٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
104
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن التقدير لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء، أو وتتلقاهم الملائكة يوم نطوي السماء. وقرىء يوم تطوى السماء على البناء للمفعول والسجل بوزن العتل والسجل بوزن الدلو وروى فيه الكسر، وفي السجل قولان: أحدهما: أنه اسم للطومار الذي يكتب فيه والكتاب أصله المصدر كالبناء، ثم يوقع على المكتوب، ومن جمع فمعناه للمكتوبات أي لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، فيكون معنى طي السجل للكتاب كون السجل ساتراً لتلك الكتابة ومخفياً لها لأن الطي ضد النشر الذي يكشف والمعنى نطوي السماء كما يطوى الطومار الذي يكتب فيه. القول الثاني: أنه ليس اسماً للطومار ثم قال ابن عباس رضي الله عنهما: السجل اسم ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه، وهو مروي عن علي عليه السلام، وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه إسم كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا بعيد؛ لأن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا معروفين وليس فيهم من سمي بهذا، وقال الزجاج: هو الرجل بلغة الحبشة، وعلى هذه الوجوه فهو على نحو ما يقال: كطي زيد الكتاب واللام في للكتاب زائدة كما في قوله ردف لكم، وإذا قلنا: المراد بالسجل الطومار فالمصدر وهو الطي مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف والتقدير كطي الطاوي السجل، وهذا الأخير هو قول الأكثرين. أما قوله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء: انقطع الكلام عند قوله الكتاب ثم ابتدأ فقال: {كَمَا بَدَأْنَا } ومنهم من قال: إنه تعالى لما قال: { أية : وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 103] عقبه بقوله: {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَاءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلّ لِلْكُتُبِ } فوصف اليوم بذلك، ثم وصفه بوصف آخر فقال: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ }. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» رحمه الله: {أَوَّلَ خَلْقٍ } مفعول (نعيد) الذي يفسره نعيده والكاف مكفوفة بما والمعنى نعيد أول الخلق كما بدأناه تشبيهاً للإعادة بالابتداء، فإن قلت: ما بال خلق منكراً؟ قلت: هو كقولك أول رجل جاءني زيد، تريد أول الرجال ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلاً رجلاً، فكذلك معنى أول خلق أول الخلق بمعنى أول الخلائق لأن الخلق مصدر لا يجمع. المسألة الثالثة: اختلفوا في كيفية الإعادة فمنهم من قال: إن الله تعالى يفرق أجزاء الأجسام ولا يعدمها ثم إنه يعيد تركيبها فذلك هو الإعادة، ومنهم من قال: إنه تعالى يعدمها بالكلية ثم إنه يوجدها بعينها مرة أخرى وهذه الآية دلالة على هذا الوجه لأنه سبحانه شبه الإعادة بالإبتداء. ولما كان الابتداء ليس عبارة عن تركيب الأجزاء المتفرقة بل عن الوجود بعد العدم، وجب أن يكون الحال في الإعادة كذلك واحتج القائلون بالمذهب الأول بقوله تعالى: { أية : وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ } تفسير : [الزمر: 67] فدل هذا على أن السموات حال كونها مطوية تكون موجودة، وبقوله تعالى: { أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ } تفسير : [إبراهيم: 48] وهذا يدل على أن أجزاء الأرض باقية لكنها جعلت غير الأرض. أما قوله تعالى: {وَعْداً عَلَيْنَا } ففيه قولان: أحدهما: أن وعداً مصدر مؤكد لأن قوله: {نُّعِيدُهُ } عدة للإعادة. الثاني: أن يكون المراد حقاً علينا بسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه مع أن وقوع ما علم الله وقوعه واجب، ثم إنه تعالى حقق ذلك بقوله: {إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ } أي سنفعل ذلك لا محالة وهو تأكيد لما ذكره من الوعد. أما قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة بضم الزاي والباقون بفتحها يعني الزبور كالحلوب والركوب يقال: زبرت الكتاب أي كتبته والمزبور بضم الزاي جمع زبر كقشر وقشور، ومعنى القراءتين واحد لأن الزبور هو الكتاب. المسألة الثانية: في الزبور والذكر وجوه: أحدها: وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد الزبور هو الكتب المنزلة والذكر الكتاب الذي هو أم الكتاب في السماء، لأن فيها كتابة كل ما سيكون اعتباراً للملائكة وكتب الأنبياء عليهم السلام من ذلك الكتاب تنسخ. وثانيها: الزبور هو القرآن والذكر هو التوراة وهو قول قتادة والشعبي. وثالثها: الزبور زبور داود عليه السلام، والذكر هو الذي يروي عنه عليه السلام، قال: كان الله تعالى ولم يكن معه شيء، ثم خلق الذكر. وعندي فيه وجه رابع: وهو أن المراد بالذكر العلم أي كتبنا ذلك في الزبور بعد أن كنا عالمين علماً لا يجوز السهو والنسيان علينا، فإن من كتب شيئاً والتزمه ولكنه يجوز السهو عليه فإنه لا يعتمد عليه، أما من لم يجز عليه السهو والخلف فإذا التزم شيئاً كان ذلك الشيء واجب الوقوع. أما قوله تعالى: {أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّـٰلِحُونَ } ففيه وجوه: أحدها: الأرض أرض الجنة والعباد الصالحون هم المؤمنون العاملون بطاعة الله تعالى فالمعنى أن الله تعالى كتب في كتب الأنبياء عليهم السلام وفي اللوح المحفوظ أنه سيورث الجنة من كان صالحاً من عباده وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وأبي العالية وهؤلاء أكدوا هذا القول بأمور: أما أولاً: فقوله تعالى: { أية : وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } تفسير : [الزمر: 74]، وأما ثانياً: فلأنها الأرض التي يختص بها الصالحون لأنها لهم خلقت، وغيرهم إذا حصل معهم في الجنة فعلى وجه التبع، فأما أرض الدنيا فلأنها للصالح وغير الصالح. وأما ثالثاً: فلأن هذه الأرض مذكورة عقيب الإعادة وبعد الإعادة الأرض التي هذا وصفها لا تكون إلا الجنة. وأما رابعاً: فقد روى في الخبر أنها أرض الجنة فإنها بيضاء نقية. وثانيها: أن المراد من الأرض أرض الدنيا فإنه سبحانه وتعالى سيورثها المؤمنين في الدنيا وهو قول الكلبي وابن عباس في بعض الروايات ودليل هذا القول قوله سبحانه: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } إلى قوله: { أية : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [النور: 55] وقوله تعالى: { أية : قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } تفسير : [الأعراف: 128]. وثالثها: هي الأرض المقدسة يرثها الصالحون، ودليله قوله تعالى؛ { أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } تفسير : [الأعراف: 137] ثم بالآخرة يورثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام. أما قوله تعالى: {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلَـٰغاً لّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ } فقوله هذا إشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة والبلاغ الكفاية وما تبلغ به البغية وقيل في العابدين إنهم العالمون وقيل بل العاملون والأولى أنهم الجامعون بين الأمرين، لأن العلم كالشجر والعمل كالثمر، والشجر بدون الثمر غير مفيد، والثمر بدون الشجر غير كائن. أما قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه عليه السلام كان رحمة في الدين وفي الدنيا، أما في الدين فلأنه عليه السلام بعث والناس في جاهلية وضلالة، وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم فبعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب، فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الثواب، وشرع لهم الأحكام وميز الحلال من الحرام، ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والإستكبار وكان التوفيق قريناً له قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء } إلى قوله: { أية : وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } تفسير : [فصلت: 44] وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل والقتال والحروب ونصروا ببركة دينه. فإن قيل: كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال؟ قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: إنما جاء بالسيف لمن استكبر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر، ومن أوصاف الله الرحمن الرحيم، ثم هو منتقم من العصاة. وقال: { أية : وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء مُّبَـٰرَكاً } تفسير : [ق: 9] ثم قد يكون سبباً للفساد. وثانيها: أن كل نبي قبل نبينا كان إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق وأنه تعالى أخر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال تعالى: { أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } تفسير : [الأنفال: 33] لا يقال: أليس أنه تعالى قال: { أية : قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ } تفسير : [التوبة: 14] وقال تعالى: { أية : لّيُعَذّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ } تفسير : [الأحزاب: 73] لأنا نقول تخصيص العام لا يقدح فيه. وثالثها: أنه عليه السلام كان في نهاية حسن الخلق قال تعالى: { أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } تفسير : [القلم: 4] وقال أبو هريرة رضي الله عنه: « قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أدع على المشركين، قال: حديث : إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذاباً » تفسير : وقال في رواية حذيفة: « حديث : إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل سببته أو لعنته فاجعلها اللهم عليه صلاة يوم القيامة » تفسير : . ورابعها: قال عبد الرحمن بن زيد: {إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } [الأنبياء: 107] يعني المؤمنين خاصة، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري والقولان يرجعان إلى معنى واحد، لما بينا أنه كان رحمة للكل لو تدبروا في آيات الله وآيات رسوله، فأما من أعرض واستكبر، فإنما وقع في المحنة من قبل نفسه كما قال: {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى}. المسألة الثانية: قالت المعتزلة لو كان الله تعالى أراد من الكافرين الكفر ولم يرد منهم القبول من الرسول، بل ما أراد منهم إلا الرد عليه وخلق ذلك فيهم ولم يخلقهم إلا كذلك كما يقوله أهل السنة، لوجب أن يكون إرساله نقمة وعذاباً عليهم لا رحمة وذلك على خلاف هذا النص، لا يقال: إن رسالته عليه السلام رحمة للكفار من حيث لم يعجل عذابهم في الدنيا، كما عجل عذاب سائر الأمم، لأنا نقول: إن كونه رحمة للجميع على حد واحد وما ذكرتموه للكفار فهو حاصل للمؤمنين أيضاً، فإذا يجب أن يكون رحمة للكافرين من الوجه الذي صار رحمة للمؤمنين. وأيضاً فإن الذي ذكروه من نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار قبل بعثته صلى الله عليه وسلم كحصولها بعده، بل كانت نعمهم في الدنيا قبل بعثته أعظم لأن بعد بعثته نزل بهم الغم والخوف منه، ثم أمر بالجهاد الذي فني أكثرهم فيه فلا يجوز أن يكون هذا هو المراد. والجواب: أن نقول لما علم الله سبحانه وتعالى أن أبا لهب لا يؤمن ألبتة وأخبر عنه أنه لا يؤمن كان أمره إياه بالإيمان أمراً يقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وذلك محال، فكان قد أمره بالمحال. وإن كانت البعثة مع هذا القول رحمة، فلم لا يجوز أن يقال البعثة رحمة مع أنه خلق الكفر في الكافر؟ ولأن قدرة الكافر إن لم تصلح إلا للكفر فقط فالسؤال عليهم لازم، وإن كانت صالحة للضدين توقف للترجيح على مرجح من قبل الله تعالى، قطعاً للتسلسل. وحينئذ يعود الإلزام ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون رحمة للكافر بمعنى تأخير عذاب الاستئصال عنه؟ قوله: أولاً لما كان رحمة للجميع على حد واحد وجب أن يكون رحمة للكفار من الوجه الذي كان رحمة للمؤمنين، قلنا: ليس في الآية أنه عليه السلام رحمة للكل باعتبار واحد أو باعتبارين مختلفين، فدعواك بكون الوجه واحداً تحكم. قوله نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار من قبل قلنا: نعم ولكنه عليه السلام لكونه رحمة للمؤمنين لما بعث حصل الخوف للكفار من نزول العذاب، فلما اندفع ذلك عنهم بسبب حضوره كان ذلك رحمة في حق الكفار. المسألة الثالثة: تمسكوا بهذه الآية في أنه أفضل من الملائكة، قالوا: لأن الملائكة من العالمين. فوجب بحكم هذه الآية أن يكون عليه السلام رحمة للملائكة، فوجب أن يكون أفضل منهم. والجواب: أنه معارض بقوله تعالى في حق الملائكة: { أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } تفسير : [غافر: 7] وذلك رحمة منهم في حق المؤمنين، والرسول عليه السلام داخل في المؤمنين، وكذا قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيّ } تفسير : [الأحزاب: 56].