٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
101
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن من الناس من زعم أن ابن الزبعري لما أورد ذلك السؤال على الرسول صلى الله عليه وسلم بقي ساكتاً حتى أنزل الله تعالى هذه الآية جواباً عن سؤاله لأن هذه الآية كالإستثناء من تلك الآية. وأما نحن فقد بينا فساد هذا القول وذكرنا أن سؤاله لم يكن وارداً، وأنه لا حاجة في دفع سؤاله إلى نزول هذه الآية، وإذا ثبت هذا لم يبق ههنا إلا أحد أمرين: الأول: أن يقال: إن عادة الله تعالى أنه متى شرح عقاب الكفار أردفه بشرح ثواب الأبرار، فلهذا السبب ذكر هذه الآية عقيب تلك فهي عامة في حق كل المؤمنين. الثاني: أن هذه الآية نزلت في تلك الواقعة لتكون كالتأكيد في دفع سؤال ابن الزبعري، ثم من قال العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهو الحق أجراها على عمومها فتكون الملائكة والمسيح وعزير عليهم السلام داخلين فيها، لا أن الآية مختصة بهم، ومن قال: العبرة بخصوص السبب خصص قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ } بهؤلاء فقط. أما قوله تعالى: {سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } فقال صاحب «الكشاف»: الحسنى الخصلة المفضلة والحسنى تأنيث الأحسن، وهي إما السعادة وإما البشرى بالثواب، وإما التوفيق للطاعة. والحاصل أن مثبتي العفو حملوا الحسنى على وعد العفو ومنكري العفو حملوه على وعد الثواب، ثم إنه سبحانه وتعالى شرح من أحوال ثوابهم أمور خمسة: أحدها: قوله: {أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } فقال أهل العفو معناه أولئك عنها مخرجون، واحتجوا عليه بوجهين: الأول: قوله: { أية : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } تفسير : [مريم: 71] أثبت الورود وهو الدخول، فدل على أن هذا الإبعاد هو الإخراج. الثاني: أن أبعاد الشيء عن الشيء لا يصح إلا إذا كانا متقاربين لأنهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر، لأن تحصيل الحاصل محال، واحتج القاضي عبد الجبار على فساد هذا القول الأول بأمور: أحدها: أن قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } يقتضي أن الوعد بثوابهم قد تقدم في الدنيا وليس هذا حال من يخرج من النار لو صح ذلك. وثانيها: أنه تعالى قال: {أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } وكيف يدخل في ذلك من وقع فيها. وثالثها: قوله تعالى: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } وقوله: {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } يمنع من ذلك. والجواب عن الأول: لا نسلم أن [يقال] المراد من قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } هو أن الوعد بثوابهم قد تقدم، ولم لا يجوز أن المراد من الحسنى تقدم الوعد بالعفو، سلمنا أن المراد من الحسنى تقدم الوعد بالثواب، لكن لم قلتم إن الوعد بالثواب لا يليق بحال من يخرج من النار فإن عندنا المحابطة باطلة ويجوز الجمع بين استحقاق الثواب والعقاب. وعن الثاني: أنا بينا أن قوله: {أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } لا يمكن إجراؤه على ظاهره إلا في حق من كان في النار. وعن الثالث: أن قوله: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } مخصوص بما بعد الخروج. أما قوله: {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } فالفزع الأكبر هو عذاب الكفار، وهذا بطريق المفهوم يقتضي أنهم يحزنهم الفزع الأصغر، فإن لم يدل عليه فلا أقل من أن لا يدل على ثبوته ولا على عدمه. الوجه الثاني: في تفسير قوله: {أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } أن المراد الذين سبقت لهم منا الحسنى لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة، وعلى هذا القول بطل قول من يقول: إن جميع الناس يردون النار ثم يخرجون إلى الجنة، لأن هذه الآية مانعة منه وحينئذ يجب التوفيق بينه وبين قوله: { أية : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } تفسير : [مريم: 71] وقد تقدم. الصفة الثانية: قوله تعالى: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } والحسيس الصوت الذي يحس، وفيه سؤالان: الأول: أي وجه في أن لا يسمعوا حسيسها من البشارة ولو سمعوه لم يتغير حالهم. قلنا: المراد تأكيد بعدهم عنها لأن من لم يدخلها وقرب منها قد يسمع حسيسها. السؤال الثاني: أليس أن أهل الجنة يرون أهل النار فكيف لا يسمعون حسيس النار؟ الجواب: إذا حملناه على التأكيد زال هذا السؤال. الصفة الثالثة: قوله: {وَهُمْ فِيمَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَـٰلِدُونَ } والشهوة طلب النفس للذة يعني نعيمها مؤبد، قال العارفون: للنفوس شهوة وللقلوب شهوة وللأرواح شهوة، وقال الجنيد: سبقت العناية في البداية، فظهرت الولاية في النهاية. الصفة الرابعة: قوله: {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } وفيه وجوه: أحدها: أنها النفخة الأخيرة لقوله تعالى: { أية : وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [النمل: 87]. وثانيها: أنه الموت قالوا: إذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بعث الله تعالى جبريل عليه السلام ومعه الموت في صورة كبش أملح فيقول لأهل الدارين أتعرفون هذا فيقولون: لا فيقول هذا الموت ثم يذبحه ثم ينادي يا أهل الجنة خلود ولا موت أبداً، وكذلك لأهل النار، واحتج هذا القائل بأن قوله: {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } إنما ذكر بعد قوله: { أية : وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [البقرة: 25] فلا بد وأن يكون لأحدهما تعلق بالآخر، والفزع الأكبر الذي هو ينافي الخلود هو الموت. وثالثها: قال سعيد بن جبير هو إطباق النارعلى أهلها فيفزعون لذلك فزعة عظيمة، قال القاضي عبد الجبار: الأولى في ذلك إنه الفزع من النار عند مشاهدتها لأنه لا فزع أكبر من ذلك، فإذا بين تعالى أن ذلك لا يحزنهم فقد صح أن المؤمن آمن من أهوال يوم القيامة، وهذا ضعيف لأن عذاب النار على مراتب فعذاب الكفار أشد من عذاب الفساق، وإذا كانت مراتب التعذيب بالنار متفاوتة كانت مراتب الفزع منها متفاوتة، فلا يلزم من نفي الفزع الأكبر نفي الفزع من النار. الصفة الخامسة: قوله: {وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } قال الضحاك: هم الحفظة الذين كتبوا أعمالهم وأقوالهم ويقولون لهم مبشرين: {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} أي الجنة {أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا} أي عن النار {مُبْعَدُونَ } فمعنى الكلام الاستثناء؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: «إن» هاهنا بمعنى «إلا» وليس في القرآن غيره. وقال محمد بن حاطب: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقرأ هذه الآية على المنبر {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} فقال سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إن عثمان منهم». قوله تعالى: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا} أي حسّ النار وحركة لهبها. والحسيس والحسّ الحركة. وروى ابن جريج عن عطاء قال: قال أبو راشد الحَروريّ لابن عباس: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا} فقال ابن عباس أمجنون أنت؟ فأين قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم: 71] وقوله تعالى: {أية : فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ} تفسير : [هود: 98] وقوله: {أية : إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} تفسير : [مريم: 86]. ولقد كان من دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالماً، وأدخلني الجنة فائزاً. وقال أبو عثمان النهدي: على الصراط حيات تلسع أهل النار فيقولون: حَسّ حَسّ. وقيل: إذا دخل أهل الجنة الجنة لم يسمعوا حسّ أهل النار وقبل ذلك يسمعون؛ فالله أعلم. {وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} أي دائمون وهم فيما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وقال: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}. قوله تعالى: {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} وقرأ أبو جعفر وابن محيصن «لاَ يُحْزِنُهُمْ» بضم الياء وكسر الزاي. الباقون بفتح الياء وضم الزاي. قال اليزيدي: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم، وقد قرىء بهما. والفزع الأكبر أهوال يوم القيامة والبعث؛ عن ابن عباس. وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعباد إلى النار. وقال ابن جريج وسعيد بن جبير والضحاك: هو إذا أطبقت النار على أهلها، وذبح الموت بين الجنة والنار. وقال ذو النون المصري: هو القطيعة والفراق. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة يوم القيامة في كثيب من المسك الأذفر ولا يحزنهم الفزع الأكبر رجل أمَّ قوماً محتسباً وهم له راضون ورجل أذَّن لقوم محتسباً ورجل ابتلي برق في الدنيا فلم يشغله عن طاعة ربه»تفسير : . وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: مررت برجل يضرب غلاماً له، فأشار إليّ الغلام، فكلمت مولاه حتى عفا عنه؛ فلقيت أبا سعيد الخدري فأخبرته، فقال: يا ابن أخي! «من أغاث مكروباً أعتقه الله من النار يوم الفزع الأكبر» سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} أي تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون لهم: {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}. وقيل: تستقبلهم ملائكة الرحمة عند خروجهم من القبور. عن ابن عباس: {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ} أي ويقولون لهم؛ فحذف. {ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} فيه الكرامة.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما قال ابن الزبعرى: عبد عزير والمسيح والملائكة، فهم في النار على مقتضى ما تقدّم:{إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا } المنزلة {ٱلْحُسْنَىٰ } ومنهم مَنْ ذُكر {أُوْلَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْحُسْنَى} طاعة الله ـ تعالى ـ أو السعادة منه، أو الجنة، يريد به عيسى والعُزير والملائكة الذين عُبدوا وهم كارهون، أو عثمان وطلحة والزبير، أو عامة في كل من سبقت له الحسنى، لما نزلت {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} الآية قال المشركون: إن المسيح والعُزير والملائكة قد عُبدوا فنزلت {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ} الآية.
