Verse. 2585 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

لَا يَسْمَعُوْنَ حَسِيْسَہَا۝۰ۚ وَہُمْ فِيْ مَا اشْتَہَتْ اَنْفُسُہُمْ خٰلِدُوْنَ۝۱۰۲ۚ
La yasmaAAoona haseesaha wahum fee ma ishtahat anfusuhum khalidoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لا يسمعون حسيسها» صوتها «وهم في ما اشتهت أنفسهم» من النعيم «خالدون».

102

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } صوتها {وَهُمْ فِي مَاٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ } من النعيم {خَٰلِدُونَ }.

النسفي

تفسير : {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } صوتها الذي يحس وحركة تلهبها وهذه مبالغة في الإبعاد عنها أي لا يقربونها حتى لا يسمعوا صوتها وصوت من فيها {وَهُمْ فِى مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ } من النعيم {خَـٰلِدُونَ } مقيمون والشهوة طلب النفس اللذة {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } النفخة الأخيرة {وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } أي تستقبلهم الملائكة مهنئين على أبواب الجنة يقولون {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } أي هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم في الدنيا. العامل في {يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاء } {لا يحزنهم} أو {تتلقاهم} {تطوى السماء} يزيد، وطيها تكوير نجومها ومحو رسومها أو هو ضد النشر نجمعها ونطويها {كَطَىّ ٱلسّجِلّ } أي لصحيفة {لِلْكُتُبِ } حمزة وعلي وحفص أي للمكتوبات أي لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة وغيرهم للكتاب أي كما يطوى الطومار للكتابة، أو لما يكتب فيه لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء ثم يوقع على المكتوب. وقيل: السجل: ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه. وقيل: كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والكتاب على هذا اسم الصحيفة المكتوب فيها والطي مضاف إلى الفاعل وعلى الأول إلى المفعول {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } انتصب الكاف بفعل مضمر يفسره {نعيده} و «ما» موصولة أي نعيد مثل الذي بدأناه نعيده، و {أول خلق} ظرف لـــــ {بدأنا} أي أول ما خلق، أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى. وأول الخلق إيجاده أي فكما أوجده أو لا يعيده ثانياً تشبيهاً للإعادة بالإبداء في تناول القدرة لهما على السواء. والتنكير في خلق مثله في قولك «هو أول رجل جاءني» تريد أول الرجال ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلاً رجلاً فكذلك معنى {أول خلق} أول الخلق بمعنى أول الخلائق لأن الخلق مصدر لا يجمع {وَعْداً } مصدر مؤكد لأن قوله {تعيده} عدة للإعادة {عَلَيْنَا } أي وعدا كائناً لا محالة {إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ } ذلك أي محققين هذا الوعد فاستعدوا له وقدموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} هذه صفة الذين سبقت لهم الحسنى، وذلك بعد دخولهم الجنة؛ لأَنَّ الحديث يقتضي أَنَّ في الموقف تزفر جهنم زفرةً لا يبقى نبيٌّ ولا مَلَكٌ إلاَّ جثا على ركبتيه، قال البخاريُّ: الحسيس والحس: واحد، وهو الصوتُ الخفيُّ، انتهى. والفزع الأكبر عامٌّ في كلِّ هول يكون يوم القيامة، فكأَنَّ يوم القيامة بجملته هو الفَزَعُ الأكبر. وقوله سبحانه: {وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} يريد: بالسلام عليهم والتبشير لهم، أي: هذا يومكم الذي وُعِدْتُمَْ فيه الثوابَ والنعِيمَ، و {ٱلسِّجِلِّ} في قول فرقة: هو الصحيفة التي يُكْتَبُ فيها، والمعنى: كما يطوى السِّجِلُّ من أجل الكتاب الذي فيه، فالمصدر مضاف إلى المفعول؛ وهكذا قال البخاري: السجل: الصحيفة، انتهى، وما خَرَّجه أبو داودَ في «مراسيله» من أَنَّ السجل: اسم رجل من كُتَّابِ النبي صلى الله عليه وسلم قال السهيليُّ فيه: هذا غير معروف. انتهى. وقوله سبحانه: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون خبراً عن البعث، أي كما اخترعنا الخلق أوَّلاً على غير مثال كذلك ننشئهم تارة أخرى، فنبعثهم من القبور. والثاني أنْ يكونَ خبراً عن أَنَّ كل شخص يُبْعَثُ يوم القيامة على هيئته التي خرج بها إلى الدنيا، ويؤيد هذا قولُه صلى الله عليه وسلم: «حديث : يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً؛ {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ}».تفسير : وقوله: {كَمَا بَدَأْنَآ} الكاف مُتَعَلِّقَةٌ بقوله: {نُّعِيدُهُ}، وقالت فرقة: {ٱلزَّبُورِ} هنا يعم جميعَ الكتب المُنَزَّلَة؛ لأَنه مأخوذ من: زبرت الكتابَ إذا كتبته، و {ٱلذِّكْرِ} أراد به اللَّوحَ المحفوظ، وقالت فرقة: {ٱلزَّبُورِ} هو زبورُ داودَ عليه السلام، و {ٱلذِّكْرِ}: التوراة. وقالت فرقة: {ٱلزَّبُورِ}: ما بعد التوراةِ من الكتب، و {ٱلذِّكْرِ}: التوراة. وقالت فرقة: {ٱلأَرْضَ} هنا: أرضُ الدنيا، أي: كل ما يناله المؤمنون من الأرض، وقالت فرقة: أراد أرض الجنة، واستشهدوا بقوله تعالى: {أية : وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} تفسير : [الزمر:74].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا} [الآية: 102]. قال الواسطى: هم أهل الحقائق لا يحسون بضجيج أهل الدنيا لأنهم مصدودون عنها بما ورد على سرائرهم من وهج الحقائق، ويترددون فى منازلهم لا يقطعهم عن ذلك قاطع لانغماسهم فى بحور الحقيقة. قوله تعالى ذكره: {وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} [الآية: 102]. قال ابن عطاء: للقلوب شهوة، وللأرواح شهوة، وللنفوس شهوة، وقد جمع لهم فى الجنة جميع ذلك، فشهوة الأرواح القرب، وشهوة القلوب المشاهدة والرؤية وشهوة النفوس الالتذاذ بالراحة.