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ} قرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نِصَاح والأعرج والزُّهري «تُطْوَىَ» بتاء مضمومة «السَّمَاءُ» رفعاً على ما لم يسم فاعله. مجاهد «يَطوِي» على معنى يطوي الله السماء. الباقون «نَطْوِي» بنون العظمة. وانتصاب «يوم» على البدل من الهاء المحذوفة في الصلة؛ التقدير: الذي كنتم توعدونه يوم نطوي السماء. أو يكون منصوباً بـ«ـنعيد» من قوله: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ}. أو بقوله: «لا يحزنهم» أي لا يحزنهم الفزع الأكبر في اليوم الذي نطوي فيه السماء. أو على إضمار واذكر، وأراد بالسماء الجنس؛ دليله: {أية : وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر: 67]. {كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ للكِتَاب} قال ابن عباس ومجاهد: أي كطي الصحيفة على ما فيها؛ فاللام بمعنى «على». وعن ابن عباس أيضاً: اسم كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بالقوي؛ لأن كُتّاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفون ليس هذا منهم، ولا في أصحابه من اسمه السِّجل. وقال ابن عباس أيضاً وابن عمر والسدي: «السّجل» ملَك، وهو الذي يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه. ويقال: إنه في السماء الثالثة، ترفع إليه أعمال العباد، يرفعها إليه الحفظة الموكلون بالخلق في كل خميس واثنين، وكان من أعوانه فيما ذكروا هاروت وماروت. والسجل الصك، وهو اسم مشتق من السّجالة وهي الكتابة؛ وأصلها من السّجْل وهو الدّلو؛ تقول: ساجلت الرجل إذا نزعت دلواً ونزع دلواً، ثم استعيرت فسميت المكاتبة والمراجعة مساجلة. وقد سَجّل الحاكمُ تسجيلاً. وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:شعر : مَنْ يُسَاجِلْني يُساجلْ ماجداً يَملأ الدَّلَو إلى عَقْدِ الكَرَب تفسير : ثم بنى هذا الاسم على فِعِلّ مثل حِمِرّ وطِمِرّ وبِلِيّ. وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير «كَطَيِّ السُّجُلِّ» بضم السين والجيم وتشديد اللام. وقرأ الأعمش وطلحة «كَطَيِّ السَّجْلِ» بفتح السين وإسكان الجيم وتخفيف اللام. قال النحاس: والمعنى واحد إن شاء الله تعالى. والتمام عند قوله: «لِلْكِتَابِ». والطَّي في هذه الآية يحتمل معنيين: أحدهما: الدَّرْج الذي هو ضد النّشر، قال الله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر: 67]. والثاني: الإخفاء والتعمية والمحو؛ لأن الله تعالى يمحو ويطمس رسومها ويكدر نجومها. قال الله تعالى: {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ } تفسير : [التكوير: 1 ـ 2]، {أية : وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ } تفسير : [التكوير: 11]. «لِلْكِتَابِ» وتم الكلام. وقراءة الأعمش وحفص وحمزة والكسائي ويحيـى وخلف: «لِلْكُتُبِ» جمعاً ثم استأنف الكلام فقال: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} أي نحشرهم حفاة عراة غرلاً كما بُدئوا في البطون. وروى النّسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يحشر الناس يوم القيامة عُراة غُرْلاً أوّل الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ـ ثم قرأ ـ {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ}» تفسير : أخرجه مسلم أيضاً عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: «حديث : يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حُفاة عُراة غُرْلاً {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} ألا وإن أوّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام» تفسير : وذكر الحديث. وقد ذكرنا هذا الباب في كتاب «التذكرة» مستوفى. وذكر سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن عبد الله بن مسعود قال: يرسل الله عز وجل ماء من تحت العرش كمنيّ الرجال فتنبت منه لُحمانهم وجسمانهم كما تنبت الأَرَضُ بالثرى. وقرأ {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ}. وقال ابن عباس: المعنى نهلك كل شيء ونفنيه كما كان أوّل مرة؛ وعلى هذا فالكلام متصل بقوله: {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ} أي نطويها فنعيدها إلى الهلاك والفناء فلا تكون شيئاً. وقيل: نفني السماء ثم نعيدها مرة أخرى بعد طيها وزوالها؛ كقوله: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ} تفسير : [إبراهيم: 48] والقول الأوّل أصح وهو نظير قوله: {وَلَّقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وقوله عز وجل: {أية : وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الكهف: 48]. {وَعْداً} نصب على المصدر؛ أي وعدنا وعداً {عَلَيْنَآ} إنجازه والوفاء به أي من البعث والإعادة، ففي الكلام حذف. ثم أكد ذلك بقوله جل ثناؤه: {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} قال الزجاج: معنى {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} إنا كنا قادرين على ما نشاء. وقيل: «إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ» أي ما وعدناكم وهو كما قال: {أية : كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً} تفسير : [المزمل: 18]. وقيل: «كان» للإخبار بما سبق من قضائه. وقيل: صلة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: هذا كائن يوم القيامة {يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} كما قال تعالى: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [الزمر: 67] وقد قال البخاري: حدثنا مقدم بن محمد، حدثني عمي القاسم بن يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السموات بيمينه» تفسير : انفرد به من هذا الوجه البخاري رحمه الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي، حدثنا محمد بن سلمة عن أبي واصل عن أبي المليح الأزدي عن أبي الجوزاء الأزدي عن ابن عباس قال: يطوي الله السموات السبع بما فيها من الخليقة، والأرضين السبع بما فيها من الخليقة، يطوي ذلك كله بيمينه، يكون ذلك كله في يديه بمنزلة خردلة، وقوله: {كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} قيل: المراد بالسجل: الكتاب، وقيل: المراد بالسجل ههنا: ملك من الملائكة، قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن يمان، حدثنا أبو الوفاء الأشجعي عن أبيه عن ابن عمر في قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} قال: السجل: ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: أكتبها نوراً، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن ابن يمان به، قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أن السجل ملك، وقال السدي في هذه الآية: السجل ملك موكل بالصحف، فإذا مات الإنسان رفع كتابه إلى السجل، فطواه ورفعه إلى يوم القيامة، وقيل: المراد به اسم رجل صحابي كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا نوح بن قيس عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس: {يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} قال: السجل: هو الرجل، قال نوح: وأخبرني يزيد بن كعب، هو العوذي، عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم وهكذا رواه أبو داود والنسائي، كلاهما عن قتيبة بن سعد عن نوح بن قيس عن يزيد بن كعب عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم ورواه ابن جرير عن نصر بن علي الجهضمي، كما تقدم، ورواه ابن عدي من رواية يحيى بن عمرو بن مالك النكري عن أبيه عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يسمى السجل، وهو قوله: {يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} قال: كما يطوى السجل الكتاب، كذلك تطوى السماء، ثم قال: وهو غير محفوظ. وقال الخطيب البغدادي في "تاريخه": أنبأنا أبو بكر البرقاني، أنبأنا محمد بن محمد بن يعقوب الحجاجي، أنبأنا أحمد بن الحسن الكرخي: أن حمدان بن سعيد، حدثهم عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا منكر جداً من حديث نافع عن ابن عمر، لا يصح أصلاً، وكذلك ما تقدم عن ابن عباس من رواية أبي داود وغيره لا يصح أيضاً، وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه، وإن كان في سنن أبي داود، منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي، فسح الله في عمره، ونسأ في أجله، وختم له بصالح عمله، وقد أفردت لهذا الحديث جزءاً على حدته، ولله الحمد. وقد تصدى الإمام أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث، ورده أتم رد، وقال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم معروفون، وليس فيهم أحد اسمه السجل، وصدق رحمه الله في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث، وأما من ذكره في أسماء الصحابة، فإنما اعتمد على هذا الحديث، لا على غيره، والله أعلم. والصحيح عن ابن عباس أن السجل هي الصحيفة، قاله علي بن أبي طلحة، والعوفي عنه، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير؛ لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب، أي: هذا على الكتاب، بمعنى: المكتوب؛ كقوله: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } تفسير : [الصافات: 103] أي: على الجبين، وله نظائر في اللغة، والله أعلم. وقوله: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ} يعني: هذا كائن لا محالة يوم يعيد الله الخلائق خلقاً جديداً، كما بدأهم، هو القادر على إعادتهم، وذلك واجب الوقوع؛ لأنه من جملة وعد الله الذي لا يخلف ولا يبدل، وهو القادر على ذلك، ولهذا قال: {إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ}. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وابن جعفر المعني قالا: حدثنا شعبة عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظةٍ: فقال: «حديث : إنكم محشورون إلى الله عز وجل حفاة عراةً غرلاً، كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا، إنا كنا فاعلين» تفسير : وذكر تمام الحديث، أخرجاه في "الصحيحين" من حديث شعبة، ذكره البخاري عند هذه الآية في كتابه، وقد روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ذلك، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} قال: يهلك كل شيء كما كان أول مرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَوْمَ } منصوب بـ«اذكر» مقدرا قبله {نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسّجِلِّ } اسم مَلَكَ {لِلْكِتَابِ} صحيفة ابن آدم عند موته، واللام زائدة، أو السجل الصحيفة، والكتاب بمعنى المكتوب، واللام بمعنى على وفي قراءة «للكُتُب» جمعاً { كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ } من عدم {نُّعِيدُهُ } بعد إعدامه، فالكاف متعلقة بنعيد وضميره عائد إلى (أوَّل)، و ما مصدرية {وَعْداً عَلَيْنَا } منصوب بوعدنا مقدّراً قبله، وهو مؤكد لمضمون ما قبله {إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ } ما وعدناه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يَومَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن السجل الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتابة، وهذا قول مجاهد، وقتادة. الثاني: أنه الملك. الثالث: أنه كاتب يكتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا قول ابن عباس.
ابن عطية
تفسير : قرأت فرقة "نطوي" بنون العظمة، وقرأت فرقة "يَطوي السماء" بياء مفتوحة على معنى يطوي الله تعالى، وقرأ فرقة "تُطوى السماءُ" بتاء مضمومة ورفع "السماءُ" على ما لم يسم فاعله، واختلف الناس في {السجل} فقالت فرقة هو ملك يطوي الصحف، وقالت فرقة {السجل} رجل كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، ع وهذا كله وما شاكله ضعيف، وقالت فرقة {السجل} الصحيفة التي يكتب فيها، والمعنى {كطي السجل} أي كما يطوي السجل من أجل الكتاب الذي فيه، فالمصدر مضاف إلى المفعول ويحتمل أن يكون المصدر مضافاً إلى الفاعل، أي كما يطوي السجل الكتاب الذي فيه، فكأنه قال {يوم نطوي السماء} كالهيئة التي فيها طي السجل للكتاب، ففي التشبيه تجوز، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "السّجْل" بشد السين وسكون الجيم وتخفيف اللام وفتح أبو السمال السين فقرأ "السَّجل" وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير "السُّجُل" بضم السين وشدها وضم الجيم، وقرأ الجمهور "للكتاب"، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم "للكتب" وقوله تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده} يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون خبراً عن البعث أي كما اخترعنا الخلق أولاً على غير مثال ذلك كذلك ننشئهم تارة أخرى فنبعثهم من القبور، والثاني أن يكون خبراً عن أن كل شخص يبعث يوم القيامة على هيئته التي خرج بها إلى الدنيا، ويؤيد هذا التأويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده" تفسير : وقوله تعالى: {كما بدأنا} الكاف متعلقة بقوله {نعيده}، وقوله {إنا كنا فاعلين} تأكيد للأمر بمعنى أن الأمر واجب في ذلك، وقالت فرقة {الزبور} اسم يعم جميع الكتب المنزلة لأنه مأخوذ من زبرت الكتاب اذا كتبته، قالت هذه الفرقة و {الذكر} أراد به اللوح المحفوظ، وقال بعضهم {الذكر} الذي في السماء، وقالت فرقة {الزبور} هو اسم زبور داود، و {الذكر} أراد به التوارة، وقالت فرقة {الزبور} ما بعد التوارة من الكتب، و {الذكر} التوراة، وقرأ حمزة وحده "الزُّبور" بضم الزاي، وقالت فرقة {الأرض} أراد بها أرض الدنيا أي كل ما يناله المؤمنون من الأرض، وقالت فرقة أراد أرض الجنة، واستشهدت بقوله تعالى {أية : وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء} تفسير : [الزمر: 74] وقالت فرقة إنما أراد بهذه الآية الإخبار عما كان صنعه مع بني إسرائيل أي فاعلموا أنا كما وفينا لهم بما وعدناهم فكذلك ننجز لكم ما وعدناكم من النصرة.
ابن عبد السلام
تفسير : {السِّجِلِّ} الصحيفة تُطوى على ما فيها من الكتابة، أو ملك يكتب أعمال العباد، أو اسم رجل كان يكتب للرسول صلى الله عليه وسلم "ع".