الخازن
تفسير : قوله تعالى {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} قال العلماء: إن هنا بمعنى إلا أي إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى يعني السعادة والعدة الجميلة بالجنة {أولئك عنها} أي عن النار {مبعدون} قيل: الآية عامة من كل من سبقت لهم من الله السعادة، وقال أكثر المفسرين عنى بذلك كل من عبد من دون الله وهو الله طائع ولعبادة من يعبده كاره وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ثم تلا عليه {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}تفسير : [الأَنبياء: 98] الآيات الثلاث ثم قال فأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمي فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الزبعرى أنت قلت إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم؟ قال نعم قال أليست اليهود تعبد عزيراً والنصارى تعبد المسيح وبني مليح تعبد الملائكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هم يعبدون الشياطين فأنزل الله تعالى {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} يعني عزيراً والمسيح والملائكة أولئك عنها مبعدون وأنزل في ابن الزبعرى {أية : ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون}تفسير : [الزخرف: 58] وزعم جماعة أن المراد من الآية الأصنام لأن الله تعالى قال إنكم وما تعبدون من دون الله، ولو أراد به الملائكة والناس لقال إنكم ومن تعبدون لأن من لمن يعقل وما لمن لا يعقل {لا يسمعون حسيسها} يعني صوتها وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم في الجنة {وهم فيما اشتهت أنفسهم} أي من النعيم والكرامة {خالدون} أي مقيمون. قوله تعالى: {لا يحزنهم الفزع الأكبر} قال ابن عباس: يعني النفخة الأخيرة، وقيل هو حين يذبح الموت وينادى يا أهل النار خلود بلا موت وقيل هو حين يطبق على جهنم وذلك بعد أن يخرج الله منها من يريد أن يخرجه {وتتلقاهم الملائكة} أي تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} أي في الدنيا. قوله عز وجل {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} قال ابن عباس: السجل الصحيفة والمعنى كطي الصحيفة على مكتوبها والطي هو الدرج الذي هو ضد النشر. وقيل: السجل اسم ملك يكتب أعمال العباد إذا رفعت إليه والمعنى نطوي السماء كما يطوي السجل والطومار الذي يكتب فيه والتقدير لا يحزنهم الفزع الأكبر في اليوم {كما بدأنا أول خلق نعيده} أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم عراة غرلاً كذلك نعيدهم يوم القيامة (ق) عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: "حديث : أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده"تفسير : قوله غرلاً أي قلفا. وقوله تعالى {وعداً علينا إنا كنا فاعلين} يعني الإعادة والبعث بعد الموت. قوله تعالى {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} قيل: الزبور جميع الكتب المنزلة على الأنبياء والذكر هو أم الكتاب الذي عنده ومن ذلك الكتاب تنسخ جميع الكتب ومعنى من بعد الذكر أي بعد ما كتب في اللوح المحفوظ. وقال ابن عباس: الزبور التوراة والذكر الكتب المنزلة من بعد التوراة. وقيل الزبور: كتاب داود والذكر هو القرآن وبعد هنا بمعنى قبل {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} يعني أرض الجنة يرثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى أن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ في كتب الأنبياء: أن الجنة يرثها من كان صالحاً من عباده عاملاً بطاعته. وقال ابن عباس: أراد أن أراضي الكفار يفتحها المسلمون وهذا حكم من الله تعالى بإظهار الدين وإعزاز المسلمين، وقيل أراد الأرض المقدسة يرثها الصالحون بعد من كان فيها {إن في هذا} أي في القرآن {لبلاغاً} أي وصولاً إلى البغية يعني من اتبع القرآن وعمل بما فيه وصل إلى ما يرجو من الثواب، وقيل البلاغ الكفاية أي فيه كفاية لما فيه من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة فهو زاد العباد إلى الجنة وهو قوله تعالى {لقوم عابدين} يعني مؤمنين لا يعبدون أحداً من دون الله تعالى وقيل هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان والحج. وقال ابن عباس: عالمين وقيل: هم العالمون العاملون. قوله عز وجل {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} قيل: كان الناس أهل كفر وجاهلية وضلال وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم لطول وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب فدعاهم إلى الحق، وبين لهم سبيل الصواب وشرع لهم الأحكام وبين الحلال من الحرام قال الله تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} قيل يعني المؤمنين خاصة فهو رحمة لهم. وقال ابن عباس: هو عام في حق من آمن ومن لم يؤمن، فمن آمن فهو رحمة له في الدنيا والآخرة ومن لم يؤمن فهو رحمة له في الدنيا بتأخير العذاب عنه ورفع المسخ والخسف والاستئصال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما أنا رحمة مهداة ".
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} الآية. قال بعض أهل العلم "إنَّ" ههنا بمعنى (إلا) أي: إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى. قال ابن الخطيب: قد بينا فساد هذا القول، وذكرنا أنَّ سؤال ابن الزبعرى لم يكن وارداً، فلم يبق إلا أحد أمرين: الأول: أن يقال: إنَّ عادة الله تعالى أنه متى شرح عقاب الكفار أردفه بشرح ثواب الأبرار، فلهذا ذكر هذه الآية عقيب تلك الآية فهي عامة في حق كل المؤمنين. الثاني: أن هذه الآية نزلت في تلك الواقعة لتكون كالتأكيد في دفع سؤال ابن الزبعرى ثم قال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا هو الحق، أجراها على عمومها، فتكون الملائكة والمسيح وعزير - عليهم السلام - داخلين فيها، لا أنّ الآية مختصة بهم. ومَنْ قال العبرة بخصوص السبب خصص قوله: "إنَّ الَّذِينَ" بهؤلاء فقط. قوله: "مِنَّا" يجوز أن يتعلق بـ "سَبَقَتْ"، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من "الحُسْنَى" قال الزمخشري: "الحُسْنَى" الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن وهي إما السعادة، وإما البشرى بالثواب، وإما التوفيق للطاعة ثم شرح أحوال ثوابهم فقال: {أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}. قال أهل العفو معناه: أولئك عنها مخرجون، واحتجوا بوجهين: الأول: قوله {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم: 71] أثبت الورود، والورود الدخول، فدل على أن هذا الإبعاد هو الإخراج. والثاني: أن إبعاد الشيء لا يصح إلا إذا كانا متقاربين لأنهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر، لأنّ تحصيل الحاصل محال. وقال المعتزلة: {أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة. واحتج القاضي عبد الجبار على فساد الأول بأمور: أحدها: أنَّ قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} يقتضي أنّ الوعد بثوابهم قد تقدم في الدنيا، وليس هذا حال من يخرج من النار. وثانيها: أنه تعالى قال: {أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} فكيف يدخل في لك من وقع فيها. وثالثها: قوله: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} وقوله: {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُُ} يمنع من ذلك. والجواب عن الأول لا نسلم أنّ المراد من قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} هو أن الوعد بثوابهم قد تقدم، ولم لم يجوز أن يكون المراد من "الحُسْنَى" تقدم الوعد بالثواب، (لكن لم قلتم إن الوعد بالثواب لا) يليق بحال من يخرج من النار فإن عنده المحابطة باطلة، ويجوز الجميع بين