٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
79
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ} الضمير للحكومة أو للفتوى وقرىء «فأفهمناها». روي أن داود حكم بالغنم لصاحب الحرث فقال سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة: غير هذا أرفق بهما فأمر بدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأشعارها والحرث إلى أرباب الغنم يقومون عليه حتى يعود إلى ما كان ثم يترادان. ولعلهما قالا اجتهادا والأول نظير قول أبي حنيفة في العبد الجاني والثاني مثل قول الشافعي بغرم الحيلولة في العبد المغصوب إذا أبق، وحكمه في شرعنا عند الشافعي وجوب ضمان المتلف بالليل إذ المعتاد ضبط الدواب ليلاً وهكذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم لما دخلت ناقة البراء حائطاً وأفسدته فقال «حديث : على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل الماشية حفظها بالليل»تفسير : وعند أبي حنيفة لا ضمان إِلاَّ أن يكون معها حافظ لقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : جرح العجماء جبار»تفسير : {وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } دليل على أن خطأ المجتهد لا يقدح فيه. وقيل على أن كل مجتهد مصيب وهو مخالف لمفهوم قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَـٰهَا } ولولا النقل لاحتمل توافقهما على أن قوله ففهمناها لإِظهار ما تفضل عليه في صغره. {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ ٱلْجِبَالَ يُسَبّحْنَ } يقدسن الله معه إما بلسان الحال أو بصوت يتمثل له، أو بخلق الله تعالى فيها الكلام. وقيل يسرن معه من السباحة وهو حال أو استئناف لبيان وجه التسخير و {مَّعَ } متعلقة بـ {سَخَّرْنَا } أو {يُسَبِّحْنَ} {وَٱلطَّيْرَ} عطف على {ٱلْجِبَالَ} أو مفعول معه. وقرىء بالرفع على الإِبتداء أو العطف على الضمير على ضعف. {وَكُنَّا فَـٰعِلِينَ } لأمثاله فليس ببدع منا وإن كان عجباً عندكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَفَهَّمْنَٰهَا } أي الحكومة {سُلَيْمَٰنَ } وحكمهما باجتهاد ورجع داود إلى سليمان وقيل بوحي والثاني ناسخ للأوّل {وَكُلاًّ } منهما {آتَيْنَاهُ حُكْمًا } نبوّة {وَعِلْماً } بأمور الدين {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ } كذلك سُخِّرا للتسبيح معه لأمره به إذا وَجَدَ فترة لينشط له {وَكُنَّا فَٰعِلِينَ } تسخير تسبيحهما معه، وإن كان عجباً عندكم: أي مجاوبةً للسيد داود.
ابو السعود
تفسير : {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ} عطفٌ على يحكمان فإنه على حكم الماضي، وقرىء فأفهمناها والضميرُ للحكومة أو الفُتيا، روي أنه دخل على داودَ عليه السلام رجلان، فقال أحدهما: إن غنَمَ هذا دخلت في حرثي ليلاً فأفسدتْه فقضى له بالغنم فخرجا فمرّا على سليمان عليه السلام فأخبراه بذلك، فقال: غيرُ هذا أرفقُ بالفريقين فسمعه داودُ فدعاه، فقال له: بحق النبوةِ والأبوة إلا أخبرتَني بالذي أرفقُ بالفريقين، فقال: أرى أن تُدفع الغنَمُ إلى صاحب الأرض لينتفعَ بدرها ونسلِها وصوفِها، والحرثَ إلى أرباب الغنم ليقوموا عليه حتى يعودَ إلى ما كان ثم يترادّا، فقال: القضاءُ ما قضيتَ وأمضىٰ الحُكْمَ بذلك، والذي عندي أن حكْمَهما عليهما السلام كان بالاجتهاد فإن قولَ سليمان عليه الصلاة والسلام: غيرُ هذا أرفقُ بالفريقين، ثم قولُه: أرى أن تُدفع الخ، صريحٌ في أنه ليس بطريق الوحي وإلا لبتّ القولَ بذلك ولما ناشده داودُ عليهما السلام لإظهار ما عنده بل وجب عليه أن يُظهِره بدْأً وحرُم عليه كتمُه، ومن ضرورته أن يكون القضاءُ السابقُ أيضاً كذلك ضرورةَ استحالة نقضِ حكم النصِ بالاجتهاد، بل أقول: والله تعالى أعلم إن رأْيَ سليمان عليه السلام استحسانٌ كما ينبىء عنه قوله: أرفقُ بالفريقين ورأيَ داودَ عليه السلام قياسٌ كما أن العبدَ إذا جنى على النفس يدفعه المولى عند أبـي حنيفة إلى المجنيِّ عليه أو يفديه ويبـيعُه في ذلك أو يفديه عند الشافعي، وقد روي أنه لم يكن بـين قيمة الحرثِ وقيمة الغنمِ تفاوتٌ، وأما سليمانُ عليه السلام فقد استحسن حيث جعل الانتفاعَ بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث من غير أن يزول مُلكُ المالك عن الغنم، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث إلى أن يزولَ الضررُ الذي أتاه من قِبله كما قال أصحابُ الشافعيِّ فيمن غصب عبداً فأبَقَ منه: أنه يضمن القيمةَ فينتفعَ بها المغصوبُ منه بإزاء ما فوّته الغاصبُ من المنافع فإذا ظهر الآبقُ ترادّا وفي قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ} دليلٌ على رجحان قولِه ورجوعِ داودَ عليه السلام إليه مع أن الحكمَ المبنيَّ على الاجتهاد لا يُنقَض باجتهاد آخرَ وإن كان أقوى منه لما أن ذلك من خصائص شريعتِنا، على أنه ورد في الأخبار أن داودَ عليه السلام لم يكن بتّ الحكمَ في ذلك حتى سمع من سليمانَ وأما حكمُ المسألةِ في شريعتنا فعند أبـي حنيفة رحمه الله لا ضمانَ إن لم يكن معها سائقٌ أو قائد، وعند الشافعي يجب الضمانُ ليلاً لا نهاراً وقوله تعالى: {وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} لدفع ما عسى يوهمه تخصيصُ سليمانَ عليه السلام بالتفهيم من عدم كون حكم داودَ عليه السلام حكماً شرعياً، أي وكلُّ واحد منهما آتينا حكماً وعلماً كثيراً لا سليمانُ وحده، وهذا إنما يدل على أن خطأَ المجتهدِ لا يقدح في كونه مجتهداً، وقيل: بل على أن كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ وهو مخالفٌ لقوله تعالى: {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ} ولولا النقلُ لاحتمل توافقُهما على أن قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ} لإظهار ما تفضّل عليه في صِغره فإنه عليه السلام كان حيئنذ ابن إحدى عشْرة سنةً {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ ٱلْجِبَالُ} شروعٌ في بـيان ما يختص بكل منهما من كراماته تعالى إثرَ بـيان كرامتِه العامة لهما {يُسَبّحْنَ} أي يقدّسْن الله عز وجل معه بصوت يتمثل له أو يخلق الله تعالى فيها الكلامَ، وقيل: يسِرْن معه من السباحة وهو حالٌ من الجبال أو استئنافٌ مبـين لكيفية التسخيرِ ومع متعلقةٌ بالتسخير، وقيل: بالتسبـيح وهو بعيد {وَٱلطَّيْرُ} عطفٌ على الجبال أو مفعولٌ معه، وقرىء بالرفع على الابتداء والخبرُ محذوفٌ، أي والطيرُ مسخراتٌ، وقيل: على العطف على الضمير في يسبحن وفيه ضعفٌ لعدم التأكيد والفصلِ {وَكُنَّا فَـٰعِلِينَ} أي من شأننا أن نفعل أمثالَه فليس ذلك ببِدْعٍ منا وإن كان بديعاً عندكم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الآية: 79]. قال الجنيد رحمة الله عليه: أفهم سليمان مسألة من العلم فمنَّ الله عليه بذلك، وأعطاه الملك فلم يَمُن عليه وقال: {أية : هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [ص: 39] بل أراه حقارته في ثلاث مواضع حين سأل الملكَ واختاره عرفه قلّة ملكه، وخسته حين ألقى على كرسيه جسدًا، وحيث قال: {أية : فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ}تفسير : [ص: 36] أراه أن المُلك الذى أعطاه ريح لأنه لا يدوم والملكُ هو الذى يدوم، وحين قال له آصف وهو الذى عنده علم من الكتاب {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}تفسير : [النمل: 40] وحيث قال: {أية : هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ}تفسير : [ص: 39] أي أعط من شئت لحقارته وخسته. قوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الجِبَالَ يُسِّبحْنَ} [الآية: 79]. قال محمد بن على: جعل الله الجبال تسلية للمحزونين وأُنسًا للمكروبين، ألا تراه يقول: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ}. وقال بعضهم: الأنس الذي في الجبال هو أنها خالية عن صنع الخلائق فيها بحال، باقية على صنع الخالق لا أثر فيها لمخلوق فتوحش. والآثار التي فيها آثار صنع حقيقى من غير تبديل ولا تحويل.