ابن عادل
تفسير : قوله: {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ} الآية. في "يَوْمَ نَطْوِي" أوجه: أحدهما: أنه منصوب بـ "لاَ يَحْزُنُهُمُ". الثاني: أنه منصوب بـ "تَتَلَقاهُم". الثالث: أنه منصوب بإضمار (اذكر) أو (أعني). الرابع: أنه بدل من العائد المقدر تقديره: توعدونه يوم نطوي، فـ "يَوْمَ" بدل من الهاء، ذكره أبو البقاء وفيه نظر، إذ يلزم من ذلك خلو الجملة الموصول بها من عائد على الموصول، ولذلك منعوا جاء الذي مررت به أبي عبد الله، على أن يكون (أبي عبد الله) بدلاً من الهاء لما ذكر، وإن كان في المسألة خلاف. الخامس: منصوب بالفزع، قاله الزمخشري، وفيه نظر من حيث إنه أعمل المصدر الموصوف قبل أخذه معموله. وقد تقدم أن نافعاً يقرأ "يُحْزنُ" بضم الياء إلا هنا، وأن شيخه ابن القعقاع يقرأ "يَحْزُنُ" بالفتح إلا هنا. وقرأ العامة "نَطْوِي" بنون العظمة. وشيبة بن نصاح في آخرين "يَطوي" بياء الغيبة، والفاعل هو الله تعالى. وقرأ أبو جعفر في آخرين "تُطْوَى" بضم التاء المثناة من فوق وفتح الواو مبنياً للمفعول. وقرأ العامة "السِّجِلِّ" بكسر السين والجيم وتشديد اللام كالطِّمرّ. وقرأ أبو هريرة وصاحبه أبو زُرْعَة بن عمرو بن جرير بضمهما واللام مشددة أيضاً بزنة "عُتُلٍّ". ونقل أبو البقاء تخفيفها في هذه القراءة أيضاً فتكون بزنة عُنْقٍ. وأبو السمال وطلحة والأعمش بفتح السين. والحسن وعيسى بن عمر بكسرها. والجيم في هاتين القراءتين ساكنة واللام مخففة. قال أبو عمرو: قراءة أهل مكة مثل قراءة الحسن. والسِّجل الصحيفة مطلقاً وقيل: مخصوص بصحيفة العهد، وهي من المساجلة وهي المكاتبة. والسَّجْلُ: الدلو المَلأى. وقال بعضهم: هو فارسيّ معرب فلا اشتقاق له و "طَيّ" مصدر مضاف للمفعول، والفاعل محذوف، تقديره: كما يطوي الرجل الصحيفة ليكتب فيها، أو لما يكتبه فيها من المعاني، والفاعل يحذف مع المصدر باطراد والكلام في الكاف معروف أعني: كونها نعتاً لمصدر مقدر أو حالاً من ضميره. وأصل "طَيّ" طَوْي، فأعلّ كنظائره. وروي عن علي وابن عباس: أنّ السجل اسم ملك يطوي كتب أعمال بني آدم. وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس: أنّ السجل اسم رجل كان يكتب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وعلى هذين القولين يكون المصدر مضافاً لفاعله، والكتاب اسم الصحيفة المكتوبة. قال بعضهم: وهذا القول بعيد، لأنّ كُتَّاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا معروفين وليس فيهم من سُمِّيَ بهذا. قال أبو إسحاق الزجاج: السجل الرجل بلغة الحبشة. وقال الزمخشري: كما يطوى الطُّومَار للكتابة، أي: ليكتب فيه، أو لما يكتب فيه، لأنَّ الكتاب أصله المصدر كالبناء، ثم يوقع على المكتوب. فقدره الزمخشري من الفعل المبني للمفعول، وقد عرف ما فيه من الخلاف واللام في "الكتاب" إما مزيدة في المفعول إنْ قلنا: إنَّ المصدر مضاف لفاعله. وإما متعلقة بـ "طَيِّ" إذا قلنا: المراد بالسجل الطومار، فالمصدر وهو الطيّ مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، والتقدير: كطي الطاوي السجل وهذا قول الأكثرين. وقيل: اللام بمعنى (على)، وهذا ينبغي أن لا يجوز لبعد معناه على كل قول. والقراءات المذكورة في السجل كلها لغات فيه. وقرأ الأخوان وحفص "لِلْكُتُبِ" جمعاً. والباقون "لِلْكِتَابِ" مفرداً. والرسم يحتملهما فالإفراد يراد به الجنس والجمع للدلالة على الاختلاف، والمعنى المكتوبات، أي: لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة. فيكون معنى طي السجل للكتابة، كون السجل ساتراً لتلك الكتابة ومخفياً لها، لأنّ الطي هو الدرج ضد النشر الذي يكشف. قوله: "كَمَا بَدَأْنَا" في متعلق هذه الكاف وجهان: أحدهما: أنها متعلقة بـ "نُعِيدُهُ" و "مَا" مصدرية، و "بَدَأْنَا" صلتها، فهي وما في حيزها في محل جر بالكاف. و "أَوَّلَ خَلْقٍ" مفعول "بَدَأْنَا"، والمعنى: نعيد أوّل خلق إعادة مثل بدأتنا له، أي: كما أبرزناه من العدم إلى الوجود نعيده من العدم إلى الوجود وإلى هذا نحا أبو البقاء فإنه قال: الكاف نعت لمصدر محذوف أي: نعيده عوداً كمثل بدئه. وفي قوله: عوداً نظر إذ الأحسن أن يقول: إعادة. والثاني: أنّها تتعلق بفعل مضمر. قال الزمخشري: ووجه آخر، وهو أنْ ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره "نُعِيدُهُ" و "ما" موصولة، أي: نعيد مثل الذي بدأنا نعيده و "أَوَّلَ خَلْقٍ" ظرف لـ "بَدَأْنَا" أي: أول ما خلق، أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى. قال أبو حيَّان: وفي تقديره تهيئة "بَدَأْنَا" لأنْ ينصب "أَوَّلَ خَلْقٍ" على المفعولية وقطعه عنه من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، وارتكاب إضمار (نعيد) مفسراً بـ "نُعِيدُهُ" وهذه عجمة في كتاب الله، وأما قوله: ووجه آخر وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره "نُعِيدُهُ" فهو ضعيف جداً، لأنه مبني على أن الكاف اسم لا حرف، وليس مذهب الجمهور، وإنما ذهب إلى ذلك الأخفش، وكونها اسماً عند البصريين مخصوص بالشعر. قال شهاب الدين: كل ما قدره فهو جار على القواعد المنضبطة وقاده إلى ذلك المعنى الصحيح فلا مؤاخذة عليه، ويظهر ذلك بالتأمل لغير الفطن وأما "مَا" ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها مصدرية. والثاني: أنها بمعنى الذي. وقد تقدم تقرير هذين. والثالث: أنها كافة للكاف عن العمل كما في قوله: شعر : 3741- كَمَا النَّاسُ مَجْرومٌ عَلَيْهِ وجَارِم تفسير : فيمن رفع (النَّاس) قال الزمخشري: "أَوَّلَ خَلْق" مفعول نعيد الذي يفسره "نُعيدُهُ" والكاف مكفوفة بـ "ما" والمعنى: نعيد أول الخلق كا بدأناه تشبيهاً للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لها على السواء، فإنْ قُلْتَ: ما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه قُلْتُ: أوله إيجاده من العدم، فكما أوجده أولاً من عدم يعيده ثانياً من عدم. وأما "أَوَّلَ خَلق" فيحصل فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه مفعول "بَدَأْنَا". والثاني: أنه ظرف لـ "بَدَأْنَا". والثالث: أنه منصوب على الحال من ضمير الموصول كما تقدم تقريره. والرابع: أنه حال من مفعول "نُعِيدُهُ" قاله أبو البقاء، والمعنى: مثل أول خلقه وأما تنكير "خَلقٍ" فلدلالته على التفصيل، قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: ما بال "خَلْق" منكراً. قُلْتُ: هو كقولك: أول رجل جاءني، تريد أول الرجال، ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلاً رجلاً، فكذلك معنى أول خلق بمعنى أول الخلائق، لأنّ الخلق مصدر لا يجمع. قوله: "وَعْداً" منصوب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة المتقدمة، فناصبه مضمر، أي: وعدنا ذلك وعداً. فصل اختلفوا في كيفية الإعادة فقيل: إن الله يفرق أجزاء الأجسام ولا يعدمها ثم إنه يعيد تركيبها فذلك هو الإعادة. وقيل: إنه تعالى يعدمها بالكلية، ثم إنه يوجدها بعينها مرة أخرى، وهذه الآية دالة على هذا الوجه؛ لأنه تعالى شبه الإعادة بالابتداء، والابتداء ليس عبارة عن تركيب الأجزاء المتفرقة بل عن الوجود بعد العدم، فوجب أنْ تكون الإعادة كذلك. واحتج الأولون بقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَٰوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر: 67] فدلّ هذا على أنّ السموات حال كونها مطويات تكون موجودة. وبقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [إبراهيم: 48] وهذا يدلّ على أنَّ الأرض باقية لكنها جعلت غير الأرض. فصل قال المفسرون: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم عراة غرلاً كذلك نعيدهم يوم القيامة {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الأنعام: 94]. حديث : روى ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً" ثم قرأ {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}تفسير : . يعني الإعادة والبعث. وقيل: المراد حقاً علينا بسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه وأن وقوع ما علم الله وقوعه واجب. ثم حقق ذلك بقوله {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ} قرأ حمزة بضم الزاي، والباقون بفتحها بمعنى المزبور كالمحلوب والمركوب، يقال: زبرت الكتاب أي: كتبته. والزُّبور بضم الزاي جمع زِبْرة كقِشرة وقُشُور. ومعنى القراءتين واحد، لأنّ الزبور هو الكتاب. قال سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل: "الزّبُور" جميع الكتب المنزلة، و "الذِّكْر" أم الكتاب الذي عنده، والمعنى من بعد ما كتب ذكره في اللوح المحفوظ. وقال ابن عباس والضحاك: الزبور: التوراة، والذكر: الكتب المنزلة من بعد التوراة. وقال قتادة والشعبي: الزبور والذكر: التوراة. وقيل: الزبور: زبور داود، والذكر: القرآن، و "بَعْدِ" بمعنى قبل كقوله: {أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ} تفسير : [الكهف: 79] أي: أمامهم. {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات: 30] أي: قبله. وقيل: الزبور: زبور داود، والذكر هو ما روي أنه - عليه السلام - قال: "حديث : كان الله ولم يكن معه شيء ثم خلق الذكر"تفسير : . قوله: {مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} يجوز أن يتعلق بـ "كَتَبْنَا"، ويجوز أن يتعلق بنفس "الزَّبُور" لأنه بمعنى المزبور، أي: المكتوب، أي: المزبور من بعد. ومفعول "كَتَبْنَا" "أنَّ" وما في حيزها، أي: كتبنا وراثة الصالحين للأرض، أي: حكمنا به قوله: "أَنَّ الأَرْضَ" يعني أرض الجنة {يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} قال مجاهد: يعني أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ} تفسير : [الزمر: 74] وقال ابن عباس: أراد أراضي الكفار يفتحها المسلمون، وهذا حكم من الله تعالى بإظهار الدين وإعزاز المسلمين. وقيل: أراد الأرض المقدسة يرثها الصالحون لقوله تعالى: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} تفسير : [الأعراف: 137]. {إِنَّ فِي هَـٰذَا} أي: في هذا القرآن يعني ما فيه من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة "لَبَلاَغَاً" وصولاً إلى البغية، فمن اتبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجو من الثواب. وقيل: "لَبَلاَغَاً" أي: كفاية: والقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر. {لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} أي: مؤمنين. وقال ابن عباس: عالمين. وقال كعب الأحبار: هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان. وقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً} يجوز أن ينتصب "رَحْمَةً" مفعولاً له، أي: لأجل الرحمة، ويجوز أن ينتصب على الحال مبالغة في أن جعله نفس الرحمة، وإما على حذف مضاف أي: ذا رحمة، أو بمعنى راحم. وفي الحديث: "حديث : يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة ". تفسير : قوله: "لِلْعَالَمِينَ" يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لـ "رَحْمَةً" أي: كائنة للعالمين. ويجوز أن يتعلق بـ "أَرْسَلْنَاكَ" عند مَنْ يرى تعلق ما بعد إلا بما قبلها جائز، أو بمحذوف عند مَنْ لا يرى ذلك. هذا إذا لم يفرغ الفعل لما بعدها أما إذا فرغ فيجوز نحو: ما مررت إلا بزيد، كذا قاله أبو حيَّان هنا. وفيه نظر من حيث إن هذا أيضاً مفرغ، لأنّ المفرغ عبارة عما افتقر ما بعد إلا لما قبلها على جهة المعمولية له. فصل قال ابن عباس: قوله: "رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" عام في حق من آمن ومن لم يؤمن. اعلم أنه - عليه لسلام - كان رحمة في الدين والدنيا، أما في الدين فلأنه - عليه السلام - بعث والناس في جاهلية وضلال، وأهل الكتابين كانوا في حيرة في أمر دينهم لطول مدّتهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم، فبعث الله محمداً حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب، فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الصواب وشرع لهم الأحكام، وميز الحلال والحرام، فمن كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار، قال الله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ} تفسير : [فصلت: 44] إلى قوله: {أية : وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} تفسير : [فصلت: 44] وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من الذل والقتل. فإن قيل: كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة المال؟ فالجواب من وجوه: الأول: إنما جاء بالسيف لمن أنكر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر، ومن أوصاف الله الرحمن الرحيم، وهو منتقم من العصاة. وقال: {أية : وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً} تفسير : [ق: 9] ثم قد يكون سبباً للفساد. الثاني: أنّ كل نبي من الأنبياء قبله إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق، وأنه تعالى أخر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال الله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} تفسير : [الأنفال: 33] ولا يقال: أليس أنه قال: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [التوبة: 14]. وقال: {أية : لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ} تفسير : [الأحزاب: 73] لأنا نقول تخصيص العام لا يقدح فيه. الثالث: أنه - عليه السلام - كان في نهاية حسن الخلق قال تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4] حديث : وقيل له - عليه السلام -: ادع على المشركين. فقال: "إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذاباً"تفسير : ، وقال في رواية حذيفة: "حديث : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل سببته أو لعنته فاجعلها اللهم عليه صلاة إلى يوم القيامة ". تفسير : الرابع: قال عبد الرحمن بن يزيد: {إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} يعني المؤمنين خاصة. فصل قالت المعتزلة: لو كان تعالى أراد من الكافر الكفر ولم يرد منه القبول من الرسول، بل ما أراد منهم إلا الرد عليه، وخلق ذلك فيهم، ولم يخلقهم إلا لذلك كما يقول أهل السنة لوجب أن يكون إرساله نقمة وعذاباً عليهم لا رحمة، وهو خلاف هذا النص، ولا يقال: إن رسالته رحمة للكفار من حيث لم يعجل عذابهم في الدنيا كما عجل عذاب سائر الأمم، لأنا نقول: إنّ كونه رحمة للجميع على حد واحد، وما ذكرتموه في الكفار فهو حاصل للمؤمنين، وأيضاً فإن الذي ذكروه من نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار قبل بعثته - عليه السلام - لحصولها بعده، بل كانت نعمهم في الدنيا قبل بعثته كحصولها بعده وأعظم، لأن في بعثته نزل بهم الغم والخوف، ثم أمر الجهاد الذي فيه أكبر همّ، فلا يجوز أن يكون هذا هو المراد. والجواب أنْ نقول لما علم الله أن أبا لهب لم يؤمن ألبتة، وأخبر عنه أنه لا يؤمن كان أمره بالإيمان أمراً يقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً، وذلك محال، فكان قد أمره بالمحال، وإن كانت البعثة مع هذا القول رحمة، فلم لا يجوز أن يقال البعثة رحمة مع أنه خلق الكفر في الكافر؟ ولأنّ قدرة الكافر إن لم تصلح إلا للكفر فقط فالسؤال عليهم لازم، وإن كانت صالحة للضدين توقف الترجيح على مرجح من قبل الله تعالى قطعاً للتسلسل. وحينئذ يعود الإلزام، ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون رحمة للكفار تأخير عذاب الاستئصال عنهم؟ وقولهم أولاً: لما كان رحمة للجميع على حد واحد وجب أن يكون رحمة للكفار من الوجه الذي كان رحمة للمؤمنين. فالجواب: ليس في الآية أنه - عليه السلام - رحمة للكل باعتبار واحد أو باعتبارين مختلفين، فدعواكم بكون الوجه واحداً تحكم. وقولهم نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار من قبل. فالجواب: نعم، ولكنه - عليه السلام - لكونه رحمة للمؤمنين لما بُعِثَ حصل الخوف للكفار من نزول العذاب، فلما اندفع ذلك عنهم بسبب حضوره كان ذلك رحمة في حق الكفار. فصل تمسكوا بهذه الآية في أنه أفضل من الملائكة، لأنّ الملائكة من العالمين، فوجب أن يكون أفضل منهم. وأجيب بأنه معارض بقوله تعالى في حق الملائكة {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ} تفسير : [غافر: 7] وذلك رحمة منهم في حق المؤمنين، والرسول - عليه السلام - داخل في المؤمنين، وكذا قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ} تفسير : [الأحزاب: 56].