استحقاق الثواب والعقاب. وعن الثاني: أنا بينا أنّ قوله: {أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} لا يمكن إجراؤه على ظاهره إلا في حق من كان في النار. وعن الثالث: أن قوله: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} مخصوص بما بعد الخروج. وعلى قول المعتزلة بأن المراد بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} أنهم لا يدخلون النار ولا يقربونها، يبطل القول بأن جميع الناس يردون النار، ثم يخرجون إلى الجنة، فيجب التوفيق بينه وبين قوله: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم: 71] وقد تقدم. قوله: {وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ} إلى قوله: "وَتَتَلَقاهُم" كل جملة من هذه الجمل يحتمل أن تكون حالاً مما قبلها، وأن تكون مستأنفة، وكذلك الجملة المضمرة من القول العامل في جملة قوله: "هَذَا يَوْمُكُمُ" إذ التقدير: وتتلقاهم الملائكة يقولون هذا يومكم. فصل معنى {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} أي: صوتها وحركة تلهبها إذا نزلوا منازل لهم في الجنة. والحس والحسيس: الصوت الخفي. {وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} مقيمون كقوله: {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ} تفسير : [الزخرف: 71] {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} النفخة الأخيرة لقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [النمل: 87]. وقال الحسن: حين يؤمر بالعبد إلى النار. وقال ابن جريج: حين يذبح الموت وينادي يا أهل الجنة خلود فلا موت. وقال سعيد بن جبير والضحاك: هو أن تطبق جهنم، وذلك بعد أن يخرج الله منها من يريد أن يخرجه. "وَتَتَلَقَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ". أي: تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}. فإن قيل: أي: بشارة في أنهم لا يسمعون حسيسها؟ فالجواب: المراد منه تأكيد بعدهم عنها، لأن من قرب منها قد يسمع حسيسها فإن قيل: أليس أهل الجنة يرون أهل النار، فكيف لا يسمعون حسيس النار؟ فالجواب: إذا حملناه على التأكيد زال هذا السؤال.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} شروعٌ في بـيان حال المؤمنين إثرَ شرح حالِ الكفرة حسبما جرت به سنةُ التنزيل من شفْع الوعد بالوعيد وإيرادِ الترغيب مع الترهيب، أي سبقت لهم منا في التقدير الخَصلةُ الحسنى التي هي أحسنُ الخصال وهي السعادةُ، وقيل: التوفيقُ للطاعة أو سبقت لهم كلمتُنا بالبشرى بالثواب على الطاعة وهو الأدخلُ الأظهرُ في الحمل عليها لما أن الأولَين مع خفائهما ليسا من مقدورات المكلفين، فالجملةُ مع ما بعدها تفصيلٌ لما أُجمل في قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَـٰتِبُونَ} كما أن ما قبلها من قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} الخ، تفصيلٌ لما أُجمل في قوله تعالى: {وَحَرَامٌ} الخ {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلة وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوّ درجتهم وبُعد منزلتِهم في الشرف والفضل، أي أولئك المنعوتون بما ذكر من النعت الجميل {عَنْهَا} أي عن جهنم {مُبْعَدُونَ}لأنهم في الجنة وشتان بـينها وبـين النار، وما روي أن علياً رضي الله تعالى عنه خطب يوماً فقرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمرُ وعثمانُ وطلحةُ والزبـيرُ وسعدٌ وسعيدٌ وعبدُ الرحمٰن بنُ عوف وأبو عبـيدةَ بنُ الجراح رضوانُ الله تعالى عنهم أجمعين، ثم أقيمت الصلاةُ فقام يجرّ رداءه ويقول: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا} ليس بنص في كون الموصول عبارةً عن طائفة مخصوصة، والحسيسُ صوتٌ يُحَسّ به، أي لا يسمعون صوتَها سمعاً ضعيفاً كما هو المعهودُ عند كون المصوِّت بعيداً وإن كان صوتُه في غاية الشدة، لا أنهم لا يسمعون صوتَها الخفيَّ في نفسه فقط، والجملةُ بدلٌ من مبعَدون أو حال من ضميره مَسوقةٌ للمبالغة في إنقاذهم منها وقوله تعالى: {وَهُمْ فِى مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَـٰلِدُونَ} بـيانٌ لفوزهم بالمطالب إثرَ بـيان خلاصِهم من المهالك والمعاطب أي دائمون في غاية التنعمَ، وتقديمُ الظرف للقصر والاهتمام به. وقوله تعالى: {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} بـيانٌ لنجاتهم من الأفزاع بالكلية بعد بـيان نجاتِهم من النار، لأنهم إذا لم يُحزُنْهم أكبرُ الأفزاع لا يحزنهم ما عداه بالضرورة، عن الحسن رضي الله عنه أنه الانصرافُ إلى النار، وعن الضحاك حتى يطبَقَ على النار، وقيل: حين يُذبح الموتُ في صورة كبشٍ أملحَ، وقيل: النفخةُ الأخيرة لقوله تعالى: { أية : فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [النمل: 87] وليس بذاك فإن الآمنَ من ذلك الفزع من استثناه الله تعالى بقوله: {إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ} لا جميعُ المؤمنين الموصوفين بالأعمال الصالحة، على أن الأكثرين على أن ذلك في النفخة الأولى دون الأخيرة كما سيأتي في سورة النمل {وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ} أي تستقبلهم مهنّئين لهم {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ} على إرادة القولِ أي قائلين: هذا اليومُ يومُكم {ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} في الدنيا وتبشرون بما فيه من فنون المَثوبات على الإيمان والطاعات، وهذا كما ترى صريحٌ في أن المرادَ بالذين سبقت لهم الحسنى كافةُ المؤمنين الموصوفين بالإيمان والأعمال الصالحةِ لا مَنْ ذكر من المسيح وعُزيرٍ والملائكة عليهم السلام خاصة كما قيل.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} [الآية: 101]. قال الحسين بن الفضل: سبقت العناية، فظهرت الولاية. وقال ابن عطاء: سبق منه الاختيار، فظهر منهم إلى رضاء البدار. وقال الجنيد رحمة الله عليه: من سبق إليه من الحق إحسان، فإنه لا يزال يتقلب فى ميادين المحسنين إلى أن يبلغ إلى أعلى مراتب أهل الإحسان بقوله {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}تفسير : [يونس: 26]. قال بعضهم: سبقت العناية لأهل الهداية فبلغوا بها إلى شرف الولاية. قال بعضهم: سبق الامتنان لأهل الفضل والإحسان فاستحقوا بها القرب والوصول. قال بعضهم: إذا سبقت للعبد من الله السعادة فغفلته كلها أذكار، وإذا سبقت للعبد من الله الشقاوة فإذا كان كلها غفلة، وأنشد: شعر : من لم يكن للوصال أهلاً فكل إحسانـه ذنـــوب تفسير : قال الواسطى رحمة الله عليه: أولئك قوم هداهم الله فهذَّبهم بذاته، وقد سهم بصفاته، فسقطت عنهم الشواهد والأغراض، ومطالعات الأعواض، فلا لهم إشارة فى شواهدهم، ولا عبارة عن أماكنهم، وحجبهم عن الاستقرار فى المواطن. فلا هُم، هُم بأنفسهم ولا هم حاضرين فى حضورهم بحضورهم. قال النهرجورى فى هذه الآية: قال الله: {سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} ولم يقل "سبقت لهم منهم الحسنى، فما سبق من إحسانه إليهم سابقه حلم بالسعادة لهم فتح أبصارهم النظر إلى الأكوان معتبرين، وفتح أسماعهم بسماع خطابه، وأجرى ألسنتهم بذكره، وزين قلوبهم بمعرفته، وخاطبهم كما خاطب الأنبياء، وركب فيهم العقل للتمييز فهذا قوله: {سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ}. وقيل في هذه الآية: الحسنى: العناية السابقة وهى خمسة أشياء: العناية، والاختيار، والهداية، والعطاء، والتوفيق. فبالعناية وقعت الكفاية، وبالاختيار وقعت الرعاية، وبالهداية وقعت الولاية، وبالعطاء وردت الخِلعة، وبالتوفيق وقعت الاستقامة. والحسنى هذه السوابق. قال الواسطى رحمة الله عليه: نوَّر قلوبهم بالطمأنينة وسكنت نفوسهم إلى الرحمانية بإزالة وحشة رؤية الأفعال من سرائرهم.
