة الهالكين والثالث درجة المخاطرين: وفى المثنوى شعر : آدمى راهست دركار دست ليك ازو مقصود اين خدمت بدست تاجلا باشد مرين آيينه را كه صفا آيد ز طاعت سينه را جهد كن تانور تورخشان شود تاسلوك وخدمتت آسان شود بند بكسل باش آزاد اى بسر جند باشى بند سيم وبند زر هركه از ديدار بر خوردار شد اين جهان درجشم اومردار شد باز اكر باشد سبيد وبى نظير جونكه صيدش موش باشد شد حقير

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وجعلناهم} أي: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، {أئمةً} يُقتدى بهم في أمور الدين؛ إجابة لدعوته بقوله: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِي} تفسير : [البَقَرَة: 124] أي: فاجعل أئمة، {يَهدُون} الخلق إلى الحق، {بأمرِنَا} لهم بذلك، وإرسالنا إياهم حتى صاروا مكملين، أو يهدون الخلق بإرادتنا ومشيئتنا. {وأوحينا إِليهم فعلَ الخيرات} وهي جميع الأعمال الصالحة، أي: أمرناهم أن يفعلوا جميع الخيرات، ليتم كمالهم بانضمام العمل الصالح إلى العلم، وأصله: أن يفعلوا الخيرات، ثم فعلَ الخيرات، {وإِقامَ الصلاةِ وإِيتاءَ الزكاة}، وهو من عطف الخاص على العام؛ دلالة على فضله وشرفه، وأصله: وإقامة الصلاة، فحذفت التاء المعوضة من إحدى الألفين؛ لقيام المضاف إليه مقامها. {وكانوا لنا عابدين}: قانتين مُطيعين، لا يخطر ببالهم غير عبادتنا ومشاهدتنا. وأنتم يا معشر العرب والعجم من ذريتهم، فاتبعوهم في ذلك. وبالله التوفيق. الإشارة: إنما يعظم جاه العبد عند الله بثلاثة أمور: انحياشه بقلبه إلى الله، ومسارعته إلى ما فيه رضا الله، وإرشاد العباد إلى الله، بدعائهم إلى الله بالحال والمقال، فبقدر ما يقع من هداية الخلق على يديه يعلو مقامه عند الله، إن حصلت المعرفة بالله، وبهذا تعرف شرف مرتبة مشيخة الصوفية، الدالين على الله، الداعين إلى حضرة الله، إن تكلموا وقع كلامهم في قلوب الخلق، فيرجعون إلى الله من ساعتهم، مجالسهم كلها وعظ وتذكير، حالهم يُنهض إلى الله، ومقالهم يدل على الله، ففي ساعة واحدة يتوب على يديهم من الخلق ما لا يتوب على يد العالم في سنين؛ وذلك لإنهاض الحال والمقال، فلا جَرَمَ أنهم أعز الخلق إلى الله، وأعظمهم قدرًا عند الله. قال السهروردي في العوارف: ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : والذي نفس محمد بيده لئن شئتم لأقسمن لكم، إن أحب عباد الله إلى الله يُحَبِّبُونَ الله إلى عباده، ويُحبِّبُون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة"تفسير : . وهذا الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو رتبة المشيخة والدعوة؛ فإن الشيخ يُحبب الله إلى عباده حقيقة، ويحبب عباد الله إلى الله. فأما كونه يُحبب عباد الله إلى الله؛ لأن الشيخ يسلك بالمريد طريق الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في أفعاله وأخلاقه. ومن صح اقتداؤه واتباعه أحبه الله، قال تعالى: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عِمرَان: 31]، ووجه كونه يُحبب الله إلى عباده؛ لأنه يسلك بالمريد طريق التزكية، وإذا تزكت النفس انجلت مرآة القلب، ودخل فيها نور العظمة الإلهية، ولاح فيها جمال التوحيد، وذلك ميراث التزكية، قال الله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} تفسير : [الشّمس: 9]، وفلاحها: الظفر بمعرفة الله، فإذا عرفه، قطعًا، أحبه وفنى فيه. فرتبة المشيخة من أعلى الرتب؛ لأنها خلافة النبوة في الدعوة إلى الله. ثم قال: فعلى المشايخ وقار لله، وبهم يتأدب المريد ظاهرًا وباطنًا، قال