٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
105
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ} الزبور والكتاب واحد؛ ولذلك جاز أن يقال للتوراة والإنجيل زبور. زَبرت أي كتبت وجمعه زُبُر. وقال سعيد بن جبير: «الزّبور» التوراة والإنجيل والقرآن. {مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} الذي في السماء {أَنَّ ٱلأَرْضَ} أرض الجنة {يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} رواه سفيان عن الأعمش عن سعيد بن جبير. الشعبي: «الزّبور» زبور داود، و«الذكر» توراة موسى عليه السلام. مجاهد وابن زيد: «الزّبور» كتب الأنبياء عليهم السلام، و«الذّكر» أم الكتاب الذي عند الله في السماء. وقال ابن عباس: «الزّبور» الكتب التي أنزلها الله من بعد موسى على أنبيائه، و«الذكر» التوراة المنزلة على موسى. وقرأ حمزة «فِي الزُّبُورِ» بضم الزاي جمع زِبْرٍ. {أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} أحسن ما قيل فيه أنه يراد بها أرض الجنة كما قال سعيد بن جبير؛ لأن الأرض في الدنيا قد ورثها الصالحون وغيرهم. وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقال مجاهد وأبو العالية: ودليل هذا التأويل قوله تعالى: {أية : وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ} تفسير : [الزمر: 74] وعن ابن عباس: أنها الأرض المقدّسة. وعنه أيضاً: أنها أرض الأمم الكافرة ترثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالفتوح. وقيل: إن المراد بذلك بنو إسرائيل؛ بدليل قوله تعالى: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} تفسير : [الأعراف: 137] وأكثر المفسرين على أن المراد بالعباد الصالحين أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقرأ حمزة «عِبَادِي الصَّالِحُونَ» بتسكين الياء. {إِنَّ فِي هَـٰذَا} أي فيما جرى ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه. وقيل: إن في القرآن {لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} قال أبو هريرة وسفيان الثوري: هم أهل الصلوات الخمس. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «عابدين» مطيعين. والعابد المتذلل الخاضع. قال القشيري: ولا يبعد أن يدخل فيه كل عاقل؛ لأنه من حيث الفطرة متذلل للخالق، وهو بحيث لو تأمل القرآن واستعمله لأوصله ذلك إلى الجنة. وقال ابن عباس أيضاً: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يصلون الصلوات الخمس ويصومون شهر رمضان. وهذا هو القول الأوّل بعينه.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ } في كتاب داود عليه السلام. {مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} أي التوراة، وقيل المراد بـ {ٱلزَّبُورِ } جنس الكتب المنزل وبـ {ٱلذّكْرِ } اللوح المحفوظ. {إِنَّ ٱلأَرْضَ} أي أرض الجنة أو الأَرض المقدسة. {يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ } يعني عامة المؤمنين أو الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها، أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عما حتمه وقضاه لعباده الصالحين من السعادة في الدنيا والآخرة، ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الأعراف: 128] وقال: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ } تفسير : [غافر: 51] وقال: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ} تفسير : [النور: 55] وأخبر تعالى أن هذا مسطور في الكتب الشرعية والقدرية، وهو كائن لامحالة، ولهذا قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ}. قال الأعمش: سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} فقال: الزبور: التوراة، والإنجيل، والقرآن. وقال مجاهد: الزبور: الكتاب، وقال ابن عباس والشعبي والحسن وقتادة وغير واحد: الزبور الذي أنزل على داود، والذكر: التوراة. وعن ابن عباس: الزبور: القرآن، وقال سعيد بن جبير: الذكر: الذي في السماء. وقال مجاهد: الزبور الكتب بعد الذكر، والذكر أم الكتاب عند الله، واختار ذلك ابن جرير رحمه الله، وكذا قال زيد بن أسلم: هو الكتاب الأول، وقال الثوري: هو اللوح المحفوظ. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الزبور: الكتب التي أنزلت على الأنبياء، والذكر: أمّ الكتاب الذي يكتب فيه الأشياء قبل ذلك. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس،: أخبر الله سبحانه وتعالى في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض أن يورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم الأرض، ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون. وقال مجاهد عن ابن عباس: {أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ} قال: أرض الجنة، وكذا قال أبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة والسدي وأبو صالح والربيع بن أنس والثوري رحمهم الله تعالى، وقال أبو الدرداء: نحن الصالحون. وقال السدي: هم المؤمنون، وقوله: {إِنَّ فِى هَـٰذَا لَبَلَـٰغاً لِّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ} أي: إن في هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم لبلاغاً: لمنفعة وكفايةً لقوم عابدين، وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحبه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان، وشهوات أنفسهم. وقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ} يخبر تعالى أن الله جعل محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قبل هذه الرحمة، وشكر هذه النعمة، سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها، خسر في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } تفسير : [إبراهيم: 28 ــــ 29] وقال تعالى في صفة القرآن: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِىۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تفسير : [فصلت: 44] وقال مسلم في "صحيحه": حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا مروان الفزاري عن يزيد بن كيسان عن ابن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله ادع على المشركين. قال: «حديث : إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة» تفسير : انفرد بإخراجه مسلم. وفي الحديث الآخر «حديث : إنما أنا رحمة مهداة» تفسير : رواه عبد الله بن أبي عرابة وغيره عن وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً. قال إبراهيم الحربي: وقد رواه غيره عن وكيع، فلم يذكر أبا هريرة. وكذا قال البخاري، وقد سئل عن هذا الحديث، فقال: كان عند حفص بن غياث مرسلاً. قال الحافظ ابن عساكر: وقد رواه مالك بن سعير بن الخمس عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً، ثم ساقه من طريق أبي بكر بن المقرىء وأبي أحمد الحاكم، كلاهما عن بكر بن محمد بن إبراهيم الصوفي، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري عن أبي أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إنما أنا رحمة مهداة» تفسير : ثم أورده من طريق الصلت بن مسعود عن سفيان بن عيينة عن مسعر عن سعيد بن خالد، عن رجل عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله بعثني رحمة مهداة، بعثت برفع قوم وخفض آخرين».تفسير : قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن نافع الطحان، حدثنا أحمد بن صالح قال: وجدت كتاباً بالمدينة عن عبد العزيز الدراوردي وإبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمد بن صالح التمار عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال أبو جهل حين قدم مكة منصرفه عن حمزة: يا معشر قريش إن محمداً نزل يثرب، وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئاً، فاحذورا أن تمروا طريقه أو تقاربوه، فإنه كالأسد الضاري، إنه حنق عليكم؛ لأنكم نفيتموه نفي القردان عن المناسم، والله إن له لسحرة ما رأيته قط ولا أحداً من أصحابه إلا رأيت معهم الشياطين، وإنكم قد عرفتم عداوة ابني قيلة، يعني: الأوس والخزرج، فهو عدو استعان بعدو، فقال له مطعم بن عدي: يا أبا الحكم والله ما رأيت أحداً أصدق لساناً، ولا أصدق موعداً من أخيكم الذي طردتم، وإذ فعلتم الذي فعلتم، فكونوا أكف الناس عنه، قال أبو سفيان بن الحارث: كونوا أشد ما كنتم عليه، إن ابني قيلة إن ظفروا بكم، لم يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة، وإن أطعتموني، ألجأتموهم حير كنانة، أو تخرجوا محمداً من بين ظهرانيهم، فيكون وحيداً مطروداً، وأما ابنا قيلة، فوالله ما هما وأهل دهلك في المذلة إلا سواء، وسأكفيكم حدهم، وقال:شعر : سَأَمْنَحُ جانِباً مِنِّي غَليظاً على ما كانَ منْ قُرْبٍ وبُعْدِ رِجالُ الخَزْرَجِيَّةِ أَهْلُ ذُلَ إذا ما كانَ هزلٌ بُعْدَ جِدِّ تفسير : فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : والذي نفسي بيده لأقتلنهم ولأصلبنهم ولأهدينهم وهم كارهون، إني رحمة بعثني الله ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» تفسير : وقال أحمد بن صالح: أرجو أن يكون الحديث صحيحاً. وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثني عمرو بن قيس عن عمرو بن أبي قرة الكندي قال: كان حذيفة بالمدائن، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حذيفة إلى سلمان، فقال سلمان: يا حذيفة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغضب فيقول، ويرضى فيقول، لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: «حديث : أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبي، أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من ولد آدم، أغضب كما تغضبون، إنما بعثني الله رحمة للعالمين، فاجعلها صلاة عليه يوم القيامة»تفسير : . ورواه أبو داود عن أحمد بن يونس عن زائدة. فإن قيل: فأي رحمة حصلت لمن كفر به؟ فالجواب ما رواه أبو جعفر بن جرير: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا إسحاق الأزرق عن المسعودي عن رجل يقال له سعيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ} قال: من آمن بالله واليوم الآخر، كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله، عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث المسعودي عن أبي سعد، وهو سعيد بن المرزبان البقال، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فذكره بنحوه، والله أعلم، وقد رواه أبو القاسم الطبراني عن عبدان بن أحمد عن عيسى بن يونس الرملي عن أيوب بن سويد عن المسعودي عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: {وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ} قال: من تبعه، كان له رحمة في الدينا والآخرة، ومن لم يتبعه، عوفي مما كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف والمسخ والقذف.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ } بمعنى الكتاب أي كتب الله المنزلة {مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ } يعنى أُمّ الكتاب الذي عند الله {إِنَّ ٱلأَرْضَ } أرض الجنة {يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّٰلِحُونَ } عامٌّ في كل صالح.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الزبور الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه، والذكر أُمّ الكتاب الذي عنده في السماء، وهذا قول مجاهد. والثاني: أن الزبور من الكتب التي أنزلها الله تعالى على مَنْ بعد موسى من أنبيائه، وهذا قول الشعبي. {أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها أرض الجنة يرثها أهل الطاعة، وهذا قول سعيد بن جبير، وابن زيد. والثاني: أنها الأرض المقدسة يرثها بنو إسرائيل، وهذا قول الكلبي. والثالث: أنها أرض الدنيا، والذي يرثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول ابن عباس. قوله عز وجل: {إِنَّ فِي هذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} أما قوله {إِنَّ فِي هذَا} ففيه قولان: أحدهما: يعني في القرآن. والثاني: في هذه السورة. وفي قوله: {لَبَلاَغاً لَّقُوْمٍ عَابِدِينَ} وجهان: أحدهما: أنه بلاغ إليهم يَكُفُّهُم عن المعصية ويبعثهم على الطاعة. الثاني: أنه بلاغ لهم يبلغهم إلى رضوان الله وجزيل ثوابه. وفي قوله: {عَابِدِينَ} وجهان: أحدهما: مطيعين. والثاني: عالمين. قوله عز وجل: {وَمَا أرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} فيما أريد بهذه الرحمة وجهان: أحدهما: الهداية إلى طاعة الله واستحقاق ثوابه. الثاني: أنه ما رفع عنهم من عذاب الاستئصال. وفي قوله: {لِلْعَالَمِينَ} وجهان: أحدهما: من آمن منهم، فيكون على الخصوص في المؤمنين إذا قيل إن الرحمة الهداية. الثاني: الجميع، فيكون على العموم في المؤمنين والكافرين إذا قيل إن الرحمة ما رفع عنهم من عذاب الاستئصال.