ابو السعود
تفسير : {يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاء} بنون العظمة منصوبٌ باذكرْ، وقيل: ظرفٌ لقوله تعالى: {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ} وقيل: بتتلقاهم، وقيل: حالٌ مقدرة من الضمير المحذوفِ في توعدون والطيُّ ضدُّ النشر، وقيل: المحوِ، وقرىء يُطوى بالياء والتاء والبناء للمفعول {كَطَىّ ٱلسّجِلّ} وهي الصحيفة أي طياً كطيّ الطوُّمار، وقرىء السَّجْل كلفظ الدلو وبالكسر والسُّجُلّ على وزن العُتُلّ وهما لغتان واللام في قوله تعالى: {لِلْكُتُبِ} متعلقةٌ بمحذوف هو حال من السجلّ أو صفةٌ له على رأي من يجوّز حذفَ الموصولِ مع بعض صلتِه، أي كطي السجل كائناً للكتب أو الكائن للكتب فإن الكتبَ عبارةٌ عن الصحائف وما كتب فيها فسجلُّها بعضُ أجزائها وبه يتعلق الطيُّ حقيقةً، وقرىء للكتاب وهو إما مصدرٌ واللامُ للتعليل أي كما يُطوى الطومارُ للكتابة أو اسم كالإمام فاللامُ كما ذكر أولاً، وقيل: السجلُّ اسمُ ملَكٍ يطوي كتبَ أعمالِ بني آدمَ إذا رُفعت إليه، وقيل: هو كاتبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} أي نعيد ما خلقناه مبتدأً إعادةً مثلَ بدئنا إياه في كونها إيجاداً بعد العدم أو جمعاً من الأجزاء المتبدّدة، والمقصودُ بـيانُ صِحّةِ الإعادةِ بالقياس على المبدأ لشمول الإمكانِ الذاتي المصحّح للمقدورية وتناولِ القدرة لهما على السواء، وما كافةٌ أو مصدرية وأولَ مفعولٌ لبدأنا أو لفعل يفسّره نعيده، أو موصولةٌ والكافُ متعلقةٌ بمحذوف يفسره نعيده أي نعيدُه مثل الذي بدأناه وأولَ خلقٍ ظرفٌ لبدأنا أو حالٌ من ضمير الموصول المحذوف {وَعْداً} مصدرٌ مؤكد لفعله ومقرّرٌ لنعيده أو منتصبٌ به لأنه عِدَةٌ بالإعادة {عَلَيْنَا} أي علينا إنجازُه {إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ} لما ذكر لا محالة. {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ} هو كتابُ داودَ عليه السلام، وقيل: هو اسمٌ لجنس ما أُنزل على الأنبـياء عليهم السلام {مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ} أي التوراةِ وقيل: اللوحِ المحفوظ أي وبالله لقد كتبنا في كتاب داودَ بعد ما كتبنا في التوراة أو كتبنا في جميع الكتب المنزلة بعد ما كتبنا وأثبتنا في اللوح المحفوظ {أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ} أي عامةُ المؤمنين بعد إجلاءِ الكفار، وهذا وعدٌ منه تعالى بإظهار الدينِ وإعزازِ أهلِه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المرادَ أرضُ الجنة كما ينبىء عنه قوله تعالى: { أية : وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء}تفسير : [الزمر: 47]، وقيل: الأرضُ المقدسة يرثها أمةُ محمد صلى الله عليه وسلم. {إِنَّ فِى هَـٰذَا} أي فيما ذكر في السورة الكريمة من الأخبار والمواعظِ البالغة والوعدِ والوعيد والبراهينِ القاطعة الدالة على التوحيد وصحةِ النبوة {لَبَلَـٰغاً} أي كفايةً أو سببَ بلوغٍ إلى البُغية {لّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ} أي لقوم همُّهم العبادةُ دون العادة.
القشيري
تفسير : إنما كانت السماءُ سقفاً مرفوعاً حين كان الأولياءُ تحتها، والأرضُ كانت فِرَاشاً إذ كانوا عليها، فإذا ارتحل الأحبابُ عنها تخرب ديارهم. على العادة بين الخَلْقِ من خراب الديار بعد مفارقة الأحباب. ويقال نطوي السماء التي إليها عَرَجَت دواوينُ العصاة من المسلمين لئلا تشهدَ عليهم بالإجرام، وتُبَدَّلُ الأرضُ التي عصوا عليها غير تلك الأرض حتى لا تشهد عليهم بالإجرام. أو نطوي السماء لنُقَرِّبَ قَطْعَ المسافات على الأحباب.
اسماعيل حقي
تفسير : {يوم نطوى السماء} منصوب باذكر والطى ضد النشر {كطى السجل} وهى الصحيفة اى طيا كطى الطومار {للكتب} متعلقة بمحذوف هو حال من السجل اى كائنا للكتب عبارة عن الصحائف وما كنت فيها فسجلها بعض اجزائها وبه يتعلق الطى حقيقة. وقال الامام السهيلى ذكر محمد بن حسن المقرى عن جماعة من المفسرين ان السجل ملك فى السماء الثالثة ترفع اليه اعمال العباد ترفعها اليه الحفظة الموكلون بالخلق فى كل خميس واثنين وكان من اعوانه فيما ذكروا هاروت وماروت. وفى السنن لابى داود السجل كاتب كان للنبى عليه السلام وهذا لا يعرف فى كتاب النبى ولا فى اصحابه من اسمه السجل ولا وجد الا فى هذا الخبر النتهى كلام السهيلى رحمه الله. قال فى انسان العيون لم يذكر فى القرآن من الصحابة رضى الله عنهم احد باسمه الا زيد بن حارثه رضى الله عنه الذى تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم كمالم يذكر امرأة باسمها الا مريم. قال ابن الجوزى الا ما يروى فى بعض التفاسير ان السجل الذى فى قوله تعالى {يوم نطوى السماء} الى آخره اسم رجل كان يكتب لرسول الله عليه السلام انتهى. وفى القاموس السجل اسم كاتب للنبى عليه السلام واسم ملك {كما بدأنا اول خلق نعيده} ما كافة تكف الكاف عن العمل واول مفعول لبدأنا اى نعيد ما خلقناه مبتدأ اعادة مثل بدئنا اياه فى كونها ايجادا بعد العدم وهو لاينا فى الاعادة من عجب الذنب. قال فى البحر اى نعيد اول الخلق كما بدأناه تشبيها للاعادة بالابداء فى تناول القدرة القديمة لهما على السواء {وعدا} اى وعدنا الاعادة وعدا {علينا} اى علينا انجازه وبالفارسية [برماست وفا كردن بدان]{انا كنا فاعلين} ذلك لا محالة. وفى التأويلات النجمية يشير الى طى سماء الوجود الانسانى بتجلى صفة الجلال فى افناء مراتب الوجود من الانتهاء الى الابتداء كما بدأنا اول خلق من ابتداء النطفة بالتدريج من خلق النطفة علقة ومن خلق العلقة مضغة ومن خلق المضغة عظاما الى انتهاء خلق الانسانية ومن وصف النباتية الى وصف المركبية ومن وصف المركبية الى وصف مفردات العنصرية ومن وصف المفردية الى وصف الملكوتية ومن وصف الملكوتية الى وصف الروحانية ومن وصف الروحانية الى وصف الربوبية بجذوة ارجعى الى ربك وعدا علينا فى الازل انا كنا فاعلين الى الابد.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {يوم}: ظرف لاذكر، أو لقوله: {لا يحزنهم الفزع}، أو لتتلقاهم. والسجل: الصحيفة، والكتاب: مصدر، و {كما بدأنا}: منصوب بمضمر، يُفسره ما بعده، و {ما}: موصولة. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكر {يوم نَطْوِي السماءَ}؛ وذلك يوم الحشر والناس في الموقف، فتجمع وتُكوّر وتُطوى {كطَيِّ السِّجِلِّ}؛ الصحيفة {للكتاب} أي: لأجل الكتابة فيها؛ لأن الكاتب يطوي الصحيفة على اثنين؛ ليكتب فيها. فاللام للتعليل، أو بمعنى "على"، أي: كطي الصحيفة على الكتابة التي فيها، لتُصان، وقرأ أبو جعفر: "تُطوى"؛ بالبناء للمفعول. وذلك بمحو رسومها وتكوير نجومها وشمسها وقمرها. وأصل الطي: الدرج، الذي هو ضد النشر. وقرأ الأخوان وحفص: {للكُتُبِ} بالجمع، أي: للمكتوبات، أي: كطي الصحيفة؛ لأجل المعاني الكثيرة التي تكتب فيها، أو كطيها عليها؛ لتُصان. فالكتاب أصله مصدر، كالبناء، ثم يوقع على المكتوب. وقيل: السجل: ملك يطوي كتب ابن آدم، إذا رفعت إليه، فالكتاب، على هذا، اسم للصحيفة المكتوب فيها، والطي مضاف إلى الفاعل، وعلى الأول: إلى المفعول. {كما بدأنا أول خَلقٍ نُعيده} أي: نعيد ما خلقنا حين نبعثهم، كما بدأناهم أول مرة، فالتنوين في {خَلقٍ} مثله في قولك: أول رجلٍ جاءني، تريد أول الرجال والتقدير: كما بدأنا أول الخلائق، نعيدهم حفاةً عراة غُرلاً. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّكُمْ تَحْشَرُونَ يَوْمَ القيَامَة حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً. وأول مَنْ يُكْسَى إبْرَاهِيمُ خليلُ الله"تفسير : ، أي: لأنه جرد في ذات الله، فقالت عائشة - رضي الله عنها -: واسوءتاه! فلا يحتشم الناس بعضهم من بعض؟ فقال: "حديث : لكل امرئ منهم يومئذ شأن يُغنيه"تفسير : . ثم قرأ - عليه الصلاة والسلام -: {كما بدأنا أول خلق نعيده}. كما بدأناه من الماء نعيده كيوم ولدته أمه. قلت: قد استدل بعضهم، بظاهر الآية والحديث، أن أهل الجنة ليس لهم أسنان، ولا دليل فيه؛ لأن المقصود من الآية: الاستدلال على كمال قدرته تعالى، وعلى البعث الذي تُنكره الكفرة، لا بيان الهيئة، وعدمُ وجودها نقصان، ولا نقص في الجنة. ثم أكد الإعادة بقوله: {وعدًا علينا} أي: نُعيده وعدًا، فهو مصدر مؤكد لغير فعله؛ بل لِمَا في " {نعيده} من معنى العِدة، أي: وعدنا ذلك وعدًا واجبًا علينا إنجازه؛ لأنا لا نُخلف الميعاد، {إِنا كنا فاعلين} لما ذكرنا لا محالة، فاستعدوا له، وقدِّموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال. وبالله التوفيق. الإشارة: إذا أشرقت على القلب شموسُ العرفان، انطوت عن مشهده وجودُ الأكوان، وأفضى إلى فضاء العيان، فلا سماء تظله ولا أرض تحمله، وفي ذلك يقول الششتري رضي الله عنه: شعر : لقد تجلى ما كان مخبى والكون كُلٌّ طويت طي وهذا غاية من سبقت له من الله الحسنى فاأشرقت عليه أنوار التوجه في البداية وانوار المواجهة في النهاية فزاحت عنه الأكوان وفاضت عليه بحار أسرار العرفان...