الله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعَام: 90]، فالمشايخ، لَمَّا اهتَدْوا، أُهِّلُوا للاقتداء بهم، وجُعِلوا أئمة للمتقين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حاكيًا عن الله عزّ وجلّ: "حديث : إذا كان الغالبُ على عبدي الاشتغال بي، جعلت همته ولذَّتهُ في ذكري، فإذا جعلت همته ولذته في ذكري، أحبني وأحببته، ورفعتُ الحجابُ فيما بيني وبينه، لا يسهو إذا سَهَا الناسُ، أولئك كلامُهُم كلام الأنبياءِ، أولئك الأبطالُ حقًا، أولئك الذين إذا أردتُ بأهلِ الأرضِ عقوبةً أو عذابًا، ذكرتُهم فصرفتُه بهم عنهم"تفسير : . انتهى كلامه رضي الله عنه. ومن كلام ذي النون المصري - لمّا تكلم على الأبدال - قال: فهممهم إليه ثائرة، وأعينهم إليه بالغيب ناظرة، قد أقامهم على باب النظر من رؤيته، وأجلسهم على كراسي أطباء أهل معرفته، ثم قال لهم: إن أتاكم عليل من فقدي فداووه، أو مريض من فراقي فعالجوه، أو خائف مني فانصروه، أو آمن مني فحذّروه، أو راغب في مواصلتي فمنوه، أو راحل نحوي فزودوه، أو جبان في متاجرتي فشجعوه، أو آيس من فضلي فرجُّوه، أو راجٍ لإحساني فبشروه، أو حسن الظن بي فباسطوه، أو مُعظَّم لقدري فعظموه، أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه، أو مسترشد فأرشدوه. هـ. وهذه صفة مشايخ التربية على ما شهدناهم، وما شهدنا إلا بما علمنا. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر نبيه لوطاً ونوحاً عليهما السلام

فرات الكوفي

تفسير : {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا73} [سيأتي عن الباقر عليه السلام في مثيلتها من الآية 24/ السجدة: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا].

اطفيش

تفسير : {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً} يقتدى بهم فى الخير، بهمزة مفتوحة مخففة، فهمزة مكسورة مسهلة، وبعض يحققهما، وبعض يبدل الثانية ياء. {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} أى يهدون الناس إلى الحق بأمرنا لهم: أن يهدوا، وبإرسالنا. وفى الآية إشارة إلى أن من صلح أن يكون قدوة فى دين الله، فالهداية محتومة عليه، ليس له أن يتثاقل عنها. وإلى أنه يجب أن يتقدم على هداية غيره، اهتداؤه فى نفسه. فإن الانتفاع بهداه أعم، والنفوس إلى الاقتداء بالمهدى أمْيل. وبذلك يكون كاملاً. {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} العمل بالشرائع. قيل: الأصل: أن يفعل الخيرات، بالفعل وحرف المصدر، ثم فعلا الخيرات بالمصدر المنون العامل، ثم قيل: فعل الخيرات، بترك التنوين، وبالإضافة. {وَإِقَامَ الصَّلٰوةِ} الأصل: إقوام، نقلت فتحة الواو للقاف، فقلبت ألفا، فحذفت إحدى الألفين، لالتقاء الساكنين، أو لما نقلت الفتحة، حذفت الواو لذلك، ولم يعوض التاء عن المحذوف، على خلاف القياس. وقيل: عدم التعويض مع الإضافة مقيس لقيام الإضافة مقام التاء، والأول مذهب ابن هشام. قال فى المغنى: وأما {وإقام الصلٰوة} فمما يوقف عنده. انتهى وأطلت فى شرح اللامية. {وَإِيتَاءَ الزَّكَٰوةِ} فى إقام الصلاة، وفى إيتاء الزكاة ونحوهما، من المصادر المضافة لمعمولها ما مر فى قوله: {فعل الخيرات} وعطف إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة على فعل الخيرات، عطف خاص على عام للمزية؛ فإن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله والخشوع. والزكاة أفضل العبادات المالية، وشرعت للشفقة على خلق الله. {وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} مطيعين أو موحدين بإخلاص كما يفيده تقديم لنا.