ابن عبد السلام
تفسير : {الزَّبُورِ} الكتب المنزلة على الأنبياء ـ صلوات الله تعالى عليهم وسلامه ـ والذكر: الكتاب الذي في السماء، أو الزبور الكتب المنزلة بعد التوراة "والذكر التوارة "ع"، أو زبور داود ـ عليه الصلاة والسلام ـ، والذكر: التوراة" {الأَرْضَ} أرض الجنة {يَرِثُهَا} أهل الطاعة، أو أرض الشام يرثها بنو إسرائيل، أو أرض الدنيا يرثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالفتوح "ع".
النسفي
تفسير : {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ } كتاب داود عليه السلام {مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ } التوراة {أن ٱلأَرْضَ } أي الشام {يَرِثُهَا عِبَادِىَ } ساكنة الياء: حمزة غيره بفتح الياء {ٱلصَّـٰلِحُونَ } أي أمة محمد عليه السلام، أو الزبور بمعنى المزبور أي المكتوب يعني ما أنزل على الأنبياء من الكتب. والذكر أم الكتاب يعني اللوح لأن الكل أخذوا منه. دليله قراءة حمزة وخلف بضم الزاي على جمع الزبر بمعنى المزبور والأرض أرض الجنة. {إِنَّ فِى هَـٰذَا } أي القرآن أو في المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ {لَبَلَـٰغاً } لكفاية وأصله ما تبلغ به البغية {لّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ } موحدين وهم أمة محمد عليه السلام {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً } قال عليه السلام «حديث : إنما أنا رحمة مهداة»تفسير : {لّلْعَـٰلَمِينَ } لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه ومن لم يتبع فإنما أتى من نفسه حيث ضيع نصيبه منها. وقيل: هو رحمة للمؤمنين في الدارين وللكافرين في الدنيا بتأخير العقوبة فيها. وقيل: هو رحمة للمؤمنين والكافرين في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال والمسخ والخسف. و {رحمة} مفعول له أو حال أي ذا رحمة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} القرآن {أن الأرض} قال: أرض الجنة. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} قال: يعني بالذكر، كتبنا في القرآن من بعد التوراة، و {الأرض} أرض الجنة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} يعني بالذكر، التوراة، ويعني بالزبور، الكتب من بعد التوراة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {ولقد كتبنا في الزبور} قال: الكتب. {من بعد الذكر} قال: التوراة. وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال: الزبور، التوراة والإنجيل والقرآن، والذكر الأصل الذي نسخت منه هذه الكتب الذي في السماء والأرض، أرض الجنة. وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير، عن سعيد بن جبير في قوله: {ولقد كتبنا في الزبور} قال: الزبور، التوراة والإنجيل والقرآن {من بعد الذكر} قال: الذكر الذي في السماء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: الزبور، الكتب. والذكر، أم الكتاب عند الله، والأرض الجنة. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: الزبور، الكتب التي أنزلت على الأنبياء، والذكر، أم الكتاب الذي يكتب فيه الأشياء قبل ذلك. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} قال: أرض الجنة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {ولقد كتبنا في الزبور} الآية. قال: أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض، أن يورث أمة محمد الأرض ويدخلهم الجنة، وهم {الصالحون} وفي قوله: {لبلاغاً لقوم عابدين} قال: عالمين. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} قال: أرض الجنة، يرثها الذين يصلون الصلوات الخمس في الجماعات. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم، عن الشعبي في قوله: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} قال: في زبور داود {من بعد} ذكر موسى التوراة {أن الأرض يرثها} قال: الجنة. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: كتب الله في زبور داود بعد التوراة. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: {أن الأرض يرثها} قال: الجنة. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} قال: الجنة وقرأ {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوّأ من الجنة حيث نشاء} [الزمر: 74] قال: فالجنة مبتدؤها في الأرض ثم تذهب درجاً علوّا. والنار مبتدؤها في الأرض، وبينهما حجاب، سور ما يدري أحد ما ذاك السور. وقرأ {باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} [الحديد: 13] قال: ودرجها تذهب سفالاً في الأرض، ودرج الجنة تذهب علوّاً في السماء. وأخرج ابن جرير، عن صفوان قال: سألت عامر بن عبد الله أبا اليمان، هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟ فقال: يقول الله: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} قال: هي الأرض التي تجمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث. وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال الله تعالى: {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} فنحن الصالحون ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جرير في قوله: {إن في هذا لبلاغاً} قال: كل ذلك يقال: إن في هذه السورة، وفي هذا القرآن لبلاغاً. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في قوله: {إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين} قال: إن في هذا لمنفعة وعلماً {لقوم عابدين} ذلك البلاغ. وأخرج ابن جرير، عن كعب الأحبار {إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين} قال: لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، عن كعب في قوله: {إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين} قال: صوم شهر رمضان، والصلوات الخمس. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن أبي هريرة {إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين} قال: في الصلوات الخمس شغلاً للعبادة. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس: "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية {لبلاغاً لقوم عابدين} قال: هي الصلوات الخمس في المسجد الحرام جماعة "تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن محمد بن كعب {إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين} قال: الصلوات الخمس. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه {لقوم عابدين} قال: الذين يحافظون على الصلوات الخمس في الجماعة. وأخرج عن قتادة رضي الله عنه {لقوم عابدين} قال: عاملين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} قال: من آمن تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن عوفي مما كان يصيب الأمم في عاجل الدنيا من العذاب؛ من المسخ والخسف والقذف. وأخرج مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله، ادع على المشركين. قال: حديث : "إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة" . تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمتقين ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والطبراني، عن سلمان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبي، أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من ولد آدم أغضب كما تغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، وأجعلها عليه صلاة يوم القيامة ". تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما أنا رحمة مهداة ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة رضي الله عنه قال: حديث : قيل يا رسول الله، ألا تلعن قريشاً بما أتوا إليك؟ فقال: "لم أبعث لعاناً إنما بعثت رحمة" تفسير : يقول الله: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}.
