Verse. 2559 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

وَنُوْحًا اِذْ نَادٰي مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَہٗ فَنَجَّيْنٰہُ وَاَہْلَہٗ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيْمِ۝۷۶ۚ
Wanoohan ith nada min qablu faistajabna lahu fanajjaynahu waahlahu mina alkarbi alAAatheemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(و) اذكر (نوحاً) وما بعده بدل منه (إذ نادى) دعا على قومه بقوله "" رب لا تذر "" إلخ (من قبل) أي قبل إبراهيم ولوط (فاستجبنا له فنجيناه وأهله) الذين في سفينته (من الكرب العظيم) أي الغرق وتكذيب قومه له.

76

Tafseer

الرازي

تفسير : (القصة الرابعة، قصة نوح عليه السلام) أما قوله تعالى: {إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: لا شبهة في أن المراد من هذا النداء دعاؤه على قومه بالعذاب ويؤكده حكاية الله تعالى عنه ذلك تارة على الإجمال وهو قوله: { أية : فَدَعَا رَبَّهُ أَنّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ } تفسير : [القمر: 10] وتارة على التفصيل وهو قوله: { أية : وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } تفسير : [نوح: 26] ويدل عليه أيضاً أن الله تعالى أجابه بقوله: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } وهذا الجواب يدل على أن الإنجاء المذكور فيه كان هو المطلوب في السؤال فدل هذا على أن نداءه ودعاءه كان بأن ينجيه مما يلحقه من جهتهم من ضروب الأذى بالتكذيب والرد عليه وبأن ينصره عليهم وأن يهلكهم. فلذلك قال بعده: {وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا }. المسألة الثانية: أجمع المحققون على أن ذلك النداء كان بأمر الله تعالى لأنه لو لم يكن بأمره لم يؤمن أن يكون الصلاح أن لايجاب إليه فيصير ذلك سبباً لنقصان حال الأنبياء، ولأن الإقدام على أمثال هذه المطالب لو لم يكن بالأمر لكان ذلك مبالغة في الإضرار، وقال آخرون: إنه عليه السلام لم يكن مأذوناً له في ذلك. وقال أبو أمامة: لم يتحسر أحد من خلق الله تعالى كحسرة آدم ونوح، فحسرة آدم على قبول وسوسة إبليس، وحسرة نوح على دعائه على قومه. فأوحى الله تعالى إليه أن لا تتحسر فإن دعوتك وافقت قدري. أما قوله تعالى: {فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } فالمراد بالأهل ههنا أهل دينه، وفي تفسير الكرب وجوه: أحدها: أنه العذاب النازل بالكفار وهو الغرق وهو قول أكثر المفسرين. وثانيها: أنه تكذيب قومه إياه وما لقي منهم من الأذى. وثالثها: أنه مجموع الأمرين وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وهو الأقرب لأنه عليه السلام كان قد دعاهم إلى الله تعالى مدة طويلة وكان قد ينال منهم كل مكروه، وكان الغم يتزايد بسبب ذلك وعند إعلام الله تعالى إياه أنه يغرقهم وأمره باتخاذ الفلك كان أيضاً على غم وخوف من حيث لم يعلم من الذي يتخلص من الغرق ومن الذي يغرق فأزال الله تعالى عنه الكرب العظيم بأن خلصه من جميع ذلك وخلص جميع من آمن به معه. أما قوله تعالى: {وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ } فقراءة أبي بن كعب ونصرناه على القوم ثم قال المبرد: تقديره ونصرناه من مكروه القوم، وقال تعالى: { أية : فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ } تفسير : [غافر: 29] أي يعصمنا من عذابه، قال أبو عبيدة: من بمعنى على. وقال صاحب «الكشاف»: إنه نصر الذي مطاوعه انتصر وسمعت هذلياً يدعو على سارق: اللهم انصرهم منه، أي اجعلهم منتصرين منه. أما قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ } فالمعنى أنهم كانوا قوم سوء لأجل ردهم عليه وتكذيبهم له فأغرقناهم أجمعين، فبين ذلك الوجه الذي به خلصه منهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ} أي واذكر نوحاً إذ نادى؛ أي دعا. {مِن قَبْلُ} أي من قبل إبراهيم ولوط على قومه، وهو قوله: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} تفسير : [نوح: 26] وقال لما كذبوه: «أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ». {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} أي من الغرق. والكرب الغم الشديد «وأَهْلَهُ» أي المؤمنين منهم. {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} قال أبو عبيدة: «مِن» بمعنى على. وقيل: المعنى فانتقمنا له {مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}. {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} أي الصغير منهم والكبير.