القشيري

تفسير : يدل على ذلك أنهم لا يُعَذَّبون فيها بكل وجهٍ. والمراد منه العِبَادُ من المؤمنين الذين لا جُرْمَ لهم. {وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ}: مقيمين لا يبرحون.

اسماعيل حقي

تفسير : {لا يسمعون حسيسها} الحسيس صوت يحس به اى لا يسمعون صوتها سمعا ضعيفا كما هو المعهود عند كون المصوت بعيدا وان كان صوته فى غاية الشدة لا انهم لا يسمعون صوتها الخفى فى نفسه فقط. قال الصادق كيف يسمعون حسيسها والنار تخمد لمطالعتهم وتتلاشى برؤيتهم وفى الحديث "حديث : تقول النار للمؤمن يوم القيامة جزيامؤمن فقد اطفأ نورك لهبى"تفسير : : وفى المثنوى شعر : زآتش مؤمن ازين رواى صفى ميشود دوزخ ضعيف ومنطفى كويدش بكذر سبك اى محتشم ورنه ز آتشهاى تومرد آتشم تفسير : وفى التأويلات النجمية من آثار سبق العناية الازلية ان لا يسمعون حسيس جهنم القهر وحسيسها مقالات اهل الاهواء والبدع وادلة الفلاسفة وبراهينهم بالعقول المشوبة بالوهم والخيال وظلمة الطبيعة {وهم فى ما اشتهت انفسهم خالدون} دائمون فى غاية التنعم والاشتهاء والشهوة طلب النفس اللذة وتقديم الظرف للقصر والاهتمام وهو بيان لفوزهم بالمطالب اثر بيان خلاصهم من المهالك. قال ابن عطاء للقلوب شهوة وللارواح شهوة وللنفوس شهوة وقد يجمع الله لهم فى الجنة جميع ذلك فشهوة الارواح القرب وشهوة القلوب المشاهدة والرؤية وشهوة النفوس الالتذاذ بالراحة والاكل والشرب والزينة.