التستري
تفسير : قوله: {أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ}[105] قال: أضافهم إلى نفسه وحلاهم بحلية الصلاح، معناه: لا يصلح إلا ما كان خالصاً لي، لا يكون لغيري فيه أثر، وهم الذين أصلحوا سريرتهم مع الله، وانقطعوا بالكلية عن جميع ما دونه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى ذكره: {أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} [الآية: 105]. قال سهل: أضافهم إلى نفسه وحَلاَّهم بحلية الصلاح. معناه: لا يصلح لى إلا ما كان خالصًا لى لا يكون لغيرى فيه أثر وهم أصلحوا سريرتهم مع الله، وانقطعوا بالكلية عن جميع ما دونه.
القشيري
تفسير : {ٱلذِّكْرِ} هنا هو التوراة، و" كَتَبَ": أي أخبر وحَكَمَ، و{ٱلصَّالِحُونَ} أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أنَّ {ٱلأَرْضَ} هم الذين يرثونها.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} كان فى علم الازلية ان ارض الجنان ميراث عباده الصالحين من الزهاد والعباد والابرار والاخيار لانهم اهل الاعراض والثواب والدرجات وان مشاهدة جلال ازليته ميراث اهل معرفته ومحبته وشوقه وعشقه لانهم فى مشاهد الربوبية واهل الجنة فى مشاهدة العبودية قال سهل اضافهم الى نفسه وجلالهم بجلية الصلاح معناه لا يصلح لى الا ما كان خالصة لا يكون لغيرى فيه اثروهم الذين اصلحوا سريرتهم مع الله وانقطعوا بالكلية عن جميع ما دونه ثم بين سبحانه ان كلامه الازلى يبلغ الصديقين الى معادن من رؤية الصفات والذات بقوله {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} مشاهدين جلالنا وجمالنا بهمهم العلية وقلوبهم الحاضرة وعقولهم الصافية وارواحهم العاشقة واسرارهم الطاهرة قال سهل لم يجمع البلاغ لجميع عباده بل خص لقوم عابدين وهم الذين عبدوا الله وبذلوا له محبتهم لا من اجل عوض ولا لاجل نار ولا جنة بل حبا له وافتخار بما اهلهم من عبادتهم اياه ثم وصف الله سبحانه حبيبه محمد صلى الله الله عليه وسلم بانه ارسله رحمته الى جميع خلقه بقوله {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} ايها الفهم ان الله سبحانه اخبرنا ان نور محمد صلى الله عليه وسلم اوّل ما خلقه فى الاول من جميع خلقه ثم خلق جميع الخلائق من العرش الى الثرى عن بعض نوره فالرسالة من العدم الى مشاهدة القدم رحمة لجميع الخلائق اذا الجميع صدر منه فكونه كون الخلق وكونه سبب وهو الخلق وسبب رحمتا الله على جميع الخلائق اذ هو سبب وجود الجميع فهو رحمة كافية وافهم ان جميع الخلائق صورة مخلوقة مطروحة فى قضاء القدرة بلا روح حقيقة منتظرة القدوم محمد صلى الله عليه وسلم فاذا قدم فى العالم صار العالم حيا بوجوده لانه روح جميع الخلائق قال تعالى وما ارسلناك الا رحمة للعالمين ويا عاقل ان من العرش الى الثرى لم يخرج من العدم الا ناقصا من حيث الوقوف على اسرار قدمه بنعت كمال المعرفة والعلم فصاروا عاجزين عن البلوغ الى شط بحار الالوهية وسواحل قاموس الكبريائية فجاء محمد صلى الله عليه وسلم اكسير اجساد العالم وروح اشباح العالمين بحقائق علوم الازلية واوضح سبل الحق لهم بحيث يجعل سفر الازل والأباد للجميع خطوة واحدة فاذا قدم من الحضرة الى سفر الغربة بانهم جميعا بخطوة من خطوات صحارى سبحان الذى اسرى حتى وصل الى مقام دنا فغفر الحق لجميع الخلائق لمقدمه المبارك فالكافر والمؤمن والذيب والظبّى والبازى والحمام والجنة والنار والدنيا والأخرة فى حيز رحمته لانه كان رحمة ازلية ابدية فطرة من حبر رحمة الرحمن وغرق غرقت من نهر الغفران قال ابو بكر بن ظاهر زين الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة وكان كونه رحمة ونظره الى من نظر اليه رحمة وسخطه ورضاه وتقريبه وتبعيده وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق فمن اصابه من رحمته فهو الناجى فى الدارين عن كل مكروه والواصل فيما الى كل محبوب الا ترى الله بقول وما ارسلناك الا رحمة للعالمين فكانت حيوته رحمة ومماته رحمة كما قال النبى صلى الله عليه وسلم حديث : حيوتى خير لكم ومماتى خير لكم تفسير : وقال ابن عطا رحمة الدارين لمن تبعك وأمن بكل والرحمة العاجلة لمن لم يومن بك بتاخير العذاب عنه الى العاقبة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد كتبنا فى الزبور} وهو كتاب داود عليه السلام كما قال {وآتينا داود زبورا} {من بعد الذكر} اى بعدما كتبنا فى التوراة لان كل كتاب سماوى ذكر كما سبق. قال الراغب زبرت الكتاب كتبته كتابة غليظة وكل كتاب غليظ الكتابة يقال له الزبور وخص بالكتاب المنزل على داود. قيل بل الزبور كل كتاب يصعب الوقوف عليه من الكتب الالهية. وقال بعضهم اسم للكتاب المقصور على الحكمة العقلية دون الاحكام الشرعية والكتاب لما يتضمن الاحكام والحكم ويدل على ذلك ان زبور داود لا يتضمن شيئا من الاحكام. قال فى القاموس الزبور الكتاب بمعنى المزبور والجمع زبر وكتاب داود عليه السلام انتهى {ان الارض يرثها عبادى الصالحون} اى عامة المؤمنين بعد اجلاء الكفار كما قال{أية : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملواالصالحات ليستخلفنهم فى الارض كما استخلف الذين من قبلهم}تفسير : وهذا وعد منه باظهار الدين واعزاز اهله. وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان المراد ارض الجنة كما ينبئ عنه قوله تعالى {أية : وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده واورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء }. تفسير : قال فى عرائس البقلى كان فى علم الازلية ان ارض الجنان ميراث عباده الصالحين من الزهاد والعباد والابرار والاخيار لانهم اهل الاعواض والثواب والدرجات وان مشاهدة جلال ازليته ميراث اهل معرفته ومحبته وشوقه وعشقه لانهم فى مشاهدة الربوبية واهل الجنة فى مشاهدة العبودية. قال سهل اضافهم الى نفسه وحلاهم بحلية الصلاح معناه لا يصلح لى الا ما كان لى خالصا لا يكون لغيرى فيه اثر وهم الذين اصلحوا سريرتهم مع الله وانقطعوا بالكلية عن جميع ما دونه. وقال الشيخ المغربى قدس سره شعر : مجوى دردل ما غير دوست زآنكه نيابى ازانكه دردل محمود جزاياز نباشد
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد كتبنا في الزَّبور} كتاب داود عليه السلام، {من بعْدِ الذِّكْرِ}: التوراة، أو اللوح المحفوظ، {أنَّ الأرض} أي: جنس الأرض، يعني: مشارقها ومغاربها، {يرثُها عبادي الصالحون} وهم أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ففي الآية ثناء عليهم وبشارة لهم، وإخبار بظهور غيب تحقق ظهوره في الوجود؛ مِن فَتْح الله على هذه الأمة مشارقَ الأرض ومغاربها، كقوله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [النُّور: 55]. وقال القشيري: على قوله: {عبادي الصالحون}: هم أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - وهم بجملتهم قوم صالحون لنعمته، وهم المطيعون، وآخرون صالحون لرحمته وهم العاصون. هـ. قال في الحاشية الفاسية: والظاهر أن حديث: "حديث : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله"تفسير : ، مفسر للآية، وموافق لوعدها. قيل: وهذه الطائفة مُفْتَرَقَةً من أنواع المؤمنين، ممن فيه عائدة على الدين ونفع له؛ من شجعان مقاتلين، وفقهاء ومحدِّثين، وزهاد وصالحين، وناهين وآمرين بالمعروف. هـ. قلت: وعارفين متمكنين، علماء بالله ربانيين. ثم قال: وغير ذلك من أنواع أهل الحسنى، ولا يلزم اجتماعهم، بل يكونون متفرقين في أقطار. هـ. قلت": وفيه نظر؛ لأن مراد الآية الأمة كلها، كما قال القشيري، ومراد الحديث بعضها، فلا يليق أن يكون تفسيرًا لها، وهي أعم منه. وقيل: المراد بالأرض: أرض الشام، وقيل: أرض الجنة. ثم قال تعالى: {إِنَّ في هذا} أي: ما ذكر في السورة الكريمة من الأخبار والمواعظ البالغة، والوعد والوعيد، والبراهين القاطعة الدالة على التوحيد وصحة النبوة، {لبلاغًا} أي: كفاية، أو سبب بلوغ إلى البغية، من رضوان الله تعالى، ومحبته، وجزيل ثوابه، فمن تبع القرآن وعمل به، وصل إلى ما يرجو من الثواب العظيم، فالقرآن زادُ الجنة كبلاغ المسافر، فهو بلاغ وزاد {لقومٍ عابدين} أي: لقومٍ همتُهُم العبادة دون العادة. وبالله التوفيق. الإشارة: قد أورث الله أرضه وبلاده لأهل التوجه إلى الله، والإقبال عليه. فوراثة كل أحد على قدر توجهه وإقباله على مولاه. والمراد بالوراثة: التصرف بالهمة ونفوذ الكلمة في صلاحَ الدين وهداية المخلوقين، وهم على قسمين: قسم يتصرف في ظواهر الخلق بإصلاح ظواهرهم، وهم العلماء الأتقياء، فهم يُبلغون الشرائع والأحكام، لإصلاح نظام الإسلام، وقد تقدم تفصيلهم في سورة التوبة عند قوله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ...} تفسير : [التّوبَة: 122] الخ، وقسم يتصرفون في بواطنهم؛ وهم أهل التصرف العارفون بالله، على اختلاف مراتبهم؛ من غوث وأقطاب وأوتاد، وأبدال، ونجباء، ونقباء، وصالحين، وشيوخ مربين، فهم يُعالجون بواطن الناس بالتربية بالهمة والحال والمقال، حتى يتطهر مَنْ يصحبهم من الرذائل، ويتحلى بأنواع الفضائل، فيتأهل لحضرة القدس ومحل الأنس. وهؤلاء حازوا الوراثة النبوية كلها، كما قال ابن البنا في مباحثه: شعر : تَبِعَهُ العَالِم في الأقوال والعابد الزاهد في الأفعال وبهما الصوفي في السباق لكنه قد زاد بالأخلاق تفسير : ثمَّ ختم ذكر الانبياء عليهم السلام بذكر سيد الوجود...