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن استجابته لعبده ورسوله نوح عليه السلام حين دعا على قومه لما كذبوه؛ {أية : فَدَعَا رَبَّهُ أَنُّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ } تفسير : [القمر: 10] {أية : وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً } تفسير : [نوح: 26 ــــ 27] ولهذا قال ههنا: {إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ} أي: الذين آمنوا به، كما قال: {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ}. وقوله: {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} أي: من الشدة والتكذيب والأذى، فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله عز وجل، فلم يؤمن به منهم إلا القليل، وكانوا يتصدون لأذاه، ويتواصون قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل على خلافه، وقوله: {وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ} أي: ونجيناه وخلصناه منتصراً من القوم {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ} أي أهلكهم الله بعامة، ولم يبق على وجه الأرض منهم أحد، كما دعا عليهم نبيهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر { نُوحاً } وما بعده بدل منه {إِذْ نَادَىٰ } دعا على قومه بقوله « أية : رب لا تذر » تفسير : [26:71].... الخ {مِن قَبْلُ } أي قبل إبراهيم ولوط {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَٰهُ وَأَهْلَهُ } الذين في سفينته {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } أي الغرق وتكذيب قومه له.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ} يعني إذ دعانا على قومه من قبل إبراهيم. {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} ويحتمل وجهاً آخر إذ نجيناه من أذية قومه حين أغرقهم الله. ويحتمل ثالثاً: نجاته من مشاهدة المعاصي في الأرض بعد أن طهرها الله بالعذاب. {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِأَيَاتِنَا} فيه وجهان: أحدهما: نصرناه عليهم بإجابة دعائه فيهم. الثاني: معناه خلصناه منهم بسلامته دونهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {نَادَى} دعانا على قومه من قبل إبراهيم {الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} الغرق بالطوفان.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ} الآية. في نصب "نوحاً" وجهان: أحدهما: أنه منصوب عطفاً على "لوطاً" فيكون مشتركاً معه في عامله الذي هو "آتَيْنَا" المفسر بـ "ءَاتَيْنَاهُ" الظاهر، وكذلك "دَاودَ وَسُلَيْمَانَ" والتقدير: وَنُوْحاً آتيناه حُكْماً وداود وسليمان آتيناهما حكماً، وعلى هذا فـ "إذْ" بدل من "نُوحاً" ومن "داود وسليمان" بدل اشتمال، وتقدم تحقيق مثل هذا في طه. الثاني: أنه منصوب بإضمار (اذكر)، أي: اذكر نوحاً وداود وسليمان أي: اذكر خبرها وقصتهم، وعلى هذا فيكون "إذْ" منصوبة بنفس المضاف المقدر، أي: خبرهم الواقع في وقت كان كيت وكيت. وقوله: "مِن قَبْلُ" أي: من قبل هؤلاء المذكورين. فصل المراد من هذا النداء: دعاؤه على قومه بالعذاب، ويدل على ذلك قوله: {أية : أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ} تفسير : [القمر: 10]، وقوله: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} تفسير : [نوح: 26] ويؤكده قوله تعالى "فَاسْتَجَبْنَا لَهُ" "فَنَجَّيْنَاهُ"، يدل على ذلك أنَّ نداءه ودعاءه كان بأن ينجيه مما يلحقه من جهتهم من الأذى بسبب تكذيبهم وردهم عليه واتفق المحققون على أنَّ ذلك النداء كان بأمر الله، لأنَّه لو لم يكن بإذنه لم يؤمن أن يكون المصلحة أن لا يجاب إليه، فيصير ذلك سبباً لنقصان حال الأنبياء. وقال آخرون: لم يكن مأذوناً له في ذلك. قال أبو أمامة: لم يتحسر أحد من خلق الله كحسرة آدم ونوح - عليهما السلام - فحسرة آدم على قبول وسوسة إبليس، وحسرة نوح على دعائه على قومه فأوحى الله إليه أن دعوتك وافقت قدرتي قوله: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} المراد بالأهل هنا أهل دينه قال ابن عباس: المراد {مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ} من الغرق وتكذيبه قومه وقيل: لأنه كان أطول الأنبياء عُمراً وأشدَّهُمْ بلاءً، والكرب أشد الغم. قوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلقَوْمِ} فيه أوجه: أحدها: أن يُضمن "نَصَرْنَاهُ" معنى منعناه وعصمناه، ومثله {أية : فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ} تفسير : [غافر: 29] فلما تضمن معناه تعدى تعديته. والثاني: أنَّ (نصر) مطاوعه (انتصر) فتعدى تعدية ما طاوعه، قال الزمخشري هو نصر الذي مطاوعه انتصر، وسمعت هذلياً يدعو على سارق اللهم انصرهم منه أي: اجعلهم منتصرين منه. ولم يظهر فرق بالنسبة إلى التضمين المذكور فإن معنى قوله: منتصرين منه أي: ممتنعين أو معصومين منه. الثالث: أن "مِنْ" بمعنى "عَلَى" أي: على القوم، (وقرأ أبي "ونَصَرْنَاهُ عَلَى القَوْمِ"). قال المبرد: ونصرناه من مكروه القوم. قال تعالى: {أية : فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ} تفسير : [غافر: 29]. والمعنى منعناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا أن يصلوا إليه بسوء {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ} لتكذيبهم له وردهم عليه {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} فخلصه منهم بذلك.