اسماعيل حقي
تفسير : {ففهمناها} اى الحكومة {سليمان} وهو ابن احدى عشرة سنة. وقال الكاشفى [درسن سيزده سالكى]. قال فى التأويلات النجمية يشير الى رفعة درجة بعض المجتهدين على بعض وان الاعتبار فى الكبر والفضيلة بالعلم وفهم الاحكام والمعانى والاسرار لا بالسن فانه فهم بالاحق والاصوب وهو ابن صغير وداود نبى مرسل كبير. وحكما [كفته اند توانكرى بهنرست نه بمال وبزركى بعقلست نه بسال]. فى القصص ان بنى اسرائيل حسدوا سليمان على ما اوتى من العلم فى صغر سنه فاوحى الله تعالى الى داود عليه السلام يا داود ان الحكمة تسعون جزأ سبعون منها فى سليمان وعشرون فى بقية الناس {وكلا}{هر يك را زبدر وبسر]{آتينا حكما وعلما} كثيرا لا سليمان وحده فحكم كليهما حكم شرعى. قال فى التأويلات النجمية اى حكمة وعلما ليحكم كل واحد منهما موافقا للعلم والحكمة بتأييدنا وان كان مخالفا فى الحكم بحكمتنا ليتحقق صحة امر الاجتهاد وان كل مجتهد مصيب كما قال فى الارشاد وهذا يدل على ان خطأ المجتهد لا يقدح فى كونه مجتهدا - روى - انه دخل على داود عليه السلام رجلان فقال احدهما ان غنم هذا دخلت فى حرثنى ليلا فافسدته فقضى له بالغنم اذ لم يكن بين قيمة الحرث وقيمة الغنم تفاوت فخرجا فمرا على سليمان عليه السلام فاخبراه بذلك فقال غير هذا ارفق بالفريقين فسمعه داود فدعاه فقال له بحق النبوة والابوة ألا اخبرتنى بالذى هو ارفق بالفريقين فقال ارى ان تدفع الغنم الى صاحب الارض لينتفع بدرها ونسلها وصوفها والحرث الى ارباب الغنم ليقوموا عليه اى بالحرث والزرع حتى يعود الى ما كان ويبلغ الحصاد ثم يترادّا فقال القضاء ما قضيت وامضى الحكم بذلك. قال فى الارشاد الذى عندى ان حكمهما كان بالاجتهاد فان قول سليمان غير هذا أرفق بالفريقين ثم قوله ارى ان تدفع الخ صريح فى انه ليس بطريق الوحى والا لبت القول بذلك ولما ناشده داود لاظهار ما عنده بل وجب عليه ان يظهره ابتداء وحرم عليه كتمه ومن ضرورته ان يكون القضاء السابق ايضا كذلك ضرورة استحالة نقض حكم النص بالاجتهاد انتهى والاجتهاد بذل الفقيه الوسع ليحصل له ظن بحكم شرعى وهو جائز للانبياء عند اهل السنة ليدركوا ثواب المجتهدين وليقتدى بهم غيرهم ولذا قال عليه السلام "حديث : العلماء ورثة الانبياء"تفسير : فانه يستلزم ان تكون درجة الاجتهاد ثابتة للانبياء ليرث العلماء عنهم ذلك الا ان الانبياء لا يقرون على خطأ وفى الحديث "حديث : اذا حكم الحاكم فاجتهد فاصاب فله اجران واذا حكم واجتهد واخطأ فله اجر"تفسير : وفى كل حادثة حكم معين عند الله وعليه دليل قطعى او ظنى فمن وجده اصاب ومن فقده اخطأ ولم يأثم. فان قيل لو تعين الحكم فالمخالف له لم يحكم بما انزل الله فيفسق او يكفر. قلنا انه امر بالحكم بما ظنه وان اخطأ فقد حكم بما انزل الله. قال فى بحر العلوم واعلم ان فى هذه الآية دليلا على ان المجتهد يخطئ او يصيب وان الحق واحد فى المسائل الاجتهادية اذ لو كان كل من الاجتهادين صوابا وحقا لكان كل منهما قد اصاب الحق وفهمه ولم يكن لتخصيص سليمان خلافه بالذكر جهة فانه فى هذا المقام يدل على نفى الحكم عما عداه وعلى ان للانبياء اجتهادا كما للعلماء على انه لو كان كل مجتهد مصيبا لزم اتصاف الفعل الواحد بالنقيضين من الصحة والفساد والوجوب والحظر والاباحة وهو ممتنع: وفى المثنوى شعر : وهم افتد در خطا ودر غلط عقل باشد در اصابتها فقط مجتهد هركه كه باشد نص شناس اندران صوت نينديشد قياس جون نيايد نص اندر صورتى از قياس آنجا نمايد عبرتى تفسير : {وسخرنا}[ورام ساختيم]{مع داود الجبال} مع متعلقة بالتخسير وهو تذليل الشئ وجعله طائعا منقادا. وسفن سواخر اذا اطاعت وطابت لها الريح {يسبحن} حال من الجبال ان يقدسن الله تعالى بحيث يسمع الحاضرون تسبيحهن فانه هو الذى يليق بمقام الامتنان لا انعكاس الصدى فانه عام وكذا ما كان بلسان الحالف فاعرف {والطير} عطف على الجبال وقدمت الجبال على الطير لان تسخيرها وتسبيحها اعجب وادل على القدر وادخل فى الاعجاز لانها جماد والطير حيوان {وكنا فاعلين} قادرين على ان نفعل هذا وان كان عجبا عندكم - روى - ان داود كان اذا مر يسمعه الله تسبيح الجبال والطير لينشط فى التسبيح ويشتاق اليه. قال الكاشفى [مؤمن موقن بايدكه اعتقاد كند برين وجه كه كوهها ومرغان بموافقت داود بروجهى تسبيح مى كفته اندكه همه سامعانرا تركيب حروف وكلمات آن مفهوم ميشده واين معنى ازقدرت الهى غريب نيست] شعر : هر كجا قدرتش علم افراخت ازغرائب هر آنجه خواست بساخت قدرتى را كه نيست نقصانش كارها جمله هست آسانش تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى ان الذاكر لله اذا استولى عليه سلطان الذكر تتنور اجزاء وجوده بنور الذكر فيتجوهر قلبه وروحه بجوهر الذكر فربما ينعكس نور الذكر من مرآة القلب الى ما يحاذيها من الجمادات والحيوانات فتنطقه بالذكر فتارة يذكر معه اجزاء وجوده وتارة يذكر معه بعض الجمادات والحيوانات كما كانت الحصاة تسبح فى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم والضب يتكلم معه - وروى - عن بعض الصحابة رضى الله عنهم انه قال كنا نأكل الطعام ونسمع تسبيحه انتهى. وفى عرائس البقلى رحمه الله كان يطلب كل وقت مكانا خاليا لذكره وانسه فيدخل الجبال لانها ملتبسة بانوار قدرته خالية عن صنع اهل الحدثان باقية على ما اخرجت من العدم بكسوة نور القدم فاذا كان مسبحا سبحت الجبال معه والطير بلسان نور الفعل الحق كأنه تعالى ينزه نفسه بتنزيه داود حيث غلب على داود سطوات عظمته ونور كبريائه. قال محمد ابن على رحمه الله جعل الله الجبال تسلية للمجذوبين وانسا للمكروبين والانس الذى فى الجبال هو انها خالية