الجنابذي
تفسير : الزّبور كتاب داود (ع) والكتاب السّماوىّ ومطلق الكتاب والالواح العالية من اللّوح المحفوظ ولوح المحو والاثبات، والذّكر مصدر بمعنى التّذكّر وكلّ ما يتذكّر به من الاقلام والالواح الرّوحانيّة والجسمانيّة والكتب السّماويّة، والانسان الكامل والولاية والنّبوّة والتّوراة، ومن بعد الذّكر متعلّق بكتبنا او ظرف مستقرّ حال من الزّبور، او خبر مقدّم وانّ الارض (الى آخر الآية) مبتدء مؤخّر والجملة مفعول كتبنا لكونه بمعنى القول، وهذا بعيد جداً ووجوه اعتبار المعنى فى كلّ من وجوه اعتبار اللّفظ بحسبه، والعباد الصّالحون شيعة علىٍّ (ع) فانّهم يملكون ارض العالم الصّغير حين ظهور القائم (ع) بالموت الاضطرارىّ او الاختيارىّ، ويملكون ارض الفردوس كذلك، ويملكون ارض العالم الكبير بالتّصرّف فيها باىّ نحوٍ شاؤا بعد ظهور القائم (ع) ولذلك فسّر الآية باصحاب القائم عجّل الله فرجه.
الهواري
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ} أي: الكتب التوراة والإِنجيل والفرقان {مِن بَعْدِ الذِّكْرِ} أي: الكتاب الذي عند الله في السماء، وهو أم الكتاب. هذا تفسير مجاهد. {أَنَّ الأَرْضَ} يعني أرض الجنة {يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} وهم المؤمنون. وقال ابن عباس: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ} أي: زبور داوود {مِن بَعْدِ الذِّكْرِ} أي: التوراة. {أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} أي: أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قوله: {إِنَّ فِي هَذَا} أي: القرآن {لَبَلاَغاً} أي: إلى الجنة {لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} أي: الذين يصلون الصلوات الخمس. قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} قال بعضهم: من آمن بالله ورسوله تمّت عليه الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن كفر بالله ورسوله عوفي مما عذبت به الأمم السالفة، وله في الآخرة النار؛ قال: لأن الله أخّر عذاب كفار هذه الأمة بالاستئصال إلى النفخة الأولى، بها يكون هلاكهم.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ} كتاب داود. {مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} القرآن العظيم. والبَعدية رتبية تقول: عيسى بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. تريد أن شأن سيدنا محمد أسبق وأعظم من شأن سيدنا عيسى. والبَعدية ذِكرية، كقول الأستاذ لتلميذه: قد أقرأتك الآجُرُّوميّة، بعد الألفية، وهو قدّم له الآجُرُّوميَّة. كأنه قال: قد أقرأتك الألفية، وإنى أخبرك بعد ذلك، أنك قد أقرأتك الآجرومية. أو البَعدية بمعنى الزيادة، أى زيادة عن الذكر، وعن الألفية. وقيل: الذكر: التوراة. وقيل: جنس ما أنزل الله على الأنبياء والذكر: اللوح المحفوظ المنسوخة هن منه. وقيل: الزبور: كتاب داود، والذكر: التوراة. وقالت فرقة: الزبور: ما بعد التوراة من الكتب، والذكر: التوراة. وقال ابن عباس: الزبور: التوراة، والذكر: ما قبلها. وإنما صح إطلاق الزبور على غير كتاب داود؛ لأنه من زَبرَ يَزْبُر، أى كَتَب. وقيل: الزبور: كتاب داود، والذكر: القرآن، وبَعد بمعنى قبل. {أَنَّ الأَرْضَ} أرض الجنة. وقيل: بلاد الكفَّار والقولان عن ابن عباس. وقيل: الأرض المقدسة. {يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ} أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أو الصالحون مطلقاً. وسكن حمزة باء عبادى، وحذفها للساكن.
اطفيش
تفسير : {ولٌقَد كَتَبنا فى الزَّبُور} المُوحى الى داود عليه السلام {مِنْ بعد الذِّكْر} التوراة، وقيل الزبور جنس كتب الله التى بعد التوراة، وقيل: الزبور والقرآن، والذكر التوراة، وقيل: الزبور كتب الله كلها، والذكر اللوح المحفوظ، وتسميته ذكراً مجازاً لاشتماله على حروف تتضح منها كلمات تتضمن تذكيراً، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان الله ولم يكن قبله شىء وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض وكتب فى الذكر كل شىء" تفسير : أى فى اللوح المحفوظ، والزبور لفظ عربى فعول بمعنى مفعول، أى مزبور أى مكتوب، وخصه بعض بالكتابة الغليظة، أو بمعنى فاعل أى زابر أى زاجر {أن الأرْض يرثُها عِبادى الصَّالحُونَ} أرض الجنة، لأنها خلقت للصالحين، وما يدخلها فاسق إلا بعد أن يوفق للتوبة، ويعد صالحا، ولو عند الموت ما لم يشاهد، ويدل لهذا أنها ذكرت بعد ذكر البعث، ولا أرض بعد البعث يتمكن فيها الصالحون غيرها. وعن ابن عباس: أرض الدنيا يستولى عليها المؤمنون كقوله تعالى: "أية : ليستخلفنَّهم فى الأرض" تفسير : [النور: 55] قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تعالى زُوى لى الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن أمتى سيبلغ ملكها ما زوى لى منها" تفسير : وهذا وعد بإعزاز الأسلامى وأهله، بالاستيلاء على أكثر المعمور الذى يتردد اليه المسافرون، وهذا هو المراد، ولا يشكل علينا الدنيا الجديدة التى لم يدخلها المؤمنون، والهند المغرى، وإن اعتبرنا زمان المهدى وعيسى وهو من هذه الأمة إذا نزل، فلا إشكال، وأما وضعه الجزية عن أهل الكتاب والمجوس، فلا يقبل منهم إلا الإسلام، فمن سنة النبى صلى الله عليه وسلم إليه إذا أتى، وقيل: أرض القدس وقيل: الشام كله، والصحيح الأول، وعلى أنها أرض الدنيا لهذه الأمة لا يشكل كفر جميع المكلفين عند قرب الساعة جدا، لأن الإرث لا يختص بالدوام، ولأن أيام قرب الساعة قليلة لا يعتد بها، كأنها من أيام الآخرة.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ} الظاهر أنه زبور داود عليه السلام وروي ذلك عن الشعبـي. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه الكتب، والذكر في قوله تعالى: {مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ} التوراة، وروي تفسيره بذلك عن الضحاك أيضاً، وقال في الزبور: الكتب من بعد التوراة. وأخرج عن ابن جبير أن الذكر التوراة والزبور والقرآن. وأخرج عن ابن زيد أن الزبور الكتب التي أنزلت على الأنبياء عليهم السلام والذكر أم الكتاب الذي يكتب فيه الأشياء قبل ذلك وهو اللوح المحفوظ كما في بعض الآثار، واختار تفسيره بذلك الزجاج وإطلاق الذكر عليه مجاز. وقد وقع في حديث البخاري عنه صلى الله عليه وسلم: « حديث : كان الله تعالى ولم يكن قبله شيء وكان عرشه على الماء ثم خلق الله السمٰوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء » تفسير : وقيل الذكر العلم وهو المراد بأم الكتاب، وأصل الزبور كل كتاب غليظ الكتابة من زبرت الكتاب أزبر بفتح الموحدة وضمها كما في «المحكم» إذا كتبته كتابة غليظة وخص في المشهور بالكتاب المنزل على داود عليه السلام، وقال بعضهم: هو اسم للكتاب المقصور على الحكمة العقلية دون الأحكام الشرعية ولهذا يقال للمنزل على داود عليه السلام إذ لا يتضمن شيئاً من الأحكام الشرعية. والظاهر أنه اسم عربـي بمعنى المزبور، ولذا جوز تعلق {مِن بَعْدِ} به كما جوز تعلقه بكتبنا، وقال حمزة: هو اسم سرياني، وأياً ما كان فإذا أريد منه الكتب كان اللام فيه للجنس أي كتبنا في جنس الزبور. {أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ} أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم وغيرهما عن ابن عباس أن المراد بالأرض أرض