القشيري

تفسير : كان نوح - عليه السلام - أطولَهم عمراً، وأكثرهم بلاءً. ففي القصة أنه كان يُضْرَبُ سبعين مرةً، وكان الرجل الهرم يحمل حفيده إليه ويقول. لا تقبل قولَ هذا الشيخ وكان يوصيه بمخالفته. وكان نوح - عليه - يصبر على مقاساة الأذى، ويدعوهم إلى الله، فلمَّا أيِسَ من إيمانهم، وأُوحِيَ إليه: {أية : أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} تفسير : [هود: 36] دعا عليهم فقال: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح: 26] فقال تعالى: {وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ} فأُزْهِقَ الشِّرْكُ وأُغْرِقُ أَهلُه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ونوحا اذ نادى} ظرف للمضاف المقدر اى اذكر نبأه الواقع حين دعائه على قومه بالهلاك {من قبل} اى من قبل هؤلاء المذكورين {فاستجبنا له} اى دعاءه الذى هو قوله {انى مغلوب فانتصر}. قال فى بحر العلوم الاستجابة الاجابة لكن الاستجابة تتعدى الى الدعاء بنفسها والى الداعى باللام ويحذف الدعاء اذا عدى الى الداعى فى الغالب فيقال استجاب الله دعاءه او استجاب له ولا يكاد يقال استجاب له دعاءه وهو الدليل عى ان النداء المذكور بمعنى الدعاء لان الاستجابة تقتضى دعاء {فنجيناه واهله من الكرب العظيم} من الغم العظيم الذى كانوا فيه من اذية قومه. قال الراغب الكرب الغم الشديد من كرب الارض قلبها بالحفر فالغم يثير النفس اثارة ذلك