الجنابذي
تفسير : {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ} ظرف للايحزنهم، او لتتلقّيهم او لتوعدون او حال عن اليوم، او عن العائد المحذوف من توعدون او معمول لاذكر مقدّراً {كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ} اى الصّحيفة الّتى يكتب فيه الحساب او الملك الّذى يرفع اليه كتب الاعمال او هو اسم لكاتبٍ للنّبىّ (ص)، وقرئ السّجل كالدّلو والسُجُل كالعتلّ وهما لغتان فيه {لِلْكُتُبِ} قرئ بالافراد والجمع والّلام للتّعليل اى لاجل الكتابة، او للتّقوية اى للمكتوب او للمكتوب فيه، وطىّ السّماء عبارة عن افنائها او لفّها كلفّ الطّومار {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} لفظة ما كافّة او مصدريّة ولا فرق بينهما فى المعنى، والخلق بمعناه المصدرىّ، او بمعنى المخلوق، وليس المقصود فرداً لا على التّعيين من الخلق او المخلوق بل المراد جنس الخلق او جميع افراده واوّل خلقٍ مفعولٌ لبدأنا او لنعيد المقدّر الّذى يفسّره المذكور، او ظرف لبدأنا او لنعيده المؤخّر والمعنى كما بدأنا الخلق فى اوّل مراتب الخلق او نعيد الخلق فى اوّل مراتب الخلق والمراد اوّل مراتب الخلقة او اوّل افراد الخلق، واوّل مراتب الخلقة فى جملة العوالم مرتبة المشيّة، واوّل افراد الخلق هو الّذى يكون فى المشيّة المسمّى بالفرد الّلاهوتىّ، واوّل الخلق فى عالم الخلق مقابل الامر هو المادّة المتسعدّة المتميّزة من بين الموادّ لشيءٍ مخصوصٍ كالنّطفة المستقرّة فى الرّحم وضمير نعيده راجع الى الخلق ان كان بمعنى المخلوق، او الى المخلوق المستفاد من الخلق، او لفظة ما موصولة والعائد محذوف، واوّل خلقٍ حال عن العائد المحذوف، او مفعول به او فيه لبدأنا او لنعيد المقدّر والمعنى كالّذى بدأناه حال كونه اوّل خلقٍ، او كالّذى بدأناه فى اوّل مراتب الخلق، او كالكيفيّة الّتى بدأنا بها اوّل الخلق نعيده، والمنظور تشبيه الاعادة بالابداء فى جواز تعلّق الارادة والامكان، او تشبيه المعاد بالمبتدء فى كونه عارياً ممّا خوّله الله ايّاه {وَعْداً} مفعول مطلق لمحذوفٍ {عَلَيْنَآ} انجازه او ثابتاً حتماً علينا {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ مؤكّد استحساناً.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ} مفعول به لا ذكر، أو ظرف ليحزن أو ليتلقاهم، أو حال من يومكم أو من مفعول توعدون المحذوف، وهو على الحالية غير ظرف. {نَطْوِى السَّمَاءَ} الطى: ضد النشر. قيل: والمراد المحو كقولك: اطو عنى هذا الحديث. وإنما طويت لأنها نشرت مظلة للخلق، ونافعة بالإضاءة والاعتبار وغير ذلك، إذا زالوا زالت. والمراد: السماوات. فألْ للاستغراق. ولك أن تقول: هو جمع سماءة. وكذا فى مثل هذا المقام. ذكره الشيخ أحمد فى شرح العقيدة. وقرئ يطوى السماء بالمثناة التحتية، والفاعل ضمير الله. وقرأ أبو جعفر تطوى، بالمثناة الفوقية، والبناء للمفعول، ورفع السماء. وقرئ بالتحتية والبناء للمفعول. {كَطَىِّ السِّجِلِّ} وقرئ السجل بضم السين والجيم. وقرئ بفتح السين وإسكان الجيم، وبكسر السين وإسكان الجيم، وهو اسم ملَك يطوى كتب الأعمال إذا رفعت إليه. {لِلكُتُبِ} صحيفة ابن آدم عند موته. وقيل: اسم ملَك يكتب أعمال العبد إذا رفعت إليه. وروى أو داود - وهو من علماء الأندلس - أنه اسم كاتب للنبى صلى الله عليه وسلم. قال السهيلى: هذا غير معروف. وعن ابن عباس: هو الصحيفة. وعليه فالكتاب بمعنى ما كتب فيها. واللام بمعنى على. ويدل له قراءة حمزة والكسائى وحفص على الجمع، بضم الكاف والتاء. كذا قيل. والحق جواز كون السجل مَلَكًا أو كاتبًا للنبى صلى الله عليه وسلم، فى هذه القراءة، والإضافة إضافة مصدر لفاعله. وإن جعلنا السجل: الصحيفة فإضافة مصدر لمفعول. وعلى الأول فاللام لام التقوية فى المفعول به، أو للتعليل على أن الكتاب مصدر أى من أجل الكتابة، أو بمعنى ما كتب فى الصحيفة. ويجوز التعليل أيضا على تفسير السجل بالملَك، أو بالكاتب. وأخرج ابن أبى مردويه، من طريق ابن الجوزى، عن ابن عباس: أن السجل بلغة الحبشة: الرجل. قال ابن جنى: السجل، الكتاب قال قوم: فارسى معرَّب. وطىّ نعت لمصدر محذوف، أى طيًّا ثابتًا كطى، وعلى حرفيه الكاف. ويجوز تعليقها بنطوى وطيًّا مثل طى. وعن الحسن: تطوى السماء من فوقها، كما تُطوى الصحيفة من فوقها. فإما أن تشق مِن فوقها وتُطوى منه، أو تطوى مثنّية، وإلا فهى كقشرة البصل. ولعل المراد: الكناية عن مجرد الإزالة، ولو كان التشبيه بطىّ السجل يضعف ذلك. {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} الكاف كاف كطىّ، راجعة إلى نعبده، وما مصدرية، والهاء لأول، كما أنشأنا الخلق من عدم، على غير مثال، بقدرتنا نعيدهم بعد إعدامهم. ويجوز كون الكاف مكفوفة، وما كافة، وأول مفعول بدأنا، فقيل: أو مفعول لمحذوف دل عليه نعيده. قيل: أَو {ما} اسم موصول، والكاف متعلق بمحذوف يفسره نعيده، أى كالذى بدأنا، وأول خلق ظرف لبدأنا، أو حال من ضمير الموصول المحذوف، والخلق مصدر، أو بمعنى اسم مفعول، والتنكير إشارة إلى التفصيل كقولك: هو أول رجل جاءنى: تريد أول الرجال، ولكن نكرت إرادةً لتفصيلهم رجلا رجلا. وفى الآية إعلام بأَن قدرته باقية، كما قدر على الخلق، يقدر على البعث، وفيها قياس البعث على الخلق. {وَعْدًا} مفعول مطلق مؤكد لنعيد، على حد: قعدت جلوسا، فإن قوله: {نعيده وعدا} بالإعادة. {عَلَيْنَا} نعت لوعدا. ويجوز كون وعدا مصدراً لمحذوف مؤكد، أى وعدناه وعدا. وفسر الكلبى الآية: بأن المعنى: ترد الناس نطفا، ثم عظاما، ثم لحما، ثم ينفخ فيهم الروح كما كان ذلك أول ما خلقوا. وقيل: المعنى: كما خلقناهم حفاة عراة غُرلا، كذلك نبعثهم. عن ابن عباس - رضى الله عنهما -: وعظَنا النبى صلى الله عليه وسلم وقال: "يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله عراة حفاة عُزلاً، كما بدأنا أول خلق نعيده والأعزل: مَن لا سلاح معه. وقيل: المراد غير مختونين. وقيل: علينا خبر لمحذوف، والجملة نعت، أى علينا إنجازه. {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} قادرين على فعل ذلك وغيره.
اطفيش
تفسير : {يَوْم نَطْوى السَّماء} متعلق بتتلقاهم أولى من تعليقه بيحزن أو بالغزع، والمصدر يتعلق به، ولو نعت كقوله: شعر : إن وجدى بك الشديد أرانى تفسير : أو فضل أو بدل كل من هاء توعدونه المحذوفة، والمراد بالسماء الجنس بل الاستغراق لقوله تعالى: "أية : والسَّماوات مطويَّات بيمينه" تفسير : [الزمر: 67] وهذا الطى يعقبه إفناء أو تبدل بغيرهن لقوله سبحانه: "أية : يوم تبدَّل الأرض غيرَ الأرض والسَّماوات" تفسير : [إبراهيم: 48] أو يراد بهذا التبدل تعويض أرض الجنة وسماءها {كطىِّ السِّجل} الكاف اسم مضاف مفعول مطلق نائب عن محذوف أى طيا مثل طى، أو حرف أى طيا ثابتا كطى السِّجل، والسجل الصحيفة وخصه بعض بصحيفة العهد، وقيل هو فى الأصل حجر يكتب فيه، ثم سمى به كل ما يكتب فيه من قرطاس أو جلد أو غيرهما. {للكُتُب} نعت للسجل على قصد الجنس، أو حال له، والكتابة مصدر، أو اللام للتعليل متعلق بطى، فإن المكتوب يطوى محافظة على ما كتب فيه، وإن جعلنا السجل اسما للذى كتبه فاللام للتقوية، والكتاب مفعول به لطى، فقد قيل السجل اسم ملك موكل بالصحف إذا مات إنسان رفع كتابه اليه فطواه ليوم القيامة، ولا بأس بتشبيه الأقوى بالضعيف كقوله تعالى: "أية : مثل نوره كمشكاة" تفسير : [النور: 35] أو اعتبر القوة هنا بما فى الأذهان من أن طى الورقة لضعفها ودقتها وصغرها أقوى من طى السماء، وعن ابن عباس وابن عمر، السجل كاتب النبى صلى الله عليه وسلم، وهو وصف لا علم له فلا يضعف بأنه لا يعرف فى الصحابة رجل اسمه سجل، وقد قيل اسمه زاد بن مردويه، والأكثر أن السجل الصحيفة والجمهور على أنه اسم عربى، وقيل فارسى معرب. {كما بَدَأنا أوَّل خَلق نُعيدُه} نعيد الموتى بعد فنائهم بأجسامهم الأولى نفسها، كما خلقناهم، أول مرة، وقيل: ما تلف وفنى، يخلق مثله، والروح لا تبدل وهى المتلذذة، أو المتألمة وليس الإحياء بعد الموت أصعب من الإيجاد الأول بل أسهل لبادى الرأى، وهما عند الله سواء، ومن قال: أسهل أشرك لوصف الله سبحانه بالعجز، وعجم الذنب لا يفنى، والأنبياء، ومن التحق بهم لا تفنى أجسامهم كما ورد فى المؤذني المحتسبين، وفى أنواع من الأعمال، والكاف اسم مضاف للمصدر مفعول مطلق، أى نعيده إعادة مثل بدئنا إياه أو إعادة ثابتة كبدئنا إياه، وما مصدرية كما رأيت، أو اسم أى كبداً بدأناه، أو كالبدء الذى بدأناه، أو كما مكفوف وكاف، وفى ذلك خلقان الثانى يشبه الأول. قالت عائشة رضى الله عنها: دخل علىَّ رسول الله صلى عليه وسلم وعندى عجوز من بنى عامر فقال: "حديث : من هذه العجوز يا عائشة" تفسير : فقالت إحدى خالاتى، فقالت: ادع الله أن يدخلنى الجنة يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الجنة لا يدخلها عجوز" تفسير : فأخذها، ما أخذها فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينشئهن خلقا غير خلقهن" تفسير : ثم قال: "حديث : تحشرون حفاة عراة غرلاً" تفسير : فقالت: حاشى لله تعالى من ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بلى إن الله تعالى قال: {كما بدأنا أول خلق نعيده} " تفسير : فأفادت الآية البعث ردا على منكريه، وأفادت أنهم يبعثون كما كانوا، فترد إليهم شعورهم وأظفارهم، وقلفة الختان من ذكر وأنثى، وكل جلدة فى طول أعمارهم وقصرها. {وعداً عَلْينا} مصدر مؤكد مثل: أنت ابنى حقاً، أى وعدنا ذلك وعداً، وإذا اعتبر فى نعيد معنى الوعد كان مصدراً مؤكدا له، كعلى ألف عرفاً، وعلينا نعت وعداً أى ثابتاً باللزوم منا، أو وعداً بمعنى إخبار بخير ونعت بعلينا اعتبار المعنى موعود على معنى علينا إنجازه بطريق الاستخدام، وفيما مر كفاية {إنَّ كُنَّا فاعلين} لذلك محالة، وذلك تأكيد آخر، ويقال معناه قادرين على الفعل، ويقال: فاعلين للماضى ولتحقق الوفوع، وكل ذلك صحيح المعنى فى نفسه، إلا أننا نعتبر الظاهر ما وجدنا صحة بلا ضعف، ولعل وجه التفسير بالقدرة اعتبار أن اسم الفاعل للحال القدر والفعل مستقبل.