عن صنع الخلائق فيها بحال باقية على صنع الخالق لا اثر فيها لمخلوق فتوحش والآثار التى فيها آثار الصنع الحقيقى عن غير تبديل ولا تحويل انتهى. قال ابن عباس رضى الله عنهما ان بنى اسرائيل كانوا قد تفرقوا قبل مبعث داود واقبلوا على ملاهى الشيطان وهى العيدان والطنابير والمزامير والصنوج وما اشبهها فبعث الله داود اعطاه من حسن الصوت ونغمة الالحان حتى كان يتلو التوراة بترجيع وخفض ورفع فاذهل عقول بنى اسرائيل وشغلهم عن تلك الملاهى وصاروا يجتمعون الى داود يستمعون الحانة وكان اذا سبح تسبح معه الجبال والطير والوحش كما فى قصص الانبياء: قال الشيخ سعدى قد سره شعر : به از روى زيباست آواز خوش كه اين حظ نفس است وآن قوت روح تفسير : وقال شعر : اشتر بشعر عرب در حالتست وطرب كرذوق نيست تراكز طبع جانورى تفسير : وقال شعر : وعند هبوب الناشرات على الحمى تميل غصون البان لا الحجر الصلد تفسير : وكما ان الاصوات الحسنة والنغمات الموزونة تؤثر فى النفوس فتجذبها من الشر الى الخير بالنسبة الى المستعد الكامل فكذا الاصوات القبيحة والنغمات الغير الموزونة تؤثر فى النفوس فتفعل خلاف ما يفعل خلافها: وفى المثنوى شعر : يك مؤذن داشت بس آواز بد درميان كافرستان بانك زد جند كفتندش مكو بانك نماز كه شود جنك وعداوتها دراز او ستيزه كرد وبس بى احتراز كفت دركافرستان بانك نماز خلق خائف شد زفته عامه خود بيامد كافرى باجامه شمع وحلوا باجنان جامع لطيف هديه آورد وبيامد جون اليف برس برسان كين مؤذن كوكجاست كه صلاى بانك اوراحت فزاست دخترى درام لطيف وبس سنى آرزو مى بود اورا مؤمنى هيج اين سودا نمى رفت از سرش بندها ميداد جندى كافرش هيج جاره مى ندانستم دران تافرو خواند اين مؤذن آن اذان كفت دختر جيست اين مكروه بانك كه بكوشم آمد اين دوجار دانك من همه عمر اين جنين آواززشت هيج نشنيدم درين ديرو كنشت خواهرش كفتا كه اين بانك اذان هست اعلام وشعار مؤمنان باورش نامد بيرسيد از دكر آن دكرهم كفت آرى اى قمر جون يقين كشتش رخ او زردشد از مسلمانى دل اوسرد شد بازرستم من زتشويش وعذاب دوش خوش خفتم داران بى خوف خواب راحتم اين بود از آواز او هديه آوردم بشكران مردكو جون بديدش كفت اين هديه بذير جون مراكشتى مجيرو دستكير كربمال وملك وثروت فردمى من دهانت را براززر كردمى
الجنابذي
تفسير : {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} يعنى اوحينا الى سليمان الحكومة او الغنم من حيث حكم الاضرار بحسب اقتضاء الوقت فكان حكمه ناسخاً لما كان سابقاً فلم يكن تفهيمنا سليمان تجهيلاً لداود (ع) ولذلك قال {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} عن الصّادق (ع) انّه كان اوحى الله عزّ وجلّ الى النّبيّين (ع) قبل داود الى ان بعث الله داود (ع) اىّ غنمٍ نفشت فى الحرث فلصاحب الحرث رقاب الغنم ولا يكون النّفش الاّ باللّيل فانّ على صاحب الزّرع ان يحفظ زرعه بالنّهار وعلى صاحب الغنم حفظ الغنم باللّيل فحكم داود بما حكم به الانبياء من قبله فأوحى الله عزّ وجلّ الى سليمان (ع) اىّ غنمٍ نفشت فى زرعٍ فليس لصاحب الزّرع الاّ ما خرج فى بطونها وكذلك جرت السّنّة بعد سليمان وهو قول الله تعالى وكلاًّ آتينا حكماً وعلماً فحكم كلّ واحدٍ منهما بحكم الله عزّ وجلّ، وفى خبرٍ آخر عنه (ع): اوحى الله الى داود اتّخذ وصيّاً من اهلك فانّه قد سبق فى علمى ان لا ابعث نبيّاً الاّ وله وصىّ من اهله وكان لداود اولاد عدّة؛ وفيهم غلام كانت امّه عند داود وكان لها محبّاً فدخل داود عليها حين اتاه الوحى فقال لها: انّ الله اوحى الىّ يأمرنى ان اتّخذ وصيّاً من اهلى، فقالت له امرأته فليكن ابنى، قال: ذلك اريد وكان السّابق فى علم الله المحتوم عنده انّه سليمان فأوحى الله تبارك وتعالى الى داود ان لا تعجل دون ان يأتيك امرى فلم يلبث داود ان ورد عليه رجلان يختصمان فى الغنم والكرم واوحى الله عزّ وجلّ الى داود ان اجمع ولدك فمن قضى بهذه القضيّة فأصاب فهو وصيّك من بعدك، فجمع داود ولده فلمّا ان قصّ الخصمان قال سليمان يا صاحب الكرم متى دخلت غنم هذا الرّجل كرمك؟- قال: دخلته ليلاً، قال: قد قضيت عليك يا صاحب الغنم باولاد غنمك واصوافها فى عامك هذا، ثمّ قال له داود فكيف لم تقض برقاب الغنم وقد قوّم ذلك علماء بنى اسرائيل فكان ثمن الكرم قيمة الغنم، فقال سليمان: انّ الكرم لم يجتثّ من اصله وانّما اكل حمله وهو عائد فى قابلٍ فأوحى الله عزّ وجلّ الى داود انّ القضاء فى هذه القضيّة ما قضى سليمان به، يا داود اردت امراً واردنا امراً غيره فدخل داود على امرأته فقال: اردنا امراً واراد الله تعالى امراً غيره ولم يكن الاّ ما اراد الله فقد رضينا بامر الله عزّ وجلّ وسلّمنا؛ وكذلك الاوصياء ليس لهم ان يتعدّوا بهذا الامر فيجاوزوا صاحبه الى غيره، وورد غير ذلك باختلافٍ فى اللّفظ وفى المعنى {وَسَخَّرْنَا} التّسخير قد مضى فى سورة البقرة انّه جعل ارادة المسخّر تابعة لارادة المسخّر {مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ} ظرف لغو متعلّق بسخّرنا او مستقرّ حال من الجبال، وامّا تعلّقه بيسبّحن فانّه بعيد للزوم تخلّل الاجنبىّ بين المعمول المقدّم والعامل، وتعلّقه بسخّرنا يدلّ على انّ داود مثل الجبال مسخّر له تعالى، وجعله حالاً من الجبال يشعر بكون الجبال مسخّرة لداود (ع) {يُسَبِّحْنَ} حال او مستأنفة، قيل: يجوز ان يكون من التّسبيح ومن السّباحة {وَٱلطَّيْرَ} عطف على الجبال او مفعولٌ معه، وقرئ بالرّفع على انّه مبتدء محذوف الخبر، او عطف على المرفوع المتّصل على ضعفٍ {وَكُنَّا} من قبل ذلك {فَاعِلِينَ} امثال ذلك فلا يبعد ان نفعل بداود ذلك وامثاله.