الطوسي

تفسير : قرأ "لنحصنكم" بالنون ابو بكر عن عاصم. وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم بالتاء. الباقون بالياء. فمن قرأ بالتاء، فلأن الدروع مؤنثة، فأسند الفعل اليها. ومن قرأ بالياء اضافه الى (لبوس)، وهو مذكر ويجوز ان يكون اسند الفعل الى الله. ويجوز أن يضيفه الى التعليم - ذكره ابو علي - ومن قرأ بالنون اسند الفعل الى الله ليطابق قوله "وعلمناه". يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) واذكر يا محمد {نوحاً} حين {نادى من قبل} ابراهيم. والنداء الدعاء على طريقة (يا فلان) فأما على طريقة (افعل) و (لا تفعل) فلا يسمى نداء، وإن كان دعاء. والمعنى إذ دعا ربه، فقال: رب، أي يا رب نجني واهلي من الكرب العظيم فقال الله تعالى {فاستجبنا له} اي اجبناه الى ما التمسه {فنجيناه وأهله من الكرب العظيم}. والكرب الغم الذي يحمى به القلب، ويحتمل ان يكون غمه كان لقومه. ويجوز ان يكون من العذاب الذي نزل بهم. وقوله {ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا} اي منعناه منهم ان يصلوا اليه بسوء. ومعنى نصرته عليه أعنته على غلبه. ثم اخبر تعالى {إنهم كانوا قوم سوء} فأغرقهم الله اجمعين بالطوفان. ثم قال واذكر يا محمد {داود وسلميان اذ يحكمان في الحرث إذ} فى الوقت الذي {نفشت فيه غنم القوم} والنفش لا يكون الا ليلا على ما قاله شريح. وقال الزهري: الهمل والنشر بالنهار، والنفش بالليل، والحرث الذى حكاه فيه: قال قتادة: هو زرع وقعت فيه الغنم ليلا، فأكلته. وقيل: كرم قد نبتت عناقيده - في قول ابن مسعود - وشريح. وقيل: ان داود كان يحكم بالغنم لصاحب الكرم. فقال سليمان: غير هذا يا نبي الله. قال: وما ذاك؟ قال: يدفع الكرم الى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم الى صاحب الكرم فيصيب منها، حتى اذا عاد الكرم كما كان دفع كل واحد الى صاحبه - ذكره ابن مسعود - وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقال ابو علي الجبائي: أوحى الله الى سليمان مما نسخ به حكم داود الذي كان يحكم به قبل. ولم يكن ذلك عن اجتهاد، لان الاجتهاد لا يجوز ان يحكم به الانبياء. وهذا هو الصحح عندنا. وقال ابن الاخشاذ، والبلخي والرماني: يجوز أن يكون ذلك عن اجتهاد، لأن رأي النبي افضل من رأي غيره، فكيف يجوز التعبد بالتزام حكم غيره من طريق الاجتهاد، ويمتنع من حكمه من هذا الوجه. والدليل على صحة الاول ان الانبياء (ع) يوحى اليهم، ولهم طريق الى العلم بالحكم، فكيف يجوز أن يعملوا بالظن؟! والأمة لا طريق لها الى العلم بالاحكام فجاز ان يكلفوا ما طريقه الظن؟! على ان عندنا لا يجوز في الأمة ايضاً العمل على الاجتهاد. وقد بينا ذلك في غير موضع. ومن قال: انهما اجتهدا، قال أخطأ داود وأصاب سليمان. وذكروا فى قوله {إذ يحكمان} ثلاثة أوجه: أحدها - إذ شرعا في الحكم فيه من غير قطع به في ابتداء الشرع. وثانيها - ان يكون حكمه حكما معلقاً بشرط لم يفعله بعد. وثالثها - أن يكون معناه طلبا بحكم في الحرث، ولم يبتديا به بعد. ويقوي ما قلناه قوله تعالى "ففهمناها سليمان" يعني علمنا الحكومة فى ذلك سليمان. وقيل: ان الله تعالى {فهم سليمان} قيمة ما أفسدت الغنم. ثم أخبر تعالى بأنه آتى كلا حكما وعلماً، فدل على ان ما حكم به داود كان بوحي الله، وتعليمه. وقيل: معنى قوله {ففهمناها سليمان} أي فتحنا له طريق الحكومة، لما اجتهد في طلب الحق فيها، من غير عيب على داود فيما كان منه فى ذلك، لأنه اجتهد، فحكم بما أدى اجتهاده اليه. وقوله {وسخرنا مع داود الجبال} معناه سير الله تعالى الجبال مع داود حيث سار، فعبر عن ذلك بالتسبيح، لما فيها من الآية العظيمة التي تدعو له بتعظيم الله وتنزيهه عن كل ما لا يليق به، ولا يجوز وصفه به. وكذلك سخر له الطير، وعبر عن ذلك التسخير بأنه تسبيح من الطير، لدلالته على أن من سخرها قادر لا يجوز عليه العجز، كما يجوز على العباد. وقوله {وكنا فاعلين} أي وكنا قادرين على ما نريده. وقال الجبائي: اكمل الله تعالى عقول الطير حتى فهمت ما كان سليمان يأمرها به وينهاها عنه، وما يتوعدها به متى خالفت. وقوله {وكنا لحكمهم شاهدين} انما جمعه فى موضع التثنية، لأن داود وسليمان كان معهما المحكوم عليه، ومن حكم له. فلا يمكن الاستدلال به على أن اقل الجمع اثنان. ومن قال: إنه كناية عن الاثنين، قال: هو يجري مجرى قوله {أية : فإن كان له أخوة} تفسير : فى موضع فان كان له أخوان. وهذا ليس بشيء، لان ذلك علمناه بدليل الاجماع، ولذلك خالف فيه ابن عباس، فلم يحجب ما قل عن الثلاثة. وقوله {وعلمناه} يعني داود {صنعة لبوس لكم} اي علمناه كيف يصنع الدرع. وقيل: ان اللبوس - عند العرب - هو السلاح كله، درعاً كان، أو جوشناً، او سيفاً، او رمحاً، قال الهذلي. شعر : ومعي لبوس للبنين كأنه روق بجبهة ذي نعاج مجفل تفسير : يصف رمحاً. وقال قتادة، والمفسرون: المراد به في الآية الدروع. والاحصان الاحراز، والباس شدة القتال. وقوله {فهل أنتم شاكرون} تقرير للخلق على شكره تعالى على نعمه التي انعم بها عليهم بأشياء مختلفة.

الجنابذي

تفسير : {وَنُوحاً} عطف على لوطاً، او على مفعول نجّينا، او بتقدير سمعنا او شرّفنا او اذكر او ذكّر {إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} تكرار نجّينا للتّأكيد ولعطف اهله على المفعول، ولتعيين ما نجّى منه فانّه نجّى {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} الّذى لم يبتل احدٌ من الانبياء به وهو غرق تمام الدّنيا واهلها او شدّة اذى قومه.