اطفيش

تفسير : {وجعلناهم أئمةً} يقتدى بهم فى الدين {يهْدُون} الناس الى الحق {بأمْرنا} لهم أن يهدوا الناس {وأوْحيَنا إليْهِم فِعْل الخَيْراتِ وإقام الصَّلاة وإيتاء الزكاة} ذكرنا لهم بالوحى فعل الخير، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة على طريق أمرهم وأمر غيرهم بهن، كما تقول ذكر الأمير الغزو الى بلد كذا اليوم، فيعلم السامع أنه أمر بإيقاعه، ففعل مفعول به مصدر مضاف لمفعوله، ولا حاجة الى جعل فعل مصدراً بمعنى الأمر، أى فعلوا فعل الخيرات فعلا، فحذف العامل وأضيف المصدر لمفعول ذلك العامل، فصار فعل الخيرات، كضرب الرقاب، والخطاب فيه للانبياء الذين ذكروا،وأن المعنى أوحينا اليهم قولنا: فعلوا الخيرات فعلا، ولا حاجة أيضاً الى أن الأصل أوحينا إليهم أن تفعل الخيرات بالبناء للمفعول، ثم فعلا الخيرات برفع الخيرات نائباً لفعلا بالتنوين على أنه مصدر للمفعول، ثم أضيف فكان فعل الخيرات لتكلف جعل المصدر بمعنى المبنى للمفعول، ورفع الظاهر به مع الحذف للعامل، ثم حذفه تنويه وإضافته، والصحيح منع المصدر من المبنى للمفعول، والداعى لذلك أن المعنى المصدرى ليس موحى. وفيما ذكرت إغناء عن ذلك، وفيه عموم الموحى إليهم الأنبياء وغيرهم، وإن خصوا فغيرهم تبع لهم، ذكر إقام الصلاة وإيتاء الزكاة تخصيص بعد تعميم بفعل الخيرات، وحذف التاء من مصدر افعل المعل العين المعوضة عن المحذوف، مقيس مطلقا عند سيبويه، واشترط له القراء الإضافة كما هنا، واختير الحذف هنا لموافقة إيتاء، وهى عوض عن العين، أو عن ألف أفعال كما قررته فى النحو والتصريف، وفى الآية أن الأمم يصلون ويزكون، وليستا كهيئة صلاتنا وزكاتنا ولا كعددها {وكانُوا لنا عابدين} وافين بعهد العبودية لنا.

الالوسي

تفسير : {وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً} يقتدى بهم في أمور الدين {يَهْدُونَ} أي الأمة إلى الحق {بِأَمْرِنَا} لهم بذلك وإرسالنا إياهم حتى صاروا مكملين {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرٰتِ} ليتم الكمال بانضمام العمل إلى العلم، وأصله على ما ذهب إليه الزمخشري ومن تابعه أن يفعل الخيرات ببناء الفعل لما لم يسم فاعله، ورفع الخيرات على النيابة عن الفاعل ثم فعلا الخيرات بتنوين المصدر ورفع الخيرات أيضاً على أنه نائب الفاعل لمصدر المجهول ثم فعل الخيرات بحذف التنوين وإضافة المصدر لمعموله القائم مقام فاعله، والداعي لذلك كما قيل إن {فِعْلَ ٱلْخَيْرٰتِ} بالمعنى المصدري ليس موحى إنما الموحى أن يفعل، ومصدر المبني للمفعول والحاصل بالمصدر كالمترادفين، وأيضاً الوحي عام للأنبياء المذكورين عليهم السلام وأممهم فلذا بني للمجهول. وتعقب ذلك أبو حيان بأن بناء المصدر لما لم يسم فاعله مختلف فيه فأجاز ذلك الأخفش والصحيح منعه، وما ذكر من عموم الوحي لا يوجب ذلك هنا إذ يجوز أن يكون المصدر مبنياً للفاعل ومضافاً من حيث المعنى إلى ظاهر محذوف يشمل الموحى إليهم وغيرهم أي فعل المكلفين الخيرات، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الموحى إليهم أي أن يفعلوا الخيرات وإذا كانوا قد أوحي إليهم ذلك فأتباعهم جارون مجراهم في ذلك ولا يلزم اختصاصهم به انتهى. وانتصر للزمخشري بأن ما ذكره بيان لأمر مقرر في النحو والداعي إليه أمران ثانيهما ما ذكر من عموم الموحى الذي اعترض عليه والأول سالم عن الاعتراض ذكر أكثر ذلك الخفاجي ثم قال: الظاهر أن المصدر هنا للأمر كضرب الرقاب، وحينئذٍ فالظاهر أن الخطاب للأنبياء عليهم السلام فيكون الموحى قول الله تعالى افعلوا الخيرات، وكان ذلك لأن الوحي مما فيه معنى القول كما قالوا فيتعلق به لا بالفعل إلا أنه قيل يرد عليه ما أشير أولاً إليه من أن ما ذكر ليس من الأحكام المختصة بالأنبياء عليهم السلام ولا يخفى أن الأمر فيه سهل، وجوز أن يكون المراد شرعنا لهم فعل ذلك بالإيحاء إليهم فتأمل. والكلام في قوله تعالى: {وَإِقَامَ ٱلصَّلوٰة وَإِيتَاء ٱلزَّكَـوٰةِ} على هذا الطرز، وهو كما قال غير واحد من عطف الخاص على العام دلالة على فضله وإنافته، وأصل {إِقَامَ} إقوام فقلبت واوه ألفاً بعد نقل حركتها لما قبلها وحذف إحدى ألفيه لالتقاء الساكنين، والأكثر تعويض التاء عنها فيقال إقامة وقد تترك التاء إما مطلقاً كما ذهب / إليه سيبويه والسماع يشهد له، وإما بشرط الإضافة ليكون المضاف ساداً مسدها كما ذهب إليه الفراء وهو كما قال أبو حيان مذهب مرجوح، والذي حسن الحذف هنا المشاكلة، والآية ظاهرة في أنه كان في الأمم السالفة صلاة وزكاة وهو مما تضافرت عليه النصوص إلا أنهما ليسا كالصلاة والزكاة المفروضتين على هذه الأمة المحمدية على نبيها أفضل الصلاة وأكمل التحية. {وَكَانُواْ لَنَا} خاصة دون غيرنا {عَـٰبِدِينَ} لا يخطر ببالهم غير عبادتنا كأنه تعالى أشار بذلك إلى أنهم وفوا بعهد العبودية بعد أن أشار إلى أنه سبحانه وفى لهم بعهد الربوبية.