الجنابذي

تفسير : {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا} الحسيس صوت يحسّن به والجملة حالٌ او مستأنفة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ او خبرٌ بعد خبرٍ {وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} فزع القيامة الكبرى فانّه افزع من فزع القيامة الصّغرى، وقيل: هو النّفخة الاخيرة، وقيل: هو حين يؤمر بالعبد الى النّار وهما راجعان الى الاوّل، وقيل: هو عذاب النّار اذا اطبقت على أهلها وهو عقيب القيامة الكبرى {وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} قائلين {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ} اى دولتكم او يوم ثوابكم {ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}. اعلم انّ الحسن المطلق هو الولاية المطلقة وكلّ ما كان متّصلاً بالولاية او منتهياً اليها من فعلٍ او قولٍ او خلقٍ او حالٍ او علمٍ او اعتقادٍ او وجدانٍ او شهودٍ فهو حسن بحسنها، فمعنى قوله انّ الّذين سبقت لهم منّا الحسنى انّ الّذين فاقت وغلبت على فعليّاتهم فعليّة الولاية الّتى هى الحسنى وتقدّمت على كلّ فعليّاتهم، او انّ الّذين سبقت على وجودهم الطّبيعىّ فى العوالم العالية لانتفاعهم منّا الحسنى الّتى هى الولاية بان قدّرنا لهم ذلك ومنّا لغو متعلّق بسبقت او مستقرّ حال من الحسنى وعلى المعنى الاوّل كان من غلب على فعليّاته فعليّة الولاية محكوماً عليه بالبعد من النّار دون من لم يغلب فعليّة الولاية فى وجوده وهذا هو الموافق لاعتقاد الشّيعة ومذهبهم، فانّ من لم يغلب الولاية على فعليّاته يردّ فى البرازخ على نار الدّنيا وعلى اىّ تقدير كان المراد من تولّى عليّاً (ع) وعليه اخبار كثيرة فعن النّبىّ (ص) انّه قال لعلىٍّ (ع): يا على انت وشيعتك على الحوض تسقون من اجبتم وتمنعون من كرهتم وانتم الآمنون يوم الفزع الاكبر فى ظلّ العرش، يفزع النّاس ولا تفزعون ويحزن النّاس ولا تحزنون وفيكم نزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} (الآية) وفيكم نزلت: {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} (الآية) وبهذا المضمون عدّة اخبارٍ وفى بعض الاخبار فالحسنة ولاية علىٍّ (ع)، وفى خبرٍ عن الصّادق (ع) يبعث شيعتنا يوم القيامة على ما فيهم من ذنوبٍ وعيوبٍ مبيضّةً مسفرة وجوههم مستورة عوراتهم آمنة روعاتهم، قد سهلت لهم الموارد وذهبت عنهم الشّدائد، الحديث، وفى حديث طويل عن النّبىّ (ص) مخاطباً لعلىٍّ (ع): وفيكم نزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ}.

اطفيش

تفسير : {لا يسْمَعُون حَسِيسَها} صوت حركتها حين كانوا فى الجنة، ومن حين ورودها قبل ذلك {وهُم فيما اشْتَهَت أنْفُسهم} من كل لذة {خالدونَ} وما لم يكتب الله لهم لا يخطر ببالهم، وإن خطر لم يشتهوه كدرجة من أعلى، والتقديم للحصر، أى لا يخلدون إلا فيما اشهت أنفسهم لا بد من الخلود، ولا بد من كونه فيما اشتموا.