اطفيش

تفسير : {ونوحاً} اذكر نوحاً قيل أو معطوف على لوطاً إما على تقدير اذكر لوطاً فظاهر، وإما على نصب لوط على الاشتغال فضعيف، لأن فيه ذكر اسمين بالعطف، وتخصيص أحدهما بالاشتغال، والمعنى عليه، وآيتنا نوحاً ولا ضعف فى عطفه على هاء آتيناه، ونوح بن الملك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس، وقيل اسمه عبد الغفار، ولقب نوحاً لكثرة بكائه على نفسه أو على قومه، وقيل: معناه بالسريانية ساكن لما ذكر الله عز وجل أبا لعرب وهو ابراهيم ذكر أبا الناس كلهم ممن جاء بعد الطوفان وهو نوح، وهو الأب الثانى والأول آدم عليه السلام. {إذ نادى} دعا ربه " أية : أنى مغلوب فانتصر" تفسير : [القمر: 10] "أية : رب لا تذر" تفسير : [نوح: 26] الخ بدل اشتمال من نوح والرابط ضمير نادى، وفيه أنه لا يصح التعلق به، لأنه ليس الأخبار وقت النداء، بل ليس النبأ بمعنى الاخبار، بل القصة نفسها {من قبل} من قبل هؤلاء، أو من قبل إبراهيم {فاسْتَجبنا له فنجيناه وأهْلهُ من الكَرْب العَظِيم} الطوفان أو إيذاء قومه، وأصل الكرب قلب الأرض بالحفر أو لنحو الحرث والغم يثير النفس كذلك، أو من كربت الشمس دنت للغروب، والغم الشديد تكاد شمس الروح تغرب به، أو من الكرب الذى هو عقدة غليظة فى حبل الدلو: فالغم على القلب مثلها.

الالوسي

تفسير : {وَنُوحاً} أي واذكر نوحاً أي نبأه عليه السلام، وزعم ابن عطية أن نوحاً عطف على { أية : لُوطاً } تفسير : [الأنبياء:74] المفعول لآتينا على معنى وآتينا نوحاً ولم يستبعد ذلك أبو حيان وليس بشيء، قيل ولما ذكر سبحانه قصة إِبْرَاهِيمَ عليه السلام وهو أبو العرب أردفها جل شأنه بقصة أبـي البشر وهو الأب الثاني كما أن آدم عليه السلام الأب الأول بناءً على المشهور من / أن جميع الناس الباقين بعد الطوفان من ذريته عليه السلام وهو ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس فيما يقال وهو أطول الأنبياء عليهم السلام على ما في «التهذيب» عمراً، وذكر الحاكم في «المستدرك» أن اسمه عبد الغفار وأنه قيل له نوح لكثرة بكائه على نفسه، وقال الجواليقي: إن لفظ نوح أعجمي معرب زاد الكرماني ومعناه بالسريانية الساكن. {إِذْ نَادَىٰ} أي دعا الله تعالى بقوله: { أية : أَنّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ } تفسير : [القمر: 10] وقوله: { أية : رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } تفسير : [نوح: 26] و(إذ) ظرف للمضاف المقدر كما أشرنا إليه ومن لم يقدر يجعله بدل اشتمال من (نوح). {مِن قَبْلُ} أي من قبل هؤلاء المذكورين، وذكرنا قبل قولاً آخر {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} دعاءه {فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} وهو الطوفان أو أذية قومه؛ وأصل الكرب الغم الشديد وكأنه على ما قيل من كرب الأرض وهو قلبها بالحفر إذ الغم يثير النفس إثارة ذلك أو من كربت الشمس إذا دنت للمغيب فإن الغم الشديد تكاد شمس الروح تغرب منه أو من الكرب وهو عقد غليظ في رشاء الدلو فإن الغم كعقدة على القلب، وفي وصفه بالعظيم تأكيد لما يدل هو عليه.