الجنة، قال الإمام: ويؤيده قوله تعالى: { أية : وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء } تفسير : [الزمر: 74] وإنها الأرض التي يختص بها الصالحون لأنها لهم خلقت، وغيرهم إذا حصلوا فيها فعلى وجه التبع وأن / الآية ذكرت عقيب ذكر الإعادة وليس بعد الإعادة أرض يستقر بها الصالحون ويمتن بها عليهم سوى أرض الجنة، وروي هذا القول عن مجاهد وابن جبير وعكرمة والسدي وأبـي العالية، وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد بها أرض الدنيا يرثها المؤمنون ويستولون عليها وهو قول الكلبـي وأيد بقوله تعالى: { أية : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [النور: 55]. وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها » تفسير : وهذا وعد منه تعالى بإظهار الدين وإعزاز أهله واستيلائهم على أكثر المعمورة التي يكثر تردد المسافرين إليها وإلا فمن الأرض ما لم يطأها المؤمنون كالأرض الشهيرة بالدنيا الجديدة وبالهند الغربـي، وإن قلنا بأن جميع ذلك يكون في حوزة المؤمنين أيام المهدي رضي الله تعالى عنه ونزول عيسى عليه السلام فلا حاجة إلى ما ذكر، وقيل: المراد بها الأرض المقدسة، وقيل: الشأم ولعل بقاء الكفار وحدهم في الأرض جميعها في آخر الزمان كما صحت به الأخبار لا يضر في هذه الوراثة لما أن بين استقلالهم في الأرض حينئذ وقيام الساعة زمناً يسيراً لا يعتد به وقد عد ذلك من المبادي القريبة ليوم القيامة، والأولى أن تفسر الأرض بأرض الجنة كما ذهب إليه الأكثرون وهو أوفق بالمقام. ومن الغرائب قصة تفاؤل السلطان سليم بهذه الآية حين أضمر محاربته للغوري وبشارة ابن كمال له أخذاً مما رمزت إليه الآية بملكة مصر في سنة كذا ووقوع الأمر كما بشر وهي قصة شهيرة وذلك من الأمور الاتفاقية ومثله لا يعول عليه.
ابن عاشور
تفسير : إن كان المراد بالأرض أرض الجنة كما في قوله تعالى في [سورة الزمر: 73] {أية : وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً} تفسير : إلى قوله تعالى: {أية : وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء}تفسير : [سورة الزمر: 74] فمناسبة ذكر هذه الآية عقب التي تقدمتها ظاهرة. ولها ارتباط بقوله تعالى: {أية : أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}تفسير : [الأنبياء: 44]. وإن كان المراد أرضاً من الدنيا، أي مَصيرَها بيدِ عباد الله الصالحين كانت هذه الآية مسوقة لوعد المؤمنين بميراث الأرض التي لَقُوا فيها الأذَى، وهي أرض مكة وما حولها، فتكون بشارة بصلاح حالهم في الدنيا بعد بشارتهم بحسن مآلهم في الآخرة على حد قوله تعالى: {أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}تفسير : [النحل: 97]. على أن في إطلاق اسم الأرض ما يصلح لإرادة أن سلطان العالم سيكون بيد المسلمين ما استقاموا على الإيمان والصلاح. وقد صدق الله وعده في الحالين وعلى الاحتمالين. وفي حديث أبي داوود والترمذي عن ثَوبان قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «حديث : إنّ الله زوَى لي الأرض فرأيت مشارقَها ومغاربَها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها».تفسير : وقرأ الجمهور {في الزبور} بصيغة الإفراد وهو اسم للمزبور، أي المكتوب، فعول بمعنى مفعول، مثل: ناقة حَلوب ورَكوب. وقرأ حمزة بصيغة الجمع {زُبور} بوزن فعول جمع زِبْر بكسر فسكون أي مزبور، فوزنه مثل قِشر وقُشور، أي في الكتب. فعلى قراءة الجمهور فو غالب في الإطلاق على كتاب داوود قال تعالى: {أية : وآتينا داوود زبوراً} تفسير : في [سورة النساء: 163] وفي [سورة الإسراء: 55]، فيكون تخصيص هذا الوعد بكتاب داوود لأنه لم يذكر وعْد عامّ للصالحين بهذا الإرث في الكتب السماوية قبله. وما ورد في التوراة فيما حكاه القرآن من قول موسى - عليه السلام -: {أية : إن الأرض لله يُورثها من يشاء من عباده} تفسير : [الأعراف: 128] فذلك خاص بأرض المقدس وببني إسرائيل. والزبور: كتاب داوود وهو مبثوث في الكتاب المسمى بالمزامير من كتب اليهود. ولم أذكر الآن الجملة التي تضمنت هذا الوعد في المزامير. ووجدت في محاضرة للإيطالي المستعرب (فويدو) أن نص هذا الوعد من الزبور باللغة العبرية هكذا: «صديقين يرشون أرص» بشين معجمة في «يرشون» وبصاد مهملة في «أرص»، أي الصديقون يرثون الأرض. والمقصود: الشهادة على هذا الوعد من الكتب السالفة وذلك قبل أن يجيء مِثل هذا الوعد في القرآن في [سورة النور: 55] في قوله تعالى: {أية : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم}.تفسير : وعلى قراءة حمزة أن هذا الوعد تكرر في الكتب لِفِرق من العباد الصالحين. ومعنى {من بعد الذكر} أن ذلك الوعد ورد في الزبور عقب تذكير ووعظ للأمة. فبعد أن ألقيت إليهم الأوامر وُعِدوا بميراث الأرض، وقيل المراد بــــ {الذكر}كتاب الشريعة وهو التوراة. قال تعالى: {أية : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكراً للمتقين}تفسير : [الأنبياء: 48] فيكون الظرف في قوله تعالى: {من بعد الذكر} مستقرّاً في موضع الحال من الزبور. والمقصود من هذه الحال الإيماء إلى أن الوعد المتحدّث عنه هنا هو غير ما وعد الله بني إسرائيل على لسان موسى من إعطائهم الأرض المقدسة. وهو الوعد الذي ذكر في قوله تعالى حكاية عن موسى: {أية : يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم}تفسير : [المائدة: 21]، وأنه غير الإرث الذي أورثه الله بني إسرائيل من المُلك والسلطان لأن ذلك وعد كان قبل داوود. فإن مُلك داوود أحد مظاهره. بل المراد الإيماء إلى أنه وعد وعده الله قوماً صالحين بعد بني إسرائيل وليسوا إلا المسلمين الذين صدقَهم الله وعده فملكوا الأرض ببركة رسولهم - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه واتسع ملكهم وعظم سلطانهم حسب ما أنبأ به نبيهم - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم آنفاً. وجملة {إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين} تذييل للوعد وإعلان بأن قد آن أوانه وجاء إبانه. فإن لم يأت بعد داوود قوم مؤمنون ورَثوا الأرض، فلما جاء الإسلام وآمن الناس بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فقد بلغ البلاغُ إليهم. فالإشارة بقوله تعالى: {إن في هذا} إلى الوعد الموعود في الزبور والمبلّغ في القرآن. والمراد بالقوم العابدين مَن شأنهم العبادة لا ينحرفون عنها قِيد أنملة كما أشعر بذلك جريان وصف العابدين على لفظ {قوم}المشعرِ بأن العبادة هي قِوام قوميتهم كما قدمناه عند قوله تعالى: {أية : وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون}تفسير : في آخر [سورة يونس: 101]. فكأنه يقول: فقد أبلغتكم الوعد فاجتهدوا في نواله. والقوم العابدون هم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الموجودون يومئذ والذين جاءوا من بعدهم. والعبادة: الوقوف عند حدود الشريعة. قال تعالى: {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}تفسير : [آل عمران: 110]. وقد ورثوا هذا الميراث العظيم وتركوه للأمة بعدهم، فهم فيه أطوار كشأن مختلف أحوال الرشد والسفه في التصرف في مواريث الأسلاف. وما أشبه هذا الوعد المذكورَ هنا ونوطَه بالعبادة بالوعد الذي وُعدته هذه الأمة في القرآن: {أية : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون}تفسير : [النور: 55ــــ56].