القشيري
تفسير : {سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ}: أي الكلمة بالحسنى، والمشيئة والإرادة بالحسنى، لأن الحسنى فعله، وقوله: {سَبَقَتْ} إخبار عن قِدَمِه، والذي كان لهم في القِدَمِ هو الكلمة التي هي صفة تعلَّقَتْ بهم في معنى الإخبار بالسعادة. ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} أي عن النار، ولم يقل متباعدون لِيَعْلَمَ العالِمُون أن المدارَ على التقدير، وسَابقِ الحُكْمِ من الله، لا على تَبَاعُدِ العبد أو بتقرُّبه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} وصف الله اهل الولاية والنبوة والرسالة الذين اصطفاهم فى الازل بحسن عنايته ومعرفة جلاله وجماله ومشاهدة كماله ووصاله ووقاهم من عذاب الفرقة والحرمان عن المشاهدة بقوله {أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا} فى جنان الوصلة لا يحسون شواهد اهل العلة من البرية فظاهر حسن العناية السابقة منهم اربعة اشياء الانفراد من الكونين والرضى بلقاء الله عن الدارين وامضاء العيش مع الله بالحرمة والادب وظهور انوار قدرة الله منهم بالفراسات الصادقة والكرامات الظاهرة وباطن حسن العناية السابقة من الله فى الازل لهم اربعة اشياء المواجيد الساطعة وانفتاح العلوم الغيبية والمكاشفات القائمة والمعارف الكاملة وفى كل موضع ظهرت هذه الاشياء بالظاهر والباطن من صاحبها مشهور فى الأفاق بسمات الصديقين وعلامات المقربين وخلافه المرسلين قال الحسن بن الفضل سبقت العناية وظهر الولاية وقال الجنيد من سبق من الله اليه احسان فانه لا يزال ينتقل فى ميادين المحسنين الى ان يبلغ الى اعلى مراتب اهل الاحسان بقوله للذين احسنوا الحسنى زيادة وقال الواسطى اولئك قوم هداهم الله فهداهم بذاته وقدسهم بصفاته فسقط عنهم الشواهد والاعراض ومطالعات الاعواض فلا لهم اشارة فى سرايرهم ولا عبارة عن اماكنهم وحجبهم عن الاستقرار فى المواطن فلا لهم هم بانفسهم ولا هم حاضرون فى حضورهم بحضورهم قبل الحسنى العناية السابقة وهى خمسة اشياء العناية والاختيار والهداية والعطاء والتوفيق فى العناية وقعت الكفاية وبالاختيار وقعت الرعاية وبالهداية وقعت الولاية وبالعطاء وقعت الخلة بالتوفيق وقعت الاستقامة والحسنى هذه السوابق وقال الواسطى فى قوله لا يسمعون حسيسها هم اهل الحقائق لا يحسون بضجيج اهل الدنيا لانهم مصدرون عنها بما ورد على سرائرهم من وهج الحقائق فهم مترددون فى منازلهم لا يقطعهم عن ذلك فاطع لانفاسهم فى بحور الحقيقة ثم وصفهم الله بالامن الدائم والحسن القائم بقوله لا يحزنهم الفزع الاكبر كيف يلحقهم الفزع وهم فى مشاهدة جلال الحق مدهوشين والهين واصلين الى مناهم غير محجوبين عنه بشئ من الحدثان والحق سبحانه يكون بمرادهم يفعل كما يريدون قال تعالى {وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} اشتهاؤهم فى جمال الحق ودوام المشاهدة بنعت الوصلة على السرمدية وهذا اشتهاء قلوبهم واشتهاء عقولهم كشف العلوم من معدن الصفات واشتهاء ارواحهم الاستغراق فى بحار الذات واشتهاء اسرارهم الفناء بنعت البقاء والبقاء بنعت الفناء واشتهاء نفوسهم اللذة والحلاوة والخطاب الحسن والجمال ------القدم فى لباس الحسن قال ابن عطا للقلب شهوة وللارواح شهوة وللنفوس شهوة وقد يجمع الله لهم فى الجنة جميع ذلك فشهوة الارواح القرب وشهوة القلوب المشاهدة الروية وشهوة النفوس الالتذاذ بالراحة قال الجنيد فى قوله اولئك عنها مبعدون اجتاذوا عليها ولم يحسو بها وما عرفوها لصحة قصدهم الى اللقاء وللنزول فى دار البقاء وقال الصادق كيف يسمعون حسيسها والنار تخمد لمطالعتهم وتلاشى بزويتهم قال النبى صلى الله عليه وسلم حديث : يقول النار للمومن يوم القيامة جزيا مومن فقد اطفا نورك لهبى تفسير : قيل فى قوله وهم فيما اشتهت انفسهم النفوس ثلثة اشياء ارواح واشباح وقلوب فشهوة الروح الوصلة وشهوة القلوب القاء وشهوة النفوس الاكل والشرب والزينة وكل مبذول له بقدر همته وحظه يوصل الى مناه وشروق فيها خالدا مخلدا ابدا ثم وصف الله سبحانه جلال اهل قربه بحيث يحنيهم الملائكة السفرة الكرام البردة بدخوله حجال الوصال وشهودهم مشاهدة الجمال بقوله {وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} اى هذا يوم الوصلة بلا فرقة وهذا يوم الموانسة بلا وحشة وهذا يوم الراحة بلا محنة وهذا يوم العافية بلا بلية وهذا يوم كشف النقاب بلا حجاب وهذا يوم الخطاب بلا عتاب قيل ميعاد اهل الجنة فيها الوصلة وميعاد اهل النار فيها القطيعة.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إِن الذين سبقت لهم منا الحسنى} أي: الخصلة الحسنى، أو المشيئة الحسنى، وهي السعادة، أو التوفيق للطاعة، أو البُشرى بالثواب، {أولئك عنها}: عن جهنم {مبعدون}؛ لأنهم في الجنة، وشتان ما بينهما. قال القشيري: لم يقل متباعدون؛ ليَعْلَم العابدون أن المدارَ على التقدير وسبق الحكم من الله، لا على تَبَاعد العبد وتَقَرُّبه. هـ. وكأنه يشير لقوله: "هؤلاء إلى الجنَّةِ ولا أُبالي"، أي: بأعمالهم. {لا يسمعون حَسِيسَهَا} أي: صوتها الذي يحس، وحركة تلهبها، وهذه مبالغة في الإبعاد، أي: لا يقربوها حتى لا يسمعوا صوتها أو صوت من فيها. قال الكواشي: لا يسمعون صوت النار وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم من الجنة. هـ. وقال ابن عطية: وذلك بعد دخولهم الجنة؛ لأن الحديث يقتضي أن في الموقف تزفر جهنم زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا خرَّ على ركبتيه. هـ. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: محمل الحديث، إن صح في حق الأنبياء والأكابر، على شهود الجلال والإجلال لله تعالى، ولذلك يقولون: "نفسي نفسي"، لا من خوف النار. هـ. قلت: أما كون الناس يُصعقون يوم القيامة، فيكون المصطفى أول من يفيق، فثابت في الصحيح، أما سبب الصعقة فقد ورد في غير البخاري: "حديث : أنه يُؤتى بجهنم، ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، ثم تزفر زفرة، فلا يبقى نبي ولا ملك إلا خرّ"تفسير : ... الحديث، ويؤيده قوله تعالى: {أية : وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} تفسير : [الفَجر: 23] والأنبياء - عليهم السلام - بَشَر عبيد، قد تعمهم القهرية، ولا تقدح في منصبهم، وليس صعقهم خوفًا، لكن غلبة ودهشًا، كما صعق موسى - عليه السلام - عند الرؤية، ونبينا - عليه الصلاة والسلام - حين تجلى له جبريل على صورته. والله أعلم. وقال جعفر الصادق: وكيف يسمعون حسيسها، والنار تخمد بمطالعتهم، وتتلاشى برؤيتهم؟ ثم ذكر حديث قول النار للمؤمن: جُز... الخ. ويدل على أن هذه الحالة إنما هي بعد دخولهم الجنة، قوله تعالى: {وهم فيما اشتهت أَنفُسُهُم} من النعيم {خالدون}: دائمون، والشهوة: طلب النفس للذة. وهو بيان لفوزهم بالمطالب، إثر بيان خلاصهم من المهالك والمعاطب، أي: دائمون في غاية التنعم، {لا يحزنهم الفزعُ الأكبر}، وهو القيام من القبور عند صيحة البعث، بدليل قوله: {وتتلقاهم الملائكةُ}. قال ابن عباس: "تتلقاهم الملائكة بالرحمة، عند خروجهم من القبور"، قائلين: {هذا يومُكم الذي كنتم تُوعدون} بالكرامة والثواب، والنعيم المقيم فيه، أي: بعد دخولكم الجنة. وقال الحسن: الفزع الأكبر: الانصراف إلى النار. وعن الضحاك: حين يُطبق على أهل النار. وقيل: حين نفخة الصعق، وقيل: حين يُذبح الموت. قلت: من سبقت له الحسنى ينجو من جميعها. وقيل: تتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة، مُهنئين لهم قائلين: {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} في الدنيا، ويُبشرون بما فيه من فنون المثوبات على الإيمان والطاعات. وهذا، كما ترى، صريح في أن المراد بالذين سبقت لهم الحسنى: كافةُ المؤمنين الموصوفين بالإيمان والأعمال الصالحة، لا من ذكر؛ من المسيح، وعُزير، والملائكة، كما قيل. قاله أبو السعود، قلت: وقد يجاب بأنها نزلت في شأنهم وتعم غيرهم؛ لأن سبب النزول لا يخصص. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الجنيد رضي الله عنه: {إن الذين سبقت لهم منّا الحسنى} أي: سبقت لهم منا العناية في البداية، فظهرت لهم الولاية في النهاية. هـ. {أولئك عنها} أي: عن نار القطيعة، وهي أغيار الدنيا، مُبعدون، لا يسمعون حسيسها، ولا ما يقع فيها من الهرج والفتن، لغيبتهم عنها بالكلية في الشغل بالله تعالى، فهم فيما اشتهت أنفسهم؛ من لذة الشهود، والقُرب من الملك الودود، خالدون دائمون، لا يحزنهم الفزع الأكبر في الدنيا والآخرة، وتتلقاهم الملائكة بالبُشرى بالوصول، هذا يومكم الذي كنتم توعدون، وهو يوم ملاقاة الحبيب والعكوف في حضرة القريب، عند مليك مقتدر. منحنا الله من ذلك الحظ الأوفر بمنّه وكرمه. ثمَّ ذكر أوصاف ذلك اليوم
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر {للكتب} على الجمع. الباقون {للكتاب} على التوحيد. وقرأ حمزة وحده {الزبور} بضم الزاي. من ضم الزاي أراد الجمع. ومن فتحها اراد الواحد. يقال: زبرت الكتاب أزبره زبراً إذا كتبته. لما اخبر الله تعالى: ان الكفار حصب جهنم وانهم واردون النار، وداخلون فيها مؤبدين، اخبر {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} يعني الوعد بالجنة. وقيل: الحسنى الطاعة لله تعالى يجازون عليها في الآخرة بما وعدهم الله به. واخبر تعالى ان من هذه صفته مبتعد عن النار ناء عنها، ويكونون بحيث {لا يسمعون حسيسها} يعني صوتها، الذي يحس، وإنهم في ما تشتهيه أنفسهم من الثواب والنعيم خالدون والشهوة طلب النفس للذة يقال: اشتهى شهوة، وتشهى تشهياً، ونقيض الشهوة تكره النفس، فالغذاء يشتهى والدواء يتكره. وقيل: الحسنى الجنة التي وعد الله بها المؤمنين. وقال ابن زيد: الحسنى السعادة لأهلها من الله، وسبق الشقاء لأهله، كأنه يذهب الى ان معنى الكلمة انه: سيسعد أو أنه سيشقى. وقال الحسن ومجاهد: الذين سبقت لهم منا الحسنى عيسى، وعزير، والملائكة الذين عبدوا من دون الله، وهم كارهون، استثناهم من جملة من اخبر انهم مع الكفار فى جهنم. وقوله {لا يحزنهم الفزع الأكبر} معناه لا يغم الذين سبقت لهم من الله الحسنى الفزع الاكبر. ومن ضم الياء أراد لا يفزعهم الفزع الاكبر. قال ابن جبير، وابن جريج: هو عذاب النار، على أهلها. وقال ابن عباس: هي النفخة الأخيرة. وقال الحسن: هو حين يؤمر بالعبد الى النار {وتتلقاهم الملائكة} قيل تتلقاهم الملائكة بالتهنئة ويقولون لهم {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} به أي تخوفون بما فيه من العقاب، وترغبون فيما فيه من الثواب. وقوله {يوم نطوي السماء} يحتمل نصب {يوم} وجهين: احدهما - أن يكون بدلا من {توعدون} لان تقديره توعدونه. الثاني - انه نعدكم يوم نطوي السماء. وقوله {كطي السجل للكتاب} فالسجل الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتابة، فشبه الله تعالى طي السماء يوم القيامة بطي الكتاب - فى قول ابن عباس ومجاهد - وقال ابن عمر، والسدي: السجل ملك يكتب اعمال العباد. وقال ابن عباس - في رواية أخرى - السجل كاتب كان لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) والتقدير كطي الكتاب السجل، واللام مؤكدة. ويحتمل أن يكون المعنى كطي السجل، وقد تم الكلام. ثم قال للكتب أي لما كتبناه وعلمناه، فعلنا ذلك، كما قال {أية : ولولا كلمة سبقت} تفسير : وقوله {كما بدأنا أول خلق نعيده} المعنى نعيد الخلق كما بدأناه. قال ابن عباس: معناه انه يهلك كل شيء، كما كان أول مرة. ثم قال: إن الذي ذكرناه وعيد منا لازم نفعله لا محالة. ثم قال تعالى {ولقد كتبنا في الزبور} قيل الزبور كتب الانبياء {من بعد الذكر} من بعد كتبه في أم الكتاب - في قول سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد. وقيل: الزبور، زبور داود، من بعد الذكر فى توراة موسى - في قول الشعبي - وقال قوم {من بعد الذكر} معناه قبل الذكر الذي هو القرآن، حكاه ابن خالويه. وقوله { إن الأرض يرثها عبادي الصالحون} قال ابن عباس وسعيد بن جبير وابن زيد: يعني أرض الجنة يرثها الصالحون من عباد الله، كما قال {أية : وأورثنا الأرض نتبوّأ من الجنة حيث نشاء} تفسير : وقيل: هي الارض في الدنيا التي تصير للمؤمنين في أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) من بعد اجلاء الكفار عنها - فى رواية اخرى - عن ابن عباس. وقيل: يعني أرض الشام، يرثها الصالحون من بني اسرائيل ذكره الكبي. وعن ابي جعفر (ع) إن ذلك وعد للمؤمنين بأنهم يرثون جميع الارض.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ ولذلك اكّده استحساناً {أُوْلَـٰئِكَ} تكرار المبتداء باسم الاشارة البعيدة تفخيمٌ لشأنهم {عَنْهَا مُبْعَدُونَ} اى عن عذابها ومسيس ألمها حتّى لا ينافى قوله وان منكم الاّ واردها، وما قيل: انّ هذه ناسخة لتلك بعيدٌ جدّاً.