ابن عاشور

تفسير : لما ذكر أشهر الرسل بمناسبات أعقب بذكر أول الرسل. وعطف {ونوحاً}على {أية : لوطاً}تفسير : [الأنبياء: 74]، أي آتينا نوحاً حُكماً وعلماً، فحذف المفعول الثاني لــــ {أية : آتينا}تفسير : [الأنبياء: 74] لدلالة ما قبله عليه، أي آتيناه النبوءة حين نادى، أي نادانا. ومعنى {نادى}دعا ربه أن ينصره على المكذبين من قومه بدليل قوله {فاستجبنا له ونجيناه وأهله من الكرب العظيم}. وبناء {قبلُ} على الضمّ يدل على مضاف إليه مقدر، أي من قبل هؤلاء، أي قبل الأنبياء المذكورين. وفائدة ذكر هذه القبلية التنبيه على أن نصر الله أولياءه سنتُه المرادة له تعريضاً بالتهديد للمشركين المعاندين ليتذكروا أنه لم تشذ عن نصر الله رسلَه شاذّة ولا فاذّة. وأهل نوح: أهل بيْتِه عدا أحد بنيه الذي كفر به. والكرب العظيم: هو الطوفان. والكَرب: شدّة حزن النفس بسبب خوف أو حزن. ووجه كون الطوفان كرباً عظيماً أنه يهول الناس عند ابتدائه وعند مَدّه ولا يزال لاحقاً بمواقع هروبهم حتى يعمهم فيبقَوا زمناً يذوقون آلام الخوف فالغرق وهم يغرقون ويَطفَوْن حتى يموتوا بانحباس التنفس؛ وفي ذلك كله كرب متكرر، فلذلك وصف بالعظيم. وعدي {نصرناه}بحرف (من) لتضمينه معنى المنع والحماية، كما في قوله تعالى: {أية : إنكم منا لا تنصرون}تفسير : [المؤمنون: 65]، وهو أبلغ من تعديته بــــ (علَى) لأنه يدل على نصر قوي تحصل به المَنعَةُ والحماية فلا يناله العدوّ بشيء. وأما نصره عليه فلا يدل إلا على المدافعة والمعونة. ووصف القوم بالموصول للإيماء إلى علة الغرق الذي سيذكر بعد. وجملة {إنهم كانوا قوم سوء} علة لنصر نوح - عليه السلام - لأن نصره يتضمن إضرار القوم المنصور عليهم. والسّوء ــــ بفتح السين ــــ تقدم آنفاً. وإضافة قوم إلى السوء إشارة إلى أنهم عرفوا به. والمراد به الكفر والتكبر والعناد والاستسخار برسولهم. و {أجمعين}حال من ضمير النصب في {أغرقناهم} لإفادة أنه لم ينج من الغرق أحد من القوم ولو كان قريباً من نوح فإن الله قد أغرق ابن نوح. وهذا تهديد لقريش لئلا يتكلوا على قرابتهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - كما رُوي أنه لما قرأ على عتبة بن ربيعة [سورة فصّلت: 13] حتى بلغ {أية : فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} تفسير : فزع عتبة وقال له: ناشدْتُك الرّحمَ.

الشنقيطي

تفسير : قوله: {وَنُوحاً} منصوب بـ "اذكر" مقدراً، أي واذكر نوحاً حين نادى من قبل، أي من قبل إبراهيم ومن ذكر معه. ونداء نوح هذا المذكور هنا هو المذكور في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ}تفسير : [الصافات: 75-77] وقد أوضح الله هذا النداء بقوله: {أية : وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً}تفسير : [نوح: 26-27]، وقوله تعالى: {أية : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} تفسير : [القمر: 9-11] الآية. والمراد بالكرب العظيم في الآية: الغرق بالطوفان الذي تتلاطم أمواجه كأنها الجبال العظام، كما قال تعالى: {أية : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ} تفسير : [هود: 42]، وقال تعالى: {أية : فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ}تفسير : [العنكبوت: 15] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والكرب: هو أقصى الغم، والأخذ بالنفس. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} [الأنبياء: 76] يعني إلا من سبق عليه القول من أهله بالهلاك مع الكفرة الهالكين، كما قال تعالى: {أية : قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} تفسير : [هود: 40] الآية. ومن سبق عليه القول منهم: ابنه المذكور في قوله: {أية : وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ}تفسير : [هود: 43] وامرأته المذكورة في قوله {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَةَ نُوحٍ} تفسير : [التحريم: 10] ـ إلى قوله ـ{أية : وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ} تفسير : [التحريم: 10]

