٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
78
Tafseer
الرازي
تفسير : (القصة الخامسة، قصة داود وسليمان عليهما السلام) اعلم أن قوله تعالى: وداود وسليمان وأيوب وزكريا وذا النون، كله نسق على ما تقدم من قوله: { أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إِبْرٰهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ } تفسير : [الأنبياء: 51] ومن قوله: { أية : وَلُوطاً اتَيْنَـٰهُ حُكْماً وَعِلْماً } تفسير : [الأنبياء: 74] واعلم أن المقصود ذكر نعم الله تعالى على داود وسليمان فذكر أولاً النعمة المشتركة بينهما، ثم ذكر ما يختص به كل واحد منهما من النعم. أما النعمة المشتركة فهي القصة المذكورة وهي قصة الحكومة، ووجه النعمة فيها أن الله تعالى زينهما بالعلم والفهم في قوله: {وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } ثم في هذا تنبيه على أن العلم أفضل الكمالات وأعظمها، وذلك لأن الله تعالى قدم ذكره ههنا على سائر النعم الجليلة مثل تسخير الجبال والطير والريح والجن. وإذا كان العلم مقدماً على أمثال هذه الأشياء فما ظنك بغيرها وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن السكيت النفش أن تنتشر الغنم بالليل ترعى بلا راع، وهذا قول جمهور المفسرين، وعن الحسن أنه يجوز ذلك ليلاً ونهاراً. المسألة الثانية: أكثر المفسرين على أن الحرث هو الزرع، وقال بعضهم: هو الكرم والأول أشبه بالعرف. المسألة الثالثة: احتج من قال: أقل الجمع إثنان بقوله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَـٰهِدِينَ } مع أن المراد داود وسليمان. جوابه: أن الحكم كما يضاف إلى الحاكم فقد يضاف إلى المحكوم له، فإذا أضيف الحكم إلى المتحاكمين كان المجموع أكثر من الإثنين، وقرىء وكنا لحكمهما شاهدين. المسألة الرابعة: في كيفية القصة وجهان. الأول: قال أكثر المفسرين: دخل رجلان على داود عليه السلام، أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الحرث: إن غنم هذا دخلت حرثي وما أبقت منه شيئاً، فقال داود عليه السلام: اذهب فإن الغنم لك. فخرجا فمرا على سليمان، فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه: فقال: لو كنت أنا القاضي لقضيت بغير هذا. فأخبر بذلك داود عليه السلام فدعاه وقال: كيف كنت تقضي بينهما، فقال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث فيكون له منافعها من الدر والنسل والوبر حتى إذا كان الحرث من العام المستقبل كهيئته يوم أكل دفعت الغنم إلى أهلها وقبض صاحب الحرث حرثه. الثاني: قال ابن مسعود وشريح ومقاتل رحمهم الله: أن راعياً نزل ذات ليلة بجنب كرم، فدخلت الأغنام الكرم وهو لا يشعر فأكلت القضبان وأفسدت الكرم، فذهب صاحب الكرم من الغد إلى داود عليه السلام فقضى له بالغنم لأنه لم يكن بين ثمن الكرم وثمن الغنم تفاوت، فخرجوا ومروا بسليمان فقال لهم: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه به، فقال غير هذا أرفق بالفريقين، فأخبر داود عليه السلام بذلك فدعا سليمان وقال له: بحق الأبوة والنبوة إلا أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، فقال: تسلم الغنم إلى صاحب الكرم حتى يرتفق بمنافعها ويعمل الراعي في إصلاح الكرم حتى يصير كما كان، ثم ترد الغنم إلى صاحبها، فقال داود عليه السلام: إنما القضاء ما قضيت وحكم بذلك. قال ابن عباس رضي الله عنهما: حكم سليمان بذلك وهو ابن إحدى عشرة سنة، وههنا أمور ولا بد من البحث عنها. السؤال الأول: هل في الآية دلالة على أنهما عليهما السلام اختلفا في الحكم أم لا؟ فإن أبا بكر الأصم قال: إنهما لم يختلفا ألبتة، وأنه تعالى بين لهما الحكم لكنه بينه على لسان سليمان عليه السلام. الجواب: الصواب أنهما اختلفا والدليل إجماع الصحابة والتابعين رضي الله عنهم على ما رويناه، وأيضاً فقد قال الله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَـٰهِدِينَ } ثم قال: {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ } والفاء للتعقيب فوجب أن يكون ذلك الحكم سابقاً على هذا التفهيم، وذلك الحكم السابق إما أن يقال: اتفقا فيه أو اختلفا فيه، فإن اتفقا فيه لم يبق لقوله: {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ } فائدة وإن اختلفا فيه فذلك هو المطلوب. السؤال الثاني: سلمنا أنهما اختلفا في الحكم ولكن هل كان الحكمان صادرين عن النص أو عن الاجتهاد. الجواب: الأمران جائزان عندنا وزعم الجبائي أنهما كانا صادرين عن النص، ثم إنه تارة يبني ذلك على أن الاجتهاد غير جائز من الأنبياء، وأخرى على أن الاجتهاد وإن كان جائزاً منهم في الجملة، ولكنه غير جائز في هذه المسألة. أما المأخذ الأول: فقد تكلمنا فيه في الجملة في كتابنا المسمى بالمحصول في الأصول ولنذكر ههنا أصول الكلام من الطرفين احتج الجبائي على أن الاجتهاد غير جائز من الأنبياء عليهم السلام بأمور: أحدها: قوله تعالى: { أية : قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ } تفسير : [يونس: 15] وقوله تعالى: { أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } تفسير : [النجم: 3]. وثانيها: أن الاجتهاد طريقه الظن وهو قادر على إدراكه يقيناً فلا يجوز مصيره إلى الظن كالمعاين للقبلة لا يجوز له أن يجتهد. ثالثها: أن مخالفة الرسول توجب الكفر لقوله تعالى: { أية : فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } تفسير : [النساء: 65] ومخالفة المظنون والمجتهدات لا توجب الكفر. ورابعها: لو جاز أن يجتهد في الأحكام لكان لا يقف في شيء منها، ولما وقف في مسألة الظهار واللعان إلى ورود الوحي دل على أن الاجتهاد غير جائز عليه. وخامسها: أن الاجتهاد إنما يجوز المصير إليه عند فقد النص، لكن فقدان النص في حق الرسول كالممتنع فوجب أن لا يجوز الاجتهاد منه. وسادسها: لو جاز الاجتهاد من الرسول لجاز أيضاً من جبريل عليه السلام وحينئذ لا يحصل الأمان بأن هذه الشرائع التي جاء بها أهي من نصوص الله تعالى أو من اجتهاد جبريل؟ والجواب عن الأول: أن قوله تعالى: { أية : قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ } تفسير : [يونس: 15] لا يدل على قولكم لأنه وارد في إبدال آية بآية لأنه عقيب قوله: { أية : قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ٱئْتِ بِقُرْءانٍ غَيْرِ هَـٰذَا أَوْ بَدّلْهُ } تفسير : [يونس: 15] ولا مدخل للاجتهاد في ذلك. وأما قوله تعالى: { أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } تفسير : [النجم:3] فبعيد لأن من يجوز له الاجتهاد يقول إن الذي اجتهد فيه هو عن وحي على الجملة وإن لم يكن كذلك على التفصيل، وإن الآية واردة في الأداء عن الله تعالى لا في حكمه الذي يكون بالعقل. والجواب عن الثاني: أن الله تعالى إذا قال له إذا غلب على ظنك كون الحكم معللاً في الأصل بكذا، ثم غلب على ظنك قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فاحكم بذلك فههنا الحكم مقطوع به والظن غير واقع فيه بل في طريقه. والجواب عن الثالث: أنا لا نسلم أن مخالفة المجتهدات جائزة مطلقاً بل جواز مخالفتها مشروط بصدورها عن غير المعصوم والدليل عليه أنه يجوز على الأمة أن يجمعوا اجتهاداً ثم يمتنع مخالفتهم وحال الرسول أوكد. والجواب عن الرابع: لعله عليه السلام كان ممنوعاً من الاجتهاد في بعض الأنواع أو كان مأذوناً مطلقاً لكنه لم يظهر له في تلك الصورة وجه الاجتهاد، فلا جرم أنه توقف. والجواب عن الخامس: لم لا يجوز أن يحبس النص عنه في بعض الصور فحينئذ يحصل شرط جواز الاجتهاد. والجواب عن السادس: أن هذا الاحتمال مدفوع باجماع الأمة على خلافه فهذا هو الجواب عن شبه المنكرين والذي يدل على جواز الاجتهاد عليهم وجوه: أحدها: أنه عليه السلام إذا غلب على ظنه أن الحكم في الأصل معلل بمعنى ثم علم أو ظن قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فلا بد وأن يغلب على ظنه أن حكم الله تعالى في هذه الصورة مثل ما في الأصل، وعنده مقدمة يقينية وهي أن مخالفة حكم الله تعالى سبب لاستحقاق العقاب فيتولد من هاتين المقدمتين ظن استحقاق العقاب لمخالفة هذا الحكم المظنون. وعند هذا، إما أن يقدم على الفعل والترك معاً وهو محال لاستحالة الجمع بين النقيضين. أو يتركهما وهو محال لاستحالة الخلو عن النقيضين، أو يرجح المرجوح على الراجح وهو باطل ببديهة العقل، أو يرجح الراجح على المرجوح وذلك هو العمل بالقياس. وهذه النكتة هي التي عليها التعويل في العمل بالقياس وهي قائمة أيضاً في حق الأنبياء عليهم السلام. وهذا يتوجه على جواز الاجتهاد من جبريل عليه السلام. وثانيها: قوله تعالى: {فَٱعْتَبِرُواْ } أمر للكل بالإعتبار فوجب اندراج الرسول عليه السلام فيه لأنه إمام المعتبرين وأفضلهم. وثالثها: أن الإستنباط أرفع درجات العلماء فوجب أن يكون للرسول فيه مدخل وإلا لكان كل واحد من آحاد المجتهدين أفضل منه في هذا الباب. فإن قيل هذا إنما يلزم لو لم تكن درجة أعلى من الإعتبار، وليس الأمر كذلك، لأنه كان يستدرك الأحكام وحياً على سبيل اليقين، فكان أرفع درجة من الاجتهاد الذي ليس قصاراه إلا الظن. قلنا: لا يمتنع أن لا يجد النص في بعض المواضع، فلو لم يتمكن من الاجتهاد لكان أقل درجة من المجتهد الذي يمكنه أن يعرف ذلك الحكم من الإجتهاد، وأيضاً قد بينا أن الله تعالى لما أمره بالإجتهاد كان ذلك مفيداً للقطع بالحكم. ورابعها: قال عليه السلام: « حديث : العلماء ورثة الأنبياء » تفسير : فوجب أن يثبت للأنبياء درجة الإجتهاد ليرث العلماء عنهم ذلك. هذا تمام القول في هذه المسألة. وخامسها: أنه تعالى قال: { أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } تفسير : [التوبة:43] فذاك الإذن إن كان بإذن الله تعالى استحال أن يقول: لم أذنت لهم، وإن كان بهوى النفس فهو غير جائز، وإن كان بالاجتهاد فهو المطلوب. المأخذ الثاني: قال الجبائي: لو جوزنا الاجتهاد من الأنبياء عليهم السلام ففي هذه المسألة يجب أن لا يجوز لوجوه؛ أحدها: أن الذي وصل إلى صاحب الزرع من در الماشية ومن منافعها مجهول المقدار، فكيف يجوز في الاجتهاد جعل أحدهما عوضاً عن الآخر. وثانيها: أن اجتهاد داود عليه السلام إن كان صواباً لزم أن لا ينقض لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد. وإن كان خطأ وجب أن يبين الله تعالى توبته كسائر ما حكاه عن الأنبياء عليهم السلام، فلما مدحهما بقوله: {وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } دل على أنه لم يقع الخطأ من داود. وثالثها: لو حكم بالاجتهاد لكان الحاصل هناك ظناً لا علماً لأن الله تعالى قال: {وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً }. ورابعها: كيف يجوز أن يكون عن اجتهاد من مع قوله: {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ }. والجواب عن الأول: أن الجهالة في القدر لا تمنع من الاجتهاد كالجعالات وحكم المصراة. وعن الثاني: لعله كان خطأ من باب الصغائر. وعن الثالث: بينا أن من تمسك بالقياس فالظن واقع في طريق إثبات الحكم فأما الحكم فمقطوع به. وعن الرابع: أنه إذا تأمل واجتهد فأداه اجتهاده إلى ما ذكرنا كان الله تعالى فهمه من حيث بين له طريق ذلك. فهذه جملة الكلام في بيان أنه لا يمتنع أن يكون اختلاف داود وسليمان عليهما السلام في ذلك الحكم إنما كان بسبب الاجتهاد. وأما بيان أنه لا يمتنع أيضاً أن يكون اختلافهما فيه بسبب النص فطريقه أن يقال: إن داود عليه السلام كان مأموراً من قبل الله تعالى في هذه المسألة بالحكم الذي حكم به، ثم إنه سبحانه نسخ ذلك بالوحي إلى سليمان عليه السلام خاصة وأمره أن يعرف داود ذلك فصار ذلك الحكم حكمهما جميعاً فقوله: {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ } أي أوحينا إليه فإن قيل هذا باطل لوجهين: الأول: لما أنزل الله تعالى الحكم الأول على داود وجب أن ينزل نسخه أيضاً على داود لا على سليمان. الثاني: أن الله تعالى مدح كلا منهما على الفهم ولو كان ذلك على سبيل النص لم يكن في فهمه كثير مدح إنما المدح الكثير على قوة الخاطر والحذاقة في الاستنباط. المسألة الثالثة: إذا أثبتم أنه يجوز أن يكون اختلافهما لأجل النص وأن يكون لأجل الاجتهاد فأي القولين أولى. والجواب: الاجتهاد أرجح لوجوه: أحدها: أنه روى في الأخبار الكثيرة أن داود عليه السلام لم يكن قد بت الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان أن غير ذلك أولى، وفي بعضها أن داود عليه السلام ناشده لكي يورد ما عنده وكل ذلك لا يليق بالنص، لأنه لو كان نصاً لكان يظهره ولا يكتمه. السؤال الرابع: بينوا أنه كيف كان طريق الاجتهاد. الجواب: أن وجه الاجتهاد فيه ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من أن داود عليه السلام قوم قدر الضرر بالكرم فكان مساوياً لقيمة الغنم فكان عنده أن الواجب في ذلك الضرر أن يزال بمثله من النفع فلا جرم سلم الغنم إلى المجنى عليه كما قال أبو حنيفة رحمه الله في العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو يفديه، وأما سليمان عليه السلام فإن اجتهاده أدى إلى أن يجب مقابلة الأصول بالأصول والزوائد بالزوائد، فأما مقابلة الأصول بالزوائد فغير جائز لأنه يقتضي الحيف والجور، ولعل منافع الغنم في تلك السنة كانت موازية لمنافع الكرم فحكم به، كما قال الشافعي رضي الله عنه: فيمن غصب عبداً فأبق من يده أنه يضمن القيمة لينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد فإذا ظهر ترادا. السؤال الخامس: على تقدير أن ثبت قطعاً أن تلك المخالفة كانت مبنية على الاجتهاد، فهل تدل هذه القصة على أن المصيب واحد أو الكل مصيبون. الجواب: أما القائلون بأن المصيب واحد ففيهم من استدل بقوله تعالى: {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ } قال ولو كان الكل مصيباً لم يكن لتخصيص سليمان عليه السلام بهذا التفهيم فائدة، وأما القائلون بأن الكل مصيبون ففيهم من استدل بقوله: {وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } ولو كان المصيب واحداً ومخالفه مخطئاً لما صح أن يقال: {وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } واعلم أن الإستدلالين ضعيفان. أما الأول: فلأن الله تعالى لم يقل إنه فهمه الصواب فيحتمل أنه فهمه الناسخ ولم يفهم ذلك داود عليه السلام لأنه لم يبلغه وكل واحد منهما مصيب فيما حكم به، على أن أكثر ما في الآية أنها دالة على أن داود وسليمان عليهما السلام ما كانامصيبين وذلك لا يوجب أن يكون الأمر كذلك في شرعنا. وأما الثاني: فلأنه تعالى لم يقل إن كلا آتيناه حكماً وعلماً بما حكم به، بل يجوز أن يكون آتيناه حكماً وعلماً بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام، على أنه لا يلزم من كون كل مجتهد مصيباً في شرعهم أن يكون الأمر كذلك في شرعنا. السؤال السادس: لو وقعت هذه الواقعة في شرعنا ما حكمها؟ الجواب: قال الحسن البصري: هذه الآية محكمة، والقضاة بذلك يقضون إلى يوم القيامة، واعلم أن كثيراً من العلماء يزعمون أنه منسوخ بالإجماع ثم اختلفوا في حكمه فقال الشافعي رحمه الله: إن كان ذلك بالنهار لا ضمان لأن لصاحب الماشية تسييب ماشيته بالنهار، وحفظ الزرع بالنهار على صاحبه. وإن كان ليلاً يلزمه الضمان لأن حفظها بالليل عليه. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا ضمان عليه ليلاً كان أو نهاراً إذا لم يكن متعدياً بالإرسال، لقوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : جرح العجماء جبار » تفسير : واحتج الشافعي رحمه الله بما روي عن البراء بن عازب أنه قال: «حديث : كانت ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدته فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل» تفسير : وهذا تمام القول في هذه الآية. ثم إن الله تعالى ذكر بعد ذلك من النعم التي خص بها داود عليه أمرين: الأول: قوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَـٰعِلِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذا التسبيح وجهان: أحدهما: أن الجبال كانت تسبح ثم ذكروا وجوهاً. أحدها: قال مقاتل إذا ذكر داود عليه السلام ربه ذكرت الجبال والطير ربها معه. وثانيها: قال الكلبي: إذا سبح داود أجابته الجبال. وثالثها: قال سليمان بن حيان: كان داود عليه السلام إذا وجد فترة أمر الله تعالى الجبال فسبحت فيزداد نشاطاً واشتياقاً. القول الثاني: وهو اختيار بعض أصحاب المعاني أنه يحتمل أن يكون تسبيح الجبال والطير بمثابة قوله: { أية : وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } تفسير : [الإسراء: 44] وتخصيص داود عليه السلام بذلك إنما كان بسبب أنه عليه السلام كان يعرف ذلك ضرورة فيزداد يقيناً وتعظيماً، والقول الأول أقرب لأنه لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره. وأما المعتزلة فقالوا: لو حصل الكلام من الجبل لحصل إما بفعله أو بفعل الله تعالى فيه. والأول: محال لأن بنية الجبل لا تحتمل الحياة والعلم والقدرة، وما لا يكون حياً عالماً قادراً يستحيل منه الفعل. والثاني: أيضاً محال لأن المتكلم عندهم من كان فاعلاً للكلام لا من كان محلاً للكلام، فلو كان فاعل ذلك الكلام هو الله تعالى لكان المتكلم هو الله تعالى لا الجبل، فثبت أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره فعند هذا قالوا في: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبّحْنَ } ومثله قوله تعالى: { أية : يٰجِبَالُ أَوّبِي مَعَهُ } تفسير : [سبإ: 10] معناه تصرفي معه وسيري بأمره ويسبحن من السبح الذي السباحة خرج اللفظ فيه على التكثير ولو لم يقصد التكثير لقيل يسبحن فلما كثر قيل يسبحن معه، أي سيرى وهو كقوله: { أية : إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً } تفسير : [المزمل: 7] أي تصرفاً ومذهباً. إذا ثبت هذا فنقول: إن سيرها هو التسبيح لدلالته على قدرة الله تعالى وعلى سائر ما تنزه عنه واعلم أن مدار هذا القول على أن بنية الجبل لا تقبل الحياة، وهذا ممنوع وعلى أن التكلم من فعل الله وهو أيضاً ممنوع. المسألة الثانية: أما الطير فلا امتناع في أن يصدر عنها الكلام، ولكن أجمعت الأمة على أن المكلفين إما الجن أو الإنس أو الملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف، بل تكون على حالة كحال الطفل في أن يؤمر وينهي وإن لم يكن مكلفاً فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المراهق، وأيضاً فيه دلالة على قدرة الله تعالى وعلى تنزهه عما لا يجوز فيكون القول فيه كالقول في الجبال. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: يسبحن حال بمعنى مسبحات أو استئناف كأن قائلاً قال: كيف سخرهن؟ فقال: يسبحن. والطير إما معطوف على الجبال وإما مفعول معه. فإن قلت: لم قدمت الجبال على الطير؟ قلت: لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز، لأنها جماد والطير حيوان ناطق. أما قوله: {وَكُنَّا فَـٰعِلِينَ } فالمعنى أنا قادرون على أن نفعل هذا وإن كان عجباً عندكم وقيل نفعل ذلك بالأنبياء عليهم السلام. الإنعام الثالث: قوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَـٰكِرُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اللبوس اللباس، قال ألبس لكل حالة لبوسها. المسألة الثانية: لتحصنكم قرىء بالنون والياء والتاء وتخفيف الصاد وتشديدها، فالنون لله عز وجل والتاء للصنعة أو للبوس على تأويل الدرع والياء لله تعالى أو لداود أو للبوس. المسألة الثالثة: قال قتادة: أول من صنع الدرع داود عليه السلام، وإنما كانت صفائح قبله فهو أول من سردها واتخذها حلقاً، ذكر الحسن أن لقمان الحكيم عليه السلام حضره وهو يعمل الدرع، فأراد أن يسأل عما يفعل ثم سكت حتى فرغ منها ولبسها على نفسه، فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله قالوا إن الله تعالى ألان الحديد له يعمل منه بغير نار كأنه طين. المسألة الرابعة: البأس ههنا الحرب وإن وقع على السوء كله، والمعنى ليمنعكم ويحرسكم من بأسكم أي من الجرح والقتل والسيف والسهم والرمح. المسألة الخامسة: فيه دلالة على أن أول من عمل الدرع داود ثم تعلم الناس منه، فتوارث الناس عنه ذلك. فعمت النعمة بها كل المحاربين من الخلق إلى آخر الدهر، فلزمهم شكر الله تعالى على النعمة فقال: {فَهَلْ أَنتُمْ شَـٰكِرُونَ } أي اشكروا الله على ما يسر عليكم من هذه الصنعة، واعلم أنه سبحانه لما ذكر النعم التي خص داود بها ذكر بعده النعم التي خص بها سليمان عليه السلام، وقال قتادة: ورث الله تعالى سليمان من داود ملكه ونبوته وزاده عليه أمرين سخر له الريح والشياطين. الإنعام الأول: قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ } أي جعلناها طائعة منقادة له بمعنى أنه إن أرادها عاصفة كانت عاصفة وإن أرادها لينة كانت لينة والله تعالى مسخرها في الحالتين، فإن قيل: العاصف الشديدة الهبوب، وقد وصفها الله تعالى بالرخاوة في قوله: {رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ } فكيف يكون الجمع بينهما. والجواب: من وجهين: الأول: أنها كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } وكانت جامعة بين الأمرين رخاء في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان عليه السلام وهبوبها على حسب ما يريد ويحكم آية إلى آية ومعجزة إلى معجزة. الثاني: أنها كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفاً، لأجل هبوبها على حكم إرادته. المسألة السادسة: قرىء الريح والرياح بالرفع والنصب فيهما فالرفع على الابتداء والنصب للعطف على الجبال، فإن قيل: قال في دواد: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَال } وقال في حق سليمان: {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ } فذكره في حق داود عليه السلام بكلمة مع وفي حق سليمان عليه السلام باللام وراعى هذا الترتيب أيضاً في قوله: {يٰجِبَالُ أَوّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ } وقال: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ } فما الفائدة في تخصيص داود عليه السلام بلفظ مع، وسليمان باللام قلنا يحتمل أن الجبل لما اشتغل بالتسبيح حصل له نوع شرف، فما أضيف إليه بلام التمليك، أما الريح فلم يصدر عنه إلا ما يجري مجرى الخدمة، فلا جرم أضيف إلى سليمان بلام التمليك، وهذا إقناعي. أما قوله: {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا وكنا بكل شيءٍ عَـٰلَمِينَ } أي إلى المضي إلى بيت المقدس، قال الكلبي: كانت تسير في اصطخر إلى الشام يركب عليها سليمان وأصحابه. أما قوله: {وَكُنَّا بِكُلّ شَىْء عَـٰلِمِينَ } أي لعلمنا بالأشياء صح منا أن ندبر هذا التدبير في رسلنا وفي خلقنا، وأن نفعل هذه المعجزات القاهرة. الإنعام الثاني: قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَـٰفِظِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد أنهم يغوصون له في البحار فيستخرجون الجواهر ويتجاوزون ذلك إلى الأعمال والمهن وبناء المدن والقصور واختراع الصنائع العجيبة كما قال: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَـٰرِيبَ وَتَمَـٰثِيلَ وَجِفَانٍ } وأما الصناعات فكاتخاذ الحمام والنورة والطواحين والقوارير والصابون. المسألة الثانية: قوله: {وَمِنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ } يعني وسخرنا لسليمان من الشياطين من يغوصون له، فيكون في موضع النصب نسقاً على الريح قال الزجاج ويجوز أن يكون في موضع رفع من وجهين: أحدهما: النسق على الريح، وأن يكون المعنى: ولسليمان الريح وله من يغوصون له من الشياطين، ويجوز أن يكون رفعاً على الابتداء ويكون له هو الخبر. المسألة الثالثة: يحتمل أن يكون من يغوص منهم هو الذي يعمل سائر الأعمال، ويحتمل أنهم فرقة أخرى ويكون الكل داخلين في لفظة من وإن كان الأول هو الأقرب. المسألة الرابعة: ليس في الظاهر إلا أنه سخرهم، لكنه قد روى أنه تعالى سخر كفارهم دون المؤمنين وهو الأقرب من وجهين: أحدهما: إطلاق لفظ الشياطين. والثاني: قوله: {وكنا لهم حافظين} فإن المؤمن إذا سخر في أمر لا يجب أن يحفظ لئلا يفسد، وإنما يجب ذلك في الكافر. المسألة الخامسة: في تفسير قوله: {وَكُنَّا لَهُمْ حَـٰفِظِينَ } وجوه: أحدها: أنه تعالى وكل بهم جمعاً من الملائكة أو جمعاً من مؤمني الجن. وثانيها: سخرهم الله تعالى بأن حبب إليهم طاعته وخوفهم من مخالفته. وثالثها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد وسلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء، فإن قيل وعن أي شيء كانوا محفوظين قلنا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تعالى كان يحفظهم عليه لئلا يذهبوا ويتركوه. وثانيها؛ قال الكلبي كان يحفظهم من أن يهيجوا أحداً في زمانه. وثالثها: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا فكان دأبهم أنهم يعملون بالنهار ثم يفسدونه في الليل. المسألة السادسة: سأل الجبائي نفسه، وقال: كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة لا يقدرون على عمل الثقيل، وإنما يمكنهم الوسوسة؟ وأجاب بأنه سبحانه كثف أجسامهم خاصة وقواهم وزاد في عظمهم ليكون ذلك معجزاً لسليمان عليه السلام، فلما مات سليمان ردهم الله إلى الخلقة الأولى لأنه لو بقاهم على الخلقة الثانية لصار شبهة على الناس، ولو ادعى متنبى النبوة وجعله دلالة لكان كمعجزات الرسل فلذا ردهم إلى خلقتهم الأولى، واعلم أن هذا الكلام ساقط من وجوه: أحدها: لم قلت إن الجن من الأجسام، ولم لا يجوز وجود محدث ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ويكون الجن منهم؟ فإن قلت: لو كان الأمر كذلك لكان مثلاً للباري تعالى، قلت: هذا ضعيف لأن الاشتراك في اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك في الملزومات فكيف اللوازم السلبية، سلمنا أنه جسم، لكن لا يجوز حصول القدرة على هذه الأعمال الشاقة في الجسم اللطيف، وكلامه بناء على البنية شرط وليس في يده إلا الاستقراء الضعيف. سلمنا أنه لا بد من تكثيف أجسامهم لكن لم قلت بأنه لا بد من ردها إلى الخلقة الأولى بعد موت سليمان عليه السلام، فإن قال: لئلا يفضي إلى التلبيس قلنا التلبيس غير لازم، لأن المتنبي إذا جعل ذلك معجزة لنفسه فللمدعي أن يقول: لم لا يجوز أن يقال إن قوة أجسادهم كانت معجزة لنبي آخر قبلك، ومع قيام هذا الاحتمال لا يتمكن المتنبي من الاستدلال به، واعلم أن أجسام هذا العالم إما كثيفة أو لطيفة، أما الكثيف فأكثف الأجسام الحجارة والحديد وقد جعلهما الله تعالى معجزة لداود عليه السلام، فأنطق الحجر ولين الحديد وكل واحد منهما كما يدل على التوحيد والنبوة يدل على صحة الحشر، لأنه لما قدر على إحياء الحجارة فأي بعد في إحياء العظام الرميمة، وإذا قدر على أن يجعل في إصبع داود عليه السلام قوة النار مع كون الإصبع في نهاية اللطافة، فأي بعد في أن يجعل التراب اليابس جسماً حيوانياً، وألطف الأشياء في هذا العالم الهواء والنار، وقد جعلهما الله معجزة لسليمان عليه السلام، أما الهواء فقوله تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرّيحَ } وأما النار فلأن الشياطين مخلوقون منها وقد سخرهم الله تعالى فكان يأمرهم بالغوص في المياه والنار تنطفيء بالماء وهم ما كان يضرهم ذلك، وذلك يدل على قدرته على إظهار الضد من الضد.
القرطبي
تفسير : فيه ست وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ} أي واذكرهما إذ يحكمان، ولم يرد بقوله «إِذ يحكمان» الاجتماع في الحكم وإن جمعهما في القول؛ فإن حَكَمين على حكم واحد لا يجوز. وإِنما حكَم كل واحد منهما على انفراده، وكان سليمان الفاهم لها بتفهيم الله تعالى إياه. {فِي ٱلْحَرْثِ} اختلف فيه على قولين: فقيل: كان زرعاً؛ قاله قتادة. وقيل: كرماً نبتت عناقيده؛ قاله ابن مسعود وشريح. و«الحرث» يقال فيهما، وهو في الزرع أبعد من الاستعارة. الثانية: قوله تعالى: {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ} أي رعت فيه ليلاً؛ والنفش الرعي بالليل. يقال: نفشت بالليل، وهَمَلت بالنهار، إذا رعت بلا راعٍ. وأنفشها صاحبها. وإبلٌ نُفَّاش. وفي حديث عبد الله بن عمرو: الحبة في الجنة مثل كرِش البعير يبيت نافِشاً؛ أي راعياً؛ حكاه الهروي. وقال ابن سيده: لا يقال الهَمَل في الغنم، وإنما هو في الإبل. الثالثة: قوله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} دليل على أن أقل الجمع اثنان. وقيل: المراد الحاكمان والمحكوم عليه؛ فلذلك قال «لحكمِهِم». الرابعة: قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} أي فهمناه القضية والحكومة، فكنى عنها إذ سبق ما يدل عليها. وفضل حكم سليمان حكم أبيه في أنه أحرز أن يبقى ملك كل واحد منهما على متاعه، وتبقى نفسه طيبة بذلك؛ وذلك أن داود عليه السلام رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث. وقالت فرقة: بل دفع الغنم إلى صاحب الحرث، والحرث إلى صاحب الغنم. قال ابن عطية: فيشبه على القول الواحد أنه رأى الغنم تقاوم الغلة التي أفسدت. وعلى القول الثاني رآها تقاوم الحرث والغلة؛ فلما خرج الخصمان على سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون إلى داود من باب آخر فقال: بم قضى بينكما نبي الله داود؟ فقالا: قضى بالغنم لصاحب الحرث. فقال لعل الحكم غير هذا انصرفا معي. فأتى أباه فقال: يا نبيّ الله إنك حكمت بكذا وكذا وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع. قال: وما هو؟ قال: ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى حاله التي أصابته الغنم في السنة المقبلة، رد كل واحد منهما ماله إلى صاحبه. فقال داود: وفقت يا بنيّ لا يقطع الله فهمك. وقضى بما قضى به سليمان؛ قال معناه ابن مسعود ومجاهد وغيرهما. قال الكلبي: قوّم داود الغنم والكرم الذي أفسدته الغنم فكانت القيمتان سواء، فدفع الغنم إلى صاحب الكرم. وهكذا قال النحاس؛ قال: إنما قضى بالغنم لصاحب الحرث؛ لأن ثمنها كان قريباً منه. وأما في حكم سليمان فقد قيل: كانت قيمة ما نال من الغنم وقيمة ما أفسدت الغنم سواء أيضاً. الخامسة: قوله تعالى: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} تأوّل قوم أن داود عليه السلام لم يخطىء في هذه النازلة، بل فيها أوتي الحكم والعلم. وحملوا قوله: «فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ» على أنه فضيلة له على داود وفضيلته راجعة إلى داود، والوالد تسره زيادة ولده عليه. وقالت فرقة: بل لأنه لم يصب العين المطلوبة في هذه النازلة، وإنما مدحه الله بأن له حكما وعلماً يرجع إليه في غير هذه النازلة. وأما في هذه فأصاب سليمان وأخطأ داود عليهما الصلاة والسلام، ولا يمتنع وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم، لكن لا يقرّون عليه، وإن أقرّ عليه غيرهم. ولما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها، فإن كنت مصيباً فقد أخطأ أبوك، وإن كان أبوك مصيبا ففقد أخطأت أنت؛ فأجابه الوليد {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}. وقال قوم: كان داود وسليمان ـ عليهما السلام ـ نبيين يقضيان بما يوحى إليهما، فحكم داود بوحي، وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود، وعلى هذا {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} أي بطريق الوحي الناسخ لما أوحي إلى داود، وأمر سليمان أن يبلغ ذلك داود؛ ولهذا قال: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}. هذا قول جماعة من العلماء ومنها ابن فورك. وقال الجمهور: إن حكمهما كان باجتهاد وهي: السادسة: واختلف العلماء في جواز الاجتهاد على الأنبياء فمنعه قوم، وجوّزه المحققون؛ لأنه ليس فيه استحالة عقلية؛ لأنه دليل شرعي فلا إحالة أن يستدل به الأنبياء، كما لو قال له الربّ سبحانه وتعالى: إذا غلب على ظنك كذا فاقطع بأن ما غلب على ظنك هو حكمي فبلغه الأمة؛ فهذا غير مستحيل في العقل. فإن قيل: إنما يكون دليلاً إذا عدم النص وهم لا يعدمونه. قلنا: إذا لم ينزل الملك فقد عدم النص عندهم، وصاروا في البحث كغيرهم من المجتهدين عن معاني النصوص التي عندهم. والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين أنهم معصومون عن الخطأ، وعن الغلط، وعن التقصير في اجتهادهم، وغيرهم ليس كذلك. كما ذهب الجمهور في أن جميع الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الخطأ والغلط في اجتهادهم. وذهب أبو علي ابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أن نبينا صلى الله عليه وسلم مخصوص منهم في جواز الخطأ عليهم، وفرق بينه وبين غيره من الأنبياء أنه لم يكن بعده من يستدرك غلطه، ولذلك عصمه الله تعالى منه، وقد بُعِث بعد غيره من الأنبياء من يستدرك غلطه. وقد قيل: إنه على العموم في جميع الأنبياء، وأن نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم في تجويز الخطأ على سواء إلا أنهم لا يقرون على إمضائه، فلم يعتبر فيه استدراك من بعدهم من الأنبياء. «حديث : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سألته امرأة عن العِدَّة فقال لها: «اعتدّي حيث شئت» ثم قال لها: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله». حديث : وقال له رجل: أرأيت لو قُتِلت صبراً محتسباً أيحجزني عن الجنة شيء؟ فقال: «لا» ثم دعاه فقال: «إلا الدَّين كذا أخبرني جبريل عليه السلام»».تفسير : السابعة: قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أنّ القضاة هلكوا، ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده. وقد اختلف الناس في المجتهدين في الفروع إذا اختلفوا؛ فقالت فرقة: الحق في طرف واحد عند الله، وقد نصب على ذلك أدلة، وحمل المجتهدين على البحث عنها، والنظر فيها، فمن صادف العين المطلوبة في المسألة فهو المصيب على الإطلاق، وله أجران أجر في الاجتهاد وأجر في الإصابة، ومن لم يصادفها فهو مصيب في اجتهاده مخطىء في أنه لم يصب العين فله أجر وهو غير معذور. وهذا سليمان قد صادف العين المطلوبة، وهي التي فهم. ورأت فرقة أن العالم المخطىء لا إثم عليه في خطئه وإن كان غير معذور. وقالت فرقة: الحق في طرف واحد ولم ينصب الله تعالى عليه دلائل (بل) وكل الأمر إلى نظر المجتهدين فمن أصابه أصاب ومن أخطأ فهو معذور مأجور، ولم يتعبد بإصابة العين بل تعبدنا بالاجتهاد فقط. وقال جمهور أهل السنة وهو المحفوظ عن مالك وأصحابه رضي الله عنهم: إن الحق في مسائل الفروع في الطرفين، وكل مجتهد مصيب، المطلوب إنما هو الأفضل في ظنه، وكل مجتهد قد أداه نظره إلى الأفضل في ظنه؛ والدليل على هذه المقالة أن الصحابة فمن بعدهم قرّر بعضهم خلاف بعض، ولم ير أحد منهم أن يقع الانحمال على قوله دون قول مخالفه. ومنه ردّ مالك رحمه الله للمنصور أبي جعفر عن حمل الناس على «الموطأ»؛ فإذا قال عالم في أمر حلال فذلك هو الحق فيما يختص بذلك العالم عند الله تعالى وبكل من أخذ بقوله، وكذا في العكس. قالوا: وإن كان سليمان عليه السلام فهم القضية المثلى والتي هي أرجح فالأولى ليست بخطأ، وعلى هذا يحملون قوله عليه السلام: «حديث : إذا اجتهد العالم فأخطأ»تفسير : أي فأخطأ الأفضل. الثامنة: روى مسلم وغيره عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» تفسير : هكذا لفظ الحديث في كتاب مسلم «حديث : إذا حكم فاجتهد» تفسير : فبدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس؛ فإن الاجتهاد مقدّم على الحكم، فلا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع. وإنما معنى هذا الحديث: إذا أراد أن يحكم، كما قال: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ} تفسير : [النحل: 98] فعند ذلك أراد أن يجتهد في النازلة. ويفيد هذا صحة ما قاله الأصوليون: إن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظراً عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدّم لإمكان أن يظهر له ثانياً خلاف ما ظهر له أوّلاً، اللهم إلا أن يكون ذاكراً لأركان اجتهاده، مائلاً إليه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر في أمارة أخرى. التاسعة: إنما يكون الأجر للحاكم المخطىء إذا كان عالماً بالاجتهاد والسنن والقياس، وقضاء من مضى؛ لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط، فأما من لم يكن محلاً للاجتهاد فهو متكلف لا يعذر بالخطأ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الوزر. يدل على ذلك حديثه الآخر؛ رواه أبو داود: «القضاة ثلاثة» الحديث. قال ابن المنذر: إنما يؤجر على اجتهاده في طلب الصواب لا على الخطأ، مما يؤيد هذا قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} الآية. قال الحسن: أثنى على سليمان ولم يذم داود. العاشرة: ذكر أبو التمام المالكي أن مذهب مالك أن الحق في واحد من أقاويل المجتهدين، وليس ذلك في أقاويل المختلفين، وبه قال أكثر الفقهاء. قال: وحكى ابن القاسم أنه سأل مالكاً عن اختلاف الصحابة، فقال: مخطىء ومصيب، وليس الحق في جميع أقاويلهم. وهذا القول قيل: هو المشهور عن مالك وإليه ذهب محمد بن الحسين. واحتج من قال هذا بحديث عبد الله بن عمرو؛ قالوا: وهو نص على أن في المجتهدين وفي الحاكمين مخطئاً ومصيباً؛ قالوا: والقول بأن كل مجتهد مصيب يؤدّي إلى كون الشيء حلالاً حراماً، وواجباً ندباً. واحتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عمر. قال: «حديث : نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم انصرف من الأحزاب «ألا لا يصلينّ أحدٌ العصر إلا في بني قُرَيظة»» تفسير : فتخوّف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قُرَيظة، وقال الآخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت، قال: فما عنف واحداً من الفريقين؛ قالوا: فلو كان أحد الفريقين مخطئاً لعيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم. ويمكن أن يقال: لعله إنما سكت عن تعيين المخطئين لأنه غير آثم بل مأجور، فاستغنى عن تعيينه. والله أعلم. ومسألة الاجتهاد طويلة متشعبة، وهذه النبذة التي ذكرناها كافية في معنى الآية، والله الموفق للهداية. الحادية عشرة: ويتعلق بالآية فصل آخر: وهو رجوع الحاكم بعد قضائه من اجتهاده إلى اجتهاد آخر أرجح من الأوّل؛ فإن داود عليه السلام فعل ذلك. وقد اختلف في ذلك علماؤنا رحمهم الله تعالى؛ فقال عبد الملك ومُطَرِّف في «الواضحة»: ذلك له ما دام في ولايته؛ فأما إن كانت ولاية أخرى فليس له ذلك، وهو بمنزلة غيره من القضاة. وهذا هو ظاهر قول مالك رحمه الله في «المدونة». وقال سحنون في رجوعه من اجتهاد فيه قول إلى غيره مما رآه أصوب ليس له ذلك؛ وقاله ابن عبد الحكم. قالا: ويستأنف الحكم بما قوي عنده. قال سحنون: إلا أن يكون نسي الأقوى عنده في ذلك الوقت، أو وهم فحكم بغيره فله نقضه؛ وأما إن حكم بحكم هو الأقوى عنده في ذلك الوقت ثم قوي عنده غيره بعد ذلك فلا سبيل إلى نقض الأوّل؛ قاله سحنون في كتاب ابنه. وقال أشهب في كتاب ابن المواز: إن كان رجوعه إلى الأصوب في مال فله نقض الأوّل، وإن كان في طلاق أو نكاح أو عتق فليس له نقضه. قلت: رجوع القاضي عما حكم به إذا تبين له أن الحق في غيره ما دام في ولايته أولى. وهكذا في رسالة عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما؛ رواها الدارقطني، وقد ذكرناها في «الأعراف» ولم يفصل؛ وهي الحجة لظاهر قول مالك. ولم يختلف العلماء أن القاضي إذا قضى تجوّزا وبخلاف أهل العلم فهو مردود، وإن كان على وجه الاجتهاد؛ فأما أن يتعقب قاضٍ حكم قاضٍ آخر فلا يجوز ذلك له؛ لأن فيه مضرة عظمى من جهة نقض الأحكام، وتبديل الحلال بالحرام، وعدم ضبط قوانين الإسلام، ولم يتعرض أحد من العلماء لنقض ما رواه الآخر، وإنما كان يحكم بما ظهر له. الثانية عشرة: قال بعض الناس: إن داود عليه السلام لم يكن أنفذ الحكم وظهر له ما قال غيره. وقال آخرون: لم يكن حكماً وإنما كانت فتيا. قلت: وهكذا تؤوّل فيما رواه أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك؛ فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى؛ فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه؛ فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما؛ فقالت الصغرى: لا ـ يرحمكَ الله ـ هو ابنها؛ فقضى به للصغرى؛ قال أبو هريرة: إنْ سمعتُ بالسكين قط إلا يومئذٍ، ما كنا نقول إلا المُدْية؛ أخرجه مسلم. فأما القول بأن ذلك من داود فتيا فهو ضعيف؛ لأنه كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفتياه حكم. وأما القول الآخر فبعيد؛ لأنه تعالى قال: {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ} فبين أن كل واحد منهما كان قد حكم. وكذا قوله في الحديث: فقضى به للكبرى؛ يدل على إنفاذ القضاء وإنجازه. ولقد أبعد من قال: إنه كان من شرع داود أن يحكم به للكبرى من حيث هي كبرى؛ لأن الكبر والصغر طرد محض عند الدعاوى كالطول والقصر والسواد والبياض وذلك لا يوجب ترجيح أحد المتداعيين حتى يحكم له أو عليه لأجل ذلك. وهو مما يقطع به من فهم ما جاءت به الشرائع. والذي ينبغي أن يقال: إن داود عليه السلام إنما قضى به للكبرى لسبب اقتضى عنده ترجيح قولها. ولم يذكر في الحديث تعيينه إذ لم تدع حاجة إليه؛ فيمكن أن الولد كان بيدها، وعلم عجز الأخرى عن إقامة البينة، فقضى به لها إبقاء لما كان على ما كان. وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا الحديث. وهو الذي تشهد له قاعدة الدعاوى الشرعية التي يبعد اختلاف الشرائع فيها. لا يقال: فإن كان داود قضى بسبب شرعي فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه؛ فالجواب: أن سليمان عليه السلام لم يتعرّض لحكم أبيه بالنقض، وإنما احتال حيلة لطيفة ظهر له بسببها صدق الصغرى؛ وهي أنه لما قال: هات السكين أشقه بينكما، قالت الصغرى: لا؛ فظهر له من قرينة الشفقة في الصغرى، وعدم ذلك في الكبرى، مع ما عساه انضاف إلى ذلك من القرائن ما حصل له العلم بصدقها فحكم لها. ولعله كان ممن سوّغ له أن يحكم بعلمه. وقد ترجم النسائي على هذا الحديث «حكم الحاكم بعلمه». وترجم له أيضاً «السعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يَفعله أَفْعلُ ليستبين الحق». وترجم له أيضاً «نقض الحاكم لا يَحكم به غيرُه ممن هو مثله أو أجلّ منه». ولعل الكبرى اعترفت بأن الولد للصغرى عند ما رأت من سليمان الحزم والجد في ذلك، فقضى بالولد للصغرى؛ ويكون هذا كما إذا حكم الحاكم باليمين، فلما مضى ليحلف حضر من استخرج من المنكر ما أوجب إقراره، فإنه يحكم عليه بذلك الإقرار قبل اليمين وبعدها، ولا يكون ذلك من باب نقض الحكم الأوّل، لكن من باب تبدّل الأحكام بحسب تبدّل الأسباب. والله أعلم. وفي هذا الحديث من الفقه أن الأنبياء سوغ لهم الحكم بالاجتهاد؛ وقد ذكرناه. وفيه من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق، وذلك يكون عن قوّة الذكاء والفطنة، وممارسة أحوال الخلق؛ وقد يكون في أهل التقوى فراسة دينية، وتوسمات نورية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وفيه الحجة لمن يقول: إن الأم تُستلحَق؛ وليس مشهور مذهب مالك، وليس هذا موضع ذكره. وعلى الجملة فقضاء سليمان في هذه القصة تضمنها مدحه تعالى له بقوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}. الثالثة عشرة: قد تقدّم القول في الحرث والحكم في هذه الواقعة في شرعنا: أن على أصحاب الحوائط حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار، ثم الضمان في المثل بالمثليات، وبالقيمة في ذوات القيم. والأصل في هذه المسألة في شرعنا ما حكم به محمد صلى الله عليه وسلم في ناقة البراء بن عازب. رواه مالك عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن مُحيّصة: أن ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالليل، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها. هكذا رواه جميع الرواة مرسلاً. وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب عن ابن شهاب، إلا ابن عيينة فإنه رواه عن الزهري عن سعيد وحرام بن سعد بن مُحيِّصة: أن ناقة؛ فذكر مثله بمعناه. ورواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب أنه بلغه أن ناقة البراء دخلت حائط قوم؛ مثل حديث مالك سواء، إلا أنه لم يذكر حرام بن سعد بن محيصة ولا غيره. قال أبو عمر: لم يصنع ابن أبي ذئب شيئاً؛ إلا أنه أفسد إسناده. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتابع عبد الرزاق على ذلك وأنكروا عليه قوله عن أبيه. ورواه ابن جريج عن ابن شهاب قال: حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن ناقة دخلت في حائط قوم فأفسدت؛ فجعل الحديث لابن شهاب عن أبي أمامة، ولم يذكر أن الناقة كانت للبراء. وجائز أن يكون الحديث عن ابن شهاب عن ابن مُحَيصة، وعن سعيد بن المسيّب، وعن أبي أمامة ـ والله أعلم ـ فحدَّث به عمن شاء منهم على ما حضره وكلهم ثقات. قال أبو عمر: وهذا الحديث وإن كان مرسلاً فهو حديث مشهور أرسله الأئمة، وحدَّث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة العمل به، وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث. الرابعة عشرة: ذهب مالك وجمهور الأئمة إلى القول بحديث البراء، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم، إذا أفسدت زرعاً في ليل أو نهار أنه لا يلزم صاحبها شيء، وأدخل فسادها في عموم قوله صلى الله عليه وسلم:«حديث : جُرح العجماء جُبَار»تفسير : فقاس جميع أعمالها على جرحها.ويقال: إنه ما تقدم أبا حنيفة أحد بهذا القول، ولا حجة له ولا لمن اتبعه في حديث العجماء، وكونه ناسخاً لحديث البراء ومعارضاً له؛ فإن النسخ شروطه معدومة، والتعارض إنما يصح إذا لم يمكن استعمال أحدهما إلا بنفي الآخر، وحديث «حديث : العجماء جرحها جبار»تفسير : عموم متفق عليه، ثم خص منه الزرع والحوائط بحديث البراء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو جاء عنه في حديث واحد: العجماء جرحها جبار نهاراً لا ليلاً وفي الزرع والحوائط والحرث، لم يكن هذا مستحيلاً من القول؛ فكيف يجوز أن يقال في هذا متعارض؟! وإنما هذا من باب العموم والخصوص على ما هو مذكور في الأصول. الخامسة عشرة: إن قيل: ما الحكمة في تفريق الشارع بين الليل والنهار، وقد قال الليث بن سعد: يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار كل ما أفسدت، ولا يضمن أكثر من قيمة الماشية؟ قلنا: الفرق بينهما واضح، وذلك أن أهل المواشي لهم ضرورة إلى إرسال مواشيهم ترعى بالنهار، والأغلب عندهم أن من عنده زرع يتعاهده بالنهار ويحفظه عمن أراده، فجعل حفظ ذلك بالنهار على أهل الزروع؛ لأنه وقت التصرف في المعاش، كما قال الله سبحانه وتعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً} تفسير : [النبأ: 11] فإذا جاء الليل فقد جاء الوقت الذي يرجع كل شيء إلى موضعه وسكنه؛ كما قال الله تعالى: {أية : مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} تفسير : [القصص: 72] وقال: {أية : وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً} تفسير : [الأنعام: 96] ويرد أهل المواشي مواشيهم إلى مواضعهم ليحفظوها، فإذا فرّط صاحب الماشية في ردها إلى منزله، أو فرط في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئاً فعليه ضمان ذلك، فجرى الحكم على الأوفق الأسمح، وكان ذلك أرفق بالفريقين، وأسهل على الطائفتين، وأحفظ للمالين، وقد وضح الصبح لذي عينين، ولكن لسليم الحاستين؛ وأما قول الليث: لا يضمن أكثر من قيمة الماشية، فقد قال أبو عمر: لا أعلم من أين قال هذا الليث بن سعد، إلا أن يجعله قياسا على العبد الجاني لا يفتك بأكثر من قيمته، ولا يلزم سيده في جنايته أكثر من قيمته، وهذا ضعيف الوجه؛ كذا قال في «التمهيد» وقال في «الاستذكار» فخالف الحديث في «حديث : العجماء جرحها جبار» تفسير : وخالف ناقة البراء، وقد تقدّمه إلى ذلك طائفة من العلماء منهم عطاء. قال ابن جريج قلت لعطاء: الحرث تصيبه الماشية ليلاً أو نهاراً؟ قال: يضمن صاحبها ويغرم. قلت: كان عليه حظراً أو لم يكن؟ قال: نعم! يغرم. قلت: ما يغرم؟ قال: قيمة ما أكل حماره ودابته وماشيته. وقال معمر عن ابن شُبْرُمة: يُقوّم الزرع على حاله التي أصيب عليها دراهم. وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما: يضمن رب الماشية ليلاً أو نهاراً، من طرق لا تصح. السادسة عشرة: قال مالك: ويقوم الزرع الذي أفسدت المواشي بالليل على الرجاء والخوف. قال: والحوائط التي تحرس والتي لا تحرس، والمحظر عليها وغير المحظر سواء، يغرم أهلها ما أصابت بالليل بالغاً ما بلغ، وإن كان أكثر من قيمتها. قال: وإذا انفلتت دابة بالليل فوطئت على رجل نائم لم يغرم صاحبها شيئاً، وإنما هذا في الحائط والزرع والحرث؛ ذكره عنه ابن عبد الحكم. وقال ابن القاسم: ما أفسدت الماشية بالليل فهو في مال ربها، وإن كان أضعاف ثمنها؛ لأن الجناية من قبله إذ لم يربطها، وليست الماشية كالعبيد؛ حكاه سحنون وأصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم. السابعة عشرة: ولا يستأنى بالزرع أن ينبت أو لا ينبت كما يفعل في سنّ الصغير. وقال عيسى عن ابن القاسم: قيمته لو حل بيعه. وقال أشهب وابن نافع في المجموعة عنه: وإن لم يبد صلاحه. ابن العربي: والأوّل أقوى لأنها صفته فتقوّم كما يقوم كل متلف على صفته. الثامنة عشرة: لو لم يقض للمفسد له بشيء حتى نبت وانجبر فإن كان فيه قبل ذلك منفعة رعي أو شيء ضمن تلك المنفعة، وإن لم تكن فيه منفعة فلا ضمان. وقال أصبغ: يضمن؛ لأن التلف قد تحقق والجبر ليس من جهته فلا يعتد له به. التاسعة عشرة: وقع في كتاب ابن سحنون أن الحديث إنما جاء في أمثال المدينة التي هي حيطان محدقة، وأما البلاد التي هي زروع متصلة غير مُحظَرة، وبساتين كذلك، فيضمن أرباب النَّعم ما أفسدت من ليل أو نهار؛ كأنه ذهب إلى أن ترك تثقيف الحيوان في مثل هذه البلاد تعدّ؛ لأنها ولا بد تفسد. وهذا جنوح إلى قول الليث. الموفية عشرين: قال أصبغ في المدينة: ليس لأهل المواشي أن يخرجوا مواشيهم إلى قرى الزرع بغير ذوّاد؛ فركب العلماء على هذا أن البقعة لا تخلو أن تكون بقعة زرع، أو بقعة سرح، فإن كانت بقعة زرع فلا تدخلها ماشية إلا ماشية تجتاح، وعلى أربابها حفظها، وما أفسدت فصاحبها ضامن ليلاً أو نهاراً؛ وإن كانت بقعة سرح فعلى صاحب الذي حَرْثه فيها حفظه، ولا شيء على أرباب المواشي. الحادية والعشرون: المواشي على قسمين: ضواري وحَريسة وعليهما قسمها مالك. فالضواري هي المعتادة للزرع والثمار، فقال مالك: تُغرَّب وتباع في بلد لا زرع فيه؛ رواه ابن القاسم في الكتاب وغيره. قال ابن حبيب: وإن كره ذلك ربها، وكذلك قال مالك في الدابة التي ضريت في إفساد الزرع: تغرّب وتباع. وأما ما يستطاع الاحتراس منه فلا يؤمر صاحبه بإخراجه. الثانية والعشرون: قال أصبغ: النحل والحمام والإوز والدجاج كالماشية، لا يمنع صاحبها من اتخاذها وإن (ضريت)، وعلى أهل القرية حفظ زروعهم. قال ابن العربي: وهذه رواية ضعيفة لا يلتفت إليها من أراد أن يتخذ ما ينتفع به مما لا يضره بغيره مُكِّن منه، وأما انتفاعه بما يتخذه بإضراره بأحد فلا سبيل إليه. قال عليه السلام: «حديث : لا ضرر ولا ضرار» تفسير : وهذه الضواري عن ابن القاسم في المدينة لا ضمان على أربابها إلا بعد التقدّم. ابن العربي: وأرى الضمان عليهم قبل التقدّم إذا كانت ضواري. الثالثة والعشرون: ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الشعبي أن شاة وقعت في غزل حائك فاختصموا إلى شُرَيح، فقال الشَّعبي: انظروه فإنه سيسألهم ليلاً وقعت فيه أو نهاراً؛ ففعل. ثم قال: إن كان بالليل ضمن، وإن كان بالنهار لم يضمن، ثم قرأ شريح {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ} قال: والنَّفش بالليل والهَمَل بالنهار. قلت: ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : العجماء جرحها جبار» تفسير : الحديث. قال ابن شهاب: والجبار الهدر، والعجماء البهيمة، قال علماؤنا: ظاهر قوله: «حديث : العجماء جرحها جبار»تفسير : أن ما انفردت البهيمة بإتلافه لم يكن فيه شيء، وهذا مجمع عليه. فلو كان معها قائد أو سائق أو راكب فحملها أحدهم على شيء فأتلفته لزمه حكم المتلف؛ فإن كانت جناية مضمونة بالقصاص وكان الحمل عمداً كان فيه القصاص ولا يختلف فيه؛ لأن الدابة كالآلة. وإن كان عن غير قصد كانت فيه الدية على العاقلة. وفي الأموال الغرامة في مال الجاني. الرابعة والعشرون: واختلفوا فيمن أصابته برجلها أو ذنبها، فلم يضمّن مالك والليث والأوزاعي صاحبها، وضمّنه الشافعي وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمة. واختلفوا في الضارية فجمهورهم أنها كغيرها، ومالك وبعض أصحابه يضمنونه. الخامسة والعشرون: روى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الرِّجل جبار»تفسير : قال الدارقطني: لم يروه غير سفيان بن حسين ولم يتابع عليه، وخالفه الحفاظ عن الزهري منهم مالك وابن عيينة ويونس ومعمر وابن جريج والزبيدي وعقيل وليث بن سعد، وغيرهم كلهم رووه عن الزهري فقالوا: «حديث : العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار»تفسير : ولم يذكروا الرِّجل وهو الصواب. وكذلك رواه أبو صالح السمان، وعبد الرحمن الأعرج، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن زياد وغيرهم عن أبي هريرة، ولم يذكروا فيه «والرِّجل جبار» وهو المحفوظ عن أبي هريرة. السادسة والعشرون: قوله: «والبئر جُبار» قد روي موضعه «والنار جبار» قال الدارقطني: حدّثنا حمزة بن القاسم الهاشمي حدّثنا حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول في حديث عبد الرزاق: حديث أبي هريرة «والنار جبار» ليس بشيء، لم يكن في الكتاب، باطل ليس هو بصحيح. حدّثنا محمد بن مخلد حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن هانىء قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أهل اليمن يكتبون النار النير ويكتبون البير؛ يعني مثل ذلك. وإنما لقن عبد الرزاق «النار جبار». وقال الرمادي: قال عبد الرزاق قال معمر لا أراه إلا وَهَماً. قال أبو عمر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : النار جُبار» تفسير : وقال يحيـى بن معين: أصله البئر ولكن معمراً صحّفه. قال أبو عمر: لم يأتِ ابن معين على قوله هذا بدليل، وليس هكذا ترد أحاديث الثقات. ذكر وكيع عن عبد العزيز بن حصين عن يحيـى بن يحيـى الغساني قال: أحرق رجل سافي قَرَاح له فخرجت شرارة من نار حتى أحرقت شيئاً لجاره. قال: فكتب فيه إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ابن حصين فكتب إليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : العجماء جبار» تفسير : وأرى أن النار جبار. وقد روي «حديث : والسائمة جبار» تفسير : بدل العجماء فهذا ما ورد في ألفاظ هذا الحديث ولكل معنى لفظ صحيح مذكور في شرح الحديث وكتب الفقه. قوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} قال وهب: كان داود يمر بالجبال مسبّحاً والجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير. وقيل: كان داود إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق؛ ولهذا قال: {وَسَخَّرْنَا} أي جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح. وقيل: إن سيرها معه تسبيحها، والتسبيح مأخوذ من السباحة؛ دليله قوله تعالى: {أية : يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} تفسير : [سبأ: 10]. وقال قتادة: «يُسَبِّحْنَ» يصلين معه إذا صلى، والتسبيح الصلاة. وكل محتمل. وذلك فعل الله تعالى بها؛ ذلك لأن الجبال لا تعقل فتسبيحها دلالة على تنزيه الله تعالى عن صفات العاجزين والمحدثين.