الشنقيطي

تفسير : الضمير في قوله {جَعَلْنَاهُمْ} يشمل كل المذكورين: إبراهيم، ولوطاً وإسحاق، ويعقوب، كما جزم به أبو حيان في البحر المحيط، وهو الظاهر. وقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الله جعل إسحاق ويعقوب من الأئمة، أي جعلهم رؤساء في الدين يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات وقوله "بِأَمْرِنَا" أي بما أنزلنا عليهم من الوحي والأمر والنهي، أو يهدون الناس إلى ديننا بأمرنا إياهم، بإرشاد الخلق ودعائهم إلى التوحيد. وهذه الآية الكريمة تبين أن طلب إبراهيم الإمامة لذريته المذكور في سورة "البقرة" أجابه الله فيه بالنسبة إلى بعض ذريته دون بعضها، وضابط ذلك: أن الظالمين من ذريته لا ينالون الإمامة بخلاف غيرهم. كإسحاق ويعقوب فإنهم ينالونها كما صرح به تعالى في قوله هنا {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً}. وطلب إبراهيم هو المذكور في قوله تعالى: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 124]. فقوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِي} أي واجعل من ذريتي أئمة يقتدى بهم في الخير. فأجابه الله بقوله {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} أي لا ينال الظالمين عهدي بالإمامة. على الأصوب. ومفهوم قوله {ٱلظَّالِمِينَ} أن غيرهم يناله عهده بالإمامة، كما صرح به هنا. وهذا التفصيل المذكور في ذرية إبراهيم أشار له تعالى في "الصافات" بقوله: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} تفسير : [الصافات: 113] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 73] أي أن يفعلوا الطاعات، ويأمروا الناس بفعلها. وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة من جملة الخيرات، فهو من عطف الخاص على العام. وقد قدمنا مراراً النكتة البلاغية المسوغة للإطناب في عطف الخاص على العام. وعكسه في القرآن. فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله: {وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 73] أي مطيعين باجتناب النواهي وامتثال الأوامر بإخلاص. فهم يفعلون ما يأمرون الناس به، ويجتنبون ما ينهونهم عنه. كما قال نبي الله شعيب: {أية : وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} تفسير : [هود: 88] الآية. وقوله: {أَئِمَّةً} معلوم أنه جمع إمام، والإمام: هو المقتدى به، ويطلق في الخير كما هنا، وفي الشر كما في قوله: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [القصص: 41] الآية. وما ظنه الزمخشري من الإشكال في هذه الآية ليس بواقع: كما نبه عليه أبو حيان. والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَإِقَامَ ٱلصَّلاَة} [الأنبياء: 73] لم تعوض هنا تاء عن العين الساقطة بالاعتلال على القاعدة التصريفية المشهورة. لأن عدم تعويضها عنه جائز كما هنا، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله: شعر : ... ... وألف بالإفعال واستفعال أزل لذا الإعلال والتا الزم عوض وحذفها بالنقل ربما عرض تفسير : وقد أشار في أبنية المصادر إلى أن تعويض التاء المذكورة من العين هو الغالب بقوله: شعر : واستعذ استعاذة ثم أقم إقامة وغالباً ذا التا لزم تفسير : وما ذكرناه من أن التاء المذكورة عوض عن العين أجود من قول من قال: إن العين باقية وهي الألف الباقية، وأن التاء عوض عن ألف الإفعال.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 73- وجعلناهم أنبياء يدعون الناس ويهدونهم إلى الخير بأمرنا لهم أن يكونوا مرشدين، وألهمناهم فعل الخيرات وإدامة القيام بالصلاة على وجهها، وإعطاء الزكاة، وكانوا لنا - دون غيرنا - خاضعين مخلصين. 74- وآتينا لوطاً القول الفصل والسداد فى الحكم والعلم النافع، ونجِّيناه من القرية التى كان أهلها يعملون الأعمال الشاذة الخبيثة، إنهم كانوا قوماً يأتون الذكران - وهى فاحشة - ما سبقهم بها أحد من العالمين. 75- وسلكناه فى أهل رحمتنا، إنه من الصالحين الذين يشملهم الله برحمته ويمدهم بنصره. 