الواحدي

تفسير : {ونوحاً إذ نادى من قبل} من قبل إبراهيم {فنجيناه وأهله من الكرب العظيم} الغمِّ الذي كان فيه من أذى قومه. {ونصرناه} منعناه من أن يصلوا إليه بسوءٍ.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَنَجَّيْنَاهُ} (76) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ نُوحاً عَلَيْهِ السَّلاَمُ دَعَا رَبَّهُ لَمَّا كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، وَقَالَ لَهُ إِنِي مَغْلُوبٌ، وَدَعَا عَلَى قَوْمِهِ قَائِلاً {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ، فَنَجَّاهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ، وَنَصَرَهُ عَلَى قَوْمِهِ، فَأَغْرَقَهُمْ أَجْمَعِينَ. وَنَجَّى اللهُ نُوحاً، وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ، واسْتَثْنَى اللهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نُوحٍ ابنَهُ وامْرَأَتَهُ، فَكَانَا مَعَ الغَارِقينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {وَنُوحاً ..} [الأنبياء: 76] مثلما قلنا في {أية : وَلُوطاً ..} تفسير : [الأنبياء: 74] أي: آتيناه هو أيضاً رُشْده {إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ ..} [الأنبياء: 76] والنداء في حقيقته: طلبُ إقبال، فإنْ كان من أعلى لأدنى فهو نداء، وإنْ كان من مُسَاوٍ لك فهو التماس، فإنْ كان من أدنى لأعلى فهو دعاء، فحين تقول يا رب: الياء هنا ليست للنداء بل للدعاء. وحين تمتحن تلميذاً تقول له: أعرب: رَبِّ اغفر لي، فلو كان نبيهاً يقول: ربّ مدعو. والتقدير يا رب، ومن قال: منادى نسامحه لأنه صحيح أيضاً، فالياء في أصلها للنداء، لكنه غير دقيق في الأداء. كذلك في: اغفر لي، إنْ قال فِعْل أمر نعطيه نصف الدرجة، أما إن قال دعاء فَلَهُ الدرجة الكاملة. فماذا قال نوح عليه السلام في ندائه؟ المراد قوله: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} تفسير : [نوح: 26] فاستجاب الله لنبيه نوح عليه السلام: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} [الأنبياء: 76] والمراد بالكرب ما لبثه نوح في دعوة قومه من عمر امتد ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما تحمَّله في سبيل دعوته من عَنَتٍ ومشقّة قال الله فيها: {أية : وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} تفسير : [نوح: 7-9]. ثم لما أمره الله بصناعة الفُلك أخذوا يسخرون منه: {أية : وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ ..} تفسير : [هود: 38] إذن: استجاب الله دُعَاءه ونداءه {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ ..} [الأنبياء: 76] وفي موضع آخر: {أية : وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ} تفسير : [الصافات: 75] فوصف الحق سبحانه إجابته لنوح بـ (نِعْم) الدالة على المدح. فهل يعني ذلك أن هناك مَنْ يكون بِئْس المجيب؟ قالوا: نعم إذا سألته شيئاً فأجابك إليه وهو شَرٌّ لك، أمَّا الحق سبحانه فهو نِعْم المجيب؛ لأنه لا يُجيبك إلا بما هو صالح ونافع لك، فإنْ كان في دعائك شَرٌّ ردَّه لعلمه سبحانه أنه لن ينفعك. وكأن الحق الأعلى سبحانه يقول لك: أنا لستُ موظفاً عندك، أجيبك إلى كُلِّ ما تطلب، إنما أنا قيُّوم عليك، وقد تدعو بما تظنّه خيراً لك، وأعلم بأزلية عِلْمي أن ذلك شر لا خيرَ فيه، فيكون الخير لك أَلاَّ أجيبك؛ لأنني نِعْمَ المجيب. وهَبْ أن الله تعالى يجيب كُلاً منّا إلى ما يريد، فكيف حال الأم التي تغضب مثلاً من وحيدها، وفي لحظة الغضب والثورة تدعو عليه فتقول مثلاً: (إلهي أشرب نارك)؟ فالحق - تبارك وتعالى - حين يردُّ مِثْل هذا الدعاء هو نِعْم المجيب؛ لأنه نِعْم المانع. لذلك يقول تعالى: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11] أي: يدعو ويُلِحُّ في الدعاء بما يظنُّه خَيْراً، وهو ليس كذلك. {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} نجينا أيضاً من كما لطفنا وجودنا {نُوحاً} وقت {إِذْ نَادَىٰ} ودعا متوجهاً إلينا متضرعاً {مِن قَبْلُ} حين كذَّبه قومه واستهزؤوا معه، وضربوه ضرباً مؤلماً بقوله: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح: 26] {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} عداءه وأنجحنا مطلوبه {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} [الأنبياء: 76] الذي هو الطوفان. {وَ} حين اضطروه وأشرفلوا على الهلاك ناجانا فَزِعاً فجيعا بقوله: {أية : فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ}تفسير : [القمر: 10] {وَ} لذلك {نَصَرْنَاهُ} وجعلناه منتصراً ناجياً {مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} الدالة على عظمة ذاتنا وكمال أسمائنا وصفاتنا، وذلك أنه دعاهم إلى الإيمان والتوحيد، وهداهم إلى صريح مستقيمن وهم امتنعوا عن القبول {إِنَّهُمْ} من شدة شكيمتهم وغلظ غيظهم مع أهل الحق {كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ} كأنهم مغمورون فيه متخذون منه {فَأَغْرَقْنَاهُمْ} لذلك {أَجْمَعِينَ} [الأنبياء: 77] تطهيراً للأرض من فسادهم، وقلعاً لعرق غيّهم وعنادهم. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل في كتابك قصة {دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} وقت {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ} أي: زرع القوم {إِذْ نَفَشَتْ} ودخلت {فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ} الآخر ليلاً، فأكلته وأهكلته، فتنازعا ورفعا الأمر إليهما، واستحكما منهما فحكم داود بالغنم على صاحب الزرع، بناء على أن صاحب الغنم لا بدَّ له أن يضبط غنمه ليلاً؛ لئلا يخسر {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ} أي: لحكم داود إياهم؛ أي: لأصحاب الزرع بالغنم {شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] مطلعين اطلاع شهود وحضور. وبعدما حكم داود ما حكم، وكان ابنه سليمان حاضراً عنده سامعاً لحكمه {فَفَهَّمْنَاهَا} أي: ألهمنا الحكومة الحقّة والفتوى في هذه القضية {سُلَيْمَانَ} وهو ابن إحدى عشرة سنة، فقال: الأرفق أن يدفع الغنم إلى أصحاب الحرث؛ لينتفعوا من ألبانها وأصوافها، والحرث إلى صاحب الغنم ليقوم بسقيها وحفظها ورعايتها، حتى يعود إلى الذي كان، ثم يترادان ويتدافعان، فقال داود لسليمان: القضاء ما قضيت، فرجع عن حكمه، وحَكَم بحكم ابنه {وَ} إن كان {كُلاًّ} منهما {آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} أي: رشداً صورياً ومعنوياً بمقتضى قابليتها واستعدادها {وَ} كيف لا {سَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ} تفضلاً منَّا عليه وتكريماً {ٱلْجِبَالَ} إلى حيث {يُسَبِّحْنَ} ويقدسن الله عما لا يليق بجنابه معه حين اشتغل بتسبيح الله وتقديسه ازدياداً لثوابه ورفعاً لدرجته {وَ} كذا {ٱلطَّيْرَ} أي: الطيور معه حين اشتغاله بتكبير الله وتنزيهه {وَكُنَّا} وبأمثاله {فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 79] لأنبيائنا وأوليائنا، ومن يتوجه نحونا من عبادنا، فلا تتعجبوا من أمثال هذا، ولا تستبعدوا عن قدرتنا أمثال إبداعها. {وَ} أيضاً {عَلَّمْنَاهُ} من مقام جودنا إياه {صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ} أي: الدروع، وما يلبس للدفع حين الحراب والقتل، فكانت الدروع صفائح تخلقها داود، وسردها بإلهام الله إياه وتعليمه، إنما علمناه تخليقها وسردها {لِتُحْصِنَكُمْ} وتحفظكم {مِّن بَأْسِكُمْ} أي: من جراحات السهام والسنان، إذ هو أدفع لآثارهما من الصفائح، وأخف منها {فَهَلْ أَنتُمْ} أيها المنعمون المتنعمون {شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80] لوفور نعمنا إياكم. {وَ} كذا سخرنا {لِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ} حال كونها {عَاصِفَةً} سريعة السير والحركة، آبية عن التسخير، سخرنا له حيث {تَجْرِي بِأَمْرِهِ} وحكمه سريعة {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا} أي: كثرنا الخير {فِيهَا} لساكنيها، وكذا لجميع من يأوي إليها، وهي أرض الشام فكان يسير مع جنوده متمكنين على بساط كان فرسخاً في فرسخ، منسوج من الإبريسم عملته الجن له حيث شاء، ثم يعود من يومه إلى منزله {وَ} لا تستبعدوا منَّا أمثال هذا؛ إذ {كُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ} تعلق إرادتنا بإيجاده {عَالِمِينَ} [الأنبياء: 81]ٍ بأسباب وجوده وظهوره، فنوجده على الوجه الذي نريده ونُجريه على مقتضى حكمتنا وقدرتنا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: واذكر عبدنا ورسولنا، نوحا عليه السلام، مثنيا مادحا، حين أرسله الله إلى قومه، فلبث فيهم ألف سنة، إلا خمسين عاما، يدعوهم إلى عبادة الله، وينهاهم عن الشرك به، ويبدي فيهم ويعيد، ويدعوهم سرا وجهارا، وليلا ونهارا، فلما رآهم لا ينجع فيهم الوعظ، ولا يفيد لديهم الزجر، نادى ربه وقال: {أية : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } تفسير : فاستجاب الله له فأغرقهم ولم يبق منهم أحدا ونجى الله نوحا وأهله ومن معه من المؤمنين في الفلك المشحون وجعل ذريته هم الباقين ونصرهم الله على قومه المستهزئين.