البيضاوي
تفسير : {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ } في الزرع، وقيل في كرم تدلت عناقيده. {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ } رعته ليلاً. {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَـٰهِدِينَ } لحكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما عالمين.
ابن كثير
تفسير : قال أبو إسحاق عن مرة عن ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرماً قد تدلت عناقيده، وكذا قال شريح. وقال ابن عباس: النفش: الرعي. وقال شريح والزهري وقتادة: النفش لا يكون إلا بالليل، زاد قتادة: والهمل بالنهار. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصم، قالا: حدثنا المحاربي عن أشعث عن أبي إسحاق عن مرة عن ابن مسعود في قوله: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ} قال: كرم قد أنبتت عناقيده، فأفسدته، قال: فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: غير هذا يا نبي الله قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم، فيصيب منها حتى إذا كان الكرم كما كان، دفعت الكرم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى صاحبها، فذلك قوله: {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ} وكذا روى العوفي عن ابن عباس. وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد: حدثني خليفة عن ابن عباس قال: قضى داود بالغنم لصاحب الحرث، فخرج الرعاة معهم الكلاب، فقال لهم سليمان: كيف قضى بينكم؟ فأخبروه، فقال: لو وليت أمركم، لقضيت بغير هذا، فأخبر بذلك داود، فدعاه، فقال: كيف تقضي بينهم؟ قال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيكون له أولادها وألبانها وسلاؤها ومنافعها، ويبذر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم، فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه، أخذه أصحاب الحرث، وردوا الغنم إلى أصحابها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا خديج عن أبي إسحاق عن مرة عن مسروق قال: الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، إنما كان كرماً نفشت فيه الغنم، فلم تدع فيه ورقة ولا عنقوداً من عنب إلا أكلته، فأتوا داود، فأعطاهم رقابها، فقال سليمان: لا، بل تؤخذ الغنم، فيعطاها أهل الكرم، فيكون لهم لبنها ونفعها، ويعطى أهل الغنم الكرم، فيعمروه ويصلحوه حتى يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه الغنم، ثم يعطى أهل الغنم غنمهم، وأهل الكرم كرمهم، وهكذا قال شريح ومرة ومجاهد وقتادة وابن زيد وغير واحد. وقال ابن جرير: حدثنا ابن أبي زياد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا إسماعيل عن عامر قال: جاء رجلان إلى شريح، فقال أحدهما: إن شياه هذا قطعت غزلاً لي، فقال شريح: نهاراً أم ليلاً؟ فإن كان نهاراً، فقد برىء صاحب الشياه، وإن كان ليلاً، فقد ضمن، ثم قرأ: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ} الآية، وهذا الذي قاله شريح شبيه بما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث الليث بن سعد عن الزهري، عن حرام بن محيصة: أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطاً، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الحائط حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها، وقد علل هذا الحديث، وقد بسطنا الكلام عليه في كتاب "الأحكام"، وبالله التوفيق. وقوله: {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن حميد: أن إياس بن معاوية لما استقضى، أتاه الحسن فبكى، فقال: ما يبكيك؟ قال: يا أبا سعيد بلغني أن القضاة رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة. فقال الحسن البصري: إن فيما قص الله من نبأ داود وسليمان عليهما السلام والأنبياء حكماً يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم، قال الله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَـٰهِدِينَ} فأثنى الله على سليمان، ولم يذم داود، ثم قال: ــــ يعني: الحسن ــــ: إن الله اتخذ على الحكام ثلاثاً: لا يشتروا به ثمناً قليلاً، ولا يتبعوا فيه الهوى، ولا يخشوا فيه أحداً، ثم تلا: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [ص: 26] وقال: {أية : فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ} تفسير : [المائدة: 44] وقال {أية : وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً} تفسير : [البقرة: 41] قلت: أما الأنبياء عليهم السلام، فكلهم معصومون مؤيدون من الله عز وجل، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء المحققين من السلف والخلف، وأما من سواهم، فقد ثبت في "صحيح البخاري" عن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر» تفسير : فهذا الحديث يرد نصاً ما توهمه إياس من أن القاضي إذا اجتهد فأخطأ، فهو في النار، والله أعلم. وفي السنن: القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، وقاضيان في النار، رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق، وقضى خلافه، فهو في النار، وقريب من هذه القصة المذكورة في القرآن ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا علي بن حفص، أخبرنا ورقاء عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : بينما امرأتان معهما ابنان لهما، إذ جاء الذئب فأخذ أحد الابنين، فتحا كمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا، فدعاهما سليمان، فقال: هاتوا السكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها، لا تشقه، فقضى به للصغرى» تفسير : وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وبوب عليه النسائي في كتاب القضاء: (باب الحاكم يوهم خلاف الحكم ليستعلم الحق). وهكذا القصة التي أوردها الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة سليمان عليه السلام من تاريخه من طريق الحسن بن سفيان عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكر قصة مطولة، ملخصها: أن امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل، راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم، فامتنعت على كل منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها، فشهدوا عليها عند دواد عليه السلام أنها مكنت من نفسها كلباً لها قد عودته ذلك منها، فأمر برجمها، فلما كان عشية ذلك اليوم، جلس سليمان، واجتمع معه ولدان مثله، فانتصب حاكماً، وتزيا أربعة منهم بزي أولئك، وآخر بزي المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلباً، فقال سليمان: فرقوا بينهم، فسأل أولهم: ما كان لون الكلب؟ فقال: أسود، فعزله، واستدعى الآخر، فسأله عن لونه، فقال: أحمر، وقال الآخر: أغبش، وقال الآخر: أبيض، فأمر عند ذلك بقتلهم، فحكي ذلك لداود عليه السلام، فاستدعى من فوره أولئك الأربعة، فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب، فاختلفوا عليه، فأمر بقتلهم. وقوله: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ} الآية، وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا ترنم به، تقف الطير في الهواء فتجاوبه، وترد عليه الجبال تأويباً، ولهذا لما مر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي موسى الأشعري، وهو يتلو القرآن من الليل، وكان له صوت طيب جداً، فوقف واستمع لقراءته، وقال: «حديث : لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود» تفسير : قال: يا رسول الله لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيراً. وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار مثل صوت أبي موسى رضي الله عنه، ومع هذا قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود».تفسير : وقوله: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ} يعني: صنعة الدروع. قال قتادة: إنما كانت الدروع قبله صفائح: وهو أول من سردها حلقاً؛ كما قال تعالى: {أية : وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ أَنِ ٱعْمَلْ سَـٰبِغَـٰتٍ وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ} تفسير : [سبأ: 10 ــــ 11] أي: لا توسع الحلقة فتقلق المسمار، ولا تغلظ المسمار فتقد الحلقة، ولهذا قال: {لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ} يعني: في القتال، {فَهَلْ أَنتُمْ شَـٰكِرُونَ} أي: نعم الله عليكم؛ لما ألهم به عبده داود، فعلمه ذلك من أجلكم. وقوله: {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً} أي: وسخرنا لسليمان الريح العاصفة {تَجْرِى بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} يعني: أرض الشام، {وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَـٰلِمِينَ} وذلك أنه كان له بساط من خشب، يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة والخيل والجمال والخيام والجند، ثم يأمر الريح أن تحمله، فتدخل تحته ثم تحمله وترفعه وتسير به، وتظله الطير تقيه الحر إلى حيث يشاء من الأرض، فينزل وتوضع آلاته وحشمه، قال الله تعالى: {أية : فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ } تفسير : [ص: 36] وقال تعالى: {أية : وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} تفسير : [سبأ: 12]. قال ابن أبي حاتم: ذكر عن سفيان بن عيينة عن أبي سنان عن سعيد بن جبير قال: كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي، فيجلس مما يليه مؤمنو الإنس، ثم يجلس من ورائهم مؤمنو الجن، ثم يأمر الطير فتظلهم، ثم يأمر الريح فتحمله صلى الله عليه وسلم. وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان سليمان يأمر الريح فتجتمع كالطود العظيم كالجبل، ثم يأمر بفراشه فيوضع على أعلى مكان منها، ثم يدعو بفرس من ذوات الأجنحة، فيرتفع حتى يصعد على فراشه، ثم يأمر الريح فترتفع به كل شرف دون السماء، وهو مطأطىء رأسه ما يلتفت يميناً ولا شمالاً؛ تعظيماً لله عز وجل، وشكراً لما يعلم من صغر ما هو فيه في ملك الله عز وجل، حتى تضعه الريح حيث شاء أن تضعه. وقوله: {وَمِنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ} أي: في الماء يستخرجون اللآلىء والجواهر وغير ذلك، {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ} أي: غير ذلك، كما قال تعالى: {أية : وَٱلشَّيَـٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ } تفسير : [ص: 37 ــــ 38]. وقوله: {وَكُنَّا لَهُمْ حَـٰفِظِينَ} أي: يحرسه الله أن يناله أحد من الشياطين بسوء، بل كل في قبضته وتحت قهره، لا يتجاسر أحد منهم على الدنو إليه والقرب منه، بل هو يحكم فيهم، إن شاء أطلق، وإن شاء حبس منهم من يشاء، ولهذا قال: {أية : وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ} تفسير : [ص: 38].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {دَاوُودَ وَسُلَيْمَٰنَ } أي قصتهما، ويبدل منهما {إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ } هو زرع أو كرم {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ } أي رعته ليلاً بلا راع بأن انفلتت {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَٰهِدِينَ } فيه استعمال ضمير الجمع لاثنين. قال داود: لصاحب الحرث رقاب الغنم. وقال سليمان: ينتفع بدَرِّها ونسلها وصوفها إلى أن يعود الحرث كما كان بإصلاح صاحبها فيردّها إليه.
الشوكاني
تفسير : قوله: {*وداود} معطوف على {نوحاً} ومعمول لعامله المذكور، أو المقدّر كما مرّ {وَسُلَيْمَـٰنَ } معطوف على داود، والظرف في {إِذْ يَحْكُمَانِ } متعلق بما عمل في داود، أي واذكرهما وقت حكمهما. والمراد من ذكرهما ذكر خبرهما. ومعنى {فِي ٱلْحَرْثِ }: في شأن الحرث. قيل: كان زرعاً. وقيل: كرماً، واسم الحرث يطلق عليهما {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ } أي: تفرقت وانتشرت فيه {غَنَمُ ٱلْقَوْمِ } قال ابن السكيت: النفش بالتحريك أن تنتشر الغنم بالليل من غير راعِ {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَـٰهِدِينَ } أي لحكم الحاكمين، وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين، وهو مذهب طائفة من أهل العربية كالزمخشري والرضيّ، وتقدّمهما إلى القول به الفراء. وقيل: المراد: الحاكمان والمحكوم عليه. ومعنى {شاهدين}: حاضرين، والجملة اعتراضية. وجملة {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ } معطوفة على {إذ يحكمان} لأنه في حكم الماضي، والضمير في {ففهمناها}، يعود إلى القضية المفهومة من الكلام، أو الحكومة المدلول عليها بذكر الحكم. قال المفسرون: دخل رجلان على داود، وعنده ابنه سليمان، أحدهما: صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا انفلتت غنمه ليلاً فوقعت في حرثي فلم تبق منه شيئاً، فقال: لك رقاب الغنم، فقال سليمان: أو غير ذلك، ينطلق أصحاب الكرم بالغنم فيصيبون من ألبانها ومنافعها ويقوم أصحاب الغنم على الكرم حتى إذا كان كليلة نفشت فيه دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم، ودفع هؤلاء إلى هؤلاء كرمهم، فقال داود: القضاء ما قضيت، وحكم بذلك. قال النحاس: إنما قضى داود بالغنم لصاحب الحرث لأن ثمنها كانا قريباً منه، وأما في حكم سليمان فقد قيل: كانت قيمة ما نال من الغنم، وقيمة ما أفسدت الغنم سواء. قال جماعة من العلماء: إن داود حكم بوحي، وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود، فيكون التفهيم على هذا بطريق الوحي. وقال الجمهور: إن حكمهما كان باجتهاد، وكلام أهل العلم في حكم اجتهاد الأنبياء معروف، وهكذا ما ذكره أهل العلم في اختلاف المجتهدين، وهل كل مجتهد مصيب، أو الحق مع واحد؟ وقد استدل المستدلون بهذه الآية على أن كل مجتهد مصيب، ولا شك أنها تدل على رفع الإثم عن المخطىء، وأما كون كل واحد منهما مصيباً، فلا تدلّ عليه هذه الآية ولا غيرها، بل صرّح الحديث المتفق عليه في الصحيحين وغيرهما أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر، فسماه النبيّ صلى الله عليه وسلم مخطئاً، فكيف يقال إنه مصيب لحكم الله موافق له، فإن حكم الله سبحانه واحد لا يختلف باختلاف المجتهدين، وإلا لزم توقف حكمه عزّ وجلّ على اجتهادات المجتهدين، واللازم باطل فالملزوم مثله. وأيضاً يستلزم أن تكون العين التي اختلف اجتهاد المجتهدين فيها بالحلّ والحرمة حلالاً حراماً في حكم الله سبحانه. وهذا اللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله. وأيضاً يلزم أن حكم الله سبحانه لا يزال يتجدد عند وجود كل مجتهد له اجتهاد في تلك الحادثة، ولا ينقطع ما يريده الله سبحانه فيها إلا بانقطاع المجتهدين واللازم باطل فالملزوم مثله. وقد أوضحنا هذه المسألة بما لا مزيد عليه في المؤلف الذي سميناه «القول المفيد في حكم التقليد» وفي «أدب الطلب ومنتهى الأرب» فمن أحبّ الوقوف على تحقيق الحق فليرجع إليهما. فإن قلت: فما حكم هذه الحادثة التي حكم فيها داود وسليمان في هذه الشريعة المحمدية، والملة الإسلامية؟ قلت: قد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من حديث البراء أنه شرع لأمته أن على أهل الماشية حفظها بالليل، وعلى أصحاب الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها، وهذا الضمان هو مقدار الذاهب عيناً أو قيمة. وقد ذهب جمهور العلماء إلى العمل بما تضمنه هذا الحديث. وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعاً في ليل أو نهار أنه لا يلزم صاحبها شيء، وأدخلوا فسادها في عموم قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : جرح العجماء جبار»تفسير : قياساً لجميع أفعالها على جرحها. ويجاب عنه بأن هذا القياس فاسد الاعتبار، لأنه في مقابلة النص، ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يضمن ربّ الماشية ما أفسدته من غير فرق بين الليل والنهار. ويجاب عنه بحديث البراء. ومما يدل على أن هذين الحكمين من داود وسليمان كانا بوحي من الله سبحانه لا باجتهاد. قوله: {وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } فإن الله سبحانه أخبرنا بأنه أعطى كل واحد منهما هذين الأمرين، وهما إن كانا خاصين فصدقهما على هذه القضية التي حكاها الله سبحانه عنهما مقدّم على صدقهما على غيرها، وإن كانا عامين فهذا الفرد من الحكم والعلم، وهو ما وقع من كل واحد منهما في هذه القضية أحق أفراد ذلك العام بدخوله تحته ودلالته عليه، ومما يستفاد من ذلك دفع ما عسى يوهمه تخصيص سليمان بالتفهيم، من عدم كون حكم داود حكماً شرعياً، أي وكل واحد منهما أعطيناه حكماً وعلماً كثيراً، لا سليمان وحده. ولما مدح داود وسليمان على سبيل الاشتراك، ذكر ما يختص بكل واحد منهما، فبدأ بداود فقال: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدُ ٱلْجِبَالَ يُسَبّحْنَ } التسبيح إما حقيقة أو مجاز، وقد قال بالأوّل جماعة وهو الظاهر. وذلك أن داود كان إذا سبح سبحت الجبال معه. وقيل: إنها كانت تصلي معه إذا صلى، وهو معنى التسبيح. وقال بالمجاز جماعة آخرون وحملوا التسبيح على تسبيح من رآها تعجباً من عظيم خلقها وقدرة خالقها. وقيل: كانت الجبال تسير مع داود، فكان من رآها سائرة معه سبح {وَٱلطَّيْرُ } معطوف على الجبال، وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف، أي والطير مسخرات، ولا يصح العطف على الضمير في {يسبحن} لعدم التأكيد والفصل {وَكُنَّا فَـٰعِلِينَ } يعني ما ذكر من التفهيم، وإيتاء الحكم والتسخير {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ } اللبوس عند العرب: السلاح كله درعاً كان أو جوشناً، أو سيفاً، أو رمحاً. قال الهذلي:شعر : وعندي لبوس في اللباس كأنه تفسير : والمراد في الآية الدروع خاصة، وهو بمعنى الملبوس، كالركوب والحلوب، والجار والمجرور أعني لكم متعلق بعلمنا {لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ } قرأ الحسن وأبو جعفر وابن عامر وحفص وروح {لتحصنكم} بالتاء الفوقية، بإرجاع الضمير إلى الصنعة، أو إلى اللبوس بتأويل الدرع. وقرأ شيبة وأبو بكر والمفضل وابن أبي إسحاق "لنحصنكم" بالنون بإرجاع الضمير إليه سبحانه. وقرأ الباقون بالياء بإرجاع الضمير إلى اللبوس، أو إلى داود، أو إلى الله سبحانه. ومعنى {مّن بَأْسِكُمْ }: من حربكم، أو من وقع السلاح فيكم {فَهَلْ أَنتُمْ شَـٰكِرُونَ } لهذه النعمة التي أنعمنا بها عليكم، والاستفهام في معنى الأمر. ثم ذكر سبحانه ما خص به سليمان. فقال: {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ } أي وسخرنا له الريح {عَاصِفَةً } أي شديدة الهبوب. يقال: عصفت الريح، أي اشتدت، فهي ريح عاصف وعصوف، وانتصاب {الريح} على الحال. وقرأ عبد الرحمٰن الأعرج والسلمي وأبو بكر {ولسليمان الريح} برفع الريح على القطع مما قبله، ويكون مبتدأ وخبره تجري، وأما على قراءة النصب فيكون محل {تَجْرِي بِأَمْرِهِ } النصب أيضاً على الحالية، أو على البدلية {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } وهي أرض الشام كما تقدّم {وَكُنَّا بِكُلّ شَيْء عَـٰلِمِينَ } أي بتدبير كلّ شيء {وَمِنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ } أي وسخرنا من الشياطين {مَن يَغُوصُونَ لَهُ } في البحار ويستخرجون منها ما يطلبه منهم. وقيل: إن "من" مبتدأ وخبره ما قبله، والغوص: النزول تحت الماء، يقال: غاص في الماء، والغوّاص: الذي يغوص في البحر على اللؤلؤ {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ } قال الفراء: أي سوى ذلك، وقيل: يراد بذلك المحاريب والتماثيل وغير ذلك مما يسخرهم فيه {وَكُنَّا لَهُمْ حَـٰفِظِينَ } أي لأعمالهم. وقال الفراء: حافظين لهم من أن يهربوا أو يتمنعوا، أو حفظناهم من أن يخرجوا عن أمره. قال الزجاج: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا، وكان دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوا بالنهار. {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ } معطوف على ما قبله، والعامل فيه: إما المذكور أو المقدّر كما مرّ، والعامل في الظرف وهو {إذ نادى ربه} هو العامل في أيوب {أَنّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ } أي بأني مسني الضرّ. وقرىء بكسر "إني". واختلف في الضرّ الذي نزل به ماذا هو؟ فقيل: إنه قام ليصلي فلم يقدر على النهوض. وقيل: إنه أقرّ بالعجز، فلا يكون ذلك منافياً للصبر. وقيل: انقطع الوحي عنه أربعين يوماً. وقيل: إن دودة سقطت من لحمه، فأخذها وردّها في موضعها فأكلت منه، فصاح: مسني الضرّ؛ وقيل: كان الدود تناول بدنه فيصبر حتى تناولت دودة قلبه. وقيل: إن ضرّه قول إبليس لزوجته: اسجدي لي، فخاف ذهاب إيمانها، وقيل: إنه تقذره قومه. وقيل: أراد بالضرّ الشماتة، وقيل: غير ذلك. ولما نادى ربه متضرّعاً إليه وصفه بغاية الرحمة فقال: {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلراحِمِينَ } فأخبر الله سبحانه باستجابته لدعائه، فقال: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ } أي شفاه الله مما كان به وأعاضه بما ذهب عليه، ولهذا قال سبحانه: {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} قيل: تركهم الله عزّ وجلّ له، وأعطاه مثلهم في الدنيا. قال النحاس: والإسناد بذلك صحيح، وقد كان مات أهله جميعاً إلا امرأته، فأحياهم الله في أقلّ من طرف البصر، وآتاه مثلهم معهم. وقيل: كان ذلك بأن ولد له ضعف الذين أماتهم الله، فيكون معنى الآية على هذا: آتيناه مثل أهله ومثلهم معهم، وانتصاب {رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا } على العلة أي آتيناه ذلك لرحمتنا له {وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ } أي وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر. واختلف في مدّة إقامته على البلاء: فقيل: سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ليال. وقيل: ثلاثين سنة. وقيل: ثماني عشرة سنة. {وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ } أي واذكر هؤلاء، وإدريس هو أخنوخ، وذا الكفل: إلياس. وقيل: يوشع بن نون. وقيل: زكريا. والصحيح أنه رجل من بني إسرائيل كان لا يتورّع عن شيء من المعاصي، فتاب فغفر الله له. وقيل: إن اليسع لما كبر قال: من يتكفل لي بكذا وكذا من خصال الخير حتى أستخلفه؟ فقال رجل: أنا، فاستخلفه وسمي ذا الكفل. وقيل: كان رجلاً يتكفل بشأن كل إنسان إذا وقع في شيء من المهمات، وقيل غير ذلك. وقد ذهب الجمهور إلى أنه ليس بنبيّ. وقال جماعة: هو نبيّ. ثم وصف الله سبحانه هؤلاء بالصبر فقال: {كُلٌّ مّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } أي كل واحد من هؤلاء من الصابرين على القيام بما كلفهم الله به. {وَأَدْخَلْنَـٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَا } أي في الجنة، أو في النبوّة، أو في الخير على عمومه، ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّهُمْ مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي: الكاملين في الصلاح {وَذَا ٱلنُّونِ } أي واذكر ذا النون، وهو يونس بن متى، ولقب ذا النون لابتلاع الحوت له. فإن النون من أسماء الحوت، وقيل: سمي ذا النون لأنه رأى صبياً مليحاً فقال: دسموا نونته، لئلا تصيبه العين. وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي أن نونة الصبيّ هي الثقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير، ومعنى دسموا سوّدوا {إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِباً } أي اذكر ذا النون وقت ذهابه مغاضباً، أي مراغماً. قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير: ذهب مغاضباً لربه، واختاره ابن جرير والقتيبي والمهدوي. وحكى عن ابن مسعود: قال النحاس: وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة، وهو قول صحيح. والمعنى: مغاضباً من أجل ربه، كما تقول غضبت لك، أي من أجلك. وقال الضحاك: ذهب مغاضباً لقومه، وحكي عن ابن عباس. وقالت فرقة منهم الأخفش: إنما خرج مغاضباً للملك الذي كان في وقته واسمه حزقيا وقيل: لم يغاضب ربه ولا قومه ولا الملك، ولكنه مأخوذ من غضب إذا أنف، وذلك أنه لما وعد قومه بالعذاب وخرج عنهم تابوا وكشف الله عنهم العذاب فلما رجع وعلم أنهم لم يهلكوا أنف من ذلك فخرج عنهم، ومن استعمال الغضب في هذا المعنى قول الشاعر:شعر : وأغضب أن تهجى تميم بعامر تفسير : أي آنف {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } قرأ الجمهور {نقدر} بفتح النون وكسر الدال. واختلف في معنى الآية على هذه القراءة. فقيل: معناها: أنه وقع في ظنه أن الله تعالى لا يقدر على معاقبته. وقد حكي هذا القول عن الحسن وسعيد بن جبير، وهو قول مردود، فإن هذا الظنّ بالله كفر؛ ومثل ذلك لا يقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وذهب جمهور العلماء أن معناها: فظنّ أن لن نضيق عليه، كقوله: {أية : يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ } تفسير : [الشورى: 12]، أي يضيق، ومنه قوله: {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } تفسير : [الطلاق: 7]. يقال: وقَدَر وقُدِر وقَتَر وقُتِر، أي ضيق. وقيل: هو من القدر الذي هو القضاء والحكم، أي فظنّ أن لن نقضي عليه العقوبة، قاله قتادة ومجاهد، واختاره الفراء والزجاج، مأخوذ من القدر وهو الحكم دون القدرة والاستطاعة. قال أحمد بن يحيـى ثعلب: هو من التقدير ليس من القدرة، يقال منه: قدّر الله لك الخير يقدره قدراً، وأنشد ثعلب:شعر : فليست عشيات اللوى برواجع لنا أبداً ما أروق السلم النضر ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر مع ذلك الشكر تفسير : أي ما تقدره وتقضي به، ومما يؤيد ما قاله هؤلاء قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري: "فظنّ أن لن نقدّر" بضم النون وتشديد الدال من التقدير. وحكى هذه القراءة الماوردي عن ابن عباس، ويؤيد ذلك أيضاً قراءة عبيد بن عمير وقتادة والأعرج: "أن لن يقدّر" بضم الياء والتشديد مبنياً للمفعول، وقرأ يعقوب وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن: "يقدر" بضم الياء وفتح الدال مخففاً مبنياً للمفعول. وقد اختلف العلماء في تأويل الحديث الصحيح في قول الرجل الذي لم يعمل خيراً قط لأهله أن يحرقوه إذا مات، ثم قال: فوالله لئن قدّر الله عليّ... الحديث كما اختلفوا في تأويل هذه الآية، والكلام في هذا يطول وقد ذكرنا ها هنا ما لا يحتاج معه الناظر إلى غيره. والفاء في قوله: {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ } فصيحة أي كان ما كان من التقام الحوت له، فنادى في الظلمات، والمراد بالظلمات: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، وكان نداؤه: هو قوله: {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي بأن لا إلٰه إلا أنت... إلخ، ومعنى {سبحانك} تنزيهاً لك من أن يعجزك شيء، إني كنت من الظالمين الذين يظلمون أنفسهم، قال الحسن وقتادة: هذا القول من يونس اعتراف بذنبه وتوبة من خطيئته، قال ذلك وهو في بطن الحوت. ثم أخبر الله سبحانه بأنه استجاب له فقال: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ } دعاءه الذي دعانا به في ضمن اعترافه بالذنب على ألطف وجه {وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمّ } بإخراجنا له من بطن الحوت حتى قذفه إلى الساحل {وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم وما أعددناه لهم من الرحمة، وهذا هو معنى الآية الأخرى، وهي قوله: {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ }تفسير : [الصافات: 143، 144]. قرأ الجمهور: "ننجي" بنونين. وقرأ ابن عامر"نُجّي" بنون واحدة وجيم مشدّدة وتسكين الياء على الفعل الماضي وإضمار المصدر، أي وكذلك نُجّي النجاءُ المؤمنين كما تقول: ضُرب زيداً، أي ضُرب الضربُ زيداً، ومنه قول الشاعر:شعر : ولو ولدت قُفَيرة جرو كلب لسبّ بذلك الجرو الكلابا تفسير : هكذا قال في توجيه هذه القراءة الفرّاء وأبو عبيد وثعلب، وخطأها أبو حاتم والزجاج وقالا: هي لحن لأنه نصب اسم ما لم يسمّ فاعله، وإنما يقال: نجي المؤمنون. ولأبي عبيدة قول آخر، وهو أنه أدغم النون في الجيم وبه قال القتيبي. واعترضه النحاس فقال: هذا القول لا يجوز عند أحد من النحويين لبعد مخرج النون من مخرج الجيم فلا تدغم فيها، ثم قال النحاس: لم أسمع في هذا أحسن من شيء سمعته من عليّ بن سليمان الأخفش قال: الأصل: ننجي، فحذف إحدى النونين لاجتماعهما كما يحذف إحدى التاءين لاجتماعهما نحو قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَفَرَّقُواْ } تفسير : [آل عمران: 103]. والأصل: ولا تتفرّقوا. قلت: وكذا الواحدي عن أبي عليّ الفارسي أنه قال: إن النون الثانية تخفى مع الجيم، ولا يجوز تبيينها، فالتبس على السامع الإخفاء بالإدغام، فظن أنه إدغام، ويدلّ على هذا إسكانه الياء من نجي ونصب المؤمنين، ولو كان على ما لم يسم فاعله ما سكن الياء ولوجب أن يرفع المؤمنين. قلت: ولا نسلم قوله: إنه لا يجوز تبيينها فقد بينت في قراءة الجمهور، وقرأ محمد بن السميفع وأبو العالية "وكذٰلك نجى المؤمنين" على البناء للفاعل، أي نجى الله المؤمنين. وقد أخرج ابن جرير عن مرّة في قوله: {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ } قال: كان الحرث نبتاً فنفشت فيه ليلاً فاختصموا فيه إلى داود، فقضى بالغنم لأصحاب الحرث، فمرّوا على سليمان فذكروا ذلك له. فقال: لا، تدفع الغنم فيصيبون منها ويقوم هؤلاء على حرثهم، فإذا كان كما كان ردّوا عليهم فنزلت: {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ } وقد روي هذا عن مرّة عن ابن مسعود. وأخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَـٰنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ } قال: كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته الغنم، فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: غير هذا يا نبيّ الله قال: وما ذاك؟ قال: يدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها، حتى إذا عاد الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها، فذلك قوله: {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ }. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مسروق نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه، ولكنه لم يذكر الكرم. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير وابن المنذر، وابن مردويه عنه نحوه بأطول منه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً {نَفَشَتْ } قال: رعت. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن حرام بن محيصة: أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطاً فأفسدت فيه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها. وقد علل هذا الحديث، وقد بسطنا الكلام عليه في شرح المنتقى. وأخرج ابن مردويه من حديث عائشة نحوه، وزاد في آخره، ثم تلا هذه الآية {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَـٰنَ } الآية. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بينما امرأتان معهما ابنان جاء الذئب فأخذ أحد الابنين، فتحاكما إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا فدعاهما سليمان فقال: هاتوا السكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: رحمك الله، هو ابنها لا تشقه، فقضى به للصغرى»تفسير : وهذا الحديث وإن لم يكن داخلاً فيما حكته الآية من حكمهما لكنه من جملة ما وقع لهما. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة في قوله: {وَسَخَّرْنَا مَعَ * دَاوُودُ *ٱلْجِبَالَ يُسَبّحْنَ وَٱلطَّيْرَ } قال: يصلين مع داود إذا صلى {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ } قال: كانت صفائح، فأوّل من سردها وحلقها داود عليه السلام. وأخرج ابن أبي شيبة، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كان سليمان يوضع له ستمائة ألف كرسي، ثم يجيء أشراف الإنس فيجلسون مما يليه، ثم يجيء أشراف الجنّ فيجلسون مما يلي أشراف الإنس ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح فتحملهم تسير مسيرة شهر في الغداة الواحدة. وأخرج ابن عساكر، والديلمي، وابن النجار عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال الله لأيوب: تدري ما جرمك عليّ حتى ابتليتك؟ قال: لا يا رب، قال: لأنك دخلت على فرعون فداهنت عنده في كلمتين»تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: إنما كان ذنب أيوب أنه استعان به مسكين على ظالم يدرؤه فلم يعنه، ولم يأمر بالمعروف، ولم ينه الظالم عن ظلم المسكين فابتلاه الله، وفي إسناده جويبر. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب أخوان جاءا يوماً فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه، فقاما من بعيد، فقال أحدهما للآخر: لو كان علم الله من أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا، فجزع أيوب من قولهما جزعاً لم يجزع من شيء قط مثله، فقال: اللّهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعان، وأنا أعلم مكان جائع فصدّقني؛ فصدّق من السماء وهما يسمعان، ثم قال: اللّهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصاً قط وأنا أعلم مكان عار فصدّقني، فصدّق من السماء وهما يسمعان ثم خرّ ساجداً وقال: اللّهم بعزتك لا أرفع رأسي حتى تكشف عني، فما رفع رأسه حتى كشف الله عنه. وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر مرفوعاً بنحو هذا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} قال: قيل له: يا أيوب، إن أهلك لك في الجنة، فإن شئت أتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوضناك مثلهم، قال: لا، بل اتركهم لي في الجنة، قال: فتركوا له في الجنة وعوّض مثلهم في الدنيا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن الضحاك قال: بلغ ابن مسعود أن مروان قال في هذه الآية: {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} قال: أوتي أهلاً غير أهله، فقال ابن مسعود: بل أوتي أهله بأعيانهم ومثلهم معهم. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والروياني وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخصّ إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد. قال: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف عنه ما به، فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر له ذلك، فقال أيوب: لا أدري ما يقول غير أن الله يعلم أني أمرّ بالرجلين يتنازعان يذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفّر عنهما كراهة أن يذكر الله إلا في حق، وكان يخرج لحاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } [صۤ: 42] فاستبطأته فتلقته وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبيّ الله المبتلى، والله على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً؟ قال: فإني أنا هو، قال: وكان له أندران: أندر للقمح، وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض. وأفرعت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَذَا ٱلْكِفْلِ } قال: رجل صالح غير نبيّ تكفل لنبيّ قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك، فسمي ذا الكفل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل قاضٍ فحضره الموت، فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب؟ فقال رجل: أنا، فسمي: ذا الكفل، فكان ليله جميعاً يصلي، ثم يصبح صائماً فيقضي بين الناس، وذكر قصة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري قال: ما كان ذو الكفل نبياً، ولكن كان في بني إسرائيل رجل صالح يصلي كلّ يوم مائة صلاة فتوفي، فتكفل له ذو الكفل من بعده، فكان يصلي كل يوم مائة صلاة، فسمي ذا الكفل. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن حبان والطبراني والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان من طريق سعد مولى طلحة عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورّع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال: ما يبكيك: أكرهتك؟ قالت: لا، ولكنه عمل ما عملته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة، فقال: تفعلين أنت هذا وما فعلته، اذهبي فهي لك، وقال: والله لا أعصي الله بعدها أبداً، فمات من ليلته فأصبح مكتوب على بابه: إن الله قد غفر للكفل»تفسير : . وأخرجه الترمذي وحسنه، والحاكم وابن مردويه من طريق سعد مولى طلحة. وأخرجه ابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمر وقال فيه ذو الكفل. وأخرج ابن جرير، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِباً } يقول: غضب على قومه {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } يقول: أن لن نقضي عليه عقوبة ولا بلاء فيما صنع بقومه في غضبه عليهم وفراره، قال: وعقوبته أخذ النون إياه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } قال: ظنّ أن لن يأخذه العذاب الذي أصابه. وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن مسعود: {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ } قال: ظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر. وأخرج أحمد والترمذي والنسائي، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن سعد بن أبي وقاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت: لا إلٰه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له»تفسير : . وأخرج ابن جرير عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى"تفسير : ، قلت: يا رسول الله، هل ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: "حديث : هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا به، ألم تسمع قول الله: {وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ } فهو شرط من الله لمن دعاه»تفسير : . وأخرج الحاكم من حديثه أيضاً نحوه، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى»تفسير : . وروي أيضاً في الصحيح وغيره من حديث ابن مسعود. وروي أيضاً في الصحيحين من حديث أبي هريرة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكَمَانِ فِي الْحَرْثِ} فيه قولان: أحدها: أنه كان زرعاً وقعت فيه الغنم ليلاً، قاله قتادة. الثاني: كان كرماً نبتت عناقيده، قاله ابن مسعود، وشريح. {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} قال قتادة: النفش رعي الليل، والهمل: رعي النهار، قال الشاعر: شعر : متعلقة بأفناء البيوت ناقشاً في عشا التراب تفسير : {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} وفي حكمهما قولان: أحدهما: أنه كان متفقاً لم يختلفا فيه، لأن الله حين أثنى عليهم دل على اتقافهما في الصواب ويحتمل قوله تبارك وتعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا} على أنه فضيلة له على داود لأنه أوتي الحكم في صغره، وأوتي داود الحكم في كبره، وإن اتفقا عليه ولم يختلفا فيه لأن الأنبياء معصومون من الغلط والخطأ لئلا يقع الشك في أمورهم وأحكامهم، وهذا قول شاذ من المتكلمين. والقول الثاني: وهو قول الجمهور من العلماء والمفسرين أن حكمهما كان مختلفاً أصاب فيه سليمان، واخطأ داود، فأما حكم سليمان فإنه قضى لصاحب الحرث، وأما حكم سليمان فإنه رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث لينتفع بدرّها ونسلها، ويدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليأخذ بعمارته، فإذا عاد في السنة ابن مسعود، ومجاهد. فرجع داود إلى قضاء سليمان فحكم به، فقال الله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} فجعل الحق معه وفي حكمه، ولا يمتنع وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم. لكن لا يقرون عليه وإن أقر عليه غيرهم، ليعود الله بالحقائق لهم دون خلقه، ولذلك تسمى بالحق وتميز به عن الخلق. واختلف القائلون بهذا في حمله على العموم في جميع الأنبياء على قولين: أحدهما: أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم مخصوص منهم بجواز الخطأ عليهم دونه قاله أبو علي بن أبي هريرة رضي الله عنه، وفرق بينه وبين غيره من جميع الأنبياء، لأنه خاتم الأنبياء فلم يكن بعده من يستدرك غلطه، ولذلك عصمه الله منه، وقد بعث بعد غيره من الأنبياء مَنْ يستدرك غلطه. والقول الثاني: أنه على العموم في جميع الأنبياء، وأن نبينا وغيره من الأنبياء في تجويز الخطأ على سواء، إلا أنهم لا يقرون على إمضائه، فلم يعتبر فيه استدراك مَنْ بعدهم من الأنبياء، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سألته امرأة عن العدة، فقال لها: "حديث : اعْتَدِّي حَيْثُ شِئْتِ" تفسير : ثم قال: "حديث : يَا سُبْحَانَ اللَّهِ، امْكُثِي فِي بَيتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ" تفسير : وقال رجل: أرأيتَ إن قُتِلـتُ صابراً محتسباً أيحجزني عن الجنة شيء؟ فقال: (لاَ)، ثم دعاه فقال: "حديث : إِلاَّ الدَّينُ كَمَا أَخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ". تفسير : ولا يوجد منه إلاّ ما جاز عليه. ثم قال تعال: {وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة قد هلكوا، ولكنه أثنى على سليمان على صوابه وعذر داود باجتهاده. فإن قيل: فكيف نقض داود حكمه باجتهاد سليمان؟ فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: يجوز أن يكون داود ذكر حكمه على الإِطلاق وكان ذلك منه على طريق الفتيا فذكره لهم ليلزمهم إياه، فلما ظهر له ما هو أقوى في الاجتهاد منه عاد إليه. الثاني: أنه يجوز أن يكون الله أوحى بهذا الحكم إلى سليمان فلزمه ذلك، ولأجل النص الوارد بالوحي رأى أن ينقض اجتهاده، لأن على الحاكم أن ينقض حكمه بالاجتهاد إذا خالف نصاً. على أن العلماء قد اختلفوا في الأنبياء، هل يجوز لهم الاجتهاد في الأحكام؟ فقالت طائفة يجوز لهم الاجتهاد لأمرين: أحدهما: أن الاجتهاد في الاجتهاد فضيلة، فلم يجز أن يحرمها الأنبياء. الثاني: أن الاجتهاد أقوى فكان أحبها، وهم [في] التزام الحكم به أولى، وهذا قول من جوز من الأنبياء وجود الغلط. وقال الآخرون: لا يجوز للأنبياء أن يجتهدوا في الأحكام، لأن الاجتهاد إنما يلجأ إليه الحاكم لعدم النص، والأنبياء لا يعدمون النص لنزول الوحي عليهم،فلم يكن لهم الإجتهاد وهذا قول من قال بعصمة الأنبياء من الغلط والخطأ فأما ما استقر عليه شرعنا فيما أفسدته البهائم من الزرع فقد روى سعيد بن المسيب أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطاً وأفسدته، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم على أهل المواشي بحفظ مواشيهم ليلاً، وعلى أهل الحوائط بحفظ حوائطهم نهاراً،فصار ما أفسدته البهائم بالليل مضموناً، وما أفسدته نهاراً غير مضمون لأن حفظها شاق على أربابها، ولا يشق عليهم حفظها نهاراً، فصار الحفظ في الليل واجباً على أرباب المواشي فضمنوا ما أفسدته مواشيهم، والحفظ في النهار واجباً على أرباب الزروع، فلم يحكم لهم - مع تقصيرهم - بضمان زرعهم، وهذا من أصح قضاء وأعدل حكم، رفقاً بالفريقين، وتسهيلاً على الطائفتين، فليس ينافي هذا ما حكم داود [به] وسليمان عليهما السلام من أصل الضمان، لأنهما حكما به في رعي الليل، وإنما يخالف من صفته، فإن الزرع في شرعنا مضمون لأنهما حكما بنقصانه من زائد وناقص، ولا تعرض للبهائم المفسدة إذا وصل الضمان إلى المستحق. ثم قال تعالى: {وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أتى كل واحد منهما من الحكم والعلم مثل ما آتى الآخر وفي المراد بالحكم والعلم وجهان محتملان: أحدهما: أن الحكم القضاء، والعلم الفتيا. الثاني: أن الحكم الاجتهاد، والعلم النص. قوله عز وجل: {وَسَخَّرْنَا مََعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ} يحتمل وجهين: أحدهما: ذللنا. الثاني: ألهمنا. {يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} وفي تسبيحها ثلاثة أوجه: أحدها: أن سيرها معه هو تسبيحها، قاله ابن عيسى، والتسبيح مأخوذ من السباحة. الثاني: أنها صلواتها معه، قاله قتادة. الثالث: أنه تسبيح مسموع كان يفهمه، وهذا قول يحيى بن سلام. قوله عز وجل: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ...} فيه وجهان: أحدهما: اللبوس الدرع الملبوس، قاله قتادة. الثاني: أن جيمع السلاح لبوس عند العرب. {لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأسِكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: من سلاحكم، قاله ابن عباس. الثاني: حرب أعدائكم، قاله الضحاك. قوله عز وجل: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً} معناه وسخرنا لسليمان الريح، والعصوف شدة حركتها والعصف التبن، فسمي به شدة الريح لأنها تعصفه لشدة تكسيرها له. {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} هي أرض الشام، وفي بركتها ثلاثة أقاويل: أحدها: بمن بعث فيها من الأنبياء. الثاني: أن مياه أنهار الأرض تجري منها. الثالث: بما أودعها الله من الخيرات، قاله قتادة: ما نقص من الأرض زيد في أرض الشام، وما نقص من الشام زيد في فلسطين، وكان يقال هي أرض المحشر والمنشر. وكانت الريح تجري بسليمان وأصحابه إلى حيث شاء. قال مقاتل: وسليمان أول من استخرج اللؤلؤ بغوص الشياطين.