اطفيش
تفسير : {فَفَهَّمْنَاهَا} أى الحكومة، أو القضية المفهومة من الكلام. وقرئ ففهمناه {سُلَيْمَانَ} أى ألهمناه إياها، مفعول ثان مقدم، وسليمان مفعول أول. {وَكُلاًّ} داود وسليمان {آتَيْنَا حُكْمًا} نبوة {وَعِلْمًا} بأمور الدين، على وجه الاجتهاد. وقيل: على طريق الوحى. فضل الله حكم سليمان، ونسخ به حكم داود. وفى ذلك دليل أن الاعتبار بالحق لا بالتقدم والأبوة ونحوهما. فقيل: حكما بالوحى، ونسخ وحْىُ سليمان وحْىَ داود. وقيل بالاجتهاد بناء على جوازه للأنبياء. والاجتهاد لا ينسخ الوحى، فيحتمل أن الله قد عرفهما أن حكم سليمان هو الحق. ويحتمل أنه لم يعرفهما، وأخبر الله به هذا النبى الكريم. والحاكم المجتهد إذا أخطأَ فله أجر واحد، ولا إثم إلا فى الخطأ فى الأصول. وإذا أصاب فله أجران. وإذا اختلف المجتهدون، فالحق مع واحد فقط عند الله، لا معهم، على الصحيح. ويمكن خطؤهم. وفى مضمونه {وكلا آتينا حكما وعلما} دليل على إصابتهما لكن أحدهما أولى. روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رجلين دخلا على داود أحدهما صاحب حبوب، والآخر صاحب غنم. قلت: ظاهر هذه الرواية أن الحرث فى الآية الزرع. قال: فقال صاحب الزرع: إن غنم هذا أكلت زرعى ليلا وأفسدته، ولم يبقى شئ. قلت: هذا نص أن الحرث: الزرع. وإنما كتبت ما كتبت من الاستظهار، قبل اطلاعى على هذا. فأعطاه داود رقاب الغنم، فخرجا فمرا على سليمان فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه. فقال سليمان: لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا. وقيل: قال: غير هذا أرفق بهما. فأُخبر بذلك داود فدعاه وقال: كيف تقضى؟ وروى أنه قال: بحق النبوة والأبوة إلا ما أخبرتنى بالذى هو أرفق. قال: صاحب الغنم يدفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدَرِّها ونسلها وصوفها ومنافعها، ويزرع صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، ويقوم به حتى يصير كهيئته، فيدفعه إلى صاحبه ويرد غنمه. فقال داود: القضاء ما قضيتَ. حكم بذلك. وفى ذلك بيان أن الغنم هنا: الضأن لقوله: وصوفها. وسليمان إذ ذاك ابن إحدى عشرة سنة. ووجه حكومة داود أن الضرر وقع بالغنم فسلم بجنايته إلى المجنى عليه، كما أن العبد إذا جنى مثل قيمته أو أكثر بلا أمر صاحبه، فالمجنى عليه يأخذ العبد له، عند بعض أصحابنا. وبه قال أبو حنيفة وزاد: أو يفديه صاحبه. وقال الشافعى: يبيعه فى ذلك أو يفديه. وقال بعض أصحابنا: الخيار له يدفعه أو قيمته، وإن أمره لزمه كل ما فعل. قال جار الله: ولعل قيمة الغنم كانت على قدر النقصان فى الحرث. ووجه حكم سليمان أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل فى الحرث حتى يرجع كما كان، بناء على أنه بقيت أصوله، أو يجدد حرثا يربيه، حتى يصير كذلك، وصاحب الحرث لم يأخذ زيادة؛ فإنه ولو كان قد رجع حرثه، واستنفع بالغنم، لكنه قد يغنىَ بالغنم، كما أن من غصب عبدا، وأبقى من يده، يرد قيمته إلى صاحبه ينتفع بها. فإذا رجع تَرَادَّا، عندنا وعند الشافعى. ونص الشيخ هود - رحمه الله - عن الكلبى: أن ثمن الحرث قريب من ثمن الغنم. ونص الشيخ هود - رحمه الله - أن داود لما دعا سليمان، ودخل عليه واستفتاه قال: قد عدل النبى وأحسن، وغيره كان أرفق. وذكر له ما مر ولا يخفى ما فيه من لطف وأدب. وروى عن الكلبى: الحرث كان تبناً. وقال ابن مسعود وشريح: إن راعيا نزل ذات ليلة قريبًا من كَرْم، فدخلت الأغنام الكرم ولا يشعر، فأكلت القضبان، وأفسدت الكرم قاله فى عرائس القرآن، وذكر فيه أن ابن عباس وقتادة قالا: كان الحرث زرعا، وجعل تلك القصة منه. وكذا غالب القصص أنقلها منه، ومؤلفه الثعلبى، وهو غير ثعلب، وغير الثعالبى. وهو مجموع عظم فى القصص فقط. وإن قلت: فما الحكم فى مثل ذلك إن وقع بالإسلام؟ قلت: مذهبنا - معشر الأباضية - أن ما أفسد الحيوان قلَّ أو كثر، فى مال، أو نفس، يضمنه صاحب الحيوان إلا إن عقر حيوانا آدميًّا أو غيره، ولم يعرف أنه يعقر، فلا ضمان إلا أن يعود وإن عرف أنه يعقر فى صنف، فعقر فى غيره ضمن. وقيل: لا حتى يعود. وإن هربت دابة فأفسدت فى هروبها فلا ضمان إن لم يصح عليها. وقيل: وإن صاح وإن ربطت فيما يربط فيه مثلها فقطعته لم يضمن. وقيل: ما أفسده الحيوان ليلا ضمن صاحبه، ولا ضمان عليه فيما أفسدت نهارا. وروى أن ناقة البراء بن عازب وقعت فى حائط رحل من الأنصار أفسدت، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا أجد لكم إلا قضاء سليمان بن داود. وقضى على أهل المواشى يحفظها ليلا، وعلى أهل الحوائط يحفظ حوائطهم نهاراً. وبذلك يحكم شريح، وهو مذهب الشافعى وشيخه مالك، وجمهور الأمة. ووجهه أن النهار وقت لرعيها. وقال ابن سحنون من علماء الأندلس: ذلك فى أمثال المدينة التى هى حيطان، وأما البلاد التى هى غير محوطة، فعلى أصحاب الغنم فيها الضمان ليلا ونهاراً. وعن مالك أن الدواب المعتادة أن تأكل الزرع والثمار تباع فى بلد لا زرع فيه، قال ابن حبيب: وإن كره أصحابها وأما ما يستطاع الاحتراز منه، فلا يؤمر صاحبه بإخراجه من ملكه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا ضمان بالدابة إلا أن يكون معها سائق أو قائد. وعن أبى رحمة من أصحابنا - رحمهم الله - فى من أفسد غرستة: إن تم لها سنة فعليه دينار، أو سنتان فديناران، أو ثلاث فثلاثة، أو أربع فأربعة أو خمس فخمسة. وما زاد فبقيمته. وفى زرع دخلته ماشية قوم بين غنم وجمال وبقر دواب فوطئته بأرجلهن إن عشر شياه بدرهم، ولكل جمل أربعة دراهم، ولكل ثور درهم، ولكل ذى حافر درهم ونصف. وقيل: فى الفرس ثلاثة دراهم. ومن أحكام داود وسليمان - عليهما السلام - ما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بينما امرأتان معهما ابنان لهما، إذ جاء الذئب فأخذ أحد الابنين فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى. فخرجتا فدعاهما سليمان. فقال: هاتوا السكين أشقّه بينكما فقالت الصغرى: يرحمك الله، هو ابنها لا تشقُّه. فقضى به للصغرى"تفسير : ، أى استدلالاً بشفقتها. والله أعلم. {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} حال من الجبال، أو مستأنف أقْدَرَهَا الله على التسبيح: يقلن: سبحان الله هذا قول الأكثرين. وروى أنه كان يمر بالجبل يسبح، فيجاوبه الجبل بالتسبيح وفى ذلك تنشيط له. وقال منذر بن سعيد: تسبيح الصلاة. وقيل: تسبيح الجبال وإذا فتر سمع تسبيحها فينشط. وقيل: إن الجبال تسير معه، فمن رآها تسير، سبح تعظيما لقدرة الله. فلما كانت حاملة على التسبيح وسِباله، جعلت مسبحته. وقيل: التسبيح: السير من السباحة. شبه سيرها؛ لأنه ليس كالسير فى الماء. وقيل: يسبحن بلسان الحال، أو بصوت من غيرها يتمثل له. و {مع} يتعلق يسبحن أو سخرنا. {وَالطَّيْرَ} مفعول معه، أو معطوف على الجبال. وقرئ بالرفع على الابتداء أو عطفا على الضمير المرفوع المتصل، وهو نون يسبحن بلا فاصل، وعلى الابتداء ويقدَّر الخبر هكذا: أى والطير كذلك، أو تسبح. {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} لذلك وأمثاله. وليس ببدع فى قدرتنا وإن كان عجيبا عندكم. وقيل: وكنا فاعلين مثل ذلك للأنبياء.