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدثني محمد بن الحسن بن إِبراهيم معنعناً: عن علي [بن أبي طالب. أ. عليه السلام. أ، ب] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [وبارك. ر]: حديث : يا علي إِن الله [تبارك و. أ، ب] تعالى وهب لك حب المساكين والمستضعفين في الأرض فرضيت بهم إخواناً ورضوا بك إماماً، فطوبى لمن أحبك وصدق فيك وويل لمن أبغضك وكذب عليك. يا علي أنت العلم لهذه الأمة من أحبك فقد أحبّني [ص: فاز] ومن أبغضك هلك [ر: فقد أبغضني]. يا علي أنا مدينة العلم وأنت بابها وهل تؤتى [أ: يؤتى] المدينة إلا من بابها. يا علي أهل مودتك كل أواب حفيظ وكل ذي طمرين لو أقسم على الله لأبر قسمه. يا علي إخوانك كل طاوٍ وباك مجتهد [يحب] فيك ويبغض فيك، محتقر عند الخلق، عظيم المنزلة عند الله تعالى. يا علي محبوك جيران الله في دار القدس [ص: الفردوس] لا يأسفون على ما خلفوا في دار الدنيا. يا علي أنا ولي من واليت وأنا عدو لمن عاديت. يا علي إخوانك الذبل [ب: لذبل] الشفاه يعرف [ب: تعرف] الرهبانية في وجوههم. يا علي إخوانك يفرحون في ثلاث مواطن: عن الموت وخروج أنفسهم وأنا وأنت شاهدهم، وعند المسألة في قبورهم، وعند العرض والحساب [ب: عرض الحساب. ص: العرض الأكبر] والصراط إذا سئل الخلق عن إيمانهم فلم يجيبوا. يا علي حربك حربي وسلمك سلمي وحزبك حزبي وحزبي حزب الله. يا علي قل لإخوانك إن الله قد رضي عنهم إذ رضيك [أ، ب: رضيت] لهم قائداً ورضوا بك ولياً. يا علي أنت أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين. يا علي شيعتك المنتجبون ولولا أنت وشيعتك ما قام لله دين ولولا من في الأرض منهم ما أنزلت السماء قطرة. يا علي لك كنز في الجنة وإنك [ب: أنت] ذو قرنيها [ب، ص: قرينها]، [و. ب] شيعتك تعرف بحزب [ر، أ: حزب] الله. يا علي أنت وشيعتك القائمون بالقسط وخيرة الله من خلقه. يا علي أنا أول من ينفض التراب عن رأسه وأنت معي ثم سائر الخلق. يا علي أنت وشيعتك على الحوض تسقون من رضيتم وتمنعون من كرهتم وأنتم الآمنون يوم الفزع الأكبر في ظل العرش، يفزع الخلائق ولا يفزعون ويحزن الناس ولا يحزنون وفيهم نزلت [هذه. أ، ب] الآية: {وهم من فزعٍ يومئذٍ آمنون}[89/ النمل] [وقال: أ، ب] {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} إلى ثلاث آيات. يا علي أنت وشيعتك تطلبون في الموقف وأنتم في الجنان متنعمون. يا علي أنت وشيعتك تطلبون في الموقف وأنتم في الجنان متنعمون. يا علي إن الملائكة والخزان [ب: والحور. أ: والحوراء] يشتاقون إليكم وإن حملة العرش والملائكة ليخصونكم بالدعاء [ويسألون الله. ص] لمحبيكم [أ، ر: لمحبتكم] ويفرحون بمن قدم عليهم منكم كما يفرح الأهل بالغائب القادم بعد طول الغيبة. يا علي شيعتك الذين يتنافسون في الدرجات لأنهم يلقون الله وما عليهم من ذنب. يا علي إن أعمال شيعتك ستعرض علي في كل جمعة فأفرح بصلاح [ص: بصالح] ما يبلغني من أعمالهم واستغفر لسيئاتهم. يا علي ذكرك في التوراة وذكر شيعتك قبل أن يخلقوا بكل خير وكذلك في الإنجيل وأهل الكتاب عن اليّا يخبرونك مع علمك بالتوراة والإنجيل وما أعطاك الله من علم الكتاب وإن أهل الإنجيل ليعظمون اليّا وما يعرفونه يخبرونه في كتبهم. يا علي أعلم أصحابك أنّ ذكرهم في السماء أكثر وأعظم من ذكرهم في الأرض [ص: ذكر أهل الأرض] لهم بالخير فليفرحوا بذلك وليزدادوا اجتهاداً. يا علي إن أرواح شيعتك لتصعد إلى السماء في رقادهم [ووفاتهم. ص] فينظر الملائكة إليهم كما ينظر الناس إلى الهلال شوقاً إليهم وما يرون من منازلهم [ص: منزلتهم] عند الله [تعالى. ر]. يا علي قل لأصحابك العارفين بك يتنزهون عن الأعمال التي يقارفها عدوهم فما من يوم وليلة إلا ورحمة الله تغشاهم فليجتنبوا الدنس. يا علي اشتد غضب الله على من قلاهم وبرئ منك ومنهم واستبدل [أ، ر: واستذل] بك وبهم ومال إلى غيرك [ص: عدوك] وتركك وشيعتك واختار الضلالة ونصب الحرب لك ولشيعتك وأبغضنا أهل البيت وأبغض من والاك ونصرك وبذل مهجته وماله فينا. يا علي اقرءهم مني السلام من لم أره منهم و [من. أ، ب] لم يرني فأعلمهم أنهم إخواني وأشتاق إلى رؤيتهم الذين يتمسكون بحبل الله وليعتصموا به وليجتهدوا في العمل، فانا لا نخرجهم من الهدى إلى ضلالة أبداً، وأخبرهم أن الله تعالى عنهم راضٍ وأنهم يباهي بهم الملائكة وينظر إليهم في كل جمعة برحمته [أ، ب: برحمة] وبأن الملائكة [ص: ويأمر الملائكة أن] تستغفر لهم. يا علي لا ترغب عن [ب، ر: في] نصرة قوم يبلغهم أو يسمعون إني أحبك فأحبوك بحبي إياك ودانوا إلى الله بمودتك، وأعطوا صفو المودة من قلوبهم واختاروك على الآباء والأولاد وسلكوا طريقك وقد تحملوا [ص: حملوا. على. أ، ر، ص] المكاره فينا فأبوا إلا نصرنا وبذلوا المهج فينا مع الأذى وسوء القول [و. ر] ما يستذلون به من مضاضة ذلك فكن بهم رحيماً واقنع بهم فإن الله عزّ ذكره اختارهم لنا بعلمه من الخلق وخلقهم من طينتنا واستودعهم سرنا [ن: شرفاً] وألزم قلوبهم معرفة حقنا وشرح صدورهم وجعلهم يتمسكون بحبلنا لا يؤثرون علينا من خالفنا مع {ما يزول} [ن: نزول] من الدنيا عنهم وميل السلطان عليهم بالمكاره والتلف، أيدهم الله وسلك بهم طريق الهدى فاعتصموا به والناس في عمى من الضلالة متخبطين في الأهواء عمى عن المحجة وعما جاء من عند الله فهم يصبحون ويمسون في سخط الله وشيعتك على منهاج الحق والاستقامة لا يستوحشون إلى من خالفهم ليس الرياء منهم وليسوا منه أولئك مصابيح الدجى . تفسير : قال: حدثنا القاسم بن عبيد معنعناً: عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : يا علي أنت وشيعتك على الحوض تسقون من أحببتم وتمنعون من كرهتم وأنتم الآمنون يوم الفزع الأكبر في ظل العرش يفزع الناس ولا تفزعون ويحزن الناس ولا تحزنون وفيكم نزلت هذه الآية: {إنّ الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} إلى قوله {توعدون} وهي ثلاث آيات. يا علي أنت وشيعتك تطلبون في الموقف وأنتم في الجنان متنعمون . تفسير : فرات قال: حدّثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن جعفر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش: يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم حتى تمر بنت حبيب الله إلى قصرها [فاطمة. ر، ب] عليها السلام ابنتي [فتمرو] عليها ريطتان خضراوان حواليها سبعون ألف حوراء فإذا بلغت إلى باب قصرها وجدت الحسن قائماً والحسين نائماً مقطوع الرأس فتقول للحسن: من هذا؟ فيقول: هذا أخي إن أمة أبيك قتلوه وقطعوا رأسه، فيأتيها النداء من عند الله يا بنت حبيب الله إني إنما أريتك ما فعلت به أمة أبيك أني ادخرت لك عندي تعزية بمصيبتك فيه وأني جعلت تعزيتك اليوم أني لا أنظر في محاسبة العباد حتى تدخلي الجنة أنت وذريتك وشيعتك ومن والاكم [ب: اولاكم] معروفاً ممن [ن: بمن] ليس هو من شيعتك قبل أن أنظر في محاسبة العباد، فتدخل فاطمة ابنتي الجنة وذريتها وشيعتها ومن والاها [أ: والاهم. ب (خ ل): اولاها] معروفاً ممن ليس من شيعتها فهو قول الله عز وجل: {لا يحزنهم الفزع الأكبر} قال: هول يوم القيامة {وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون} هي والله فاطمة وذريتها وشيعتها ومن والاهم معروفاً [ممن] ليس هو من شيعتها .