ابن عطية
تفسير : المعنى "واذكر داود وسليمان" هكذا قدره جماعة من المفسرين. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل عندي ويقوى أن يكون المعنى وآتينا داود عطفاً على قوله تعالى: {أية : ولوطاً آتيناه حكماً وعلماً} تفسير : [الأنبياء: 74] والمعنى على هذا التأويل متسق، {وسليمان} هو ابن داود {وداود} من بني إسرائيل وكان ملكاً عدلاً نبياً يحكم بين الناس فوقعت بين يديه هذه النازلة، وكان ابنه إذ ذاك قد كبر وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم وكانوا يدخلون إلى داود على باب آخر فتخاصم إلى داود عليه السلام رجل له زرع وقيل كرم ع و {الحرث} يقال فيهما وهو في الرزع أبعد عن الاستعارة، دخلت حرثه غنم رجل آخر فأفسدت عليه، فرأى داود عليه السلام أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فقالت فرقة على أن يبقى كرمه بيده، وقالت فرقة بل دفع الغنم إلى صاحب الحرث، والحرث إلى صاحب الغنم ع فيشبه على هذا القول الواحد أنه رأى الغنم تقاوم الغلة التي أفسدت، وعلى القول الثاني رآها تقاوم الحرث وغلته ع ولا يظن بداود عليه السلام إلا أن حكمه بنظر متوجه فلما خرج الخصمان على سليمان عليه السلام تشكى له صاحب الغنم فجاء سليمان إلى داود فقال يا نبي الله إنك حكمت بكذا وإني رأيت ما هو أوفق بالجميع، قال وما هو، قال أن يأخذ صاحب الغنم الحرث يقوم عليه ويصلحه حتى يعود كما كان ويأخذ صاحب الحرث الغنم في تلك المدة ينتفع بمرافقها من لبن وصوف ونسل وغير ذلك فإذا كمل الحرث وعاد إلى حاله صرف كل واحد مال صاحبه فرجعت الغنم إلى ربها، والحرث إلى ربه، فقال داود: وفقت يا بني وقضى بينهما بذلك. ع ولا شك أن سليمان رأى أن ما يتحمله صاحب الغنم من فقد مرافق غنمه تلك المدة ومن مؤونة إصلاح الحرث يوازي ما فسد في الحرث وفضل حكمه حكم أبيه في أنه أحرز أن يبقى ملك كل واحد منهما على متاعه وتبقى نفسه بذلك طيبة ع وذهبت فرقة إلى أن هذه النازلة لم يكن الحكم فيها باجتهاد وإنما حكم داود بوحي وحكم سليمان بوحي نسخ الله تعالى به حكم داود وجعلت فرقة ومنها ابن فورك، قوله تعالى: {ففهمناها سليمان} أي فهمناه القضاء الفاصل الناسخ الذي أراد الله تعالى أن يستقر في النازلة ع وتحتاج هذه الفرقة في هذا اللفظة إلى هذا التعب ويبقى لها المعنى بعد قلقاً، وقال جمهور الأمة إن حكمهما كان باجتهاد، وأدخل العلماء هذه الآية في كتبهم على مسألة اجتهاد العالمين فينبغي أن نذكر هنا تلخيص مسألة الاجتهاد، اختلف أهل السنة في العالمين فما زاد يفتيان من الفروع والأحكام في المسألة فيختلفان، فقالت فرقة الحق في مسائل الفروع في طرف واحد عند الله تعالى وقد نصب على ذلك أدلة وحمل المجتهدين على البحث عنها والنظر فيها، فمن صادف العين المطلوبة في المسألة فهو المصيب على الإطلاق وله أجران أجر في الأجتهاد وأجر في الإصابة، ومن لم يصادفها فهو مصيب في اجتهاده، مخطئ في أن لم يصب العين فله أجر وهو غير معذور، وهذا هو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه "حديث : إذا اجتهد العالم فأخطأ فله أجر" تفسير : وكذلك أيضاً يدخل في قوله عليه السلام "إذا اجتهد العالم فأخطأ"، العالم يجتهد فيخالف نصاً يمر به كقول سعيد بن المسيب في النكاح إنه العقد في مسألة التحليل للزوج المطلق ونحوه وهذا يجمع بين قوله "إذا اجتهد العالم فأخطأ" وبين قوله "حديث : كل مجتهد مصيب" تفسير : أي أخطأ العين المطلوب وأصاب في اجتهاده، ورأت هذه الفرقة أن العالم المخطئ لا إثم عليه في خطئه وإن كان غير معذور، وقالت فرقة الحق في طرف واحد، ولم ينصب الله تعالى عليه دليلاً، بل وكل الأمر إلى نظر المجتهدين فمن أصابه، أصابه ومن أخطأ فهو معذور ومأجور، ولم يتعبد بإصابة العين بل تعبد بالاجتهاد فقط، وقال جمهور أهل السنة وهو المحظوظ عن مالك وأصحابه الحق في مسائل الفروع في الطرفين وكل مجتهد مصيب والمطلوب إنما هو الأَفضل في ظنه والدليل على هذه المقالة ممن بعدهم قرر بعضهم خلاف بعض ولم ير أحد منهم أن يقع الانحمال على قوله دون مخالف قوله، ومنه رد مالك رحمه الله للمنصور عن حمل الناس على الموطأ إلى كثير من هذا المعنى، وإذا قال عالم في أمر ما حلال فذلك هو الحق فيما يخص بذلك العالم عند الله تعالى وبكل من أخذ بقوله، فأما من قال إن الحق في طرف فرأى مسألة داود وسليمان مطردة على قوله وأن سليمان صادف العين المطلوبة وهي التي فهم، ومن رأى الحق في الطرفين رأى أن سليمان عليه السلام فهم القضية المثلى والتي هي أرجح، لا أن الأُولى خطأ وعلى هذا يحملون قول النبي صلى الله عليه وسلم، "إذا اجتهد العالم فأخطأَ" أي فأخطأ الأفضل ع وكثير ما يكون بين الأقوال في هذه المسائل قليل تباين إلا أن ذلك الشفوف يشرف القول، وكثيراً ما يبين الفضل بين القولين بأدنى نظر ومسائل الفروع تخالف مسائل الأصول في هذا ومسألة المجتهدين في نفسها مسألة أصل، والفرق بين مسائل الفروع ومسائل الأصول أن مسائل الأُصول الكلام فيها إنما هو وجود شيء ما كيف هو كقولنا يرى الله تعالى يوم القيامة، وقالت المعتزلة لا يرى، وكقولنا الله واحد، وقالت النصارى ثلاثة، وهكذا هل للمسائل عين أو ليس لها عين مطلوبة. ومسائل الفروع إنما الكلام فيها على شيء متقرر الوجود كيف حكمه من تحليل أو تحريم ونحو هذا، والأحكام خارجة عن ذات وجوده وإنما هي بمقاييس واستدلالات، وتعتبر مسائل الفروع بأنها كل ما يمكن أن ينسخ بعضه بعضاً ومسائل الأصول ما لو تقرر الوجه الواحد لم يصح أن يطرأ الآخر ناسخاً عليه. قال القاضي أبو محمد: ومسألة الاجتهاد طويلة متشعبة إلا أن هذه النبذة تليق بالآية ويقتضيها حرصنا على الإيجاز، ويتعلق بالآية فصل آخر لا بد من ذكره وهو رجوع الحاكم بعد قضاء من اجتهاد إلى اجتهاد آخر أرجح من الأول، فإن داود عليه السلام، فعل ذلك في هذه المنازلة، واختلف فقهاء المذهب المالكي في القاضي يحكم في قضية ثم يرى بعد ذلك أن غير ما حكم به أصوب فيريد أن ينقض الأَول ويقضي بالثاني، فقال عبدالملك ومطرف في الواضحة ذلك له ما دام في ولايته، فأما إن كانت ولاية أُخرى فليس ذلك له وهو بمنزلة غيره من القضاة، وهذا هو ظاهر قول مالك رحمه الله في المدونة، وقال سحنون في رجوعه من اجتهاد فيه قول إلى غيره مما رآه أصوب ليس ذلك له وقاله ابن عبد الحكم قالا ويستأنف الحكم بما قوي عنده أحرى من ذي قبل، قال سحنون إلا أن يكون نسي الأَقوى عنده أو وهم فحكم بغيره فله نقضه، وأما إن حكم بحكم وهو الأَقوى عنده في ذلك الوقت ثم قوي عنده غيره بعد ذلك فلا سبيل له إِلى نقض الأول، قال سحنون في كتاب ابنه وقال أشهب في كتاب ابن المواز إن كان رجوعه إلى الأصوب في مال فله نقض الأول وإن كان في طلاق أو نكاح أو عتق فليس له نقضه، وقد تقدم القول في {الحرث} روت فرقة أنه كان زرعاً وروت فرقة أنه كان كرماً. و"النفش" تسرب البهائم في الزرع وغيرها بالليل والهمل تسربها في ذلك بالنهار والليل، قال ابن سيده لا يقال الهمل في الغنم وإنما هو في الإبل ومضى الحكم في الإسلام بتضمين أرباب النعم ما أفسدت بالليل لأن على أهلها أن يثقفوها وعلى أهل الزرع وغيرهم حفظها بالنهار هذا هو مقتضى الحديث في ناقة البراء بن عازب وهو مذهب مالك وجمهور الأمة، ووقع في كتاب ابن سحنون أن الحديث إنما جاء في أمثال المدينة التي هي حيطان محدقة، وأَما البلاد التي هي زروع متصلة غير محظرة وبساتين كذلك فيضمن أرباب الغنم ما أفسدت من ليل أو نهار ع كأنه ذهب إلى أن ترك تثقيف الحيوان في مثل هذه البلاد بعيد لأَنها ولا بد تفسد وقال أبو حنيفة في ذلك لا ضمان وأدخله في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم جرح العجماء جبار فقاس جميع أفعالها على جرحها. وقوله تعالى: {وكلاًّ آتينا حكماً وعلماً} تأول قوم منهم أن داود لم يخطىء في هذه النازلة بل فيها أوتي الحكم، والعلم، وقالت فرقة بل لأَنه لم يصب العين المطلوبة في هذه مدحه الله تعالى بأن له {حكماً وعلماً} يرجع إليه في غير هذه النازلة، وقوله {وكنا فاعلين} مبالغة في الخير وتحقيق له، وفي اللفظ معنى، وكان ذلك في حقه وعند مستوجبه منا فكأنه قال {وكنا فاعلين} لأجل استجابة ذلك، وحذف اختصاراً لدلالة ظاهر القول عليه على ما حذف منه. وقوله تعالى: {لحكمهم} يريد {داود سليمان} والخصمين لأن الحكم يضاف إلى جميعهم وأن اختلفت جهات الإضافة. وقرأت فرقة "لحكمهما" واختلف الناس في قوله تعالى: {يسبحن} فذهبت فرقة وهي الأكثر إلى أَنه قول سبحان الله وذهبت فرقة، منها منذر بن سعيد إلى أَنه بمعنى يصلين معه بصلاته.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْحَرْثِ} زرع، أو كرم نبتت عناقيده {نَفَشَتْ} النفش رعي الليل والهمل رعي النهار، قال بعض المتكلمين كان حكمهما صواباً متفقاً إذ لا يجوز الخطأ على الأنبياء فقوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} لأنه أوتي الحكم في صغره وأوتيه داود في كبره، وهذا شاذ، أو أخطأ داود وأصاب سليمان على قول الجمهور فحكم داود لصاحب الحرث الغنم، وحكم سليمان بأن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث لينتفع بدرها ونسلها ويدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليعمره فإذا عاد في القابل رُدت الغنم إلى صاحبها والحرث إلى مالكه فرجع داود إلى حكمه، ويجوز أن يكون ذلك اجتهاداً من سليمان ويكون داود فُتْيا عبّر عنها بالحكم لئلا تكون نقضاً للاجتهاد بالاجتهاد، ويجوز أن يكون حكم سليمان عن وحي فيجب على داود نقض الحكم عملاً بالنص، قلت: ويمكن أن يجوز في شرعهم نقض الاجتهاد بالاجتهاد والخطأ جائز على جميع الأنبياء، أو يُستثنى منهم محمد صلى الله عليه وسلم إذ لا نبي بعده يستدرك غلطه، وهذا مبني على جواز اجتهاد الأنبياء، وشرعنا موافق لشرعهما في ضمان ما أتلفته البهائم ليلاً وإن اختلف الشرعان في صفة الضمان وكيفيته {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ} ذللنا، أو ألهمنا {يُسَبِّحْنَ} يسرن من السبح، أو يصلين، أو يسبحن تسبيحاً كان مسموعاً كان يفهمه.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} الآية. تقدم الكلام على الإعراب. واعلم أَنَّ المقصود ذكر نعم الله على داود وسليمان، فذكر أولاً النعمة المشتركة بينهما ثم ذكر ما يخصّ كل واحد منهما من النعم. أما النعمة المشتركة فهي قصة الحكومة، وهو أن الله زينهما بالعلم والفهم في قوله: {وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} قال أكثر المفسرين: المراد بالحرث الزرع. وقال ابن مسعود وابن عباس: كان الحرث كرماً قد تدلت عناقيده. {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ} أي رعته ليلاً فأفسدته؛ والنَّقْشُ: الرعي بالليل. قاله ابن السكيت، وهو قول جمهور المفسرين. والنَّفْشُ: الانتشار، ومنه {أية : كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ} تفسير : [القارعة: 5] ونفشت الماشية أي: رعت ليلاً بغير راع، عكس الهَمَل وهو رعيها نهاراً بلا راع. وعن الحسن: أنَّ النفش هو الرعي بلا راع ليلاً كان أو نهاراً. قوله: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} في الضمير المضاف إليه "حُكْم" أوجه: أحدها: أنه ضمير جمع يراد به المثنى، وإنما وقع الجمع موقع التثنية مجازاً، أو لأن التثنية جمع وأقل الجمع اثنان، ويدل على أنَّ المراد التثنية قراءة ابن عباس "لِحُكْمِهما" بصيغة التثنية. الثاني: أنَّ المصدر مضاف للحاكِمين والمحكوم له والمحكوم عليه، فهؤلاء جماعة. وهذا يلزم منه إضافة المصدر لفاعله ومفعوله دفعة واحدة، وهو إنما يضاف لأحدهما فقط. وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن الحقيقة إضافة المصدر لفاعله، والمجاز إضافته لمفعوله. الثالث: أنَّ هذا مصدر لا يراد به الدلالة على علاج، بل جيء به للدلالة على أنَّ هذا الحدث وقع وصدر كقولهم: له ذكاء ذكاء الحكماء، وفهم فهم الأذكياء فلا ينحل بحرف مصدري وفعل، وإذا كان كذلك فهو مضاف في المعنى للحاكم والمحكوم له والمحكوم عليه، ويندفع المحذوران المذكوران. قوله: "فَفَهَّمْنَاهَا". قرأ العامة "فَفَهَّمْنَاهَا" بالتضعيف الذي للتعدية، والضمير للمسألة أو للفتيا. وقرأ عكرمة: "فَأَفْهَمْنَاهَا" بالهمزة عداه بالهمزة كما عدّاه العامة بالتضعيف. فصل قال أكثر المفسرين: دخل رجلان على داود - عليه السلام - أحدهما: صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن غنم هذا دخلت في حرثي ليلاً فأفسدته، فلم يبق منه شيئاً، فقال داود: اذهب فإن الغنم لك. فخرجا فمرا على سليمان، فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه، فقال: لو وليت أمرهما لقضيت بغير هذا. وروي أنه قال: غير هذا أرفق بالفريقين فأخبر بذلك داود، فدعاه، فقال: كيف تقضي، وروي أنه قال له: بحق النبوة والأبوة إلاّ أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، فقال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها، ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته يوم أكل دفع إلى أهله، وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود: القضاء ما قضيت. وقال ابن مسعود ومقاتل: إن راعياً نزل ذات ليلة بجنب كرم، فدخلت الأغنام الكرم وهو لا يشعر فأكلت القضبان، وأفسدت الكرم، فذهب صاحب الكرم من الغد إلى داود، فقضى له بالغنم، لأنه لم يكن بين ثمن الكرم وثمن الأغنام تفاوت وذكر باقي القصة. قال ابن عباس: حكم سليمان ذلك وهو ابن إحدى عشرة سنة وأما حكم الإسلام: أنّ ما أفسدت الماشية المرسلة بالنهار من مال الغير فلا ضمان على ربها، وما أفسدت بالليل ضمنه ربها، لأنَّ في عرف الناس أنَّ أصحاب الزروع يحفظونها بالنهار، والمواشي تسرح بالنهار، وترد بالليل إلى المراح. حديث : روى ابن محيصة أنّ ناقة لِلْبرَاء بن عازِب حائطاً فَأَفْسَدَتْ، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أَنَّ على أَهْل الحَوَائِط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضَامِنٌ على أهْلِهَا ". تفسير : وذهب أصحاب الرأي إلى أن المالك إذا لم يكن معها فلا ضمان عليه فيما اتلفت الماشية ليلاً كان أو نهاراً. فصل قال أبو بكر الأصم: إنهما لم يختلفا في الحكم ألبتة، وأنه تعالى بين لهما الحكم على لسان سليمان. والصواب أنهما اختلفا، ويدل على إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - وأيضاً قوله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهمْ شَاهِدِينَ}، ثم قال: "فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ" والفاء للتعقيب، فوجب أن يكون ذلك الحكم سابقاً على هذا الفهم، وذلك الحكم السابق إن اتفقا فيه لم يبق لقوله "فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ" فائدة. وإن اختلفا فيه فهو المطلوب. فصل احتج الجبائي على أنّ الاجتهاد غير جائز من الأنبياء بوجوه: الأول: قوله تعالى: {أية : قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ} تفسير : [يونس: 15] وقوله: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} تفسير : [النجم: 3]. الثاني: أنّ الاجتهاد طريقه الظن وهو قادر على اليقين، فلا يجوز المصير إلى الظن كالمعاين للقبلة لا يجوز الاجتهاد. الثالث: لو جاز له الاجتهاد في الأحكام لكان لا يقف في شيء منها، فلما وقف في مسألة الظهار واللعان إلى ورود الوحي دلّ على أنّ الاجتهاد غير جائز عليه. الرابع: أنّ الاجتهاد إنما يصار إليه عند فقد النص، وفقد النص في حق الرسول كالممتنع فوجب أن لا يجوز الاجتهاد. الخامس: لو جاز الاجتهاد من الرسول أيضاً من جبريل، وحينئذ لا يحصل الأمان بأن هذه الشرائع التي جاء بها أهي من نصوص الله أم من اجتهاد جبريل؟ وأجيب عن الأول: أنّ الآية واردة في إبدال آية بآية، لأنه عقيب قوله: {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ} تفسير : [يونس: 15] ولا مدخل للاجتهاد في ذلك. وأما قوله: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} تفسير : [النجم:3] فمن جوَّز له بالاجتهاد يقول إنّ الذي اجتهد فيه هو عن وحي على الجملة، وإن لم يكن ذلك على التفصيل، وأيضاً فالآية واردة في الأداء عن الله لا في حكمه الذي يكون بالعقل. وعن الثاني: أنَّ الله تعالى إذا قال له إذا غلب على ظنك كون الحكم معللاً في الأصل بكذا، ثم غلب على ظنك قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فاحكم بمثل ذلك الحكم، فههنا الحكم مقطوع به، والظن غير واقع فيه بل في طريقه. وعن الثالث: لعله - عليه السلام - كان ممنوعاً عن الاجتهاد في بعض الأنواع، أو كان مأذوناً له مطلقاً، لكنه لم يظهر له في تلك الصورة وجه الاجتهاد فتوقف. وعن الرابع: لِمَ لا يجوز أن يحبس النص عنه في بعض الصور فحينئذ يحصل شرط جواز الاجتهاد. وعن الخامس: أن هذا الاحتمال مدفوع بإجماع الأمة على خلافه. ثم الذي يدل على جواز الاجتهاد لهم وجوه: الأول: أنه - عليه السلام - إذا غلب على ظنه أنَّ الحكم في الأصل معلّل بمعنى ثم علم أو ظن قيام ذلك المعنى في صورة أخرى، فلا بُدَّ وأن يغلب على ظنه أنَّ حكم الله في هذه الصورة مثل ما في الأصل كقوله - عليه السلام -. "حديث : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ ". تفسير : الثاني: قوله تعالى: {أية : فَاعْتَبِرُوا} تفسير : [الحشر:2] أمر الكل بالاعتبار، فوجب اندراج الرسول - عليه السلام - فيه لأنه إمام المعتبرين وأفضلهم. الثالث: أنَّ الاستنباط أرفع درجات العلماء، فوجب أن يكون للرسول فيه مدخل، وإلا لكان كل واحد من المجتهدين أفضل منه في هذا الباب. فإن قيل: إنما يلزم لو لم يكن درجته أعلى من الاعتبار، وليس الأمر كذلك لأنه كان يستدرك الأحكام وحياً على سبيل اليقين، فكان أرفع درجة من الاجتهاد (قصاراه الظن. فالجواب: لا يمتنع أن لا يجد النص في بعض المواضع، فلو لم يكن من أجل الاجتهاد) لكان أقل درجة من المجتهد الذي يمكنه تعرف ذلك الحكم من الاجتهاد، وأيضاً فقد تقدم أن الله لما أمره بالاجتهاد كان ذلك مفيداً للقطع. الرابع: قوله - عليه السلام - "حديث : العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ"تفسير : فوجب أن يثبت للأنبياء درجة الاجتهاد ليرث العلماء عنهم ذلك. الخامس: قوله تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} تفسير : [التوبة: 43] فذاك الإذْنُ إن كان بإذن الله - تعالى - استحال له "لِمَ أَذِنتَ" وإن كان بهوى النفس فهو جائز. وإن كان بالاجتهاد فهو المطلوب. فصل قال الجبائي: لو جوزنا الاجتهاد من الأنبياء ففي هذه المسألة لا نجوزه لوجوه: أحدها: أن الذي وصل إلى صاحب الزرع من دَر الماشية وصوفها ومنافعها مجهول المقدار، فكيف يجوز الاجتهاد وأخذ المجهول عوضاً عن الآخر. وثانيها: أنَّ اجتهاد داود عليه السلام - إن كان صواباً لزم أن لا ينقض لأنَّ الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وإن كان خطأ وجب أن يبين الله توبته كسائر ما حكاه عن الأنبياء - عليهم السلام -، فلما مدحهما بقوله: {وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} دَلَّ على أنه لم يقع الخطأ من داود عليه السلام. وثالثها: لو حكم بالاجتهاد لكان الحاصل هناك ظناً لا علماً لكن الله تعالى قال: {وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}. ورابعها: كيف يجوز أن يكون عن اجتهاد مع قوله: "فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ". وأجيب عن الأول: بأنَّ الجهالة في القدر لا تمنع من الاجتهاد كالجِعَالاَت، وحكم المصرّاة. وعن الثاني: لعلَّ خطأه كان من باب الصغائر. وعن الثالث: إنّ المتمسك بالقياس فإن الظن واقع في طريق الحكم، فأمَّا الحكم فمقطوع به. وعن الرابع: أنّ المجتهد إذا تأمل واجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم كأن الله - تعالى - فهمه من حيث بين له طريق ذلك. فهذا جملة الكرم في بيان أنه لا يمتنع أن يكون اختلاف داود وسليمان في ذلك الحكم إنما كان بسبب الاجتهاد. وأما بيان أنه لا يمتنع أيضاً أنْ يكون اختلافهما فيه بسبب النص، فوجهه أنْ يقال: إنَّ داود - عليه السلام - كان مأموراً بالحكم من قبل الله - تعالى - ثم إنه تعالى نسخ ذلك بالوحي إلى سليمان خاصة، وأمره أن يعرف داود ذلك فصار ذلك الحكم حكمهما جميعاً. وقوله: "فَفَهَّمْناها سُلَيْمَانَ" أي: أوحينا إليه. فإن قيل: هذا باطل لوجهين: الأول: لما أنزل الله الحكم الأول على داود وجب أن ينزل نسخه أيضاً على داود لا على سليمان. الثاني: أن الله تعالى مدح كل واحد منهما على الفهم، ولو كان ذلك على سبيل النص لم يكن في فهمه كثير مدح. واعلم أنَّ القول الأول أولى، لأنه روي في الأخبار الكثيرة أن داود لم يكن بت الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان أنَّ غير ذلك أولى، وفي بعضها أنّ داود ناشده لكي يورد ما عنده، ولو كان نصاً لكان يظهره ولا يكتمه. ووجه الاجتهاد فيه ما ذكره ابن عباس: أن داود - عليه السلام - قوّم قدر الضرر في الكرم فكان مساوياً لقيمة الغنم وكان عنده أنّ الواجب في ذلك الضرر أن يزال بمثله من النفع، فلا جرم سلم الغنم إلى المجني عليه كما قال أبو حنيفة في العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو يفديه. وأما سليمان فأداه اجتهاده إلى أنه يجب مقابلة الأصول بالأصول والزوائد بالزوائد وأما مقابلته بالزوائد فغير جائز، لأنه يقتضي الحيف، ولعل منافع الغنم في تلك السنة كانت موازنة فحكم به، كما قال الشافعي: فيمن غصب عبداً فأبق من يده أنه يضمن القيمة فينتفع بها المغصوب منه بإيزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد فإذا ظهر ترادّا. فصل إذا ثبت أنّ تلك المخالفة كانت مبنية على الاجتهاد، فهل تدل هذه القصة على أَنَّ المصيب واحد، أو الكل مصيبين؟ فمن قال: إنَّ المصيب واحد استدل بقوله تعالى "فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ" قال: ولو كان الكل مصيبون لم يكن لتخصيص سليمان بهذا التفهيم فائدة. وأما القائلون بأنَّ الكل مصيبون فمنهم من استدل بقوله تعالى {وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}، ولو كان المصيب واحداً ومخالفه مخطئاً لما صح أن يقال: {وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} قال ابن الخطيب: وكلا الاستدلالين ضعيف أما الأول: فلأنّ الله - تعالى - لم يقل إنه فهم الصواب، فيحتمل أنه فهمه الناسخ، ولم يفهم ذلك داود، فكل واحد منهما مصيب فيما حكم به على أن أكثر ما في الآية أنَّها دالة على أنَّ داود وسليمان ما كانا مصيبين، وذلك لا يوجب أن يكون الأمر كذلك في شرعنا. واما الثاني: فلأنه تعالى لم يقل: كلاًّ آتيناه فيما حكم به هنا، بل يجوز أنْ يكون إيتاؤه حكماً وعلماً بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام، على أن لا يلزم من كون كل مجتهد مصيب في شرعهم أنْ يكون الأمر كذلك في شرعنا. قوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} هذه من النعم التي خصَّ بها داود فقوله: "يُسَبِّحْنَ" في موضع نصب على الحال. "والطَّيْرَ" يجوز أن ينتصب نسقاً على "الجِبَالَ"، وأن ينتصب على المفعول معه وقيل: "يسبِّحْنَ" مستأنف فلا محل له. وهو بعيد. وقرىء "وَالطَّيْرُ" رفعاً وفيه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ والخبر محذوف، أي: والطير مسخرات أيضاً. والثاني: أنه نسق على الضمير في "يُسَبِّحْنَ"، ولم يؤكد ولم يفصل، وهو موافق لمذهب الكوفيين. فصل قال ابن عباس: (كان يفهم) تسبيح الحجر والشجر. وقال وهب: كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير. وقال قتادة: "يُسَبِّحْنَ" أي: يصلين معه إذا صلى. وقيل: كان داود إذا فتر سمعه الله تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه. وقال بعض المفسرين: إنه يحتمل أن يكون تسبيح الجبال والطير بمثابة قوله: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 44] وتخصيص داود - عليه السلام - بذلك إنما كان بسبب أنه كان يعرف ذلك ضرورة فيزداد يقيناً وتعظيماً. وقالت المعتزلة: لو حصل الكرم في الجبل لحصل إما بفعله أو بفعل الله فيه، والأول محال، لأن بنية الجبل لا تحتمل الحياة والعلم والقدرة، وما لا يكون حياً قادراً عاقلاً يستحيل منه الفعل. والثاني محال، لأن المتكلم عندهم من كان فاعلاً للكلام لا من كان محلاً للكلام فلو كان فاعل ذلك الكلام هو الله لكان المتكلم هو الله لا الجبال. فثبت أنَّه لا يمكن إجراؤه على ظاهره، فعند هذا قالوا: معنى قوله: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ} قوله: {أية : يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} تفسير : [سبأ: 10] أي: تصرفي معه وسيري بأمره. ومعنى "يُسَبِّحْنَ" من السبح الذي هو السباحة خرج اللفظ فيه على التكثير ولو أفرد لقيل: اسبحي، فلما كثر قيل سبحي معه، أي: سيري وهو كقوله: {أية : إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً} تفسير : [المزمل: 7] أي: تصرفاً ومذهباً، إذا ثبت هذا فنقول: إن سيرها هو التسبيح لدلالته على قدرة الله. واعلم أنّ مدار هذا القول على أن بنية الجبال لا تقبل الحياة، وأن المتكلم من فعل الكلام، وكلاهما ممنوع، وأما "الطّيْر" فلا امتناع أن يصدر عنها الكلام، ولكن أجمعت الأمة على أنّ المكلفين إمَّا الجن والإنس والملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف بل يكن حاله كحال الطفل في أن يُؤْمر ويُنْهَى. وإن لم يكن مكلفاً فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المراهق. وأيضاً فيه دلالة على قدرة الله وعلى تنزيهه عمّا لا يجوز فيكون القول فيه كالقول في الجبال. وقدم الجبال على الطير، لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز، لأنها جماد والطير حيوان. ثم قال: "وَكُنَّا فَاعِلِينَ" أي: قادرين على أنْ نفعل وإنْ كان عجباً عندكم وقيل: نفعل ذلك بالأنبياء - عليهم السلام -. الإنعام الثاني قوله: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ} الجمهور على فتح اللام من "لَبُوسٍ" وهو الشيء المعد للبس قال الشاعر: شعر : 3730- أَلْبَسُ لكُلِّ حَالَةٍ لَبُوسَهَا إِمَّا نَعِيْمَهَا وَإمَّا بُوسَهَا تفسير : والمراد باللبوس هنا الدرع لأنها لا تلبس، وهي في اللغة اسم لكل ما يلبس. ويستعمل في الأسلحة كلها، وهو بمعنى الملبوس كالحلوب والركوب. وقرىء "لُبُوس" بضم اللام، وحينئذ إما أنْ يكون جمع لُبْس المصدر الواقع موقع المفعول، وإما أنْ لا يكون واقعاً موقعه، والأول أقرب. و "لَكُمْ" يجوز أن يتعلق بـ "عَلَّمْنَاه"، وأن يتعلق بـ "صَنْعَةَ" قاله أبو البقاء، وفيه بُعْد. وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لـ "لَبُوس". قال قتادة: أول من صنع الدروع وسردها وحلقها داود وإنما كانت صفائح. قوله: "لِتُحْصِنَكُم". هذه لام كي، وفي متعلقها أوجه: أحدها: أن تتعلق بـ "عَلَّمْنَاهُ"، وهذا ظاهر على القولين الآخرين وأما على القول الثالث فيشكل، وذلك أنه يلزم تعلق جر في جر متحدين لفظاً ومعنى. ويجاب عنه بأن يجعل بدلاً من "لَكُمْ" بإعادة العامل كقوله تعالى: {أية : لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ} تفسير : [الزخرف: 33] وهو بدل اشتمال، وذلك أنَّ أنْ الناصبة للفعل المقدرة مؤولة هي ومنصوبها بمصدر، وذلك المصدر بدل من ضمير المخاطب في "لَكُمْ" بدل اشتمال، والتقدير: وعلمناه صنعة لبوس لتحصنكم. والثاني: أن تتعلق بـ "صَنْعَةَ" على معنى أنه بدل من "لَكُم" كما تقدم تقريره وذلك على رأي أبي البقاء، فإنه علَّق "لَكُمْ" بـ "صَنْعَةَ". والثالث: أنها تتعلق بالاستقرار الذي تعلق به "لَكُمْ" إذا جعلناه صفة لما قبله. وقرأ الحرميان والأخوان وأبو عمرو: "لِيُحْصِنَكُمْ" بالياء من تحت، والفاعل الله تعالى، وفيه التفات على هذا الوجه، إذ تقدمه ضمير المتكلم في قوله "وَعَلَّمْنَاهُ". أو داود، أو التعليم، أو اللبوس. وقرأ حفص وابن عامر بالتاء من فوق، والفاعل الصنعة أو الدرع، وهي مؤنثة، أو اللبوس، لأنها يراد بها ما يلبس، وهو الدرع، والدرع مؤنثة كما تقدم. وقرأ أبو بكر "لِنُحْصِنَكُمْ" بالنون جرياً على "عَلَّمْنَاهُ". وعلى هذه القراءات الثلاث الحاء ساكنة والصاد مخففة. وقرأ الأعمش "لِيحَصِّنكم" وكذا النعيمي عن أبي عمرو بفتح الحاء وتشديد الصاد على التكثير إلاَّ أن الأعمش بالتاء من فوق وأبو عمرو بالياء من تحت وقُدِّمَ ما هو الفاعل. فصل معنى "لِنُحْصِنَكُم" أي: لنحرزكم ونمنعكم من بأسكم أي: حرب عدوكم. وقال السُّديّ: من وقع السلاح فيكم. ذكر الحسن أن لقمان الحكيم - صلوات الله عليه - حضر داود وهو يعمل الدرع، فأراد أن يسأله عمَّا يفعل ثم كف عن السؤال حتى فرغ منها ولبسها على نفسه، فقال عند ذلك: الصمت حكمة وقليل فاعله. ثم قال تعالى: {فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} يقول لداود وأهل بيته وقيل: يقول لأهل مكة، فهل أنتم شاكرون نعمي بطاعة الرسول. قوله تعالى: "وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ" العامة على النصب، أي: وسخرنا لسليمان، فهي منصوبة بعامل مقدر. وقرأ ابن هرمز وأبو بكر عن عاصم في رواية بالرفع على الابتداء، والخبر الجار قبله. وقرأ الحسن وأبو رجاء بالجمع والنصب. وأبو حيوة بالجمع والرفع. وتقدم الكرم على الجمع والإفراد في البقرة، وبعض هؤلاء قرأ في سبأ كذلك كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قوله: "عَاصِفَةً" حال، والعامل فيها على قراءة من نصب "سَخَّرْنَا" المقدر، وفي قراءة من رفع الاستقرار الذي تعلق به الخبر. يقال: عَصَفتِ الرِّيْحُ تَعْصِفُ عَصْفاً وعُصُوفاً، فهي عَاصِفٌ وعَاصِفَةٌ. وأسد تقول: أَعصَفَتْ بالألف تعصف، فهي مُعْصِفٌ وَمُعْصِفَةٌ. والريح تذكر وتؤنث. والعاصفة: الشديدة الهبوب. فإن قيل: قد قال في موضع آخر {أية : تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً} تفسير : [ص: 36] والرخاء: اللين قيل: كانت الريح تحت أمره، إن أراد أن تشتد اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت. فإن قيل: قال في داود: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ}، وقال في حق سليمان "وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ" فذكر في حق داود بكلمة مع وفي حق سليمان باللام وراعى هذا الترتيب أيضاً في قوله {أية : يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} تفسير : [سبأ: 10] وقال: {أية : فَسَخَّرنَا لَهُ ٱلْرّيحَ تَجْري بِأَمْرهِ} تفسير : [ص:36] فما الفائدة في تخصيص داود بلفظ مع، وسليمان باللام؟ فالجواب: يحتمل أنّ الجبل لما اشتغل بالتسبيح حصل له نوع شرف فما أضيف بلام التمليك، وأما الريح فلم يصدر منه إلا ما يجري مجرى الخدمة فلا جرم أضيف إلى سليمان بلام التمليك وهذا جواب إقناعي. قوله: "تَجْرِي" يجوز أن تكون حالاً ثانية، وأن تكون حالاً من الضمير في "عَاصِفَة" فتكون حالين متداخلتين. وزعم بعضهم: أَنَّ {الَّتِي بَارَكْتَا (فِيهَا} صفة للريح، وفي الآية تقديم وتأخير، والتقدير: الريح التي باركنا فيها) إلى الأرض. وهو تعسف. والمراد بقوله: {إلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} بيت المقدس. قال الكلبي: كان سليمان - عليه السلام - وقومه يركبون عليها من إصطخر إلى الشام، وإلى حيث شاء، ثم يعود إلى منزله. ثم قال: {وَكُنَّا بِكُلِ شَيْءٍ عَالِمِينَ} وكنا بكل شيء عملناه عالمين بصحة التدبير فيه، علمنا أنما نعطي سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه. قوله: "مَن يَغُوصُونَ" يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة وعلى كلا التقديرين فموضعها إمَّا نصب نسقاً على الريح، أي: وسخرنا له من يغوصون، أو رفع على الابتداء والخبر في الجار قبله وجمع الضمير حملاً على معنى "مَنْ"، وحسن ذلك تقدم الجمع في قوله "الشَّيَاطِينَ" فلما ترشح جانب المعنى روعي، ونظيره قوله: شعر : 3731- وَإنَّ من النِّسْوَانِ مَنْ هِي روضة تهيج الرياض قبلها وتصوح تفسير : راعى التأنيث لتقدم قوله: وإنَّ من النسوان. و "دُونَ ذَلِكَ" صفة لـ "عَمَلاً". فصل يحتمل أن يكون من يغوصون منهم هو الذي يعمل سائر الأعمال، ويحتمل أنهم فرقة أخرى، ويكون الكل داخلين في لفظة "مَنْ" والأول أقرب. وظاهر الآية أنه سخرهم لكنه قد روي أنه تعالى سخر كفارهم دون المؤمنين وهو الأقرب من وجهين: أحدهما: إطلاق لفظ الشياطين. والثاني: قوله: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} فإنَّ المؤمن إذا سخر في أمر لا يجب أن يحفظ لئلا يفسد، وإنما يجب ذلك في الكافر. ومعنى "يَغُوصُونَ" أي: يدخلون تحت الماء، فيخرجون له من قعر البحر الجواهر {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ} أي: دون الغوص، وهو ما ذكره تعالى في قوله: {أية : يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} تفسير : [سبأ: 13] الآية. {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} حتى لا يخرجوا من أمره. وقيل: وكل بهم جمعاً من الملائكة وجمعاً من المؤمنين الجن. وقال ابن عباس: إنَّ سلطانه مقيم يفعل بهم ما يشاء. وفي كونهم محفوظين ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تعالى كان يحفظهم لئلا يذهبوا. وثانيها: قال الكلبي: كان يحفظهم من أن يهيجوا أحداً في زمانه. وثالثها: قال الزجاج: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا، وكان دأبهم أن يعملوا بالنهار ثم يفسدونه بالليل. روي أن سليمان كان إذا بعث شيطاناً مع إنسان ليعمل له عملاً قال له: إذا فرغ من عمله قبل الليل اشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل وكان من عادة الشياطين أنهم إذا فرغوا من العمل ولم يشتغلوا بعمل آخر خربوا ما عملوه وأفسدوه. فصل سأل الجبائي نفسه، وقال: كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال وأجسامهم دقيقة لا يقدرون على عمل الثقيل، وإنما يمكنهم الوسوسة؟ وأجاب بأنه - سبحانه - كثف أجسامهم خاصة وقواهم وزاد في عظمهم ليكون ذلك معجزة لسليمان، فلما مات سليمان - عليه السلام - ردهم إلى الخلقة الأولى، لأنه لو بقاهم على الخلقة الثانية لصار شبهة على الناس ولو ادعى مثبت النبوة وجعله دلالة، لكان كمعجزات الرسل، فلذلك ردهم إلى خلقهم الأول. قال ابن الخطيب: وهذا الكلام ساقط من وجوه: أحدها: لم قلتم إنّ الجن من الأجسام، ولم يجوز وجود محدث ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز، ويكون الجن منهم؟ فإن قلت: لو كان الأمر كذلك لكان مثلاً للباري تعالى. قلت: هذا ضعيف لأنَّ الاشتراك في اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك في اللزومات، فكيف اللوازم السلبية. سلمنا أنه جسم لكن لم يجوز حصول القدرة على هذه الأعمال الشاقة في الجسم اللطيف، وكلامه بناء على أن البنية شرط وليس في يده إلا الاستقراء الضعيف سلمنا أنه لا بُدّ من تكثيف أجسامهم، لكن لم قلت: بأنه لا بُدّ من ردها إلى الخلقة الأولى بعد موت سليمان. وقوله: بأنه يفضي إلى التلبيس، قلنا: التلبيس غير لازم، لأن النبي إذا جعل ذلك معجزة لنفسه فللمدعوّ أن يقول: لم لا يجوز أن يقال: إن قوة أجسامهم كانت معجزة لنبي آخر. ومع قيام هذا الاحتمال لا يتمكن المتنبي من الاستدلال به. واعلم أن أجسام هذا العالم إما كثيفة أو لطيفة. أما الكثيف فأكثف الأجسام الحجارة والحديد، وقد جعلهما الله تعالى معجزة لداود - عليه السلام - قوة النار مع كون الإصبع في نهاية اللطافة، فأي بعد أنْ يجعل التراب اليابس جسماً حيوانياً. وألطف الأشياء في هذا العالم الهواء والنار، وقد جعلها الله - تعالى - معجزة لسليمان - عليه السلام، أما الهواء فقوله: {أية : فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ} تفسير : [ص: 36]. وأما النار فلأنَّ الشياطين مخلوقون من النار، وقد سخرهم الله - تعالى - له، ثم كان يأمرهم بالغوص في المياه، والنار تطفأ بالماء، ولم تكن تضرهم وذلك يدل على قدرته على إظهار الضد من الضد.