76- ولنذكر هنا نوحاً من قبل إبراهيم ولوط، حين دعا ربه أن يُطهّر الأرض من الفاسقين. فاستجبنا دعاءه ونجيناه هو ومَنْ آمن مِن أهله من كرب الطوفان العظيم. 77- ومنعناه بنصرنا من كيد قومه الذين كذبوا بآياتنا الدالة على رسالته؛ إنهم كانوا أصحاب شر فأغرقناهم أجمعين. 78- واذكر - أيها النبى - داود وسليمان حين كانا يحكمان فى الزرع، إذ انتشرت فيه غنم القوم من غير أصحابه وأكلته ليلا، وكنا لحكمهما فى القضية المتعلقة به عالمين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أئمة: أي يقتدى بهم في الخير. يهدون بأمرنا: أي يرشدون الناس ويعلمونهم ما به كمالهم ونجاتهم وسعادتهم بإذن الله تعالى لهم بذلك حيث جعلهم رسلاً مبلغين. وكانوا لنا عابدين: أي خاشعين مطيعين قائمين بأمرنا. ولوطاً آتيناه حكماً وعلماً: أي أعطينا لوطاً حكماً أي فصلاً بين الخصوم وفقهاً في الدين وكل هذا يدخل تحت النبوة والرسالة وقد نبأه وأرسله. تعمل الخبائث: كاللواط وغيره من المفاسد. فاسقين: أي عصاة متمردين عن الشرع تاركين للعمل به. ونوحاً إذ نادى من قبل: أي واذكر نوحاً إذ دعا ربّه على قومه الكفرة. من الكرب العظيم: أي من الغرق الناتج عن الطوفان الذي عم سطح الأرض. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر أفضال الله تعالى على إبراهيم وولده فقال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ} أي إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمة هداة يقتدى بهم في الخير ويهدون الناس إلى دين الله تعالى الحق بتكليف الله تعالى لهم بذلك حيث نبأهم وأرسلهم. وهو بمعنى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} وقوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلاَة وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَـاةِ} أي أوحينا إليهم بأن يفعلوا الخيرات جمع خير وهو كل نافع غير ضار فيه مرضاة لله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. وقوله تعالى: {وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ} أي امتثلوا أمرنا فيما أمرناهم به وكانوا لنا مطيعين خاشعين وهو ثناء عليهم بأجمل الصفات وأحسن الأحوال وقوله تعالى: {وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} أي وكما آتينا إبراهيم وولديه ما آتيناهم من الإِفضال والإِنعام الذي جاء ذكره في هذا السياق آتينا لوطاً وقد خرج مهاجراً مع عمه إبراهيم آتيناه أيضاً حكماً وعلماً ونبوة ورسالة متضمنة حسن الحكم والقضاء وأسرار الشرع والفقه في الدين. هذه منة وأخرى أنا نجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث وأهلكنا أهلها لأنهم كانوا قوم سوء لا يصدر عنهم إلا ما يسوء إلى الخلق فاسقين عن أمرنا خارجين عن طاعتنا، وقوله: {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} وهذا إنعام آخر أعظم وهو إدخاله في سلك المرحومين برحمة الله الخاصة لأنه من عباد الله الصالحين. وقوله تعالى: {وَنُوحاً} أي واذكر يا رسولنا في سلك هؤلاء الصالحين عبدنا ورسولنا نوحاً الوقت الذي نادى ربه من قبل إبراهيم فقال إني مغلوبٌ فانتصر، {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} حيث نجاه تعالى وأهله إلا امرأته وولده كنعان فإنهما لم يكونا من أهله لكفرهما وظلمهما فكانا من المغرقين. وقوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي ونصرناه بإنجائنا له منهم فلم يمسوه بسوء، وأغرقناهم أجمعين لأنهم كانوا قوم سوء فاسقين ظالمين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضل الدعوة إلى الله تعالى وشرف القائمين بها. 2- فضل إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل الخيرات. 3- ثناء الله تعالى على أوليائه وصالحي عباده بعبادتهم، وخشوعهم له. 4- الخبث إذا كثر في الأمة استوجبت الهلاك والدمار. 5- التنديد بالفسق والتحذير من عواقبه فإنها مدمرة والعياذ بالله. 6- تقرير النبوة المحمدية وتأكيدها إذ مثل هذا القصص لا يتأتى إلا لمن يوحى إليه.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَجَعَلْنَاهُمْ} {أَئِمَّةً} {ٱلْخَيْرَاتِ} {ٱلصَّلاَة} {ٱلزَّكَـاةِ} {عَابِدِينَ} (73) - وَجَعَلَهُمُ اللهُ أَئِمَّةً يَقْتَدِي بِهِمُ النَّاسُ، وَيَدْعُونَ إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)، وَأَلْهَمَهُم اللهُ فِعْلَ الأَعْمَالِ الخَيِّرَةِ، وإِقَامَةَ الصَّلاَةِ، وتَأْدِيَةَ الزَّكَاةِ؛ وكَانُوا يَعْبُدُونَ اللهَ، وَيَقُومُونَ بِمَا يَأْمُرُونَ بِهِ النَّاسَ، وَلاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ طَاعَتِهِ (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِين).