الشنقيطي
تفسير : أظهر الأقوال عندي في هذه الآية الكريمة: أن الزبور الذي هو الكتاب يراد به جنس الكتاب فيشمل الكتب المنزلة، كالتوراة والإنجيل، وزبور داود، وغير ذلك. وأن المراد بالذكر: أم الكتاب، وعليه فالمعنى: ولقد كتبنا في الكتب المنزلة على الأنبياء أن الأرض يرثها عبادي الصالحون بعد أن كتبنا ذلك في أم الكتاب. وهذا المعنى واضح لا إشكال فيه. وقيل الزبور في الآية: زبور داود، والذكر: التوراة. وقيل غير ذلك. وأظهرها هو ما ذكرنا واختاره غير واحد. واعلم أن قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية قد يكون فيها قولان للعلماء، وكلاهما حق ويشهد له قرآن فتذكر الجميع. لأنه لكه حق داخل في الآية. ومن ذلك هذه الآية الكريمة، لأن المراد بالأرض في قوله هنا {أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} فيه للعلماء وجهان: الأول ـ أنها أرض الجنة يورثها الله يوم القيامة عباده الصالحين. وهذا القول يدل له قوله تعالى: {أية : وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ}تفسير : [الزمر: 74] وقد قدمنا معنى إيراثهم الجنة مستوفى في سورة "مريم". الثاني ـ أن المراد بالأرض: أرض العدو يورثها الله المؤمنين في الدنيا: ويدل لهذا قوله تعالى: {أية : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً}تفسير : [الأحزاب: 27]، وقوله: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} تفسير : [الأعراف: 137] الآية، وقوله تعالى: {أية : قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الأعراف: 128]، وقوله تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} تفسير : [النور: 55] الآية، وقوله تعالى {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ} تفسير : [إبراهيم: 13-14] إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ هذا الحرف عامة القراء غير حمزة {فِي ٱلزَّبُورِ} بفتح الزاي ومعناه الكتاب. وقرأ حمزة وحده (فِي الزُّبُورِ) بضم الزاي. قال القرطبي: وعلى قراءة حمزة فهو جمع زبر. والظاهر أنه يريد الزبر بالكسر بمعنى المزبور أي المكتوب. وعليه فمعنى قراءة حمزة: ولقد كتبنا في الكتب: وهي تؤيد أن المراد بالزبور على قراءة الفتح جنس الكتب لا خصوص زبور وداود كما بينا. وقرأ حمزة "يَرِثُها عِبَادِيْ" بإسكان الياء، والباقون بفتحها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولقد كتبنا في الزبور: أي في الكتب التي أنزلنا كصحف إبراهيم والتوراة والإِنجيل والقرآن. من بعد الذكر: أي من بعد أن كتبنا ذلك في الذكر الذي هو اللوح المحفوظ. أن الأرض: أي أرض الجنة. عبادي الصالحون: هم أهل الإِيمان والعمل الصالح من سائر الأمم من أتباع الرسل عامة. إن في هذا لبلاغا: أي إن في القرآن لبلاغاً أي لكفاية وبلغة لدخول الجنة فكل من آمن به وعمل بما فيه دخل الجنة. لقوم عابدين: أي مطيعين الله ورسوله. رحمة للعالمين: أي الإِنس والجن فالمؤمنون المتقون يدخلون الجنة والكافرون ينجون. من عذاب الاستئصال والإبادة الذي كان يصيب الأمم السابقة. فهل أنتم مسلمون: أي أسلموا فالاستفهام للأمر. وإن أدري: أي ما أدري. فتنة لكم: أي اختبار لكم. على ما تصفون: من الكذب من أن النبي ساحر، وأن الله اتخذ ولداً وأن القرآن شعر. معنى الآيات: يخبر تعالى رسوله والمؤمنين بوعده الكريم الذي كتبه في كتبه المنزلة بعد كتابته في الذكر الذي هو كتاب المقادير المسمى باللوح المحفوظ أن أرض الجنة يرثها عباده الصالحون هذا ما دلت عليه الآية الأولى [105] وقوله تعالى: {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} أي في هذا القرآن العظيم لبلاغاً لمن كان من العابدين لله بأداء فرائضه واجتناب نواهيه لكفاية في الوصول به إلى بغيته وهي رضوان الله والجنة وقوله تعالى {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} يخبر تعالى أنه ما أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلا رحمة للعالمين إنسهم وجنهم مؤمنهم وكافرهم فالمؤمنون باتباعه يدخلون رحمة الله وهي الجنة والكافرون يأمنون من عذاب الإِبادة والاستئصال في الدنيا ذلك العذاب الذي كان ينزل بالأمم والشعوب عندما يكذبون رسلهم وقوله تعالى {قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} يأمر تعالى رسوله أن يقول لقومه ولمن يبلغهم خطابه إن الذي يوحى إلي هو أن إلهكم إله واحد أي معبودكم الحق واحد وهو الله تعالى ليس غيره وعليه {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي أسلموا له قلوبكم ووجوهكم فاعبدوه ولا تعبدوا معه سواه فبلغهم يا رسولنا هذا {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عن هذا الطلب ولم يقبلوه {فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ} أي أعلمتكم {عَلَىٰ سَوَآءٍ} أنا وأنتم إنه لا تلاقي بيننا فأنا حرب عليكم وأنتم حرب عليَّ وقوله تعالى: {وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} أي وقل لهم يا رسولنا: إني ما أدري أقريب ما توعدون من العذاب أم بعيد فالعذاب كائن لا محالة ما لم تسلموا إلا أني لا أعلم وقته. وفي الآية وعيد واضح وتهديد شديد وقوله: {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} أي يعلم طعنكم العلني في الإِسلام وكتابه ونبيه، كما يعلم ما تكتمونه في نفوسكم من عداوتي وبغضي وما تخفون من إِحَنٍ وفي هذا إنذار لهم وتهديد، وهم مستحقون لذلك. وقوله: {وَإِنْ أَدْرِي} أي وما أدري {لَعَلَّهُ} أي تأخير العذاب عنكم بعد استحقاقكم له يحرِبكم للإِسلام ونبيه {فِتْنَةٌ لَّكُمْ} أي اختبار لعلكم تتوبون فيرفع عنكم العذاب أو هو متاع لكم بالحياة إلى آجالكم، ثم تعذبون بعد موتكم. فهذا علمه إلى ربي هو يعلمه، وبهذا أمرني بأن أقوله لكم. وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} وفي قراءة قُلْ رب احكم بالحق أي قال الرسول بعد أمر الله تعالى بذلك يا رب احكم بيني وبين قومي المكذبين لي المحاربين لدعوتك وعبادك المؤمنين. بالحق وذلك بنصري عليهم أو بإنزال نقمتك بهم، وقوله: {وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} أي وربنا الرحمن عز وجلّ هو الذي يستعان به على إبطال باطلكم أيها المشركون حيث جعلتم لله ولداً، وشركاء، ووصفتم رسوله بالسحر والكذب. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- المؤمنون المتقون وهم الصالحون هم ورثة الجنة دار النعيم المقيم. 2- في القرآن الكريم البُلغة الكافية لمن آمن به وعمل بما فيه بتحقيق ما يصبوا إليه من سعادة الدار الآخرة. 3- بيان فضل النبي صلى الله عليه وسلم وكرامته على ربه حيث جعله رحمة للعالمين. 4- وجوب المفاصلة بين أهل الشرك وأهل التوحيد. 5- وجوب الاستعانة بالله على كل ما يواجه العبد من صعاب وأتعاب.