السيوطي
تفسير : أخرج الحاكم عن وهب قال: داود بن إيشا بن عويد بن عابر من ولد يهوذا بن يعقوب، وكان قصيراً أزرق قليل الشعر طاهر القلب. وأخرج ابن جرير عن مرة رضي الله عنه في قوله: {إذ يحكمان في الحرث} قال: كان الحرث نبتاً، فنفشت فيه ليلاً فاختصموا فيه إلى داود فقضى بالغنم لأصحاب الحرث، فمروا على سليمان فذكروا ذلك له فقال: لا تدفع الغنم. فيصيبون منها ويقوم هؤلاء على حرثهم، فإذا عاد كما كان ردوا عليهم فنزلت {ففهمناها سليمان}. وأخرج ابن جرير وابن مردويه والحاكم و البيهقي في سننه، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم} قال: كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته الغنم، فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: أغير هذا يا نبي الله؟ قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها، حتى إذا عاد الكرم كما كان دفعت الكرم لصاحبه ودفعت الغنم إلى صاحبها. فذلك قوله: {ففهمناها سليمان}. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مسروق قال: الحرث الذي {نفشت فيه غنم القوم} إنما كان كرماً نفشت فيه غنم القوم فلم تدع فيه ورقة ولا عنقوداً من عنب إلا أكلته، فأتوا داود فأعطاهم رقابها، فقال سليمان: إن صاحب الكرم قد بقي له أصل كرمه وأصل أرضه، بل تؤخذ الغنم فيعطاها أهل الكرم فيكون لهم لبنها وصوفها ونفعها، ويعطى أهل الغنم الكرم فيعمرونه ويصلحونه حتى يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه الغنم، ثم يعطى أهل الغنم غنمهم وأهل الكرم كرمهم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وداود وسليمان} إلى قوله: {وكنا لحكمهم شاهدين} يقول: كنا لما حكما شاهدين، وذلك أن رجلين دخلا على داود: أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا أرسل غنمه في حرثي فلم تبق من حرثي شيئاً. فقال له داود: اذهب فإن الغنم كلها لك. فقضى بذلك داود، ومر صاحب الغنم بسليمان فأخبره بالذي قضى به داود، فدخل سليمان على داود فقال: يا نبي الله، إن القضاء سوى الذي قضيت. فقال: كيف؟ قال سليمان: إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه في كل عام، فله من صاحب الغنم أن ينتفع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث، فإن الغنم لها نسل كل عام. فقال داود: قد أصبت، القضاء كما قضيت. ففهمها الله سليمان. وأخرج ابن جرير وعبد الرزاق عن مجاهد في الآية قال: أعطاهم داود رقاب الغنم بالحرث، وحكم سليمان بجزة الغنم وألبانها لأهل الحرث، وعليهم رعاؤها ويحرث لهم أهل الغنم حتى يكون الحرث كهيئته يوم أكل، ثم يدفعونه إلى أهله ويأخذون غنمهم. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: النفش بالليل والهمل بالنهار. ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في زرع ليلاً فرفع ذلك إلى داود، فقضى بالغنم لأصحاب الزرع فقال سليمان: ليس كذلك، ولكن له نسلها ورسلها وعوارضها وجزازها، حتى إذا كان من العام المقبل كهيئته يوم أكل، دفعت الغنم إلى أربابها وقبض صاحب الزرع زرعه. قال الله: {ففهمناها سليمان}. وأخرج ابن جرير عن قتادة والزهري في الآية قال: نفشت غنم في حرث قوم فقضى داود أن يأخذوا الغنم ففهمها الله سليمان، فلما أخبر بقضاء داود قال: لا، ولكن خذوا الغنم ولكم ما خرج من رسلها وأولادها وأصوافها إلى الحول. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت امرأة عابدة من بني إسرائيل، وكانت تبتلت وكان لها جاريتان جميلتان، وقد تبتلت المرأة لا تريد الرجال، فقالت إحدى الجاريتين للأخرى: قد طال علينا هذا البلاء، أما هذه فلا تريد الرجال ولا نزال بشر ما كنا لها، فلو أنا فضحناها فرجمت فصرنا إلى الرجال. فأتيا ماء البيض فأتياها وهي ساجدة، فكشفتا عن ثوبها ونضحتا في دبرها ماء البيض، وصرختا: إنها قد بغت. وكان من زنى فيهم حدّه الرجم، فرفعت إلى داود وماء البيض في ثيابها فأراد رجمها، فقال سليمان: ائتوا بنار، فإنه إن كان ماء الرجال تفرق؛ وإن كان ماء البيض اجتمع. فأتي بنار فوضعها عليه فاجتمع فدرأ عنها الرجم، فعطف داود على سليمان فأحبه. ثم كان بعد ذلك أصحاب الحرث وأصحاب الشياه، فقضى داود عليه السلام بالغنم لأصحاب الحرث فخرجوا وأخرجت الرعاة معهم الكلاب فقال سليمان: كيف قضى بينكم؟ فأخبروه فقال: لو وليت أمرهم لقضيت بغير هذا القضاء. فقيل لداود عليه السلام: إن سليمان يقول كذا وكذا. فدعاه فقال: كيف تقضي بينهم؟ فقال: أدفع الغنم إلى أصحاب الحرث هذا العام فيكون لهم أولادها وسلالها وألبانها ومنافعها، ويذر أصحاب الحرث الحرث هذا العام، فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه أخذ هؤلاء الحرث ودفعوا إلى هؤلاء الغنم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {نفشت} قال: رعت. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: {نفشت} قال: النفش، الرعي بالليل. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول لبيد: شعر : بدلن بعد النفش الوجيفا وبعد طول الحزن الصريفا تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي شيبة وأحمد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن حرام بن محيصة، حديث : أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطاً فأفسدت فيه، فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وإن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها حديث : أن ناقة البراء بن عازب رضي الله عنه دخلت حائطاً لقوم فأفسدت عليهم، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: على أهل الحائط حفظ حائطهم بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظ مواشيهم بالليل، ثم تلا هذه الآية {وداود وسليمان} الآية. ثم قال: نفشت ليلاً ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه، أنه قرأ "فافهمناها سليمان". وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه قال: كان الحكم بما قضى به سليمان، ولم يعب داود في حكمه. وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أهون أهل النار عذاباً، رجل يطأ جمرة يغلي منها دماغه. فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: وما جرمه يا رسول الله؟ قال: كانت له ماشية يغشى بها الزرع ويؤذيه، وحرم الله الرزع وما حوله غلوة سهم، فاحذروا أن لا ستحب الرجل ما له في الدنيا ويهلك نفسه في الآخرة ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بينما امرأتان معهما ابنان لهما، جاء الذئب فأخذ أحد الابنين، فتحاكما إلى داود فقضى له للكبرى فخرجتا فدعاهما سليمان فقال: هاتوا السكين أشقه بينهما. فقالت الصغرى: يرحمك الله، هو ابنها لا تشقه. فقضى به للصغرى ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن امرأة حسناء من بني إسرائيل راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم فامتنعت على كل واحد منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها، فشهدوا عليها عند داود أنها مكنت من نفسها كلباً لها قد عوّدته ذلك منها، فأمر برجمها. فلما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان واجتمع معه ولدان مثله فانتصب حاكماً، وتزيا أربعة منهم بزي أولئك وآخر بزي المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلباً. فقال سليمان: فرقوا بينهم. فسأل أولهم: ما كان لون الكلب؟ فقال: أسود. فعزله واستدعى الآخر فسأله عن لونه فقال: أحمر، وقال الآخر أغبش، وقال الآخر أبيض. فأمر عند ذلك بقتلهم، فحكي ذلك لداود فاستدعى من فوره أولئك الأربعة فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب فاختلفوا فيه فأمر بقتلهم. وأخرج أحمد في الزهد عن ابن أبي نجيح قال: قال سليمان عليه السلام: أوتينا ما أوتي الناس ولم يؤتوا، وعلمنا ما علم الناس ولم يعلموا. فلم يجد شيئاً أفضل من ثلاث كلمات: الحلم في الغضب، والرضا والقصد في الفقر، والغنى وخشية الله في السر والعلانية. وأخرج أحمد عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان عليه السلام لابنه: يا بني، إياك وغضب الملك الظلوم فإن غضبه كغضب ملك الموت. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن خيثمة قال: قال سليمان عليه السلام: جربنا العيش لينه وشديده فوجدناه يكفي منه أدناه. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان لابنه: يا بني، لا تكثر الغيرة على أهلك فترمى بالسوء من أجلك وإن كانت بريئة. يا بني، إن من الحياء صمتاً ومنه وقاراً يا بني، إن أحببت أن تغيظ عدوك فلا ترفع العصا عن ابنك. يا بني، كما يدخل الوتد بين الحجرين وكما تدخل الحية بين الحجرين، كذلك تدخل الخطيئة بين البيعين. وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال: بلغنا أن سليمان قال لابنه: امش وراء الأسد ولا تمش وراء امرأة. وأخرج أحمد عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان لابنه: يا بني، إن من سوء العيش نقلاً من بيت إلى بيت. وقال لابنه: عليك بخشية الله فإنها غلبت كل شيء. وأخرج أحمد عن بكر بن عبدالله، أن داود عليه السلام قال لابنه سليمان: أي شيء أبرد، وأي شيء أحلى، وأي شيء أقرب، وأي شيء أبعد، وأي شيء أقل، وأي شيء أكثر، وأي شيء آنس، وأي شيء أوحش؟؟ قال: أحلى شيء روح الله من عباده، وأبرد شيء عفو الله عن عباده، وعفو العباد بعضهم عن بعض. وآنس شيء الروح تكون في الجسد، وأوحش شيء الجسد تنزع منه الروح، وأقل شيء اليقين، وأكثر شيء الشك، وأقرب شيء الآخرة من الدنيا، وأبعد شيء الدنيا من الآخرة. وأخرج أحمد عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان لابنه: لا تقطعن أمراً حتى تؤامر مرشداً، فإذا فعلت ذلك فلا تحزن عليه. وقال: يا بني، ما أقبح الخطيئة مع المسكنة! وأقبح الضلالة بعد الهدى! وأقبح من ذلك رجل كان عابداً فترك عبادة ربه. وأخرج أحمد عن قتادة قال: قال سليمان عليه السلام: عجباً للتاجر: كيف يخلص يحلف بالنهار وينام بالليل؟؟ وأخرج أحمد عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان لابنه: يا بني، إياك والنميمة فإنها كحد السيف. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق حماد بن سلمة، عن حميد الطويل: أن إياس بن معاوية لما استقضى، آتاه الحسن فرآه حزيناً فبكى إياس فقال: ما يبكيك؟! فقال: يا أبا سعيد، بلغني أن القضاة ثلاثة: رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة. فقال الحسن: إن فيما قص الله من نبأ داود ما يرد ذلك. ثم قرأ {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث} حتى بلغ {وكلاً آتينا حكماً وعلماً} فأثنى على سليمان ولم يذم داود. ثم قال: أخذ الله على الحكام ثلاثة: أن لا يشتروا بآياته ثمناً قليلاً، ولا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس. ثم تلا هذه الآية {أية : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} تفسير : [ص: 26] الآية وقال {أية : فلا تخشوا الناس واخشون} تفسير : [المائدة: 44] وقال {أية : ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} تفسير : [المائدة: 44]. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن قتادة في قوله: {وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير} قال: يصلين مع داود إذا صلى {وعلمناه صنعة لبوس لكم} قال: كانت صفائح، فأول من مدها وحلقها داود عليه السلام. وأخرج عن السدي في قوله: {وعلمناه صنعة لبوس لكم} قال: هي دروع الحديد {لتحصنكم من بأسكم} قال: من رتع السلاح فيكم. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم، أنه قرأ "لنحصنكم" بالنون. وأخرج الفريابي عن سليمان بن حيان قال: كان داود إذا وجد فترة، أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان عمر آدم ألف سنة، وكان عمر داود ستين سنة. فقال آدم: أي رب، زده من عمري أربعين سنة. فأكمل لآدم ألف سنة وأكمل لداود مائة سنة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي الدنيا في ذكر الموت والحاكم وصححه، عن ابن عباس قال: مات داود عليه السلام يوم السبت فجأة، فعكفت الطير عليه تظله. وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كان سليمان عليه السلام يوضع له ستمائة ألف كرسي، ثم يجيء أشراف الناس فيجلسون مما يليه، ثم يجيء أشراف الجن فيجلسون مما يلي أشراف الإنس، ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح فتحملهم فيسير مسيرة شهر في الغداة الواحدة. وأخرج الحاكم عن محمد بن كعب قال: بلغنا أن سليمان عليه السلام كان عسكره مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس وخمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للوحش وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلثمائة حرة وسبعمائة سرية، فأمر الريح العاصف فرفعته فأمر الريح فسارت به، فأوحى الله إليه "أني أزيد في ملكك أن لا يتكلم أحد بشيء إلا جاءت الريح فأخبرتك". وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن عبيد بن عمير قال: كان سليمان يأمر الريح فتجتمع كالطود العظيم، ثم يأمر بفراشه فيوضع على أعلى مكان منها، ثم يدعو بفرس من ذوات الأجنحة فترتفع حتى تصعد على فراشه، ثم يأمر الريح فترتفع به كل شرف دون السماء، فهو يطأطئ رأسه ما يلتفت يميناً ولا شمالاً تعظيماً لله وشكراً لما يعلم من صغر ما هو فيه في ملك الله، يضعه الريح حيث يشاء أن يضعه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: كان لسليمان مركب من خشب وكان فيه ألف ركن، في كل ركن ألف بيت يركب معه فيه الجن والإنس، تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك المركب، فإذا ارتفع جاءت الريح الرخاء فسارت به وساروا معه فلا يدري القوم إلا قد أظلهم من الجيوش والجنود. وأخرج ابن عساكر عن السدي في قوله: {ولسليمان الريح عاصفة} قال: الريح الشديدة {تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها} قال: أرض الشام. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {ولسليمان الريح} الآية. قال: ورث الله لسليمان داود فورثه نبوته وملكه، وزاده على ذلك أنه سخر له الرياح والشياطين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه قرأ {ولسليمان الريح} يقول: سخرنا له الريح. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {ومن الشياطين من يغوصون له} قال: يغوصون في الماء. وأخرج الطبراني والديلمي عن ابن مسعود قال: "ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رقية الحية فقال: اعرضها علي. فعرضها عليه بسم الله شجنية قرنية ملحة بحر قفطا. فقال: هذه مواثيق أخذها سليمان على الهوام ولا أرى بها بأساً". وأخرج الحاكم عن الشعبي قال: أرخ بنو إسحاق من مبعث موسى إلى ملك سليمان.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}. أشركهم في حكم النبوة وإن كان بين درجتيهما تفاوت.. ففي مسألة واحدة أثبت لسليمان - عليه السلام - بها خصوصية؛ إذ مَنَّ عليه بقوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} ولم يَمُنْ عليه بشيءٍ من المُلْكِ الذي أعطاه بمثل ما منَّ عليه بذلك، وفي هذه المسألة دلالة على تصويب المجتهدين - وإن اختلفوا - إذا كان اختلافُهم في فروع الدِّين، حيث قال: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} ولمن قال بتصويب أحدهما وتخطئه الآخر فله تعلُّقٌ بقوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}. قوله جلّ ذكره: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ}. أمَرَ الجبالَ وسخَّرها لتساعدَ داودَ - عليه السلام - في التسبيح، ففي الأثر، كان داود - عليه السلام - يمرُّ وصُفَاحُ الجبالِ تجاوبه، وكذلك الطيور كانت تساعده عند تأويبه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وداود وسليمان اذ يحكمان فى الحرث} اى اذكر خبرهما وقت حكمهما فى وقت الحرث وهو بالفارسية [كشت]{اذ نفشت} تفرقت وانتشرت ظرف للحكم {فيه غنم القوم} ليلا بلا راع فرعته وافسدته فان النفش ان ينتشر الغنم ليلا بلا راع والغنم محركة الشاة لا واحد لها من لفظها الواحدة شاة وهو اسم مؤنث للجنس يقع على الذكور والاناث وعليهما جميعا كما فى القاموس {وكنا لحكمهم} اى لحكم الحاكمين والمتحاكمين اليهما. فان قيل كيف يجوز ان يجعل الضمير لمجموع الحاكمين والمتحاكمين وهو يستلزم اضافة المصدر الى فاعله ومفعوله دفعة واحدة وهو انما يضاعف الى احدهما فقط لان اضافته الى الفاعل على سبيل القيام به واضافته الى المفعول على سبيل الوقوع عليه فهما معمولان مختلفان فلا يكون اللفظ الواحد مستعملا فيهما معا وايضا انه يستلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لان اضافته الى الفاعل حقيقة والى المفعول مجاز فالجواب ان هذه الاضافة لمجرد الاختصاص مع كون القطع عن كون المضاف اليه فاعلا او مفعولا على طريق عموم المجاز كأنه قيل وكنا للحكم المتعلق بهم {شاهدين} حاضرين علما وهو مقيد لمزيد الاعتناء بشأن الحكم. وفى التأويلات النجمية يشير الى انا كنا حاضرين فى حكمهما معهما وانما حكما بارشادنا لهما ولم يخطئ احد منهما فى حكمه الا انا اردنا تشييد بناء الاجتهاد بحكمهما عزة وكرامة للمجتهدين ليقتدوا بهما مستظهرين بمساعيهم المشكورة فى الاجتهاد.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {وداود}: عطف على {نوحًا}، أو معمول لاذكر، و {إذ يحكمان}: ظرف للمضاف المقدر، أي: اذكر خبرهما، و {إذ نفشت}: ظرف للحكم. {ففهمناها}: عطف على {يحكمان}؛ فإنه في حكم الماضي. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر خبر {داودَ وسليمانَ إِذْ يحكمان} أي: وقت حكمهما {في الحرث} أي: في الزرع، أو في الكرم المتدلي عناقيده، والحرث يطلق عليهما، {إِذ نَفَشَتْ}: دخلت {فيه غنمُ القوم} فأفسدته ليلاً، فالنفش: الرعي بالليل، والهمَلُ بالنهار، وهما الرعي بلا راع. {وكنا لحُكمِهم} أي: لهما وللمتحاكمين إليهما، أو على أنَّ أقل الجمع اثنان، {شاهدين}، كان ذلك بعلمنا ومرأى منا، لم يغب عنا شيء منه، {ففهمناها} أي: الحكومة، أو الفتوى، {سليمانَ}، وفيه دليل على أن الصواب كان مع سليمان. وقصتهما على ما قال ابن عباس وغيره: أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما: صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إنَّ هذا نفشت غنمه ليلاً، فوقعت في حرثي، فلم تُبق منه شيئًا، فقال له داود: اذهب فإن الغنم لك، ولعله استوت قيمتاهما - أي: قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث - فخرج الرجلان على سليمان، وهو بالباب، وكان ابن إحدى عشرة سنة، فأخبراه بما حكم به أبوه، فدخل عليه، فقال: يا نبي الله؛ لو حكمت بغير هذا لكان أرفق بالفريقين، قال: وما هو؟ قال: يأخذ صاحبُ الغنم الأرضَ ليُصلحها، حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنمَ ينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا كمل الزرع، رُدت الغنم إلى صاحبها، والأرض بزرعها إلى ربها، فقال داود: وُفقت يا بُني، وقضى بينهم بذلك. والذي يظهر: أن حكمهما - عليهما السلام - كان باجتهاد، ففيه دليل على أن الأنبياء يجتهدون فيما لم ينزل فيه وحي، فإنَّ قول سليمان عليه السلام: "هذا أرفق"، وقوله: "أرى أن تدفع..." الخ، صريح في أنه ليس بطريق الوحي، وإلا لبت القول بذلك، ولعله وجه حكم داود عليه السلام قياس ذلك على جناية العبد، فإنَّ العبد فيما جنى. وإذا قلنا: كان بوحي، يكون حكم سليمان ناسخًا لحكم داود عليه السلام. وأما حُكْم إفساد المواشي للزرع في شرعنا: فقال مالك والشافعي: يضمن أربابُ المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار؛ للحديث الوارد في ذلك، على تفصيل في مذهب مالك فيما أفسدت بالنهار. وقال أبو حنيفة: لا يضمن ما أفسدت بالليل ولا بالنهار؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : العَجْماءُ جُرْحُها جُبَار"تفسير : ، ما لم يكن معها سائق أو قائد، فيضمن عنده. قال تعالى: {وكُلاًّ آتينا حُكمًا وعلمًا} أي: كل واحد منهما آتيناه حكمًا، أي: نبوة، وعلمًا: معرفة بمواجب الحكم، لا سليمان وحده. وفيه دليل على أن خطأ المجتهد لا يقدح في علمه ولا يرفع عنه صفة الاجتهاد. ثم بيَّن ما اختص به كل واحد منهما من المعجزات، فقال: {وسخَّرنا} أي: ذللنا {مع داود الجبالَ}، حال كونها {يُسَبِّحْنَ} أي: مسبحات؛ ينزهْنَ الله تعالى بلسان المقال، كما سبّح الحصا في كف نبينا عليه الصلاة والسلام. {و} سخرنا له {الطير}؛ كانت تسبح معه. وقدَّم الجبال على الطير؛ لأن تسخيرها وتسبيحها أغرب وأدخل في الإعجاز؛ لأنها جماد. قال الكواشي: كان داود إذا سبّح سبّح معه الجبالُ والطير، وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر، وكان إذا فتَر من التسبيح، يُسمعه الله تعالى تسبيح الجبال والطير؛ لينشط في التسبيح ويشتاق إليه. ورُوي أنه كان إذا سار سارت الجبال معه مسبحة، قال قتادة: "يُسبحن"، أي: يصلين معه إذا صلى، وهذا غير ممتنع في قدرة الله تعالى. وفي الأثر: "كان داود يمرُّ، وصِفَاح الروحاءُ تجاوبه، والطير تساعده". {وكنا فاعلين} بالأنبياء أمثال هذا وأكثر، فليس ذلك ببدع منا ولا صعب على قدرتنا. {وعلّمناه صنعةَ لَبُوسٍ} أي: صنعة الدروع. واللبوس لغة في اللباس، والمراد: الدرع، {لكم} أي: نافع لكم، {ليُحْصِنَكُم} أي: اللبوس، أو داود. وقرئ بالتأنيث، أي: الصنعة، أو اللبوس بتأويل الدرع. وقرئ بنون العظمة، أي: الله تعالى، وهو بدل اشتمال من "لكم". وقوله: {من بأسكم} أي: من حرب عدوكم، أو من وقع السلاح فيكم، {فهل أنتم شاكرون} الله على ذلك؟ وهو استفهام بمعنى الأمر؛ للمبالغة والتقريع. ثم ذكر ما اختص به سليمان عليه السلام فقال: {ولسليمان الريحَ} أي: وسخرنا له الريح. وإيراد اللام هنا، دون الأولى؛ للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت، فإن تسخير ما سخر لسليمان عليه السلام كان بطريق الانقياد الكلي والامتثال لأمره ونهيه، بخلاف تسخير الجبال، لم يكن بهذه المثابة، بل بطريق التبعية والاقتداء. حال كون الريح {عاصفةً} شديدة الهبوب، من حيث إنها كانت تقطع مسافة بعيدة في مدة يسيرة، وكانت رُخاء في نفسها، طيبة، وقيل: كانت رُخاء تارة، وعاصفة أخرى، على حسب ما أراد منها. أو رُخاء في ذهابه وعاصفة في رجوعه؛ لأن عادة المسافرين: الإسراع في الرجوع، أو عاصفة إذا رفعت البساط ورخاء إذا جرت به. {تجري بأمره}؛ بمشيئة سليمان، {إِلى الأرض التي باركنا فيها} بكثرة الأنهار والأشجار والثمار، وهي الشام. وكان منزله بها، وتحمله إلى نواحيها. قال وهب: كان سليمان إذا خرج من منزله عكفت عليه الطير، وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره، وكان غزّاءً؛ لا يقصر عن الغزو، فإذا أراد غزوًا أمر فضرب له بخشب، ثم يُنصب له على الخشب، ثم حَمَلَ عليه الناس والدواب وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف فدخلت تحت الخشب فاحتملته، فإذا استقلت، أمر الرخاء فمرت به شهرًا في روحته وشهرًا في غدوته، إلى حيث أراد. هـ. {وكُنَّا بكل شيء عالمين} أي: أحاط علمنا بكل شيء، فنُجري الأشياء على ما سبق به علمنا، واقتضته حكمتنا. {ومن الشياطين}، قيل: لمَّا ذكر تسخير الريح - وهي شفافة لا تعقل - ذكر ما هو شفاف يعقل، وهم الشياطين، مع سرعة الحركة في الكل، أي: وسخرنا له من الشياطين {مَن يغوصون} في البحار، ويستخرجون {له} من نفائسه، كالدر والياقوت، {ويعملون عملاً دون ذلك} أي: غير ما ذكر؛ من بناء المدن والقصور والمحاريب والتماثيل والقدور الراسيات، وقيل: الحمام، والنورة، والطاحون، والقوارير، والصابون، مما استخرجوه له، {وكنا لهم حافظين} أن يزيغوا عن أمره، أو يُبدلوا، أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه، على ما هو مقتضى جبلتهم. وقال الزجاج: كان يحفظهم من أن يُفسدوا ما عملوا، وكان دأبهم أن يُفسدوا بالليل ما عملوه بالنهار. وقيل: وكَّل بهم جمعًا من الملائكة، وجمعًا من مؤمني الجن. رُوي أن المُسَخَّر له عليه السلام: كفارهم، لا مؤمنهم؛ لقوله تعالى: {ومن الشياطين}. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: {ففهمناها سليمان}، قال الورتجبي: بيَّن، سبحانه، أن الفضل متعلق بفضله، لا يتعلق بالصغر والكبر والشيخوخة والاكتساب والتعلم، إنما الفهم تعريف الله أحكام ربوبيته بنور هدايته، وإبراز لطائف علومه الغيبية، فحيث يظهر ذلك فهناك مواضع الفهوم من العلوم، فهو سبحانه منَّ على سليمان بعلمه، ولم يمنّ عليه بشيء خارج عن نفسه؛ من الملك، والحدثان أفضل من العلم؛ فإنَّ العلم صفة من صفاته تعالى، فلمَّا جعله متصفًا بصفاته منَّ عليه بجلال كبريائه. هـ. وقال في قوله: {وكُلاًّ آتينا حُكمًا وعلمًا}: حُكمًا؛ معرفة بالربوبية، وعلمًا بالعبودية. هـ. وقوله تعالى: {وسخرنا مع داود الجبال...} الخ. {ولسليمان الريح...} الآية، لمّا كانا - عليهما السلام - مع المُكَوِّنِ كانت الأكوان معهما، "أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك"، وذكر في القوت: أن سليمان عليه السلام لبس ذات يوم قميصًا رفيعًا جديدًا، ثم ركب البساط، وحملته الريح، فبينما هو يسير إذ نظر إلى عطفه نظرةً، فأنزلته الريح، فقال: لِم أنزلتني ولم آمرك؟! فقالت: نطيعك إذا أطعت الله، ونعصيك إذا عَصَيْتَه. فاستغفر وحملته. هـ بالمعنى. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر أيوب عليه السلام
اطفيش
تفسير : {وَدَاوُدَ} مفعول لمحذوف مستأنف، أى واذكر، أو معطوف على نوحا وقد مر أن نوحا مفعول لمحذوف. ويجوز عطف نوحا وداود على لوطا، أى وآتينا لوطا ونوحا وداود. وهذه الأوجه أيضاً فى قوله: {وأيوب} وقوله: {وإسماعيل}. وقوله: {وذا النون وزكريا ومريم} وإذ فى الكل بدل اشتمال مما قبله، والرابط الضمير من الجملة بعده. {وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ} قال ابن عباس والجمهور: كان الحرث كَرْما قد نزلت عناقيده. وقيل: كان زرعا مثل اللفت والجزر والبُر والشعير {إِذْ نَفَشَتْ} رعت {فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} ليلا بلا راع، بأَن انفلتت. قال بعضهم: النفش: الرعى ليلا. وقيل: الانتشار فيه ولو من العقلاء. {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ} الضمير لسليمان وداود الحكمين، ولمن حكما له، ومن حكما عليه. وقيل: لداود وسليمان، والاثنان جمع مجازا. وقيل: حقيقة. ويدل لرجوع الضمير لها قراءة بعضهم: وكنا لحكمهما. {شَاهِدِينَ} حاضرين عالمين.
اطفيش
تفسير : {ودَاودَ وسليمانَ} عطف على نوحاً بحسب ما تقدم فيه، أو على لوطاً كذلك، وهو داود بن أيشا بن عوبر بن باعر بن سلمون ابن بخيتون بن يارب بن حضرون بن فارض ابن يهوذا بن يعقوب عليه السلام، وكان أحمر الوجه بسط الرأس، أبيض الجسم، طويل اللحية، فيها جعودة حسن الصوت، جمع له بين البنوة والملك كابنه سليمان، عشا مائة، وملكه أربعون عاماً، وله اثنا عشر ابنا أحدهم سليمان، وكان يشاوره مع صغر سنه لوفور عقله وعلمه، وكان سليمان أبيض جسيماً وسيماً وضيئاً، خاشعاً متواضعاً، وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، والاسم ممنوع الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، إن كان قد سماه للسلامة أو سماه والده مثلا لذلك، وإلا فالعلمية والعجمة. {إذ يحكمان} ظرف لذلك المقدر، أو بدل المراد حكماً بصيغة الماضى، وجىء بالمضارع استحضاراً الماضية، كأنها تشاهد بصورتها {فى الحرث} والمراد بالحرث هنا الزرع، وعن ابن مسعود العنب تشبيهاً له بما يحرث {إذْ نَفَشَت} رعت ليلا بلا راع، وأصل النفش التفرق، فالمراد تفرقت وانتشرت {فيه غَنَم القوْم وكنَّا لحُكمِهِم شاهدين} حاضرين بعلمنا، فلا يختل والهاء بسليمان وداود، والجمع للتعظيم، كقوله تعالى: "أية : رب ارجعون" تفسير : [المؤمنون: 99] أو اثنان جماعة حقيقة أو مجازاً، ويدل لذلك قراءة ابن عباس لحكمهما، وقيل: لهما وللخصوم المدلول عليهم بالمقام، واللقوم، أى للحكم الواقع بينهم هكذا، فلا يضرنا اختلافهم بالوقوع منهما، وعلى القوم ولخصومهم.
الالوسي
تفسير : {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ} إما عطف على { أية : نُوحاً } تفسير : [الأنبياء:76] معمول لعامله أعني اذكر عليه على ما زعم ابن عطية، وإما مفعول لمضمر معطوف على ذلك العامل بتقدير المضاف أي نبأ داود وسليمان. وداود بن إيشا بن عوبر بن باعر بن سلمون بن يخشون بن عمى بن يارب بن حضرون بن فارض بن يهوذا بن يعقوب عليه السلام، كان كما روي عن كعب أحمر الوجه سبط الرأس أبيض الجسم طويل اللحية فيها جعودة حسن الصوت وجمع له بين النبوة والملك، ونقل النووي عن أهل التاريخ أنه عاش مائة سنة ومدة ملكه منها أربعون وكان له اثنا عشر ابناً وسليمان عليه السلام أحد أبنائه وكان عليه السلام يشاور في كثير من أموره مع صغر سنه لوفور عقله وعلمه. وذكر كعب أنه كان أبيض جسيماً وسيماً وضيئاً خاشعاً متواضعاً، وملك كما قال المؤرخون وهو ابن ثلاث عشرة سنة ومات وله ثلاث وخمسون سنة. وقوله تعالى: {إِذْ يَحْكُمَانِ} ظرف لذلك المقدر، وجوزت البدلية على طرز ما مر، والمراد إذ حكماً {فِى ٱلْحَرْثِ} إلا أنه جيء بصيغة المضارع حكاية للحال الماضية لاستحضار صورتها، والمراد بالحرث هنا الزرع. / وأخرج جماعة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه الكرم، وقيل: إنه يقال فيهما إلا أنه في الزرع أكثر، وقال الخفاجي: لعله بمعنى الكرم مجاز على التشبيه بالزرع، والمعنى إذ يحكمان في حق الحرث {إِذْ نَفَشَتْ} ظرف للحكم، والنفش رعي الماشية في الليل بغير راع كما أن الهمل رعيها في النهار كذلك، وكان أصله الانتشار والتفرق أي إذ تفرقت وانتشرت {فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ} ليلاً بلا راع فرعته وأفسدته. {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَـٰهِدِينَ} أي حاضرين علماً، وضمير الجمع قيل: لداود وسليمان ويؤيده قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {لحكمهما} بضمير التثنية، واستدل بذلك من قال: إن أقل الجمع اثنان، وجوز أن يكون الجمع للتعظيم كما في { أية : رَبّ ٱرْجِعُونِ } تفسير : [المؤمنون:99]. وقيل: هو للحاكمين والمتحاكمين، واعترض بأن إضافة حكم إلى الفاعل على سبيل القيام وإلى المفعول على سبيل الوقوع وهما في المعنى معمولان له فكيف يصح سلكهما في قرن. وأجيب بأن الحكم في معنى القضية لا نظر هٰهنا إلى علمه وإنما ينظر إليه إذا كان مصدراً صرفاً، وأظهر منه كما في «الكشف» أن الاختصاص يجمع القيام والوقوع وهو معنى الإضافة ولم يبق النظر إلى العمل بعدها لا لفظاً ولا معنى فالمعنى وكنا للحكم الواقع بينهم شاهدين، والجملة اعتراض مقرر للحكم، وقد يقال: إنه مادح له كأنه قيل: وكنا مراقبين لحكمهم لا نقرهم على خلل فيه، وهذا على طريقة قوله تعالى: { أية : فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } تفسير : [الطور: 48] في إفادة العناية والحفظ.