الثعلبي

تفسير : {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً} يُقتدى بهم في الخير {يَهْدُونَ} يدعون الناس إلى ديننا. {بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ} وإقامة {ٱلصَّلاَة وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَـاةِ وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ وَلُوطاً } أي وآتينا لوطاً، وقيل واذكر لوطاً {آتَيْنَاهُ حُكْماً} أي الفصل بين الخصوم بالحقّ {وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَائِثَ} يعني سدّ وما كان أهلها يأتون الذكران في أدبارهم ويتضارطون في أنديتهم مع أشياء أُخر كانوا يعملونها من المنكرات. {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ * وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ} دعا {مِن قَبْلُ} أي من قبل إبراهيم ولوط {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} أتباعه {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} الطوفان، والكرب أشد الغم. {وَنَصَرْنَاهُ} منعناه {مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أن يصلوا إليه بسوء، وقال أبو عبيد: أي على القوم. {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ} قال مرّة وقتادة: كان الحرث زرعاً، وقال ابن مسعود وشريح: كان كرماً قد نبتت عناقيد {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ} أي رعته ليلاً فأفسدته، والنفش بالليل، والهمل بالنهار، وهما الرعي بلا راع {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب عنّا علمه. {فَفَهَّمْنَاهَا} أي علّمناها وألهمناها يعني القضيّة {سُلَيْمَانَ} دون داود. {وَكُلاًّ} يعني داود وسليمان {آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}. قال ابن عباس وقتادة والزهري ومرّة: وذلك أنّ رجلين دخلا على داود أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: هذا انفلتت غنمه ليلاً فوقعت في حرثي، فلم تبق منه شيئاً، فقال له داود: اذهب فإنّ الغنم لك، فأعطاه رقاب الغنم بالحرث، فخرجا فمرّا على سليمان فقال: كيف قضى بينكما، فأخبراه فقال سليمان: لو ولّيت أمرهم لقضيت بغيره، فأخبر بذلك داود فدعاه فقال: كيف تقضي بينهما؟ قال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث فيكون له نسلها ورسلها وحرثها وعوارضها ومنافعها ويبذر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم، فإذا كان العام المقبل وصار الحرث كهيئته يوم أُكل دفع إلى أهله وأُخذ صاحب الغنم غنمه. وقال ابن مسعود وشريح ومقاتل: إنّ راعياً نزل ذات ليلة بجنب كرم، فدخلت الأغنام الكرم وهو لا يشعر فأكلت القضبان وأفسدت الكرم، فصار صاحب الكرم من الغد إلى داود، فقضى بالأغنام لصاحب الكرم لأنه لم يكن بين ثمن الكرم وثمن الأغنام تفاوت، فمرّوا بسليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة فقال: ما قضى الملك في أمركم؟ فقصّوا عليه القصّة فقال سليمان: غير هذا أرفق بالفريقين، فعادوا إلى داود فأخبروه بذلك فدعا سليمان وقال له: بحقّ النبوّة والأُبوّة إلاّ أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، فقال سليمان: تسلّم الأغنام إلى صاحب الكرم حتى يرتفق برسلها ونسلها وصوفها ومنافعها، ويعمل الراعي في إصلاح الكرم إلى أن يعود كهيئته، ثم يرد الاغنام إلى صاحبها فقال: القضاء ما قضيت. وحكم بذلك. قال الحسن: كان الحكم بما قضى به سليمان، ولم يعنف الله داود في حكمه وهذا يدلّ على أنّ كلّ مجتهد مصيب. وروى الزهري عن حرام بن محيصة قال: دخلت ناقة للبراء بن عازب حائطاً لبعض الأنصار فأفسدته، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية، ثم قضى على البراء بما أفسدت الناقة وقال: "حديث : على أصحاب الماشية حفظ الماشية بالليل، وعلى أصحاب الحوائط حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار ". تفسير : {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ} أي وسخّرنا الجبال والطّير يسبّحن مع داود إذا سبّح. قال وهب: كان داود يمرّ بالجبال مسبّحاً وهي تجاوبه وكذلك الطير. قتادة: «يسبّحن» أي يصلّين معه إذا صلّى. {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} ذلك {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ} اللبوس عند العرب: السلاح كلّه درعاً كان أو جوشناً أو سيفاً أو رمحاً، يدلّ عليه قول الهذلي يصف رُمحاً: شعر : ومعي لبوس للبئيس كأنّه روق بجبهة ذي نعاج مُجفل تفسير : يريد باللبوس الرمح، وإنّما عنى الله سبحانه في هذا الموضع الدرع وهو بمعنى الملبوس كالحلوب والركوب. قال قتادة: أول من صنع الدروع داود (عليه السلام) وإنّما كانت صفائح، فهو أوّل من سردها وحلقها. {لِتُحْصِنَكُمْ} لتحرزكم وتمنعكم {مِّن بَأْسِكُمْ} حربكم، واختلف القرّاء فيه، فقرأ شيبة وعاصم برواية أبي بكر، ويعقوب برواية رويس، لنحصنكم بالنون، لقوله «وعلّمناه» وقرأ أبو جعفر وابن عامر وحفص وروح، بالتاء يعني الصنعة. {وَلِسُلَيْمَانَ} أي وسخّرنا لسليمان {ٱلرِّيحَ} وهو هواء محرّك وهو جسم لطيف يمتنع بلطفه من القبض عليه ويظهر الحسن بحركته، والريح تذكّر وتؤنّث. {عَاصِفَةً} شديدة الهبوب {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} يعني الشام وذلك أنّها كانت تجري لسليمان وأصحابه إلى حيث شاء سليمان ثم تعود به إلى منزله بالشام. قال وهب بن منبه: كان سليمان إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الإنس والجنّ حتى يجلس على سريره وكان إمرأً غزاً قلّ ما يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلاّ أتاه حتى يذلّه، وكان فيما يزعمون إذا أراد الغزو أمر بمعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدوابّ وآلة الحرب كلّها حتى إذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب، فاحتملته حتى إذا استقلت أمر الرخاء فمدّته شهراً في روحته وشهراً في غدوته إلى حيث أراد. قال: فذكر لي منزل بناحية دجلة مكتوب فيه كتاب كتبه بعض صحابة سليمان إمّا من الجنّ وإمّا من الإنس: نحن نزلناه وما بنينا ومبنيّاً وجدناه، غزونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه إن شاء الله فآتون الشام. قال الله سبحانه {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ} يعني وسخّرنا لسليمان أيضاً من الشياطين {مَن يَغُوصُونَ لَهُ} أي يدخلون تحت الماء فيخرجون له الجواهر من البحر {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ} يعني دون الغوص {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} حتى لا يخرجوا من أمره.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أئمة: ليس المقصود بالإمامة هنا السُّلْطة الزمنية من باطنهم، إنما إمامة القدوة بأمر الله {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ..} [الأنبياء: 73] فهم لا يصدرون في شيء إلا على هُدًى من الله. وقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ ..} [الأنبياء: 73] أي: يفتح لهم أبواب الخير ويُيسِّر لهم ظروفه؛ لأن الموفّق الذي يتوفر لديه الاستعداد للخير يفتح الله له مصارف الخير ويُعينه عليه. {وَإِقَامَ ٱلصَّلاَة وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَـاةِ ..} [الأنبياء: 73] وإقامة الصلاة هي: عَيْن الخيرات كلها؛ لأن الخيرات نعمة، لكن إقامة الصلاة حضرة في جانب المنعِم سبحانه، فالصلاة هي خَيْر الخَيْر. ومع ذلك نجد مَنْ يتشاغل عن الصلاة، ويعتذر بالعمل وعدم الوقت ... الخ وكلها أعذار واهية، فكنتُ أقول لبعض هؤلاء: بالله عليك لو احتجتَ دورة المياه أتجد وقتاً أم لا؟ يقول: أجد الوقت، فلماذا - إذن - تحتال في هذه المسألة وتدبر الوقت اللازم، ولا تحتال في وقت الصلاة؟ وربك عز وجل لو علم منك أنك تُجيب نداءه لَسهَّل لك الإجابة وقد رأينا الحق سبحانه يُسخِّر لك حتى الكافر ليعينك على أمر الصلاة. ففي إحدى سفرياتنا إلى بلجيكا رأينا أن أولاد المسلمين هناك لا يدرسون شيئاً من الدين الإسلامي في المدارس، بل يُدرِّسون لهم الدين المسيحي، فطلبنا مقابلة وزير المعارف عندهم، وتكلمنا معه في هذا الأمر، وكانت حُجَّتنا أنكم قبلتُم وجود هؤلاء المسلمين في بلادكم لحاجتكم إليهم، وإسهامهم في حركة حياتكم، ومن مصلحتكم أن يكون عند هؤلاء المسلمين دين يراقبهم قبل مراقبتكم أنتم، وأنتم أوّلُ المستفيدين من تدريس الدين الإسلامي لأولاد المسلمين. وفعلاً في اليوم التالي أصدروا قراراً بتدريس الدين الإسلامي في مدارسهم لأولاد المسلمين؛ ذلك لأن الإسلام دين مثمر، ودين إيجابي تضمنه وتأمنه. فلأهمية الصلاة ذكرها الحق سبحانه في أول أفعال الخيرات، وفي مقدمتها، فقمّة الخيرات أنْ تتواجد مع الإله الذي يهبُكَ هذه الخيرات. {وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَـاةِ ..} [الأنبياء: 73] والزكاة تطبيق عمليٌّ للاستجابة لله حين تُخرج جزءاً من مالك لله، والصلاة دائماً ما تُقرَن بالزكاة، فالعلاقة بينهما قوية، فالزكاة تضحية بجزء من المال، والمال في الحقيقة نتيجة العمل، والعمل فرع الوقت، أما الصلاة فهي تضحية بالوقت ذاته. وقوله تعالى: {وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 73] أي: مطيعين لأوامرنا، مجتنبين لنواهينا، فالعبادة طاعة عابد لمعبوده. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء: 73] يشير إلى أن الأمانة أيضاً من المواهب، فينبغي أن يكون الإمام هادياً بأمر الله لا بالطبع والهوى، وإن كان له أهلية الهداية. وبقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلاَة وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَـاةِ وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء 73] يشير إلى أن هذه المعاملات لا يصدر من الإنسان إلا بالوحي للأنبياء وبالإلهام للأولياء، وإلا طبيعة نفس الإنسان أن تكون أمارة بالسوء، وبقوله تعالى: {وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء: 74] يشير إلى أن الحكمة الحقيقية والعلم النافع أيضاً من مواهب الله وفضله يؤتيهما من يشاء. وبقوله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} [الأنبياء: 74] يشير إلى أن النجاة من الجليس السوء من المواهب والاقتران معهم من الخذلان، وقوله تعالى: {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [الأنبياء: 75] إشارة إلى أن الرحمة على نوعين: خاص وعام؛ فالعام: منها يصل إلى كل بر وفاجر كقوله تعالى: {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف: 156] والخاص: لا يكون إلا للخواص وهو الدخول في الرحمة، وذلك متعلق بالمشيئة وحسن الاستعداد، قال: {إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [الأنبياء: 75] أي: من المستعدين؛ لقبول فيض رحمتنا والدخول فيها، وهو إشارة إلى مقام الوصول، فافهم جيداً كقوله تعالى: {أية : يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} تفسير : [الإنسان: 31]. {وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ} [الأنبياء: 76] أي: من قبل أن يخرج من كتم العدم. {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} [الأنبياء: 76] وهو كتم العدم، وهذا أيضاً من المواهب {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [الأنبياء: 77] أي: ميزنَّاه وهديناه من بين قوم خذلناهم {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ} [الأنبياء: 77] في تقدير الأزل {أَجْمَعِينَ} [الأنبياء: 77] في لجِّي بحر البشرية في ماء هوى النفسانية {فَأَغْرَقْنَاهُمْ} ليتحقق أن الهداية والخذلان منه سبحانه وتعالى.