اطفيش
تفسير : {فَفَهَّمناها سليمان} عطف على يحكمان، لأنه ماض بصورة المضارع كما مر، وها للقضية أو الفتيا المعلومة من يحكمان، روى أن أن جاريتين جميلتين لعابدة اسرائيلية كبيرة السن، قالتا، لو قتلناها لنصير الى الرجال، فألقتا ماء البيض فى فرجها وثوبها حين سجدت، وصاحتا بأنها زنت، فأراد داود رجمها فقال له سليمان: بل أوقد عليه النار، فان كان بيضاً اجتمع أو ماء الرجل افترق، فاجتمع ولم يرجمها، فدخل رجل يدعى على الآخر معه أن غنمه أفسدت حرثه، فقضى له بالغنم، وخرجا وسليمان على الباب كعادته، فسألهما عما حكم به، فقال: غير هذا أرفق بهما، فسأله داود بالنبوة والأبوة ما هو؟ فقال أرى أن يقوم صاحب الغنم بالحرث حتى يعود وينتفع صاحبه بلبن الغنم والصوف، ثم يترادا، فحكم داود بهذا، وكان سليمان ابن أحد عشر عاما، وأحبه أبوه حباً شديداً لهذه الحكم. وكلا الحكمين عن اجتهاد لا عن وحى، لأن داود رجع عما حكم به وسليمان قال أرى: ولو كان وحياً لبته، ولم ينتظر الى أن يطلب اليه مع أنه ليس فى سن، والوحى لا يبطل بالاجتهاد، ولا بأس برجوع المجتهد الى غير ما ظهر إذا رآه أفضل، كما ترجع الصحابة بعض إلى بعض، ألا ترى قوله عز وجل: {ففهمناها} وتكلف خلاف الظاهر من زعم أنهما وحيان الثانى ناسخ للأول أو أنه أوحى الى داود أن يرجع إلى قول سليمان، ولو كان ما قال سليمان اجتهادا، والمذهب أنه يضمن صاحب الغنم الحرث، وعلى أصحاب المواشى حفظها ليلا ونهارا ما لا طاقة لهم، فقد جاء الحديث جرح العجماء جبار وإن اتبعها صاحبها يصيح ضمن، لأنها تزيد بصياحه. وفى رواية: على أصحاب الماشية حفظها ليلا، وعلى أصحاب الأموال حفظها نهارا، ورد هذا فى شأن ناقة البراد أفسدت فى حائط رجل، وفى الرواية اضطراب وكلام فى سنده، مع أنه يمكن أن البراء أرسلها كما يجوز له، وزعم أوب حنيفة أنه ضمان على صاحب الدابة إذا لم يكن معها سائق أو قائد، وذكر لذلك حديث العجمل، وزعم الشافعى أنه يجب الضمان ليلا، وأنه من غصب عبداً فائق منه أنه يضمن القيمة، وينتفع بها المغصوب منه، بإزاء ما فوته الغاصب، فإنه ظهر الآبق ترادا. وعن أبى حنيفة: فى العبد القاتل أنه يعطى الولى أو يفديه، ويبيعه، وروى أنه لم يكن بين قيمة الحرث والغنم تفاوت، "حديث : روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمروا بن العاص: "اقض بين هذين" فقال: أقضى وأنت حاضر؟! فقال: "نعم" قال: على ماذا أقضى؟ قال: "على أنك إن أصبت فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك أجر واحد"" تفسير : فقد بين صلى الله عليه وسلم أن المجتهد يصيب ويخطىء وفى الآية إلى قوله: {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً} مدح لسليمان بأنه فهم ما لم يفهم أبوه، وإن المجتهد معذور خطئة، وأن حكمه علم لو أخطأ. {وكلا} منهما {آتينا حُكماً وعِلماً} كثيراً فى الجملة، وأما فى هذه المسألة فالعلم لسليمان، وقد يقال: حكم داود فيها حق أيضا إذ كل المجتهد فى الفروع مصيب عند الله، بمعنى أن الله عز وجل أباح حكمة وعذره وأثابه، ولو لم يوافق الحق عنده، أو بمعنى أن الحق عند الله ما يحكم به الحكام، ولو تناقضت أحكامهم فى مسألة واحدة، ولا حكم لله غير أحكامهم فضلا عن أن يقال: وافق الحكم ما عنده أو لم يوافق، وهو الذى خلقها منهم على كل حال، وإذا عين الوحى واحدا تعين فى العمل به، وترك غيره كحكم داود. وعن مجاهد: ما لسليمان صلح، وما لداود حكم، والصلح خير، وذكر الجصاص أنهم ضمنوا لأنهم أرسلوا الغنم، وإنما اثيب المخطىء على اجتهاده، لا على خطئه، ولفظ البخارى ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر" تفسير : وفى البخارى ومسلم عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كانت أمرأتان معهما ابناهما فجاء الذئب فذهب بابن أحداهما فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه فقال: إيتونى بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: ولا تفعل رحمك الله هو ابنها، فقضى به للصغرى" تفسير : أى لشفقتها عليه. {وسخَّرنا مع داودَ الجبال يسبِّحْن} إذ سبح يقلن سبحان الله ويسمعها داود، وقيل وغيره أيضا كما سبح الحصا فى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسبيحاً سمعه هو وغيره من الصحابة، وألقاهن فى يد صحابى فسبَّحن، وفى يد آخر كذلك، وهو أعظم لأنهن سبَّحن بلا تسبيح منه، وسبحن ببركته فى يد غيره، وقيل: تسبيح الجبال صوت يسمع من جانبها، وليس فى ذلك من الكرامة ما فى تسبيحها مع أنه خلاف الظاهر، وقيل: يسبحن بلسان الحال، ولا كرامة فيه وقيل يسبحن يسرن فيحملن من رآها على التسبيح، ولا دليل على هؤلاء الأقوال، وهن خلاف المتبادر، والتفسير الأول هو الصحيح، وقوله عز وجل: "أية : يا جبال أوبى معه والطير" تفسير : [سبأ: 10] يخالف التفسير بلسان الحال، وتفسير بعض الصَّدا والتفسير بالسير، والجملة حال من الجبال أو مستأنفة، ومع متعلق بسخر أو يسبح {والطيَّر} عطف على الجبال أو مفعول معه تسبح كما تسبح الجبال {وكنا فاعلين} من شأننا أن نفعل ما يستعظم ويستغرب لكمال قدرته.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنُ} عطف على { أية : يَحْكُمَانِ } تفسير : [الأنبياء:78] فإنه في حكم الماضي كما مضى. وقرأ عكرمة {فأفهمناها} بهمزة التعدية والضمير للحكومة أو الفتيا المفهومة من السياق. روي أنه كانت امرأة عابدة من بني إسرائيل وكانت قد تبتلت وكان لها جاريتان جميلتان فقالت إحداهما للأخرى: قد طال علينا البلاء أما هذه فلا تريد الرجال ولا نزال بشر ما كنا لها فلو أنا فضحناها فرجمت فصرنا إلى الرجال فأخذا ماء البيض فأتياها وهي ساجدة فكشفتا عنها ثوبها ونضحتاه في دبرها وصرختا أنها قد بغت وكان من زنى فيهم حده الرجم فرفعت إلى داود وماء البيض في ثيابها فأراد رجمها فقال سليمان: ائتوا بنار فإنه إن كان ماء الرجل تفرق وإن كان ماء البيض اجتمع فأتي بنار فوضعها عليه فاجتمع فدرأ عنها الرجم فعطف عليه داود عليه السلام فأحبه جداً فاتفق أن دخل على داود عليه السلام رجلان فقال أحدهما: إن غنم هذا دخلت في حرثي ليلاً فأفسدته فقضى له بالغنم فخرجا فمرا على سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم فقال: كيف قضى بينكما أبـي؟ فأخبراه فقال: غير هذا أرفق بالجانبين فسمعه داود عليه السلام فدعاه فقال له: بحق النبوة والأبوه إلا أخبرتني بالذي هو أرفق فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى صاحب الأرض لينتفع بدرها ونسلها وصوفها والحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه حتى يعود كما كان ثم يترادا فقال: القضاء ما قضيت وأمضى الحكم بذلك، وكان عمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة. ومال كثير إلى أن حكمهما عليهما السلام كان بالاجتهاد وهو جائز على الأنبياء عليهم السلام كما بين في الأصول وبذلك أقول فإن قول سليمان عليه السلام غير هذا أرفق، ثم قوله: أرى أن تدفع الخ صريح في أنه ليس بطريق الوحي وإلا لبت القول بذلك ولما ناشده داود عليهما السلام لإظهار ما عنده بل وجب عليه أن يظهره بدأً وحرم عليه كتمه، مع أن الظاهر أنه عليه السلام لم يكن نبياً في ذلك السن ومن ضرورته أن يكون القضاء السابق أيضاً كذلك ضرورة استحالة نقض حكم النص بالاجتهاد. وفي «الكشف» أن القول بأن كلا الحكمين عن اجتهاد باطل لأن حكم سليمان نقض حكم داود عليهما السلام والاجتهاد / لا ينقض بالاجتهاد البتة فدل على أنهما جميعاً حكما بالوحي، ويكون ما أوحي به لسليمان عليه السلام ناسخاً لحكم داود عليه السلام أو كان حكم سليمان وحده بالوحي، وقوله تعالى: {فَفَهَّمْنَـٰهَا} لا يدل على أن ذلك اجتهاد. وتعقب بأنه إن أراد بعدم نقض الاجتهاد بالاجتهاد عدم نقضه باجتهاد غيره حتى يلزم تقليده به فليس ما نحن فيه، وإن أراد عدم نقضه باجتهاد نفسه ثانياً وهو عبارة عن تغير اجتهاده لظهور دليل آخر فهو غير باطل بدليل أن المجتهد قد ينقل عنه في مسألة قولان كمذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه القديم والجديد، ورجوع كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى آراء بعضهم وهم مجتهدون، وقيل: يجوز أن يكون أوحي إلى داود عليه السلام أن يرجع عن اجتهاده ويقضي بما قضى به سليمان عليه السلام عن اجتهاد، وقيل: إن عدم نقض الاجتهاد بالاجتهاد من خصائص شريعتنا، على أنه ورد في بعض الأخبار أن داود عليه السلام لم يكن بت الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان عليه السلام ما سمع. وممن اختار كون كلا الحكمين عن اجتهاد شيخ الإسلام مولانا أبو السعود قدس سره ثم قال: بل أقول والله تعالى أعلم. إن رأي سليمان عليه السلام استحسان كما ينبىء عنه قوله: أرفق بالجانبين ورأي داود عليه السلام قياس كما أن العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى عند الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه إلى المجني عليه أو يفديه ويبيعه في ذلك أو يفديه عند الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه. وقد روي أنه لم يكن بين قيمة الحرث وقيمة الغنم تفاوت، وأما سليمان عليه السلام فقد استحسن حيث جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث من غير أن يزول ملك المالك من الغنم وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث إلى أن يزول الضرر الذي آتاه من قبله كما قال (بعض) أصحاب الشافعي فيمن غصب عبداً فأبق منه إنه يضمن القيمة فينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من المنافع فإذا ظهر الآبق ترادا انتهى. وأما حكم المسألة في شريعتنا فعند الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه لا ضمان إذا لم يكن معها سائق أو قائد لما روى الشيخان من قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : جرح العجماء جبار » تفسير : ولا تقييد فيه بليل أو نهار، وعند الشافعي يجب الضمان ليلاً لا نهاراً لما في «السنن» من أن ناقة البراء دخلت حائط رجل فأفسدته فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال بحفظها بالنهار وعلى أهل المواشي بحفظها بالليل. وأجيب بأن في الحديث اضطراباً، وفي رجال سنده كلاماً، مع أنه يجوز أن يكون البراء أرسلها كما يجوز في هذه القصة أن يكون كذلك فلا دليل فيه. {وَكُلاًّ} من داود وسليمان {ءاتَيْنَا} ه {حُكْماً وَعِلْماً} كثيراً ومنه العلم بطريق الاجتهاد لا سليمان عليه السلام وحده، فالجملة لدفع هذا التوهم وفيها دلالة على أن خطأ المجتهد لا يقدح في كونه مجتهداً، وقيل: إن الآية دليل على أن كل مجتهد في مسألة لا قاطع فيها مصيب فحكم الله تعالى في حقه وحق مقلده ما أدى إليه اجتهاده فيها ولا حكم له سبحانه قبل الاجتهاد وهو قول جمهور المتكلمين منا كالأشعري والقاضي، ومن المعتزلة كأبـي الهذيل والجبائي وأتباعهم، ونقل عن الأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم القول بتصويب كل مجتهد والقول بوحدة الحق وتخطئة البعض، وعد في «الإحكام» الأشعري ممن يقول كذلك. ورد بأن الله تعالى خصص سليمان بفهم الحق في الواقعة بقوله سبحانه: {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ} / وذلك يدل على عدم فهم داود عليه السلام ذلك فيها وإلا لما كان التخصيص مفيداً. وتعقبه الآمدي بقوله: ولقائل أن يقول: إن غاية ما في قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ} تخصيصه عليه السلام بالتفهيم ولا دلالة له على عدم ذلك في حق داود عليه السلام إلا بطريق المفهوم وليس بحجة وإن سلمنا أنه حجة غير أنه قد روي أنهما حكما بالنص حكماً واحداً ثم نسخ الله تعالى الحكم في مثل تلك القضية في المستقبل وعلم سليمان بالنص الناسخ دون داود عليهما السلام فكان هذا هو الفهم الذي أضيف إليه، والذي يدل على هذا قوله تعالى: {وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} ولو كان أحدهما مخطئاً لما كان قد أوتي في تلك الواقعة حكماً وعلماً وإن سلمنا أن حكمهما كان مختلفاً لكن يحتمل أنهما حكما بالاجتهاد مع الإذن فيه وكانا محقين في الحكم إلا أنه نزل الوحي على وفق ما حكم به سليمان عليه السلام فصار ما حكم به حقاً متعيناً بنزول الوحي به ونسب التفهيم إلى سليمان عليه السلام بسبب ذلك، وإن سلمنا أن داود عليه السلام كان مخطئاً في تلك الواقعة غير أنه [يحتمل أنه] كان فيها نص اطلع عليه سليمان دون داود، ونحن نسلم الخطأ في مثل هذه الصورة وإنما النزاع فيما إذا حكما بالاجتهاد وليس في الواقعة نص انتهى. وأكثر الأخبار تساعد أن الذي ظفر بحكم الله تعالى في هذه الواقعة هو سليمان عليه السلام، وما ذكر لا يخلو مما فيه نظر فانظر وتأمل. {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالُ} شروع في بيان ما يختص بكل منهما عليهما السلام من كراماته تعالى إثر ذكر الكرامة العامة لهما عليهما السلام {يُسَبّحْنَ} يقدسن الله تعالى بلسان القال كما سبح الحصا في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعه الناس، وكان عند الأكثرين يقول: سبحان الله تعالى، وكان داود عليه السلام وحده يسمعه على ما قاله يحيـى بن سلام، وقيل: يسمعه كل أحد، وقيل: بصوت يظهر له من جانبها وليس منها وهو خلاف الظاهر وليس فيه من إظهار الكرامة ما في الأول بل إذا كان هذا هو الصدا فليس بشيء أصلاً؛ ودونه ما قيل إن ذلك بلسان الحال، وقيل: {يُسَبّحْنَ} بمعنى يسرن من السباحة. وتعقب بمخالفته للظاهر مع أن هذا المعنى لم يذكره أهل اللغة ولا جاء في آية أخرى أو خبر سير الجبال معه عليه السلام. وقيل: إسناد التسبيح إليهن مجاز لأنها كانت تسير معه فتحمل من رآها على التسبيح فأسند إليها وهو كما ترى. وتأول الجبائي وعلي بن عيسى جعل التسبيح بمعنى السير بأنه مجاز لأن السير سبب له فلا حاجة إلى القول بأنه من السباحة ومع هذا لا يخفى ما فيه، والجملة في موضع الحال من {ٱلْجِبَالُ} أو استئناف مبين لكيفية التسخير و {مَّعَ} متعلقة بالتسخير، وقال أبو البقاء: بيسبحن وهو نظير قوله تعالى: { أية : يٰجِبَالُ أَوّبِى مَعَهُ } تفسير : [سبأ: 10] والتقديم للتخصيص ويعلم منه ما في حمل التسبيح على التسبيح بلسان الحال وعلى ما يكون بالصدا. {وَٱلطَّيْرُ} عطف على {ٱلْجِبَالُ} أو مفعول معه، وفي الآثار تصريح بأنها كانت تسبح معه عليه السلام كالجبال. وقرىء {وَٱلطَّيْرُ} بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي والطير مسخرات، وقيل: على العطف على الضمير في {يُسَبّحْنَ} ومثله جائز عند الكوفيين، وقوله تعالى: {وَكُنَّا فَـٰعِلِينَ} تذييل لما قبله أي من شأننا أن نفعل أمثاله فليس ذلك ببدع منا وإن كان بديعاً عندكم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 79- ففهمنا الفتوى سليمان، وكلا منهما أعطيناه حكمة وعلماً بالحياة وشئونها، وسخرنا مع داود الجبال ينزهن الله كما ينزِّهه داود عن كل ما لا يليق به، وسخرنا الطير كذلك يسبحن الله معه، وكنا فاعلين ذلك بقدرتنا التى لا تعجز. 80- وعلَّمنا داود صنعة نسج الدروع، لتكون لباساً يمنعكم من شدة بأس بعضكم لبعض، فاشكروا الله على هذه النعم التى أنعم بها عليكم. 81- وسخَّرنا لسليمان الريح قوية شديدة الهبوب، تجرى بحسب رغبته وأمره إلى الأرض التى زدنا فيها الخير، وكنا بكل شئ عالمين، لا تغيب عنا كبيرة ولا صغيرة. 82- وسخرنا له من الشياطين من يغوصون فى الماء إلى أعماق البحار، ليستخرجوا اللؤلؤ والمرجان، ويعملوا عملا غير ذلك، كبناء الحصون والقصور، وكنا لهم مراقبين لأعمالهم، فلا ينالون أحداً بسوء، ولا يتمرَّدون على أمر سليمان. 83- واذكر - أيها النبى - أيوب حين دعا ربه - وقد أضْنَاه المرض - وقال: يا رب، إنى قد أصابنى الضُّر وآلمنى، وأنت أرحم الراحمين. 84- فأجبناه إلى ما كان يرجوه، فرفعنا عنه الضُّر، وأعطيناه أولاداً بقدر مَنْ مات من أولاده، وزدناه مثلهم رحمة به من فضلنا، وتذكيراً لغيره ممن يعبدوننا ليصبروا كما صبر، ويطمعوا فى رحمة الله كما طمع.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَفَهَّمْنَاهَا} {سُلَيْمَانَ} {آتَيْنَا} {دَاوُودَ} {فَاعِلِينَ} (79) - ولَقَدْ أَوحَى اللهُ تعالى إلى سليمانَ بالقَوْل الفَصْلِ في هذا النِّزَاعِ، ويقولُ تَعالى إنَّه آتَى كُلاًّ مِنْ دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ حُكْماً وعِلْماً، وإنَّه سَخَّرَ الجبالَ والطَّيرَ يُسَبِّحْنَ مَعَ دَاودَ، وذَلِكَ لِطِيبِ صَوْتِهِ بتِلاوةِ الزَّبُورِ، فكَانَ إذا تَرَنَّمَ بِه رَدَّدَتْ تَسْبِيحَهُ الجِبَالُ والطَّيرُ تَأويباً، وكانَ اللهُ فاعِلاً ذلكَ بِقُدْرَتِه التي لا يُعْجِزُها شيءٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فداود وسليمان - عليهما السلام - نبيان، لكل منهما مكانته، وقد أعطاهما الله حُكْماً وعلماً، ومع ذلك اختلف قولهما في هذه القضية، فما توصَّل إليه سليمان لا يقدح في عِلْم داود، ولا يطعن في حُكْمه. وما أشبه حُكْم كُلٍّ من داود وسليمان بمحكمة درجة أولى، ومحكمة درجة ثانية، ومحكمة النقْض، ومحكمة الاستئناف، وإياك أن تظن أن محكمة الاستئناف حين تردُّ قضاء درجة أولى أنها تطعن فيها. فهذا مثل قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ..} [الأنبياء: 79] فجاء بحكْم غير ما حكَم به أبوه؛ لذلك فالقاضي الابتدائي قد يحكم في قضية، ويتم تأجيلها إلى أنْ يترقى إلى قاضي استئناف، فيقرأ نفس القضية لكن بنظرة أخرى، فيأتي حُكْمه غير الأول. ثم يقول تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ ..} [الأنبياء: 79] حينما جمع السياق القرآني بين داود وسليمان أراد أنْ يُبيِّن لنا طَرفاً مِمَّا وهبهما الله، فقوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ..} [الأنبياء: 79] مظهر من مظاهر امتيازه، وهنا يُبيِّن مَيْزةً لداود عليه السلام: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ ..} [الأنبياء: 79]. والتسخير: قَهْر المسَخّر على فعل لا يستطيع أنْ ينفكَّ عنه، وليس مختاراً فيه، ونلحظ هنا الارتقاء من الأَدْنى إلى الأعلى: أولاً: سخّر الجبال وهي جماد، ثم الطير وهي أرْقَى من الجماد، لكن إنْ تصوَّرْنا التسبيح من الطير؛ لأنه حَيٌّ، وله روح، وله حركة وصوت مُعبّر، فكيف يكون التسبيح من الجبال الصماء؟ بعض العلماء حينما يستقبلون هذه الآية يأخذونها بظواهر التفسير، لا بُعمْق ونظر في لُبِّ الأشياء، فالجبال يروْنها جامدة، ليس لها صوت مُعبّر كما للطير؛ لذلك يعجبون من القول بأن الجبال تُسبِّح، فكيف لها ذلك وهي جمادات؟ لكن؛ ما العجب في ذلك، وأنت لو قُمْتَ بمَسْح شامل لأجناس الناس الأرض، واختلاف لغاتهم وألسنتهم وأشكالهم وألوانهم بحسْب البيئات التي يعيشون فيها، فالناس مختلفون في مثل هذه الأمور متفقون فقط في الغرائز، فالجوع والعطش والخوف والضحك والعواطف كلها غرائز مشتركة بين جميع الأجناس، وهذه الغرائز المشتركة ليس فيها اختيار. ألم تَرَ إلى قوله تعالى: {أية : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} تفسير : [النجم: 43] فما دام أنه سبحانه الذي يُضحِك، والذي يُبكِي، فلن نختلف في هذه الأمور. فالكلام - إذن - من الأشياء التي يختلف فيها الناس، وهذا الاختلاف ليس في صوت الحروف، فالحروف هي هي، فمثلاً حين ننطق (شرشل) ينطقها أهل اللغات الأخرى كذلك: شين وراء وشين ولام، فنحن - إذن - متحدون في الحروف، لكن نختلف في معاني الأشياء. وقد يعزّ على بعض الحناجر أن تنطقَ ببعض الحروف بطبيعة تكوينها، فغيْر العربي لا ينطق الضاد مثلاً، فليس عندهم إلا الدال، أما في العربية فعندنا فَرْق بين الدال المرقّقة والضاد المفخّمة، وفرْق بين السين والثاء، وبين الزاي والذال، وبين الهمزة والعَيْن، لذلك نجد غير العربي يقول في (على): ألي، فليس له قدرة على نُطْق العين، وهو إنسان ناطق بلغة ومُتكلِّم. فإذا كنا - نحن البشر - لا يفهم بعضُنا لغاتِ بعض، فهذا عربي، وهذا إنجليزي، وهذا فرنسي .. إلخ فإذا لم تتعلم هذه اللغة لا تفهمها. ومعلوم أن اللغة بنت المحاكاة وبنت السماع، فما سمعتْه الأذن يحكيه اللسان، والأبكم الذي لا يتكلم كان أصمَّ لا يسمع، والطفل ينطق بما سمع، فلو وُضِع الطفل الإنجليزي في بيئة عربية لنطق بالعربية .. وهكذا. فلماذا نعجب حين لا نفهم لغة الطَّيْر أو لغة الجمادات، وهي أشياء مختلفة عنّا تماماً، فلا يعني عدم فَهْمِنا للغاتهم أنهم ليست لهم لغة فيما بينهم يتعارفون عليها ويُعبِّرون بها. إذن: لا تستبعد أنْ يكونَ للأجناس الأَدْنى منك لغات يتفاهمون بها وأنت لا تفهمها، بدليل أن الله تعالى أعطانا صورةً من لغات الطير، وهذه يعلمها مَنْ علَّمه الله، كما امتنَّ الله على سليمان وعلَّمه لغة الطير، ففهم عنها وخاطبها. وقد حكى الحق سبحانه وتعالى عنه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ..} تفسير : [النمل: 16] ولولا أن الله علَّمه لغة الطير ما عَلِمها. وها هو الهدهد يقول لسليمان عليه السلام لما تفقَّد الطير، ولم يجد الهدهد فتوعَّده: {أية : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} تفسير : [النمل: 22]. ونلحظ هنا دِقَّة سليمان - عليه السلام - في استعراض مملكته، فلم يترك شيئاً حتى الهدهد، ونلحظ أدبه في قوله: {أية : مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} تفسير : [النمل: 20] فقد اتهم نظره وشَكَّ أولاً، فربما الهدهد يكون موجوداً، ولم يَرَهُ سليمان. وانظر إلى قَوْل الهدهد للملك: {أية : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ..} تفسير : [النمل: 22] ثم معرفته الدقيقة بقضية التوحيد والعقائد: {أية : وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [النمل: 24]. ويعترض الهدهد على هذا الشرك، ويردُّ عليه بشيء خاص به، وبظاهرة تُهمه: {أية : أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [النمل: 25]. فاختار الهدهد مسألة إخراج الخبْء؛ لأن منه طعامه، فلا يأكل من ظاهر الأرض، بل لا بُدَّ أنْ ينبشَ الأرض، ويُخرِج خبأها ليأكله. وكذلك النمل، وهو أقلُّ من الهدهد، فقد كان للنملة مع سليمان لغة، وكلام، وفَهْم عنها: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا ..} تفسير : [النمل: 19]. إذن: كان الكلام للنمل، لكنْ فَهمه سليمان؛ لذلك قال: {أية : رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ..} تفسير : [النمل: 19]. ذلك لأننا لا نفهم هذه اللغات إلا إذا فَهَّمنا الله إياها. ومع هذا حينما وقف العلماء أمام هذه الآية {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ ..} [الأنبياء: 79] قالوا: يعني تسبيح دلالة، فهي بحالها تدلُّ على الخالق سبحانه، وليس المراد التسبيح على حقيقته، وأَوْلى بهم أنْ يعترفوا لها بالتسبيح؛ لكنه تسبيح لا نفهمه نحن، كما قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..} تفسير : [الإسراء: 44]. والآن نرى في طموحات العلماء السَّعْي لعمل قاموس للغة الأسماك ولغة بعض الحيوانات، ولا نستبعد في المستقبل عمل قاموس للغة الأحجار والجمادات، وإلا فكيف ستكون ارتقاءات العلم في المستقبل؟ وهذه حقيقة أثبتها القرآن تنتظر أن يكتشفها العلم الحديث. والمزيّة التي أعطاها الله تعالى لنبيه داود - عليه السلام - ليستْ في تسبيح الجبال؛ لأن الجبال تُسبِّح معه ومع غيره، إنما الميزة في أنها تُردِّد معه، وتوافقه التسبيح، وتجاوبه، فحين يقول داود: سبحان الله تردد وراءه الجبال: سبحان الله، وكأنهم جميعاً (كورس) يردد نشيداً واحداً. وليس معنى الجماد أنه جامد لا حياةَ فيه، فهو جماد من حيث صورة تكوينه، ولو تأمَلتَ المحاجر في طبقات الأرض لوجدت بين الأحجار حياة وتفاعلاً وحركةً منذ ملايين السنين، ونتيجة هذه الحركة يتغير لَوْنُ الحجر وتتغير طبيعته، وهذا دليل الحياة فيها، انظر مثلاً لو دهنتَ الحجرة لَوْناً معيناً تراه يتغير مع مرور الزمن، إذن: في هذه الجمادات حياة، لكن لا ندركها. وسبق أن أشرنا إلى أن الذين يقولون في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أنه سبَّح الحصى في يده. أن هذه المقولة غير دقيقة تحتاج إلى تنقيح عقلي، فالحجر مُسبِّح في يد رسول الله، وفي يد أبي جهل، إذن: قل: إن المعجزة هي أن رسول الله سمع تسبيح الحصى في يده. فما من شيء في كون الله إلا وله حياة تناسبه، وله لغة يُسبِّح الله بها، أدركناها أم لم ندركها؛ لأن الكلام فرع وجود حياة، وكل شيء في الوجود له حياة، فعلبة الكبريت هذه التي نستعملها يقول العلماء: إن بين ذراتها تفاعلات تكفي لإدارة قطار حول العالم. هذه التفاعلات دليل حركة وحياة. ألم يقُلْ الحق سبحانه وتعالى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ..} تفسير : [القصص: 88]. فكلُّ ما يقال له شيء - إلا وَجْه الله - هالك، والهلاك يعني أن فيه حياةً؛ لأن الهلاك ضد الحياة، كما جاء في قوله تعالى: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} تفسير : [الأنفال: 42]. فكُلُّ شيء في الوجود له حياة بقانونه، وليس من الضروري أن تسمع الكلام حتى تعترف بوجوده، فهناك مثلاً لغة الإشارة، وهي لغة مفهومة ومُعبِّرة، أَلاَ ترى مثلاً إلى الخادم ينظر إليه سيده مجرد نظرة يفهم منها ما يريد أنْ يُقدِّمه للضيف مثلاً. البحارة لهم إشارات يتعارفون عليها ويتفاهمون بها. جهاز التلغراف لَوْن من ألوان الأداء ووسيلة من وسائل التفاهم، إذن: الأداء والبيان ليس من الضروري أنْ يتمّ بالكلام المسموع، إنما تتفاهم الأجناس ويُكلِّم بعضها بعضاً كلّ بلغته، فإذا أراد الله أن يفيض عليك من إشراقاته أعطاك من البصيرة والعلم ما تفهم به لغات غيرك من الأجناس. لذلك يقول تعالى: {أية : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ..} تفسير : [النور: 41] والتنوين هنا دالٌّ على التعميم، فلكل شيء صلاته التي تناسبه، وتسبيحه الذي يناسب طبيعته. والحق - سبحانه وتعالى - حين يعرض قضية التسبيح والخضوع والقَهْر من المخلوقات جميعاً لله يأتي الكلام عاماً في كل الأجناس بلا استثناء، إلا في الكلام عن الإنسان، فإن التسبيح والخضوع خاصٌّ ببعض الناس. اقرأ قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ ..} تفسير : [الحج: 18] هكذا بلا استثناء، أمّا في الإنسان، فقال: {أية : وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} تفسير : [الحج: 18]. ثم يقول تعالى: {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 79] نعم، الحق سبحانه خالق كل شيء، وفاعل كل شيء، لكن مع ذلك يؤكد هذه الحقيقة حتى لا نتعجب من تسبيح الطير والجماد، فالله هو الفاعل، وهو المانح والمحرك. ثم يقول الحق سبحانه عن داود عليه السلام: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):