الالوسي
تفسير : {يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاء} منصوب باذكر، وقيل ظرف لِـ { أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ } تفسير : [الأنبياء:103]، وقيل للفزع، والمصدر المعرف وإن كان ضعيفاً في العمل لا سيما وقد فصل بينه وبين معموله بأجنبـي إلا أن الظرف محل التوسع قاله في «الكشف». وقال الخفاجي: إن المصدر الموصوف لا يعمل على الصحيح وإن كان الظرف قد يتوسع فيه، وقيل ظرف لِـ { أية : تَتَلَقَّاهُمُ } تفسير : [الأنبياء:103]، وقيل هو بدل من العائد المحذوف من { أية : تُوعَدُونَ } تفسير : [الأنبياء:103] بدل كل من كل وتوهم أنه بدل اشتمال، وقيل حال مقدرة من ذلك العائد لأن يوم الطي بعد الوعد. وقرأ شيبة بن نصاح وجماعة {يطوي} بالياء والبناء للفاعل وهو الله عز وجل. وقرأ أبو جعفر وأخرى بالتاء الفوقية والبناء للمفعول ورفع {ٱلسَّمَاء} على النيابة، والطي ضد النشر، وقيل الإفناء والإزالة من قولك: اطو عني هذا الحديث، وأنكر ابن القيم إفناء السماء وإعدامها إعداماً صرفاً وادعى أن النصوص إنما تدل على تبديلها وتغييرها من حال إلى حال، ويبعد القول بالإفناء ظاهر التشبيه في قوله تعالى: {كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ} وهو الصحيفة على ما أخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد ونسبه في «مجمع البيان» إلى ابن عباس وقتادة والكلبـي أيضاً، وخصه بعضهم بصحيفة العهد، وقيل: هو في الأصل حجر يكتب فيه ثم سمي به كل ما يكتب فيه من قرطاس وغيره، والجار والمجرور في موضع الصفة لمصدر مقدر أي طياً كطي الصحيفة، وقرأ أبو هريرة وصاحبه أبو زرعة بن عمرو بن جرير {السجل} بضمتين وشد اللام، والأعمش وطلحة وأبو السمال {السجل} بفتح السين، والحسن وعيسى بكسرها والجيم في هاتين القراءتين ساكنة واللام مخففة، وقال أبو عمرو: قرأ أهل مكة كالحسن. واللام في قوله تعالى: {لِلْكُتُبِ} متعلق بمحذوف هو حال من {ٱلسّجِلّ} أو صفة له على رأي من يجوز حذف الموصول مع بعض صلته أي كطي السجل كائناً للكتب أو الكائن للكتب فإن الكتب عبارة عن الصحائف وما كتب فيها فسجلها بعض أجزائها وبه يتعلق الطي حقيقة، وقرأ الأعمش {لِلْكُتُبِ} بإسكان التاء، وقرأ الأكثر {للكتاب} بالإفراد وهو إما مصدر واللام للتعليل أي كما يطوى الطومار للكتابة أي ليكتب فيه وذلك كناية عن اتخاذه لها ووضعه مسوى مطوياً حتى إذا احتيج إلى الكتابة لم يحتج إلى تسويته فلا يرد أن المعهود نشر الطومار للكتابة لا طيه لها، وإما اسم كالإمام فاللام كما ذكر أولاً. وأخرج عبد حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه أن السجل اسم ملك، وأخرج ذلك ابن أبـي حاتم وابن عساكر عن الباقر رضي الله تعالى عنه، وأخرج ابن جرير وغيره عن السدي نحوه إلا أنه قال: إنه موكل / بالصحف فإذا مات الإنسان وقع كتابه إليه فطواه ورفعه إلى يوم القيامة، واللام على هذا قيل متعلقة بطي، وقيل سيف خطيب، وكونها بمعنى على كما ترى. واعترض هذا القول بأنه لا يحسن التشبيه عليه إذ ليس المشبه به أقوى ولا أشهر. وأجيب بأنه أقوى نظراً لما في أذهان العامة من قوة الطاوي وضعف المطوي وصغر حجمه بالنسبة للسماء أي نظراً لما في أذهانهم من مجموع الأمرين فتأمل. وأخرج أبو داود والنسائي وجماعة منهم البيهقي في «سننه» وصححه عن ابن عباس أن السجل كاتب للنبـي صلى الله عليه وسلم وأخرج جماعة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما نحوه، وضعف ذلك بل قيل إنه قول واه جداً لأنه لم يعرف أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم اسمه السجل ولا حسن للتشبيه عليه أيضاً، وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبـي حاتم وابن عساكر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الرجل زاد ابن مردويه بلغة الحبشة ونقل ذلك عن الزجاج، وقال بعضهم: يمكن حمل الرواية السابقة عن ابن عباس على هذا والأكثر على ما قيل على تفسير السجل بالصحيفة. واختلف في أنه عربـي أو معرف فذهب البصريون إلى أنه عربـي، وقال أبو الفضل الرازي: الأصح أنه فارسي معرب. هذا ثم إن الآية نص في دثور السماء وهو خلاف ما شاع عن الفلاسفة، نعم ذكر صدر الدين الشيرازي في كتابه «الأسفار» أن مذهب أساطين الفلاسفة المتقدمين القول بالدثور والقول بخلاف ذلك إنما هو لمتأخريهم لقصور أنظارهم وعدم صفاء ضمائرهم، فمن الأساطين انكسيمائس الملطي قال: إنما ثبات هذا العالم بقدر ما فيه من قليل نور ذلك العالم وأراد به عالم المجردات المحضة وإلا لما ثبت طرفة عين ويبقى ثباته إلى أن يصفى جزؤه الممتزج جزأها المختلط فإذا صفي الجزآن عند ذلك دثرت أجزاء هذا العالم وفسدت وبقيت مظلمة وبقيت الأنفس الدنسة في هذه الظلمة لا نور لها ولا سرور ولا راحة ولا سكون ولا سلوة. ومنهم فيثاغورس نقل عنه أنه قيل له: لم قلت بإبطال العالم؟ فقال: لأنه يبلغ العلة التي من أجلها كان فإذا بلغها سكنت حركته، ومنهم أفلاطون حكى الشيخ أبو الحسن العامري أنه ذكر في كتابه المعروف «بطيماوس» أن العالم مكون وأن الباري تعالى قد صرفه من لا نظام إلى نظام وأن جواهره كلها مركبة من المادة والصورة وأن كل مركب معرض للإنحلال، نعم إنه قال في «أسولوطيقوس» أي تدبير البدن إن العالم أبدي غير مكون دائم البقاء وتعلق بهذا ابرقلس فبين كلاميه تناف، وقد وفق بينهما تلميذه أرسطاطاليس بما فيه نظر، ولعل الأوفق أن يقال على مشربهم: أراد بالعالم الأبدي عالم المفارقات المحضة، ومنهم أرسطاطاليس قال في كتاب «أثولوجيا»: إن الأشياء العقلية تلزم الأشياء الحسية والباري سبحانه لا يلزم الأشياء الحسية والعقلية بل هو سبحانه ممسك لجميع الأشياء غير أن الأشياء العقلية هي آنيات حقية لأنها مبتدعة من العلة الأولى بغير وسط وأما الأشياء الحسية فهي انيات داثرة لأنها رسوم الآنيات الحقية ومثالها وإنما قوامها ودوامها بالكون والتناسل كي تدوم وتبقى تشبيهاً بالأشياء العقلية الثابتة الدائمة، وقال في كتاب «الربوبية»: أبدع العقل صورة النفس من غير أن يتحرك تشبيهاً بالواحد الحق وذلك أن العقل أبدعه الواحد الحق وهو ساكن فكذلك النفس أبدعها العقل وهو ساكن أيضاً غير أن الواحد الحق أبدع هوية العقل وأبدع العقل صورة النفس ولما كانت معلولة من معلول لم تقو أن تفعل فعلها بغير حركة بل فعلته بحركة وأبدعت صنماً وإنما سمي صنماً لأنه فعل داثر غير ثابت ولا باق / لأنه كان بحركة والحركة لا تأتي بالشيء الثابت الباقي بل إنما تأتي بالشيء الداثر وإلا لكان فعلها أكرم منها وهو قبيح جداً، وسأله بعض الدهرية إذا كان المبدع لم يزل ولا شيء غيره ثم أحدث العالم فلم أحدثه؟ فقال: لم غير جائزة عليه لأن لم تقتضي علة والعلة محمولة فيما هي علة عليه من معلل فوقه وليس بمركب يتحمل ذاته العلل فلم عنه منفية فإنما فعل ما فعل لأنه جواد فقيل: يجب أن يكون فاعلاً لم يزل لأنه جواد لم يزل فقال: معنى لم يزل لا أول له وفعل فاعل يقتضي أولاً واجتماع أن يكون ما لا أول له وذا أول في القول والذات محض متناقض، فقيل: فهل يبطل هذا العالم؟ قال: نعم فقيل: فإذا أبطله بطل الجود فقال: يبطل ليصوغه الصيغة التي لا تحتمل الفساد لأن هذه الصيغة تحتمل الفساد، ومنهم فرفوريوس واضع «إيساغوجي» قال: المكونات كلها إنما تتكون بتكون الصورة على سبيل التغير وتفسد بخلو الصورة إلى غير ذلك من الفلاسفة وأقوالهم. وذكر جميع ذلك مما يفضي إلى الملل، ومن أراده فليرجع إلى «الأسفار» وغيره من كتب الصدر. والحق أنه قد وقع في كلام متقدمي الفلاسفة كثيراً مما هو ظاهر في مخالفة مدلول الآية الكريمة ولا يكاد يحتمل التأويل وهو مقتضى أصولهم وما يتراءى منه الموافقة فإنما يتراءى منه الموافقة في الجملة والتزام التوفيق بين ما يقوله المسلمون في أمر العالم بأسره وما يقوله الفلاسفة في ذلك كالتزام التوفيق بين الضب والنون بل كالتزام الجمع بين الحركة والسكون. شعر : أيها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت وسهيل إذا ما استقل يماني تفسير : فعليك بما نطق به الكتاب المبين أو صح عن الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، وما عليك إذا خالفت الفلاسفة فأغلب ما جاؤوا به جهل وسفه؛ ولعمري لقد ضل بكلامهم كثير من الناس وباض وفرخ في صدورهم الوسواس الخناس وهو جعجعة بلا طحن وقعقعة كقعقعة شن ولولا الضرورة التي لا أبديها والعلة التي عز مداويها لما أضعت في درسه وتدريسه شرخ شبابـي ولما ذكرت شيئاً منه خلال سطور كتابـي، هذا وأنا أسأل الله تعالى التوفيق للتمسك بحبل الحق الوثيق. ثم إن الظاهر من الأخبار الصحيحة أن العرش لا يطوى كما تطوى السماء فإن كان هو المحدد كما يزعمه الفلاسفة ومن تبع آثارهم فعدم دثوره بخصوصه مما صرح به من الفلاسفة الإسكندر الأفروديسي من كبار أصحاب أرسطاطاليس وإن خالفه في بعض المسائل، ومن حمل كلامه على خلاف ذلك فقد تعسف وأتى بما لا يسلم له، وظاهر الآية الكريمة أيضاً مشعر بعدم طيه للاقتصار فيها على طي السماء، والشائع عدم إطلاقها على العرش، ثم إن الطي لا يختص بسماء دون سماء بل تطوى جميعها لقوله تعالى: { أية : وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ } تفسير : [الزمر: 67]. {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} الظاهر أن الكاف جارة و(ما) مصدرية والمصدر مجرور بها والجار والمجرور صفة مصدر مقدر و {أَوَّلُ} مفعول بدأنا أي نعيد أول خلق إعادة مثل بدئنا إياه أي في السهولة وعدم التعذر وقيل أي في كونها إيجاداً بعد العدم أو جمعاً من الأجزاء المتفرقة، ولا يخفى أن في كون الإعادة إيجاداً بعد العدم مطلقاً بحثاً، نعم قال اللقاني: مذهب الأكثرين أن الله سبحانه يعدم الذوات بالكلية ثم يعيدها وهو قول أهل السنة والمعتزلة القائلين بصحة الفناء على الأجسام بل بوقوعه. وقال البدر الزركشي والآمدي: إنه الصحيح، والقول بأن الإعادة عن تفريق محض قول الأقل وحكاه / جمع بصيغة التمريض لكن في «المواقف» و«شرحه» هل يعدم الله تعالى الأجزاء البدنية ثم يعيدها أو يفرقها ويعيد فيها التآليف؟ الحق أنه لم يثبت في ذلك شيء فلا جزم فيه نفياً ولا إثباتاً لعدم الدليل على شيء من الطرفين. وفي «الاقتصاد» لحجة الإسلام الغزالي فإن قيل هل تعدم الجواهر والأعراض ثم تعادان جميعاً أو تعدم الأعراض دون الجواهر وتعاد الأعراض؟ قلنا: كل ذلك ممكن، والحق أنه ليس في الشرع دليل قاطع على تعيين أحد هذه الممكنات. وقال بعضهم: الحق وقوع الأمرين جميعاً إعادة ما انعدم بعينه وإعادة ما تفرق بأعراضه، وأنت تعلم أن الأخبار صحت ببقاء عجب الذنب من الإنسان فإعادة الإنسان ليست كبدئه، وكذا روي أن الله تعالى عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء وهو حديث حسن عند ابن العربـي، وقال غيره: صحيح، وجاء نحو ذلك في المؤذنين احتساباً وحديثهم في الطبراني؛ وفي حملة القرآن وحديثهم عند ابن منده، وفيمن لم يعمل خطيئة قط وحديثهم عند المروزي فلا تغفل، وكذا في كون البدء جمعاً من الأجزاء المتفرقة إن صح في المركب من العناصر كالإنسان لا يصح في نفس العناصر مثلاً لأنها لم تخلق أولاً من أجزاء متفرقة بإجماع المسلمين فلعل ما ذكرناه في وجوه الشبه أبعد عن القال والقيل. واعترض جعل {أَوَّلُ} مفعول {بَدَأْنَا} بأن تعلق البداءة بأول الشيء المشروع فيه ركيك لا يقال بدأت أول كذا وإنما يقال بدأت كذا وذلك لأن بداية الشيء هي المشروع فيه والمشروع يلاقي الأول لا محالة فيكون ذكره تكراراً ونظر فيه بأن المراد بدأنا ما كان أولاً سابقاً في الوجود وليس المراد بالأول أول الأجزاء حتى يتوهم ما ذكر، وقيل {أَوَّلَ خَلْقٍ} مفعول (نعيد) الذي يفسره {نُّعِيدُهُ} والكاف مكفوفة بما أي نعيد أول خلق نعيده وقد تم الكلام بذلك ويكون {كَمَا بَدَأْنَا} جملة منقطعة عن ذلك على معنى تحقق ذلك مثل تحققه، وليس المعنى على إعادة مثل البدء، ومحل الكاف في مثله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف جيء به تأكيداً، والمقام يقتضيه كما يشعر به التذنيب فلا يقال: إنه لا داعي إلى ارتكاب خلاف الظاهر، وتنكير {خُلِقَ} لإرادة التفصيل وهو قائم مقام الجمع في إفادة تناول الجميع فكأنه قيل نعيد المخلوقين الأولين. وجوز أن تنصب الكاف بفعل مضمر يفسره {نُّعِيدُهُ} و(ما) موصولة و {أَوَّلُ} ظرف لبدأنا لأن الموصول يستدعي عائداً فإذا قدر هنا يكون مفعولاً، ولأول قابلية النصب على الظرفية فينصب عليها، ويجوز أن يكون في موضع الحال من ذلك العائد، وحاصل المعنى نعيد مثل الذي بدأناه في أول خلق أو كائناً أول خلق، والخلق على الأول مصدر وعلى الثاني بمعنى المخلوق، وجوز كون (ما) موصوفة وباقي الكلام بحاله. وتعقب أبو حيان نصب الكاف بأنه قول باسميتها وليس مذهب الجمهور وإنما ذهب إليه الأخفش، ومذهب البصريين سواه أن كونها اسماً مخصوص بالشعر، وأورد نحوه على القول بأن محلها الرفع في الوجه السابق، وإذا قيل بأن للمكفوفة متعلقاً كما اختاره بعضهم خلافاً للرضي ومن معه فليكن متعلقها خبر مبتدأ محذوف هناك، ورجح كون المراد نعيد مثل الذي بدأناه في أول خلق بما أخرجه ابن جرير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي عجوز من بني عامر فقال: من هذه العجوز يا عائشة؟ فقلت: إحدى خالاتي فقالت: ادع الله تعالى أن يدخلني الجنة فقال عليه الصلاة والسلام: إن الجنة لا يدخلها / العجز فأخذ العجوز ما أخذها فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى ينشئهن خلقاً غير خلقهن ثم قال: تحشرون حفاة عراة غلفاً فقالت: حاش لله تعالى من ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى إن الله تعالى قال: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} ومثل هذا المعنى حاصل على ما جوزه ابن الحاجب من كون {كَمَا بَدَأْنَا} في موضع الحال من ضمير {نُّعِيدُهُ} أي نعيد أول خلق مماثلاً للذي بدأناه، ولا تغفل عما يقتضيه التشبيه من مغايرة الطرفين، وأياً ما كان فالمراد الإخبار بالبعث وليست (ما) في شيء من الأوجه خاصة بالسماء إذ ليس المعنى عليه ولا اللفظ يساعده. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى الآية نهلك كل شيء كما كان أول مرة ويحتاج ذلك إلى تدبر فتدبر. {وَعْداً} مصدر منصوب بفعله المحذوف تأكيداً له، والجملة مؤكدة لما قبلها أو منصوب بنعيد لأنه عدة بالإعادة وإلى هذا ذهب الزجاج، واستجود الأول الطبرسي بأن القراء يقفون على {نُّعِيدُهُ} {عَلَيْنَا} في موضع الصفة لوعداً أي وعداً لازماً علينا، والمراد لزم إنجازه من غير حاجة إلى تكلف الاستخدام {إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ} ذلك بالفعل لا محالة، والأفعال المستقبلة التي علم الله تعالى وقوعها كالماضية في التحقق ولذا عبر عن المستقبل بالماضي في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز أو قادرين على أن نفعل ذلك واختاره الزمخشري، وقيل عليه: إنه خلاف الظاهر.
ابن عاشور
تفسير : جملة مستأنفة قصد منها إعادة ذكر البعث والاستدلال على وقوعه وإمكانِه إبطالاً لإحالة المشركين وقوعه بعلة أن الأجساد التي يدّعي بعثها قد انتابها الفناء العظيم {أية : قالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد}تفسير : [السجدة: 10] والمناسبة في هذا الانتقال هو ما جرى من ذكر الحشر والعقاب والثواب من قوله تعالى {أية : لهم فيها زفير}تفسير : [الأنبياء: 100] وقوله تعالى: {أية : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى}تفسير : [الأنبياء: 101] الآية. وقد رُتّب نظم الجملة على التقديم والتأخير لأغراض بليغة. وأصل الجملة: نعيد الخلق كما بدأنا أولَ خلق يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب وعْداً علينا. فحُوّل النظم فقدم الظرف بادىء ذي بَدء للتشويق إلى متعلقه، ولما في الجملة التي أضيف إليها الظرف من الغرابة والطباقِ إذ جعل ابتداءُ خلق جديد وهو البعث مؤقتاً بوقت نقض خَلق قديم وهو طي السماء. وقدم {كما بدأنا أول خلق} وهو حال من الضمير المنصوب في {نعيده} للتعجيل بإيراد الدليل قبل الدعوى لتتمكن في النفس فضلَ تمكّن. وكل ذلك وجوه للاهتمام بتحقيق وقوع البعث، فليس قوله {يوم نطوي السماء} متعلقاً بما قبله من قوله تعالى: {أية : وتتلقاهم الملائكة}تفسير : [الأنبياء: 103]. وعقب ذلك بما يفيد تحقق حصول البعث من كونه وعداً على الله بتضمين الوعد معنى الإيجاب، فعدي بحرف (على) في قوله تعالى: {وعداً علينا} أي حقاً واجباً. وجملة {إنا كنا فاعلين} مؤكّدة بحرف التوكيد لتنزيل المخاطبين منزلة من ينكر قدرة الله لأنهم لما نَفَوا البعث بعلة تعذر إعادة الأجسام بعد فنائها فقد لزمهم إحالتهم ذلك في جانب قدرة الله. والمراد بقوله {فاعلين}أنه الفاعل لِما وُعد به، أي القادر. والمعنى: إنا كنا قادرين على ذلك. وفي ذكر فعل الكون إفادة أن قدرته قد تحققت بما دل عليه دليل قوله {كما بدأنا أول خلق نعيده}. والطّيُّ: رَدُّ بعض أجزاء الجسم الليِّن المطلوق على بعْضه الآخر، وضدّه النشر. والسجل: بكسر السين وكسر الجيم هنا، وفيه لغات. يطلق على الورقة التي يكتب فيها، ويُطلق على كاتب الصحيفة، ولعله تسمية على تقدير مضاف محذوف، أي صاحب السجل، وقيل سجل: اسم ملك في السماء ترفع إليه صحائف أعمال العباد فيحفظها. ولا يحسن حملهُ هنا على معنى الصحيفة لأنه لا يلائم إضافة الطيّ إليه ولا إردافه لقوله {للكتاب} أو {للكتب}، ولا حملهُ على معنى المَلَك الموكَل بصحائف الأعمال لأنه لم يكن مشهوراً فكيف يشبه بفعله. فالوجه: أن يراد بالسجل الكاتب الذي يكتب الصحيفة ثم يطويها عند انتهاء كتابتها، وذلك عمل معروف. فالتشبيه بعمله رشيق. وقرأ الجمهور {للكتاب} بصيغة الإفراد، وقرأه حفص وحمزة والكسائي وخلف {للكُتب} ــــ بضم الكاف وضم التاء ــــ بصيغة الجمع. ولما كان تعريف السجل وتعريفُ الكتاب تعريفَ جنس استوى في المعرّف الإفرادُ والجمعُ. فأما قراءتهما بصيغة الإفراد ففيها محسن مراعاة النظير في الصيغة، وأما قراءة الكتب بصيغة الجمع مع كون السِجل مفرداً ففيها حسن التفنن بالتضاد. ورسمُها في المصحف بدون ألف يحتمل القراءتين لأن الألف قد يُحذف في مثله. واللام في قوله {للكتاب} لتقوية العامل فهي داخلة على مفعول {طَيّ}. ومعنى طي السماء تغييرُ أجرامها من موقع إلى موقع أو اقترابُ بعضها من بعض كما تتغير أطراف الورقة المنشورة حين تطوى ليَكتب الكاتب في إحدى صفحتيها، وهذا مظهر من مظاهر انقراض النظام الحالي، وهو انقراض له أحوال كثيرة وُصف بعضها في سُور من القرآن. وليس في الآية دليل على اضمحلال السماوات بل على اختلال نظامها، وفي [سورة الزمر: 67]{أية : والسماوات مطويات بيمينه}.تفسير : ومسألة دثور السماوات (أي اضمحلالها) فَرَضَها الحكماء المتقدمون ومال إلى القول باضمحلالها في آخر الأمر (انكسمائس) المَلْطي و(فيثاغورس) و(أفلاطون). وقرأ الجمهور {نطوي} بنون العظمة وكسر الواو ونصب {السماء}. وقرأه أبو جعفر بضم تاء مضارعة المؤنث وفتح الواو مبنياً للنائب وبرفع {السماء}. والبَدء: الفعل الذي لم يُسبق مماثله بالنسبة إلى فاعلٍ أو إلى زمانٍ أو نحو ذلك. وبَدْء الخلق كونه لم يكن قبل، أي كما جعلنا خلْقاً مبدوءاً غير مسبوق في نوعه. وخلق: مصدر بمعنى المفعول. ومعنى إعادة الخلق: إعادة مماثلة في صورته فإن الخلق أي المخلوق باعتبار أنه فرد من جنس إذَا اضمحل فقيل فإنما يعاد مثله لأن الأجناس لا تحقق لها في الخارج إلا في ضمن أفرادها كما قال تعالى: {سنعيدها سيرتها الأولى} أي مثل سيرتها في جنسها، أي في أنها عصا من العصيّ. وظاهر ما أفاده الكاف من التشبيه في قوله تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده} أن إعادة خلق الأجسام شبّهت بابتداء خلقها. ووجه الشبه هو إمكان كليهما والقدرة عليهما وهو الذي سيق له الكلام على أن التشبيه صالح للمماثلة في غير ذلك. روى مسلم عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله بموعظة فقال: «حديث : يا أيها الناس إنكم تُحشرون إلى الله حُفاة عراة غُرْلاً {كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين} »تفسير : الحديث. فهذا تفسير لبعض ما أفاده التشبيه وهو من طريق الوحي واللفظ لا يأباه فيجب أن يعتبر معنى للكاف مع المعنى الذي دلت عليه بظاهر السياق. وهذا من تفاريع المقدمة التاسعة من مقدمات تفسيرنا هذا. وانتصب {وعداً}على أنه مفعول مطلق لــــ {نعيده}لأن الإخبار بالإعادة في معنى الوعد بذلك فانتصب على بيان النوع للإعادة. ويجوز كونه مفعولاً مطلقاً مؤكداً لمضمون جملة {كما بدأنا أول خلق نعيده}.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ}. قوله {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ} منصوب بقوله: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ} تفسير : [الأنبياء: 103]، أو بقوله {أية : وَتَتَلَقَّاهُمُ} تفسير : [الأنبياء: 103]. وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يوم القيامة يطوي السماء كطي السجل للكتب. وصرح في "الزمر" بأن الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، وأن السموات مطويات بيمينه، وذلك في قوله: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [الزمر: 67]. وما ذكره من كون السموات مطويات بيمينه في هذه الآية ـ جاء في الصحيح أيضاً عن النَّبي صلى الله عليه وسلم وقد قدمنا مراراً أن الواجب في ذلك إمراره كما جاء، والتصديق به مع اعتقاد أن صفة الخالق أعظم من أن تماثل صفة المخلوق. وأقوال العلماء في معنى قوله {كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} راجعة إلى أمرين: الأول ـ أن السجل الصحيفة: والمراد بالكتب: ما كتب فيها، واللام بمعنى على، أي كطي السجل على الكتب، أي كطي الصحيفة على ما كتب فيها، وعلى هذا فطي السجل مصدر مضاف إلى مفعوله، لأن السجل على هذا المعنى مفعول الطي. الثاني ـ أن السجل ملك من الملائكة، وهو الذي يطوي كتب أعمال بني آدم إذا رفعت إليه، ويقال: إنه في السماء الثالثة، ترفع إليه الحفظة الموكلون بالخلق أعمال بني آدم في كل خميس واثنين، وكان من أعوانه (فيما ذكروا) هاروت وماروت، وقيل، إنه لا يطوي الصحيفة حتى يموت صاحبها فيرفعها ويطويها إلى يوم القيامة، وقول من قال: إن السجل صحابي، كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم ـ ظاهر السقوط كما ترى. وقوله في هذه الآية الكريمة "للكتاب" قرأه عامة السبعة غير حمزة والكسائي وحفص عن عاصم "للكتاب" بكسر الكاف وفتح التاء بعدها ألف بصيغة الإفراد. وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم "للكتب" بضم الكاف والتاء بصيغة الجمع. ومعنى القراءتين واحد. لأن المراد بالكتاب على قراءة الإفراد جنس الكتاب، فيشمل كل الكتب.