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} أي: صوتها في قول الحسن. وقال ابن عباس: حسيسها: حسّها. قال: ولا صوتاً. وإنها تلظّى على أهلها. قوله عز وجل: {وَهُمْ فِيمَا اشْتَهَت أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ}. قال بعضهم: بلغنا أن أهل الجنة يكون في أحدهم الطعام فيخطر على قلبه طعام آخر، فيتحوّل في فيه ذلك الطعام الذي اشتهى. وقال في آية أخرى: (أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) تفسير : [الزخرف: 71]. قوله تعالى: {لاَ يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ} أي: النفخة الآخرة. قال بعضهم: إذا أيقن أهل النار بالخلود، فعند ذلك يقولون:{رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا} أي من النار (أية : فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ)تفسير : . [المؤمنون: 107] فيقول الله: (أية : قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ) تفسير : [المؤمنون: 107-108]. فإذا قال ذلك أطبقت عليهم فلم يخرج منهم أحد، فذلك قوله: {الفَزَعُ الأَكْبَرُ}. قوله: {وَتَتَلَقَّاهُمُ المَلآئِكَةُ} قال الحسن: تتلقاهم بالبشارة حين يخرجون من قبورهم، وتقول لهم: {هَذَا يَوْمُكُمُ الذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}. قوله: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَآءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} يعني كطيّ الصحيفة التي فيها الكتاب. ذكروا عن الحسن قال: إن السماء تطوى من أعلاها كما يطوي الكاتب الصحيفة من أعلاها إذا كتبت. قوله عزّ وجل: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} أي: كذلك نعيده. وقال الكلبي إذا أراد الله تبارك وتعالى أن يبعث الموتى أعاد الناس كُلَّهم نطفاً [ثم علقاً ثم مضغاً] ثم عظاماً ثم لحماً، ثم ينفخ فيه أرواحهم. كذلك كان بدؤهم. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ينزل الله مطراً كمني الرجال فتنبت به جسمانهم ولحمانهم كما تنبت الأرض الندى، ثم تلا هذه الآية: (أية : واللهُ الذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) تفسير : [فاطر: 9] أي: كذلك البعث. قوله تعالى: {وَعْداً عَلَيْنَآ} أي: وعداً كائناً، أي: البعث {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} أي: إنا نحن فاعلون.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} المنزلة الحسنى، والمذكر الأحسن. والمراد: عيسى وعزير والمؤمنون. وأما الملائكة فلا يشتهون النعم. وتلك المنزلة الحسنى هى ما لهم فى الجنة، أو السعادة أو البشرى. وذلك فى الآخرة، أو التوفيق للطاعة، أو الوعد بالجنة. {أولئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}. وقيل: المراد بذلك كله من أطاع الله، وعبد غيره وهو كاره لتلك العبادة. ويروى أن عليًّا خطب وقرأ الآية. ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وابن الجراح ثم أُقيمت الصلاة فقام يجر رداءه، وهو يتلو قوله تعالى: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} الحسيس: الصوت المحسوس. وقال البخارى: الصوت الخفى. {وَهُمْ فِى مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ} أى ما طلبت أنفسهم من اللذات، وتقديم الجار والمجرور للفاصلة والحصر والاهتمام، وجملة {لا يسمعون} بدل من مبعدون؛ لأنه فى معنى الفعل، أو حال من ضمير سبق للمبالغة. وقوله: {أية : إن الذين} تفسير : - إلى - {أية : كنتم توعدون} تفسير : لزوال الحمَّى وجميع الأمراض تكتب فى إناء طاهر، وتمحى بماء طاهر، من بئر لا تراها الشمس، ثم يسقى منه المريض ثلاث جرع ويرش على ظهره باقيه، وذلك وقت اشتداد الوجع. يفعل ذلك ثلاث مرات، يبرأ بإذن الله. ومَن كتبها فى إناء طاهر، ومحاها بدهن البابونج، ودهن به وجع الوسط والركب والظهر، فينفعه نفعا تاما عظيما - إن شاء الله.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذين سَبقَت} فى الأزل لا كما قيل فى قوله: "أية : فمن يعمل"تفسير : [الأنبياء: 94، الزلزلة: 7] وإنه تبشير لهم {لهم منَّا الحُسْنى} اسم تفضيل أعنى أنه تأنيث أفعل التفضيل، فالمعنى الخصلة المفضلة فى الحسن، وهى السعادة، وقيل التوفيق للطاعة، وذلك على العموم، لأنه يعتبر عموم اللفظ، لا خصوص السبب، فلا يشكل عليه ما ورد أن سبب النزول الملائكة، وعزير وعيسى، مما هم إلا بعض أفراد العموم {أولئك} الذين سبقت لهم منا أحسنى، وإشارة البعد لعلو درجتهم {عَنْها مُبْعدونَ} لا يدخلونها، ولا يقربون منها، وذلك إبعادكم ورتبة، وقد يقال إبعاد بعد قرب لقوله: "أية : وإن منكم إلا واردها" تفسير : [مريم: 71] أوهم إذ كانوا فى الجنة مبعدون عنها.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} أي الخصلة المفضلة في الحسن وهي السعادة، وقيل: التوفيق للطاعة، والمراد من سبق ذلك تقديره في الأزل، وقيل: الحسنى الكلمة الحسنى وهي المتضمنة للبشارة بثوابهم وشكر أعمالهم، والمراد من سبق ذلك تقدمه في قوله تعالى: { أية : فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَـٰتِبُونَ } تفسير : [الأنبياء: 94] وهو خلاف الظاهر، والظاهر أن المراد من الموصول كل من اتصف بعنوان الصلة وخصوص السبب لا يخصص، وما ذكر في بعض الآثار من تفسيره بعيسى وعزير والملائكة عليهم السلام فهو من الاقتصار على بعض أفراد العام حيث أنه السبب في النزول، وينبغي أن يجعل من باب الاقتصار ما أخرجه ابن أبـي شيبة وغيره عن محمد بن حاطب عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه فسر الموصول بعثمان وأصحابه رضي الله تعالى عنهم. وروى ابن أبـي حاتم وجماعة عن النعمان بن بشير أن علياً كرم الله تعالى وجهه قرأ الآية فقال: أنا منهم وعمر منهم وعثمان منهم والزبير منهم وطلحة منهم وسعد وعبد الرحمن منهم كذا رأيته في «الدر المنثور»، ورأيت في غيره عد العشرة المبشرة رضي الله تعالى عنهم، والجاران متعلقان بسبقت. وجوز أبو البقاء في الثاني كونه متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من {ٱلْحُسْنَىٰ}. وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الشرف / والفضل أي أولئك المنعوتون بما ذكر من النعت الجميل {عَنْهَا} أي عن جهنم {مُبْعَدُونَ} لأنهم في الجنة وشتان بينها وبين النار:
ابن عاشور
تفسير : جملة {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً دعا إليه مقابلة حكاية حال الكافرين وما يقال لهم يوم القيامة بحكاية ما يلقاه الذين آمنوا يوم القيامة وما يقال لهم. فالذين سبقت لهم الحسنى هم الفريق المقابل لفريق القرية التي سبق في علم الله إهلاكها، ولما كان فريق القرية هم المشركين فالفريق المقابل له هم المؤمنون. ولا علاقة لهذه الجملة بجملة {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}تفسير : [الأنبياء: 98] ولا هي مخصصة لعموم قوله تعالى: {وما تعبدون من دون الله} بل قوله تعالى: {والذين سبقت لهم منا الحسنى}عام يعم كل مؤمن مات على الإيمان والعمل الصالح. والسبق، حقيقته: تجاوز الغير في السير إلى مكان معين، ومنه سباق الخيل، واستعمل هنا مجازاً في ثبوت الأمن في الماضي، يقال كان هذا في العصور السابقة، أي التي مضت أزمانها لما بين السبق وبين التقدم من الملازمة، أي الذين حصلت لهم الحسنى في الدنيا، أي حصل لهم الإيمان والعمل الصالح من الله، أي بتوفيقه وتقديره، كما حصل الإهلاك لأضدادهم بما قدر لهم من الخذلان. والحسنى: الحالة الحسنة في الدين، قال تعالى: {أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}تفسير : [يونس: 26] أو الموعدة الحسنى، أي تقرّرَ وعد الله إياهم بالمعاملة الحسنى. وتقدم في سورة يونس. وذِكر الموصول في تعريفهم لأن الموصول للإيماء إلى أن سبب فوزهم هو سبق تقدير الهداية لهم. وذِكر اسم الإشارة بعد ذلك لتمييزهم بتلك الحالة الحسنة، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما يذكر بعد اسم الإشارة من أجل ما تقدم على اسم الإشارة من الأوصاف، وهو سبق الحسنى من الله. واختير اسم إشارة البعيد للإيماء إلى رفعة منزلتهم، والرفعةُ تشبه بالبعد. وجملة {لا يسمعون حسيسها} بيان لمعنى مبعَدون، أي مبعدون عنها بعداً شديداً بحيث لا يلفحهم حرّها ولا يروعهم منظرها ولا يسمعون صوتها، والصوت يبلغ إلى السمع مِنْ أبعد مما يبلغ منه المرئي. والحسيس: الصوت الذي يبلغ الحس، أي الصوت الذي يسمع من بعيد، أي لا يقربون من النار ولا تبلغ أسماعهم أصواتُها، فهم سالمون من الفزع من أصواتها فلا يقرع أسماعهم ما يؤلمها. وعقّب ذلك بما هو أخص من السلامة وهو النعيم الملائم. وجيء فيه بما يدل على العموم وهو {فيما اشتهت أنفسهم} وما يدلّ على الدوام وهو {خالدون}. والشهوة: تشوق النفس إلى ما يلَذّ لها. وجملة {لا يحزنهم الفزع} خبر ثان عن الموصول. والفزع: نفرة النفس وانقباضها مما تتوقع أن يحصل لها من الألم وهو قريب من الجَزع. والمراد به هنا فزع الحشر حين لا يعرف أحد ما سيؤول إليه أمره، فيكونون في أمن من ذلك بطمأنة الملائكة إياهم. وذلك مفاد قوله تعالى: {وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون} فهؤلاء الذين سبقت لهم الحسنى هم المراد من الاستثناء في قوله تعالى: {أية : ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا مَن شاء الله}تفسير : [النمل: 87]. والتلقي: التعرض للشيء عند حلوله تعرض كرامة. والصيغة تشعر بتكلف لقائه وهو تكلف تهيؤ واستعداد. وجملة {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} مقول لقول محذوف، أي يقولون لهم: هذا يومكم الذي كنتم توعدون، تذكيراً لهم بما وُعدوا في الدنيا من الثواب، لئلا يحسبوا أن الموعود به يقع في يوم آخر. أي هذا يوم تعجيل وعدكم. والإشارة باسم إشارة القريب لتعيين اليوم وتمييزه بأنه اليوم الحاضر. وإضافة (يوم) إلى ضمير المخاطبين لإفادة اختصاصه بهم وكون فائدتهم حاصلة فيه كقول جرير:شعر : يا أيها الراكب المزجي مطيته هذا زمَانُك إني قد خلا زمني تفسير : أي هذا الزمن المختص بك، أي لتتصرف فيه.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة. أن الذين سبقت لهم منه في علمه الحسنى وهي تأنيث الأحسن، وهي الجنة أو السعادة ـ مبعدون يوم القيامة عن النار. وقد أشار إلى نحو ذلك في غير هذا الموضع، كقوله: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}تفسير : [يونس: 26]، وقوله: {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ}تفسير : [الرحمن: 60]، ونحو ذلك من الآيات.