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّالِحُونَ} (105) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ حَتْمِهِ وَقَضَائِهِ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ بالسَّعَادَةِ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَوِرَاثَةِ الأَرْضِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ قَضَى فِي الكُتُبِ التِي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِه (الزَّبُور) كَمَا قَضَى فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وَهُوَ أُمُّ الكِتَابِ (الذِّكْرِ) أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها الصَّالِحُونَ مِنْ عِبَادِه؛ وَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ سُنَّةً وَمِنْهَاجاً. (والصَّالِحُونَ الذين عَنَاهُم اللهُ تَعَالَى هُمُ الَّذينَ جَمَعُوْا الإِيْمَانَ والعَمَلَ الصَّالِحَ، فإِذَا اجْتَمَعَ إِيْمَانُ القَلْبِ، وَنشَاطُ العَمَلِ في أُمَّةٍ فَهِيَ الوَارِثَةُ للأَرْضِ. وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللهِ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ أبداً). الزَّبُوْرُ - الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والزَّبُورُ قِسْمٌ مِنْ كِتَابٍ أََوْ هُوَ الكِتَابُ المُنَزَّلُ عَلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. الذّكْرُ - اللَّوْحُ المَحْفُوظُ - وَهُوَ أُمُّ الكِتَابِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والكَتْب: التسجيل، لكن علم الله أزليٌّ لا يحتاج إلى تسجيل، إنما التسجيل من أجلنا نحن حتى نطمئن، كما لو أخذتَ من صاحبك قَرْضاً وبينكما ثقة، ويأمن بعضكم بعضاً، لكن مع هذا نكتب القَرْض ونُسجِّله حتى تطمئن النفس. ومعنى: {كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ ..} [الأنبياء: 105] الزبور: الكتاب الذي أُنزِل على نبي الله داود، ومعنى الزبور: الشيء المكتوب، فإنْ أطلقتَها على عمومها تُطلَق على كل كتاب أنزله الله، ومعنى: {مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ..} [الأنبياء: 105] الذِكْر: يُطلَق مرة على القرآن، ومرة على الكتب السابقة. وما دام الزَبور يُطلَق على كل كتاب أنزله الله فلا بُدَّ أن للذكر معنى أوسع؛ لذلك يُطلَق الذكر على اللوح المحفوظ، لأنه ذكْر الذكْر، وفيه كل شيء. فمعنى: {كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ ..} [الأنبياء: 105] أي: في الكتب التي أُنزلَتْ على الأنبياء ما كتبناه في اللوح المحفوظ، أو ما كتبناه في الزبور، لا أنّ سيدنا داود أعطاه الله فوق ما أعطى الآخرين. ومعنى: {مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ..} [الأنبياء: 105] هذه تدل على أن واحداً أسبق من الآخر، نقول: القرآن هو كلام الله القديم، ليس في الكتب السماوية أقدم منه، والمراد هنا {مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ..} [الأنبياء: 105] بعدية ذِكْرية، لا بعدية زمنية. فما الذي كتبه الله لداود في الزبور؟ كتب له {أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105] كلمة الأرض إذا أُطلقَتْ عموماً يُراد بها الكرة الأرضية كلها. وقد تُقيَّد بوصف معين. كما في: {أية : الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ..} تفسير : [المائدة: 21]. وفي: {أية : فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ ..} تفسير : [يوسف:80] أي: التي كان بها. وهنا يقول تعالى: {أَنَّ ٱلأَرْضَ ..} [الأنبياء: 105] أي: الأرض عموماً {يَرِثُهَا ..} [الأنبياء: 105] أي: تكون حقاً رسمياً لعبادي الصالحين. فأيُّ أرض هذه؟ أهي الأرض التي نحن عليها الآن؟ أم الأرض المبدلة؟ ما دُمْنَا نتكلّم عن بَدْء الخَلْق وإعادته، فيكون المراد الأرض المبدلَة المعادة في الآخرة، والتي يرثها عباد الله الصالحون، والإرْث هنا كما في قوله تعالى: {أية : تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الأعراف: 43]. فعن مَنْ ورثوا هذه الأرض؟ الحق سبحانه وتعالى حينما خلق الخَلْق أعدَّ الجنة لِتسعَ كلَّ بني آدم إنْ آمنوا، وأعدَّ النار لتسع كُلَّ بني آدم إنْ كفروا، فليس في المسألة زحام على أيِّ حال. فإذا ما دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، ودخل أهلُ النارِ النارَ ظلَّتْ أماكن أهل النار في الجنة خالية فيُورثها الله لأهل الجنة ويُقسِّمها بينهم، ويُفسح لهم أماكنهم التي حُرِم منها أهل الكفر. أو نقول: الأرض يُراد بها أرض الدنيا. ويكون المعنى أن الله يُمكِّن الصالح من الأرض، الصالح الذي يَعْمُرها ولو كان كافراً؛ لأن الله تعالى لا يحرم الإنسان ثمار عمله، حتى وإنْ كان كافراً، يقول تعالى} أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍتفسير : [الشورى: 20]. لكن عمارة الكفار للأرض وتكوينهم للحضارة سَرْعان ما تنزل بهم النكبات، وتنقلب عليهم حضارتهم، وها نحن نرى نكبات الأمم المرتقية والمتقدمة وما تعانيه من أمراض اجتماعية مستعصية، فليست عمارة الأرض اقتصاداً وطعاماً وشراباً وترفاً. ففي السويد - مثلاً - وهي من أعلى دول العالم دَخْلاً ومع ذلك بها أعلى نسبة انتحار، وأعلى نسبة شذوذ، وهذه هي المعيشة الضَّنْك التي تحدَّث عنها القرآن الكريم في قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} تفسير : [ طه: 124]. فالضَّنْك لا يعني فقط الفقر والحاجة، إنما له صور أخرى كثيرة. إذن: لا تَقِسْ مستوى التحضُّر بالماديات فحسب، إنما خُذْ في حُسبانك كُلَّ النواحي الأخرى، فمَنْ أتقن النواحي المادية الدنيوية أخذها وترف بها في الدنيا، أمّا الصلاح الديني والخُلقي والقِيَمي فهو سبيل لترف الدنيا ونعيم الآخرة. وهكذا تشمل الآية: {يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105] الصلاح المادي الدنيوي، والصلاح المعنوي الأخروي، فإنْ أخذتَ الصلاح مُطلقاً بلا إيمان، فإنك ستجد ثمرته إلى حين، ثم ينقلب عليك، فأين أصحاب الحضارات القديمة من عاد وثمود والفراعنة؟ إن كُلَّ هذه الحضارات مع ما وصلتْ إليه ما أمكنها أن تحتفظ لنفسها بالدوام، فزالتْ وبادتْ. يقول تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ}تفسير : [الفجر: 6-10]. إنها حضارات راقية دُفِنَتْ تحت أطباق التراب، لا نعرف حتى أماكنها. أمّا إنْ أخذت الصلاح المعنوي، الصلاح المنهجي من الله عز وجل فسوف تحوز به الدنيا والآخرة؛ ذلك لأن حركة الحياة تحتاج إلى منهج يُنظِّمها: افعل كذا ولا تفعل كذا. وهذا لا يقوم به البشر أمّا ربُّ البشر فهو الذي يعلم ما يُصلحهم ويُشرِّع لهم ما يُسعدهم. إن منهج الله وحده هو الذي يأمرنا وينهانا، ويخبرنا بالحلال والحرام، وعلينا نحن التنفيذ، وعلى الحكام وأولياء الأمر الممسكين بميزان العدل أنْ يراقبوا مسألة التنفيذ هذه، فيُولُّوا مَنْ يصلُح للمهمة، ويقوم بها على أكمل وجه، وإلا فسد حال المجتمع، الحاكم يُشرف ويُراقِب، يُشجِّع العامل ويُعاقب الخامل، ويضع الرجل المناسب في مكانه المناسب. فعناصر الصلاح في المجتمع: علماء يُخططون، وحكام يُنفّذون، ويديرون الأمور، وكلمة حاكم مأخوذة من الحكَمة (بالفتح) وهي: اللجام الذي يكبح الفَرس ويُوجِّهها. لذلك جاء في الحديث الشريف: "حديث : مَنْ ولَّى أحداً على جماعة، وفي الناس خير منه لا يشم رائحة الجنة ". تفسير : لماذا؟ لأن ذلك يُشيع الفساد في الأرض، ويُثبِّط العزائم العالية والهمم القوية حين ترى مَنْ هو أقلّ منك كفاءة يتولّى الأمر، وتُستبعد أنت. أما حين تعتد كِفَة الميزان فسوف يجتهد كُلٌّ مِنّا ليصل إلى مكانه المناسب. إذن: مهمة الحكام وولاة الأمر ترقية المجتمع، فلا نقول لحاكم مثلاً يُعِدُّ لنا طعاماً، أو يصنع لنا آلة، فليستْ هذه مهمته، ولقد رأينا أحد الأمراء وكان له أرض يزرعها، يتولاها أحد الموظفين يقولون له (الخُولي) ومهمة الخولي الإشراف والمراقبة. وفي يوم جاء الأمير ليباشر أرضه ويتفقد أحوالها في صُحْبة الخولي، وفي أثناء جولتهما بالأرض رأى الخولي قناةً ينسابُ منها الماء حتى أغرق الزرع فنزل وسَدَّ القناة بنفسه. وعندها غضب الأمير وفصله من عمله؛ لأنه عمل بيده في حين أن مهمته الإشراف ولديه من العمال مَنْ يقوم بمثل هذا العمل. لكن لماذا هذه النظرة في إدارة الأعمال؟ قالوا: لإنك إنْ عملتَ بيدك فأنت واحد، لكن إنْ أشرفتَ فيمكن أنْ تُشرِف على آلاف من العمال. ومن هنا جاءت مسألة التخصُّص في الأعمال. وعلى الحاكم ووليّ الأمر أنْ يحافظ على منهج الله، ويتابع تطبيق الناس له، فيقف أمام أي فساد، ويأخذ على يد صاحبه، ويثيب المجتهد العامل، كما جاءَ في قوله تعالى في قصة القرنين: {أية : قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} تفسير : [الكهف: 87-88]. ذلك، لأن الله تعالى يزَعُ بالسلطان مَا لا يزع بالقرآن، ولو تركنا أهل الفساد والمنحرفين لجزاء القيامة لفسد المجتمع، لا بُدَّ من قوة تصون صلاح المجتمع، وتضرب على أيدي المفسدين، لا بُدَّ من قوة تمنع مَنْ يتجرؤون علينا ويطالبون بتغيير نظامنا الإسلامي. لذلك يقول تعالى: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 60] لا بُدَّ أن يعلم العدو أن لديك الرادعَ الذي يَردعه إنِ اعتدى عليك أو حاول إفساد صلاح المجتمع. لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث إن السهم الذي يُرمى في سبيل الله، لكل مَنْ شارك في إعداده ورمية جزء من الثواب، فالذي قطعه من الشجرة والذي براه، والذي وضعه في القوس ورمى به؛ لأن في ذلك صيانةً للحق وصيانة للصلاح حتى يدوم، ولا يفسده أحد. والمسئولية هنا لا تقتصر على الحكام وولاة الأمر، إنما هي مسئولية كل فرد فيمن ولي أمراً من أمور المسلمين، كما جاء في الحديث: "حديث : كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته: فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بَعْلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راعٍ على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته ". تفسير : وعلى العامل ألاّ ينظرَ إلى مراقبة صاحب العمل، وليكُنْ هو رقيباً على نفسه، والله عز وجل يراقب الجميع، وقد جاء في الحديث القدسي حديث : "إن كنتم تعتقدون أَنِّي لا أراكم فالخَلل في إيمانكم، وإنْ كنتم تعتقدون أَنِّي أراكم فَلِمَ جعلتموني أهونَ الناظرين إليكم؟ ". تفسير : والمتأمل في حركة الحياة يجدها متداخلة، فمثلاً لو أردتَ بناء بيت، فالهندسة حركة، والبناء حركة، والكهرباء حركة، والنجارة حركة، وهكذا..، فلو قلنا: إن هذا العمل يتكون من مائة حركة مثلاً، فإنك لا تملك منها إلا حركة واحدة هي عملك الذي تتقنه، والباقي حركات لغيرك، فإنْ أخلصتَ فيما للناس عندك ألهمهم الله أنْ يخلصوا لك ولو عن غير قصد، فأنت أخلصتَ وأتقنتَ حركة واحدة، وأخلص الناس لك في تسع وتسعين حركة. واعلم أن الخواطر والأفكار بيد الله سبحانه، فإنْ راقبتَ الله فيما للناس عندك راقبهم الله لك فيما لك عندهم، وكفاك مُؤْنة المراقبة، فقد يصنع لك الصانع شيئاً، ويريد أنْ يغشَّك فيه فيحول الله بينه وبين هذا؛ ربما يجلس معه أحد معارفه فيستحي أن يغش أمامه، أو لا يجد الشيء الذي يغشك به، أو غير ذلك من الأسباب التي يُسخِّرها الله لك، فيتقن لك الصانع صَنْعته، ولو رَغْماً عن إرادته. إذن: إن أردتَ صلاحَ أمرك فأصلح أمور الآخرين. ومن الأساسيات التي نُصلح بها ونرث الأرض أن ننظر إلى الناس جميعاً على أنهم سواسية، لا فضلَ لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، فليس فينا مَنْ هو ابن لله عز وجل، وليس منا مَنْ بينه وبين الله قرابة، قال تعالى: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ..} تفسير : [الحجرات: 13]. والإسلام لا يعرف الطبقية إلا في إتقان العمل، فقيمة كل امرىء ما يُحسِنه، وقد ضربنا لذلك مثلاً، وما نزال نذكره مع أنه لرجل غير مسلم، إنه رجل فرنسي كان نقيباً للعمال، وكان يدافع عن حقوقهم، ويطلب لهم زيادة الدَّخْل من ميزانية الوزارة، فلما تولى منصب الوزارة وتولى المسئولية عدلَ عَمَّا كان يطالب به، فضجَّ العمال، وأراد أحدهم أنْ يغيظه فقال له: اذكر يا معالي الوزير أنك كنت في يوم من الأيام ماسح أحذية، فما كان من الرجل إلا أن قال: نعم .. لكني كنت أجيدها. وسبق أن ذكرنا أن الله تعالى وزَّعَ المواهب والقدرات بين خَلْقه، فساعة ترى نفسك مُميزاً على غيرك في شيء فلا تغتر به، وابحثْ فيما مُيّز به عنك غيرُك؛ لأننا جميعاً عند الله سواء، لا يحابي منا أحداً على أحد، فأنت مُميز بعلمك أو قوتك، وغيرك أيضاً مُميز في سعادته مع أهله أو في أمانته وثقة الناس به، أو في رضاه بما قسم له أو في مقدرته على نفسه ورضاه بالقليل، وقد يُميَّز الواحد مِنَّا بالولد الصالح الذي يكون مِطْواعاً لأبيه، وقُرة عَيْن له. إذن: هذه مسألة مُقدّرة محسوبة؛ لأن ربك سبحانه قيُّوم عليك، لا تخفى عليه منك خافية، وحين يُميّز بعضنا على بعض إنما ليدكّ فينا الغرور والكبرياء، وينزع من قلوبنا الحِقْد والغلَّ، وهكذا يتوازن المجتمع، ولا يكون التميز مثار حقدٍ؛ لأن تميزَ غيرك لصالحك، وسيعود عليك. والحق - سبحانه وتعالى - يُحدِّثنا عن يوم القيامة، وكيف أن الشمس ستدنو من الرؤوس، ويشتدّ بالناس الكرب، إلا هؤلاء الذين يُظلُّهم الله في ظِلِّه يوم لا ظل إلا ظله، ذلك لأنهم كانوا مظلة أمان في الدنيا، فأظلهم الله في الآخرة. كما جاء في الحديث الشريف: "حديث : سبعة يُظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه مُعلَّق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ". تفسير : نعم، لقد صنع هؤلاء بسلوكهم القويم مظلَّة أمانٍ في الكون، فاستحقوا مظلَّة الله في الآخرة. وبمثل هؤلاء يتوازن المجتمع المسلم ويَرْقَى إلى القمة، هذا المجتمع الذي نريده هو مجتمع غنيّه متواضع، وفقيره كريم شريف، وشابُّه طائع. يقول رب العزة سبحانه في الحديث القدسي: حديث : "أحب ثلاثة وحُبِّي لثلاثة أشدُّ - فهؤلاء ستة نقسمهم إلى قسمين - أحب الفقير المتواضع، وحُبِّي للغني المتواضع أشد - لأن عنده أسبابَ الكبر ومع ذلك يتواضع - وأحب الغنيِّ الكريم وحُبِّي للفقير الكريم أشدّ، وأحب الشيخ الطائع وحبي للشاب الطائع أشدُّ". "وأكره ثلاثة وكُرْهي لثلاثة أشد: أكره الغني المتكبر، وكُرْهي للفقير المتكبر أشدّ، وأكره الفقير البخيل، وكُرْهي للغني البخيل أشد، وأكره الشاب العاصي وكرهي للشيخ العاصي أشد" ". تفسير : هؤلاء اثنا عشر نوعاً: ستة في المحبوبية، وستة في المكروهية، وكلما التزمنا بتطبيق هذا المنهج وجدنا مجتمعاً راقياً من الدرجة الأولى.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} قال: الزَّبورُ زَبورُ دَاودَ. ويقالُ: القُرآنُ. والذِّكرُ: التَوراةُ. ويقالُ الذِّكرُ: الذي نُسِخَتْ منهُ الكُتُبُ. تفسير : وقوله تعالى: {أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} معناه: أرضُ الجَنةِ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 658 : 33 : 10 - سفين عن الأعمش عن سعيد بن جبير في قوله {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} قال، الزبور التورية والانجيل والقرآن {مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} قال، الذكر الذي في السماء. [الآية 105]. 659 : 34 : 11 - سفين عن الأعمش عن سعيد بن جبير {مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} الذي في السماء. 660 : 35 : 12 - سفين {أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} قال، ارض الجنة. [الآية 105].
همام الصنعاني
تفسير : 1893- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ}: [الآية: 105]، قال: في الزبور من بعد التوراة {أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ}: [الآية: 105]. قال معمر، وقال غير الكلبي {فِي ٱلزَّبُورِ} في الكتاب {مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} قال: الأصل الذي عِنْد الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):