الواحدي
تفسير : {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} وهو مَلَكٌ يطوي كتب بني آدم. وقيل: السِّجلُّ: الصَّحيفة، والمعنى: كطيِّ السِّجل على ما فيه من المكتوب. {كما بدأنا أوَّل خلق نعيده} كما خلقناكم ابتداءً حُفاةً عُراةً غُرلاً، كذلك نُعيدكم يوم القيامة {وعداً علينا} أَيْ: وعدناه وعداً {إنا كنَّا فاعلين} يعني: الإِعادة والبعث. {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} قيل: في الكتب المنزلة بعد التَّوراة. وقيل: أراد بالذِّكر اللَّوح المحفوظ {أنَّ الأرض} يعني: أرض الجنَّة {يرثها عبادي الصالحون} وقيل: أرض الدُّنيا تصير للمؤمنين من أُمَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. {إنَّ في هذا} القرآن {لبلاغاً} لوصولاً إلى البغية {لقوم عابدين} مُطيعين لله تعالى. {وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين} للبَرِّ والفاجر، فمن أطاعه عُجِّلت له الرَّحمة، ومَنْ عصاه وكذَّبه لم يلحقه العذاب في الدُّنيا، كما لحق الأمم المكذِّبة.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَاعِلِينَ} (104) - وَفِي ذلِكَ اليَوْمِ الذي يَكُونُ فِيهِ الفَزَعُ الأَكْبَرُ، يَطْوِي اللهُ تَعَالَى السَّمَاوَاتِ كَمَا تُطْوَى الصَّحِيفَةُ فِي الكِتَابِ، وَكَمَا بَدَأَ اللهُ خَلْقَ الكَوْنِ، وَهُوَ لَمْ يَكُنْ قَبْلاً، كَذَلِكَ يُعِيدُ خَلْقَهُ مِنْ جَدِيدٍ، وَهُوَ القَادِرُ عَلَيْهِ. وَذَلِكَ وَاجِبُ الوُقُوعِ لأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا وَعَدَ اللهُ بهِ، وَمَا وَعَدَ اللهُ بِهِ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَقَعَ لأَِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ وَعْدَهُ أَبَداً. السِجِلُّ - الصَّحِيفَةُ التِي يُكْتَبُ فِيهَا. لِلْكُتُبِ - عَلَى مَا كُتِبَ فِيهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: ما يحدث من عذاب الكفار وتنعيم المؤمنين سيكون {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ..} [الأنبياء: 104] و (يَوْمَ): زمن وظَرْف للأحداث، فكأن ما يحدث للكافرين من العذاب والتنكيل، وما يحدث للمؤمنين من الخلود في النعيم يتم في هذا اليوم. والسجل: هو القرطاس، والورق الذي نكتب فيه يُسمَّى سجلاً؛ ولذلك الناس يقولون: نسجل كذا، أي: نكتبه في ورقة حتى يكون محفوظاً، والكتاب: هو المكتوب. والحق سبحانه يقول في آية أخرى: {أية : وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ..} تفسير : [الزمر: 67] يطويها بقدرته؛ لأن اليمين عندنا هي الفاعلة في الأشياء، ولكن لا نأخذ الطي أنه الطي المعروف، بل نأخذه في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. وقوله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ..} [الأنبياء: 104] يدلنا على أن الحق سبحانه يتكلم عن الخَلْق الأول و {نُّعِيدُهُ ..} [الأنبياء: 104] تدل على وجود خَلْق ثَان. إذن: فقوله تعالى في موضع آخر: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} تفسير : [إبراهيم: 48] دليل على أن الخَلْق الأول خَلْق فيه الأسباب وفيه المسبّب، فالحق سبحانه أعطاك في الدنيا مُقوِّمات الحياة من: الشمس والقمر والمطر والأرض والماء .... الخ، وهذه أمور لا دَخْل لك فيها، وكل ما عليك أنْ تستخدمَ عقلك الذي خلقه الله في الترقي بهذه الأشياء والترف بها. أما في الخلق الثاني فأنت فقط تستقبل النعيم من الله دون أَخْذ بالأسباب التي تعرفها في الدنيا؛ لأن الآخرة لا تقوم بالأسباب إنما بالمسبِّب سبحانه، وحين ترى في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر تعلم أن فِعْل ربك لك أعظم من فِعْلك لنفسك. ومهما ارتقتْ أسباب الترف في الدنيا، ومهما تفنَّن الخَلْق في أسباب الراحة والخدمة الراقية، فقصارى ما عندهم أن تضغط على زِرٍّ يفتح لك الباب، أو يُحضِر لك الطعام أو القهوة، لكن أتحدَّى العالم بما لدية من تقدُّم وتكنولوجيا أنْ يُقدم لي ما يخطر ببالي من طعام أو شراب، فأراه أمامي دون أنْ أتكلم؛ لأن هذه مسألة لا يقدر عليها إلا الله عز وجل. فقوله: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ..} [الأنبياء: 103] فالمعنى ليستْ مجرد إعادته كما كان، إنما نعيده على أَرْقى وأفضل مما كان بحيث يصل بك النعيم أنْ يخطرَ الشيء ببالك فتجده بين يديك، بل إنَّ المؤمن في الجنة يتناول الصنف من الفاكهة فيقول: لقد أكلْتُ مثل هذا من قبل فيُقال له: ليس كذلك بل هو أفضل مما أكلْتَ، وأهنأ مما تذوقتَ. فلو تناولتَ مثلاً تفاح الدنيا تراه خاضعاً لنوعية التُّرْبة والماء والجو المحيط به والمبيدات التي لا يستغني عنها الزرع هذه الأيام ... إلخ. أمّا تفاح الآخرة فهو شيء آخر تماماً، إنه صَنْعة ربانية وإعداد إلهيّ. وكأن الحق سبحانه يلفت عباده إلى أن عنايته بهم أفضل من عنايتهم بأنفسهم؛ لأنه سبحانه أوْلَى بنا من أنفسنا، ولكي نعلم الفرق بين الشيء في أيدينا والشيء في يده عز وجل. ثم يقول تعالى: {وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104] أي: لا يُخرِجنا شيء عمَّا وعدنا به، ولا يخالفنا أحد. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ} معناه نَذْهَبُ بِهَا. تفسير : وقوله تعالى: {كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} وقال: {السِّجلُ: مَلكٌ. وقال: كاتبٌ للنبي صلى الله عليه وعلى آلهِ وسلم اسمُهُ السِّجلُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه يوم القيامة يطوي السماوات - على عظمها واتساعها - كما يطوي الكاتب للسجل أي: الورقة المكتوب فيها، فتنثر نجومها، ويكور شمسها وقمرها، وتزول عن أماكنها { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ } أي: إعادتنا للخلق، مثل ابتدائنا لخلقهم، فكما ابتدأنا خلقهم، ولم يكونوا شيئا، كذلك نعيدهم بعد موتهم. { وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } ننفذ ما وعدنا، لكمال قدرته، وأنه لا تمتنع منه الأشياء. { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ } وهو الكتاب المزبور، والمراد: الكتب المنزلة، كالتوراة ونحوها { مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ } أي: كتبناه في الكتب المنزلة، بعد ما كتبنا في الكتاب السابق، الذي هو اللوح المحفوظ، وأم الكتاب الذي توافقه جميع التقادير المتأخرة عنه والمكتوب في ذلك: { أَنَّ الأرْضَ } أي: أرض الجنة { يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } الذين قاموا بالمأمورات، واجتنبوا المنهيات، فهم الذين يورثهم الله الجنات، كقول أهل الجنة: {أية : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ }. تفسير : ويحتمل أن المراد: الاستخلاف في الأرض، وأن الصالحين يمكن الله لهم في الأرض، ويوليهم عليها كقوله تعالى: {أية : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } تفسير : الآية.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 656 : 31 : 16 - سفين عن السدي في قوله {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب} قال، السجل ملك. [الآية 104]. 657 : 32 : 24 - سفين قال، اصحاب عبد الله يقرءونها {كطي السجل للكتاب}.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [104] 355 - أنا قُتيبة بن سعيدٍ، نا نوحٌ، عن يزيد بن كعبٍ، عن عمرو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ قال: السِّجلُّ كاتبُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. 356 - أنا قُتيبة بنُ سعيدٍ، نا نوحٌ، عن عمرو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاء، عن ابنِ عباسٍ أنهُ كان يقول في هذه الآية {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ} قال: السِّجلُّ هو الرَّجُلُ. {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [104] 357 - أنا سليمانُ بن عُبيد الله بن عمرو، نا بهزٌ، نا شُعبةُ، أنا المُغيرةُ بن النُّعمانِ/ قال: سمعتُ سعيد بن جُبيرٍ يُحدثُ، عن ابن عباسٍ قال:حديث : قام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بموعِظَةٍ فقال: "أيُّها الناسُ إنكم محشورون إلى ربكم شُعثاً غُرلاً ثم قرأ هذه الآية" {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} إلى آخر الآية وإن أولُ من يُكسى من الخلائق إبراهيم عليه السلام، وإنه يُؤتى أُناسٌ من أُمتي فيؤخذُ بهم ذات الشمالِ فأقولُ: ربِّ أصحابي. فيقولُ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقولُ مثل ما قال العبدُ الصالحُ: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [المائدة: 118] فيُقالُ: إنَّهم لم يزالوا مُرتدين على أعقابهم القهقرى مُنذُ فارقتهم ". تفسير : 358 - أنا الربيع بن سُليمان، نا شعيبُ بن اللَّيث، نا الليثُ، عن ابن عجلان، عن أبي الزُّبير، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال اللهُ عزَّ وجلَّ: كذَّبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يُكذبني، وشتمني ابنُ آدم ولم يكن ينبغي أن يشتُمني؛ أما تكذيبهُ إياي فقوله: لا أُعيدُهُ كما بدأتُهُ، وليس آخرُ بأعزَّ عليَّ من أولهِ، وأما شتمهُ إيَّايَ فقولهُ: اتخذ اللهُ ولداً، وأنا الله أحدٌ الصمدُ، لم ألد، ولم أُولد، ولم يكُن ليَّ كُفُواً أحدٌ ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):