الواحدي
تفسير : {إنَّ الذين سبقت لهم منا الحسنى} السَّعادة والرَّحمة {أولئك عنها} عن النَّار {مبعدون}. {لا يسمعون حسيسها} صوتها. {لا يحزنهم الفزع الأكبر} يعني: الإِطباق على النَّار. وقيل: ذبح الموت بمرأىً من الفريقين {وتتلقاهم الملائكة} تستقبلهم، فيقولون لهم: {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} للثَّواب ودخول الجنَّة.
القطان
تفسير : الحسنى: البشارة بالجنة. حسيسُها: صوتها. السجلّ: الصحيفة والكاتب. كطيّ السجلّ للكتب: كما تطوى الورقة في الكتاب أو كما يطوي الكاتب الكتاب. الزبور: الكتاب الذي أُنزل على داود. بعد ان ذكر اللهُ حالَ أهلِ النار وعذابهم بسبب شِركهم بالله، بيّن أحوال السعداء من المؤمنين بالله، والذين قدّموا صالح الأعمال فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ}. ان الذين وفّقناهم لاتّباع الحق وعمل الخير، وسبقت لهم منّا البِشارة بالجنة، أولئك لا يدخلون النار ولا يقربونها، ولو أن بعضهم عُبد مِن دونِ الله كالمسيح بن مريم، فإنه لا دخْل له بعصيان من عَبده. إنهم لا يسمعون صوت النار، وهم في سرور دائم وفيما تشتهيه انفسهم خالدون. {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}. لا يحزنهم الهولُ الأكبر الذي يخيف الكفار، وتستقبلهم الملائكةُ بالتهنئة والبشرى بالنجاة، قائلين لهم: هذا هو اليوم الذي وعدكم اللهُ به. {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}. يوم نطوي السماءَ كما تُطوى الورقة في الكتاب، ونعيد الخلق الى الحساب والجزاء، وهو علينا هيّن، فكما بدأناهم نعيدُهم، قد وعدْنا بذلك وعداً حقا، لا بد من تحققه وإنا لذلك لفاعلون. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وحفص: للكتب بالجمع. وبالباقون: للكتاب بالمفرد. {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ}. لقد كتب الله عنده وأثبتَ في قديم عِلمه، ثم أثبتَ في الكتب السماوية من بعدِ ذلك أن الارض لا يعمرها من عباده الا من يصلح لعمارتها، وهذه سُنة من سنن الله لا تتخلَّف ولا تتبدَّل. كما قال تعالى ايضا:{أية : إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الأعراف:128]، {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [النور:55]. {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}. ان فيما ذكرنا من أخبار الأنبياء مع أقوامهم، وأخبار الجنة والنار - لكفايةً في التذكير والاعتبار لقوم يتعظون بالعبر وينتفعون بالنذر. وما أرسلناك يا محمد بهذا الدِّين القويم، والقرآن الكريم الا رحمة عامة للعالمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} (101) - أمَّا الذينَ قَضَى اللهُ لَهُمْ بالرَّحْمَةِ والسَّعَادَةِ بِسَبَبِ إِيْمَانِهِمْ وَعَمَلِهِم الصَّالِحِ فِي الدُّنْيَا، فَأُولئِكَ يُبْعَدُونَ عَنْ جَهَنَّم جَزَاءً لَهُمْ، وَثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن ذكر سبحانه جزاء الكافرين في النار ذكر المقابل، وذِكْر المقابل يوضح المعنى، اقرأ قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} تفسير : [الانفطار: 13 - 14]. ويقول: {أية : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً ..} تفسير : [التوبة: 82]؛ لذلك تظل المقارنة حيَّة في الذِّهْن. ومعنى: {سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ ..} [الأنبياء: 101] الحُسْنى: مؤنث الأحسن، تقول: هذا حَسَن، وهذه حسنة، فإنْ أردتَ المبالغة تقول: هذا أحسن، وهذه حُسْنى. مثل: أكبر وكُبْرى. ومعنى: {سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ ..} [الأنبياء: 101] أنهم من أهل الطاعة، ومن أهل الجنة، فهكذا حُكْم الله لهم، وقد أخذ الله تعالى جزءاً من خَلْقه وقال: "هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي". ولا تقُلْ: ما ذنب هؤلاء؟ لأنه سبحانه حكم بسابق عِلْمه بطاعة هؤلاء، ومعصية هؤلاء. وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] أي: مبعدون عن النار. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ ...}.
الجيلاني
تفسير : نزل بعده: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ} عنايةٌ {مِّنَّا} الخصلة {ٱلْحُسْنَىٰ} والمنزلة الأسنى والدرجة العليا، والجنة المأوى {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المخصوصون بمزيد لطفنا وجودنا {عَنْهَا} أي: عن النار {مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] لسبق رحمتنا إياهم وعفونا عنهم. بحيث: {لاَ يَسْمَعُونَ} من غاية البعد منها {حَسِيسَهَا} أي: صوتها على وجه الخفاء كدويّ النحل، مع أن أهلها يُصرخون فيها، ويَفزعون في غاية الشدة، ولا تصل لغاية بعدهم عنها {وَ} كيف يسمعون حسيس النار {هُمْ} متنعمون مترفهون {فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ} من اللذات الروحانية، والمشتهيات النفسانية عنايةً من الله إياهم {خَالِدُونَ} [الأنبياء: 102] دائمون مستمرون بلا طريان ضدٍ وعروض منافر. وكيف يسمعون ويحزنون أولئك الآمنون من حسيس النار مع أنهم من فرط فرحهم وسرورهم {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} وهو النخفة الأخيرة في الصور، مع أنها في نهاية الهول والفظاعة، وإذا لم يشوشهم تلك الهائلة فكيف بالحسيس {وَ} بعد دخولهم في الجنة الموعودة {تَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} مرحبين مهنئين قائلين: {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 103] في نشأتكم الأولى أيها المؤمنون الآمنون، وأنتم فيها تؤمنون بها، فالآن نلِتم بما آمنتم، وفزتهم بما أملتم. اذكر يا أكمل الرسل: {يَوْمَ نَطْوِي} ونلف {ٱلسَّمَآءَ} المبسوطة المنشورة {كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} أي: طياً مثل طي الصحيفة الحافظة الحارسة للمكتوب فيها؛ يعني: نلفها لفاً بعد نشرها بحيث لا يبقى لها اسم ولا رسم، إذ طي الصحيفة كنايةُ عن نيسان الشيء وإعدامها وعدم التذكر، وبالجملة {كَمَا بَدَأْنَآ} وأبدعنا {أَوَّلَ خَلْقٍ} وإيجاد من العدم بلا سبق مادة ومدة {نُّعِيدُهُ} عليه كذلك، بحيث صار كأن لم يكن موجوداً أصلاً، وكان إعدامه {وَعْداً} منَّا لازماً {عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104] الموعود المعهود ألبتة إنجازاً لوعدنا. {وَ} كيف نفنيه ولا نعدمه {لَقَدْ كَتَبْنَا} وأثبتنا {فِي ٱلزَّبُورِ} وفي جميع الكتب المنزلة منَّا {مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} أي: بعد الحضور والثبوت في حضرة علمنا ولوح قضائنا: {أَنَّ ٱلأَرْضَ} أي: أرض الجنة المعدَّة لأهل الولاء والمحبة، ومستقر أرباب العناية؛ إذ لكل نفس من النفوس البشرية أرضُ معدة من فضاء الجنة، وإنما وصلوا إليها بالإيمان والأعمال الصالحة المقربة إلى الحق، فمتى لم يتصفوا بالإيمان والمعارف والتوحيد لم يصلوا إليها؛ وإذا لم يصلوا إليها بكفرهم وعنادهم وظلمهم {يَرِثُهَا} من الكفار أماكنهم المعدة لهم فيها {عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105] المقبولون عندنا، المتصفون بشعائر التوحيد والإيمان، والعارفون بمعالم الدين ومسالك العرفان، المرضيون الراضون بجميع ما جرى عليهم من قضائنا.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 655 : 30 : 23 - سفين قال، حديث : لما نزلت {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} قال، خاصم المشركون الى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: "فقد عبد عزير وعيسى والملائكة فهم في النار؟ فنزلت {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}تفسير : [الآية 101].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):