الالوسي

تفسير : {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا} أي صوتها الذي يحس من حركتها، والجملة بدل من {مُبْعَدُونَ}، وجوز أن تكون حالاً من ضميره، وأن تكون خبراً بعد خبر، واستظهر كونها مؤكدة لما أفادته الجملة الأولى من بعدهم عنها، وقيل: إن الإبعاد يكون بعد القرب فيفهم منه أنهم وردوها أولاً، ولما كان مظنة التأذي بها دفع بقوله سبحانه { أية : لاَ يَسْمَعُونَ } تفسير : [الأنبياء:100] فهي مستأنفة لدفع ذلك، فعلى هذا يكون عدم سماع الحسيس قبل الدخول إلى الجنة، ومن قال به قال: إن ذلك حين المرور على الصراط وذلك لأنهم ما ورد في بعض الآثار يمرون عليها وهي خامدة لا حركة لها حتى أنهم يظنون وهم في الجنة أنهم لم يمروا عليها، وقيل لا يسمعون ذلك لسرعة مرورهم وهو ظاهر ما أخرجه ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية: أولئك أولياء الله تعالى يمرون على الصراط مراً هو أسرع من البرق فلا تصيبهم ولا يسمعون حسيسها ويبقى الكفار جثياً، لكن جاء في خبر آخر رواه عنه ابن أبـي حاتم أيضاً وابن جرير أنه قال في { أية : لاَ يَسْمَعُونَ } تفسير : [الأنبياء:100] الخ لا يسمع أهل الجنة حسيس النار إذا نزلوا منازلهم في الجنة، وقيل: إن الإبعاد عنها قبل الدخول إلى الجنة أيضاً، والمراد بذلك حفظ الله تعالى إياهم عن الوقوع فيها كما يقال أبعد الله تعالى فلاناً عن فعل الشر، والأظهر أن كلا الأمرين بعد دخول الجنة وذلك بيان لخلاصهم عن المهالك والمعاطب. وقوله تعالى: {وَهُمْ فِى مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَـٰلِدُونَ} بيان بفوزهم بالمطالب بعد ذلك الخلاص، والمراد أنهم دائمون في غاية التنعم، وتقديم الظرف للقصر والاهتمام ورعاية الفواصل.