ابن عاشور
تفسير : شروع في عداد جمع من الأنبياء الذين لم يكونوا رسلاً. وقد روعي في تخصيصهم بالذكر ما اشتهر به كل فرد منهم من المزية التي أنعم الله بها عليه، بمناسبة ذكر ما فضل الله به موسى وهارون من إيتاء الكتاب المماثل للقرآن وما عقب ذلك. ولم يكن بعد موسى في بني إسرائيل عصر له ميزة خاصة مثل عصر داوود وسليمان إذ تطور أمر جامعة بني إسرائيل من كونها مسَوسة بالأنبياء من عهد يوشع بن نون. ثم بما طرأ عليها من الفوضى من بعد موت (شمشون) إلى قيام (شاول) حَمِيّ داوود إلا أنه كان مَلِكاً قاصراً على قيادة الجند ولم يكن نبياً، وأما تدبير الأمور فكان للأنبياء والقضاة مثل (صمويل) فداوودُ أول من جمعت له النبوءة والمُلك في أنبياء بني إسرائيل. وبلغ مُلك إسرائيل في مدة داوود حدّاً عظيماً من البأس والقوة وإخضاع الأعداء. وأوتي داوود الزبور فيه حكمة وعظة فكان تكملة للتوراة التي كانت تعليم شريعة، فاستكمل زمنُ داوود الحكمة ورقائق الكلام. وأوتي سليمان الحكمة وسَخر له أهل الصنائع والإبداع فاستكملت دولة إسرائيل في زمانه عظمة النظام والثروة والحكمة والتجارة فكان في قصتها مثّل. وكانت تلك القصة منتظمة في هذا السلك الشريف سلك إيتاء الفرقان والهدى والرشد والإرشاد إلى الخير والحكم والعلم. وكان في قصة داوود وسليمان تنبيه على أصل الاجتهاد وعلى فقه القضاء فلذلك خُص داوود وسليمان بشيء من تفصيل أخبارهما فيكون {داوود} عطفاً على {نوحاً} في قوله {أية : ونُوحاً} تفسير : [الأنبياء: 76]، أي وآتينا داوود وسليمان حكماً وعلماً إذ يحكمان... إلى آخره. فــــ{إذْ يحكمان} متعلِّق بــــ (آتينا) المحذوف، أي كان وقتُ حكمهما في قضية الحرث مظهَراً من مظاهر حُكمهما وعلمهِما. والحُكم: الحِكمة، وهو النبوءة. والعلمُ: أصالة الفهم. و{وإذ نفشت} متعلق بــــ {يحكمان}. فهذه القضية التي تضمنتها الآية مظهر من مظاهر العدل ومبالغ تدقيق فقه القضاء، والجمع بين المصالح والتفاضل بين مراتب الاجتهاد، واختلاف طرق القضاء بالحق مع كون الحق حاصلاً للمحِق، فمضمونها أنها الفقه في الدين الذي جاء به المرسلون من قبل. وخلاصتها أن داوود جلس للقضاء بين الناس، وكان ابنه سُليمان حينئذ يافعاً فكان يجلس خارج باب بيت القضاء. فاختصم إلى داوودَ رجلان أحدهما عامل في حرث لجماعة في زرع أو كرم، والآخر راعِي غنم لجماعة، فدخلت الغنم الحرث ليلاً فأفسدت ما فيه فقضى داوود أن تُعطى الغنم لأصحاب الحرث إذ كان ثَمن تلك الغنم يساوي ثمن ما تلف من ذلك الحرث، فلما حكم بذلك وخرج الخصمان فَقُصّ أمرُهما على سليمان، فقال: لو كنتُ أنا قاضياً لحكمت بغير هذا. فبلغ ذلك داوودَ فأحضره وقال له: بماذا كنت تقضي؟ قال: إني رأيت ما هو أرفق بالجميع. قال: وما هو؟ قال: أن يأخذ أصحابُ الغنم الحرثَ يقوم عليه عاملُهم ويُصلحه عاماً كاملاً حتى يعود كما كان ويرده إلى أصحابه، وأن يأخذ أصحاب الحرث الغنم تُسلم لراعيهم فينتفعوا من ألبانها وأصوافها ونسلها في تلك المدة فإذا كَمل الحرث وعاد إلى حاله الأول صرف إلى كل فريق ما كان له. فقال داوود: وُفّقت يا بُني. وقضى بينهما بذلك. فمعنى {نفشت فيه} دخلته ليلاً، قالوا: والنفش الانفلات للرعي ليلاً. وأضيف الغنم إلى القوم لأنها كانت لجماعة من الناس كما يؤخذ من قوله تعالى {غنم القوم}. وكذلك كان الحرث شركة بين أناس. كما يؤخذ مما أخرجه ابن جرير في «تفسيره» من كلام مجاهد ومرة وقتادة، وما أخرجه ابن كثير في «تفسيره» عن مسروق من رواية ابن أبي حاتم. وهو ظاهر تقرير «الكشاف». وأما ما ورد في الروايات الأخرى من ذكر رجلين فإنما يحمل على أن اللذين حضرا للخصومة هما راعي الغنم وعامل الحرث. واعلم أن مقتضى عطف داوود وسليمان على إبراهيم ومقتضى قوله {وكنا لحكمهم شاهدين} أي عالمين وقوله تعالى: {وكلاً آتينا حكماً وعلماً} ومقتضى وقوع الحُكمين في قضية واحدة وفي وقت واحد، إذ أن الحُكمين لم يكونا عن وحي من الله وأنهما إنما كانا عن علم أُوتيه داوود وسليمان، فذلك من القضاء بالاجتهاد. وهو جار على القول الصحيح من جواز الاجتهاد للأنبياء ولنبينا - عليهم الصلاة والسلام - ووقوعِه في مختلف المسائل. وقد كان قضاء داوود حقاً لأنه مستند إلى غرْم الأضرار على المتسببين في إهمال الغنم، وأصل الغرْم أن يكون تعويضاً ناجزاً فكان ذلك القضاء حقاً. وحسبك أنه موافق لما جاءت به السنة في إفساد المواشي. وكان حكم سليمان حقاً لأنه مستند إلى إعطاء الحق لذويه مع إرفاق المحقوقين باستيفاء مالهم إلى حين فهو يشبه الصلح. ولعل أصحاب الغنم لم يكن لهم سواها كما هو الغالب، وقَد رضي الخصمان بحكم سليمان لأن الخصمين كانا من أهل الإنصاف لا من أهل الاعتساف، ولو لم يرضيا لكان المصير إلى حكم داوود إذ ليس الإرفاق بواجب. ونظير ذلك قضاء عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة بأن يمر الماء من (العُرَيض) على أرضه إلى أرض الضحاك بن خليفة وقال لمحمد بن مسلمة: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع؟ فقال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليَمرنّ به ولو على بَطنك، ففعل الضحاك. وذلك أن عمر علم أنهما من أهل الفضل وأنهما يرضيان لما عزم عليهما، فكان قضاء سليمان أرجح. وتشبه هذه القضية قضاءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الزبير والأنصاري في السقي من ماء شراج الحَرّة إذ قضى أول مرة بأن يُمسك الزبيرُ الماء حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الماء إلى جاره، فلما لم يرض الأنصاري قضى رسول الله بأن يمسك الزبير الماء حتى يبلغ الجَدر ثم يُرسل، فاستوفى للزبير حقه. وإنما ابتدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأرفق ثم لما لم يرض أحد الخصمين قضى بينهما بالفصل، فكان قضاء النبي مبتدأ بأفضل الوجهين على نحو قضاء سليمان. فمعنى قوله تعالى: {ففهمناها سليمان} أنه ألهمهُ وجهاً آخر في القضاء هو أرجح لما تقتضيه صيغة التفهيم من شدة حصول الفعل أكثر من صيغة الإفهام، فدل على أن فهم سليمان في القضية كان أعمق. وذلك أنه أرفقُ بهما فكانت المسألة مما يتجاذبه دليلان فيصار إلى الترجيح، والمرجحات لا تنحصر، وقد لا تبدو للمجتهد، والله تعالى أراد أن يظهر علم سليمان عند أبيه ليزداد سروره به، وليتعزى على مَن فقده من أبنائه قبل ميلاد سليمان. وحسبك أنّه الموافق لقضاء النبي في قضية الزبير، وللاجتهادات مجال في تعارض الأدلة. وهذه الآية أصل في اختلاف الاجتهاد، وفي العمل بالراجح، وفي مراتب الترجيح، وفي عذر المجتهد إذا أخطأ الاجتهاد أو لم يهتد إلى المُعارض لقوله تعالى: {وكلاً آتينا حكماً وعلماً} في معرض الثناء عليهما. وفي بقية القصة ما يصلح لأن يكون أصلاً في رجوع الحاكم عن حكمه، كما قال ابن عطية وابن العربي؛ إلا أن ذلك لم تتضمنه الآية ولا جاءت به السنّة الصحيحة، فلا ينبغي أن يكون تأصيلاً وأن ما حَاولاه من ذلك غفلة. وإضافة (حكم) إلى ضمير الجمع باعتبار اجتماع الحاكمين والمتحاكمين. وتأنيث الضمير في قوله {ففهمناها}، ولم يتقدم لفظ معاد مؤنث اللفظ، على تأويل الحكم في قوله تعالى: {لحكمهم} بمعنى الحكومة أو الخصومة. وجملة {وكلاً آتينا حكماً وعلماً} تذييل للاحتراس لدفع توهم أن حكم داوود كان خطأ أو جوراً وإنما كان حكم سليمان أصوب. وتقدمت ترجمة داوود عليه السلام عند قوله تعالى: {أية : وآتينا داوود زبورا}تفسير : في [سورة النساء: 163]، وقوله تعالى: {أية : ومن ذريته داوود}تفسير : في [سورة الأنعام: 84]. وتقدمت ترجمة سليمان - عليه السلام - عند قوله تعالى: {أية : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان}تفسير : في [سورة البقرة: 102]. {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَـٰعِلِينَ} هذه مزية اختصّ بها داوود وهي تسخير الجبال له وهو الذي بينته جملة {يُسَبّحنْ} فهي إما بيان لجملة {سخرنا} أو حال مبينة. وذكرها هنا استطراد وإدماج. {والطير} عطف على {الجبال} أو مفعول معه، أي مع الطير يعني طير الجبال. و {مع} ظرف متعلق بفعل {يسبحن}، وقُدم على متعلّقه للاهتمام به لإظهار كرامة داوود، فيكون المعنى: أن داوود كان إذا سبح بين الجبال سمع الجبالَ تسبّح مثل تسبيحه. وهذا معنى التأويب في قوله في الآية الأخرى: {أية : يا جبال أوبي معه}تفسير : [سبأ: 10] إذ التأويب الترجيع، مشتق من الأوب وهو الرجوع. وكذلك الطير إذا سمعت تسبيحه تغرّد تغريداً مثل تسبيحه وتلك كلها معجزة له. ويتعين أن يكون هذا التسخير حاصلاً له بعد أن أُوتي النبوءة كما يقتضيه سياق تعداده في عداد ما أوتيه الأنبياء من دلائل الكرامة على الله، ولا يعرف لداوود بعد أن أُوتي النبوءة مزاولة صعود الجبال ولا الرعي فيها وقد كان من قبل النبوءة راعياً. فلعل هذا التسخير كان أيام سياحته في جبل برية (زيف) الذي به كهف كان يأوي إليه داوود مع أصحابه الملتفّين حوله في تلك السياحة أيام خروجه فاراً من الملك شاول (طالوت) حين تنكر له شاول بوشاية بعض حُساد داوود، كما حكي في الإصحاحين 23 ــــ 24 من سفر صمويل الأول. وهذا سرّ التعبير بــــ (مع) متعلقةً بفعل {سخرنا} هنا. وفي آية سورة ص إشارة إلى أنه تسخير متابعة لا تسخير خدمة بخلاف قوله الآتي {أية : ولسليمان الريح}تفسير : [الأنبياء: 81] إذ عدي فعل التسخير الذي نابَت عنه واو العطف بلام الملك. وكذلك جاء لفظ (مع) في آية [سورة سبأ: 10] {أية : يا جبال أوبي معه}.تفسير : وفي هذا التسخير للجبال والطير مع كونه معجزة له كرامة وعناية من الله به إذ آنسه بتلك الأصوات في وحدته في الجبال وبعده عن أهله وبلده. وجملة {وكنا فاعلين} معترضة بين الإخبار عما أوتيه داوود. وفاعل هنا بمعنى قادر، لإزالة استبعاد تسبيح الجبال والطير معه. وفي اجتلاب فعل الكون إشارة إلى أن ذلك شأن ثابت لله من قبل، أي وكنا قادرين على ذلك.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}. قوله تعالى: {وَدَاوُودَ} منصوب بـ "اذكر" مقدراً. وقيل: معطوف قوله: {أية : وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ} تفسير : [الأنبياء: 76] أي واذكر نوحاً إذ نادى من قبل {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ} الآية، وقوله: {إِذْ} بدل من "دَاوُدَ وَسُلَيْمَان" بدل اشتمال كما أوضحناه في سورة "مريم" وذكرنا بعض المناقشة فيه، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول. وذكرنا في هذا الكتاب مسائل كثيرة من ذلك. فإذا علمت ذلك فاعلم أن جماعة من العلماء قالوا: إن حكم داود وسليمان في الحرث المذكور في هذه الآية كان بوحي: إلا أن ما أوحى سليمان كان ناسخاً لما أوحى إلى داود. وفي الآية قرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحي، وأن سليمان أصاب فاستحق الثناء باجتهاده، وإصابته، وأن داود لم يصب فاستحق لاثناء باجتهاده، ولم يستوجب لوماً ولا ذماً بعدم إصابته. كما أثنى على سليمان بالإصابة في قوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}، وأثنى عليهما في قوله: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} فدل قوله {إِذْ يَحْكُمَانِ} على أنهما حكما فيها معاً، كل منهما بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحياً لما ساغ الخلاف. ثم قال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود، ولو كان حكمه فيها بوحي لكان مفهماً إياها كما ترى. فقوله {إِذْ يَحْكُمَانِ} مع قوله {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} قرينة على أن الحكم لم يكن بوحي بل باجتهاد، وأصاب فيه سليمان دون داود بتفهيم الله إياه ذلك. والقرينة الثانية ـ هي أن قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا} الآية يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع. لا أنه أنزل عليه فيها وحياً جديداً ناسخاً. لأن قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا} أليق بالأول من الثاني، كما ترى. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى ـ اعلم أن هذا الذي ذكرنا أن القرينة تدل عليه في هذه الآية من أنهما حكما فيها باجتهاد، وأن سليمان أصاب في اجتهاده ـ جاءت السنة الصحيحة بوقوع مثله منهما في غير هذه المسألة. فدل ذلك على إمكانه في هذه المسألة، وقد دلت القرينة القرآنية على وقوعه، قال البخاري في صحيحه (باب إذا ادعت المرأة ابناً) حدثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيْب، حدثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كانت امْرَأتان مَعَهما ابْنَاهما، جاء الذِئب فَذَهب بابن إحداهما، فقالت لِصَاحِبَتِها: إنما ذَهَب بابْنِك. فقالت الأُخْرَى: إِنَّما ذَهَبَ بِابْنِك. فَتَحَاكَمَتَا إِلى دَاوُد عليه السَّلام، فَقَضَى بِهِ للْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا على سُلَيْمان بن دَاوُد عليهما السَّلام، فَأَخْبَرتَاهُ فَقَال: ائْتُوني بِالسِّكِين أَشُقُّه بَيْنَهُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لاَ تَفْعَل يَرْحَمُكَ الله هُو ابْنُهَا. فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى. قَالَ أبو هُرَيرَة: والله إِنْ سَمِعْتُ بالسِّكِين قَطّ إِلا يَوْمَئِذ، وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلاَّ الْمُدْيَة" تفسير : ـ انتهى من صحيح البخاري. وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثني زُهَيْر بن حَرْب، حدثني شَبَابَة" حدثني وَرْقَاء عن أبِي الزِّناد، عنِ الأَعْرَج عن أبي هُرَيرَة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بينما امرأتان معهما ابناهما جَاء الذِّئْب فذهب بِابْن احداهما. فَقَالَتْ هَذِهِ لصاحبتها: إِنما ذَهَبَ بِابْنِك أنتِ. وَقالت الأُخرَى: إنما ذَهب بابنك، فَتَحَاكَمَتا إِلى دَاود فَقَضَى بهِ لِلْكُبرى. فَخرجَتَا عَلى سُلَيْمانَ بن دَاود عليهما السلام. فَأخبرتاه فقال: ائتونِي بالسِّكين أشقُّه بيَنكما فقالت الصغرى: لاَ يَرْحَمُكَ الله"تفسير : ـ انتهى منه فهذا الحديث الصحيح يدل دلالة واضحة على أنهما قضيا معاً بالاجتهاد في شأن الولد المذكور، وأن سليمان أصاب في ذلك، إذ لو كان قضاء داود بوحي لما جاز نقضه بحال. وقضاء سليمان واضح أنه ليس بوحي، لأنه أوهم المرأتين أنه يشقه بالسكين، ليعرف أمه بالشفقة عليه، ويعرف الكاذبة برضاها بشقه لتشاركها أمه في المصيبة لعرف الحق بذلك. وهذا شبيه جداً بما دلت عليه الآية حسبما ذكرنا، وبينا دلالة القرينة القرآنية عليه. ومما يشبه ذلك من قضائهما القصة التي أوردها الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة "سليمان" عليه السلام من تاريخه، من طريق الحسن بن سفيان، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، وعن سعيد بن بشر، عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس فذكر قصة مطولة، ملخصها: أن امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم، فامتنعت على كل منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها. فشهدوا عند داود عليه السلام أنها مكنت من نفسها كلباً لها، قد عودته ذلك منها، فأمر برجمها فلما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان، واجتمع معه ولدان مثله. فانتصب حاكماً وتزيا أربعة منهم بزي أولئك، وآخر بزي المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلباً، فقال سليمان: فرقوا بينهم. فسأل أولهم: ما كان لون الكلب؟ فقال أسود، فعزله. واستدعى الآخر فسأله عن لونه؟ فقال أحمر. وقال الآخر أغبش. وقال الآخر أبيض، فأمر عند ذلك بقتلهم، فحكى ذلك لداود عليه السلام، فاستدعى من فوره بأولئك الأربعة فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب فاختلفوا عليه، فأمر بقتلهم ـ انتهى بواسطة نقل ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة. وكل هذا مما يدل على صحة ما فسرنا به الآية، لدلالة القرينة القرآنية عليه. وممن فسّرها بذلك الحسن البصري رحمه الله كما ذكره البخاري وغيره عنه. قال البخاري رحمه الله في صحيحه (باب متى يستوجب الرجل القضاء): وقال الحسن: أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى ولا يخشوا الناس، ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ـ إلى أن قال ـ وقرأ {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء: 78-79] فحمد سليمان ولم يلم داود. ولولا ما ذكره الله من أمر هذين لرأيت أن القضاة هلكوا، فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده ـ انتهى محل الغرض منه. وبه تعلم أن الحسن رحمه الله يرى أن معنى الآية الكريمة كما ذكرنا، ويزيد هذا إيضاحاً ما قدمناه في سورة "بني إسرائيل" من الحديث المتفق عليه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة رضي الله عنهما "حديث : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" تفسير : كما قدمنا إيضاحه. المسألة الثانية: اعلم أن الاجتهاد في الأحكام في الشرع دلت عليه أدلة من الكتاب والسنة؟ منها هذا الذي ذكرنا هنا. وقد قدمنا في سورة بني "اسرائيل" طرفاً من ذلك، ووعدنا بذكره مستوفى في هذه السورة الكريمة، وسورة "الحشر" وهذا أوان الوفاء بذلك الوعد في هذه السورة الكريمة. وقد علمت مما مر في سورة "بني إسرائيل" أنا ذكرنا طرفاً من الأدلة على الاجتهاد فبينا إجماع العلماء على العمل بنوع الاجتهاد المعروف بالإلحاق بنفي الفارق الذي يسميه الشافعي القياس في معنى الاصل، وهو تنقيح المناط. وأوضحنا أنه لا ينكره إلا مكابر، وبينا الإجماع أيضاً على العمل بنوع الاجتهاد المعروف بتحقيق المناط، وأنه لا ينكره إلا مكابر، وذكرنا أمثلة له في الكتاب والسنة، وذكرنا أحاديث دالة على الاجتهاد، منها الحديث المتفق عليه المتقدم ومنها حديث معاذ حين بعثه النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وقد وعدنا بأن نذكر طرقه هنا إلى آخر ما ذكرنا هناك. اعلم أن جميع روايات هذا الحديث في المسند والسنن، كلها من طريق شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أصحاب معاذ، عن معاذ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما الرواية المتصلة الصحيحة التي ذكرنا سابقاً عن ابن قدامة (روضة الناظر) أن عبادة بن نسي رواه عن عبدالرحمن بن غنم، عن معاذ، فهذا الإسناد وإن كان متصلاً ورجاله معروفون بالثقة، فإني لم أقف على من خرج هذا الحديث من هذه الطريق، إلا ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين) عن أبي بكر الخطيب بلفظ: وقد قيل، إن عبادة بن نسي رواه عن عبدالرحمن بن غنم، عن معاذ ا هـ منه. ولفظة "قيل" صيغة تمريض كما هو معروف. وإلا ما ذكره ابن كثير في تاريخه، فإنه لما ذكر فيه حديث معاذ المذكور باللفظ الذي ذكرنا بالإسناد الذي أخرجه به الإمام أحمد قال: وأخرجه أبو داود، والترمذي من حديث شعبة به. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. ثم قال ابن كثير: وقد رواه ابن ماجه من وجه آخر عنه، إلا أنه من طريق محمد بن سعيد بن حسان وهو المصلوب أحد الكذابين، عن عبادة بن نسي عن عبدالرحمن عن معاذ به نحوه. واعلم أن النسخة الموجودة بأيدينا من تاريخ ابن كثير التي هي من الطبعة الأولى سنة 1351 فيها تحريف مطبعي في الكلام الذي ذكرنا. ففيها محمد بن سعد بن حسان، والصواب محمد بن سعيد لا سعد. وفيها: عن عياذ بن بشر، والصواب عن عبادة بن نسي. وما ذكره ابن كثير رحمه الله من إخراج ابن ماجه لحديث معاذ المذكور من طريق محمد بن سعيد المصلوب، عن عبادة نسي، عن بعدالرحمن وهو ابن غنم عن معاذ لم أره في سنن ابن ماجه، والذي في سنن ابن ماجه بالإسناد المذكور من حديث معاذ غير المتن المذكور، وهذا لفظه: حدثنا الحسن بن حماد سجادة، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن محمد بن سعيد بن حسان، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، حدثنا معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: "حديث : لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبينه أو تكتب إليّ فيه" تفسير : ا هـ منه. وما أدري أوهم الحافظ ابن كثير فيما ذكر؟ أو هو يعتقد أن معنى "تبيينه" في الحديث أي تعلمه باجتهادك في استخراجه من المنصوص، فيرجع إلى معنى الحديث المذكور وعلى كل حال فالرواية المذكورة من طريق عبادة بن نسي عن ابن غنم عن معاذ فيها كذاب وهو محمد بن سعيد المذكور الذي قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة وصلبه. وقال أحمد بن صالح: وضع أربعة آلاف حديث. فإذا علمت بهذا انحصار طرق الحديث المذكور الذي فيه أن معاذاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنه إن لم يجد المسألة في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله لعيه وسلم اجتهد فيها رأيه. وأقره النبي صلى الله لعيه وسلم على ذلك في الطريقتين المذكورتين ـ علمت وجه تضعيف الحديث ممن ضعفه، وأنه يقول طريق عبادة بن نسي عن ابن غنم لم تسندوها ثابتة من وجه صحيح إليه. والطرق الأخرى التي في المسند والسنن فيها الحارث بن أخي المغيرة وهو مجهول، والرواة فيها أيضاً عن معاذ مجاهيل. فمن أين قلتم بصحتها؟ وقد قدمنا أن ابن كثير رحمه الله قال في مقدمة تفسيره: إن الطريقة المذكورة في المسند والسنن بإسناد جيد. وقلنا: لعله يرى أن الحرث المذكور ثقة، وقد وثقه ابن حبان، وأن أصحاب معاذ لا يعرف فيهم كذاب ولا متهم. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ويؤيد ما ذكرنا عن مراد ابن كثير بجودة الإسناد ما قاله العلامة ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين)، قال فيه: وقد أقر النَّبي صلى الله عليه وسلم معاذاً على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصاً عن الله ورسوله، فقال شعبة: حدثني أبو عون عن الحارث بن عمرو، حديث : عن أناس من أصحاب معاذ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال: "كيف تصنع إن عرض لك قضاء"؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: "فإن لم يكن في كتاب الله"؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال "فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم"؟ قال: أجتهد رأي، لا آلو. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ثم قال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله""تفسير : . هذا حديث إن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك. لأنه يدل على شهرة الحديث. وأن الذي حدث له الحرث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم ولو سمي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى، ولا يعرف في أصحابه منهم ولا كذاب، ولا مجروح. بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث؟؟ وقال بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به. قال أبو بكر الخطيب: وقد قيل إن عبادة بن نسي رواه عن عبدالرحمن بن غنم، عن معاذ، وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة على أن أهل العلم قد نقلوه، واحتجوا به. فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا بذلك على صحة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا وصية لوارث"تفسير : . وقوله في البحر: "حديث : هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"تفسير : وقوله: "حديث : إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع"تفسير : ، وقوله: "حديث : الدية على العاقلة"تفسير : .. وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد ولكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها. فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعاً غنوا عن طلب الإسناد له ـ انتهى منه. وحديث عمرو بن العاص وأبي هريرة الثابت في الصحيحين شاهد له كما قدمنا، وله شواهد غير ذلك ـ ستراها إن شاء الله تعالى. المسألة الثالثة: اعلم أن الاجتهاد الذي دلت عليه نصوص الشرع أنواع متعددة: (منها) الاجتهاد في تحقيق المناط، وقد قدمنا كثيراً من أمثلته في "الإسراء". (ومنها) الاجتهاد في تنقيح المناط، ومن أنواعه: السبر، والتقسيم، والإلحاق بنفي الفارق. واعلم ـ أن الاجتهاد بإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به قسمان: الأول ـ الإلحاق بنفي الفارق، وهو قسم من تنقيح المناط كما ذكرناه آنفاً. ويسمى عند الشافعي القياس في معنى الأصل، وهو بعينه مفهوم الموافقة. ويسمى أيضاً القياس الجلي. والثاني من نوعي الإلحاق ـ هو القياس المعروف بهذا الاسم في اصطلاح أهل الأصول. أما القسم الأول الذي هو الإلحاق بنفي الفارق فلا يحتاج فيه إلى وصف جامع بين الأصل والفرع وهو العلة. بل يقال فيه: لم يوجد بين هذا المنطوق به وهذا المسكوت عنه فرق فيه يؤثر في الحكم البتة فهو مثله في الحكم. وأقسامه أربعة: لأن المسكوت عنه إما أن يكون مساوياً للمنطق به في الحكم، أو أولى به منه، وفي كل منهما إما أن يكون نفي الفارق بينهما مقطوعاً به أو مظنوناً. فالمجموع أربعة: (الأول منها) ـ أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به مع القطع بنفي الفارق كقوله تعالى: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ}تفسير : [الإسراء: 23] فالضرب المسكوت عنه أولى بالحكم الذي هو التحريم من التأفيف المنطوق به مع القطع بنفي الفارق، وكقوله تعالى: {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} تفسير : [الطلاق: 2] فشهادة أربعة عدول المسكوت عنها أولى بالحكم وهو القبول من المنطوق به وهو شهادة العدلين مع القطع بنفي الفارق. (والثاني منها) ـ أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به أيضاً، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعياً بل مظنوناً ظناً قوياً مزاحماً لليقين. ومثاله نهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء. فالتضحية بالعمياء المسكوت عنها أولى بالحكم وهو المنع من التضحية بالعوراء المنطوق بها، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعياً بل مظنوناً ظناً قوياً. لأن علة النهي عن التضحية بالعوراء كونها ناقصة ذاتاً وثمناً وقيمة، وهذا هو الظاهر. وعليه فالعمياء أنقص منها ذاتاً وقيمة. وهناك احتمال آخر: هو الذي منع من القطع بنفي الفارق، وهو احتمال أن تكون علة النهي عن التضحية بالعوراء: أن العور مظنة الهزال. لأن العوراء ناقصة البصر، وناقصة البصر تكون ناقصة الرعي لأنها لا ترى إلا ما يقابل عيناً واحدة، ونقص الرعي مظنة للهزال. وعلى هذا الوجه فالعمياء ليست كالعوراء. لأن العمياء يختار لها أحسن العلف. فيكون ذلك مظنة لسمنها. (والثالث منها) ـ أن يكون المسكوت عنه مساوياً للمنطوق به في الحكم مع القطع بنفي الفارق. كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً}تفسير : [النساء: 10] الآية. فإحراق أموال اليتامى وإغراقها المسكوت عنه مساو للأكل المنطوق به في الحكم الذي هو التحريم والوعيد بعذاب النار مع القطع بنفي الفارق. (والرابع منها) ـ أن يكون المسكوت عنه مساوياً للمنطوق به في الحكم أيضاً: إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظناً قوياً مزاحماً لليقين، ومثاله الحديث الصحيح "حديث : من أعتق شركاً له في عبد..." تفسير : الحديث المتقدم في "الإسراء والكهف" فإن المسكوت عنه وهو عتق بعض الأمة مساو للمنطوق به وهو عتق بعض العبد في الحكم الذي هو سراية العتق المبينة في الحديث المتقدم مراراً. إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظناً قوياً، لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا يناط بهما حكم من أحكام العتق. كما قدمناه مستوفى في سورة "مريم" وهناك احتمال آخر هو الذي منع من القطع بنفي الفارق، وهو احتمال أن يكون الشارع نص على سراية العتق في خصوص العبد الذكر، مخصصاً له بذلك الحكم دون الأنثى. لأن عتق الذكر تيرتب عليه من الآثار الشرعية ما لا يترتب على عتق الأنثى، كالجهاد والإمامة والقضاء. ونحو ذلك من المناصب المختصة بالذكور دون الإناث. وقد أكثرنا من أمثلة هذا النوع الذي هو الإلحاق بنفي الفارق في سورة "بني إسرائيل". (وأما النوع الثاني من أنواع الإلحاق) ـ فهو القياس المعروف في الأصول، وهو المعروف بقياس التمثيل. وسنعرفه هنا لغة واصطلاحا، ونذكر أقسامه، وما ذكره بعض أهل العلم من أمثلته في القرآن: اعلم أن القياس في اللغة: التقدير والتسوية. يقال: قاس الثوب بالذراع، وقاس الجرح بالميل (بالكسر) وهو المرود: إذا قدر عمقه به: ولهذا سمي الميل مقياساً، ومن هذا المعنى قول البعيث بن بشر يصف جراحة أو شجة: شعر : إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت غثيثتها وازداد وهيا هزومها تفسير : فقوله "قاسها" يعني قدر عمقها بالميل. والآسي: الطبيب، والنطاسي (بكسر النون وفتحها): الماهر بالطب: والغثيثة (بثائين مثلثتين): مدة الجرح وقيحه، وما فيه من لحم ميت. والوهي: التخرق والتشقق. والهزوم: غمز الشيء باليد فيصير فيه حفرة كما يقع في الورم الشديد. وتعريف القياس المذكور في اصطلاح أهل الأصول ـ كثرت فيه عبارات الأصوليين، مع مناقشات معروفة في تعريفاتهم له. واختار غير واحد منهم تعريفه بأنه: حمل معلوم على معلوم. أي إلحاقه به في حكمه لمساواته له في علة الحكم. وهذا التعريف إنما يشمل القياس الصحيح دون الفاسد. والتعريف الشامل للفاسد: هو أن تزيد على تعريف الصحيح لفظة عند الحامل. فتقول: هو إلحاق معلوم في حكمه لمساواته له في علة الحكم عند الحامل، فيدخل الفاسد في الحد مع الصحيح، كما أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله معرفاً للقياس: شعر : بحمل معلوم على ما قد علم للاستوا في علة الحكم وسم وإن ترد شموله لما فسد فزد لدى الحامل والزيد أسد تفسير : ومعلوم أن أركان القياس المذكور أربعة: وهي الأصل المقيس عليه، والفرع المقيس، والعلة الجامعة بينهما، وحكم الأصل المقيس عليه. فلو قسنا النَّبيذ على الخمر ـ فالأصل الخمر، والفرع النَّبيذ، والعلة الإسكار، وحكم الأصل الذي هو الخمر التحريم. وشروط هذه الأركان الأربعة، والبحث فيها مستوفى في أصول الفقه، فلا نطيل به الكلام هنا. واعلم أن القياس المذكور ينقسم بالنظر إلى الجامع بين الفرع والأصل إلى ثلاثة أقسام: الأول ـ قياس العلة. والثاني ـ قياس الدلالة. والثالث ـ قياس الشبه. أما قياس العلة فضابطه: أن يكون الجمع بين الفرع والأصل بنفس علة الحكم، فالجمع بين النَّبيذ والخمر بنفس العلة التي هي الإسكار. والقصد مطلق التمثيل، لأنا قد قدمنا أن قياس النَّبيذ على الخمر لا يصح، لوجود النص على أن "حديث : كل مسكر خمر، وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام"تفسير : . والقياس لا يصح مع التنصيص على أن حكم الفرع المذكور كحكم الأصل، إلا أن المثال يصح بالتقدير والفرض ومطلق الاحتمال كما تقدم. وكالجمع بين البر والذرة بنفس العلة التي هي الكيل مثلاً عند من يقول بذلك، وإلى هذا أشار في المراقي بقوله: شعر : وما بذات علة قد جمعا فيه فقيس علة قد سمعا تفسير : وأما قياس الدلالة فضابطه: أن يكون الجمع فيه بدليل العلة لا بنفس العلة، كأن يجمع بين الفرع والأصل بملزوم العلة أو أثرها أو حكمها. فمثال الجمع بملزوم العلة أن يقال: النَّبيذ حرام كالخمر بجامع الشدة المطربة، وهي ملزوم للإسكار، بمعنى أنها يلزم من وجودها الإسكار. ومثال الجمع بأثر العلة أن يقال: القتلى بالمثقل يوجب القصاص كالقتل بمحدد بجامع الإثم، وهو أثر العلة وهي للقتل العمد العدوان. ومثال الجمع بحكم العلة أن يقال: تقطع الجماعة بالواحد كما يقتلون به، بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك حيث كان غير عمد، وهو حكم العلة التي هي القطع منهم في الصورة الأولى، والقتل منهم في الثانية. وإلى تعريف قياس الدلالة المذكور أشار في مراقي السعود بقوله: شعر : جامع ذي الدلالة الذي لزم فأثر فحكمها كما رسم تفسير : وقوله: "الذي لزم" بالبناء للفاعل يعني اللازم، وتعبيره هنا باللازم تبعاً لغيره غلط منه رحمه الله، وممن تبعه هو لأن وجود اللازم لا يكون دليلاً على وجود الملزوم بإطباق العقلاء. لاحتمال كون اللازم أعم من الملزوم، ووجود الأعم لا يقتضي وجود الأخص كما هو معروف. ولذا أجمع النظار على استثناء عين التالي في الشرطي المتصل لا ينتج عين المقدم. لأن وجود اللازم لا يقتضي وجود الملزوم. والصواب ما مثلنا به من الجمع بملزوم العلة، لأن الملزوم هو الذي يقتضي وجوده وجود اللام كما هو معروف. فالشدة المطربة والإسكار متلازمان، ودلالة الشدة المطربة على الإسكار إنما هي من حيث إنها ملزوم له لا لازم، لما عرفت من أن وجود اللازم لا يقتضي وجود الملزم. واقتضاؤه له هنا إنما هو للملازمة بين الطرفين. لأن كلا منهما لازم للآخر وملزوم له للملازمة بينهما من الطرفين. وأما قياس الشبه ـ فقد اختلفت فيه عبارات أهل الأصول. فعرف بعضهم الشبه بأنه منزلة بين المناسب والطرد. وعرفه بعضهم بأنه المناسب بالتبع لا بالذات. ومعنى هذا كمعنى تعريف من عرفه بأنه المستلزم للمناسب. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: عبارات أهل الأصول في الشبه الذي هو المسلك السادس من مسالك العلة عند المالكية والشافعية، كلها تدور حول شيء واحد، وهو أن الوصف الجامع في قياس الشبه يشبه المناسب من وجهه، ويشبه الوصف الطردي من جهة أخرى. وقد قدمنا في سورة "مريم" أن المناسب هو الوصف الذي تتضمن إناطة الحكم به مصلحة من جلب نفع أو دفع ضر، والطردي هو ما ليس كذلك، إما في جميع الأحكام وإما في بعضها: ولا خلاف بين أهل الأصول في أن ما يسمى بغلبة الأشباه لا يخرج عن قياس الشبه. لأن بعضهم يقول إنه داخل فيه، وهو الظاهر. وبعضهم يقول هو بعينه لا شيء آخر. وغلبة الأشباه هي إلحاق فرع متردد بين أصلين بأكثرهما شبهاً به. كالعبد فإنه متردد بين أصلين لشبهه بكل واحد منهما. فهو يشبه المال لكونه يباع ويشترى ويوهب ويورث إلى غير ذلك من أحوال المال. ويشبه الحر من حيث إنه إنسان ينكح ويطلق ويثاب ويعاقب، وتلزمه أوامر الشرع ونواهيه. وأكثر أهل العلم يقولون: إن شبهه بالمال أكثر من شبهه بالحر. لأنه يشبه المال في الحكم والصفة معاً أكثر مما يشبه الحر فيهما. فمن شبهه بالمال في الحكم كونه يباع ويشترى ويورث، ويوهب ويعار، ويدفع في الصداق والخلع، ويرهن إلى غير ذلك من التصرفات المالية. ومن شبهه بالمال في الصفة كونه تتفاوت قيمته بحسب تفاوت أوصافه جودة ورداءة. كسائر الأموال. فلو قتل إنسان عبداً لآخر لزمته قيمته نظراً إلى أن شبهه بالمال أغلب. وقال بعض أهل العلم: تلزمه ديته كالحر زعماً منه أن شبهه بالحر أغلب، فإن قيل: بأي طريق يكون هذا النوع الذي هو غلبة الأشباه من الشبه. لأنكم قررتم أنه مرتبة بين المناسب والطردي، فما وجه كونه مرتبة بين المناسب والطردي؟ فالجواب: أن إيضاح ذلك فيه أن أوصافه المشابهة للمال ككونه يباع ويشترى إلخ طردية بالنسبة إلى لزوم الدية، لأن كونه كالمال ليس صالحاً لأن يناط به لزوم ديته إذا قتل، وكذلك أوصافه المشابهة للحر ككونه مخاطباً يثاب ويعاقب إلخ. فهي طردية بالنسبة إلى لزوم القيمة: لأن كونه كالحر ليس صالحاً لأن يناط به لزوم القيمة، فهو من هذه الحيثية يشبه الطردي كما ترى. أما ترتب القيمة على أوصافه المشابهة لأوصاف المال فهو مناسب كما ترى. وكذلك ترتب الدية على أوصافه المشابهة لأوصاف الحر مناسب، وبهذين الاعتبارين يتضح كونه مرتبة بين المناسب والطردي. ومن أمثلة أنواع الشبه غير غلبة الأشباه ـ الشبه الذي الوصف الجامع فيه لا يناسب لذاته، ولكنه يستلزم المناسب لذاته، وقد شهد الشرع بتأثير جنسه القريب في جنس الحكم القريب. كقولك في الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه، فلا يرفع به الحدث، ولا حكم الخبث قياساً على الدهن. فقولك "لا تبنى القنطرة على جنسه" ليس مناسباً في ذاته. لأن بناء القنطرة على المائع في حد ذاته وصف طردي إلا أنه مستلزم للمناسب: لأن العادة المطردة أن القنطرة لا تبنى على المائع القليل، بل على الكثير كالأنهار، والقلة مناسبة، لعدم مشروعية المتصف بها من المائعات للطهارة العامة. فإن الشرع العام يقتضي أن تكون أسبابه عامة الوجود. أما تكليف الجميع بما لا يجده إلا البعض فبعيد من القواعد. فصار قولك "لا تبنى القنطرة على جنسه" ليس بمناسب، وهو مستلزم للمناسب. وقد شهد الشرع بتأثير جنس القلة والتعذر في عدم مشروعية الطهارة، بدليل أن الماء إذا قل واشتدت إليه الحاجة فإنه يسقط الأمر بالطهارة به وينتقل إلى التيمم. وأما الشبه الصوري ـ فقد قدمنا الكلام عليه مستوفى في سورة "النحل" في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ}تفسير : [النحل: 66] وقد قدمنا في أول سورة "براءة" كلام ابن العربي الذي قال فيه: ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجؤوا إلى قياس النسبة عند عدم النص، ورأوا أن قصة "براءة" شبيهة بقصة "الأنفال" فألحقوها بها، فإذا كان القياس يدخل في تأليف القرآن: فما ظنك بسائر الأحكام؟ وإلى الشبه المذكور أشار في مراقي السعود بقوله: شعر : والشبه المستلزم المناسبا مثل الوضو يستلزم التقربا مع اعتبار جنسه القريب في مثله للحكم لا للغريب صلاحه لم يدر دون الشرع ولم ينط مناسب بالسمع وحيثما أمكن قيس العلة فتركه بالاتفاق أثبت إلا ففي قبوله تردد غلبة الأشباه هو الأجود في الحكم والصفة ثم الحكم فصفة فقط لدى ذي العلم وابن علية يرى للصوري كالقيس للخيل على الحمير تفسير : واعلم أن قياس الطرد يصدق بأمرين. لأن الطرد يطلق إطلاقين: يطلق على الوصف الطردي الذي لا يصلح لإناطة حكم به لخلوه من الفائدة. كما لو ظن بعض القائلين بنقض الوضوء بلحم الجزور: أن علة النقض به الحرارة فألحق به لحم الظبي قائلاً: إنه ينقض الوضوء قياساً على لحم الجزور بجامع الحرارة. فهذا القياس باطل. لأنه الوصف الجامع فيه طردي. ومثله كل ما كان الوصف الجامع فيه طردنا وهو أحد الأمرين للذين يطلق عليهما قياس الطرد. والأمر الثاني منهما ـ هو القياس الذي الوصف الجامع فيه مستنبطاً بالمسلك الثامن المعروف (بالطرد) وهو الدوران الوجودي، وإيضاحه. أنه مقارنة الحكم للوصف في جميع صوره غير الصورة التي فيها النزاع في الوجود فقط دون العدم. والاختلاف في إفادته العلة معروف في الأصول. واعلم أن القياس وما يتعلق به موضح في فن أصول الفقه والأدلة التي تدل على أن الوصف المعين علة للحكم المعين هي المعروفة بمسالك العلة، وهي عشرة عند من يعد منها إلغاء الفارق، وتسعة عند من لا يعده منها، وهي: النص، والإجماع، والإيماء، والسبر والتقسيم، والمناسبة، والشبه، والدوران، والطرد، وتنقيح المناط، وإلغاء الفارق، والتحقيق أنه نوع من تنقيح المناط كما قدمنا. وقد نظمها بعضهم بقوله: شعر : مسالك علة رتب فنص فإجماع فإيماء فسبر مناسبة كذا مشبه فيتلو له الدوران طرد يستمر فتنقيح المناط فألغ فرقاً وتلك لمن أراد الحصر عشر تفسير : ومحل إيضاحها فن أصول الفقه، وقد أوضحناها في غير هذا المحل. وأما القوادح في الدليل من قياس وغيره، فهي معروفة في فن الأصول وقد نظمها باختصار الشيخ عمر الفاسي بقوله: شعر : القدح بالنقض وبالكسر معاً نخلف العكس وبالقلب اسمعا وعدم التأثير بالوصف وفي أصل وفرع ثم حكم فاقتفي والمنع والفرق وبالتقسيم وباختلاف الضابط المعلوم وفقد الانضباط والظهور والخدش في تناسب المذكور وكون ذاك الحكم لا يفضي إلى مقصود ذي الشرع العزيز فاقبلا والخدش في الوضع والاعتبار والقول بالموجب ذو اعتبار وابدأ باستفسار في الإجمال أو الغرابة بلا إشكال تفسير : وإنما لم نوضح هنا المسالك والقوادح. لأن ذلك يفضي إلى ا لإطالة المملة، مع أن الجميع موضح في أصول الفقه، وقد أوضحناه في غير هذا الموضع، وقصدنا هنا التنبيه عليه في الجملة من غير تفصيل. فإذا علمت ذلك ـ فاعلم أن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى شفى الغليل بما لا مزيد عليه في هذه المسائل في كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالمين) وسنذكر هنا إن شاء الله جملاً وافية مفيدة من كلامه في هذا الموضوع الذي نحن بصدده. قال رحمه الله في كلامه على قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رسالته المشهورة إلى أبي موسى: (ثم الفهم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس بين الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق) ـ ما نصه: هذا أحد ما اعتمد عليه القياسيون في الشريعة، قالوا هذا كتاب عمر إلى أبي موسى ولم ينكره أحد من الصحابة، بل كانوا متفقين على القول بالقياس وهو أحد أصول الشريعة، ولا يستغني عنه فقيه. وقد أرشد الله تعالى عباده إليه في غير موضع من كتابه، فقاس النشأة الثانية على النشأة الأولى في الإمكان، وجعل النشأة الأولى أصلاً، والثانية فرعا عليها، وقاس حياة الأموات على حياة الأرض بعد موتها بالنبات، وقاس الخلق الجديد الذي أنكره أعداؤه على خلق السموات والأرض، وجعله من قياس الأولى، كما جعل قياس النشأة الثانية على الأولى من قياس الأولى، وقاس الحياة بعد الموت على اليقظة بعد النوم. وضرب الأمثال وصرفها في الأنواع المختلفة، وكلها أقيسة عقلية ينبه بها عباده على أن حكم الشيء حكم مثله، فإن الأمثال كلها قياسات يعلم منها حكم الممثل من الممثل به. وقد اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلاً تتضمن تشبيه الشيء بنظيره والتسوية بينهما في الحكم، وقال تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 43] بالقياس في ضرب الأمثال من خاصة العقل، وقد ركز الله في فطر الناس وعقولهم التسوية بين المتماثلين وإنكار التفريق بينهما، والفرق بين المختلفين وإنكار الجمع بينهما قالوا: ومدار الاستدلال جمعية على التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين: فإنه إما استدلال بمعين على معين، أو بمعين على عام، أو بعام على معين، أو بعام على عام. فهذه الأربعة هي مجامع ضروب الاستدلال. فالاستدلال بالمعين على المعين هو الاستدلال بالملزوم على لازمه، بكل ملزوم دليل على لازمه، فإن كان التلازم من الجانبين كان كل منهما دليلاً على الآِخر ومدلولاً له. وهذا النوع ثلاثة أقسام: أحدها ـ الاستدلال بالمؤثر على الأثر، والثاني ـ الاستدلال بالأثر على المؤثر. والثالث ـ الاستدلال بأحد الأثرين على الآخر. فالأول كالاستدلال بالنار على الحريق. والثاني كالاستدلال بالحريق على النار. والثالث ـ كالاستدلال بالحريق على الدخان. ومدار ذلك كله على التلازم: ولتسوية بين المماثلين هو الاستدلال بثبوت أحد الأثرين على الآخر وقياس الفرق هو استدلال بانتفاء أحد الأثرين على انتفاء الآخر، أو بانتفاء اللازم على انتفاء ملزومه: فلو جاز التفريق بين المتماثلين لانسدت طريق الاستدلال، وغلقت أبوابه. قالوا: وأما الاستدلال بالمعين على العام فلا يتم إلا بالتسوية بين المتماثلين، إذ لو جاز الفرق لما كان هذا المعين دليلاً على الأمر العام المشترك بين الأفراد. ومن هذا أدلة القرآن بتعذيب المعينين الذين عذبهم على تكذيب رسله وعصيان أمره، على أن هذا الحكم عام شامل على من سلك سبيلهم، واتصف بصفتهم، وهو سبحانه قد نبه عباده على نفس هذا الاستدلال، وتعدية هذا الخصوص إلى العموم، كما قال تعالى عقب إخباره عن عقوبات الأمم المكذبة لرسلهم وما حل بهم: {أية : أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي ٱلزُّبُرِ} تفسير : [القمر: 43] فهذا محض تعدية الحكم إلى من عدا المذكورين بعموم العلة، وإلا فلو لم يكن حكم الشيء حكم مثله لما لزمت التعدية. ولا تمت الحجة. ومثل هذا قوله تعالى عقيب إخباره عن عقوبة قوم هود حين رأوا العارض في السماء: {أية : قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} تفسير : [الأحقاف: 24] فقال تعالى: {أية : بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الأحقاف: 24-25] ثم قال: {أية : وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِه مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [الأحقاف: 26] فتأمل قوله: {وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ} تجد المعنى: أن حكمكم كحكمهم، وأنا إذا كنا قد أهلكناهم بمعصية رسولنا ولم يدفع عنهم ما مكنوا فيه من أسباب العيش. فأنتم كذلك تسوية بين المتماثلين. وأن هذا محض عدل الله بين عباده. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}تفسير : [محمد: 10] فأخبر أن حكم الشيء حكم مثله. وكذلك كل موضع أمر الله سبحانه فيه بالسير في الأرض سواء كان السير الحسي على الأقدام والدواب، أو السير المعنوي بالتفكير والاعتبار، أو كان اللفظ يعمهما وهو الصواب، فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحل بالمخاطبين ما حل بأولئك ولهذا أمر سبحانه أولي الأبصار باعتبار بما حل بالمكذبين، ولولا أن حكم النظير حكم نظيره حتى تعبر العقول منه إليه لما حصل الاعتبار، وقد نفى الله سبحانه عن حكمه وحكمته التسوية بين المختلفين في الحكم، فقال تعالى: {أية : أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}تفسير : [القلم: 35-36] وأخبر أن هذا حكم باطل في الفطر والعقول، لا تليق نسبته إليه سبحانه. وقال تعالى: {أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} تفسير : [الجاثية: 12]، وقال تعالى: {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ}تفسير : [ص: 28] أفلا تراه كيف ذكر العقول، ونبه الفطر بما أودع فيها من إعطاء النظير حكم نظيره، وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في الحكم. وكل هذا من الميزان الذي أنزله الله مع كتابه، وجعله قرينه ووزيره. فقال تعالى:{أية : ٱللهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ}تفسير : [الشورى: 17]، وقال: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ}تفسير : [الحديد: 25]، وقال تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الرحمن: 1-2] فهذا الكتاب ثم قال: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ}تفسير : [الرحمن: 7] والميزان يراد به العدل، والآلة التي يعرف بها العدل وما يضاده. والقياس الصحيح هو الميزان، فالأولى تسميته بالاسم الذي سماه الله به. فإنه يدل على العدل، وهو اسم مدح واجب على كل واحد في كل حال بحسب الإمكان. بخلاف اسم القياس فإنه ينقسم إلى حق وباطل، وممدوح ومذموم، ولهذا لم يجئ في القرآن مدحه ولا ذمه، ولا الأمر به ولا النهي عنه، فإنه مورد تقسيم إلى صحيح وفاسد. فالصحيح هو الميزان الذي أنزله الله مع كتابه، والفاسد ما يضاده كقياس الذين قاسوا البيع على الربا بجامع ما يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة المالية، وقاس الذين قاسوا الميتة على المذكى في جواز أكلها بجامع ما يشتركان فيه من إزهاق الروح، هذا بسبب من الآدميين، وهذا بفعل الله. ولهذا تجد في كلام السلف ذم القياس، وأنه ليس من الدين، وتجد في كلامهم استعماله والاستدلال به، وهذا حق وهذا حق. كما سنبينه إن شاء الله تعالى. والأقيسة المستعملة في الاستدلال ثلاثة: قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه، وقد وردت كلها في القرآن. فأما قياس العلة ـ فقد جاء في كتاب الله عز وجل في مواضع. منها قوله تعالى، {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [آل عمران: 59] فأخبر تعالى أن عيسى نظير آدم في التكوين، بجامع ما يشتركان فيه من المعنى الذي تعلق به وجود سائر المخلوقات، وهو مجيئها طوعاً لمشيئته وتكوينه، فكيف يستنكر وجود عيسى من غير أب من يقر بوجود آدم من غير أب ولا أم، ووجود حواء من غير أم. فآدم وعيسى نظيران يجمعهما الذي يصح تعليق الإيجاد والخلق به. ومنها قوله تعالى: {أية : قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}تفسير : [آل عمران: 137] أي قد كان من قبلكم أمم أمثالكم، فانظروا إلى عواقبهم السيئة، واعلموا أن سبب ذلك ما كان من تكذيبهم بآيات الله ورسله، وهم الأصل وأنتم الفرع، والعلة الجامعة التكذيب، والحكم الهلاك. ومنها قوله تعالى: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مَّدْرَاراً وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ}تفسير : [الأنعام: 6] فذكر سبحانه إهلاك من قبلنا من القرون، وبين أن ذلك كان لمعنى القياس وهو ذنوبهم، فهم الأصل ونحن الفرع، والذنوب العلة الجامعة، والحكم الهلاك. فهذا محض قياس العلة، وقد أكده سبحانه بضرب من الأولى، وهو أن من قبلنا كانوا أقوى منا فلم تدفع عنهم قوتهم وشدتهم ما حل بهم. ومنها قوله تعالى: {أية : كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}تفسير : [التوبة: 69] وقد اختلف في محل هذا الكاف وما يتعلق به، فقيل: هو رفع خبر مبتدأ محذوف، أي أنتم كالذين من قبلكم. وقيل نصب بفعل محذوف تقديره: فعلتم كفعل الذين من قبلكم. والتشبيه على هذين القولين في أعمال الذين من قبل، وقيل التشبيه في العذاب. ثم قيل: العامل محذوف. أي لعنهم وعذبهم كما لعن ابن من قبلهم. وقيل بل العامل ما تقدم. أي وعد الله المنافقين كوعد الذين من قبلكم، ولعنهم كلعنهم، ولهم عذاب مقيم كالعذاب الذي لهم. والمقصود أنه سبحانه ألحقهم بهم في الوعيد، وسوى بينهم فيه كما تساووا في الأعمال، وكونهم كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فرق غير مؤثر، فعلق الحكم بالوصف الجامع المؤثر، وألغى الوصف الفارق، ثم نبه على أن مشاركتهم في الأعمال اقتضت مشاركتهم في الجزاء فقال: {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} فهذه هي العلة المؤثرة والوصف الجامع، وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} هو الحكم، والذين من قبلهم الأصل، والمخاطبون الفرع. قال عبد الرزاق في تفسيره: أنا معمر عن الحسن في قوله {فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ} قال بدينهم. ويروى عن أبي هريرة. وقال ابن عباس: استمتعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا. وقال آخرون: بنصيبهم من الدنيا. وحقيقة الأمر: أن الخلاق هو النصيب والحظ، كأنه الذي خلق للإنسان وقدر له، كما يقال: قسمه الذي قسم له، ونصيبه الذي نصب له أي أثبت. وقطه الذي قط له أي قطع، ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}تفسير : [البقرة: 200] وقول النَّبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إنَّما يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا من لاَ خَلاَق لَهُ في الآخِرَة"تفسير : . والآية تتناول ما ذكره السلف كله، فإنه سبحانه قال: {أية : أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً}تفسير : [الروم: 9] فبتلك القوة التي كانت فيهم كانوا يستطيعون أن يعملوا للدنيا والآخرة، وكذلك الأموال والأولاد، وتلك القوة والأموال والأولاد هي الخلاق، فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم في الدنيا، ونفس الأعمال التي عملوها بهذه القوة من الخلاق الذي استمتعوا به. ولو أرادوا بذلك الله والدار الآخرة لكان لهم خلاق في الآخرة، فتمتعهم بها أخذ حظوظهم العاجل، وهذا حال من لم يعمل إلا لدنياه سواء كان عمله من جنس العبادات أو غيرها. ثم ذكر سبحانه حال الفروع فقال: {أية : فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ}تفسير : [التوبة: 69] فدل هذا على أن حكمهم حكمهم، وأنهم ينالهم ما ينالهم، لأن حكم النظير حكم نظيره. ثم قال: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} تفسير : [التوبة: 69]. فقيل "الذي" صفة لمصدر محذوف، أي كالمخوض الذي خاضوا وقيل: لموصوف محذوف. أي كخوض القوم الذي خاضوا وهو فاعل الخوض. وقيل: "الذي" مصدرية كـ "ما" أي كخوضهم. وقيل: هي موضع الذين. والمقصود أنه سبحانه جمع بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض بالباطل. لأن فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد بالباطل والتكلم به وهو الخوض، أو يقع بالعمل، بخلاف الحق والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق، فالأول البدع. والثاني اتباع الهوى، وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء، وبهما كذبت الرسل وعصى الرب، ودخلت النار وحلت العقوبات. فالأول من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات، ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى فتنة هواه، وصابح دنيا أعجبته دنياه! وكانوا يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعملون الحق ويعملون بخلافه، وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم. وفي صفة الإمام رحمه الله ـ عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه! أتته البدع فنفاها، والدنيا فأباها. وهذه حال أئمة المتقين، الذين وصفهم الله تعالى في كتابه بقوله: {أية : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}تفسير : [السجدة: 24] فبالصبر تترك الشهوات، وباليقين تدفع الشبهات، كما قال تعالى: {أية : وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 3]، وقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ} تفسير : [ص: 45]. وفي بعض المراسيل: "إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات. فقوله تعالى: {أية : فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ}تفسير : [التوبة: 69] إشارة إلى اتباع الشهوات، وهوداء العصاة. وقوله: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ}تفسير : [التوبة: 69] إشارة إلى الشبهات، وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات، وكثيراً ما يجتمعان. فقل من تجده فاسد الاعتقاد إلا وفساد اعتقاده يظهر في عمله. والمقصود أن الله أخبر أن في هذه الأمة من يستمتع بخلاقه كما استمتع الذين من قبله بخلاقهم، ويخوض كخوضهم، وأن لهم من الذم والوعيد كما للذين من قبلهم، ثم حضهم على القياس والاعتبار بمن قبلهم فقال: {أية : أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [التوبة: 70] فتأمل صحة هذا القياس وإفادته لما علق عليه من الحكم، وأن الأصل والفرع قد تساويا في المعنى الذي علق به العقاب وأكده كما تقدم بضرب من الأولى وهو شدة القوة وكثرة الأموال والأولاد، فإذا لم يتعذر على الله عقاب الأقوى منهم بذنبه فكيف يتعذر عليه عقاب من هو دونه. ومنه قوله تعالى: {أية : وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ}تفسير : [الأنعام: 133]. فهذا قياس جلي، يقول سبحانه: إن شئت أذهبتكم واستخلفت غيركم، كما أذهبت من قبلكم واستخلفتكم، بذكر أركان القياس ألأربعة: علة الحكم وهي عموم مشيئته وكمالها، والحكم وهو إذهابه إياهم وإتيانه بغيرهم، والأصل وهو ما كان من قبل والفرع وهم المخاطبون، ومنه قوله تعالى: {أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [يونس: 39] فأخبر أن من قبل المكذبين أصل يعتبر به، والفرع نفوسهم. فإذا ساووهم في المعنى ساووهم في العاقبة، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً}تفسير : [المزمل: 15-16] فأخبر سبحانه أنه أرسل موسى إلى فرعون، وأن فرعون عصى رسوله فأخذه أخذاً وبيلا. فهكذا من عصى منكم محمداً صلى الله عليه وسلم. وهذا في القرآن كثير جداً فقد فتح لك بابه. فصل: وأما قياس الدلالة ـ فهو الجمع بين الأصل والفرع، بدليل العلة وملزومها، ومنه قوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [فصلت: 39] فدل سبحانه عباده بما أراهم من الإحياء الذي تحققوه وشاهدوه، على الإحياء الذي استبعدوه، وذلك قياس إحياء على إحياء، واعتبار الشيء فنظيره، والعلة الموجبة هي عموم قدرته سبحانه وكمال حكمته، وإحياء الأرض دليل العلة، ومنه قوله تعالى: {أية : يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَيُحْيِي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}تفسير : [الروم: 19]. فدل بالنظير على النظير، وقرب أحدهما من الآخر جداً بلفظ الإخراج، أي يخرجون من الأرض أحياء كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ومنه قوله تعالى: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [القيامة: 36-40] فبين سبحانه كيفية الخلق واختلاف أحوال الماء في الرحم إلى أن صار منه الزوجان الذكر والأنثى، وذلك أمارة وجود صانع قادر على ما شاء، ونبه سبحانه عباده بما أحدثه في النطفة المهينة الحقيرة من الأطوار، وسوقها في مراتب الكمال، من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها، حتى صارت بشراً سوياً في أحسن خلقة وتقويم، على أنه لا يحسن به أن يترك هذا البشر سدى مهملاً معطلاً. لا يأمره ولا ينهاه، ولا يقيمه في عبوديته، وقد ساقه في مراتب الكمال من حين كان نطفة إلى أن صار بشراً سوياً، فكذلك يسوقه في مراتب كماله طبقاً بعد طبق، وحالاً بعد حال، إلى أن يصير جاره في داره يتمتع بأنواع النعيم، وينظر إلى وجهه، ويسمع كلامه ـ إلى آخر كلام ابن القيم رحمه الله تعالى، فإنه أطال في ذكر الأمثلة على النحو المذكور، ولم نذكر جميع كلامه خوفاً من الإطالة المملة، وفيما ذكرنا من كلامه تنبيه على ما لم نذكره، وقد تكلم على قياس الشبه فقال فيه: وأما قياس الشبه فلم يحكه الله سبحانه إلا عن المبطلين. فمنه قوله تعالى إخباراً عن إخوة يوسف أنهم قالوا لما وجدوا الصواع في رحل أخيهم. {أية : إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} تفسير : [يوسف: 77] فلم يجمعوا بين الفرع والأصل بعلة ولا دليلها، وإنما ألحقوا بالآخر من غير دليل جامع سوى مجرد الشبه الجامع بينه وبين يوسف، فقالوا هذا مقيس على أخيه بينهما شبه من وجوه عديدة، وذلك قد سرق فكذلك هذا، وهذا هو الجمع بالشبه الفارغ والقياس بالصورة المجردة عن العلة المقتضية للتساوي، وهو قياس فاسد، والتساوي في قرابة الإخوة ليس بعلة للتساوي في السرقة لو كان حقاً ولا دليل على التساوي فيها فيكون الجمع لنوع شبه خال من العلة ودليلها. ثم ذكر رحمه الله لقياس الشبه الفاسد أمثلة أخرى في الآيات الدالة على أن الكفار كذبوا الرسل بقياس الشبه حيث شبهوهم بالبشر، وزعموا أن ذلك الشبه مانع من رسالتهم. كقوله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: {أية : مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا}تفسير : [هود: 27]، وقوله تعالى عنهم: {أية : مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ}تفسير : [المؤمنون: 33] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. فالمشابهة بين الرسل وغيرهم في كون الجميع بشراً لا تقتضي المساواة بينهم في انتفاء الرسالة عنهم جميعاً، ولما قالوا للرسل {أية : مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا}تفسير : [يس: 15] أجابوهم بقولهم: {أية : إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}تفسير : [إبراهيم: 11]. وقياس الكفار الرسل على سائر البشر في عدم الرسالة قياس ظاهر البطلان. لأن الواقع من التخصيص والتفضيل، وجعل بعض البشر شريفاً وبعضه دنيا وبعضه مرؤوساً وبعضه رئيساً وبعضه ملكاً. وبعضه سوقاً ـ يبطل هذا القياس. كما أشار إليه جواب الرسل المذكور آنفاً، يشير إليه قوله تعالى: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}تفسير : [الزخرف: 32] وهذه الأمثلة من قياس الشبه ليس فيها وصف مناسب بالذات ولا بالتبع. فلذلك كانت باطلة. ثم ذكر ابن القيم رحمه الله: أن جميع الأمثال في القرآن كلها قياسات شبه صحيحة. لأن حقيقة المثل تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس أو أحد المحسوسين من الآخر واعتبار أحدهما بالآخر. ثم سرد الأمثال القرآنية ذلك فيها واحداً واحداً، وأطال الكلام في ذلك فأجاد وأفاد. وقال في آخر كلامه: قالوا فهذا بعض ما اشتمل عليه القرآن من التمثيل والقياس، والجمع والفرق، واعتبار العلل والمعاني وارتباطها بأحكامها تأثيراً واستدلالاً. قالوا: وقد ضرب الله سبحانه الامثال، وصرفها قدراً وشرعاً، ويقظة ومناماً، ودل عباده على الاعتبار بذلك. وعبورهم من الشيء إلى نظيره، واستدلالهم بالنظير على النظير. بل هذا أصل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة، ونوع من أنواع الوحي. فإنها مبنية على القياس والتمثيل، واعتبار المعقول بالمحسوس. ألا ترى أن الثياب في التأويل كالقمص تدل على الدين! فما كان فيها من طول أو قصر، أو نظافة أو دنس فهو في الدين. كما أول النَّبي صلى الله عليه وسلم القميص بالدين والعلم، والقدر المشترك بينهما أن كلا منهما يستر صاحبه ويجمله بين الناس. ومن هذا التأويل اللبن بالفطرة لما في كل منهما من التغذية الموجبة للحياة وكمال النشأة، وأن الطفل إذا خلى وفطرته لم يعدل عن اللبن. فهو مفطور على إيثاره على ما سواه، وكذلك فطرة الإسلام التي فطر الله عليها الناس. ومن هذا تأويل البقر بأهل الدين والخير الذين بهم عمارة الأرض، كما أن البقر كذلك، مع عدم شرها وكثرة خيرها، وحاجة الأرض وأهلها إليها. ولهذا لما رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم بقراً تنحر كان ذلك نحراً في أصحابه. ومن ذلك تأويل الزرع والحرث بالعمل. لأن العامل زارع للخير والشر، ولا بد أن يخرج له ما بذره كما يخرج للباذر زرع ما بذره، فالدنيا مزرعة، والأعمال البذر، ويوم القيامة يوم طلوع الزرع وحصاده. ومن ذلك تأويل الخشب المقطوع المتساند بالمنافقين، والجامع بينهما أن المنافق لا روح فيه ولا ظل ولا ثمر، فهو بمنزلة الخشب الذي هو كذلك. ولهذا شبه تعالى المنافقين بالخشب المسندة. لأنهم أجسام خالية عن الإيمان والخير. وفي كونها مسندة نكتة أخرى: وهي أن الخشب إذا انتفع به جعل في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكاً فارغاً غير منتفع به جعل مسنداً بعضه إلى بعض. فشبه المنافقين بالخشب في الحالة التي لا ينتفع فيها بها إلى آخر كلامه رحمه الله. وقد ذكر أشياء كثيرة من عبارة الرؤيا فأجاد وأفاد رحمه الله، وكلها راجعة إلى اعتبار النظير بنظيره، وذلك كله يدل دلالة واضحة على أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل. ثم قال ابن القيم رحمه الله: فهذا شرع الله وقدره ووحيه، وثوابه وعقابه، كله قائم بهذا الأصل وهو إلحاق النظير بالنظير، واعتبار المثل بالمثل: ولهذا يذكر الشارع العلل والأوصاف المؤثرة. والمعاني المعتبرة في الأحكام القدرية والشرعية والجزائية. ليدل بذلك على تعلق الحكم بها أين وجدت، واقتضائها لأحكامها، وعدم تخلفها عنها إلا لمانع يعارض اقتضاءها ويوجب تخلف آثارها عنها، كقوله تعالى:{أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ }تفسير : [الحشر: 4]، {أية : ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ}تفسير : [غافر: 12]، {أية : ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً}تفسير : [الجاثية: 35]، {أية : ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ}تفسير : [غافر: 75]، {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}تفسير : [محمد: 28]، {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ}تفسير : [محمد: 26]،{أية : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ }تفسير : [فصلت:23]. وقد جاء التعليل في الكتاب العزيز بالباء تارة، وباللام تارة، وبـ "أَن" تارة وبمجموعهما تارة، وبـ "كَيْ" تارة و "مِنْ أجْلِ" تارة، وترتيب الجزاء على الشرط تارة! وبالفاء المؤذنة بالسببية تارة، وترتيب الحكم على الوصف المقتضي له تارة، وبـ "لما" تارة، وبـ"أن" المشددة تارة وبـ "لَعل"، وبالمفعول له تارة. فالأول كما تقدم. واللام كقوله: {أية : ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [المائدة: 97]، وأن كقوله: {أية : أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا}تفسير : [الأنعام: 156]. ثم قيل: التقدير لئلا تقولوا، وقيل كراهة أن تقولوا. وأن اللام كقوله: {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ}تفسير : [النساء: 165] وغالب ما يكون هذا النوع في النفي فتأمله. وكي كقوله: {أية : كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً }تفسير : [الحشر: 7] والشرط والجزاء كقوله: {أية : وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً}تفسير : [آل عمران: 120]، والفاء كقوله: {أية : فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ}تفسير : [الشعراء: 139]، {أية : فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً}تفسير : [الحاقة: 10]، {أية : فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً }تفسير : [المزمل: 16]، وترتيب الحكم على الوصف كقوله: {أية : يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ}تفسير : [المائدة: 16]، وقوله: {أية : يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}تفسير : [المجادلة: 11]، وقوله:{أية : إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ}تفسير : [الأعراف: 170]، {أية : وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [يوسف: 56]، {أية : ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ}تفسير : [يوسف: 52]، ولما كقوله: {أية : فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ}تفسير : [الزخرف: 55]. {أية : فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ}تفسير : [الأعراف: 166]. وإن المشددة كقوله: {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [الأنبياء: 77]، {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ}تفسير : [الأنبياء: 74]. ولعل كقوله: {أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}تفسير : [طه: 44]، {أية : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}تفسير : [البقرة: 73]، {أية : لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الأنعام: 152] والمفعول له كقوله: {أية : وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ}تفسير : [الليل: 19-21] أي لم يفعل ذلك جزاء نعمة أحد من الناس: وإنما فعله ابتغاء وجه ربه الأعلى. ومن أجل كقوله: {أية : مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}تفسير : [المائدة: 32]. وقد ذكر النَّبي صلى الله عليه وسلم علل الأحكام والأوصاف المؤثرة فيها ليدل على ارتباطها بها: وتعديها بتعدي أوصافها وعللها كقوله في نبيذ التمر "حديث : تمرة طيبة. وماء طهور"تفسير : : وقوله "حديث : إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" تفسير : وقوله: "حديث : إنما نهيتكم من أجل الدافة"تفسير : : وقوله في الهرة "حديث : ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات"، حديث : ونهيه عن تغطية رأس المحرم الذي وقصته ناقته وتقريبه الطيب: وقوله "فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً""تفسير : . وقوله "حديث : إنكم إذا فعلتم ذلكم قطعتم أرحامكم" تفسير : ذكره تعليلاً لنهيه عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها. وقوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ}تفسير : [البقرة: 222]، وقوله في الخمر والميسر: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}تفسير : [المائدة: 91] حديث : وقوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر "أينقص الرطب إذا جف""تفسير : ؟ قالوا نعم. فنهى عنه. وقوله: "حديث : لا يتناجى اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه"تفسير : . وقوله: "حديث : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء. وإنه يتقي بالجناح الذي فيه الداء" تفسير : وقوله: "حديث : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس" تفسير : وقال وقد سئل عن مس الذكر هل ينقض الوضوء "حديث : هل هو إلا بضعة منك" حديث : وقوله في ابنة حمزة "إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة""تفسير : ، وقوله في الصدقة: "حديث : إنها لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس"تفسير : . وقد قرب النَّبي صلى الله عليه وسلم الأحكام لأمته بذكر نظائرها وأسبابها، وضرب لها الأمثال. إلى آخر كلامه رحمه الله. وقد ذكر فيه أقيسة فعلها النَّبي صلى الله عليه وسلم. منها قياس القبلة على المضمضة في حديث عمر المتقدم. وقياس دين الله على دين الآدمي في وجوب القضاء. وقد قدمناه مستوفى ما قبله في سورة "بني إسرائيل". ومنها قياس العكس في حديث: حديث : أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أيكون عليه وزر" تفسير : وقد قدمناه مستوفى في سورة "التوبة". ومنها قصة الذي ولدت امرأته غلاماً أسود، وقد قدمنا ذلك مستوفى في سورة "بني إسرائيل". ومنها حديث المستحاضة الذي قاس فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم دم العرق الذي هو دم الاستحاضة على غيره من دماء العروق التي لا تكون حيضاً. وكل ذلك يدل على أن إلحاق النظير بالنظير من الشرع، لا مخالف له كما يزعمه الظاهرية ومن تبعهم. المسألة الرابعة اعلم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يجتهدون في مسائل الفقه في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم، وبعد وفاته من غير نكير. وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى أمثلة كثيرة لذلك. فمن ذلك أمره صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يصلوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق وقال: لم يرد منا تأخير العصر، وإنما أراد سرعة النهوض. فنظروا إلى المعنى. واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلاً. وقد نظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أهل الظاهر. وأولئك سلف أصحاب المعاني والقياس. ومنها ـ أن علياً رضي الله عنه لما كان باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام. فقال كل منهم: هو ابني. فأقرع بينهم، فجعل الولد للقارع وجعل عليه الرجلين الآخرين ثلثي الدية. فبلغ ذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه من قضاء علي رضي الله عنه. ومنها ـ حديث : اجتهاد سعد بن معاذ رضي الله عنه في حكمه في بني قريظة، وقد صوبه النَّبي صلى الله عليه وسلم وقال: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات" ". تفسير : ومنها ـ حديث : اجتهاد الصحابيين اللذين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر. فصوبهما النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقال للذي لم يعد "أصبت السنة وأجزأتك صلاتك"، وقال للآخر: "لك الأجر مرتين" ". تفسير : ومنها ـ اجتهاد مجزز المدلجي بالقيافة، وقال: إن أقدام زيد وأسامة بعضها من بعض، وقد سر النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك حتى برقت أسارير وجهه. وذلك دليل على صحة إلحاق ذلك القائف الفرع بالأصل، مع أن زيداً أبيض وأسامة أسود. فألحق هذا القائف الفرع بنظيره وأصله. وألغى وصف السواد والبياض الذي لا تأثير له في الحكم. ومنها ـ اجتهاد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الكلالة قال: أقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان (أراه ما خلا الوالد والولد) فلما استخلف عمر قال: إني لأستحيي من الله أن أرد شيئاً قاله أبو بكر. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومن أغرب الأشياء عندي ما حديث : جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. من أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أشار له إلى معنى الكلالة إشارة واضحة جداً. ولم يفهمها عنه مع كمال فهمه وعلمه، وأن الوحي ينزل مطابقاً لقوله مراراً. وذلك أنه رضي الله عنه قال: ما سألت النَّبي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر ما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري وقال: "تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء""تفسير : . وهذا الإرشاد من النَّبي صلى الله عليه وسلم واضح كل الوضوح في أنه يريد: أن الكلالة هي ما عدا الولد والوالد. لأن آية الصيف المذكورة التي أخبره أنها تكفيه دلت على ذلك دلالة كافية واضحة فقوله تعالى فيها: {أية : إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ}تفسير : [النساء: 176] صريح في أن الكلالة لا يكون فيها ولد. وقوله فيها: {أية : وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} تفسير : [النساء: 12] يدل بالالتزام على أنها لا أب فيها، لأن الإخوة والأخوات لا يرثون مع الأب. وذلك مما لا نزاع فيه. فظهر أن آية الصيف المذكورة تدل بكل وضوح على أن الكلالة ما عدا الولد والوالد، ولم يفهم عمر رضي الله عنه الإشارة النبوية المذكورة، فالكمال التام له جل وعلا وحده، سبحانه وتعالى علواً كبيراً. ومنها ـ اجتهاد ابن مسعود رضي الله عنه في المرأة التي توفي زوجها ولم يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها. فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله: لها كمهر نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث وعليها العدة. وقد شهد لابن مسعود بعض الصحابة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى بنحو ذلك في بروع بنت واشق، ففرح بذلك. ومنها ـ اجتهاد الصحابة في أن أبا بكر رضي الله عنه أولى من غيره بالإمامة، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم قدمه على غيره في إمامة الصلاة. ومنها ـ اجتهاد أبي بكر في العهد بالخلافة إلى عمر، سواء قلنا إنه من المصالح المرسلة، أو قلنا إنه قاس العهد بالولاية على العقد لها. ومن ذلك اجتهادهم في جمع المصحف بالكتابة. ومن ذلك اجتهادهم في الجد والإخوة، والمشتركة المعروفة بالحمارية واليمية. ومنها ـ اجتهاد أبي بكر في التسوية بين الناس في العطاء، واجتهاد عمر في تفضيل بعضهم على بعض فيه. ومنها ـ اجتهادهم فى جلد السكران ثمانين، قالوا: إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى فحدوه حد الفرية. وأمثال هذا كثيرة جداً. وهي تدل على أن اجتهاد الصحابة في مسائل الفقه متواتر معنى، فإن الوقائع منهم في ذلك وإن لم تتواتر آحادها فمجموعها يفيد العلم اليقيني لتواترها معنى، كما لا يخفى على من ذلك. ورسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى المتضمنة لذلك مشهورة. وقال ابن القيم في (أعلام الموقعين): وقال الشعبي عن شريح قال لي عمر: اقض بما استبان لك من كتاب الله، فإن لم تعلم كل كتاب الله فاقض بما استبان لك من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح.. إلى أن قال: وقايس علي بن أبي طالب رضي الله عنه زيد بن ثابت في المكاتب، وقايسه في الجد والإخوة، وقاس ابن عباس الأضراس بالأصابع وقال: عقلها سواء، اعتبروها بها. قال المزني: الفقهاء من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وهلم جرا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم، وأجمعوا بأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها. قال أبو عمر بعد حكاية ذلك عنه: ومن القياس المجمع عليه صيد ما عدا الكلب من الجوارح قياساً على الكلاب بقوله: {أية : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}تفسير : [المائدة: 4]، وقال عز وجل: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ}تفسير : [النور: 4] فدخل في ذلك المحصنون قياساً. وكذلك قوله في الإماء {أية : فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [النساء: 25] فدخل في ذلك العبد قياساً عند الجمهور إلا من شذ ممن لا يكاد يعد قوله خلافاً. وقال في جزاء الصيد المقتول في الإحرام: {أية : وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً}تفسير : [المائدة: 95] فدخل فيه قتل الخطأ قياساً عند الجمهور إلا من شذ وقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}تفسير : [الأحزاب: 49] فدخل في ذلك الكتابيات قياساً. وقال في الشهادة في المداينات: {أية : فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} تفسير : [البقرة: 282] فدخل في معنى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى قياساً للمواريث والودائع والغصوب وسائر الأموال. وأجمعوا على توريث البنتين الثلثين قياساً على الأختين. وقال عمن أعسر بما عليه من الربا: {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ}تفسير : [البقرة: 280] فدخل في ذلك كل معسر بدين حلال، وثبت ذلك قياسة. ومن هذا الباب توريث الذكر ضعفي ميراث الأنثى منفرداً، وإنما ورد النص في اجتماعهما بقوله: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} تفسير : [النساء: 11]، وقال: {أية : وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ}تفسير : [النساء: 176]. ومن هذا الباب قياس التظاهر بالبنت على التظاهر بالأم فيم لو قال لزوجته: أنت علي كظهر بنتي. وقياس الرقبة في الظهار على الرقبة في القتل بشرط الإيمان. وقياس تحريم الأختين وسائر القرابات من الإماء على الحرائر في الجمع في التسري. قال: وهذا لو تقصيته لطال به الكتاب. قلت. بعض هذه المسائل فيها نزاع، وبعضها لا يعرف فيها نزاع بين السلف. وقد رام بعض نفاة القياس إدخال هذه المسائل المجمع عليها في العمومات اللفظية، فأدخل قذف الرجال في قذف المحصنات، وجعل المحصنات صفة للفروج لا للنساء. وأدخل صيد الجوارح كلها في قوله: {أية : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ} تفسير : [المائدة: 4] وقوله: {أية : مُكَلِّبِين}تفسير : [المائدة: 4] وإن كان من لفظ الكلب فمعناه مغرين لها على الصيد. قاله مجاهد والحسن، وهو رواية عن ابن عباس. وقال أبو سليمان الدمشقي {مُكَلِّبِينَ} معناه معلمين، وإنما قيل لهم {مُكَلِّبِين} لأن الغالب من صيدهم إنما يكون بالكلاب. وهؤلاء وإن أمكنهم ذلك في بعض المسائل، كما جزموا بتحريم أجزاء الخنزير لدخوله في قوله: {أية : فَإِنَّهُ رِجْسٌ} تفسير : [الأنعام: 145] وأعادوا الضمير إلى المضاف إليه دون المضاف ـ فلا يمكنهم ذلك في كثير من المواضع، وهم يضطرون فيها ولا بد إلى القياس أو القول بما لم يقل به غيرهم ممن تقدمهم. فلا يعلم أحد من أئمة الفتوى يقول في حديث : قول النَّبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن فأرة وقعت في سمن: "ألقوها وما حولها وكلوه"" تفسير : إن ذلك يختص بالسمن دون سائر الأدهان والمائعات. هذا مما يقطع بأن الصحابة والتابعين وأئمة الفتيا لا يفرقون فيه بين السمن والزيت والشيرج والدبس. كما لا يفرق بين الفأرة والهرة في ذلك. وكذلك نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر، لا يفرق عالم يفهم عن الله رسوله بين ذلك وبين العنب بالزبيب. ومن هذا أن الله سبحانه قال في المطلقة ثلاثاً: {أية : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 230] أي إن طلقها الثاني فلا جناح عليها وعلى الزوج الأول أن يتراجعا. والمراد به تجديد العقد، وليس ذلك مختصاً بالصورة التي يطلق فيها الثاني فقط، بل متى تفارقا بموت أو خلع أو فسخ أو طلاق حلت للأول قياساً على الطلاق. ومن ذلك قول النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لاَ تَأْكُلُوا في آنِيَة الذَّهب والفِضّة ولاَ تَشْرَبُوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة"تفسير : . وقوله: "حديث : الذي يَشْرَبُ فِي آنِيَة الذَّهَب والفِضّة: إِنما يُجَرْجِر في بَطْنِه نارَ جهنَم" تفسير : وهذا التحريم لا يختص بالأكل والشرب، بل يعم سائر وجوه الانتفاع، فلا يحل له أن يغتسل بها، ولا يتوضأ بها، ولا يكتحل منها وهذا أمر لا يشك فيه عالم. ومن ذلك نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم المحرم عن لبس القميص والسراويل والعمامة والخفين، ولا يختص ذلك بهذه الأشياء فقط، بل يتعدى النهي إلى الجباب والأقبية والطيلسان والقلنسوة، وما جرى مجرى ذلك من الملبوسات. ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُم إِلى الغائِط فليذهب معه بثَلاَثَة أَحْجَار"تفسير : فلو ذهب معه بخرقة تنظيف أكثر من الأحجار، أو بطن أو صوف أو خز ونحو ذلك جاز. وليس للشارع غرض في غير التنظيف والإزالة، فما كان أبلغ في ذلك كان مثل الأحجار في الجواز أو أولى. ومن ذلك أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم "نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه أو يخطب على خطبته". معلوم أن المفسدة التي نهى عنها في البيع والخطبة موجودة في الإجارة. فلا يحل له أن يؤجر على إجارته. وإن قدر دخول الإجارة في لفظ البيع العام وهو بيع المنافع فحقيقتها غير حقيقة البيع، وأحكامها غير أحكامه. ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى في آية التيمم: {أية : وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}تفسير : [المائدة: 6] فألحقت الأمة أنواع الحدث الأصغر على اختلافها في نقضها بالغائط. والآية لم تنص من أنواع الحدث الأصغر إلا عليه وعلى اللمس، على قول من فسره بما دون الجماع. وألحقت الاحتلام بملامسة النساء، وألحقت واجد ثمن الماء بواجده. وألحقت من خاف على نفسه أو بهائمه من العطش إذا توضأ بعادم الماء. فجوزت له التيمم وهو واجد للماء. وألحقت من خشي المرض من شدة برد الماء بالمريض في العدول عنه إلى البدل. وإدخال هذه الأحكام وأمثالها في العمومات المعنوية التي لا يستريب من له فهم عن الله ورسوله في قصد عمومها وتعليق الحكم به، وكونه متعلقاً بمصلحة العبد أولى من إدخالها في عمومات لفظية بعيدة التناول لها ليست بحرية الفهم مما لا ينكر تناول العموميين لها. فمن الناس من يتنبه لهذا، ومنهم من يتفطن لتناول العموميين لها. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ}تفسير : [البقرة: 283] قاست الأمة الرهن في الحضر على الرهن في السفر مع وجود الكاتب على الرهن مع عدمه. فإن استدل على ذلك بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه في الحضر فلا عموم في ذلك. فإنما رهنها على شعير استقرضه من يهودي فلا بد من القياس: إما على الآية، وإما على السنة. ومن ذلك أن سمرة بن جندب لما باع خمر أهل الذمة وأخذ ثمنها في العشور التي عليهم. فبلغ ذلك عمر قال: قاتل الله سمرة؟ أما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لَعَنَ الله اليَهُودَ حُرمَت عليهم الشُّحُوم فجملوها وَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَها" تفسير : وهذا محض القياس من عمر رضي الله عنه. فإن تحريم الشحوم على اليهود كتحريم الخمر على المسلمين. وكما يحرم ثمن الشحوم المحرمة فكذلك يحرم ثمن الخمر الحرام. ومن ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم جعلوا العبد على النصف من الحر في النكاح والطلاق والعدة، قياساً على ما نص الله عليه من قوله: {أية : فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [النساء: 25] ثم ذكر رحمه الله آثاراً دالة على أن الصحابة جعلوا العبد على النصف من الحر فيما ذكر قياساً على ما نص الله عليه من تنصيف الحد على الأمة. ومن ذلك توريث عثمان بن عفان رضي الله عنه المبتوتة في مرض الموت برأيه، ووافقه الصحابة على ذلك. ومن ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما في نهي النَّبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه، قال: أحسب كل شيء بمنزلة الطعام. ومن ذلك أن عمر وزيداً رضي الله عنهما لما قالا: إن الأم ترث ما بقي بعد أحد الزوجين في مسألة زوج أو زوجة مع الأبوين، قاسا وجود أحد الزوجين مع الأبوين على ما إذا لم يكن هناك زوج ولا زوجة، فإنه حينئذ يكون للأب ضعف ما للأم، فقدرا أن الباقي بعد الزوج أو الزوجة كل المال. وهذا من أحسن القياس. فإن قاعدة الفرائض: أن الذكر والأنثى إذا اجتمعا وكانا في درجة واحدة، فإما أن يأخذ الذكر ضعف ما تأخذه الأنثى كالأولاد وبني الأب، وإما أن تساويه كولد الأم. وإما أن الأنثى تأخذ ضعف ما يأخذ مع مساواته لها في درجته فلا عهد به في الشريعة. فهذا من أحسن الفهم عن الله ورسوله. ومن ذلك أخذ الصحابة رضي الله عنهم في الفرائض بالعول، وإدخال النقص على جميع ذوي الفرائض قياساً على إدخال النقص على الغرماء إذا ضاق مال المفلس عن توفيتهم. ولا شك أن العول الذي أخذ به الصحابة رضي الله عنهم أعدل من توفية بعض المستحقين حقه كاملاً ونقص بعضهم بعض حقه، فهذا ظلم لا شك فيه، وأمثال هذا كثيرة، فلو تقصيناها لطال الكلام جداً. وهذه الوقائع التي ذكرنا وأمثالها مما لم نذكر تدل دلالة قطعية على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستعملون القياس في الأحكام، ويعرفونها بالأمثال والأشباه والنظائر، ولا يلتفت إلى من يقدح في كل سند من أسانيدها، فإنها في كثرة طرقها واختلاف مخارجها وأنواعها جارية مجرى التواتر المعنوي الذي لا شك فيه وإن لم يثبت كل فرد من الإخبار بها كما هو معروف في أصول الفقه وعلى الحديث. المسألة الخامسة اعلم أن القياس جاءت على منعه في الجملة أدلة كثيرة، وبها تمسك الظاهرية ومن تبعهم، وسنذكر هنا إن شاء الله جملاً وافية من ذلك ثم نبين الصواب فيه إن شاء الله تعالى. قالوا: فمن ذلك قوله تعالى: {أية : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}تفسير : [النساء: 59] وأجمع المسلمون على أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه هو الرد إليه في حضوره وحياته، وإلى سنته في غيبته وبعد مماته، والقياس ليس بهذا ولا هذا، ولا يقال الرد إلى القياس هو من الرد إلى الله ورسوله. لدلالة كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام كما تقدم تقريره. لأن الله سبحانه إنما ردنا إلى كتابه وسنة رسوله، ولم يردنا إلى قياس عقولنا وآرائنا فقط. بل قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة: 49]، وقال: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ}تفسير : [النساء: 105] ولم يقل بما رأيت أنت. وقال: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [المائدة: 44] {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [المائدة: 45] {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}تفسير : [المائدة: 47]، وقال تعالى: {أية : ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 3]، وقال تعالى: {أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [النحل: 89]، وقال: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [العنكبوت: 51]، وقال: {أية : قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي}تفسير : [سبأ: 50] فلو كان القياس هدى لم ينحصر الهدى في الوحي. وقال: {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}تفسير : [النساء: 65] فنفى الإيمان حتى يوجد تحكيمه وحده، وهو تحكيمه في حال حياته وتحكم سنته فقط بعد وفاته، وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : [الحجرات: 1] أي لا تقولوا حتى يقول: قال نفاة القياس: والإخبار عنه بأنه حرم ما سكت عنه، أو أوجبه قياساً على ما تكلم بتحريمه أو إيجابه ـ تقدم بين يديه. فإنه إذا قال: حرمت عليكم الربا في البر، فقلنا: ونحن نقيس على قولك البلوط، فهذا محض التقدم، قالوا: وقد حرم سبحانه أن نقول عليه ما لا نعلم. فإذا قلنا ذلك فقد واقعنا هذا المحرم يقيناً، فإنا غير عالمين بأنه أراد من تحريم الربا في الذهب والفضة تحريمه في القديد من اللحوم، وهذا قفو منا ما ليس لنا به علم، وتعد لما حد لنا ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه. والواجب أن نقف عند حدوده، ولا نتجاوزها ولا نقصر بها. ولا يقال: فإبطال القياس وتحريمه والنهي عنه تقدم بين يدي الله ورسوله، وتحريم لما لم ينص على تحريمه، وقفو منكم لما ليس لكم به علم. لأنا نقول: الله سبحانه وتعالى أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً، وأنزل علينا كتابه، وأرسل إلينا رسوله يعلمنا الكتاب والحكمة. فما علمناه وبينه لنا فهو من الدين، وما لم يعلمناه ولا بين لنا أنه من الدين فليس من الدين ضرورة، وكل ما ليس من الدين فهو باطل، فليس بعد الحق إلا الضلال. وقال تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} تفسير : [المائدة: 3] فالذي أكمله الله سبحانه، وبينه هو ديننا لا دين لنا سواه. فأين فيما أكمله لنا. قيسوا ما سكت عنه على ما تكلمت بإيجابه أو تحريمه أو إباحته، سواء كان الجامع بينهما علة أو دليل علة، أو وصفا شبيهاً. فاستعملوا ذلك كله، وانسبوه إلي وإلى رسولي وإلى ديني، وأحكموا به علي. قالوا: وقد أخبر سبحانه أن الظن لا يغني من الحق شيئاً، وأخبر رسوله "حديث : أن الظَّنَّ أكْذَب الحَدِيث" تفسير : ونهى عنه، ومن أعظم الظن ظن القياسيين. فإنهم ليسوا على يقين أن الله سبحانه وتعالى حرم بيع السمسم بالشيرج، والحلوى بالعنب، والنشا بالبر، وإنما هي ظنون مجردة لا تغني من الحق شيئاً. قالوا: وإن لم يكن قياس الضراط على السلام عليكم من الظن الذي نهينا عن اتباعه وتحكيمه، وأخبرنا أنه لا يغني من الحق شيئاً فليس في الدنيا ظن باطل. فأين الضراط من السلام عليكم. وإن لم يكن قياس الماء الذي لاقى أخبث العذرات والميتات والنجاسات ـ ظناً. فلا ندري ما الظن الذي حرم الله سبحانه القول به، وذمه في كتابه، وسلخه من الحلق، وإن لم يكن قياس أعداء الله ورسوله من عباد الصلبان واليهود الذين هم أشد الناس عداوة للمؤمنين على أوليائه وخيار خلقه، وسادات الأمة وعلمائها وصلحائها في تكاثر دمائهم وجريان القصاص بينهم ـ ظناً. فليس في الدنيا ظن يذم اتباعه. قالوا من العجب أنكم قستم أعداء الله على أوليائه في جريان القصاص بينهم، فقتلتم ألف ولي لله تعالى قتلوا نصرانياً واحداً، ولم تقيسوا من ضرب رجلاً بدبوس فنثر دماغه بين يديه على من طعنه بمسلة فقتله. قالوا: وسنبين لكن من تناقض أقيستكم واختلافها وشدّة اضطرابها ـ ما يبين أنها من عند غير الله. قالوا: والله تعالى لم يكل بيان شريعته إلى آرائنا وأقيستنا واستنباطنا، وإنما وكلها إلى رسوله المبين عنه، فما بينه عنه وجب اتباعه، وما لم يبينه فليس من الدين، ونحن نناشدكم الله هل اعتمادكم في هذه الأقيسة الشبيهة والأوصاف الحدسية التخمينية على بيان الرسول، أو على آراء الرجال، وظنونهم وحدسهم. قال الله تعالى: {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44] فأين بين النَّبي صلى الله عليه وسلم؟ إني إذا حرمت شيئاً أو أوجبته أو أبحته، فاستخرجوا وصفاً ما شبيهاً جامعاً بين ذلك وبين جميع ما سكت عنه فألحقوه به وقيسوه عليه. قالوا: والله تعالى قد نهى عن ضرب الأمثال له، فكما لا تضرب له الأمثال لا تضرب لدينه، وتمثيل ما لم ينص على حكمه بما نص عليه لشبه ما ضرب الأمثال لدينه. قالوا: وما ضربه الله ورسوله من الأمثال فهو حق، خارج عما نحن بصدده من إثباتكم الأحكام بالرأي والقياس من غير دليل من كتاب ولا سنة. وذكروا شيئاً كثيراً من الأمثال التي ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم معترفين بأنها حق. قالوا: ولا تفيدكم في محل النزاع، قالوا: فالأمثال التي ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هي لتقريب المراد، وتفهيم المعنى وإيصاله إلى ذهن السامع. وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مثل به. فإنه قد يكون أقرب إلى تعقله وفهمه، وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره. فإن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير. ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد ولا ينكره. وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهوراً ووضوحاً. فالأمثال شواهد المعنى المراد، وتزكية له. وهي كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، وهي خاصة العقل ولبه وثمرته، ولكن أين في الأمثال التي ضربها الله ورسوله على هذا الوجه؟ فهمنا أن الصداق لا يكون أقل من ثلاثة دراهم أو عشرة، قياساً وتمثيلاً على أقل ما يقطع فيه السارق. هذا بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالأمثال المضروبة للفهم. كما قال إمام الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في جامعه الصحيح: (باب من شبه أصلاً معلوماً بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السامع). قالوا: فنحن لا ننكر هذه الأمثال التي ضربها الله ورسوله، ولا نجهل ما أريد بها، وإنماننكر أن يستفاد وجوب الدم على من قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربعاً من قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}تفسير : [البقرة: 196] وأن الآية تدل على ذلك. وأن حديث : قوله صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر: صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من أقط أو صاع من بر، أو "صاع من زبيب" تفسير : يفهم منه أنه لو أعطى ـ صاعا من إهليج جاز، وأنه يدل على ذلك بطريق التمثيل والاعتبار. وأن قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الولد للفراش" تفسير : يستفاد منه ومن دلالته أنه لو قال الولي بحضرة الحاكم: زوجتك ابنتي وهو بأقصى الشرق وهي بأقصى الغرب، فقال: قبلت هذا التزويج وهي طالق ثلاثاً، ثم جاءت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر ـ أنه ابنه، وقد صارت فراشاً بمجرد قبوله قبلت هذا التزويج، ومع هذا لو كانت له سرية يطؤها ليلاً ونهاراً لم تكن فراشاً له ولو أتت بولد لم يلحقه نسبه إلا أن يدعيه ويستلحقه، فإن لم يستلحقه فليس بولده؟ وأين يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن في قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل" تفسير : ـ أنه لو ضربه بحجر المنجنيق أو بكور الحداد أو بمرازب الحديد العظام، حتى خلط دماغه بلحمه وعظمه ـ أن هذا خطأ شبه عمد لا يوجب قوداً. وأين يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ادْرَءُوا الحُدُود عن المُسْلمِين ما اسْتَطَعْتُم فإن لم يكن له مَخْرَج فَخَلُّوا سَبِيله، فإن الإمام إن يُخْطِئ في العَفْو خَيْر له من أن يخْطِئ في العُقُوبة" تفسير : ـ أن من عقد على أمه أو ابنته أو أخته ووطئها فلا حد عليه. وأن هذا المفهوم من قوله "حديث : ادْرَءُوا الحُدُود بالشُّبُهات" تفسير : فهذا في معنى الشبهة التي تدرأ بها الحدود، وهي الشبهة في المحل أو في الفاعل أو في الاعتقاد. ولو عرض هذا على فهم من فرض من العالمين لم يفهمه من هذا اللفظ بوجه من الوجوه. وأن من يطأ خالته أو عمته بملك اليمين فلا حد عليه مع علمه بأنها خالته أو عمته وتحريم الله لذلك، ويفهم هذا من "حديث : ادْرَءُوا الحُدُود بالشُّبُهات"تفسير : ، وأضعاف أضعاف هذا مما لا يكاد ينحصر. قالوا: فهذا التمثيل والتشبيه هو الذي ننكره، وننكر أن يكون في كلام الله ورسوله دلالة على فهمه بوجه ما. قالوا: ومن أين يفهم من قوله: {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} تفسير : [النحل: 66]، ومن قوله: {أية : فَٱعْتَبِرُواْ} تفسير : [الحشر: 2] ـ تحريم بيع الكشك باللبن. وبيع الخل بالعنب، ونحو ذلك. قالوا: وقد قال تعالى: {أية : وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى: 10] ولم يقل إلى قياساتكم وآرائكم. ولم يجعل الله آراء الرجال وأقيستها حاكمة بين الأمة أبداً. قالوا: وقد قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}تفسير : [الأحزاب: 36] فإنما منعهم من الخيرة عند حكمه وحكم رسوله. لا عند آراء الرجال وأقيستهم وظنونهم. وقد أمر سبحانه رسوله باتباع ما أوحاه إليه خاصة، وقال: {أية : إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} تفسير : [الأنعام: 50]، وقال: {أية : وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}تفسير : [المائدة: 49]، وقال تعالى: {أية : أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ} تفسير : [الشورى: 21] ـ قالوا: فدل هذا النص على أن ما لم يأذن به الله من الدين فهو شرع غيره الباطل. قالوا: وقد أخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى: أن كل ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفو عفا عنه لعباده، مباح إباحة العفو، فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه قياساً على ما أوجبه أو حرمه بجامع بينهما، فإن ذلك يستلزم رفع هذا القسم بالكلية وإلغاؤه، إذ المسكوت عنه لا بد أن يكون بينه وبين المحرم شبه ووصف جامع، وبينه وبين الواجب. فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسم قد عفا عنه. ولم يكن ما سكت عنه قد عفا عنه بل يكون ما سكت عنه قد حرمه قياساً على ما حرمه، وهذا لا سبيل إلى دفعه، وحينئذ فيكون تحريم ما سكت عنه تبديلاً لحكمه. وقد ذم الله تعالى من بدل غير القول الذي أمر به فمن بدل غير الحكم الذي شرع له فهو أولى بالذم، وقد قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من أعظم المسلمين في المسلمين جرماً: من سأل عن شيء لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته" تفسير : فإذا كان هذا فيمن تسبب إلى تحريم الشارع صريحاً بمسألته عن حكم ما سكت عنه، فكيف بمن حرم المسكوت عنه بقياسه ورأيه!! يوضحه أن المسكوت عنه لما كان عفواً عفا الله لعباده عنه، وكان البحث عنه سبباً لتحريم الله إياه لما فيه من مقتضى التحريم لا لمجرد السؤال عن حكمه، وكان الله قد عفا عن ذلك وسامح به عباده كما يعفو عما فيه مفسدة من أعمالهم وأقوالهم. فمن المعلوم أن سكوته عن ذكر لفظ عام يحرمه ـ يدل على أنّه عفو منه، فمن حرمه بسؤاله عن علة التحريم وقياسه على المحرم بالنص، كان أدخل في الذم ممن سأله عن حكمه لحاجته إليه، فحرم من أجل مسألته، بل كان الواجب عليه ألا يبحث عنه. ولا يسأل عن حكمه اكتفاء بسكوت الله عن عفوه عنه. فهكذا الواجب عليه ألا يحرم المسكوت عنه بغير النص الذي حرم أصله الذي يلحق به. قالوا: وقد دل على هذا كتاب الله حيث يقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ}تفسير : [المائدة: 101-102]. وقد قال النَّبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "حديث : ذَرُونِي ما تَرَكْتُكم فإنما هَلَكَ الَّذِينَ من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أَنْبِيَائهم، فإذا نَهْيتُكم عن شيء فَاجْتَنِبُوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" تفسير : فأمرهم أن يتركوه من السؤال ما تركهم. ولا فرق في هذا بين حياته وبين مماته. فنحن مأمورون أن نتركه صلى الله عليه وسلم وما نص عليه، فلا نقول له لم حرمت كذا لنلحق به ما سكت عنه بل هذا أبلغ في المعصية من أن نسأله عن حكم شيء لم يحكم فيه ـ فتأمله فإنه واضح، ويدل عليه قوله في نفس الحديث: "حديث : وَإِذا نَهَيْتُكُمْ عن شيء فاجْتَنِبُوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما اسْتَطَعْتُم" تفسير : فجعل الأمور ثلاثة لا رابع لها: (مأمور به) فالفرض عليهم فعله بحسب الاستطاعة (ومنهي عنه) فالفرض عليهم اجتنابه بالكلية. (ومسكوت عنه) فلا يتعرض للسؤال والتفتيش عليه. وهذا حكم لا يختص بحياته فقط، ولا يخص الصحابة دون من بعدهم، بل فرض علينا نحن امتثال أمره، واجتناب نهيه، وترك البحث والتفتيش عما سكت عنه. وليس ذلك الترك جهلاً. وتجهيلاً لحكمه، بل إثبات لحكم العفو وهو الإباحة العامة، ورفع الحرج عن فاعله. فقد استوعب الحديث أقسام الدين كلها، فإنها: إما واجب، وإما حرام، وإما مباح. والمكروه والمستحب فرعان على هذه الثلاثة غير خارجين عن المباح. وقد قال تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}تفسير : [القيامة: 18-19] فوكل بيانه إليه سبحانه لا إلى القياسيين والآرائيين. وقال تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ}تفسير : [يونس: 59] فقسم الحكم إلى قسمين: قسم أذن فيه وهو الحق، وقسم افترى عليه وهو ما لم يأذن فيه. فأين إذا لنا أن نقيس البلوط على التمر في جريان الربا فيه، وأن نقيس القزدير على الذهب والفضة، والخردل على البر: فإن كان الله ورسوله وصانا بهذا فسمعا وطاعة لله ورسوله. وإلا فإنا قائلون لمنازعينا {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا}تفسير : [الأنعام: 144] فما لم تأتونا به وصية من عند الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فهو عين الباطل، وقد أمرنا الله برد ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فلم يبح لنا قط أن نرد ذلك إلى رأي ولا قياس، ولا تقليد إمام ولا منام، ولا كشوف ولا إلهام، ولا حديث قلب ولا استحسان، ولا معقول ولا شريعة الديوان، ولا سياسة الملوك، ولا عوائد الناس التي ليس على شرائع المرسلين أضر منها. فكل هذه طواغيت! من تحاكم إليها أو دعا منازعه إلى التحاكم إليها فقد حاكم إلى الطاغوت! وقال تعالى: {أية : فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 74]. قالوا: ومن تأمل هذه الآية حق التأمل ـ تبين له أنها نص على إبطال القياس وتحريمه، لأن القياس كله ضرب الأمثال للدين وتمثيل ما لا نص فيه بما فيه نص. ومن مثل ما لم ينص الله سبحانه على تحريمه أو إيجابه بما حرمه أو أوجبه فقد ضرب لله الأمثال، ولو علم سبحانه أن الذي سكت عنه مثل الذي نص عليه لأعلمنا بذلك، ولما أغفله سبحانه، وما كان ربك نسياً وليبين لنا ما نتقي كما أخبر عن نفسه بذلك إذ يقول سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} تفسير : [التوبة: 115]. ولما وكله إلى آرائنا ومقاييسنا التي ينقض بعضها بعضاً، فهذا يقيس ما يذهب إليه على ما يزعم أنه نظيره، فيجيء منازعه فيقيس القياسان معاً من عند الله، وليس أحدهما أولى من الآخر فليسا من عنده، وهذا وحده كاف في إبطال القياس، وقد قال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} تفسير : [إبراهيم: 4]، وقال: {أية : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}تفسير : [النحل: 44]. فكل ما بينه رسوله الله صلى الله عليه وسلم فعن ربه سبحانه، بينه بأمره وإذنه. وقد علمنا يقيناً وقوع كل اسم في اللغة على مسماه فيها، وأن اسم البر لا يتناول الخردل، واسم التمر لا يتناول البلوط، واسم الذهب والفضة لا يتناول القزدير، وأن تقدير نصاب السرقة لا يدخل فيه تقدير المهر، وأن تحريم أكل الميتة لا يدل على أن المؤمن الطيب عند الله حياً وميتاً إذا مات صار نجساً خبيثاً. وأن هذا عن البيان الذي ولاه الله رسوله وبعثه به أبعد شيء وأشده منافاة له. فليس هو مما بعث به الرسول قطعاً، فليس إذاً من الدين. وقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا بَعَث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" ولو كان الرأي والقياس خيراً لهم لدلهم عليه، وأرشدهم إليه" تفسير : ولقال لهم إذا أوجبت عليكم شيئاً أو حرمته فقيسوا عليه ما كان بينه وصف جامع، أو ما أشبهه. أو قال ما يدل على ذلك أو يستلزمه، ولما حذرهم من ذلك أشد الحذر. وقد أحكم اللسان كل اسم على مسماه لا على غيره. وإنما بعث الله سبحانه محمداً صلى الله عليه وسلم بالعربية التي يفهمها العرب من لسانها، فإذا نص سبحانه في كتابه أو نص رسوله على اسم من الأسماء، وعلق عليه حكماً من الأحكام ـ وجب ألا يوقع ذلك الحكم إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم، ولا يتعدى به الوضع الذي وضعه الله ورسوله فيه، ولا يخرج عن ذلك الحكم شيء، مما يقتضيه الاسم، فالزيادة عليه زيادة في الدين، والنقص منه نقص في الدين. فالأول القياس، والثاني التخصيص الباطل، وكلاهما ليس من الدين. ومن لم يقف مع النصوص فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه، ويقول هذا قياس. ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه ويخرجه عن حكمه ويقول هذا تخصيص. ومرة يترك النص جملة ويقول ليس العلم عليه. أو يقول هذا خلاف القياس، أو خلاف الأصول. قالوا: ولو كان القياس من الدين لكان أهله أتبع الناس للأحاديث، وكان كلما توغل فيه الرجل كان أشد اتباعاً للأحاديث والآثار. قالوا: ونحن نرى أن كلما اشتد توغل الرجل فيه اشتدت مخالفته للسنن ولا ترى خلاف السنن والآثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس. فلله كم من سنة صحيحة صريحة قد عطلت به، وكم من أثر درس حكمه بسببه فالسنن والآثار عند الآرائيين والقياسيين خلوية على عروشها، معطلة أحكامها، معزولة عن سلطانها وولايتها، لها الاسم ولغيرها الحكم، لها السكة والخطبة ولغيرها الأمر والنهي. وإلا فلماذا ترك حديث العرايا، وحديث قسم الابتداء، وأن للزوجة حق العقد سبع ليال إن كانت بكراً، أو ثلاثاً إن كانت ثيباً. ثم يقسم بالسوية، وحديث تغريب الزاني غير المحصن، وحديث الاشتراط في الحج، وجواز التحلل بالشرط، وحديث المسح على الجوربين، وحديث عمران بن حصين وأبي هريرة في أن كلام الناس والجاهل لا يبطل الصلاة، وحديث دفع اللقطة إلى من جاء فوصف وعاءها ووكاءها وعفاصها، وحديث المصراة. وحديث القرعة بين العبيد إذا أعتقوا في المرض ولم يحملهم الثلث. وحديث خيار المجلس. وحديث إتمام الصوم لمن أكل ناسياً. وحديث إتمام الصبح لمن طلعت عليه الشمس وقد صلى منها ركعة. وحديث الصوم عن الميت. وحديث الحج عن المريض المأيوس من برئه. وحديث الحكم بالقافة. وحديث "حديث : من وجد متاعا عند رجل قد أفلس"تفسير : . وحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر. وحديث بيع المدبر. وحديث القضاء بالشاهد مع اليمين، وحديث "حديث : الولد للفراش إذا كان من أمه" تفسير : وهو سبب الحديث تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا. وحديث قطع السارق في ربع دينار. وحديث رجم الكتابيين في الزنى، وحديث "حديث : من تزوج امرأة أبيه أمر بضرب عنقه وأخذ ماله"تفسير : وحديث "حديث : لا يقتل مؤمن بكافر"تفسير : ، وحديث "حديث : لعن الله المحلل والمحلل له" تفسير : وحديث "حديث : لا نكاح إلاّ بولي" تفسير : وحديث "حديث : المطلقة ثلاثا لا سكنى لها ولا نفقة"تفسير : ، وحديث عتق صفية وجعل عتقها صداقها، وحديث "حديث : اصدقوا ولو خاتماً من حديد"تفسير : ، وحديث "إباحة لحوم الخيل"، وحديث "حديث : كل مسكر حرام"تفسير : ، وحديث "حديث : ليس فيما دون خمسة أوسق صداقة"تفسير : . وحديث المزارعة والمساقاة، وحديث "حديث : ذكاة الجنين ذكاة أمه"تفسير : وحديث "حديث : الرهن مركوب ومحلوب"تفسير : . وحديث النهي عن تخليل الخمر، وحديث قسمة الغنيمة "حديث : للراجل سهم وللفارس ثلاثة"تفسير : ، وحديث "حديث : لا تحرم المصة والمصتان"تفسير : ، وأحاديث حرمة المدينة، وحديث إشعار الهدى وحديث "حديث : إذا لم يجد المحرم الإزار فليلبس السراويل"تفسير : ، وحديث الوضوء من لحوم الإبل، وأحاديث المسح على العمامة، وحديث الأمر بإعادة الصلاة لمن صلى خلف الصف وحده، وحديث السراويل، وحديث منع الرجل من تفضيل بعض ولده على بعض. وأنه جورٌ لا تجوز الشهادة عليه، وحديث "حديث : أنت ومالك لأبيك" تفسير : وحديث "حديث : من دخل والإمام يخطب يصلي تحية المسجد"تفسير : ، وحديث الصلاة على الغائب، وحديث الجهر بـ "آمين" في الصلاة، وحديث جواز رجوع الأب فيما وهبه لولده ولا يرجع غيره، وحديث "حديث : الكلب الأسود يقطع الصلاة" تفسير : وحديث الخروج إلى العيد من الغد إذا علم بالعيد بعد الزوال، وحديث نضح بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، وحديث الصلاة على القبر، وحديث "حديث : من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيئ وله نفقته"تفسير : ، وحديث بيع جابر بعيره واشتراط ظهره، وحديث النهي عن جلود السباع، وحديث "حديث : لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره"تفسير : ، وحديث "حديث : إذا أسلم وتحته أختان اختار أيتهما شاء"تفسير : ، وحديث الوتر على الراحلة، وحديث "حديث : كل ذي ناب من السباع حرام"تفسير : ، وحديث "من السنة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وحديث "حديث : لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيه صلبه من ركوعه وسجوده"تفسير : ، وأحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه، وأحاديث الاستفتاح، وحديث: كان للنَّبي صلى الله عليه وسلم سكتتان في الصلاة، وحديث "حديث : تحريمها التكبير وتحليلها التسليم"تفسير : ، وحديث حمل الصبية في الصلاة، وأحاديث القرعة، وأحاديث العقيقة، وحديث "لو أن رجلاً اطلع عليك بغير إذنك"، وحديث "حديث : أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل"تفسير : ، وحديث "إن بلالاً يؤذن بليل"، وحديث النهي عن صوم يوم الجمعة، وحديث النهي عن الذبح بالسن والظفر، وحديث صلاة الكسوف والاستسقاء، وحديث النهي عن عسيب الفحل، وحديث "حديث : المحرم إذا مات لم يخمر رأسه، ولم يقرب طيباً" تفسير : إلى أضعاف ذلك من الأحاديث التي كان تركها من أجل القول بالقياس والرأي. فلو كان القياس حقاً لكان أهله أتبع الأمة للأحاديث، ولا حفظ لهم ترك حديث واحد إلا لنص ناسخ له: فحيث رأينا كل من كان أشد توغلاً في القياس والرأي كان أشد مخالفة للأحاديث الصحيحة الصريحة ـ علمنا أن القياس ليس من الدين، وأن شيئا تترك له السنن لأبين شيئ منافاة للدين. فلو كان القياس حقاً لكان أهله أتبع الأمة للأحاديث، ولا حفظ لهم ترك حديث واحد إلا لنص ناسخ له: فحيث رأينا كل من كان أشد توغلاً في القياس والرأي كان أشد مخالفة للأحاديث الصحيحة الصريحة ـ علمنا أن القياس ليس من الدين، وأن شيئاً تترك له السنن لأبين شيء منافاة للدين. فلو كان القياس من عند الله لطابق السنة أعظم مطابقة، ولم يخالف أصحابه حديثاً واحداً منها، ولكانوا أسعد بها من أهل الحديث. فليروا أهل الحديث والأثر حديثاً واحداً صحيحاً قد خالفوه. كما أريناهم آنفاً ما خالفوه من السنة بجريرة القياس. قالوا: وقد أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب وعلينا بعدهم: ألا نقول على الله إلا بالحق. فلو كانت هذه الأقيسة المتعارضة المتناقضة التي ينقض بعضها بعضاً بحيث لا يدري الناظر فيها أيها الصواب حقاً ـ لكانت متفقة بصدق بعضها بعضاً كالسنة التي يصدق بعضها بعضاً، وقال تعالى: {أية : وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} تفسير : [يونس: 82] لا بآرائنا ولا مقاييسنا، وقال: {أية : وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ}تفسير : [الأحزاب: 4] فما لم يقله سبحانه ولا هدى إليه فليس من الحق، وقال تعالى: {أية : فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ} تفسير : [القصص: 50] فقسم الأمور إلى قسمين لا ثالث لهما: اتباع لما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، واتباع الهوى. قالوا: حديث : والرسول صلى الله عليه وسلم لم يدع أمته إلى القياس قط، بل قد صح عنه أنّه أنكر على عمر وأسامة محض القياس في شأن الحلتين اللتين أرسل بهما إليهما فلبسها أسامة قياساً للبس على التملك والانتفاع والبيع، وكسوتها لغيره، وردها عمر قياساً لتملكها على لبسها. فأسامة أباح، وعمر حرم قياساً. فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحد من القياسين. وقال لعمر: "إنما بَعَيْتُ بِهَا إِلَيْك لِتَسْتمتِعَ بِهَا". وقال لأسامة: "إِني لم أَبْعَث إِلَيْك بِها لِتَلْبِسَهَا ولكن بَعَثتها إِلَيْك لتشقها خُمُراً لِنِسائِك"تفسير : ، والنَّبي صلى الله عليه وسلم إنما تقدم إليهم في الحرير بالنص على تحريم لبسه فقط. لقاسا قياساً أخطأ فيه. فأحدهما قاس اللبس على الملك، وعمر قاس التملك على اللبس، والنَّبي صلى الله عليه وسلم بين أن ما حرمه من اللبس لا يتعدى إلى غيره، وما أباحه من التملك لا يتعدى إلى اللبس. قالوا: وهذا عين إبطال القياس. وقالوا: وقد صح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله فَرَض فَرَائض فلا تُضَيِّعُوها، وحَد حُدُوداً فلا تَعْتَدُوهَا، ونَهَى عن أَشْيَاء فلا تَنْتَهِكُوها، وسكت عن أشياء رَحْمَة لَكُم غَيْر نِسْيَان فلا تَبْحَثُوا عنها"تفسير : ، قالوا: وهذا الخطاب عام لجميع الأمة أولها وآخرها. قالوا: وقد جاء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بإسناد جيد من حديث سلمان رضي الله قال: سئل النَّبي صلى الله عليه وسلم أَشْيَاء فقال: "حديث : الحَلاَل ما أَحَلَّه الله، والحَرَام ما حَرمَ الله، ومَا سَكَتَ عَنْه فهو مِمَّا عَفَا عَنْه"تفسير : . قالوا: وكل ذلك يدل على أن المسكوت عنه معفو عنه. فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه بإلحاقه بالمنطوق به. قالوا: وقال عبدالله بن المبارك: ثنا عيسى بن يونس، عن جرير بن عثمان، عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه عن عوض بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم. فيحلون الحرام ويحرمون الحلال"تفسير : . قال قاسم بن أصبغ: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، ثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبدالله.. فذكره وهؤلاء كلهم أئمة ثقات حفاظ. إلا جرير بن عثمان فإنه كان منحرفاً عن علي رضي الله عنه، ومع ذلك فقد احتج به البخاري في صحيحه، وقد روي عنه أنه تبرأ مما نسب إليه من الانحراف عن علَي، ونعيم بن حماد إمام جليل، وكان سيفاً على الجهمية، روى عنه البخاري في صحيحه. قالوا: وقد صح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم تقرب من التواتر أنه قال: "حديث : ذرني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"تفسير : . وقد قدمنا إيضاح مرادهم بالاستدلال بالحديث. وقد ذكروا عن الصحابة والتابعين آثاراً كثيرة في ذم الرأي والقياس، والتحذير من ذلك. وذلك كثير معروف عن الصحابة فمن بعدهم. وذكروا كثيراً من أقيسة الفقهاء التي يزعمون أنها باطلة، وعارضوها بأقيسة تماثلها في زعمهم. وذكروا أشياء كثيرة يزعمون أن الفقهاء فرقوا فيها بين المجتمع، وجمعوا فيها بين المفترق، إلى غير ذلك من أدلتهم الكثيرة على إبطال الرأي والقياس. وقد ذكرنا في هذا الكلام جملاً وافية من أدلتهم على ذلك بواسطة نقل العلامة ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين عن رب العالمين) ولم نتتبع جميع أدلتهم لئلا يؤدي ذلك إلى الإطالة المملة. وقد رأيت فيما ذكرنا حجج القائلين بالقياس والاجتهاد فيما لا نص فيه، وحجج المانعين لذلك. المسألة السادسة اعلم أن تحقيق المقام في هذه المسألة التي وقع فيها من الاختلاف لما رأيت ـ أن القياس قسمان: قياس صحيح، وقياس فاسد. أما القياس الفاسد ـ فهو الذي ترد عليه الأدلة التي ذكرها الظاهرية وتدل على بطلانه، ولا شك أنه باطل، وأنه ليس من الدين كما قالوا، وكما هو الحق. وأما القياس الصحيح ـ فلا يرد عليه شيء من تلك الأدلة، ولا يناقض بعضه بعضاً، ولا يناقض البتة نصاً صحيحاً من كتاب أو سنة. فكما لا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة، فإنه لا تتناقض دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح، بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة، يصدق بعضها بعضاً، ويشهد بعضها لبعض. فلا يناقض القياس الصحيح النص الصحيح أبداً. وضابط القياس الصحيح ـ هو أن تكون العلة التي علق الشارع بها الحكم وشرعه من أجلها موجودة بتمامها في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها فيه. وكذلك القياس المعروف بـ "القياس في معنى الأصل" الذي هو الإلحاق بنفي الفارق المؤثر في الحكم. فمثل ذلك لا تأتي الشريعة بخلافه، ولا يعارض نصاً، ولا يتعارض هو في نفسه. وسنضرب لك أمثلة من ذلك. تستدل بها على جهل الظاهرية القادح الفاضح، وقولهم على الله وعلى رسوله وعلى دينه أبطل الباطل، الذي لا يشك عاقل في بطلانه، وعظم ضرره على الدين. بدعوى أنهم واقفون مع النصوص، وأن كل ما لم يصرح بلفظه في كتاب أو سنة فهو معفو عنه، ولو صرح بعلة الحكم المشتملة على مقصود الشارع من حكمة التشريع، فأهدروا المصالح المقصودة من التشريع. وقالوا على الله ما يقتضي أنه يشرع المضار الظاهرة لخلقه. فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكر رضي الله عنه: من أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان"تفسير : فالنَّبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح نهى عن الحكم في وقت الغضب، ولا يشك عاقل أنه خص وقت الغضب بالنهي دون وقت الرضا. لأن الغضب يشوش الفكر فيمنع من استيفاء النظر في الحكم. فيكون ذلك سبباً لضياع حقوق المسلمين. فيلزم على قول الظاهرية كما قدمنا إيضاحه: أن النهي يختص بحالة الغضب ولا يتعداها إلى غيرها من حالات تشويش الفكر المانعة من استيفاء النظر في الحكم. فلو كان القاضي في حزن مفرط يؤثر عليه تأثيراً أشد من تأثير الغضب بأضعاف، أو كان في جوع أو عطش مفرط يؤثر عليه أعظم من تأثير الغضب. فعلى قول الظاهرية فحكمه بين الناس في تلك الحالات المانعة من استيفاء النظر في الحكم عفو جائز. لأن الله سكت عنه في زعمهم، فيكون الله قد عفا للقاضي عن التسبب في إضاعة حقوق المسلمين التي نصبه الإمام من أجل صيانتها وحفظها من الضياع، مع أن تنصيص النَّبي صلى الله عليه وسلم على النهي عن الحكم في حالة الغضب دليل واضح على المنع من الحكم في حالة تشويش الكفر تشويشاً كتشوييش الغضب أو أشد منه كما لا يخفى على عاقل!! فانظر عقول الظاهرية وقولهم على الله ما يقتضي أنه أباح للقضاة الحكم في حقوق المسلمين في الأحوال المانعة من القدرة على استيفاء النظر في الأحكام، مع نهي النَّبي صلى الله عليه وسلم الصريح عن ذلك في صورة من صدره وهي الغضب ـ بزعمهم أنهم واقفون مع النصوص. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [النور: 4-5] فالله جل وعلا في هذه الآية الكريمة نص على أن الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يجلدون ثمانين جلدة، وترد شهادتهم ويحكم بفسقهم. ثم استثنى من ذلك من تاب من القاذفين من بعد ذلك وأصلح. ولم يتعرض في هذا النص لحكم الذين يرمون المحصنين الذكور. فيلزم على قول الظاهرية ـ أن من قذف محصناً ذكراً ليس على أئمة المسلمين جلده ولا رد شهادته، ولا الحكم بفسقه. لأن الله سكت عن ذلك في زعمهم، وما سكت عنه فهو عفو! فانظر عقول الظاهرية ـ وما يقولون على الله ورسوله من عظائم الأمور، بدعوى الوقوف مع النص!! ودعوى بعض الظاهرية: أن آية {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} شاملة للذكور بلفظها، بدعوى أن المعنى: يرمون الفروج المحصنات من فروج الإناث والذكور، من تلاعبهم وجهلهلم بنصوص الشرع؟ وهل تمكن تلك الدعوى في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ}تفسير : [النور: 23] الآية. فهل يمكنهم أن يقولوا إن الفروج هي الغافلات المؤمنات. وكذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 24] الآية. وقوله تعالى: {أية : مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}تفسير : [النساء: 25] كما هو واضح؟؟ ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد: فإنه لا يشك عاقل أن علة نهيه عنه أن البول يستقر فيه لركوده فيقذره. فيلزم على قول الظاهرية: أنه لو ملأ آنية كثيرة من البول ثم صبها في الماء الراكد، أو تغوط فيه ـ أن كل ذلك عفو لأنه مسكوت عنه. فيكون الله على قولهم ينهى عن جعل قليل من البول فيه إذا باشر البول فيه، ويأذن في جعل أضعاف ذلك من البول فيه بصبه فيه من الآنية. وكذلك يأذن في الغوط فيه! وهذا لو صدر من أدنى عاقل لكان تناقضاً معيباً عند جميع العقلاء. فكيف بمن ينسب ذلك إلى الله ورسوله عياذاً بالله تعالى بدعوى الوقوف مع النصوص!! وربما ظن الإنسان الأجر والقربة فيما هو إلى الإثم والمعصية أقرب. كما قيل: شعر : أمنفقة الأيتام من كد فرجها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي تفسير : ومن ذلك ـ نهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء مع سكوته عن حكم التضحية بالعمياء. فإنه يلزم على قول الظاهرية: أن يناط ذلك الحكم بخصوص لفظ العور خاصة. فتكون العمياء مما سكت الله عن حكم التضحية به فيكون ذلك عفواً. وإدخال العمياء في اسم العوراء لغة غير صحيح. لأن المفهوم من العور غير المفهوم من العمى. لأن العور لا يطلق إلا في صورة فيها عين تبصر. بخلاف العمى فلا يطلق في ذلك. وتفسير العور: بأنه عمى إحدى العينين لا ينافي المغايرة. لأن العمى المقيد بإحدى العينين غير العمى الشامل للعينين معاً. وبالجملة فالمعنى المفهوم من لظف العور غير المعنى المفهوم من لفظ العمى. فوقوف الظاهرية مع لفظ النص يلزمه جواز التضحية بالعمياء لأنها مسكوت عنها وأمثال هذا منهم كثيرة جداً. وقصدنا التنبيه على بطلان أساس دعواهم، وهو الوقوف مع اللفظ من غير نظر إلى معاني التشريع والحكم والمصالح التي هي مناط الأحكام، وإلحاق النظير بنظيره الذي لا فرق بينه وبينه يؤثر في الحكم. واعلم أن التحقيق الذي لا شك فيه: أن الله تعالى يشرع الأحكام لمصالح الخلق. فأفعاله وتشريعاته كلها مشتملة على الحكم والمصالح من جلب المنافع، ودفع المضار. فما يزعمه كثير من متأخري المتكلمين تقليداً لمن تقدمهم: من أن أفعاله جل وعلا لا تعلل بالعلل الغائية، زاعمين أن التعليل بالأغراض يستلزم الكمال بحصول الغرض المعلل به، وأن الله جل وعلا منزه من ذلك لاستلزامه النقص ـ كله كلام باطل! ولا حاجة إليه البتة! لأنه من المعلوم بالضرورة من الدين: أن الله جل وعلا غني لذاته الغنى المطلق، وجميع الخلق فقراء إليه غاية الفقر والفاقة والحاجة: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ}تفسير : [فاطر: 15]، ولكنه جل وعلا يشرع ويفعل لأجل مصالح الخلق المحتاجين الفقراء إليه. لا لأجل مصلحة تعود إليه هو سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. وادعاء كثير من أهل الأصول: أن العلل الشرعية مطلق أمارات وعلاماتٍ للأحكام ـ ناشئ عن ذلك الظن الباطل. فالله جل وعلا يشرع الأحكام لأجل العلل المشتملة على المصالح التي يعود نفعها إلى خلقه الفقراء إليه. لا إلى الله جل وعلا {أية : إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}تفسير : [إبراهيم: 8]. وقد صرح تعالى وصرح رسوله صلى الله عليه وسلم: بأنه يشرع الأحكام من أجل الحكم المنوطة بذلك التشريع. وأصرح لفظ في ذلك لفظة (من أجل) وقد قال تعالى: {أية : مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}تفسير : [المائدة: 32] الآية، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ". تفسير : وقد قدمنا أمثلة متعددة لحروف التعليل في الآيات القرآنية الدالة على العلل الغائية المشتملة على مصالح العباد، وهو أمر معلوم عند من له علم بحكم التشريع الإسلامي. وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين عن رب العالمين) بعد أن ذكر قول من منع القياس مطلقاً، وقول من غلا فيه، وذكر أدلة الفريقين ما نصه: قال المتوسطون بين الفريقين: قد ثبت أن الله سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان. فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الإحكام شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه، فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه، ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح. بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة، يصدق بعضها بعضاً ويشهد بعضها لبعض. فلا يناقض القياس الصحيح، النص الصريح أبداً. ونصوص الشارع نوعان: أخبار، وأوامر، فكما أن أخباره لا تخالف العقل الصحيح، بل هي نوعان: نوع يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملة، أو جملة وتفصيلاً. ونوع يعجز عن الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه من حيث الجملة. فهكذا أوامره سبحانه نوعان: نوع يشهد به القياس والميزان، ونوع لا يستقل بالشهادة به ولكن لا يخالفه وكما أن القسم الثالث في الأخبار محال وهو ورودها بما يرده العقل الصحيح، فكذلك الأوامر ليس فيها ما يخالف القياس والميزان الصحيح. وهذه الجملة إنما تنفصل بتمهيد قاعدتين عظيمتين. إحداهما ـ أن الذكر الأمري محيط بجميع أفعال المكلفين أمراً ونهياً، وإذناً وعفواً. كما أن الذكر القدري محيط بجميعها علماً وكتابة وقدراً. فعلمه وكتابته وقدره قد أحصى جميع أفعال عباده الواقعة تحت التكليف وغيرها. وأمره ونهيه وإباحته وعفوه قد أحاط بجميع أفعالهم التكليفية. فلا يخرج فعل من أفعالهم عن أحد الحكمين: إما الكوني، وإما الشرعي الأمري. فقد بين الله سبحانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمر به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه. وبهذا يكون دينه كاملاً كما قال تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}تفسير : [المائدة: 3] ولكن قد يقصر فهم أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص، وعن وجه الدلالة وموقعها، وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله لا يحصيه إلا الله جل وعلا. ولو كانت الأفهام متساوية لتساوت أقسام العلماء في العلم، ولما خص سبحانه سليمان بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى عليه وعلى داود بالحكم والعلم. وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه: الفهم الفهم فيما أدلى إليك. وقال علي رضي الله عنه: إلا فهما يؤتيه الله عبداً في كتابه. وقال أبو سعيد: كان أبو بكر رضي الله عنه: أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم. ودعا النَّبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: "أن يفقه في الدين ويعلمه التأويل" والفرق بين الفقه والتأويل: أن الفقه هو فهم المعنى المراد والتأويل إدراك الحقيقة التي يؤول إليها المعنى التي هي آخيته وأصله، وليس كل من فقه في الدين عرف التأويل. فمعرفة التأويل يختص بها الراسخون في العلم، وليس المراد به تأويل التحريف وتبديل المعنى، فإن الراسخين في العلم يعلمون بطلانه، والله يعلم بطلانه ـ إلى أن قال رحمه الله: وكل فرقة من هؤلاء الفرق الثلاث: يعني نفاة القياس بالكلية، والغالين فيه. والقائلين بأن العلل الشرعية أمارات وعلامات فقط، لا مصالح أنيطت بها الأحكام وشرعت من أجلها ـ سدوا على أنفسهم طريقاً من طرق الحق. فاضطروا إلى توسعة طريق أخرى أكثر مما تحتمله. فنفاة القياس لما سدوا على نفوسهم باب التمثيل والتعليل، واعتبار الحكم والمصالح، وهو من الميزان والقسط الذي أنزله الله ـ احتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب، فحملوهما فوق الحاجة، ووسعوها أكثر مما يسعانه. فحيث فهموا من النص حكماً أثبتوه ولم يبالوا مما وراءه، وحيث لم يفهموه منه نفوه وحملوا الاستصحاب. وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها. والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد. وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقض أهلها في نفس القياس، وتركهم له، وأخذوا بقياس تركهم وما هو أولى منه. ولكن أخطؤوا من أربعة أوجه: أحدها ـ رد القياس الصحيح، ولا سيما النصوص على علته التي يجري عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ، ولا يتوقف عاقل في أن حديث : قول النَّبي صلى الله عليه وسلم لما لعن عبدالله خماراً على كثرة شربه للخمر: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله"" تفسير : بمنزلة قوله: لا تلعنوا كل من يحب الله ورسوله. وفي قوله: "حديث : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس" تفسير : بمنزلة قوله: ينهيانكم عن كل رجس. وفي أن قوله تعالى: {أية : إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} تفسير : [الأنعام: 145]: نهي عن كل رجس. وفي أن قوله في الهرة: "حديث : ليست بنجس لأنها من الطوافين عليكم والطوافات"تفسير : . بمنزلة قوله: كل ما هو من الطوافين عليكم والطوافات فإنه ليس بنجس، ولا يستريب أحد في أن من قال لغيره: لا تأكل من هذا الطعام فإنه مسموم ـ نهي له عن كل طعام كذلك، وإذا قال: لا تشرب هذا الشراب فإنه مسكر ـ فهو نهي له عن كل مسكر. ولا تتزوج هذه المرأة فإنها فاجرة، وأمثال ذلك الخطأ. الثاني ـ تقصيرهم في فهم النصوص. فكم من حكم دل عليه النص ولم يفهموا دلالته عليه. وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ دون إيمائه وتنبيهه، وإشارته وعرفه عند المخاطبين. فلم يفهموا من قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ}تفسير : [الإسراء: 23] ضرباً ولا سباً ولا إهانة غير لفظة: "أُفٍّ" فقصروا في فهم الكتاب كما قصروا في اعتبار الميزان الخطأ. الثالث ـ تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه، وجزمهم بموجبه لعدم علمهم بالناقل. وليس عدم العلم علماً بالعدم. وقد تنازع الناس في الاستصحاب، ونحن نذكر أقسامه، ثم شرع رحمه الله يبين أقسام الاستصحاب، وقد ذكرنا بعضها في سورة "براءة" وجعلها هو رحمه الله ثلاثة أقسام، وأطال فيها الكلام. والمعروف في الأصول أن الاستصحاب أربعة أقسام: الأول ـ استصحاب العدم الأصلي حتى يرد الناقل عنه وهو البراءة الأصلية والإباحة العقلية. كقولنا: الأصل براءة الذمة من الدين فلا تعمر بدين إلا بدليل ناقل عن الأصل يثبت ذلك. والأصل براءة الذمة من وجوب صوم شهر آخر غير رمضان فيلزم استصحاب هذا العدم حتى يرد ناقل عنه، وهكذا. النوع الثاني ـ استصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه، كاستصحاب بقاء النكاح وبقاء الملك وبقاء شغل الذمة حتى يثبت خلافه. الثالث ـ استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع، والأكثر على أن هذا الأخير ليس بحجة. وهو رحمه الله يرى أنه حجة. وكلا الأولين حجة بلا خلاف في الجملة. الرابع ـ الاستصحاب المقلوب، وقد قدمنا إيضاحه وأمثلته في سورة "التوبة". الخطأ الرابع لهم ـ هو اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على الباطل حتى يقوم دليل على الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانه. فأفسدوا بذلك كثيراً من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله. بناء على هذا الأصل وجمهور الفقهاء على خلافه، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشاعر أو نهى عنه. وهذا القول هو الصحيح. فإن الحكم ببطلانها حكم بالتحريم والتأثيم. ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا تأثيم إلا ما أثم الله ورسوله به فاعله. كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله: ولا دين إلا ما شرعه الله، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر. والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. والفرق بينهما: أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله. فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه. وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، ولذا نعى الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين: وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما لم يشرعه، وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفواً لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله. فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وما سكت عنه فهو عفو. فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها، فإنه لا يجوز القول بتحريمها. فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال. فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه! وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود والعهود كلها فقال: {أية : وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ}تفسير : [الإسراء: 34]، وقال: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}تفسير : [المائدة: 1]، وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}تفسير : [المؤمنون: 8]، وقال تعالى: {أية : وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ}تفسير : [البقرة: 177]، وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف: 2-3]، وقال: {أية : بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}تفسير : [آل عمران: 76]، وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ}تفسير : [الأنفال: 58] وهذا كثير في القرآن. وفي صحيح مسلم من حديث الأعمش عن عبدالله بن مُرَّةَ عن مسروق عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلةٌ منهن كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر"تفسير : . وفيه عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من علامات المنافق ثلاث وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وأذا ائتُمِنَ خان"تفسير : . من حديث سعيد بن المسيب. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان" تفسير : وفيهما من حديث عقبة بن عامر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج"تفسير : . وفي سنن أبي داود عن أبي رافع قال: بعثتني قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيته أُلْقِيَ في قلبي الإسلام فقلت: يا رسول الله والله إني لا أرجع إليهم أبداً! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني لا أخِيسُ بالعهد، ولا أحبس البُردَ، ولكن ارجع إليهم فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع" تفسير : قال: فذهبت ثم أتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت. وفي صحيح مسلم حديث : عن حذيفة قال: ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حُسَيْلٌ فأخذنا كفار قريش قالوا: إنكم تريدون محمداً؟ فقلنا: ما نريده. ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر فقال: "انصَرِفا، نَفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم"" تفسير : إلى آخر كلامه رحمه الله في هذا المبحث. والمقصود عنده دلالة النصوص على الوفاء بالعهود والشروط، ومنع الإخلاف في ذلك، إلا ما دل عليه دليل خاص، وذلك واضح من النصوص التي ساقها كما ترى. ثم بين رحمه الله أن المخالفين في ذلك يجيبون عن الحجج المذكورة تارة بنسخها، وتارة بتخصيصها ببعض العهود والشروط، وتارة بالقدح في سند ما يمكنهم القدح فيه، وتارة بمعارضتها بنصوص أخر، كقول النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. كتاب الله أحق وشرط الله أوثق"تفسير : . وكقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ". تفسير : وكقوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}تفسير : [البقرة: 229]. وأمثال ذلك في الكتاب والسنة. قال: وأجاب الجمهور عن ذلك بأن دعوى النسخ والتخصيص تحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه ولا دليل عليها، وبأ، القدح في بعضها لا يقدح في سائرها، ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف وإن لم يكن عمدة لاعتضاده بالصحيح، وبأنها لا تعارض بينها وبين ما عارضوها به من النصوص. ثم بين أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وما كان من شرط ليس في كتاب الله" تفسير : أي في حكمه وشرعه، كقوله تعالى: {أية : كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}تفسير : [النساء: 24]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كتاب الله القصاص" تفسير : في كسر السن. قال: فكتابه سبحانه يطلق على كلامه وعلى حكمه الذي حكم به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أن كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له، فيكون باطلاً. فإذا كان الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حكم بأن الولاء للمعتق، فشرط خلاف ذلك يكون شرطاً مخالفاً لحكم الله. ولكن أين في هذا: أن ما سكت عن تحريمه من العقود والشروط يكون باطلاً حراماً، وتعدي حدود الله هو تحريم ما أحله، أو إباحة ما حرمه، أو إسقاط ما أوجبه لا إباحة ما سكت عنه، وعفا عنه، بل تحريمه هو نفس تعدي حدوده. إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. ثم بين رحمه الله: أن دلالة النصوص عامة في جميع الأحكام، إلا أن الناس يتفاوتون في ذلك تفاوتاً كثيراً. وبين مسائل كثيرة مما فهم فيه بعض الصحابة من النصوص خلاف المراد. قال: حديث : وقد أنكر النَّبي صلى الله عليه وسلم على عمر فهمه إتيان البيت الحرام عام الحديبية من إطلاق قوله: "فإنَّكَ آتِيهِ ومُطَّوِّفٌ به"" تفسير : لا دلالة في هذا اللفظ على تعيين العام الذي يأتونه فيه. وأنكر على عدي بن حاتم فهمه من الخيط الأبيض والخيط الأسود نفس العقالين. وأنكر على من فهم من قوله: "حديث : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردلة من كبر" تفسير : شمول لفظه لحسن الثوب وحسن النعل. وأخبرهم أنه "حديث : بطر الحق وغمط الناس"تفسير : . وأنكر على من فهم من قوله: "حديث : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" تفسير : أنه كراهة الموت، وأخبرهم أن هذا للكافر إذا احتضر وبشر بالعذاب، فإنه حينئذ يكره لقاء الله والله يكره لقاءه. وأن المؤمن إذا احتضر وبشر بكرامة الله أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه. وأنكر على عائشة إذ فهمت من قوله تعالى: {أية : فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً}تفسير : [الانشقاق: 8] معارضته لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من نوقش الحساب عذب"تفسير : . وبين لها أن الحساب اليسير هو العرض، أي حساب العرض لا حساب المناقشة. وأنكر على من فهم من قوله تعالى: {أية : مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ}تفسير : [النساء: 123] أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة، وأنه لا يسلم أحد من عمل السوء. وبين أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهم والحزن، والمرض والنصب، وغير ذلك من مصائبها، وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة. وأنكر على من فهم من قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ}تفسير : [الأنعام: 82] أنه ظلم النفس بالمعاصي، وبين أنه الشرك، وذكر قول لقمان لابنه: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13] وأوضح رحمه الله وجه ذلك بسياق القرآن. قال: ثم سأله عمر بن الخطاب عن الكلالة وراجعه فيها مراراً فقال: "حديث : يكفيك آية الصيف" تفسير : واعترف عمر رضي الله عنه بأنه خفي عليه فهمها، وفهمها الصديق. وقد نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية، ففهم بعض الصحابة من نهيه أنه لكونها لم تخمس. وفهم بعضهم أن النهي لكونها كانت حملة القوم وظهرهم. وفهم بعضهم أنه لكونها كانت جوال القرية. وفهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكبار الصحابة ما قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي وصرح بعلته لكونها رجساً. وفهمت المرأة من قوله تعالى: {أية : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً}تفسير : [النساء: 20] جواز المغالاة في الصداق، فذكرته لعمر فاعترف به. وفهم ابن عباس من قوله تعالى: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}تفسير : [البقرة: 233] أن المرأة قد تلد لستة أشهر، ولم يفهمه عثمان فهم برجم امرأة ولدت لها، حتى ذكره ابن عباس فأقر به. ولم يفهم عمر من قوله: "حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقهم"تفسير : ـ قتال مانعي الزكاة، حتى بين له الصديق فأقر به. وفهم قدامة بن مظعون من قوله تعالى: {أية : لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ}تفسير : [المائدة: 93] رفع الجناح عن الخمر، حتى بين له عمر أنه لا يتنا ول الخمر، ولو تأمل سياق الآية لهم المراد منها، فإنه إنما رفع الجناح عنهم فيما طعموه متقين له فيه، وذلك إنما يكون باجتناب ما حرمه من المطاعم. فالآية لا تتناول المحرم بوجه. وقد فهم من فهم من قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}تفسير : [البقرة: 195] انغماس الرجل في العدو. حتى بين له أبو أيوب الأنصاري أن هذا ليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة، بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضاة الله، وأن الإلقاء إلى التهلكة هو ترك الجهاد والإقبال على الدنيا وعمارتها. وقال الصديق رضي الله عنه: أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}تفسير : [المائدة: 105] وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بالعقاب من عنده" تفسير : فأخبرهم أنهم يضعونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلاف ما أريد بها. وأشكل على ابن عباس أمر الفرقة الساكتة التي لم ترتكب ما نهيت عنه من اليهود، هل عذبوا أو نجوا حتى بين له مولاه عكرمة دخولهم في الناجين دون المعذبين، وهذا هو الحق، لأنه سبحانه قال عن الساكتين. {أية : وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً}تفسير : [الأعراف: 164] فأخبر أنهم أنكروا فعلهم وغضبوا عليهم، وإن لم يواجهوهم بالنهي، فقد واجههم به من أدى الواجب عنهم. فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فلما قام به أولئك سقط عن الباقين فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم. وأيضاً ـ فإنه سبحانه إنما عذب الذين نسوا ما ذكروا به، وعتوا عما نهوا عنه، وهذا لا يتناول الساكتين قطعاً. فلما بين عكرمة لابن عباس أنهم لم يدخلوا في الظالمين المعذبين كساه برده وفرح به. وقد قال عمر بن الخطاب للصحابة: ما تقولون في {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}تفسير : [النصر: 1] السورة؟ قالوا: أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفر. فقال لابن عباس: ما تقول أنت؟ قال: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه. فقال: ما أعلم منها غير ما تعلم. إلى أن قال رحمه الله: والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص. وأن منهم من يفهم في الآية حكماً أو حكمين. ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك. ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره. وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر متعلق به، فيفهم من اقترانه به قدراً زائداً على ذلك اللفظ بمفرده. وهذا باب عجيب من فهم القرآن، لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه به: كما فهم ابن عباس من قوله تعالى: {أية : حَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً}تفسير : [الأحقاف: 15] مع قوله: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}تفسير : [البقرة: 233] أن المرأة قد تلد لستة أشهر.. إلى آخر كلامه رحمه الله. وإنما أكثرنا في هذه المباحث من نقل كلام ابن القيم رحمه الله كما رأيت. لأنه جاء فيها بما لم يأت به من تقدمه ولا من تأخر عنه ـ تغمده الله برحمته الواسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً. وقد تركنا كثيراً من نفائس كلامه في هذه المواضيع خشية الإطالة الكثيرة. المسألة السابعة اعلم أن استهزاء الظاهرية وسخريتهم بالأئمة المجتهدين رحمهم الله، ودعواهم أن قياساتهم متناقضة ينقض بعضها بعضاً، وأن ذلك دليل على أنها كلها باطلة وليست من الدين في شيء ـ إذا تأمل فيه المنصف العارف وجد الأئمة رحمهم الله أقرب في أغلب ذلك إلى الصواب، والعمل بما دلت عليه النصوص من الظاهرية الساخرين المستهزئين. وسنضرب لك بعض الأمثلة لذلك لتستدل به على غيره. اعلم أن من أعظم المسائل التي قال فيها الظاهرية بتناقض أقيسة الأئمة، وتكذيب بعضها لبعض، وأن ذلك يدل على بطلان كل قياس من أقيستهم، هي مسألة الربا التي قال فيها النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ". تفسير : قال الظاهرية: فالنَّبي صلى الله عليه وسلم إنما حرم الربا في الستة المذكورة. فتحريمه في شيء غيرها قول على الله وعلى رسوله، وتشريع زائد على ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: والذين زادوا على النص أشياء يحرم فيها الربا اختلفت أقوالهم، وتناقضت أقيستهم. فبعضهم يقول: التمر، والبلوط ثمر شجر يؤكل ويدبغ بقشره. وبعضهم يقول هي الكيل. وبعضهم يقول هي الاقتيات والادخار الخ. فهذه أقيسة متضاربة متناقضة فليست من عند الله، وإذا تأملت في هذه المسألة التي سخروا بسببها من الأئمة، وادعوا عليهم أنهم حرموا الربا في أشياء لا دليل على تحريمه فيها كالتفاح عند من يقول العلة الطعم كالشافعي، وكالأشنان عند من يقول العلة الكيل ـ علمت أن الأئمة أقرب إلى العمل بالنص في ذلك من الظاهرية المدعين الوقوف مع ظاهر النص. أما الشافعي الذي قال: العلة في تحريم الربا الطعم فقد استدل لذلك بما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبدالله بن وهب، أخبرني عمرو (ح) وحدثني أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب عن عمرو بن الحرث: أن أبا النضر حدثه أن بسر بن سعيد حدثه عن معمر بن عبدالله: أنه أرسل غلامه بصاع قمح.. الحديث، وفيه. فإني كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الطعام بالطعام مثلاً بمثل" تفسير : وكان طعامنا يومئذ الشعير ـ فهذا حديث صحيح صرح فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم بأن الطعام إذا بيع بالطعام بيع مثلاً بمثل. والطعام في اللغة العربية: اسم لكل ما يؤكل. قال تعالى: {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}تفسير : [آل عمران: 93] الآية، وقال: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً}تفسير : [عبس: 24-28]، وقال تعالى: {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ}تفسير : [المائدة: 5] ولا خلاف في ذبائحهم في ذلك. وفي صحيح مسلم: "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال في زمزم: "إنها طعام طعم"" تفسير : وقال لبيد في معلقته: شعر : لمعقر فهد تنازع شلوه غبس كواسب ما يمن طعامها تفسير : يعني بطعامها فريستها. كما قدمنا هذا مستوفى في سورة "البقرة". فالشافعي رحمه الله وإن سخر الظاهرية منه في تحريمه الربا في التفاح فهو متمسك في ذلك بظاهر حديث صحيح، يقول فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الطعام بالطعام مثلاً بمثل"تفسير : . فما المانع للظاهرية من القول بظاهر هذا الحديث الصحيح على عادتهم التي يزعمون فيحكمون على الطعام بأنه مثل بمثل؟ وما مستندهم في مخالفة ظاهر هذا الحديث الصحيح؟ وحكمهم بالربا في البر والشعير والتمر والملح دون غيرها من سائر المطعومات، مع أن لفظ الطعام في الحديث المذكور عام للأربعة المذكورة وغيرها كما ترى، فهل الشافعي في تحريم الربا في التفاح أقرب إلى ظاهر النص أو الظاهرية؟ وكذلك سخريتهم من الإمام أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله في قولهما بدخول الربا في كل مكيل وموزون، مستهزئين بمن يقول بالربا في الأشنان قياساً على التمر. إذا تأملت فيه وجدت الإمامين رحمهما الله أقرب في ذلك إلى ظاهر النص من الظاهرية. قال الحاكم في (المستدرك): حدثنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه، ثنا الحسن بن مكرم روح بن عبادة، ثنا حيان بن عبيدالله العدوي قال: سألت أبا مجلز عن الصرف فقال: كان ابن عباس رضي الله عنهما لا يرى به بأساً زماناً من عمره ما كان منه عيناً يعني يداً بيد، فكان يقول: إنما الربا في النسيئة. فلقيه أبو سعيد الخدري فقال: يا ابن عباس، ألا تتقي الله إلى متى تؤكل الناس الربا؟ أما بلغك "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم وهو عند زوجته أم سلمة: "إني لأشتهي تمر عجوة" فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فجاء بدل صاعين صاع من تمر عجوة. فقامت فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه أعجبه، فتناول تمرة ثم أمسك فقال: "من أين لكم هذا"؟ فقالت أم سلمة: بعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فأتانا بدل صاعين هذا الصاع الواحد، وها هو، كل، فألقى التمرة بين يديه فقال: "ردوه لا حاجة لي فيه. التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يداً بيد، عيناً بعين، مثلاً بمثل فمن زاد فهو رباً" ثم قال كذلك ما يكال ويوزن أيضاً""تفسير : إلى آخره. ثم قال الحاكم رحمه الله: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة. وهذا الحديث الذي قال الحاكم إنه صحيح الإسناد، فيه التصريح بأن ما يكال ويوزن يباع مثلاً بمثل، يداً بيد. وقد قدمنا مراراً أن الموصولات من صيغ العموم لعمومها في كل ما تشمله صلاتها. فأبو حنيفة مثلاً القائل بالربا في الأشنان متمسك بظاهر هذا الحديث. فهو أقرب إلى ظاهر النص من الظاهرية المستهزئين به الزاعمين أنه بعيد في ذلك عن النص. فإن قيل: هذا الحديث لا يحتج به لضعفه، وقد قال الذهبي متعقباً على الحاكم تصحيحه للحديث المذكور ما نصه: قلت: حيان فيه ضعف وليس بالحجة، وقد أشار البيهقي إلى تضعيف هذا الحديث، وأعله ابن حزم من ثلاثة أوجه: الأول ـ زعمه أنه منقطع. لأن أبا مجلز لم يسمع من أبي سعيد ولا من ابن عباس. الثاني ـ أن في الحديث أن ابن عباس رجع عن القول بإباحة ربا الفضل. واعتقاد ابن حزم أن ذلك باطل لقول سعيد بن جبير إن ابن عباس لم يرجع عن ذلك. والثالث ـ أن حيان بن عبيد الله المذكور في سند هذا الحديث مجهول. فالجواب عن ذلك كله هو ما ستراه الآن إن شاء الله، وهو راجع إلى شيئين: الأول مناقشة من ضعف الحديث، وبيان أنه ليس بضعيف. والثاني أنا لو سلمنا ضعفه تسليماً جدلياً فهو معتضد بما يثبت الاحتجاج به من الشواهد. أما المناقشة في تضعيفه، فقول الذهبي: إن حيان فيه ضعف وليس بالحجة ـ معارض بقول أبي حاتم فيما ذكره عن ابنه في كتاب الجرح والتعديل: إنه صدوق، ومعلوم أن الصحيح أن التعديل يقبل مجملاً، والتجريح لا يقبل إلا مبيناً مفصلاً كما هو مقرر في علوم الحديث. وقد ترجم له البخاري في تاريخه الكبير ولم يذكر فيه جرحاً. وإعلال ابن حزم له بأنه منقطع. وأن حيان مجهول قد قدمنا مناقشته فيه في سورة "البقرة" لأن أبا مجلز أدرك ابن عباس وسمع عنه. قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل في أبي مجلز المذكور: وهو لاحق بن حميد السدوسي البصري، توفي أيام عمر بن عبدالعزيز، وروى عن ابن عمر وابن عباس وأنس وجندب الخ، وتصريحه بروايته عن ابن عباس يدل على عدم صحة قول ابن حزم: إنه لم يسمع من ابن عباس، وقال البخاري في تاريخه الكبير في لاحق بن حميد المذكور: أبو مجلز السدوسي البصري مات قبل الحسن بقليل، ومات الحسن سنة عشر ومائة، سمع ابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك الخ. وفيه تصريح البخاري بسماع أبي مجلز من ابن عباس، ومع هذا فابن حزم يقول: هو منقطع لعدم سماعه منه. وأما أبو سعيد فلا شك أنه أدركه أبو مجلز المذكور، والمعاصرة تكفي ولا يشترط ثبوت اللقي على التحقيق. كما أوضحه مسلم بن الحجاج رحمه الله في مقدمة صحيحه. وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب في أبي مجلز المذكور: روى عن أبي موسى الأشعري، والحسن بن علي، ومعاوية. وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب، وابن عباس، والمغيرة بن شعبة، وحفصة، وأم سلمة، وأنس، وجندب بن عبدالله، وسلمة بن كهيل، وقيس بن عباد وغيرهم. وأرسل عن عمر بن الخطاب. وحذيفة الخ. ومما يوضح معاصرة أبي مجلز لأبي سعيد: أن جماعة من هؤلاء الصحابة الذين ذكر ابن حجر أنه روى عنهم ماتوا قبل أبي سعيد رضي الله عنهم. فأبو سعيد رضي الله عنه توفي سنة ثلاث أو أربع أو خمس بعد الستين، وقد مات قبله الحسن بن علي، وأبو موسى الأشعري، وعمران بن حصين، ومعاوية وسمرة بن جندب كما هو معلوم. وأما قول ابن حزم: إنه مجهول فقد قدمنا مناقشة السبكي له في تكملة المجموع، وأنه قال: فإن أراد ابن حزم أنه مجهول العين فليس بصحيح، بل هو رجل مشهور، روي عنه حديث الصرف هذا روح بن عبادة، ومن جهته أخرجه الحاكم، وذكره ابن حزم وإبراهيم بن الحجاج الشامي، ومن جهته رواه ابن عدي ويونس بن محمد، ومن جهته رواه البيهقي وهو حيان بن عبيد الله بن حيان بن بشر بن عدي بصري، سمع أبا مجلز لاحق بن حميد والضحاك وعن أبيه، وروى عن عطاء وابن بريدة، روى عنه موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم، وأبو داود وعبيدالله بن موسى، عقد له البخاري وابن أبي حاتم ترجمة فذكر كل منهما بعض ما ذكرته. وله ترجمة في كتاب ابن عدي كما أشرت إليه، فزال عنه جهالة العين. وإن أراد جهالة ا لحال فهو قد رواه من طريق إسحاق بن راهويه فقال في إسناده: أخبرنا روح قال: حدثنا حيان بن عبيد الله، وكان رجل صدق. فإن كانت هذه الشهادة له بالصدق من روح بن عبادة فروح محدث نشأ في الحديث، عارف به، مصنف متفق على الاحتجاج به، بصري بلدي للمشهور له فتقبل شهادته له. وإن كان هذا القول من إسحاق بن راهويه فناهيك به،ومن يثني عليه إسحاق! وقد ذكر ابن أبي حاتم حيان بن عبيد الله هذا، وذكر جماعة من المشاهير ممن رووا عنه وممن روى عنهم، قال: إن سأل أباه عنه فقال: صدوق ا هـ من تكملة المجموع كما قدمناه في سورة "البقرة". والذي رأيت في سنن البيهقي الكبرى: أن الراوي عن حيان المذكور في إسناده له إبراهيم بن الحجاج، وقال صاحب الجوهر النقي: وحيان هذا ذكره ابن حيان في الثقات من أتباع التابعين. وقال الذهبي في الضعفاء: جائز الحديث. وقال عبدالحق في أحكامه: قال أبو بكر الزار: حيان رجل من أهل البصرة مشهور وليس به بأس. وقال فيه أبو حاتم: صدوق. وقال بعض المتأخرين فيه: مجهول. ولعله اختلط عليه بحيان بن عبيد الله المروي، وبما ذكر تعلم أن دعوى ابن حزم أن الحديث منقطع، وأن حيان المذكور مجهول ليست بصحيحة. وأما دعواه عدم رجوع ابن عباس لقول سعيد بن جبير: إنه لم يرجع عن القول بإباحة ربا الفضل ـ فقد قدمنا الروايات الواردة برجوعه مستوفاة في سورة "البقرة" عن جماعة من أصحابه، ولا شك أنها أولى من قول سعيد بن جبير. لأنهم جماعة وهو واحد، ولأنهم مثبتون رجوعه وهو نافيه، والمثبت مقدم على النافي. وأما شواهد حديث حيان المذكور الدال على أن الربا في كل ما يكال ويوزن ـ فمنها ما قدمنا في سورة "البقرة" من حديث أنس وعبادة بن الصامت عند الدارقطني: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعاً واحداً، وما كيل فمثل ذلك. فإذا اختلف النوعان فلا بأس به" تفسير : وقد قدمنا في سورة "البقرة" قول الشوكاني: إن حديث أنس وعبادة هذا أشار إليه ابن حجر في التلخيص ولم يتكلم عليه، وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وغيره، وضعفه جماعة، وقد أخرج هذا الحديث البزار أيضاً. ويشهد لصحته حديث عبادة المذكور أولاً وغيره من الأحاديث ـ انتهى منه كما تقدم. وفي هذا الحديث المذكور دليل واضح على أن كل ما يكال أو يوزن فيه الربا وإن سخر ا لظاهرية ممن يقول بذلك، ومن شواهد حديث حيان المذكور الحديث المتفق عليه. قال البخاري في صحيحه في (كتاب الوكالة): حدثنا عبدالله بن يوسف، أخبرنا مالك عن عبدالمجيد بن سهيل بن عبدالرحمن بن عوف، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر فجاءهم بتمر جَنِيبٍ، فقال: "أَكُلُّ تمر خيبر هكذا"؟ فقال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصَّاعين، والصَّاعين بالثلاثة، فقال: "لا تفعل بع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً""تفسير : ، وقال في الميزان مثل ذلك. انتهى منه. ومحل الشاهد منه قوله: وقال في الميزان مثل ذلك، ومعناه ظاهرٌ جداً في أن ما يوزن بالميزان مثل ذلك في منع الربا. وقد قدمنا أقوال من أول هذا الحديث وصرفه عن المعنى المذكور في سورة "البقرة". وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟". قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفعلوا ولكن مثلاً بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان" تفسير : انتهى منه. وقوله في هذه الحديث المتفق عليه "وكذلك الميزان" ظاهر جداً في أن ما يوزن كما يكال، وأن في ذلك كله الربا. ولا شك أن هذه الأحاديث التي عمل بها بعض الأئمة وإن استهزأ بهم الظاهرية في ذلك ـ أقرب إلى ظاهر النص من قول الظاهرية: إنه لا ربا إلا في الستة المذكورة قبل. والمقصود التمثيل لأحوالهم مع الأئمة المجتهدين رحمهم الله. تنبيه اعلم أنا نقول بموجب الأحاديث التي استدل بها الظاهرية، على أن ما سكت عنه الشارع فهو عفو، ونقول مثلاً: إن صوم شهر آخر غير رمضان لم يوجب علينا فهو عفو. ولكن لا نسلم أن آية: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ}تفسير : [الإسراء: 23] ساكتة عن تحريم ضرب الوالدين. بل نقول هي دالة عليه، وادعاء أنها لم تتعرض لذلك باطل كما ترى. ولا نقول: إن آية {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ }تفسير : [الزلزلة: 7] الآية ساكتة عن مؤاخذة من عمل مثقال جبل. بل هي دالة على المؤاخذة بذلك. وهكذا إلى آخر ما ذكرنا من أمثلة ذلك في هذه المباحث، وفي سورة "بني إسرائيل". وما ذكرنا سابقاً من أن الصواب في مسألة القياس أنه قسمان. صحيح، وفاسد. كما بينا وكما أوضحه ابن القيم رحمه الله في كلامه الذي نقلنا ـ اعتمده صاحب مراقي السعود في قوله في القياس: شعر : وما روي من ذمه فقد عني به الذي على الفساد قد بني تفسير : المسألة الثامنة اعلم أن جماهير القائلين بالقياس يقولون: إنه إن خالف النص فهو باطل، ويسمون القدح فيه بمخالفته للنص فساد الاعتبار. كما أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله: شعر : والخلف للنص أو إجماع دعا فساد الاعتبار كل من وعى تفسير : كما قدمناه في سورة "البقرة". واعلم أن ما يذكره بعض علماء الأصول من المالكية وغيرهم عن الإمام مالك رحمه الله: من أنه يقدم القياس على أخبار الآحاد خلاف التحقيق. والتحقيق: أنه رحمه الله يقدم أخبار الآحاد على القياس. واستقراء مذهبه يدل على ذلك دلالة واضحة، ولذلك أخذ بحديث المصراة في دفع صاع التمر عوض اللبن. ومن أصرح الأدلة التي لا نزاع بعدها في ذلك: أنه رحمه الله يقول: إن في ثلاثة أصابع من أصابع المرأة ثلاثين من الإبل، وفي أربعة أصابع من أصابعها عشرين من الإبل. كما قدمناه مستوفى في سورة "بني إسرائيل". ولا شيء أشد مخالفة للقياس من هذا كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن لسعيد بن المسيب حين عظم جرحها، واشتدت مصيبتها: نقص عقلها. ومالك خالف القياس في هذا لقول سعيد بن المسيب: إنه السنة كما تقدم. وبعد هذا فلا يمكن لأحد أن يقول: إن مالكاً يقدم القياس على النص، ومسائل الاجتهاد والتقليد مدونة في أصول الفقه، ولأجل ذلك نكتفي بما ذكرنا من ذلك هنا. المسألة التاسعة اعلم أن أكثر أهل العلم قالوا: إن الحرث الذي حكم فيه سليمان وداود إذ نفشت فيه غنم القوم بستان عنب: والنفش: رعي الغنم ليلاً خاصة. ومنه قول الراجز: شعر : بدلن بعد النفش الوجيفا وبعد طول الجرة الصريفا تفسير : وقيل: كان الحرث المذكور زرعاً، وذكروا أن داود حكم بدفع الغنم لأهل الحرث عوضاً من حرثهم الذي نفشت فيه فأكلته. وقال بعض أهل العلم: اعتبر قيمة الحرث فوجد الغنم بقدر القيمة فدفعها إلى أصحاب الحرث. إما لأنه لم يكن لهم دراهم أو تعذر بيعها، ورضوا بدفعها ورضي أولئك بأخذها بدلاً من القيمة. وأما سليمان فحكم بالضمان على أصحاب الغنم، وأن يضمنوا ذلك بالمثل بأن يعمروا البستان حتى يعود كما كان حين نفشت فيه غنمهم. ولم يضيع عليهم غلته من حين الإتلاف إلى حين العود، بل أعطى أصحاب البستان ماشية أولئك ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان فيستوفوا من نماء غنمهم نظير ما فاتهم من نماء حرثهم. وقد اعتبر النماءين فوجدهما سواء، قالوا: وهذا هو العلم الذي خصه الله به، وأثنى عليه بإدراكه. هكذا يقولون، والله تعالى أعلم. المسألة العاشرة اعلم أن العلماء اختلفوا في مثل هذه القصة. فلو نفشت غنم قوم في حرث آخرين فتحاكموا إلى حاكم من حكام المسلمين فماذا يفعل؟ اختلف العلماء في ذلك. فذهب أكثر أهل العلم إلى أن ما أفسدته البهائم ليلاً يضمنه أرباب الماشية بقيمته، وهو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله. وقيل: يضمنونه بمثله كقضية سليمان. قال ابن القيم: وهذا هو الحق. وهو أحد القولين في مذهب أحمد، ووجه الشافعية والمالكية، والمشهور عنهم خلافه. والآية تشير إلى اختصاص الضمان بالليل. لأن النفش لا يطلق لغة إلا على الرعي بالليل كما تقدم. واحتج الجمهور لضمان أصحاب ما أفسدته ليلاً بحديث حرام بن مُحيِّصة: "حديث : أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطاً فأفسدت فيه. فقضى نبي الله صلى الله عليه وسلم: "أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها"" تفسير : رواه الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد وأبو داود، وابن ماجه والدارقطني، وابن حبان. وصححه الحاكم فقال بعد أن ساق الحديث المذكور: هذا حديث صحيح الإسناد على خلاف فيه بين معمر والأوزاعي: فإن معمراً قال: عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه، وأقره الذهبي على تصحيحه ولم يتعقبه. وقال الشوكاني رحمه الله في (نيل الأوطار) في الحديث المذكور: صححه الحاكم والبيهقي. قال الشافعي: أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله ا هـ منه. والاختلاف على الزهري في رواية هذا الحديث كثير معروف. وقال ابن عبد البر: وهذا الحديث وإن كان مرسلاً فهو حديث مشهور، أرسله الأئمة، وحدث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة العمل به، وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث، وعلى كل حال فالحديث المذكور احتج به جمهور العلماء، منهم الأئمة الثلاثة المذكورون على أن ما أفسدته البهائم بالليل على أربابها، وفي النهار على أهل الحوائط حفظها. ومشهور مذهب مالك وأحمد والشافعي أنه يضمن بقيمته كما تقدم. وأبو حنيفة يقول: لا ضمان مطلقاً في جناية البهائم، ويستدل بالحديث الصحيح: "حديث : العَجْمَاءُ جُبَارٌ" تفسير : أي جرحها هدر. والجمهور يقولون: إن الحديث المذكور عام وضمان ما أفسدته ليلاً مخصص له. وذهب داود ومن وافقه ِإلى أن ما أتلفته البهائم بغير علم مالكها ولو ليلاً لا ضمان فيه، وأما إذا رعاها صاحبها باختياره في حرث غيره فهو ضامن بالمثل. واعلم أن القائلين بلزم قيمة ما أفسدته البهائم ليلاً يقولون: يضمنه أصحابها ولو زاد على قيمتها. خلافاً لليث القائل: لا يضمنون ما زاد على قيمتها. وفي المسألة تفاصيل مذكورة في كتب الفروع. وصيغة الجمع في الضمير في قوله {لِحُكْمِهِم} [الأنبياء: 78] الظاهر أنها مراد بها سليمان وداود وأصحاب الحرث وأصحاب الغنم، وأضاف الحكم إليهم لأن منهم حاكماً ومحكوماً له ومحكوماً عليه. وقوله: {فَفَهَّمْنَاهَا} [الأنبياء: 79] أي القضية أو الحكومة المفهومة من قوله: {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ} [الأنبياء: 78] وقوله: {وَكُلاًّ آتَيْنَا} [الأنبياء: 79] أي أعطينا كلا من داود وسليمان حكماً وعلماً. والتنوين في قوله: {وَكُلاًّ} عوض عن كلمة أي كل واحد منهما. قوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه سخر الجبال أي ذللها، وسخر الطير تسبح مع داود. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من تسخيره الطير، والجبال تسبح مع نبيه داود ـ بينه في غير هذا الموضع. كقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً {أية : يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ}تفسير : [سبأ: 10] الآية. وقوله: {أَوِّبِي مَعَهُ} أي رجعي معه التسبيح. {وَٱلطَّيْرَ} أي ونادينا الطير بمثل ذلك من ترجيع التسبيح معه. وقول من قال {أَوِّبِي مَعَهُ}: أي سيرى معه، وأن التأويب سير النهار ـ ساقط كما ترى. وكقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ}تفسير : [ص: 17-19]. والتحقيق: أن تسبيح الجبال والطير مع داود المذكور تسبيح حقيقي. لأن الله جل وعلا يجعل لها إدراكات تسبح بها، يعلمها هو جل وعلا ونحن لا نعلمها. كما قال: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}تفسير : [الإسراء: 44]، وقال تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 74] الآية، وقال تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا}تفسير : [الأحزاب: 72] الآية. وقد ثبت في صحيح البخاري: أن الجذع الذي كان يخطب عليه النبي صلى الله عليه وسلم لما انتقل عنه بالخطبة إلى المنبر سمع له حنين. وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إني لأعرف حجراً كان يسلم عَلَيَّ في مكة قبل أن أُبعث. إني لأعرفه الآن"تفسير : وأمثال هذا كثيرة والقاعدة المقررة عند العلماء: أن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن ظاهرها المتبادر منها إلا بدليل يجب الرجوع إليه. والتسبيح في اللغة: الإبعاد عن السوء، وفي اصطلاح الشرع: تنزيه الله جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ} أي جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح والظاهر أن قوله {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} مؤكد لقوله: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ} والموجب لهذا التأكيد: أن تسخير الجبال وتسبيحها أمر عجب خارق للعادة، مظنة لأن يكذب به الكفرة الجهلة. وقال الزمخشري: {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} أي قادرين على أن نفعل هذا. وقيل: كنا نفعل بالأنبياء مثل ذلك. وكلا القولين اللذين قال ظاهر السقوط. لأن تأويل {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} بمعنى كنا قادرين بعيد، ولا دليل عليه كما لا دليل على الآخر كما ترى. وقال أبو حيان {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} أي قادرين على أن نفعل هذا. وقيل: كنا نفعل بالأشياء مثل ذلك. وكلا القولين اللذين قال ظاهر السقوط. لأن تأويل {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} بمعنى كنا قادرين بعيد، ولا دليل عليه كما لا دليل على الآخر كما ترى. وقال أبو حيان {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} أي فاعلين هذه الأعاجيب من تسخير الجبال وتسبيحهن، والطير لمن نخصه بكرامتنا ا هـ، وأظهرها عندي هو ما تقدم، والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {إذ يحكمان في الحرث} قيل: كان ذلك زرعاً. وقيل: كان كرماً {إذ نفشت} رعت ليلاً {فيه غنم القوم} [بلا راعٍ] {وكنا لحكمهم شاهدين} لم يغبْ عن علمنا. {ففهمناها سليمان} ففهمنا القضيَّة سليمان دون داود عليهما السَّلام، وذلك أنَّ داود حكم لأهل الحرث برقاب الغنم، وحكم سليمان بمنافعها إلى أن يعود الحرث كما كان. {وسخرنا مع داود الجبال يسبحن} يجاوبنه بالتَّسبيح {و} كذلك {الطير وكنا فاعلين} ذلك. {وعلمناه صنعة لبوس لكم} عمل ما يلبسونه من الدُّروع {لتحصنكم} لتحرزكم {من بأسكم} من حربكم {فهل أنتم شاكرون} نعمتنا عليكم؟. {ولسليمان الريح} وسخَّرنا له الرِّيح {عاصفة} شديدة الهبوب {تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها} يعني: الشَّام، وكان منزل سليمان عليه السَّلام بها. {ومن الشياطين} وسخَّرنا له من الشَّياطين {من يغوصون له} يدخلون تحت الماء لاستخراج جواهر البحر {ويعملون عملاً دون ذلك} سوى الغوص {وكنا لهم حافظين} من أن يُفسدوا ما عملوا، وليصيروا تحت أمره.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: في الحرث: أي في الكرم الذي رعته الماشية ليلا. نفشت فيه: أي رعته ليلاً بدون راع. شاهدين: أي حاضرين صدور حكمهم في القضية لا يخفى علينا شيء من ذلك. ففهمناها: أي القضية التي جرى فيها الحكم. وكلاً آتينا حكماً وعلماً: أي كلاً من داود وولده سليمان أعطيناه حكماً أي النبوة وعلماً بأحكام الله وفقهها. يسبحن: أي معه إذا سبح. وكنا فاعلين: أي لما هو أغرب وأعجب من تسبيح الجبال والطير فلا تعجبوا. صنعة لبوس لكم: هي الدروع وهي من لباس الحرب. لتحصنكم: أي تقيكم وتحفظكم من ضرب السيوف وطعن الرماح. فهل أنتم شاكرون: أي اشكروا فالاستفهام معناه الأمر هنا. إلى الأرض التي باركنا: أي أرض الشام. يغوصون: أي في أعماق البحر لاستخراج الجواهر. ويعملون عملاً دون ذلك: أي دون الغوص كالبناء وغيره وبعض الصناعات. وكنا لهم حافظين: أي لأعمالهم حتى لا يفسدوها. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر إفضالات الله تعالى وإنعامه على من يشاء من عباده، وفي ذلك تقرير لنبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم التي كذبت بها قريش فقال تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} أي واذكر يا نبينا داود وسليمان {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ} اي اذكرهما في الوقت الذي كانا يحكمان في الحرث الذي {نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ} أي رعت فيه ليلاً بدون راع فأكلته وأتلفته {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} حاضرين لا يخفى علينا ما حكم به كل منهما، إذ حكم داود بأن يأخذ صاحب الحرث الماشية مقابل ما أتلفته لأن المتلف يعادل قيمة الغنم التي أتلفته، وحكم سليمان بأن يأخذ صاحب الماشية الرزع يقوم عليه حتى يعود كما كان، ويأخذ صاحب الحرث الماشية يستغل صوفها ولبنها وسخالها فإذا ردت إليه كرومة كما كانت أخذها ورد الماشية لصاحبها لم ينقص منها شيء هذا الحكم أخبر تعالى أنه فهم فيه سليمان وهو أعدل من الأول وهو قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا} أي الحكومة أو القضية أو الفتيا سليمان، ولم يعاتب داود على حكمه، وقال: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} تلافياً لما قد يظن بعضهم أن داود دون ولده في العلم والحكم. وقوله: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ} هذا ذكر لبعض ما أنعم به على داود عليه السلام وهو أنه سخر الجبال والطير تسبح معه إذا سبح سواء أمرها بذلك فأطاعته أو لم يأمرها فإنه إذا صلى وسبح صلت معه وسبحت، وقوله: {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} أي لما هو أعجب من تسخير الجبال والطير تسبح مع سليمان لأنا لا يعجزنا شيء وقد كتب هذا في كتاب المقادير فأخرجه في حينه، وقوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ} أي داود {صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ} وهي الدروع السابغة التي تقي لا سبها طعن الرماح وضرب السيوف بإذن الله تعالى فهي آلة حرب ولذا قال تعالى {لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ} {فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ}؟ أمر لعباده بالشكر على إنعامه عليهم والشكر يكون بحمد الله تعالى والإِعتراف بإنعامه، وطاعته وصرف النعمة فيما من أجله أنعم بها على عبده، وقوله {وَلِسُلَيْمَانَ} أي وسخرنا لسليمان {ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً} شديدة السرعة {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} إذْ يخرج غازياً أول النهار وفي آخره تعود به الريح تحمل بساطه الذي هو كأكبر سفينة حربية اليوم إلى الأرض التي بارك الله وهي أرض الشام. وقوله: {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} يخبر تعالى أنه كان وما زال عليماً بكل شيء ما ظهر للناس وما غاب عنهم فكل أحداث الكون تتم حسب علم الله وإذنه وتقديره وحكمته فلذا وجبت له الطاعة واستحق الألوهة والعبادة. وقوله: {وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ} أي وسخرنا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في أعماق البحار لاستخراج الجواهر، {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ} كالبناء وصنع التماثيل والمحاريب والجفان وغير ذلك. وقوله تعالى: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} أي وكنا لأعمال أولئك العاملين من الجن حافظين لها عالمين بها حتى لا يفسدوها بعد عملها مكراً منهم أو خديعة فقد روى أنهم كانوا يعملون ثم يفسدون ما عملوه حتى لا ينتفع به. هذا كله من إنعام الله تعالى على داود وسليمان وغيره كثير فسبحان ذي الأنعام والأفضال إله الحق ورب العالمين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب نصب القضاة للحكم بين الناس. 2- بيان حكم الماشية ترعى في حرث الناس وإن كان شرعنا على خلاف شرع من سبقنا فالحكم عندنا إن رعت الماشية ليلاً قوم المتلف على صاحب الماشية ودفعه لصاحب الزرع، وإن رعت نهاراً فلا شيء لصاحب الزرع لأن عليه أن يحفظ زرعه من أن ترعى فيه مواشي الناس لحديث العجماء، جبار وحديث ناقة البراء بن عازب. 3- فضل التسبيح. 4- وجوب صنع آلة الحرب وإعدادها للجهاد في سبيل الله. 5- وجوب شكر الله تعالى على كل نعمة تستجد للعبد. 6- بيان تسخير الله تعالى الجن لسليمان يعملون له أشياء. 7- تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ من أرسل هؤلاء الرسل وأنعم عليهم بما أنعم لا يستنكر عليه إرسال محمد رسولاً وقد أرسل من قبله رسلاً. 8- كل ما يحدث في الكون من أحداث يحدث بعلم الله تعالى وتقديره ولحكمة تقضيه.
القطان
تفسير : الحرث: الزرع. نفشت فيه غنم القوم: رعته الغنم في الليل بلا راع. صَنعة لَبوس: الدروع من الحديد. لتحصِنكم: لتحفظكم. من بأسكم: من حربكم، والبأس هي الحرب. الأرض التي باركنا فيها: أرض الشام. من يغوصون: الذين يغوصون الى قاع البحر ليُخرجوا ما به من كنوز ثمينة. عملاً دون ذلك: غير ذلك من بناء المدن والقصور والصناعات. {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ}. اذكر أيها الرسول نبأ داود وسليمان حين حكما في الزرع الذي رعته غنمٌ لقومٍ آخرين غير صاحب الزرع فأفسدتْه، وكان ربك شاهداً عليماً بما حكم به داود وسليمان. {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} وقد فهّمنا سليمانَ الحكم الصوابَ وآتيناه الحكمة والعلم جميعا. وقصة الحكم: أن غنماً رعت في زرع بالليل فأفسدته، فقضى داود بأن صاحب الزرع يأخذ الغنم مقابل زرعه. فلما علم سليمان بالحكم، قال: الحكم ان تبقى الغنم مع صاحب الزرع ينتفع بلبنها وصوفها، ويكلَّف صاحبُ الغنم بأن يحرث الارض ويزرعها حتى اذا استوى الزرع سلّمه الى صاحبه واسترد غنمه. وكان هذا الحكم هو الصواب. ولما علم داود بالحكم استحسنه وأمضاه. {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} وسخّرنا الجبال والطير لداود يسبِّحن معه بتسبيحٍ لا يسمعه البشرَ، وكنا فاعلين ذلك بقدرتنا. وهذا التسبيح لا نفهمه نحن. وفي سورة الإسراء الآية 45، {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}.تفسير : فعلماؤنا الأقدمون كانوا يقولون ان هذا التسبيح مَجازي، وذلك لعدم معرفتهم. وكيف يكون مجازياً، واللهُ تعالى في عدد من الآيات يحدّثنا عن تسبيح الكون والذرّات وكل شيء للخالق العظيم!! يقول الدكتور عماد الدين خليل في مجلة العربي العدد 259 رجب 1400 حزيران 1980. "واننا لنقف هنا خاشعين أمام واحد من جوانب الإعجاز القرآني، تلك المجموعة من الآيات الكريمة التي تحدثنا عن تسبيح الكون والذرات للخالق العظيم، من سورة الحشر والصف والاسراء.... ان التسبيح ها هنا لا يقتصر على كون الذرات والاجسام الفضائية تخضع للنواميس التي وضعها الله فيها، فهي تسبّح بحمد الله سبحانه، فهنالك ما هو أبعد من هذا وأقرب الى مفهوم التسبيح الحي أو التقديس الواعي. إن هذه الأشياء المادية تملك ارواحاً، وهي تمارس تسبيحها وتقديسها بالروح وربما بالوعي الذي لا نستطيع استيعاب ماهيته. وان هذا ليقودنا الى مقولة "اوينقتون": "ان مادّة العالم هذه مادة عقلية"، كما يقودنا الى الآية الكريمة {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.... }. {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ}. وعلّمنا داودَ صنعة الدروع لتكون لباساً يمنعكم في الحرب ويَقيكم من شدّة بعضكم لبعض فاشكروا الله على هذه النِعم التي أنعم بها عليكم. وهذه حقيقة واقعة، وذلك ان الحديد استُعمل في عصر داود في صناعة الدروع. قراءات: قرأ ابن عامر وحفص: لتحصنكم بالتاء، وقرأ ابو بكر: لنحصنكم بالنون، والباقون: ليحصنكم بالياء. {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ}. وسخّرنا لسليمانَ الريحَ عاصفة شديدة الهبوب تارة وليّنةً رُخاءً تارة أخرى، تجري بحسب رغبته الى أي بقعة في أرض الشام المباركة، وكنّا بكل شيء عالمين، لا تغيب عنا صغيرة ولا كبيرة. {وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} وسخّرنا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في الماء الى أعماق البحار، ليستخرجوا له اللؤلؤ والمرجان، ويعملون له ما يريد من بناء الحصون والقصور والمحاريب والتماثيل كما جاء في سورة سبأ 12 {أية : يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ}. تفسير : {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} من التمرّد على أمر سليمان، فهم لا ينالون أحداً بسوء.
د. أسعد حومد
تفسير : {دَاوُودَ} {وَسُلَيْمَانَ} {شَاهِدِينَ} (78) - أَشَارَ اللهُ تَعَالَى إِلَى قِصَّةِ دَاودَ وَسُلَيْمَانَ حِينَمَا حَكَما في خِلاَفٍ قَامَ بِسَبَب دُخُولِ غَنَمِ شَخْصٍ كَرْمَ شَخْص آخَرَ فَرَعَتْهُ لَيْلاً، وَأَتْلَفَتْ شَجَرَهُ وَعَنَاقِيدَهُ، فَقَضَى دَاوُدُ بِأَنْ تَكُونَ الغَنَمُ لِصَاحِب الكَرْمِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ أَوْ غَيْرُ هَذَا يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ تَدْفَعُ الكَرْمَ إِلَى صَاحِبِ الغَنَمِ، فَيَقُومُ عَلَيْهِ حَتَى يَعُودَ كَمَا كَانَ، وَتَدْفَعُ الغَنَمَ إِلى صَاحِبِ الكَرْمِ فَيُصِيبُ مِنْهَا، وَيَنْتَفِعُ بَنَتَاجِهَا، حَتَّى إِذَا الكَرْمُ عَادَ إِلَى مَا كَانَ دَفَعْتَ الكَرْمَ إِلَى صَاحِِبِهِ، وَدَفَعْتَ الغَنَمَ إِلَى صَاحِبهَا. فَكَانَ حُكْمُ سُلَيْمَانَ أَقْرَبَ إِلَى العَدْلِ مِنْ حُكْمِ دَاودَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ. (وَقَالَ بَعْضُ الفُقُهَاءِ: إِنَّ الله اتَّخَذَ عَلَى الحُكَّامِ ثَلاَثاً: أن لاَ يَشْتَروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً، وأن لا يَتَّبِعُوا فِيهِ الهَوَى، وَأَنْ لاَ يَخْشَوْا فِيهِ أَحَداً). نَفَشَتْ - رَعَتْ لَيلاً. الحَرْثُ - الكَرْمُ أوِ الزَّرْعُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يحكمان تعني أن هناك خصومة بين طرفين، والحرْث: إثارة الأرض وتقليب التربة؛ لتكون صالحة للزراعة، وقد وردتْ كلمة الحرث أيضاً في قوله تعالى: {أية : وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ} تفسير : [البقرة: 205]. والحرْث ذاته لا يهلك، إنما يهلك ما نشأ عنه من زُروع وثمار، فسمَّى الزرع حَرْثاً؛ لأنه ناشىء عنه، كما في قوله تعالى أيضاً: {أية : كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ..} تفسير : [آل عمران: 117]. لكن، لماذا سَمَّى الحرْث زَرْعاً، مع أن الحَرْث مجرد إعداد الأرض للزراعة؟ قالوا: لُيبيِّن أنه لا يمكن الزرع إلا بحرْث؛ لأن الحرْث إهاجة تُرْبة الأرض، وهذه العملية تساعد على إدخال الهواء للتربة وتجفيفها من الماء الزائد؛ لأن الأرض بعد عملية الريِّ المتكررة يتكوَّن عليها طبقة زَبَدية تسدُّ مسَام التُّربة، وتمنع تبخُّر المياه الجوفية التي تُسبِّب عطباً في جذور النبات. لذلك، ليس من جَوْدة التربة أن تكون طينية خالصة، أو رملية خالصة، فالأرض الطينية تُمسك الماء، والرملية يتسرَّب منها الماء، وكلاهما غير مناسب للنبات، أما التربة الجيدة، فهي التي تجمع بين هذه وهذه، فتسمح للنبات بالتهوية اللازمة، وتُعطيه من الماء على قَدْر حاجته. لذلك سَمَّى الزرْع حَرْثاً؛ لأنه سببُ نمائه وزيادته وجَوْدته، وليُلفت أنظارنا أنه لا زَرْع بدون حَرْث، كما جاء في قوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} تفسير : [الواقعة: 63-64]. ففي هذه المسألة إشارة إلى سُنَّة من سُنَن الله في الكون، هي أنك لا بُدَّ أن تعمل لتنال، فربُّك وخالقك قدَّم لك العطاء حتى قبل أنْ تُوجد، وقبل أن يُكلِّفك بشيء، ومكثت إلى سنِّ البلوغ، تأخذ من عطاء الله دون أنْ تُحاسبَ على شيء من تصرفاتَك. وكذلك الأمر في الآخرة سيعطيك عطاءً لا ينتهي، دون أن تتعب في طلبه، هذا كُلُّه نظير أنْ تطيعه في الأمور الاختيارية في سِنِّ التكليف. إذن: لقد نِلْتَ قبل أن تعمل، وستنال في الآخرة كذلك بدون أنْ تعمل، فلا بُدَّ لك من العمل بين بدايتك ونهايتك لتنال الثمرة. لذلك، في الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَعْطُوا الأجير أجره قبل أنْ يجفَّ عَرَقُه" تفسير : ما دام قد عمل فقد استحق الأجر، والأمر كذلك في مسألة الحرث. ثم يقول تعالى: {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ ..} [الأنبياء: 78] هذه خصومة بين طرفين، احتكما فيها لداود عليه السلام: رجل عنده زرع، وآخر عنده غنم، فالغنم شردتْ في غفلة من صاحبها فأكلتْ الزرع، فاشتكى صاحبُ الزرع صاحبَ الغنم لداود، فحكم في هذه القضية بأن يأخذَ صاحبُ الزرعِ الغنَم، وربما وجد سيدنا داود أن الزرع الذي أتلفتْه الغنم يساوي ثمنها. فحينما خرج الخَصْمان لقيهما سليمان - عليه السلام - وكان في الحادية عشرة من عمره، وعرف منهما حكومة أبيه في هذه القضية، فقال: (غير هذا أرفق بالفريقين) فسمَّى حُكْم أبيه رِفْقاً، ولم يتهمه بالجَوْر مثلاً، لكن عنده ما هو أرفق. فلما بلغت مقالته لأبيه سأله: ما الرِّفق بالفريقين؟ قال سليمان: نعطي الغنم لصاحب الزرع يستفيد من لبنها وأصوافها، ونعطي الأرض لصاحب الغنم يُصلحها حتى تعود كما كانت، ساعتها يأخذ صاحب الغنم غنمه، وصاحب الزرع زَرْعه. ومعنى {نَفَشَتْ ..} [الأنبياء: 78] نقول: نفش الشيء أي: أخذ حَجْماً فوق حَجْمه، كما لو أخذتَ مثلاً قطعة من الخبز أو البقسماط ووضعتَها في لبن أو ماء، تلاحظ أنها تنتفش ويزداد حجمها نقول: انتفشت، كما نقول لمن يأخذ حجماً أكثر من حجمه: "أنت نافش ريشك". وقوله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] أي مراقبين. يقول الحق سبحانه: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم: قال: نا آدم، قال: نا إِسرائيل عن أبي اسحٰق الهمذاني، عن مرة بن شراحيل عن مسروق بن الأَجدع قال: {نَفَشَتْ فِيهِ} [الآية: 78]. ليلا وكان الحرث كرما حين طلع، فلم يصبح فيه ورقة ولا عود إِلا أَكلته الغنم، فاختصموا إِلى داود، عليه السلام، لأَصحاب الكرم: لكم رقاب الغنم. فقال له سليمان: أَو غير ذلك يا نبي الله، تعطي لأَصحاب الكرم الغنم، فيصيبون من أَلبانها ومنفعتها ويعالج أَصحاب الغنم الكرم حتى إِذا كان كهيئته حين {نَفَشَتْ فِيهِ}، دفعت إِلى هؤلاءِ غنمهم، وإِلى هؤلاءِ كرمهم. فرضي بذلك داود. فقال الله، عز وجل: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الآية: 79].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ} فالنَّفشُ: أنْ تدخُلَ في الزَّرعِ ليلاً فتأكُلَهُ، ولا يكونُ إلاَّ بالليلِ. والهَملُ بالنَّهارِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الحكمين المختلفين بقوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ} [الأنبياء: 78] يشير إلى أنا كنا حاضرين في حكمهما معها بالتأييد إنما حكماً بإرشادنا لهما، ولم يحط أحد مهما في حكمه إلا إنَّا أردنا تشييد بناء الاجتهاد بحكمهما عزة وكرامة للمجتهدين؛ ليتقدوا بهما مستظهرين بمساعيهم المشكورة في الاجتهاد. وبقوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79] يشير إلى: رفعة درجة بعض المجتهدين على بعض، وإن الاعتبار في الكبر والفضيلة بالعلم، وفهم الأحكام والمعاني، والأسرار لا بالسن، فإنه فهم بالأحق والأصوب وهو ابن صغير وداود نبي مرسل كبير، ثم قال تعالى: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء: 79] أي: حكمة وعلماً؛ ليحكم كل واحد منهما موافقاً للعلم والحكمة بتأييدنا، وإن كان مخالفاً في الحكم لحكمنا؛ ليتحقق صحة أمر الاجتهاد، وأن لكل مجتهد مصيب. وبقوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 79] يشير إلى أن الذاكر لله إذا استولى عليه سلطان الذكر تتنور أجزاء وجوده بنور الذكر فيتجوهر قلبه وروحه بجوهر الذكر، فربما ينعكس نور الذكر من مرآة القلب إلى ما يحاذيها من الجمادات والحيوانات، فتنطق بالذكر معه أجزاء وجوده، وتارة تذكر معه بعض الجمادات والحيوانات كما كان الحصا يسبح في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والضب يتكلم معه، وروي عن بعض الصحابة أنه قال: "حديث : كنا نأكل الطعام ونسمع تسبيحه ". تفسير : وبقوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: 80] يشير إلى أن الأنبياء كثيراً ما يجدوه من مواهب الله تعالى ببركة الأمة كل ما يجدون من مواهب الله تعالى إنما يجدونه بتبعية الأنبياء وبركاتهم، فلهذا قال: {لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: 80] فيه إشارة أخرى وهي: أن المعجزة التي أظهر الله تعالى على يد رسوله داود عليه السلام من الآية الحديد وصنعة اللبوس كان كرامة لأمة النبي صلى الله عليه وسلم إذاً لخطاب معهم، ولهذا قال تعالى: {فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80] أي: تشكرون نعمة الكرامة التي كرمهم بها في سورة المعجزة على داود عليه السلام. وبقوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} [الأنبياء: 81] يُشير إلى أن كمالية الإنسان إذا بلغ مبلغ الرجال البالغين من الأنبياء والأولياء، سخَّر الله بحسب مقامه السفليات والعلويات من الملك والملكوت، فسخر لسليمان عليه السلام الريح والجن والشياطين والطير والحيوانات والمعادن والنيات ومن العلويات الشمس حين ردت لأجل صلاته، كما سخر لداود الجبال والطير والحديد والأحجار التي قتل بها جالوت وهزم عسكرهم، فسخر لكل نبي شيئاً آخر من أجناس العلويات والسفليات، وسخر لنبينا صلى الله عليه وسلم من جميع أجناسها. * فمن السفليات ما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : زويت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً"تفسير : ، وقال: "حديث : أوتيت مفاتيح خزائن الأرض"تفسير : ، وكان الماء ينبع من بين أصابعه. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نُصرت بالصبا وأهلكت عاد بالزبور" تفسير : وكانت الأشجار تسجد له، وتسلم عليه، وتسجد له، وتنقلع بإشارته عن مكانها وترجع، والحيوانات كانت تتكلم معه، وتشهد بنبوته، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أسلم شيطاني على يدي" تفسير : وغيره من السفليات. * وأمَّا العلويات: فقد انشق القمر بإشارة وسخر له البراق وجبريل والرفوف، وعبر عن السماوات السبع والعرش والكرسي والجنة والنار إلى أن بلغ مقام قاب قوسين، أو أدنى، فما بقي شيء من الموجودات إلا وقد سخر له. وبقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء: 82] يُشير إلى أنا كنا سخرنا الشياطين له؛ ليعلمون له أعمالاً والغوص والصنائع التي يصنعون بحفظ الله ما لا يقدرون عليه الآن.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: واذكر هذين النبيين الكريمين { داود } و { سليمان } مثنيا مبجلا إذ آتاهما الله العلم الواسع والحكم بين العباد، بدليل قوله: { إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } أي: إذ تحاكم إليهما صاحب حرث، نفشت فيه غنم القوم الآخرين، أي: رعت ليلا فأكلت ما في أشجاره، ورعت زرعه، فقضى فيه داود عليه السلام، بأن الغنم تكون لصاحب الحرث، نظرا إلى تفريط أصحابها، فعاقبهم بهذه العقوبة، وحكم فيها سليمان بحكم موافق للصواب، بأن أصحاب الغنم يدفعون غنمهم إلى صاحب الحرث فينتفع بدرها وصوفها ويقومون على بستان صاحب الحرث، حتى يعود إلى حاله الأولى، فإذا عاد إلى حاله، ترادا ورجع كل منهما بما له، وكان هذا من كمال فهمه وفطنته عليه السلام ولهذا قال: { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } أي: فهمناه هذه القضية، ولا يدل ذلك، أن داود لم يفهمه الله في غيرها، ولهذا خصها بالذكر بدليل قوله: { وَكُلا } من داود وسليمان { آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } وهذا دليل على أن الحاكم قد يصيب الحق والصواب وقد يخطئ ذلك، وليس بمعلوم إذا أخطأ مع بذل اجتهاده. ثم ذكر ما خص به كلا منهما فقال: { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ } وذلك أنه كان من أعبد الناس وأكثرهم لله ذكرا وتسبيحا وتمجيدا، وكان قد أعطاه [الله] من حسن الصوت ورقته ورخامته، ما لم يؤته أحدا من الخلق، فكان إذا سبح وأثنى على الله، جاوبته الجبال الصم والطيور البهم، وهذا فضل الله عليه وإحسانه فلهذا قال: { وَكُنَّا فَاعِلِينَ } . { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ } أي: علم الله داود عليه السلام، صنعة الدروع، فهو أول من صنعها وعلمها وسرت صناعته إلى من بعده، فألان الله له الحديد، وعلمه كيف يسردها والفائدة فيها كبيرة، { لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ } أي: هي وقاية لكم، وحفظ عند الحرب، واشتداد البأس. { فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ } نعمة الله عليكم، حيث أجراها على يد عبده داود، كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ }. تفسير : يحتمل أن تعليم الله لداود صنعة الدروع وإلانتها أمر خارق للعادة، وأن يكون - كما قاله المفسرون-: إن الله ألان له الحديد، حتى كان يعمله كالعجين والطين، من دون إذابة له على النار، ويحتمل أن تعليم الله له، على جاري العادة، وأن إلانة الحديد له، بما علمه الله من الأسباب المعروفة الآن، لإذابتها، وهذا هو الظاهر، لأن الله امتن بذلك على العباد وأمرهم بشكرها، ولولا أن صنعته من الأمور التي جعلها الله مقدورة للعباد، لم يمتن عليهم بذلك، ويذكر فائدتها، لأن الدروع التي صنع داود عليه السلام، متعذر أن يكون المراد أعيانها، وإنما المنة بالجنس، والاحتمال الذي ذكره المفسرون، لا دليل عليه إلا قوله: { وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ } وليس فيه أن الإلانة من دون سبب، والله أعلم بذلك. { وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ } أي: سخرناها { عَاصِفَةً } أي: سريعة في مرورها، { تَجْرِي بِأَمْرِهِ } حيث دبرت امتثلت أمره، غدوها شهر ورواحها شهر { إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } وهي أرض الشام، حيث كان مقره، فيذهب على الريح شرقا وغربا، ويكون مأواها ورجوعها إلى الأرض المباركة، { وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ } قد أحاط علمنا بجميع الأشياء، وعلمنا من داود وسليمان، ما أوصلناهما به إلى ما ذكرنا. { وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ } وهذا أيضا من خصائص سليمان عليه السلام، أن الله سخر له الشياطين والعفاريت، وسلطه على تسخيرهم في الأعمال، التي لا يقدر على كثير منها غيرهم، فكان منهم من يغوص له في البحر، ويستخرج الدر، واللؤلؤ، وغير ذلك، ومنهم من يعمل له {أية : مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ } تفسير : وسخر طائفة منهم، لبناء بيت المقدس، ومات، وهم على عمله، وبقوا بعده سنة، حتى علموا موته، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. { وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ } أي: لا يقدرون على الامتناع منه وعصيانه، بل حفظهم الله له، بقوته وعزته، وسلطانه.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 645 : 20 : 18 - سفين عن أبي اسحاق عن مرة عن مسروق في قوله {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ} قال، الحرث عنب {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ} قال، بالليل. قال، فحكم فيها داود عليه السلام ان تدفع اليهم الغنم. قال سليمان: "ما قال داود"؟ قالوا: "دفع إليهم الغنم". فقال: "لو كنت انا، لم أدفعها. ولكن كنت أجعلها لهم ينتفعون بأصوافها والبانها وسمنها. ويقوم أصحاب الغنم بالحرث. حتى يصيرونه إلى مثل ما كان. ثم ترد عليهم الغنم، ويردون الحرث على أربابه". فأنزل الله عز وجل {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}. [الآية 78].
همام الصنعاني
تفسير : 1873- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة، في قوله تعالى: {نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ}: [الآية: 78]، قال: في حرث قوم. 1874- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، قال الزّهري: النفس لا يكون إلاَّ لَيْلاً، والهمل بالنهارِ. قال قتادة: فقضى داود أن يأخذوا الغنم، ففهَّمها اللهُ سليمان، فلما أخبر سليمان بقضاءِ داود، قال: لاَ، ولكن خذوا الغنم، فلكم ما خرج من رسلها، وأوْلاَدها، وأصوافها إلى الحول. 1875- قال عبد الرزاق، قال معمر، وبلغني أن الحرث الذي نفشت فيه الغنم كان عنباً. 1876- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن [ابن محيصة]: أنَّ ناقَةَ للبراء بن عازب، دخلت حَائِطَ رجُلٍ فأفسدته؛ فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ عَلَى أهْل الأمْوَالِ حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل. 1877- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، عن الشعبي: أن شاةً وقعت في عزل حواك فاختصموا إلى شريج، فقال الشعبي: انظروا فإنه سيسألهم أليْلاً كانَ أم نهاراً؟ فقال شريج: أليْلاً كان أم نهاراً! قال: إن كَانَ نَهَاراً فلا ضمان عَلَى صاحِبهَا، وإن كان ليْلاً ضمن قال: وقرأ {إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ}: [الآية: 78]. ثم قال: النفش بالليل، والهمل بالنَّهارِ. 1878- حدّثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة: بلغنا أن داود حكم بالغنم لأهل الزرع، ففهَّمَها الله سليمان. قال: فبلغنا أَنَّ سليمان قضَى أن الغنم تكون مع أهل الزرع، فلَهُمْ مَا يَخْرُجُ من أصْوَافِهَا وألبانها وأولادها، عامها ذَلِكَ. 1879- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن مسروق، في قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ}: [الآية: 78]، قال: كَانَ حَرْثُهُمْ عنباً فنفشت فيه الغنم ليْلاً فقضى بالغنم لهم، فمروا على سليمان فأخبروه الخبر. فقال: أو غير ذَلِكَ؟ فَرَدّهم إلى داود، فقال: ما قَضَيْتَ بين هؤلاء؟ فأخبروه، قال: ولكن اقض بينهم أن يأخذوا غنمهم، فيكون لهم لَبَنُهَا وصُوفُها وسمنها ومنفعتُها، ويقوم هؤلاء عَلَى عِنَبِهم، حتى إذا عاد كما كانَ، رَدُّوا عليهم غنمهم، قال: فذلك قوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}: [الآية: 79].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):