د. أسعد حومد

تفسير : {خَالِدُونَ} (102) - وَلاَ يَسْمَعُونَ صَوْتَ النَّارِ، (حَسِيسَها) وَهِيَ تَسْرِي وَتُحْرِقُ لِبُعْدِهِمْ عَنْهَا، وَيَكونُون في الجنَّةِ التي وَعَدَهُمُ الله تَعَالى بِهَا، مُخلَّدِينَ فِيهَا، وَلَهُمْ فِيهَا كُلُّ مَا تَشْتَهِيهِ أَنْفُسُهُم. حَسِيسَهَا - صَوْتَ حَرَكَةِ لَهِيبِها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : حسيس النار: أزيزها، وما ينبعث منها من أصوات أول ما تشتعل {وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} [الأنبياء: 102] فلم يقُلْ مثلاً: وهم بما اشتهتْ أنفسهم، إنما {فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ ..} [الأنبياء: 102] كأنهم غارقون في النعيم مِمَّا اشتهتْ أنفسهم، كأن شهوات أنفسهم ظرف يحتويهم ويشملهم. وهذا يُشوِّق أهل الخير والصلاح للجنة ونعيمها، حتى نعمل لها، ونُعِد العُدَّة لهذا النعيم. وسبق أن قلنا: إن الإنسان يتعب في أول حياته، ويتعلم صنعة، أو يأخذ شهادة لينتفع بها فيما بعد ويرتاح في مستقبل حياته، وعلى قَدْر تعبك ومجهودك تكون راحتك، فكل ثمرة لا بُدَّ لها من حَرْث ومجهود، والله عز وجل لا يُضيع أجرَ مَنْ أحسن عملاً. وكنا نرى بعض الفلاحين يقضي يومه في حقله، مهملَ الثياب، رثَّ الهيئة، لا يشغله إلا العمل في زرعه، وآخر تراه مُهنْدماً نظيفاً يجلس على المقهى سعيداً بهذه الراحة، وربما يتندر على صاحبه الذي يُشقِى نفسه في العمل، حتى إذا ما جاء وقت الحصاد وجد العامل ثمرة تعبه، ولم يجد الكسول غير الحسرة والندم. إذن: ربك - عز وجل - أعطاك الطاقة والجوارح، ويريد منك الحركة، وفي الحركة بركة، فلو أن الفلاح جلس يُقلِّب في أرضه ويُثير تربتها دون أنْ يزرعها لَعوَّضه الله وأثمر تعبه، ولو أن يجد شيئاً في الأرض ينتفع به مثل خاتم ذهب أو غيره. وترف الإنسان وراحته بحسب تَعبه في بداية حياته، فالذي يتعب ويعرق مثلاً عَشْر سنين يرتاح طوال عمره، فإنْ تعب عشرين سنة يرتاح ويرتاح أولاده من بعده، وإنْ تعِب ثلاثين سنة يرتاح أحفاده وهكذا. وترَف المتعلم يكون بحسب شهادته: فهذا شهادة متوسطة، وهذا عُلْيا، وهذا أخذ الدكتوراة، ليكون له مركز ومكانة في مجتمعه. لكن مهما أعدَّ الإنسان لنفسه من نعيم الحياة وترفها فإنه نعيم بقَدْر إمكانياته وطاقاته؛ لذلك ذكرنا أننا حين سافرنا إلى سان فرانسيسكو رأينا أحد الفنادق الفخمة وقالوا: إن الملك فيصل - رحمه الله - كان ينزل فيه، فأردنا أنْ نتجوّل فيه، وفعلاً أخذنا بما فيه من مظاهر الترف والأُبهة وروعة الهندسة، وكان معي ناس من عِلْية القوم فقلتُ لهم: هذا ما أعدّه العباد للعباد، فما بالكم بما أعدَّه رب العباد للعباد؟ فإذا ما رأيتَ أهل النعيم والترف في الدنيا فلا تحقد عليهم؛ لأن نعيمهم يُذكِّرك ويُشوِّقك لنعيم الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} معناه صَوتُها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : قوله تعالى: {وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ} [الأنبياء: 102] المطمئنة المركونة المجذوبة إلى الحضرة من المشاهدات والمكاشفات والمعاينات، ودخول الجنة المضافة إلى الحق، وهي السير في الله بقوله تعالى: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 27-28] {خَالِدُونَ (*) لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} [الأنبياء: 102-103] وهو قوله تعالى في الأزل: هؤلاء في الجنة ولا أبالي {وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} [الأنبياء: 103] المبشرون بالوصول والوصال {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 103] بالرؤية والعقل والنوال بقوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22-23]. ثم أخبر عن أحوال هذا اليوم وأهواله بقوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء: 104] يشير إلى طي سماء الوجود الإنساني بتجلي صفة الجلال في إفناء الوجود من الانتهاء إلى الابتداء {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الأنبياء: 104] من ابتداء النطفة بالتدريج من خلق النطفة علقة، ومن خلق العلقة مضغة، ومن خلق المضغة عظاماً إلى انتهاء خلق الإنسانية كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} تفسير : [المؤمنون: 14] يعيد من انتهاء الوصف الإنساني إلى الوصف الحيواني، وصف الحيوانية إلى وصف النباتية، ومن وصف النباتية إلى وصف المركبية، ومن وصف المركبية إلى وصف مفردات العنصرية، ومن المفردية إلى وصف الكونية، ومن وصف الملكوتية إلى وصف الروحانية، ومن وصف الروحانية إلى وصف الربوبية بجذبة: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 28]. {وَعْداً عَلَيْنَآ} [الأنبياء: 104] في الأزل {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104] للأبد {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ} [الأنبياء: 105] يشير إلى أم الكتاب في الأزل {مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} [الأنبياء: 105] من بعد أحوال أهل الذكر المطوي له سماء الوجود {أَنَّ ٱلأَرْضَ} [الأنبياء: 105] أي: أرض الجنة الوجود {يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105] من غير المحبين والمحبوبين {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء: 106] وهم الذين كان مشربهم من الأعمال متابعين للنبي صلى الله عليه وسلم.